Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد كُنَّا عاكِفينَ على دِراسَةِ هذهِ المواهِبِ والمبادئِ الَّتي تَحْكُمُ هذهِ المواهِب. وقد وَجَدْنا أنَّهُ مِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ يَستخدِمَ جَميعُ المُؤمِنينَ مَواهِبَهُم لبُنْيانِ الجسد. فإنْ كانَ الجَسَدُ مُعافَى فإنَّ شَهادَتَهُ تَكونُ فاعِلَةً لأنَّ بِناءَ الجَسَدِ يَؤولُ إلى وَحْدَتِهِ. وَوَحْدَتُهُ هِيَ شَهادَةٌ واحِدَةٌ إلى العالَمِ.

وقدِ ابتَدَأنا تَحْديدًا في إحْصاءِ المواهبِ الرُّوحِيَّةِ فوَجَدْنا لائِحَةً بها في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 12، ووَجَدْنا لائحَةً أُخرى في رُومية 12. وقد دَمَجْنا هاتَيْنِ اللَّائِحَتَيْنِ فَخَرَجْنا أوَّلًا بما أَسْمَيْناهُ المواهِبَ الدَّائِمَةَ الَّتي تَبْني. وهذهِ المَواهِبَ أُعْطِيَتْ لأجْلِ بُنْيانِ المُؤمِنين. وهيَ يجبُ أنْ تُسْتَخْدَمَ بينَ المُؤمِنينَ. وَهِيَ تَبْني المُؤمِنينَ فَرْدِيًّا. وعليهِ فإنَّها تَبْني الجَسَدَ كُلَّهُ.

ولكِنْ هُناكَ أيضًا مَواهِب أُخرى لم تُعْطَ لِبُنْيانِ الجَسَد. بل أُعْطِيَتْ في الأصْلِ لتأكيدِ الكَلِمَةِ لِغَيْرِ المُؤمِنين. وهذهِ المواهِبِ لم تَكُنْ مُرْتَبِطَة بالكنيسَةِ نَفْسِها، بَلْ بِغَيْرِ المُؤمِنين. فقد كانَ الهَدَفُ مِنْها هُوَ تأكيدُ كَلِمَةِ اللهِ. فمثلًا، لِنَفْتَرِضْ أنَّ ثلاثَةَ وُعَّاظٍ جاءوا إلى بَلْدَةٍ وَوَعَظُوا ثَلاثَ عِظاتٍ مُختلِفَة. وكُنْتَ أنْتَ تَعيشُ في زَمَنِ العهدِ الجديد. مَنْ سَتُصَدِّق؟ حَسَنًا، مِنَ المُرَجِّحِ أنَّكَ سَتُصَدِّقُ الواعِظَ الَّذي قامَ بِمُعْجِزاتٍ. فَحَتَّى إنَّ نيقوديموس قالَ ليسوع: "نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ ..." ماذا؟ "... إنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ". فقد كانَ واضحًا أنَّ يَسوعَ قَدْ أَتَى مِنَ اللهِ لأنَّهُ كانَتْ هُناكَ مُعْجِزاتٌ تُؤكِّدُ شَهادَتَهُ.

فَقَدْ أَعْلَنَ رِسالَتَهُ ثُمَّ قال: "إنْ لم تُصَدِّقوا كَلامي فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ ..." ماذا؟ "... لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا". فالمُعْجِزاتُ كانَتْ لتأكيدِ أقْوالِ يَسوع. وهذا يَعني أنَّ المُعْجِزاتِ لم تَكُنْ يومًا غَايَةً في ذاتِها. بَلْ كانَتْ آياتٍ تُؤّكِّدُ أقوالَهُ.

والآنْ، عندما اسْتَمَرَّتِ الكَنيسَةِ، أيِ الكَنيسَةُ الباكِرَةُ في العَهْدِ الرَّسُولِيِّ، أُعْطِيَتْ هذهِ المواهِبُ لتأكيدِ كَلامِ الرُّسُلِ والأنْبياءِ. وهذا واضِحٌ مِنْ خِلالِ الكِتابِ المقدَّسِ. فقد أُعْطُوا مَواهِبَ مُعْجِزِيَّة مُعَيَّنة. وَهِيَ لم تَكُنْ لأجْلِ الكنيسَةِ. وهيَ لم تَكُنْ لأجْلِ المُؤمِنين. بل كانَتْ لأجْلِ غيرِ المُؤمِنينَ لتأكيدِ أنَّ الرِّسالةَ الَّتي يَعِظُ بها الرُّسُلُ والأنْبياءُ هِيَ مِنْ عِنْدِ اللهِ حَقًّا.

وهُناكَ أَرْبَعٌ مِنْ هذهِ المواهِبِ مَذكورَةٌ في العهدِ الجَديد: "المُعْجِزاتُ"، و "الشِّفاءُ"، و "الألْسِنَةُ"، و "تَرْجَمَةُ الألْسِنَةِ" (أوْ مِنَ الأفْضَلِ أنْ نَقول: "اللُّغاتُ"، وَ "تَرْجَمَةُ اللُّغاتِ" لأنَّ هذا هُوَ المَقْصودُ في النَّصِ اليُونانِيِّ). فهذهِ المواهِبُ لَمْ تَسْتَمِرّ في الجَسَد، كَما نَرى مِنْ خِلالِ ما يُعَلِّمُهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ، بَلْ إنَّها وُجِدَتْ فقط في العَصْرِ الرَّسولِيِّ وكانَتْ تَهْدِفُ إلى تأكيدِ كلمةِ اللهِ قَبْلَ اكْتِمالِ قَانُونِ أسْفارِ العَهْدِ الجَديد – وَتَحْديدًا عندما كانَ اللهُ ما يَزالُ يَقومُ بتلكَ الآياتِ أمامَ أَعْيُنِ بَني إسْرائيل. وَسَوْفَ نَتَحَدَّثُ عَنْ ذلك.

والآنْ، اسْمَحُوا لي أنْ أَتَحَدَّثُ عَنْ طَبيعَةِ هذهِ المُعْجِزاتِ مِنْ خِلالِ آياتٍ عَديدَة. إنْجيل مَرْقُس الأصْحاح 16. لِنَنْظُرْ فَقَطْ إلى هذهِ الآياتِ. وفيما تُلْقُونَ نَظْرَةً على مَرْقُس 16، اسْمَحوا لي أنْ أقولَ الآتي: أرْجو وَأُصَلِّي أنْ تَسْمَعوا ما سَأقولُ في هذا الصَّباحِ كَما هُوَ. فهُناكَ أصْدقاءٌ أعِزَّاء على قَلْبي يَخْدِمونَ في كَنائِسَ وَمُنَظَّماتٍ تُؤمِنُ بأنَّ هذهِ المَواهِبَ هِيَ لِعَصْرِنا الحَالِيِّ. وقد وَعَظْتُ في كَنائِسِهِمْ. وَكُنْتُ في شَرِكَةٍ مَعَهُمْ بِصِفَتِهِمْ مُؤمِنينَ بيسوعَ المسيحِ. وكُنَّا نَتَّفِقُ على جَميعِ الأُمورِ الأُخرى بالرَّغْمِ مِنَ اخْتِلافِنا على هَذِهِ النُّقْطَة. وأنا لا أُريدُ أنْ نَكونَ مَتَقَلْقِلينَ في هذا الأمْر. فما أرْجوهُ وَأُصَلِّي لأجْلِهِ هُوَ ألَّا يَكونَ كَلامي مُجَرَّدَ فَرَضِيَّاتٍ، بَلْ أنْ أكونَ مَوْضوعِيًّا في دِراسَةِ الكِتابِ المقدَّسِ. وأنا مُنْفَتِحٌ لِقَبولِ أيِّ شَيءٍ يُعَلِّمُني إيَّاهُ رُوْحُ اللهِ. وهذهِ هِيَ صَلاتي. فأنا أُصَلِّي أنْ يَحْمي اللهُ لِسَانِي مِنَ التَّفَوُّهِ بأيِّ شَيءٍ لا يُريدُني أنْ أَقولَهُ. وفي الوقتِ نَفْسِهِ، أرْجو ألَّا يَمُرَّ عَلَيَّ مِنْ نِقاطٍ عَمْياءَ دُوْنَ أنْ أَراه.

وعلى أيِّ حَالٍ، مَا أَقولُهُ فإنِّي أقولُهُ بِمَحَبَّة. ولكِنِّي أقولُ ذلكَ بِجُرْأةٍ أسْتَمِدُّها فقط مِنْ دِراسَتي لكلمةِ اللهِ. وأرْجو أنْ تَسْمَعوا ذلكَ بتلكَ الطَّريقَة. فَما أقولُهُ لا عَلاقَةَ لَهُ بِخَلاصِ وَصِدْقِ إيمانِ الأشخاصِ المَعْنِيِّين.

حسنًا، إنْجيل مَرْقُس 16: 14. وكُلُّ ما نُحاوِلُ أنْ نَفْعَلَهُ هُوَ أنْ نَضَعَ كُلَّ شَيءٍ في نُوْرِ الكِتابِ المقدَّسِ. مَرْقُسْ 16: 14: "أَخِيرًا ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُمْ مُتَّكِئُونَ، وَوَبَّخَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ وَقَسَاوَةَ قُلُوبِهِمْ، لأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا الَّذِينَ نَظَرُوهُ قَدْ قَامَ". ولعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ أنَّ أشْخاصًا شَهِدوا للتَّلاميذِ بأنَّ يَسوعَ قَدْ قامَ، ولكِنَّهُمْ لم يُصَدِّقوا ذلك. وقَدْ قَالَ لَهُمُ في العَدَد 15: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ. وَهذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ".

إذًا فَقَدْ قالَ للتَّلاميذِ الأَحَدَ عَشَرَ أنَّهُ سَتَكونُ هُناكَ آياتٌ مُعَيَّنَةٌ تَتْبَعُ رِسالَتَكُمْ لِتَأكيدِ إيمانِ مَنْ يُؤمِنون: "يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِي". وأعْتَقِدُ أنَّهُ يَتَحَدَّثُ مُباشَرَةً هُنا عَنِ التَّلاميذِ الأَحَدَ عَشَرَ. "وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ جَدِيدَةٍ. يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ، وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئًا مُمِيتًا لاَ يَضُرُّهُمْ". وهذا يَعني أنَّهُمْ قَدْ يَشْرَبونُ السُّمَّ دُوْنَ أنْ يَتَأثَّروا. "وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَرْضَى فَيَبْرَأُونَ".

وَإليكُمْ شَيئًا مُدْهِشًا: فالنَّصُّ الَّذي نَتَأمَّلُ فيهِ يُوْحِي بأنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَنْبَغي أنْ يَذْهَبوا وَيُعْلِنوا الرِّسالةَ سَيَحْصُلونَ على آياتٍ تَتْبَعُهُمْ. فالحقيقةُ هيَ أنَّ جَميعَ المواهِبِ الأربعِ الَّتي نَتَحَدَّثُ عَنْها هُنا مَوجودةٌ في هذا النَّصِّ. فمثلًا، إنَّ مُعْجِزَةَ الآياتِ تَعْني القُدرةَ على مَسْكِ الحَيَّات وَشُرْبِ أيِّ شَيءٍ سَامٍّ دُوْنَ أنْ يَتَأذَّوْا. وهذهِ مُعْجِزَة. ومُعْجِزَةُ الشِّفاءِ مَذكورَةٌ هُنا. وَهِيَ تَقولُ إنَّهُمْ سيَمتلكونَ القُدرةَ على وَضْعِ الأيدي على المَرْضى فَيَبْرَأُون. والتَّكَلُّمُ بألْسِنَةٍ جَديدَةٍ مَذكورٌ هُنا أيضًا إنَّهُمْ سَيَتَكَلَّمونَ بِلُغاتٍ جَديدَة.

إذًا، فَجَميعُ هذهِ المَواهِبِ مَذكورَة هُنا إذْ إنَّ رَبَّنا وَعَدَ التَّلاميذَ الأَحَدَ عَشَرَ بأنَّهُمْ سَيَحْصُلونَ على التَّأكيدِ اللَّازِمِ مِنْ خِلالِ هذهِ المَواهِبَ وَهَذِهِ المُعْجِزاتِ. والآنْ، إذا افْتَرَضْنا أنَّ أحدَ الأشخاصِ مَا زَالَ يَمْتَلِكُ جَميعَ هذهِ المُعْجِزاتِ الَّتي أُعْطِيَتْ لذلكَ الوَقْتِ تَحْديدًا، يجبُ علينا أنْ نَتَّفِقَ مَعَ قَبائِلِ "الأبالاتْشِيا" (Appalachian) اللَّذينَ يَشْتَهِرونَ بِتَرْقيصِ الأفاعي، ومَعَ أولئكَ الَّذينَ يَنْتَمونَ إلى الكَنيسَةِ الَّتي تُسَمَّى كَنيسَةُ الأبْكارِ (The Church of the Firstborn) لأنَّهُمْ يَشْرَبونَ السُّمَّ وَما شَابَهَ ذلك. ولكِنَّ الأمْرَ لا يَجْري كَما يَتَمَنَّوْنَ دائمًا. وبالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ، إذا اشْتَرَكْنا مَعَ هَؤلاءِ ينبغي أنْ نَشتركَ في كُلِّ شَيءٍ لأنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَقولُ: " وَهذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ". فإنْ كانَتْ شَيئًا دائمًا، فإنَّنا عَالِقونَ في الأمْرِ كُلِّه.

ثُمَّ هُناكَ رِسالَةُ كورِنثوسَ الثَّانية 12: 12. فنحنُ نَنْظُرُ فقط إلى بعضِ المَقاطِعِ لِتَحْديدِ الخَلْفِيَّةِ والشَّواهِدِ الكِتابِيَّة. رِسالَةُ كورِنثوسَ الثَّانية 12: 12. وبولسُ يَتَحَدَّثُ عَنْ رَسُولِيَّتِهِ هُنا. وَهُوَ يُؤكِّدُ حَقيقَةَ أنَّهُ كانَ رَسُولُا بالقَوْل: "إِنَّ عَلاَمَاتِ الرَّسُولِ صُنِعَتْ بَيْنَكُمْ فِي كُلِّ صَبْرٍ، بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ". وَيَحْوي الأصْلُ اليُونانِيُّ أداةَ التَّعريفِ "أل"، أيْ هَكَذا: "إِنَّ الْعَلاَمَاتِ الَّتِي تُمَيِّزُ الرَّسُولَ ...". فَهُوَ لا يَقولُ: إنَّ بَعْضَ العَلاماتِ، بَلْ يَقولُ: "إنَّ هَذِهِ العَلاماتِ". فَهُوَ يَسْتَخْدِمُ أداةَ التَّعْريفِ "أل" لِلإشارَةِ إلى عَلاماتٍ (أوْ مُعْجِزاتٍ) مُعَيَّنَةٍ أُعْطِيَتْ للرُّسُل: "إِنَّ الْعَلاَمَاتِ الَّتِي تُمَيِّزُ الرَّسُولَ". فقد كانَتْ هُناكَ عَلامَاتٌ مُعَيَّنَةٌ أُعْطِيَتْ للرُّسُل. وَالآنْ، ما هِيَ هذهِ العَلاماتُ؟ حَسَنًا، مِنَ الواضِحِ أنَّها تِلْكَ التي قَرَأنا عَنْها في إنْجيل مَرْقُس والأصْحاح 16.

والآنْ، لِمَزيدٍ مِنَ التَّوْضيحِ، أُريدُكُمْ أنْ تُلاحِظُوا مَا جَاءَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ والأصْحاحِ الثَّاني. وتَذَكَّروا أنَّ الرِّسالةَ إلى العِبرانِيِّينَ كُتَبَتْ لِفِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ: العِبرانِيِّينَ، أيِ: اليَهُود. وسَوْفَ تَتَّضِحُ أَهَمِّيَّةُ ذلكَ بعدَ قليل. فنحنُ نَقرأُ في الأصْحاحِ الثَّاني والعَدَدِ الثَّالِثِ: "فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟ قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ". وَهذا أمْرٌ لا شَكَّ فيه. فَهُمْ لم يَسْمَعُوا ذلكَ مِنْهُ، بَلْ إنَّهُ: "تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا".

والكَلمَةُ "تَثَبَّت" تَعْني أنَّها صَارَتْ قابلةً للتَّصْديقِ أوْ تَأكَّدَ صِدْقُها أخيرًا. فَما قِيْلَ أوْ ذُكِرَ قَدْ تَثَبَّتَ أوْ تَأكَّدَتْ صِحَّتُهُ. كيف؟ العَدَد 4: "شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ". والآنْ، كانَ الهدَفُ مِنْ هذهِ المَواهِبِ المُحَدَّدَةِ الَّتي أَعْطاها الرُّوحُ القُدُسُ هُوَ تأكيدُ الكَلِمَةِ عِنْدَ مَنْ يَسْمَعونَها مِنَ اليَهودِ. فهذا هُوَ ما تَقولُهُ الآيَةُ حَرْفِيًّا: "ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا". فَالتَّبْشيرُ قَدْ تَمَّ. والتَّأكيدُ جَاءَ مِنْ خِلالِ أعْمالٍ تَمَّتْ مِنْ خِلالِ المَواهِبِ الَّتي أعْطاها الرُّوحُ القُدُسُ للرُّسُل.

لذلكَ فإنَّنا نَسْتَنْتِجُ أنَّ بعضَ المواهبِ الرُّوحِيَّةِ الَّتي دُعِيَتْ "مَواهِبُ الرُّوحِ القُدُسِ" كانَتِ العَلاماتِ المُمَيِّزَةَ للرَّسول. لذلكَ فقد كانَتْ أهميَّةُ هذهِ العلاماتِ تَكْمُنُ في الخِدْمَةِ الرَّسولِيَّةِ الَّتي كانَتْ خِدْمَةً جَوهريَّةً. ففي الكَنيسَةِ الباكِرَةِ، عندما كانَتْ هُناكَ أصْواتٌ كَثيرَةٌ تَعْلو مُعْلِنَةً رَسائِلَ مِنْ كُلِّ الأنْواعِ، أَكَّدَ اللهُ الحَقَّ مِنْ خِلالِ هذهِ المَواهِبِ الخاصَّةِ الَّتي أُعْطِيَتْ للرُّسُلِ لتأكيدِ رِسالَتِهِمْ عِنْدَ مَنْ يَسْمَعونَها.

لَقَدْ قالَ "وورفيلد" ... "بينجامين وورفيلد" (Benjamin Warfield)، وَهُوَ عَالِمٌ كِتابِيٌّ رُبَّما لا يُضَاهِيهِ عَالِمٌ كِتابِيٌّ آخَر، وهذِهِ ليسَتْ شَهادَة لَهُ، بَلْ هِيَ حَقيقَة، قالَ: "لقد كانَتْ هذهِ المَواهِبُ المُعْجِزِيَّةُ جُزْءًا مِنْ أوراقِ اعْتِمادِ الرُّسُلِ بِصِفَتِهِمْ المُمَثِّلينَ الرَّسْمِيِّينَ عَنِ اللهِ في تَأسِيسِ الكَنيسَةِ. لذلكَ فَإنَّ وَظيفَةَ هذهِ المَواهِبِ كانَتْ مَحْصورَةً في الكَنيسَةِ الرَّسُولِيَّةِ وَتَوَقَّفَتْ بِمَوْتِ الرُّسُل". فإذا كُنَّا نُؤمِنُ بأنَّ الآيَةَ أَفَسُس 2: 20 تَقولُ إنَّ الرُّسُلَ والأنْبياءَ كانُوا الأساسَ، يَنْبَغي أنْ نُؤمِنَ أيضًا بأنَّ العَلاماتِ الخَاصَّةَ بالرَّسولِ زَالَتْ بِمَوْتِ الرُّسُل. فإذا كانَتْ العلاماتُ الخاصَّةُ بالرُّسُلِ هِيَ مَواهِبُ التَّأكيدِ الَّتي أَعْطاها الرُّوحُ القُدُسُ، فيُمْكِنُنا أنْ نَرْبُطَ كُلَّ الأشياءِ مَعًا. ويُمْكِنُنا حينئذٍ أنْ نَرى أنَّهُ عِنْدَما غَابَ الرُّسُلُ عَنِ السَّاحَةِ، فإنَّ مَواهِبَ الرُّوحِ الَّتي أُعْطِيَتْ لَهُمْ كَعَلاماتٍ لتأكيدِ رِسالَتِهِمْ وَرَسولِيَّتِهِمْ قَدْ غابَتْ عَنِ السَّاحَةِ مَعَهُمْ.

وَهُناكَ آياتٌ مُعَيَّنَةٌ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ تَقْرِنُ هذهِ العَلاماتِ بالرُّسُل. وَيُمْكِنُنا أنْ نُشيرَ هُنا إلى آيَةٍ واحِدَةٍ لإعْطائِكُمْ فِكْرَة عَنْ ذلك إذْ نَقْرَأُ في أعْمالِ الرُّسُل 14: 3: "فَأَقَامَا زَمَانًا طَوِيلاً". [والحَديثُ هُنا هُوَ عَنْ بولُس وَبَرْنابا في إِيْقُونِيَة]. "فَأَقَامَا زَمَانًا طَوِيلاً يُجَاهِرَانِ بِالرَّبِّ الَّذِي كَانَ يَشْهَدُ لِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ، وَيُعْطِي أَنْ تُجْرَى آيَاتٌ وَعَجَائِبُ عَلَى أَيْدِيهِمَا".

نَجِدُ هُنا نَموذَجًا على كيفيَّةِ اسْتِخْدامِ اللهِ لهذهِ المَواهِب. فقد كانُوا يَعِظونَ، وكانَ وَعْظُهُمْ يَتأكَّدُ بأنَّهُ مِنَ اللهِ لأنَّهُمْ كانُوا يَصْنَعونَ المُعْجِزات. وأنا لا أَعتقدُ أنَّ الكَنيسَةَ اليومَ بِحاجةٍ إلى هذا النَّوْعِ مِنَ التَّأكيد. فالكنيسةُ اليومَ ليسَتْ بحاجةٍ إلى تأكيدٍ. فإذا جَاءَ ثلاثةُ أشْخاصٍ إلى البَلْدَةِ اليومَ وَوَعَظُوا ثَلاثَ عِظاتٍ مُختلفة، يُمْكِنُني أنْ أَقولُ لَكُمْ حَالًا أيٌّ مِنْها مِنَ الله. فالمِعْيارُ هُوَ ليسَ مَنْ يَقومُ بالمُعْجِزاتِ. ما هُوَ المِعْيارُ؟ الكِتابُ المُقَدَّسُ لأنَّ لَدينا هُنا المِعْيارَ الَّذي قَدَّمَهُ اللهُ لَنا لتأكيدِ رِسالَةِ أيِّ شَخْصٍ.

وَحَتَّى إنَّ بُولُسَ قالَ في 1كورِنثوس 14 إلى الأنْبياء: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ". لذلكَ، يجبُ علينا أنْ نَحْذَرَ وأنْ نَعْلَمَ أنَّ المِعْيارَ اليومَ لِرسالةِ أيِّ إنْسانٍ، أوْ خِبْرَتِهِ، أوْ أيِّ شَيءٍ رُوْحِيِّ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. فهيَ الامْتِحانُ الجَوْهَرِيُّ والسُّلْطَةُ النِّهائيَّةُ وأساسُ الإيمانِ والأعْمالِ. لذلكَ، لا يُمْكِنُنا أنْ نَفْتَرِضَ أنَّ الحَاجَةُ ما زَالَتْ تَدْعُو إلى وُجودِ تِلْكَ المَواهِبِ لِتَثْبيتِ الكَلِمَة. فالكَلِمَةُ تَثَبَّتَتْ أَصْلًا.

وإذا كُنَّا نَقولُ إنَّنا في حاجةٍ إلى العلاماتِ المُعْجِزِيَّةِ اليومَ، ولا سِيَّما في جَميعِ الأماكِنِ في مُجْتَمَعِنا في أمريكا وفي الكَنائِسِ الَّتي تُوْجَدُ فيها كَلِمَةُ اللهِ بَينِ أيْدي الجَميعِ، فإنَّنا بِذَلِكَ نُهْمِلُ أوْ نَتَغَاضَى عَنْ السُّلْطَةِ النِّهائيَّةِ للكِتابِ المقدَّسِ. وهذا يُذَكِّرُنا بِما جاءَ في إنْجيل لُوقا 16: 31 إذْ نَقْرَأُ: "إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ". فإنْ كانَ لَدَيْهِم الكِتابُ المُقَدَّسُ فَهذا كَافٍ. وهذا هُوَ المَقْصودُ. فَحَتَّى في الزَّمَنِ الَّذي كَتَبَ فيهِ بُولُسُ رِسالَتَهُ إلى أهْلِ أَفَسُس، فإنَّهُ يَقولُ: "وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا ... مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ". وَهُوَ يَقولُ: "... لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ". ولكِنَّهُ لا يَأتي البَتَّة على ذِكْرِ أيٍّ مِنْ هذهِ المَواهِبِ المُعْجِزِيَّةِ. ثُمَّ نَقْرَأُ في رِسائِلِ بولُس إلى تِيموثاوُس وتِيْطُس أنَّ الأداةَ هِيَ كَلِمَةُ اللهِ. فَهُوَ يَقولُ دائمًا: "وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ". بِعِبارَةٍ أُخرى: "عَلِّمْ العَقيدَةَ القَويمَةَ".

والآنْ، إذا كانَتْ هذهِ المَواهِبُ التَّوكيديَّةُ مَوجودةً اليوم، كَما يَقولُ البَعْضُ، إنْ كانَتْ مَوْجودَةً اليومَ، فَيَنْبَغي أنْ تَتْبَعَ مُعَلِّمينَ كِتابِيِّينَ عُظَماءَ. أوْ أنَّها سَتَتْبَعُ أُناسًا يَكْرِزونَ بالإنْجيلِ في أماكِنَ لا يُوْجَدُ فيها إنْجيلٌ مِنْ أجْلِ تَثْبيتِ رِسالَتِهِمْ. ولكِنَّها لَنْ تَتْبَعَ جَماعاتٍ مِنَ المَسيحيِّينَ الذينَ يَمْلِكونَ الكِتابَ المُقَدَّسَ بينَ أيْديهِم. فلا حَاجَةَ البَتَّة إلى ذلك. وهذا أمْرٌ لا يَخْتَصُّ بالموْهِبَةِ الكِتابِيَّةِ. فالمُعَلِّمونَ الكِتابِيُّونَ العُظَماءُ على مَرِّ التَّاريخِ يَتَّفِقونَ على أنَّ هذهِ المَواهِبَ لَيْسَتْ لَهُمْ. فإذا رَجَعْتُمْ إلى التَّاريخِ وَتَتَبَّعْتُمْ الرِّجالَ الَّذي كَرَّسُوا أنْفُسَهُمْ لِكِتابَةِ الكُتُبِ اللَّاهوتيَّةِ العَظيمَةِ، سَتَجِدونَ أنَّهُمْ لا يَتَحَدَّثونَ عَنْ ذلك. فهذهِ المواهِبُ كانَتْ لِلأزْمِنَةِ الرَّسوليَّةِ آنَذاكَ كَخِدْمَةٍ أساسِيَّةٍ.

وَالآنْ، لِنَنْظُرْ إلى المَواهِبِ تَحْديدًا. وَلَنْ يُسْعِفَنا الوَقْتُ إلَّا للنَّظَرِ إليها في عُجالَةٍ. فأوَّلًا، هُناكَ مَوْهِبَةُ القِيامِ بالمُعْجِزاتِ كَما جاءَ في 1كورِنثوس 12: 10. فَفي لائِحَةِ المَواهِبِ، يَتَحَدَّثُ بولُسُ عَنِ المُعْجِزاتٍ، أوْ عَنْ عَمَلِ المُعْجِزاتِ. والآنْ، قَدْ تَقول: "يا ماك آرْثَر، هَلْ تُريدُ أنْ تَقولَ لي إنَّ تلكَ المُعْجِزاتِ قَدْ تَوَقَّفَتْ؟" لا، أنا لا أَظُنُّ أنَّ المُعْجِزاتِ قَدْ تَوَقَّفَتْ. فأنا أَعْلَمُ أنَّها مَوْجودَةٌ في كُلِّ مَكانٍ. وَأنا أرى المُعْجِزاتِ دائمًا. فاللهُ هُوَ إلَهُ المُعْجِزاتٍ. وقد تَقولُ: "حَسَنًا، أعْطِني تَعريفَ المُعْجِزَةِ". المُعْجِزَةُ ليسَتْ شَيئًا عَظيمًا. فالجَميعُ، ولا سِيَّما غَيْرُ المُؤمِنينَ، يَنْزَعِجونَ جِدًّا مِنَ المُعْجِزَةِ. فَهِيَ لا شَيء. إنَّها لا شَيء.

واسْمَحُوا لي أنْ أُرِيَكُمْ ما أَعْنيه. نحنُ نَعيشُ في عَالَمٍ طَبيعيٍّ صَغيرٍ. وَلْنُسَمِّي هذا العَالَم: "بِرْكَة". حسنًا؟ إنَّها "بِرْكَتُنا" الصَّغيرَة. ونحنُ نَقولُ إنَّ كُلَّ شَيءٍ في بِرْكَتِنا الصَّغيرَةِ كَما يَنبَغي أنْ يَكون. والمُعْجِزَةُ لا تَخْتَلِفُ عَنْ قِيامَ اللهِ، الَّذي نُؤمِنُ بِوَجودِهِ، بِوَضْعِ إصْبَعِهِ في البِرْكَةِ وَعَمَلِ مَوْجَةٍ فيها. وما أَعْنيهِ هُوَ أنَّهُ إنْ كُنَّا نُؤمِنُ بوجودِ إلهٍ في هذا الكَوْن، فإنَّ المُعْجِزَةَ ليسَتْ شَيئًا كَبيرًا. فَهِيَ تُشْبِهُ إلْقاءَ حَجَرٍ في بِرْكَةِ مَاءٍ وَتَشْكيلَ مَوْجَةٍ فيها. فبعَدَ قَليلٍ، تَهْدَأُ البِرْكَةُ وَتَعودُ إلى حَالَتِها الطَّبيعيَّةِ. اقْرَأوا كِتابَ "سِي. إس. لويس" (C.S. Lewis) عَنِ المُعْجِزاتِ. فَهُوَ يَتَناوَلُ المَوْضوعَ مِنْ جَميعِ جَوانِبِهِ. فالمُعْجِزَةُ تُشْبهُ أنْ يَضَعَ اللهُ إصْبَعَهُ في البِرْكَةِ وَأنْ يَصْنَعَ مَوْجَةً. فإنْ كانَ هُناكَ إلَهٌ، وقامَ هذا الإلَهُ بِخَلْقِ البِرْكَة، فإنَّهُ قادِرٌ أنْ يَضَعَ إصْبَعَهُ فيها في أيِّ وَقْتٍ يَشاء. لذلكَ فإنَّ المُعْجِزَةَ هِيَ ليسَتْ شَيئًا نَخْتَلِفُ عليه. ففي الحَقيقَةِ أنَّ المُعْجِزاتِ تُبَرْهِنُ على أنَّ اللهَ مَوْجودٌ. لذلكَ فإنَّ العَقْلانِيِّينَ الألْمانَ صَلَبوا أنْفُسَهُمْ عندما أَلْغَوْا جَميعَ المُعْجِزاتِ مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ. فَقَدْ خَرَجُوا بِفَلْسَفَةٍ إنْسانِيَّةٍ. ولكِنْ لا! فاللهُ يَصْنَعُ المُعْجِزاتِ. والمُعْجِزاتُ تَحْدُثُ طَوالَ الوَقْتِ. فَهُناكَ مُعْجِزاتُ شِّفاءٍ.

وَحَتَّى إنِّي أُوْمِنُ أنَّ اللهَ يُمْكِنُ أنْ يُعْطي أَحَدَ المُرْسَلينَ في مَكانٍ مَا القُدْرَةَ على التَّكَلُّمِ بِلُغَةٍ لم يَكُنْ يَعْرِفُها مِنْ قَبْل. وهذهِ مُعْجِزَةٌ. وأنا لا أَظُنُّ أنَّ تِلْكَ هِيَ مَوْهِبَةُ التَّكَلُّمِ بألْسْنَةٍ الَّتي يَتَحَدَّثُ عَنْها الكِتابُ المُقَدَّسُ. فَقَدْ كانَتْ تِلْكَ مَوْهِبَةٌ رَسولِيَّةٌ. ولكِنِّي أَعْتَقِدُ أنَّ اللهَ يُمْكِنُ أنْ يَصْنَعَ المُعْجِزاتِ بأفْواهِ النَّاسِ كَما يُمْكِنُهُ أنْ يَصْنَعَها بأيِّ عُضْوٍ آخَرَ في جَسَدِهِمْ. فاللهُ ما زالَ يَصْنَعُ المُعْجِزات. وَنَحْنُ نَراهُ يَصْنَعُها طَوالَ الوقتِ. وأعْظَمُ مُعْجِزَةٍ يَصْنَعُها هِيَ مُعْجِزَةُ الوِلادَة الجَديدَة. ومَا أَعْنيهِ هُوَ أنِّي مُعْجِزَة في ذاتي. فَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ إلَهٌ قَديرٌ لأنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ تَغْييري. وَكَما قالَ الوَلَدُ الصَّغيرُ: "وَلَكِنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ عَمَلَهُ بَعْد".

عندَما كانَ رَبُّنا على الأرْضِ، صَنَعَ مُعْجِزاتٍ كَثيرَة. وقد كانَ يَصْنَعُها دائمًا لتأكيدِ حَقِّهِ. ولكِنَّ اللهَ قَدْ يَفعلُ اليومَ بَعْضَ المُعْجِزاتِ لكي يَمْنَحَكَ فُرْصَةً لتَقْديمِ شَهادَتِكَ لِكَيْ يَسْمَعَها أَحَدُ الأشخاصٍ وَيَقول: "إنَّ اللهَ القادِرَ أنْ يَفْعَلَ ذلكَ هُوَ إلَهٌ حَقيقيٌّ". وقد يَكونُ ذلكَ حَقيقيًّا، ولكِنَّهُ ليسَ كذلكَ بالنِّسْبَةِ إلى الوَحْيِ المَكْتوب الَّذي صَارَ نِظامًا مَخْتومًا. لذلكَ فإنِّي لا أقولُ إنَّ المُعْجِزاتِ قَدْ تَوَقَّفَتْ. ولكِنِّي أقولُ فقط إنَّ المُعْجِزاتِ مُخْتلِفَة اليوم، وَأنَّ مَوْهِبَةَ صُنْعِ المُعْجِزاتِ قَدْ تَوَقَّفَتْ لأنَّها كانَتْ رَسولِيَّة.

وإذا دَرَسْتَ تَاريخَ المُعْجِزاتِ سَتَرى أنَّهُ كانَتْ هُناكَ أرْبَعُ فَتَراتٍ تَمَيَّزَتْ بالمُعْجِزاتِ العَظيمَةِ في الكِتابِ المُقَدَّسِ. أمَّا فيما يَخْتَصُّ بِبَقِيَّةِ الفَتَراتِ في الكِتابِ المقدَّسِ فإنَّهُ لَمْ يَكُنْ فيها مُعْجِزات. فَقَدْ كانَ زَمَنُ مُوْسَى زَمَنَ مُعْجِزاتٍ. وكانَ زَمَنُ إيليًّا وَأليشَع زَمَنَ مُعْجِزاتٍ أيضًا. ثُمَّ مَضى وَقْتٌ طَويلٌ دُوْنَ مُعْجِزاتٍ. ثُمَّ فَجْأةً، عَادَتِ المُعْجِزاتُ إلى الظُّهورِ في زَمَنِ حَياةِ المَسيحِ وَعَهْدِ الرُّسُل. فالمُعْجِزاتُ لَها قَصْدٌ مُحَدَّدٌ وَوَقْتٌ مُحَدَّدٌ دائمًا. والنَّاسُ لا يَصْنَعونَ المُعْجِزاتِ بِصُورَةٍ مُستمرَّةٍ. وَفي اعْتِقادِنا، فإنَّ مَوْهِبَةَ المُعْجِزاتِ قَدْ تَوَقَّفَتْ اليومَ بِتَوَقُّفِ العَهْدِ الرَّسولِيِّ. فَشُرْبُ السُّمِّ، والقِيامُ بِكُلِّ أنْواعِ المُعْجِزاتِ والآياتِ والعَجائِبِ هُوَ شَيءٌ يَنْتَمي إلى تِلْكَ الحِقْبَةِ.

ولا يُوْجِدُ البَتَّة في كِتاباتِ بولُس إلى تيموثاوُس بِشَأنِ كَوْنِهِ مُبَشِّرًا، أو إلى تِيْطُس بِشَأنِ كَوْنِهِ رَاعِيًا ما يُشيرُ إلى المُعْجِزاتِ. ولا يُوْجَدُ ما يُشيرُ إلى القِيامِ بالمُعْجِزاتِ حَتَّى في حَياةِ بولُس الشَّخصيَّة. فَبَعْدَ ذَهابِهِ إلى فيلبِّي مُدَّةَ سَنَتَيْنِ على الأقلّ، لا نَقْرَأُ أيَّ شَيءٍ عَنْ حُدوثِ مُعْجِزاتٍ. ولا يُوْجَدُ أيُّ سِجِلٍّ بِحُدوثِ مُعْجِزاتٍ في أنْطاكِيَة، أو في كورِنثوس، أو في تسالونيكي، أو في دَرْبَة، أو في بيريَّة، إلخ، إلخ، إلخ. فَهِيَ مَحْدودَةٌ جِدًّا، وَمُؤقَّتَةٌ جِدًّا.

كُنْتُ ذاتَ يَوْمٍ أَقودُ سَيَّارتي مُتَّجِهًا إلى "هيوم ليك" (Hume Lake)، فَمَرَرْتُ بِخَيْمَةٍ كَبيرَةٍ نُصِبَتْ في العَراءِ في أرْضٍ قَاحِلَةٍ، وَقَرأتْ لافِتَةً خارِجَ الخَيْمَةِ كُتِبَ عليها: "خَدَماتٌ إعْجازِيَّةٌ. مُعْجِزاتٌ مِنَ الاثْنَيْنِ إلى الجُمُعَة". ... مُعْجِزاتٌ مِنَ الاثْنَيْنِ إلى الجُمُعَة! إنَّها مُعْجِزاتٌ بالجُمْلَة.

نَحْنُ نُؤمِنُ بأنَّ كَلِمَةَ اللهِ إلينا لا تَقولُ شَيئًا عَنْ مَوْهِبَةِ القيامِ بالمُعْجِزاتِ في هذا الدَّهْرِ، بَلْ إنَّ تِلْكَ كانَتْ مَواهِبَ أُعْطِيَتْ للرُّسُل. وَقَدْ كانَتْ مُؤقَّتَةً في أيِّ عَصْرٍ. وباكْتِمالِ أسْفارِ العَهْدِ الجَديدِ، لَمْ تَعُدْ مِصْداقِيَّةُ أيِّ وَاعِظٍ تُقَاسُ بِقَدْرَتِهِ على عَمَلِ المعْجِزاتِ، بَلْ إنَّها تُقاسُ بِقُدْرَتِهِ على تَعْليمِ كَلِمَةِ اللهِ بالاسْتِقامَة. فالأمانَةُ لِكَلِمَةِ اللهِ هِيَ الآنَ المِقْياسُ لأيِّ إنْسانٍ. وَيُمْكِنُنا أنْ نَقولَ المَزيدَ عَنْ هذا المَوْضوعِ، وَلَكِنْ دَعُونا نُكْمِل.

الشِّفاء. ماذا عَنِ الشِّفاء؟ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ هذِهِ مَوْهِبَةٌ إعْجازِيَّةٌ في الإشارَةِ الأوليَّةِ إليها في 1كورِنثوس 12، لأنَّها تُذْكَرُ هُناكَ بأنَّها القُدْرَةُ على شِفاءِ المَرْضَى. فَنَحْنُ نَقرأُ في العَدَد 9: "وَلآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ". والآنْ، هَلْ هذا يَعْني أنَّ اللهَ لا يَشْفي المَرْضى؟ حَاشَا وَكَلَّا. فاللهُ يَشْفي المَرْضَى. وهُوَ يُقيمُ المَرْضَى أصِحَّاءَ. ولكِنْ لا يُوْجَدُ اليومُ أُناسٌ يَجُولونَ وَيَشْفُونَ الجَميعَ بِإرادَتِهِمْ نَتيجَةَ مَوْهِبَةٍ أُعْطِيَتْ لَهُمْ كَما كانَ يَحْدُثُ في العَصْرِ الرَّسُولِيِّ. فاللهُ يَشْفي اليومَ بِسِيادَتِهِ المُطْلَقَةِ اسْتِجابَةً للصَّلاةِ. أرْجو أنْ تَفْتَحوا على رِسالَةِ يَعْقوب، وَتَحْديدًا على الأصْحاحِ الخامِسِ مِنْها. وَقَدْ كُتِبَتْ رِسالَةُ يَعْقوب قَبْلَ الرِّسالَةِ الأولى إلى كورِنثوس. وَنَقْرَأُ في رِسَالَةِ يَعْقوب 5: 13: "أَعَلَى أَحَدٍ بَيْنَكُمْ مَشَقَّاتٌ؟ فَلْيُصَلِّ". ثُمَّ في العَدَد 14: "أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِاسْمِ الرَّبِّ، وَصَلاَةُ الإِيمَانِ تَشْفِي الْمَرِيضَ". فَهَذا هُوَ ما يَقولُهُ النَّصُّ: "وَالرَّبُّ يُقِيمُهُ".

فَحَتَّى في رِسالَةِ يَعْقوب، الَّذي رُبَّما كانَ السِّفْرَ الخامِسَ في العهدِ الجَديدِ مِنْ حَيْثُ التَّرْتيبِ الزَّمَنِيِّ، وَرُبَّما كانَتْ أَوَّلَ رِسالَةٍ كُتِبَتْ. فَحَتَّى في رِسالَةِ يَعْقوب، إنْ كانَ أَحَدٌ مَريضًا، فإنَّ النَّصَّ لا يَقولُ: "اذْهَبوا وَاحْضِرُوا شَخْصًا يَمْلِكُ مَوْهِبَةَ الشِّفاء". بَلْ يَقولُ: "صَلُّوا لأجْلِهِ". فاللهُ لم يَقْصِدْ قَطّ أنْ تَكونَ مَوْهِبَةُ الشِّفاءِ مُرْتَبِطَة بأيِّ طَريقَةٍ بالكَنيسَة. بل إنَّها أُعْطِيَتْ كَعَلامَةٍ لتَثْبيتِ الكَلِمَةِ لِغَيْرِ المُؤمِنين. وَإذا دَرَسْتَ مُعْجِزاتِ يَسوعَ المَسيحَ، سَتَجِدُ أنَّ أولئكَ الذينَ نَالوا الشِّفاءَ كانُوا غَيْرَ مُؤمِنين. فَقَدْ كانَ يَسوعُ يُثَبِّتُ أَقوالَهُ في أذْهانِ غَيْرِ المُؤمِنين. وَعِنْدَما كانَ المُؤمِنونَ يَمْرَضونَ في الكَنيسَةِ، كانُوا يُصَلُّونَ بَعْضُهُمْ لأجْلِ بَعْضٍ. وَكانَ اللهُ يَسْتَجيبُ صَلَواتِهِم.

أنا أُوْمِنُ أنَّ مَوْهِبَةَ الشِّفاءِ الَّتي كانَتْ تُعْطى إلى الرَّسُولَ أوِ النَّبِيَّ الَّذي كانَ يُعْلِنُ كَلِمَةَ اللهِ كانَتْ تَهْدِفُ إلى تَثْبيتِ الكَلِمَة في أذْهانِ غَيْرِ المُؤمِنينَ بِواسِطَةِ المُعْجِزاتِ. وأقولُ مَرَّةً أُخرى: لو كانَتْ مُعْجِزَةُ الشِّفاءِ مَوْجودَة اليوم، لَما كانَتْ تَنْتَمي لِمَنْ يَدَّعُونَ القُدرةَ على الشِّفاء. بَلْ لكانَتْ أُعْطِيَتْ لِمُعَلِّمي الكِتابِ المُقَدَّسِ. ولَكانَتْ قَدْ أُعْطِيَتْ للأشخاصِ الذينَ يَكْرِزونَ بالإنْجيلِ لتأكيدِ صِحَّتَهُ، وليسَ لِشَريحَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأشْخاصِ، أوْ لِمَنْ يُنادُوْنَ بالنَّهَضاتِ، أوْ أيًّا كانَتْ أسْماؤُهُمْ.

وَحَتَّى في السَّنواتِ اللَّاحِقَةِ لِخِدْمَةِ الرُّسُلِ، بَدَأَ هَذا الأمْرُ يَخْبُو. ألا تَعْتَقِدونَ أنَّهُ مِنَ المُدْهِشُ أنَّ بولُسَ، عِنْدَما كانَ تيموثاوُسُ مَريضًا، قالَ لَهُ: "لاَ تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلاً مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ وَأَسْقَامِكَ الْكَثِيرَةِ". فإنْ كانَتْ هُناكَ مَوْهِبَةُ شِفاءٍ، لَكانِ أَحَدُ هَؤلاءِ قَدِ اهْتَمَّ بالأمْرِ بِطَريقَةٍ أسْهَل بِكَثير مِنْ ذلك. كذلكَ، لَطالَما فَكَّرْتُ في ما جاءَ في 2تيموثاوُس 4 وَدُهِشْتُ إذْ يَقولُ بُولُس: "وَأَمَّا تُرُوفِيمُسُ فَتَرَكْتُهُ فِي مِيلِيتُسَ مَرِيضًا". فلو كانَ بولُسُ يَمْلِكُ مَوْهِبَةَ المُعْجِزاتِ في ذلكَ الوقتِ وَمَوْهِبَةَ الشِّفاءِ، لَشَفَى تُرُوفيمُس. ولكِنْ يَبْدو أنَّهُ لا تُوْجَدُ في العَهْدِ الجَديدِ أيُّ حَالاتِ مُوْرِسَتْ فيها هذهِ المَوْهِبَةُ على أَحَدِ المُؤمِنين.

وبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ فإنَّنا نَسْمَعُ عَنْ أُناسٍ كَثيرينَ يَدَّعونَ امْتِلاكَ القُدْرَةِ على الشِّفاءِ في وَقْتِنا الحاضِرِ. فَهُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ يَدَّعونَ ذلكَ حَتَّى إنَّ النَّاسَ يَهْرَعونَ إلى الكَنيسَةِ وَيَقِفونُ في صَفٍّ طَويلٍ طَلَبًا للشِّفاءِ. ولكِنَّ ذلكَ لا يَتْبَعُ النَّمَطَ الَّذي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ.

وَقَدْ جَذَبَتْني بَعْضُ الأُمورِ في هذا الأسْبوعِ، ولكِنِّي بِكُلِّ تأكيدٍ لا أسْتَطيعُ أنْ أُصَنِّفَها جَميعًا في هذِهِ الفِئَةِ. ولكِنْ هُناكَ شَهادَةُ شَخْصٍ يُدْعَى "مَارْجُو غُورْتنر" (Marjo Gortner). ولا أَدْري إنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ عَنْ هذهِ الحادِثَةِ، ولكِنَّهُ يَرْوي كُلَّ ما حَدَث. فَهُناكَ مَنْ زَعَمَ بأنَّهُ حَصَلُ مُنْذُ كانَ في الرَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهِ على مَوْهِبَةِ الشِّفاءِ. وقد وَضَعَهُ أبَواهُ على المِنَصَّةِ فابْتَدَأَ في خِدْمَةِ الشِّفاءِ واسْتَمَرَّ في القِيامِ بذلكَ مُنْذُ ذلكَ الحِيْن. وَالشَّيءُ المُدْهِشُ هُوَ أنِّي كُنْتُ بِرِفْقَة أبي في الأسْبوعِ المَاضي. وقد كُنَّا نَجْلِسُ وَنَتَحَدَّثُ عَنْ هذا المَوضُوع. وقد قال: "أَتَدْري أنِّي أَرَدْتُ الذَّهابَ لِمُشاهَدَةِ هذا الفِيْلم. فَقَدْ صَنَعُوا فِيْلمًا عَنْ ذلكَ لأنَّهُمُ اتَّصَلوا بي هَاتِفِيًّا عندما كانُوا يُصَوِّرونَ الفِيْلمَ وسَألوني (كَما قَالَ لي أبي) إنْ كانَ بإمْكانِهِمْ أنْ يَسْتَخْدِموا البَيانَ الصِّحافِيَّ والتَّقريرَ الصِّحافِيَّ الَّلذَيْنِ أَعْدَدْتُهُما عندما كانَ ذلكَ الرَّجُلُ في الرَّابِعَةِ مِنَ العُمْرِ. وقد جاءُوا إلى كَنيسَتي وسَألوني عَنْ رَأيي. وَقَدْ قالَ أبي: "وقد أَخْبَرْتُهُمْ رَأيي وَقُلْتُ لَهُمْ إنَّ ذلكَ زِيْفٌ وَخِداعٌ، إلَخ، إلَخ، إلَخ".

والآنْ، لا أدري إنْ كانَ ذلكَ الشَّخْصُ في ذلكَ الفِيْلمِ أَمْ لا. وَهُوَ لا يَعْلَمُ ذلكَ أيضًا. وعلى أيِّ حَالٍ، مِنَ الواضِحِ أنَّ الفِيْلَمَ يَفْضَحُ الأمْرَ بِرُمَّتِهِ ويَكْشِفُ أنَّهُ خِدْعَة. وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقولُ على بَرْنامَجْ "ديك كافيت" (Dick Cavette) أوْ على بَرْنامَجٍ آخَر، بأنَّهُ لا يَعْرِفُ عَنْ أيِّ حَالَةِ شِفاءٍ جَسَدِيٍّ حَدَثَتْ حَقًّا طَوالَ تِلْكَ السَّنواتِ الَّتي كانَ يَفْعَلُ فيها ذلك. ولكِنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ هُناكَ خِدْمَةً عَظيمَةً تُقَدَّمُ إلى النَّاسِ الَّذينَ يُعانونَ أمْراضًا نَفْسِيَّةً. وقد كانَ يَعْلَمُ أنَّ النَّاسَ الَّذينَ كانُوا يَأتونَ مَساءَ يومِ الاثْنَيْنِ كانُوا يَعودونَ يومَ الخَميسِ بِمَرَضٍ جَديدٍ. وَهذا شَائِعٌ جِدًّا.

وَقَدْ قُمْتٌ بِدِراسَةٍ أثناءَ دِراسَتي الجامِعِيَّةِ عَنْ هذا الأمْرِ بِرُمَّتِه. وقَدْ كانَ هذا الأمْرُ يَتَكَرَّرُ مُجَدَّدًا، وَمُجَدَّدًا، وَمُجَدَّدًا، وَمُجَدَّدًا. لذلكَ، يجبُ علينا أنْ نَحْذَرَ كَثيرًا في فَهْمِنا لِما يَقولُهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ عَنِ الشِّفاء. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ يَشْفي، ولكِنِّي أُوْمِنُ بأنَّهُ يَشْفي بِسيادَتِهِ المُطْلَقَةِ اسْتِجابَةً للصَّلاةِ. وَإنْ كانَ هُناكَ أُناسٌ اليومَ يَعْتَقِدونَ أنَّ اللهَ يَشْفي اسْتِجابَةً لِخِدْمَتِهِمْ، فإنِّي أقولُ اسْتِنادًا إلى الأدِلَّةِ الكِتابِيَّةِ إنَّهُمْ قَدْ يَمْتَلِكونَ مَوْهِبَةَ الإيمانِ الَّتي يَسْتَجيبُ لها اللهُ عِنْدَما يُصَلُّون. ولكِنَّ مَوْهِبَةَ الشِّفاءِ كانَتْ مَوْهِبَةً رَسُولِيَّةً. وقَدْ كانُوا يَصْنَعونَ مُعْجِزاتِ الشِّفاءِ لِغَيْرِ المُؤمِنينَ لِتأكيدِ كَلِمَةِ اللهِ. لِذلِكَ، عِنْدَما جَاءَتْ كَلِمَةُ اللهِ، تَوَقَّفَتِ الحَاجَةُ إلى تلكَ المَوْهِبَة.

ولا يَنبَغي لنا أنْ نَنْسَى أيضًا أنَّ بَعْضَ مُعْجِزاتِ الشِّفاءِ قَدْ تَكونُ حَقيقيَّةً أيضًا. فاللهُ قَدْ يَشَاءُ أنْ يَشْفي شَخْصًا مَا. والشَّيْطانُ أيضًا قَادِرٌ أنْ يَشْفي. ونحنُ نَقرأُ عَنْ ذلكَ في مَتَّى 7. ويُمْكِنُكُمْ أنْ تَقرأوا عَنْ ذلكَ أيضًا في أعْمالِ الرُّسُل 8. ويُمْكِنُكُمْ أنْ تَقرأوا عَنْ ذلكَ في أعْمالِ الرُّسُل 13. فالشَّيْطانُ يَقْدِرُ أنْ يَشْفي. والحَقيقَةُ أنَّ يَسوعَ فَعَلَ ذلكَ كُلَّهُ. وَقَدِ اسْتَنْتَجوا في النِّهايَةِ أنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ الشَّيْطانِ. أليسَ كذلك؟ فَقَدْ قالُوا إنَّ مَا فَعَلَهُ إنَّما فَعَلَهُ بِقُوَّةِ بَعْلَزَبُولَ (أيْ: رَئِيسِ الشَّيَاطِين). فَقَدْ كانَ اليَهودُ يُدْرِكونَ تَمامًا حَقيقَةَ أنَّ الشَّيْطانَ يُمْكِنُ أنْ يَتَخَفَّى بِأيِّ صُوْرَةٍ حَتَّى إنَّهُمْ نَسَبوا يَسوعَ إلى الشَّيْطانِ قائِلين: "إنَّ الشَّيْطانَ هُوَ الَّذي يَشْفي. فالشَّيْطانُ قَادِرٌ أنْ يَفْعَلَ هَذِهِ الأشْياء". أمَّا الفِكْرَةُ بأنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَسْتَطيعونَ أنْ يَشْفُوا النَّاسَ بالجُمْلَةِ فَلا أَسَاسَ لَها في الكِتابِ المُقَدَّسِ. وَلَطالَما فَكَّرْتُ في أنَّهُمْ لَوْ كانُوا حَقًّا يَمْلِكونَ مَوْهِبَةَ الشِّفاءِ لَذَهَبوا إلى المُسْتَشْفَياتِ، لا إلى الخِيامِ. وَلَكَانُوا قَدْ ذَهَبوا إلى غَيْرِ المُؤمِنينَ وَكَرَزوا بالإنْجيلِ وَأكَّدُوا كَلِمَةَ اللهِ لَهُم.

إذًا، هَذا هُوَ مَا يَخْتَصُّ بِمَوْهِبَةِ الشِّفاءِ. وَيَجِبُ علينا أنْ نُجْري دِراسَةً عَنْ هذا المَوْضُوعِ بِرُمَّتِهِ في وَقْتٍ مَا في المُستقبَلِ لأنَّهُ مُهِمٌّ. إذًا، نَقولُ مُجَدَّدًا إنَّ مَوْهِبَةَ الشِّفاءِ لَمْ يُقْصَدْ بِها يَوْمًا أنْ تَكونَ للمُؤمِنين، ولم يُقْصَدْ بِها يَوْمًا أنْ تَكونَ شَيئًا دَائِمًا. بَلْ إنَّها كانَتْ عَلامَةً للرُّسُلِ. وَقَدْ كانَتْ إحْدى مَواهِبِ الرُّسُل. أمَّا اليوم، وَحَتَّى في أَقْدَمِ رِسالَةٍ في العَهْدِ الجَديدِ، وَهِيَ رِسالَةُ يَعْقوب، فإنَّ الأمْرَ الكِتابِيَّ هُوَ: "صَلُّوا لأجْلِ المَرْضَى".

حَسَنًا، نَأتي الآنَ إلى النُّقْطَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ الألْسِنَةُ وَتَرْجَمَةُ الألْسِنَةِ. وَسَوْفَ نَتَحَدَّثُ عَنْ هاتَيْنِ النُّقْطَتَيْنِ مَعًا لأنَّنا لَنْ نَصْرِفَ وَقْتًا طَويلًا عَلَيْهِما، بَلْ سَنَكْتَفي فَقَطْ بِذِكْرِ بَعْضَ الأفْكارِ الكِتابِيَّةِ. وَما أُريدُهُ مِنْكُمْ هُوَ أنْ تُفَكِّروا في العَديدِ مِنَ الأشْياءِ المُخْتَصَّةِ بهذا الأمْر. فَماذا كانَتْ مَوْهِبَةُ الألْسِنَةِ، ومَاذا كانَتِ الفائِدَةُ مِنْها؟ إنَّ مَوْهِبَةَ الألْسِنَةِ (كَما صَارَتْ تُعْرَفُ بِسَبَبِ وُرودِها هَكَذا في تَرْجَمَةِ المَلِكْ جيمس) يَنْبَغي أنْ تُتَرْجَمَ: "مَوْهِبَة اللُّغات". فالكَلِمَةُ هِيَ "غْلُوسَّا" (glossa). وَهِيَ الكَلِمَةُ التَّاريخيَّةُ الَّتي تَعْني: "لُغَة". وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّها لا تَعْني أيَّ شَيءٍ آخَرَ سِوى "لُغَة". وَقَدْ أَعْطى الرُّوحُ القُدُسُ هذهِ القُدْرَةَ على التَّكَلُّمِ بِلُغَةٍ أجنبيَّةٍ. وَقَدْ كانَتْ مُجَرَّدَ معْجِزَةٍ اسْتَخْدَمَها اللهُ لِتَأكيدِ كَلِمَتِهِ.

إنَّ الشَّيءُ الأَهَمُّ الَّذي حَدَثَ في الأصْحاحِ الثَّاني مِنْ سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ هُوَ عِظَةُ بُطْرُس. أليسَ كذلك؟ تِلْكَ العِظَة الرَّائِعَة. وَبِسَبَبِ تِلْكَ العِظَة، تَابَ ثَلاثَةُ آلافِ شَخْصٍ. أليسَ كذلك؟ ولكِنْ مَا الَّذي أَكَّدَ حَقًّا في أذهانِهِمْ أنَّ عِظَةَ بُطْرُس هِيَ مِنَ اللهِ؟ ما الَّذي أَكَّدَ لَهُمْ ذلك؟ أنَّ جَميعَ هَؤلاءِ النَّاسِ يَتَحَدَّثونَ كُلٌّ بِلُغَتِهِ وَيُخْبِرونَ بِعَظائِمِ اللهِ. فَقَدْ كانَتْ تِلْكَ مَوْهِبَة غَايَتُها تَأكيدُ العِظَة. وَقَدْ كانَتْ تَسْتَهْدِفُ غَيْرَ المُؤمِنين. وَقَدْ كانَتْ تَقودُهُمْ فَقَطْ إلى سَماعِ تِلْكَ العِظَة. فَهِيَ لَمْ تَكُنْ غَايَةً في ذَاتِها. بَلْ كانَتْ فَقَطْ تَهْدِفُ إلى أنْ يَسْمَعُوا العِظَة. وَقَدْ كانَتْ مَوْهِبَةً لتأكيدِ العِظَة. فَمِنْ دُوْنِ ذلكَ، كَيْفَ يُمْكِنُهُمْ أنْ يَعْلَموا أنَّ تِلْكَ العِظَة مِنَ اللهِ؟ فَعِنْدَما رَأوا تِلْكَ المُعْجِزَةَ، إلى مَنْ سَيَنْسِبوها؟ وَعِنْدَما سَمِعوا بُطْرُس، بَعْدَ أنْ حَدَثَ ذلك، وَوَقَفَ وَوَعَظَ، قالوا في الحَقيقَةِ: "آه! بَعْدَ تِلْكَ المُعْجِزَةِ، لا مَفَرَّ مِنَ الاعْتِرافِ بأنَّها رِسالَةٌ مِنَ اللهِ". وَعلى أَقَلِّ تَقْديرٍ، فَقَدْ آمَنَ هَؤلاءِ الثَّلاثَةُ الآلافُ بذلك.

والآنْ، اسْمَحُوا لي أنْ أَتَعَمَّقَ قَليلًا في ذلك. فَفَضْلًا عَنْ ذلكَ، كانتِ الألسِنَةُ عَلامَة فقط. وسَأُكَرِّرُ ذلكَ مَرَّةً أُخرى: فَقَطْ لليهودِ. فهيَ لم تَكُنْ تَسْتَهْدِفُ الأُمَمَ. ففي أعْمالِ الرُّسُل 2: اليَهود. وَفي أعْمالِ الرُّسُل 10: "فَانْدَهَشَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ". وَفي كُلِّ سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل، في كُلِّ مَرَّة يَرِدُ فيها الحَديثُ عَنِ الألسِنَةِ، نَرى أنَّ اليَهودَ كانُوا حَاضِرين. فَهِيَ عَديمَةُ النَّفْعِ للأُمَم. إذًا فقد اسْتَنْتَجْنا شَيْئَيْن: أنَّها كانَتْ نَافِعَةً للمُؤمِنين، وَأنَّها كانَتْ عَديمَةَ النَّفْعِ للأُمَم. لذلكَ، إذا نَظَرْنا إلى مَا يَجْري اليوم، نُلاحِظُ أنَّ الكَثيرَ مِنَ المُؤمِنينَ الأُمَم يَفْعَلونَ ذلكَ. وَهَذا مُخالِفٌ تَمامًا للكِتابِ المُقَدَّسِ.

والآنْ، اسْمَحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لَكُمْ قَصْدي. انْظُروا إلى الأصْحاح 14 والعَدَد 21. فنحنُ نَقرأُ في رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى 14: 21: "مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ". فَهُوَ يَعودُ هُنا إلى العَهْدِ القَديمِ. إشَعْياء 28: 11. إشَعْياء 18: 11. "مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ: «إِنِّي بِذَوِي أَلْسِنَةٍ أُخْرَى وَبِشِفَاهٍ أُخْرَى سَأُكَلِّمُ هذَا الشَّعْبَ»". وَلاحِظُوا أنَّ العِبارَةَ القَصيرَةَ "هَذا الشَّعْبَ" تُشيرُ في سِياقِ سِفْرِ إشَعْياء إلى إسْرائيل ... إلى إسْرائيل. لِذا فإنَّ اللهَ يَقولُ: "سَوْفَ أُكَلِّمُ إسْرائيلَ، ولكِنِّي سأُكَلِّمُ إسْرائيلَ بِذَوي أَلْسِنَةٍ أُخرى". والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ النَّصَّ الأصْلِيَّ لا يَقولُ: "بِذَوي أَلْسِنَةٍ أُخرى". بَلْ يَقولُ: "بألْسِنَةٍ وَبِشِفاهٍ أُخرى" ... "سَأُكَلِّمُ إسرائيلَ بِمُعْجِزَةِ الفَمِ". فَهَذا هُوَ المَقْصودُ. "بِألْسِنَةٍ وَبِشِفاهٍ أُخرى سَأُكَلِّمُ إسْرائيل".

وَهذَا هُوَ الهَدَفُ كُلُّهُ مِنَ التَّكَلُّمِ بألْسِنَةِ. فَقَدْ أُعْطِيَتْ لأجْلِ بَني إسرائيل. فِعِبارَةُ "هذا الشَّعْبِ" تُشيرُ فقط إليهم. والآنْ، لاحِظُوا العَدَد 22: "إِذًا الأَلْسِنَةُ آيَةٌ" ... "الألْسِنَةُ آيَة". وما الَّذي تَفْعَلُهُ الآيَةُ دائِمًا؟ إنَّها تُشيرُ دائِمًا إلى شَيءٍ آخَر. وَهِيَ تُشيرُ هُنا دائمًا إلى الإنْجيل ... دائمًا ... دائِمًا إلى الإنْجيل. والآنْ لاحِظُوا: " إِذًا الأَلْسِنَةُ آيَةٌ، لاَ لِلْمُؤْمِنِينَ". فالألْسِنَةُ لَمْ تَسْتَهْدِفْ يَوْمًا المُؤمِنين. فَهِيَ لَمْ يَكُنْ لَها أيُّ مَعْنى للمُؤمِنين. وَقَدْ كانَتْ هَذِهِ هِيَ المُشْكِلَةُ في كورِنثوس. فَقَدْ كانُوا يُقيمونَ وَزْنًا كَبيرًا لهذا الأمْر، وَيُرَكِّزونَ عليهِ كَثيرًا، وَيَخْلِطونَ بينَهُ وبينَ التَّعويذاتِ الَّتي كانُوا يَعْرِفونَها في عِبادَتِهِم الوَثَنِيَّةِ والَّتي كانَتْ مُجَرَّدَ كَلامٍ مُبْهَمٍ. فَقَدْ كانُوا يَهْذُونَ كَثيرًا آنَذاك. وقد كانَ بولُسُ يُحاوِلُ أنْ يُقَوِّمَ سُلوكَهُمْ دُوْنَ أنْ يَقْضي عَليها تَمامًا لأنَّهُ كانَ هُناكَ يَهودٌ كَثيرونَ في كورِنثوس.

فَقَدْ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ سَتأتي أوْقاتٌ يُمْكِنُ فيها اسْتِخْدامُها لتأكيدِ كَلِمَةِ اللهِ لليَهودِ غَيْرِ المُؤمِنين. وَمِنْ أَجْلِ تَقْويمِ ذلكَ الخَطَأ، فإنَّهُ يَقولُ: "يَنْبَغي قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ أنْ تَفْهَموا الأمْرَ فَهْمًا صَحيحًا. إنَّها لَيْسَتْ للمُؤمِنين". وبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ، فإنَّ كُلَّ ما تَسْمَعُهُ اليومَ هُوَ أنَّكَ لَسْتَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا حَقيقيًّا إلَّا إذا تَكَلَّمْتَ بالألْسِنَةِ، أوْ أنَّكَ لَسْتَ مَسيحيًّا بالمَعْنى الكامِلِ الَّذي يَنْبَغي أنْ تَكونَ عليهِ. فَلا يَنْبَغي أنْ أَقولَ "حَقيقيًّا" لأنَّ هذا ليسَ صَحيحًا. فَهُمْ يَقْصِدونَ أنَّكَ لَمْ تَخْتَبِرْ مِلْءَ الحَياةِ المَسيحيَّةِ. لِذَلِكَ فإنَّنا نَرى مَسيحيِّينَ كَثيرينَ يُمارِسونَ التَّكَلُّمَ بالألْسِنَةِ فيما بينَهُمْ. ولَكِنْ لا سَبَبَ يَدْعُو لِذلك. فَهُمْ لَدَيْهِم كُلُّ الإعْلانِ الَّذي أرادَ اللهُ أنْ يُعْطيهِمْ إيَّاه في هذا الكِتاب. وَعِنْدَما تَسْكُنُ فيهِمْ كَلِمَةُ المَسيحِ بِغِنَى، وَهُوَ المَعْنى المَقْصودُ بالامْتِلاءِ بالرُّوحِ، فإنَّهُمْ سَيَخْتَبِرونَ كُلَّ شَيءٍ يُمْكِنُهُمْ أنْ يَخْتَبِروه. لذلكَ فإنّنا نَرى أنَّهُ يَنْبَغي أنْ نَفْحَصَ التَّكَلُّمَ بألْسِنَةٍ في ضَوْءِ الكِتابِ المُقَدَّسِ.

والآنْ، عِنْدَما يَقْتَبِسُ بولُسُ مِنْ إشَعْياء 28: 11، فإنَّهُ يَخُصُّ بِالكَلامِ إسْرائيلَ تَحْديدًا. والآنْ، سَوْفَ أَتَعَمَّقُ قَليلًا في ذلكَ في العَدَد 22: "إِذًا الأَلْسِنَةُ آيَةٌ، لاَ لِلْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ". وَما المَقْصودُ بِغَيْرِ المُؤمِنين؟ أيِ اليَهودُ الذينَ لَمْ يُؤمِنوا بَعْد. ثُمَّ يَقولُ: لِمَ لا تُجَرِّبونَ الوَعْظَ؟ فَهَذا جَيِّدٌ للجَميع. فَهَذا جَيِّدٌ للمُؤمِنين". فَهُوَ يَقولُ في الحَقيقَةِ لِمُؤمِني كورِنثوس: "أنْتُمْ لَسْتُمْ في حَاجَةٍ إلى أيٍّ خِبْرَةٍ إضافِيَّةٍ أيُّها الرِّفاق. بَلْ أنْتُمْ بِحاجَةٍ إلى العَقيدَة فقط". فَقَدْ كانَتْ تِلْكَ هِيَ مُشْكِلَتُهُم.

والآنْ لاحِظُوا العَدَد 23: فَهذا العَدَدُ مُرْبِكٌ إنْ لَمْ تَفْهَموه. "فَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا". وإليكُمْ ما كانَ يَجْري في كورِنثوس. فَقَدْ كانَ جَميعُ المُؤمِنينَ يَجْتَمِعونَ مَعًا. وَهَذا يَعْني أنَّ الكَنيسَةَ بأسْرِها، أيْ جَميعَ المَسيحِيِّينَ، كانُوا يَجْتَمِعونَ في مَكانٍ واحٍدٍ وَيَتَكَلَّمونَ بألْسِنَةٍ. وَكانُوا يَسْتَمِرُّونَ وَيَسْتَمِرُّونَ، وَيَتَحَدَّثونَ بِكُلِّ تِلْكَ اللُّغاتِ. وَرُبَّما لَمْ تَكُنْ أغْلَبُها لُغات، بَلْ كانَتْ كَلامًا غَيْر مَفْهومٍ. وَسَوْفَ نَتَحَدَّثُ عَنْ ذلكَ بعدَ قَليل. "فَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، فَدَخَلَ عَامِّيُّونَ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلاَ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ؟"

والآنْ، قَدْ تَقولُ: "مَهْلًا مِنْ فَضْلِك. هَذا يَبْدو عَديمَ المَعْنى". ففي العَدَد 22، نَقرأُ أنَّ الألْسِنَةَ هِيَ آيَةٌ لِغَيْرِ المُؤْمِنِين. وفي العَدَد 23، نَقرأُ أنَّهُ إنْ دَخَلَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلاَ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ إنْ كُنْتُمْ تَتَكَلَّمونَ بألْسِنَةٍ؟ وَقَدْ تَقولُ: "وَما الفَرْقُ؟" الفَرْقُ هُوَ التَّالي: إنَّها آيَةٌ لليَهودِ الذينَ لا يُؤمِنون. فَكورِنثوس لم تَكُنْ مَدينَةً يَهودِيَّةً. بَلْ ماذا كانَتْ؟ كانَتْ مَدينَةً أُمَمِيَّةً، يُونانِيَّةً. وكانَتْ المُشْكِلَةُ هِيَ أنْ يَأتي أُمَمِيُّونَ فَلا يَفْهَمونَ مَا يَجْري. فَقَدْ كانُوا سَيَرَوْنَ ظَاهِرَةً لَمْ يَقْصِد اللهُ يَوْمًا أنْ تَكونَ للأُمَم. فَهذا هُوَ ما قَصَدَهُ بولُسُ هُنا. بِعِبارَةٍ أُخرى: مَاذا لَوْ جَاءَ هَؤلاءِ إلى الاجْتِماعِ فَشَاهَدوكُمْ تَفْعَلونَ ذلِكَ جَميعًا؟

وَسَوْفَ أُقَدِّمُ لَكُمْ مَثَلًا تَوضِيحيًّا. لديَّ جارٌ أُمَمِيٌّ يَعيشُ في البيتِ المُجاوِرِ لِبَيْتِنا. وقد حاوَلْنا أنْ نُشاركَ المسيحَ مَعَ هذهِ السَّيِّدَةِ وَزَوْجِها. وَقد حاوَلَتْ زَوْجَتي ذلك. وقد شارَكْتُ مَعَها أنا أيضًا. وقد ذهبتُ لزيارَتِها في المُستشفَى بعدَ أنْ أُصيبَتْ بِنَوْبَة قلبيَّة حادَّة، وصَلَّيْتُ مَعَها، وَشَرَحْتُ لها الإنْجيلَ، وَهَلُمَّ جَرَّا. وقد فَعَلْنا كُلَّ ما يَلْزَمُ لكي نَرْبَحْهُما للمسيح. وَلكِنَّهُما مِنْ خَلفيَّة صَعْبَة، مِنْ خَلفيَّةٍ دينيَّةٍ صَعبةٍ، وهي دائمًا أَصْعَبُ خَلفيَّة لإقْناعِ النَّاسِ بقَبولِ المَسيحِ لأنَّهُمْ مُتَدَيِّنونَ جِدًّا وَصَالِحونَ جِدًّا.

وقد بَذَلْنا جُهْدَنا حَقًّا، وَصَلَّيْنا، وَقَدَّمْنا إليهُما مَعلوماتٍ، وَأعطيناهُما عِظاتٍ مُسَجَّلَة، وأخبرناهُما أنْ يَفْتَحا على "صَوْت الجُلْجُثَة" (Voice of Calvary) وأنْ يُشاهِدا العِظاتِ التِّليفزيونيَّة، وحاوَلْنا كُلَّ شيءٍ مُمكن. ولكِنَّ السَّيِّدة جاءَتْ إلى زَوْجَتي ذاتَ يومٍ وقالَتْ لها وَهِيَ مُنْزَعِجَة ومُحَطَّمَة وقالَتْ: "أُريدُ أنْ أَسْألكِ عَنْ أَمْرٍ مَا". ثُمَّ قالَتْ: "لَقَدْ جَاءَتْ إلَيَّ سَيِّدَةٌ وذَهَبْتُ بِرِفْقَتِها إلى اجْتِماعٍ". ثُمَّ قالَتْ: "إنَّ هَؤلاءِ النَّاسَ مَجانين". وَعِنْدَما سَأَلَتْهَا زَوْجَتي بِضْعَةَ أسْئِلَةٍ تَبَيَّنَ لَها أنَّ تلكَ السَّيِّدَة الَّتي جاءَتْ إليها قدِ اصْطَحَبَتْها، وَهِيَ أُمَمِيَّة غَيْر مُؤمِنَة، إلى اجْتِماعٍ للتَّكَلُّمِ بألْسِنَة. وَقَدْ جَلَسَتْ هُناكَ واسْتَنْتَجَتْ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ تَهْريجٌ، فَأغْلَقَتِ البابَ أمامَنا لمُشارَكَةِ المَسيحِ مَعَها.

فَهِيَ تَظُنُّ أنَّ النَّاسَ الَّذينَ يَفعلونَ ذلكَ قَدْ فَقَدوا عَقْلَهُمْ. ولأنَّهُمْ يَنْطِقونَ باسْمِ المَسيحِ، ويَحْمِلونَ الكِتابَ المقدَّسَ، وَيَفْعَلونَ الشَّيءَ نَفْسَهُ طَوالَ الوقتِ، ظَنَّتْ أنَّنا جُزْءٌ مِنْ ذلكَ الشَّيء. إنَّها تُحِبُّنا. لذلكَ فإنَّها لَمْ تَبْتَعِدْ عَنَّا كَثيرًا. ولكِنْ في ذِهْنِها، فإنَّ هذا هُوَ ما يَحْدُثُ. وَهُوَ مُطابِقُ تَمامًا لِما قَالَهُ بولُس بأنَّ ذلكَ لم يَكُنْ مُوَجَّهًا إلى الأُمَم. بل إنَّهُ كانَ آيَةً خَاصَّةً أعْطاها اللهُ لليهودِ في عَصْرٍ مُعَيَّن.

والآنْ، دَوِّنُوا ذلكَ، يا أحِبَّائي، بأنَّهُ مِنَ الواضِحِ مِنْ خِلالِ الكِتابِ المقدَّسِ أنَّ ذلكَ كانَ لليهود. وهذا واضِحٌ. ولا يُمْكِنُنا أنْ نَتَجادَلَ في ذلك. فهذا ليسَ رَأيي الشَّخصِيّ. بل إنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ الَّتي تَقولُ ذلك. والآنْ، إذا كانَ اللهُ في سَنَة 70 ميلاديَّة قد سَمَحَ بِتَدْميرِ أورُشَليم، وَأوْقَفَ التَّعامُلَ مَعَ إسْرائيلَ، وَتَحَوَّلَ إلى الأُمَم، فإنَّ هذهِ الحَقيقَةَ وَحْدَها كَافِيَة لإثْباتِ أنَّ الألْسِنَةَ تَوَقَّفَتْ لأنَّ اللهَ لم يَعُدْ يُعْطي آياتٍ خاصَّةً لإسرائيل. أليسَ كذلك؟ فَقَدْ فَعَلَ ماذا لإسرائيل مُؤقَّتًا؟ لقد وَضَعَهُمْ جانِبًا، وماذا؟ أَعْمى أذْهانَهُمْ. فالآياتُ لإسرائيل قدِ انْتَهَتْ إلى الوقتِ الحاليّ. لذلكَ، فإنَّ هذهِ الآيَةَ الَّتي كانَتْ مُعْطاةً لأجْلِ إسرائيلَ قد تَوقَّفت. وإنْ كانَتْ قد توقَّفَتْ كَعلامةٍ لإسرائيل، فهذا هُوَ جَوْهَرُ الأمْرِ كُلِّهِ. لذلكَ، مِنَ المؤكَّدِ أنَّها تَوَقَّفَتْ.

والآنْ، مَا الَّذي نَقولُهُ؟ نحنُ نُحاوِلُ أنْ نَفْحَصَ كُلَّ هذهِ الحَقائِق في ضَوْءِ شَهادَةِ الكِتابِ المقدَّسِ. وما يَحْدُثُ اليومَ هُوَ إعْلاءٌ مِنْ شَأنِ هذهِ المَوهِبَةِ خَارِجَ السِّياقِ الصَّحيح. لِذلكَ فإنَّنا نَقرأُ في العَدَد 20: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ، بَلْ كُونُوا أَوْلاَدًا فِي الشَّرِّ، وَأَمَّا فِي الأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ". وَعَدَمُ النُّضْجِ هُوَ أنْ نَأخُذَ مَوْهِبَةً، وَأنْ نَتَغاضَى عَنِ القَصْدِ الَّذي أُعْطِيَتْ لأجْلِهِ، وَأنْ نَسْتَخْدِمَها لِغَايَةٍ أُخرى أوْ أنْ نُشَوِّهَها. فقد كانَ لهذهِ الموهِبَة قَصْدٌ واضِحٌ لدى الله. فَهِيَ دائِمًا لغيرِ المُؤمِنين. فهي بلا نَفْعٍ، ولا فائِدَةَ تُرْجَى مِنْها في بنْيانِ الجَسَد. وَهِيَ لم تُؤثِّر يومًا بأيِّ شَكْلٍ مِنَ الأشْكالِ في الجسد. وقد كانَت مُوَجَّهَة دائمًا إلى اليهودِ غيرِ المُؤمِنين. وفي كُلِّ مَرَّة نَقرأُ فيها عنِ الألْسِنَةِ في العهدِ الجديدِ، نَرى أنَّ اليهودَ كانُوا حاضِرين. ولأنَّهُمْ لم يكونوا حاضِرينَ في كَنيسَةِ كورِنثوس، شَجَبَ بولُسُ اسْتِخْدامَ الألْسِنَةِ. ولكِنَّهُ سَمَحَ بوجودِها لأنَّهُ كانَ هُناكَ يَهودٌ كَثيرونَ جِدًّا يَتَرَدَّدونَ على المَرْكَزِ التِّجاريِّ في كورِنثوس.

اقرأوا أعمال الرُّسُل 18 فَتَجِدونَ يَهودًا هُناكَ. لذلكَ، كانَ يَنْبَغي أنْ تَبقى الموهِبَةُ في كورِنثوس بسببِ وجودِ يَهودٍ كَثيرين. وقد كانَ يُمْكِنُ أنْ تَسْتَخْدَمَ استخدامًا صحيحًا معَ هؤلاءِ اليَهود. ولكِنَّ بولسَ شَجَبَ اسْتِعْمالَها الخاطئَ، ولا سِيَّما أنَّ مُؤمِني كورِنثوس قد جاءُوا مِنْ خِلفيَّةٍ تُمارِسُ التَّعويذاتِ والبَرْبَرَةَ الَّتي لا مَعْنى لَها كَجُزْءٍ مِنْ عِبادَتِهِم السَّابِقَة. وهُناكَ دِراسةٌ حَديثَةٌ تَمَّ إعدادُها تَتَناوَلُ تاريخِ هذا الأمْر. وقد تَبَيَّنَ أنَّهُمْ كانُوا يَتَكَلَّمونَ بِلُغاتٍ غَيْرِ مَفْهومَة يُسَمُّونَها "لُغَة الآلِهَة"، وأنَّهُمْ دَمَجُوا الأمْرَيْنِ مَعًا وَأحْدَثوا هذِهِ الفَوْضَى كُلَّها. لذلكَ فإنَّ بولسَ يَعْمَلُ بِمَحَبَّة على تَقْويمِ الأمْر.

واسْمَحوا لي أنْ أُضيفَ شَيئًا آخَر. علاوةٌ على ذلك، كانَتِ الألسِنَةُ دائمًا لُغَةً مَعْروفَةً. فقد تَكونُ لُغَةً أجنبيَّةً بالنِّسبةِ إلى المُتَكَلِّمِ، ولكِنَّها كانَتْ دائمًا لُغَةً حَقيقيَّة. وهُناكَ أسْبابٌ عَديدَةٌ تُدَعِّمُ ذلك. ففي أعْمال 2، نَجِدُ أنَّ الكَلِمَة "غْلُوسَّا" تَعْني "لُغَات"، وَهِيَ تُذْكَرُ هُنا بأسْمائِها: "فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلاَمِيُّونَ، وَالسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، ... وَمِصْرَ، ... كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ". فَالنَّصُّ يُعَدِّدُهُمْ. وَهُوَ يُخْبِرُنا تَحْديدًا بأسْماءِ اللُّغاتِ الَّتي كانَتْ مَوْجودَةً. وَحَتَّى إنَّ النَّصَّ يَسْتَخْدِمُ العِبارَة "جيني غْلُوسَّا" (gene glossa) في رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى، وَهِيَ تَعْني: "أنْواع". فالكلمة "جيني" (gene) أو "جينوس" (genos)، وَهِيَ نَفْسُ الكَلِمَةِ الَّتي اشْتُقَّتْ مِنْها الكَلِمَة "جينَس" (genus)، وَهيَ تُشيرُ إلى أنْواعِ لُغاتٍ، أوْ لُغاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ. فلا يُعْقَلُ أنْ يَكونَ هُناكَ هُراءٌ مِنْ أنْواعٍ مُختلفة. فالهُراءُ هُوَ هُراء. لذلكَ، مِنَ المؤكَّدِ أنَّها كانَتْ لُغاتٍ، وأنَّها كانَتْ مُتَنَوِّعَة.

وعندما نَقْرَأُ عَنْ "مَوْهِبَةِ تَرْجَمَةِ الألْسِنَةِ"، فإنَّ الكَلِمَةَ المُستخدَمَةَ هِيَ "هيرمينيَّا" (hermeneia) وَهِيَ تَعْني: "تَرْجَمَة اللُّغات". فقد كانَتْ تلكَ لُغات. وفي 1كورِنثوس 14: 7، يَقولُ بولُس إنَّها كانَت لَها بُنْيَة نَحْوِيَّة. فَهُوَ يَقولُ: "اَلأَشْيَاءُ الْعَادِمَةُ النُّفُوسِ الَّتِي تُعْطِي صَوْتًا: مِزْمَارٌ أَوْ قِيثَارَةٌ، مَعَ ذلِكَ إِنْ لَمْ تُعْطِ فَرْقًا لِلنَّغَمَاتِ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَا زُمِّرَ أَوْ مَا عُزِفَ بِهِ؟" فَهِيَ مُجَرَّدُ ثَرْثَرَة. وَقَدْ قامَ الكورِنثيِّينَ بِتَشْويهِ كُلِّ ذلكَ حَقًّا. لذلكَ فإنَّهُ يَقول: "إنَّهُ كلامٌ لا يُمْكِنُ تَمْييزُه. إنَّهُ لَيْسَ حَقيقيًّا. ولا يُمْكِنُ أنْ يُتَرْجَم". لذلكَ، يَجِبُ علينا أنْ نَفْهَمَ هَذِهِ الأُمور.

والآنْ، وَفْقًا لِمَا يَقولُهُ عُلَماءُ اللُّغَةِ المُعاصِرون، هل يُمْكِنُنا أنْ نَنْظُرَ إلى حَرَكَةِ الألْسِنَةِ اليومَ وأنْ نَستَنْتِجَ أنَّها لُغَة؟ وسَوْفَ أُقَدِّمُ لَكُمْ شَهادَةَ رَجُلٍ. وَهُناكَ أُمورٌ كَثيرَةٌ عَنْ هذا الموضوعِ يُمْكِنُنا أنْ نَتَحَدَّثَ عَنْها. ولكِن اسْمَحوا لي أنْ أُشَارِكَ هذهِ الفِكرة مَعَكُم. قامَ "وليام سامارين" (William Samarin) بكتابةِ كِتابٍ مؤخَّرًا. وأعتقدُ أنَّ اسْمَ الكِتابِ هُوَ: "ألْسِنَةُ البَشَرِ وَالمَلائِكَةِ" (The Tongues of Men and Angels). وَهُوَ خَبيرٌ في اللُّغاتِ. فَقَدْ كَرَّسَ حَياتَهُ كُلَّها لِدراسةِ اللُّغَوِيَّاتِ. وَهُوَ حاصِلٌ على شَهادةِ الدُّكتوراه في اللُّغَوِيَّات. وَهُوُ أُسْتاذُ اللُّغَوِيَّاتِ بجامِعَةِ تورونتو في كَنَدا. وَقَدْ نَشَأَ في الولاياتِ المُتَّحِدَةِ في وَسَطِ جالِيَةٍ مَسيحيَّةٍ رُوْسِيَّةٍ يُعْرَفُ أتْباعُها بِاسْم "شَارِبو الحَليب الرُّوس" (Russian Molokan). وَقَدْ نَشَأَ في فِرْقَةٍ مِنْها كانَتْ مُنْغَمِسَة تَمامًا في التَّكَلُّمِ بالألْسِنَة. وقد صَرَفَ طُفولَتَهُ كُلَّها وَشَبابَهُ في هذا الوَسَطِ المُنْغَمِسِ في موضوعِ الألْسِنَةِ. وقد قَرَّرَ أخيرًا أنْ يَدْرُسَ هذا الشَّيءَ فَكَرَّسَ حَياتَهُ كُلَّها لِدراسَتِه.

وَهُوَ يَقولُ: "عَبْرَ السِّنين، شارَكْتُ في اجْتماعاتِ الألسنةِ هذهِ في إيطاليا، وهولندا، وجامايكا، وكندا، والولاياتِ المُتَّحِدة"، إلخ. "وقد لاحَظْتُ راقَبْتُ الخَمْسينيِّينَ التَّقليديِّينَ والخَمْسينِيِّينَ المُحْدَثينَ"، أيْ مِنْ سَنَة 1960 فَصَاعِدًا. فَقَدْ ظَهَرَتْ هذهِ الحَرَكَة آنَذاكَ في كُلِّ الطَّوائِفِ. "وقد كُنْتُ في اجْتِماعاتٍ صَغيرَةٍ، وفي بُيوتٍ خاصَّةٍ، وَفي اجْتِماعاتٍ كَبيرَةٍ أيضًا. وقد رأيتُ بيئاتٍ ثَقافيَّةً مُختلفة مِثْلَ البورتوريكيِينَ في برونكس (Puerto Ricans of the Bronx)، ومُطَوِّعي الأفاعي الأبالاشيِّين (the snake handlers of the Appalachians)، وشَارِبي الحَليب الرُّوس في لوس أنجليس (Russian Molokans in Los Angeles)، والبوكومانيِّين في جامايكا (the Pocomanians in Jamica)"، وَهُوَ يَمْضي في تَعْدادِ فِئاتٍ أُخرى.

"وقد قابلتُ مُتَكِّلمينَ بالألسنةِ وَسَجَّلْتُ وَحَلَّلْتُ نَماذِجَ لا تُحْصى مِنَ الألسنةِ. وفي كُلِّ حالة، في كُلِّ حالة، تَبَيَّنَ لي أنَّ "الغلوسولاليا" (glossolalia) هِيَ مُجَرَّدُ كَلامٍ فارِغ. وبالرَّغْمِ مِنَ التَّشابُهاتِ السَّطحيَّةِ، فإنَّ الغلوسولاليا ليسَتْ لُغَةً بالمَعْنى الصَّحيح". نَحْنُ هُنا أمامَ شَهادَةِ خَبيرٍ في اللُّغَوِيَّاتِ. وَقَدْ خَرَجَ كَثيرونَ مِنْهُم بالنَّتيجَةِ نَفْسِها.

والآنْ، اسْمَحُوا لي أنْ أقولَ هذا: كما قُلْتُ سابقًا، إذا كُنْتُمْ تَقولون: "إنْ كانَ اللهُ لا يَسْتَطيعُ أنْ يَفْعَلَ ذلكَ اليوم، هل هذا يَعني أنَّ الألْسِنَةَ ليسَتْ حَقيقيَّة؟" لا! فَمَنْ يَجْرُؤُ على قَوْلِ أمْرٍ كَهَذا عَنِ اللهِ؟ وَمَنْ يَجْرُؤُ على اتِّهامِ اللهِ بِعَدَمِ القُدرةِ على عملِ أيِّ شَيءٍ - سِوى الكَذِب؟ فهذا هُوَ ما يَقولُهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ. ولكِنْ لِنُلَخِّصِ الأمْرَ هَكذا: إنْ شَاءَ اللهُ أنْ يُعْطي أَحَدَ المُرْسَلينَ القُدرةَ على التَّكَلُّمِ بلُغَةٍ لم يَعْرِفْها مِنْ قَبْل بِهَدَفِ توصيلِ الإنْجيلِ في مَوْقِفٍ خَاصٍّ، فإنَّهُ قادِرٌ على ذلك. ولكِنْ هذهِ ليسَتْ مَوهبةَ الألْسِنَة. بل إنَّها مُعْجِزَةٌ صَنَعَها اللهُ حالًا.

ولكِنَّ هذهِ المَوهبةَ أُعْطِيَتْ لأجْلِ اليَهود. وَقَدْ كانَتْ دائمًا لُغَةً مَعروفةً. وهِيَ لم تَكُنْ كَلامًا مِنَ الإنْجيلِ، بَلْ كانَتْ مَوْهِبَةً تَهْدِفُ إلى إظْهارِ أعْمالِ اللهِ العَجيبَةِ لكي يَسْمَعوا الإنْجيلَ عندما يُكْرَز بِهِ. فالموهبةُ الحقيقيَّةُ كانَتْ دائمًا لُغَةً مَعروفةً، وكانَتْ دائمًا عَلامَةً لغيرِ المُؤمِنين، وكانَتْ دائمًا لِغَيْرِ المُؤمِنينَ مِنَ اليَهود. وَهِيَ لم يَكُنْ لها أيُّ نَفْعٍ للمُؤمِنين. وهذا هُوَ ما يَجِدُ أُناسٌ كَثيرونَ صُعوبَةً في فَهْمِهِ. فهُناكَ مُؤمِنونَ يَجْتَمِعونَ معًا وَيَتَكَلَّمونَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ بألْسِنَةٍ. وَلَكِنَّ هذا يَخْتَلِفُ عَنِ النَّمَطِ الكِتابِيِّ جُمْلَةً وَتَفْصيلًا.

والآنْ، قَدْ تَقولُ: "حسنًا، وكيفَ أَسَاءَ مُؤمِنو كورِنثوس اسْتِخْدامَ الألْسِنَة؟" عندما نَدْرُسُ رِسالةَ كورِنثوسَ الأولى، وَهُوَ أَمْرٌ سَنَفْعَلُهُ بعدَ سَنَواتٍ مِنَ الآن، أوْ رُبَّما بَعْدَ عُقودٍ. على أيِّ حالٍ، سَنَجِدُ أنَّهُمْ أَساءُوا اسْتِخْدامَ الألسنةِ كما أساءوا استخدامَ كُلِّ شَيءٍ آخَر. فَقَدْ أساءُوا استخدامها بكُلِّ طَريقَةٍ مُمكنةٍ. فقد كانَتْ تلكَ الكَنيسَةُ في فَوْضَى. فقد كانَ هُناكَ انْقِسامٌ، وسُلوكٌ بالجَسَد، وخَطايا جِنسيَّة، ومُحاكَماتٌ بينَ المُؤمِنين، وإساءاتٌ أخلاقيَّةٌ لِجَسَدِ المُؤمِنِ، وَجَهْلٌ في العلاقاتِ الزَّوجيَّةِ، وجَهْلٌ في القَصْدِ مِنَ العِفَّةِ، وَتَعَدِّياتٌ على الحُرّيَّةِ المَسيحيَّةِ، وَخُضوعٌ للمَرأةِ، واستغلالٌ لِعَشاءِ الرَّبِّ، وَجَهْلٌ بالأمورِ الرُّوحيَّةِ، وَحَتَّى إنْكارٌ لقيامَةِ الجَسَد. فقد كانَتْ كَنيسَةً تَعيشُ في فَوْضَى.

لذلكَ عندما نأتي إلى الأصحاح 14، فإنَّكَ تَتَوَقَّعُ مِنْهُمْ أنْ يَكونوا فَوضَوِيِّينَ أيضًا في موضوعِ المواهبِ الرُّوحِيَّةِ. وقد كانوا كذلكَ حَقًّا. لذلكَ فقد كَتَبَ بولسُ إيهم لِتصْحيحِ تلكَ الإساءات. وفي الأصْحاح 14، يَذْكُرُ بولسُ موضوعَيْنِ فقط. فَهُوَ يَقولُ في العددِ الأوَّل: "اِتْبَعُوا الْمَحَبَّةَ". فَجميعُ المَواهِبِ المُعْطاة يَنْبَغي أنْ تُمارَسَ بِمَحَبَّة. فَهُمْ لم يَكونوا يُمارِسونَها بمحبَّة، بل بانْقسامٍ وبِجَسَدِيَّةٍ. لذلكَ، لم تَكُنْ تلكَ مَوْهِبَة حَقيقيَّة. "جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ". أيْ في كَنيسَتِكُمْ، عِنْدَما تَجْتَمِعونَ مَعًا، اطْلُبوا مِنَ اللهِ أنْ يُعْطيكُمْ مَواهِبَ رُوحِيَّة. "وَبِالأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا (أيْ: أنْ تَعِظُوا)". وَهُوَ يُعَرِّفُ هذهِ الموهبةَ في العددِ الثَّالِثِ بأنَّها التَّكَلُّمُ بِهَدَفِ البُنْيانِ، والوَعْظِ، والتَّعْزِيَة.

ثُمَّ إنَّهُ يَتَحَدَّثُ في العددِ الثَّاني عَنْ أمْرٍ كانُوا مُخْطِئينَ فيِهِ فيقول: "لأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ لاَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بَلِ اللهَ". فأنْتَ تَتَكَلَّمُ بأسْرارٍ في رُوْحِكَ. فَلِمَ لا تَفْعَل شَيئًا يُمْكِنُنا أنْ نَنْتَفِعَ مِنْهُ جَميعُنا؟ فَهُناكَ مَثَلًا: التَّعليمُ والوَعْظُ لأنَّهُما يَتَطَلَّبانِ دِراسَةً. وَبِهَذا فإنَّكَ تَحْصُلُ على الحَقِّ الرُّوحِيِّ. وَبِهَذا فإنَّكَ تَنْمو. وَهُوَ يَقولُ في العدد 4: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ يَبْنِي نَفْسَهُ"، وَهَذِهِ أنانِيَّة. ونحنُ لدينا اليومَ مُشكلة وَهِيَ المُمارَسَة الأنانيَّة لهذا الأمْر. وليتَنا لا نَكونُ أنانِيِّين. فَاسْتِخْدامُ الموهبةِ الرُّوحِيَّةِ هُوَ، في الأصْل، بَذْلٌ. وَهُوَ يَهْدِفُ إلى بُنْيانِكُمْ. فَهُوَ ليسَ لِبُنْياني أنا. وَهُوَ لا يَهْدِفُ إلى جَعْلي أُرَكِّزُ على ذاتي. ولكِنَّ الانْغِماسَ في خبرةٍ رُوحِيَّةٍ خاصَّةٍ بي هُوَ أمْرٌ أنانِيٌّ بَحْت. أمَّا مُمارَسَةُ البُنْيانِ للجَميعِ فإنَّهُ عَمَلٌ مُبارَكٌ.

وَكَما ذَكَرْتُ، فَقَدْ سَمَحَ بولسُ بِبَقاءِ الألسنةِ لأجْلِ اليَهودِ. ولكِنَّهُ وَضَعَ مُؤهِّلاتٍ لها في العَدَد 27. ففي كَنيسَةِ كورِنثوس: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ، فَاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ عَلَى الأَكْثَرِ ثَلاَثَةً ثَلاَثَةً" لأنَّ ذلكَ سَيَنْتَشِرُ في جَميعِ أرْجاءِ المَكان. اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أو ثلاثَة ثَلاثَة. ففي أيِّ وقتٍ يَجْتَمِعونَ فيه واللهُ يَسْمَحُ بالقيامِ بذلك، قَدْ يَكونُ هُناكَ يَهودٌ غَيْرُ مُؤمِنينَ في المَكانِ يَحْتاجونَ إلى اسْتِخْدامِ هذهِ الموهبة. يُمْكِنُ لاثْنَيْنِ أوْ ثَلاثَة فقط أنْ يَفْعَلوا ذلكَ واحِدًا واحِدًا شَريطَةَ وُجودِ مُتَرْجِم. وفي العَدَد 28: "وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَرْجِمٌ فَلْيَصْمُتْ فِي الْكَنِيسَةِ". بعبارةٍ أُخرى، لِيَجْلِسْ كُلُّ واحِدٍ ويُصَلِّي إذْ نَقرأُ في العدد 28: "وَلْيُكَلِّمْ نَفْسَهُ وَاللهَ".

ثُمَّ يَقولُ في العَدد 34: "لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ". ولو طُبِّقَتْ هذهِ الآيَة، فإنَّ خَمْسَةً وسَبْعينَ بالمئَة مِنَ الحَرَكَة سَتَتَوَقَّف غدًا لأنَّها تَحوي أغلبيَّةً مِنَ النِّساءِ. "لأَنَّهُ لَيْسَ مَأذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ". وكَما تَرَوْن، فَقَدْ كانَتْ هذهِ هيَ المُشكلة. فقد مارَسَتِ النِّساءُ هذا الأمْرَ وانْجَرَفْنَ فيهِ.

والآنْ، مَا الَّذي رَأيناهُ؟ لقد رأينا أنَّ بولسَ يَضَعُ قوانينَ صارِمَةً جِدًّا لاستخدامها، حَتَّى في كورِنثوس، ثُمَّ يُبَيِّنُ لنا أهميَّتها. ونحنُ نَعلمُ أنَّها كانَتْ لليهودِ، وَتَحْديدًا: لليهودِ غيرِ المُؤمِنين. لذلكَ، عندما تَوَقَّفَ اللهُ عَنِ التَّعامُلِ مَعَ اليَهودِ، فقد تَوَقَّفَ عَنْ إعْطاءِ علاماتٍ لبني إسرائيل. وقد تَوَقَّفتِ الحاجةُ إلى هذهِ الموهبةِ لأنَّ هذا كانَ القَصْد مِنْها: أنْ تَكونَ عَلامَةً لبني إسرائيل. وفي كورِنثوس، صَارَتِ الألْسِنَةُ أمْرًا مُرْبِكًا جِدًّا.

وقد تَحَدَّثْنا عَنْ كيفيَّةِ تَوَقُّفِها. فَلاهُوتُنا يُخْبِرُنا ذلك. فقد كانَ لها قَصْدٌ مُؤقَّتٌ. وقد رأينا ذلك. ولكن اسْمَحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ فِكرةً أُخرى، 1كورِنثوس 13: 8. فإذا نَظَرنا إلى العددِ الثَّامِنِ، أعتقدُ أنَّنا سَنَرى نُقْطَةَ بِدايَةٍ جَيِّدَة: "اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا". ثُمَّ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ سَيُقارِنُها بشيءٍ يَسْقُطُ: "وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ". وَهُوَ يَستخدمُ الكَلِمَة "كاتَرجَؤو" (katergeo) وَمَعْناها: "يَزول" أو "يَبْطُل". "وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي". "باوو" (pauo) وَمَعْناها: "يَتوقَّف". "وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ". والكلمة "يَبْطُل" فيما يَخْتَصُّ بالعِلْمِ، والكَلِمَة "تَبْطُل" فيما يَخْتَصُّ بالنُّبوءَةِ هِيَ نَفْسُ الكَلِمَة "كاتَرجَؤو" (katargeo) وَمَعْناها: "يَزول" أوْ "يَبْطُل".

إذًا، سَوْفَ تَبْطُلُ النُّبوءَةُ وَيَبْطُلُ العِلْمُ. والمَقْصودُ هُنا هُوَ أنَّهُ سَيَتَحَقَّقُ كُلُّ شَيءٍ حَتَّى إنَّ كُلَّ نُبوءةٍ وعِلْمٍ سَيَبْطُلانِ بسببِ المَعرفةِ الكَامِلَة. ولكِنْ ماذا عنِ الألْسِنَة؟ إنَّ الكَلِمَةَ المُستخدمةَ معها مُختلفةٌ تمامًا. فالألْسِنَةُ سَتَنْتَهي. وَحَتَّى إنَّ الألْسِنَةَ لا تُذْكَرُ في الأعداد 9 أو 10 أو 11 أو 12 أو 13، وهي أعْدادٌ تَتَحَدَّثُ عَنْ مَجيءِ الكامِلِ. فالألْسِنَةُ قَدْ تَوَقَّفتْ أصلًا. فنحنُ نَقرأُ: "وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي" "باوو" (pauo)، أي: تَتَوَقَّف. وَوَفْقًا لِلصيغَةِ النَّحويَّةِ الَّتي تُسْتَخْدَمُ فيها الكَلِمَة، فإنَّها قَدْ تَعني إمَّا أنَّ شَيئًا سَيُوْقِفُها أو أنَّها سَتَتَوَقَّفُ مِنْ تِلْقاءِ ذاتِها. والصِّيغَةُ هُنا تَعني أنَّ الألْسِنَةَ سَتَتَوَقَّفُ مِنْ تِلْقاءِ ذاتِها.

والآنْ، لاحِظُوا ما سأقول لأنَّ هذا مُدْهِشٌ. فالآيَةُ تَقولُ إنَّ الألسنةَ سَتَنْتَهي مِنْ تِلْقاءِ ذاتِها. فالعِلْمُ سَيُبْطَلُ. والنُّبوءَةُ سَتُبْطَلُ. ثُّمَّ إنَّهُ يَمْضي قائلًا عَنْ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في العَدَد 9: "لأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ". فالألْسِنَةُ قَدْ تَوَقَّفَتْ أَصْلًا. وَهُوَ يَمْضي في الحديثِ عَنْ مَجيءِ الكامِلِ. ثُمَّ يَتَحَدَّثُ عَنِ النُّبوءَةِ والعِلْمِ، ولكِنَّهُ لا يَأتي على ذِكْرِ الألْسِنَةِ.

والآنْ، إذا فَهِمْنا أنَّ الألْسِنَةَ كانَتْ مَوهبةً لليهودِ، يُمْكِنُنا أنْ نَفترضَ أنَّها تَوَقَّفَتْ على الأقل بِحُلولِ سَنَة 70 ميلاديَّة. أليسَ كذلك؟ أيْ عِندما دُمِّرَتْ أورُشَليم وابتدَأ اللهُ يَعْمَلُ مَعَ الأُمَم. وإذا دَقَّقْنا النَّظَرَ في الكَلِمَةِ اليونانيَّةِ سَنَجِدُ أنَّ بولسَ اخْتارَ كَلِمَةً مُمَيَّزَةً جِدًّا يُمْكِنُ أنْ نُتَرْجِمَها هَكَذا: "والألْسِنَةُ سَتَتَوَقَّفُ مِنْ تِلْقاءِ ذاتِها". فهذا هُوَ المَقْصودُ هُنا. فَهِيَ سَتَتَوَقَّفُ مِنْ تِلْقاءِ ذاتِها. أَتَرَوْنَ الفَرْقَ؟ فَهُوَ يَستخدِمُ فِعْلًا مُختلفًا، ولَهْجَةً مُختلفةً، وَصِيغَةً نَحْوِيَّةً أُخرى. لذلكَ، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ أرادَ أنْ يَقولَ شَيئًا مُختلفًا.

وقد تَقول: "حسنًا، مَتَى تَوَقَّفَتِ الألْسِنَةُ؟" كَما قُلْتُ، فإنَّ كُلَّ المُؤشِّراتِ تَقولُ إنَّها تَوَقَّفَتْ على الأقَلّ في سَنة 70 ميلاديَّة. وَهَذا تَخْمينٌ جَيِّد. واسْمَعوا مَا يَقولُهُ "جورج دولار" (George Dollar) مِنْ "كُليَّة لاهوت دالاس" (Dallas Seminary): "قبلَ خَمْسٍ وثلاثينَ سَنَة، قامَ تَرْبَوِيٌّ أمريكيٌّ بارِزٌ اسْمُهُ الدُّكتور ’جورج كوتين‘ (George Cutten) مِنْ جامعةِ كولغيت (Colgate University) بإلقاءِ نَظرةٍ فاحِصَةٍ على أيِّ حالاتٍ تاريخيَّةٍ على التَّكَلُّمِ بالألْسِنَةِ. وبعدَ البَحْثِ، خَلُصَ كوتين إلى أنَّهُ في الكنيسةِ الباكِرَةِ، كَنيسَةِ الآباءِ، لا تُوْجَدُ حالَةٌ واحِدَةٌ مُثْبَتَةٌ على أنَّ أيَّ شَخْصٍ قَدِ اسْتَخْدَمَ التَّكَلُّمَ بالألْسِنَةِ أوْ أنَّهُ حَتَّى تَظاهَرَ باسْتِخْدامِها".

اسْتَمِعوا إلى ذلكَ مَرَّةً أُخرى: "في الكَنيسةَ الباكِرَةِ، كَنيسَةِ الآباءِ، في القُرونِ الأولى، لا تُوْجَدُ حَالةٌ واحِدَةٌ مُثْبَتَةُ على أنَّ أيَّ شَخْصٍ قَدِ اسْتَخْدَمَ التَّكَلُّمَ بالألْسِنَةِ". فَمِنَ الواضِحِ تاريخيًّا أنَّها تَوَقَّفَتْ تمامًا مِنْ تِلْقاءِ ذاتِها - كَما قالَ بولُسُ أنَّهُ سَيَحْدُث. وهذا يَعني أنَّ صَوْتَ التَّاريخِ الكَنَسِيِّ يَشْهَدُ ضِدَّ الحَرَكَةِ المُعاصِرَةِ وَيُصَنِّفُها بأنَّها غَيْرُ تَاريخيَّة.

وَيقولُ "كليون روجرز" (Cleon Rogers) بعدَ أنْ صَرَفَ وقتًا طويلًا بِصِفَتِهِ مُؤرِّخًا في هذا المِضْمارِ: "بَعْدَ فَحْصِ شَهادَةِ القادةِ المَسيحيِّينَ الأوائِل الَّتي تُمَثِّلُ خِدْمَتُهُمْ عَملِيًّا كُلَّ عَصْرٍ في الإمبراطوريَّةِ الرُّومانِيَّةِ مِنْ سَنَة 100 إلى سَنَة 200، يَبدو أنَّ المواهِبَ الإعْجازِيَّةَ الَّتي ظَهَرَتْ في القَرْنِ الأوَّلِ قَدْ ماتَتْ. فَهِيَ لا وُجودَ لَها في تلكَ السَّنواتِ الأرْبَعِمِئَة الأولى مِنْ نَشْأةِ الكَنيسَة".

وقد تَقولُ: "بَلى، فَهُناكَ "مُونتانوس" (Montanus) و "تِرتيليانوس" (Tertullian) في الكنيسةِ الأولى". وَهَذا صَحيحٌ. ولكِنَّ مونتانوس كانَ هَرْطوقِيًّا وَكانَ مَعْروفًا أنَّهُ مَسْكونٌ بالشَّياطين. وقدِ ادَّعى أنَّ اللهَ لا يَتَكَلَّمُ إلَّا مِنْ خِلالِهِ، وأنَّهُ الشَّخصُ الوَحيدُ الَّذي سَكَنَ فيهِ الرُّوحُ القُدُسُ دُوْنَ سِواه. فَقَدْ كانَ ذلكَ الشَّخْصُ يُعاني مُشْكِلَةً. وَقَدْ كانَ ترتيليانوس تِلْميذًا لَهُ.

وفي العُصورِ المُظْلِمَةِ، كانَ هُناكَ بَعْضُ الكاثوليكِ الَّذينَ تَكَلَّموا بألْسِنَةٍ. وَقَدْ كانَ "الشِّيكَرْز" (The Shakers) [أيْ: المُرْتَعِشون] أوَّلَ جَماعَة أمريكيَّة حَديثَة تَكَلَّمت بالألْسِنَة. وَهُمْ لا يَتَزَوَّجونَ. وَهُمْ يُؤمِنونَ بِمُشارَكَةِ الأمْلاكِ. وَقَدْ كانَتْ قائِدَتُهُمْ "الأُمّ آن لي" (Mother Ann Lee) الَّتي قالَتْ إنَّ المجيءَ الثَّاني قد تَحَقَّقَ فيها. والبَنْدُ السَّابِعُ في بَيانِ إيمانِ المُوْرمون يُدافِعُ عَنِ التَّكَلُّمِ بألْسِنَة. فَهُوَ جُزْءٌ مِنَ المُورمونيَّة. وقد وُلِدَت الحَركة المُعاصِرَة في اجْتِماعِ شَارِع "أزوسا" (Azusa Street Meeting) في سَنَة 1914.

والآنْ، يا أحِبَّائي، اسْتَمِعوا إلى ما سأقول. إذا كانتِ الألْسِنَةُ قد تَوقَّفَتْ تاريخيًّا في نحوِ سَنَة 70 ميلاديَّة أو في نهاية القرنِ الأوَّلِ للميلاد، ثُمَّ بعدِ أكْثَرِ مِنْ 1800 سَنَة لم يَكُنْ لها وُجود، ما الَّذي يَجْعَلُنا نُصَدِّقُ أنَّ مَا يَجري اليومَ حَقيقيّ؟ وما أعنيهِ هُوَ: هَلْ يُعْقَلُ أنَّ رُوْحَ اللهِ قَدْ حَرَمَ الكَنيسَةَ مِنْ تِلْكَ المَوهِبَةِ المُهِمَّةِ لِمُدَّة 1800 سَنة؟ لا يُوجَدُ في الكتابِ المقدَّسِ ما يَقولُ إنَّها سَتَعودُ للظُّهور ثانيةً. فأيْنَ كانَتْ طَوالَ 1800 سَنَة إنْ كانَتْ جُزءًا مُهِمًّا مِنْ حياةِ الكنيسة؟ وهل اقْتَرَفَ رُوْحُ اللهِ خَطَأً جَسيمًا؟ لا أعتقدُ ذلك. بل أعتقدُ أنَّهُ يَجبُ علينا أنْ نُقَيِّمَ ما يَجْري اليومَ في ضَوْءِ الكِتابِ المقدَّسِ.

وقد تَقولُ: "حَسَنًا؟ إذًا مَا الَّذي يَجْري؟ مَا هذا الَّذي يَحْدُث؟" هُناكَ تَفسيراتٌ كَثيرَة. أوَّلًا، إنَّ بَعْضَ الأشخاصِ مُخْلِصونَ جِدًّا، وَصَادِقونَ، وَيَرْغَبونَ في حُدوثِ ذلك. وأنا لا أُريدُ أنْ أُقَلِّلَ مِنْ شَأنِ هَؤلاء. بل أُريدُ فقط أنْ أكونَ دَقيقًا فقط بِمَعْنى تَقْييمِ مَا يَحْدُث. أوَّلًا، إنَّ جُزْءًا مِمَّا يَحْدُثْ هُوَ زَائِفٌ. إنَّهُ زَائِفٌ.

ولن أَنْسى يَوْمًا أنِّي كُنْتُ أَعِظُ فَابْتدأتٍ إحْدى السَّيِّداتِ في التَّكَلُّمِ بألْسِنَةٍ في وَسَطِ عِظَتي. وقد كُنْتُ شابًّا صَغيرًا آنَذاكَ أَدْرُسُ في كُلِّيَّةِ اللَّاهوتِ. وقد كُنْتُ حَقًّا مُحْرَجًا ولا أَدْري ماذا أَفْعَل. لذلكَ فقد قُلْتُ بِبَساطَة: "أعتقدُ حَقًّا أنَّ الرَّبَّ يُريدُ مِنَّا أنْ نَتَكَلَّمَ واحِدًا واحِدًا. وحيثُ إنَّ النُّبوءَةَ هِيَ المَوهبةُ الأعْظَمُ، لِمَ لا تَجْلِسينَ وَتَقومينَ بذلكَ في وقتٍ لاحِق؟" وَقَدْ كانَ ذلكَ أَفْضَل ما اسْتَطَعْتُ أنْ أُفَكِّرَ فيهِ في ذلكَ الوقت. والحقيقةُ هيَ أنِّي لم أَعْرِفْ كيفَ يَنْبَغي أنْ أَتَصَرَّفَ. المُهِمُّ هُوَ أنَّها صَمَتَتْ وَجَلَسَتْ في مَكانِها. فَقَدْ صَمَتَتْ فَجأةً وَجَلَسَت. فلو كانَ ذلكَ مِنَ الرُّوحِ، لا أعتقدُ أنِّي كُنْتُ أَجْرُؤُ على قَوْلِ ذلك أوْ أنَّ الأمْرَ يُمْكِنُ أنْ يَبتدئَ وَيَنْتَهي بهذهِ البَساطَة.

وَيَقولُ "سامارين" (Samarin) في كِتابِهِ: "إنَّ التَّكَلُّمَ بِكَلامٍ غَيْرِ مَفْهومٍ هُوَ لُعْبَةُ الأطْفال". وإنْ قَرَأتُمْ الكُتَيِّبَ الصَّغيرَ الَّذي كَتَبَهُ "بريديسين" (Bredesen) عَنْ كَيْفِيَّةِ التَّكَلُّمِ بألْسِنَةٍ، وَهُوَ واحِدٌ مِنْ القادَةِ البارِزينَ في الحَرَكَة، فإنَّهُ يَقول: "استمرُّوا فقط في قَوْلِ ’با، با، با‘ مِرارًا وتَكرارًا بأقصى سُرعةٍ مُمكنة". ويَقولُ بولُس: "لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْل كُنْتُ أَتَكَلَّمُ، ... وَلكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ". فاللهُ لا يُريدُ مِنَّا أنْ نَتَكَلَّمَ كَالأطْفال. فَهُوَ يَقولُ: أُصَلِّي بِالرُّوحِ، وَأُصَلِّي" بماذا أيضًا؟ "بِالذِّهْنِ". لذلك، لا تَتَكَلَّموا معَ اللهِ بهذا النَّوعِ مِنَ الكَلِماتِ. فاللهُ ليسَ مُهْتَمًّا بِسَماعِ ذلك.

إذًا، إنَّ بَعْضَ مَا يَجْري هُوَ تَظاهُرٌ. فبعضُ النَّاسِ يَرْغَبونَ في شَيءٍ اخْتِبارِيٍّ. وَبِسببِ ضَغْطِ الرِّفاقِ فإنَّهُمْ يَفْعَلونَ شَيئًا ما لِتَجْربَةِ ذلك. وَهُمْ يَبْرَعونَ في ذلك. ولكِنْ أعتقدُ أنَّ جُزْءًا مِنْ ذلكَ مُرْتَبِطٌ بِعَوامِلَ نَفْسِيَّة. فعندما تَتَوَقَّفونَ قَليلًا وَتُفَكِّرونَ في أنَّهُ شَيءٌ تَفْعَلُهُ جَماعاتٌ عَديدَة، وأنَّهُ كانَ شَيئًا تاريخيًّا، وأنَّهُ لا صِلَةَ لَهُ بالمسيحيَّةِ، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّكُمْ سَتَسْتَنْتِجونَ أنَّهُ ظَاهِرَةٌ نَفسيَّةٌ. فالنَّاسُ يُنَوِّمونَ أنْفُسَهُمْ مِغْناطيسيًّا، إلخ، إلخ. فَأغلبيَّةُ ما يَجْري لَهُ أسْبابٌ نَفسيَّة.

وأعتقدُ أنَّ جُزْءًا مِمَّا يَجْري هُوَ شَيْطانِيٌّ. وقد كانَتْ لي مُواجَهَة شَخْصيَّة مَعَ شَياطين تَتَحَدَّثُ مِنْ خِلالِ شَخْصٍ. ولَنْ أَدْخُلَ في تَفاصيلِ ذلك. ولَكِنْ صَدِّقوني أنَّ ذلكَ حَقيقيّ. ونحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 8: 19: "وَإِذَا قَالُوا لَكُمُ: «اطْلُبُوا إِلَى أَصْحَابِ التَّوَابعِ وَالْعَرَّافِينَ الْمُشَقْشِقِينَ وَالْهَامِسِينَ». «أَلاَ يَسْأَلُ شَعْبٌ إِلهَهُ؟" فقد كانَ بَنو إسرائيلَ يَبْحَثونَ عَنْ خِبْرَةٍ غَريبَةٍ خَارِقَةٍ للطَّبيعَة. وَقَدْ حَصَلوا على واحِدَة. فقد حَصَلوا على بَعْضِ الشَّياطينِ المُشَقْشِقينَ والهَامِسين. وفي التَّرجمةِ السَّبعينيَّةِ، فإنَّ الكَلِمَةَ اليونانيَّةَ "إغاستريماثوس" (eggastrimuthous) تُتَرْجَمُ بِمَعْنى الشَّخصِ الَّذي يَتَكَلَّمُ مِنْ بَطْنِهِ. فالشَّياطينُ قادِرَةٌ على انْتِحالِ شَخصيَّةِ أُناسٍ آخَرين. فَهِيَ شَياطينٌ تَتَكَلَّمُ مِنْ خِلالِ بَشَر. وهذا هُوَ ما يُشيرُ إليهِ النَّصُّ.

وَقَدْ قَرأتُ في صَحيفَةِ الأسبوعِ الماضِي أنَّ أُناسًا قالوا إنَّهُمْ أَجْرَوْا حَديثًا مَعَ الدُّكتور "بايك" (Pike). ولكِنَّ أَحَدًا لم يُجْرِ حَديثًا مَعَ الدُّكتور "بايك". فالدُّكتور "بايك" مَيِّتٌ وَهُناكَ هُوَّةٌ كَبيرَةٌ تَفْصِلُ بينَنا وبينَهُ. لذلكَ فإنَّ هؤلاءِ أَجْرَوْا حَديثًا مَعَ شَيْطانٍ انْتَحَلَ شَخصيَّةَ الدُّكتور "بايك". فالشَّياطينُ قادِرَةٌ أنْ تَتَحَدَّثَ وأنْ تَقولَ مَا تَشاء. ولكِنَّ حُدوثَ ذلكَ لا يَعْني أنَّهُ صَحيح. فيجبُ عليكَ أنْ تَفْحَصَ تَجارِبَكَ في ضَوْءِ الكِتابِ المقدَّسِ. وقد قالَ أَحَدُ الكُتَّابِ: "عليكَ ببَساطَةٍ أنْ تَصْمُتَ تَمامًا، وَأنْ تُقَرِّرَ ألَّا تَتَكَلَّمَ بأيِّ كَلِمَة مِنْ أيِّ لُغَةٍ تَعَلَّمْتَها يومًا. رَكِّز أفكارَكَ على المسيحِ، وارْفَعْ صَوْتَكَ وتَكَلَّمْ بِثِقَةٍ طَالبًا مِنَ الربِّ أنْ يَأخُذَ الصَّوْتَ الَّذي تُقَدِّمُهُ لَهُ وَأنْ يُشَكِّلَهُ كَلُغَة". ما هذا؟ إنَّ هذا ليسَ صَلاةً إلى اللهِ بِذِهْنِكَ.

فَبولُسُ يَقولُ: "وَأُصَلِّي بِالذِّهْنِ ... وَأُرَتِّلُ بِالذِّهْنِ أَيْضًا". وقد تَقولُ: "حَسَنًا يا جون! إذًا لماذا يَسْعى النَّاسُ إلى التَّكَلُّمِ بألْسِنَة؟ لماذا يَفْعَلونَ ذلك؟" اسْمَحوا لي أنْ أُقَدِّمَ إليكُمْ أرْبَعَةَ أسْبابٍ في عُجالَةٍ: أوَّلًا: الابْتِعادُ عَنِ التَّفسيرِ النِّظامِيِّ للكِتابِ المُقَدَّسِ. فَهُمْ لا يَعْرِفونَ مَواضِعَ الأشياءِ في خُطَّةِ اللهِ. فقد تَحَدَّثْتُ إلى شَخْصٍ كانَ يُواجِهُ مُشْكِلَةً بهذا الخُصوص. وَهُوَ لم يَكُنْ مُنْتَمِيًا إلى هذهِ الحَرَكَةِ، ولَكِنِّي عَلِمْتُ أنَّهُ سَيَنْضَمُّ إليها قَريبًا لأنَّهُ لم يَكُنْ قادرًا على فَهْم المَجيءِ الثَّاني ولم يَكُنْ قادرًا على التَّمْييزِ بينَ إسْرائيلَ والكَنيسَة. فَقَدْ كانَ مُرْتَبِكًا بخصوصِ العَهْدِ القَديمِ وَالعَهْدِ الجَديد.

كانَ هذا الشَّخصُ قَدْ تَخَرَّجَ مِنْ كُلِّيَّةِ اللَّاهوتِ في هذا الاخْتِصاص. ولكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ لاهوتٌ مُحَدَّدٌ البَتَّة، بَلْ هُوَ هَائِمٌ وَتائِهٌ في الكِتابِ المُقَدَّسِ. فَقَدْ كانَ يُرَوْحِنُ كُلَّ شَيءٍ بطَريقَةٍ مُشَوَّشَةٍ تَمامًا. وقد قالَ لي: "لقد قَرَّرْتُ". فقد كانَتْ رُوْحُهُ مُضْطَرِبَة مُنْذُ وَقْتٍ طَويل. وأخيرًا، قالَ: "لقد قَرَّرْتُ أنْ أُطَبِّقَ كُلَّ ما جاءَ في الكِتابِ المُقَدَّسِ على كُلِّ شَخْصٍ". قلتُ: "حَسَنًا. وَمَتى سَتُقَدِّمونَ ذَبائِحَكُمْ؟" فلا يُمْكِنُكَ أنْ تُطَبِّقَ كُلَّ ما جاءَ في الكِتابِ المقدَّسِ على كُلِّ شَخْصٍ. فالأمْرُ لا يَسيرُ على هذا المِنْوال. بل إنَّ اللهَ يَعْمَلُ في الأزمنةِ المُختلفةِ بطُرُقٍ مُتنوِّعَةٍ وفقًا لِخُطَّتِهِ ولأسبابٍ مُعَيَّنَةٍ.

عندما لا يَفهمُ النَّاسُ التَّفسيرَ النِّظامِيَّ للكِتابِ المُقَدَّسِ، وعندما لا يَفْهَمونَ أيْنَ تَنْتَمي الأشياءُ لاهُوتِيًّا، فإنَّهُمْ يَقَعونَ في كُلِّ أنواعِ المَشاكِل. ويُمْكِنُني أنْ أقولَ إنَّ هُناكَ أُناسًا كَثيرينَ يَتَكَلَّمونَ بألسِنَةٍ ولكِنَّهُمْ لا يَشْرَبونَ السُّمَّ، وَلا يَلْعَبونَ مَعَ الأفاعي. ولكِنْ لا يُمْكِنُ لهؤلاءِ أنْ يَنْتَقُوا ما يَشاءون. فَيَنْبَغي أنْ يَكونَ هُناكَ تَفسيرٌ نِظامِيٌّ للكِتابِ المقدَّسِ. وإنْ لم يَتَعَلَّموا ذلكَ فإنَّهُمْ يَقَعونَ ضَحِيَّةَ ذلك.

ثانيًا، أعتقدُ أنَّ السَّبَبَ الثَّاني الَّذي يَجْعَلُ النَّاسَ يَرْغَبونَ في التَّكَلُّمِ بألسنةٍ هُوَ أنَّهُمْ جَائِعونَ إلى كَلِمَةِ اللهِ والخِبراتِ الخارِقَةِ للطَّبيعَةِ. وهذا صَحيحٌ تَمامًا. وقَلْبي يحْزَنُ على هؤلاءِ الأشخاص. وَأنا أَتَمَنَّى أنْ أُعَلِّمَهُمْ كَلِمَةَ اللهِ لأنَّها تَحْوي كُلَّ شَيءٍ. فعندما تَسْكُنُ فيكَ كَلِمَةُ اللهِ بِغِنَى، فإنَّكَ تَحْصُلُ على كُلِّ شَيء. أليسَ كذلك؟ ولكِنَّ هؤلاءِ النَّاسَ لا يَمْلِكونَ ذلكَ. لِذا فإنَّهُمْ جَائِعونَ إلى كَلِمَةِ اللهِ. وهُمْ جائِعونَ إلى شَيءٍ حَقيقيٍّ، وإلى حُدوثِ شَيءٍ إلَهِيٍّ في حَياتِهِمْ. وَهُمْ يُشْبِهونَ الغَريقَ الَّذي يَتَعَلَّقُ بِقَشَّة. والخَطَأُ في ذلكَ يَقَعُ على عَاتِقِ الأشخاصِ الَّذينَ يَقِفونَ أَمامَهُمْ وَيَنْبَغي أنْ يُعَلِّموهُمْ، ولَكِنَّهُمْ لا يَفْعَلونَ ذلك.

السَّبَبُ الثَّالِثُ في رَأيي هُوَ أنَّ أُناسًا كَثيرينَ يَبْحَثونَ عَنْ شُعور مَلْموسٍ وَخِبْراتٍ تُلامِسُ مَشاعِرَهُمْ لأنَّهُمْ لا يَمْلِكونَ إيمانًا كافِيًا. فَهُمْ لا يُؤمِنونَ حَقًّا. لذلكَ فإنَّهُمْ يَبْحَثونَ دائمًا عَنْ أُمورٍ مَرْئِيَّةٍ لأنَّ إيمانَهُمْ ضَعيفٌ جِدًّا. وهذا الشَّكُّ يَجْعَلُهُمْ يَبْحَثونَ عَنْ بُرْهان. فالنَّاسُ يُريدونَ شَيئًا خارِقًا للطَّبيعَةِ لكي يُؤمِنوا. وَهُمْ يَستمرُّونَ في التَّعَلُّقِ بأيِّ قَشَّة.

ثُمَّ رابعًا، أعتقدُ أنَّ النَّاسَ يَسْعَوْنَ إلى التَّكَلُّمِ بألْسِنَةٍ لأنَّ ذلكَ يُقَدَّم لَهُمْ كَوسيلَة سَريعَةٍ للرُّوحانِيَّةِ، أيْ أنْ تَشْعُرَ بتلكَ المَشاعِرِ الرُّوحانِيَّةِ بِتلكَ السُّرْعَة. فأنْتَ تَلقائيًّا في المَجموعةِ العُليا. إذًا، مَا الَّذي أَعْنيه؟ الحَقيقَةُ هِيَ أنَّ الحَركةَ المُعاصِرَةَ لا يُوْجَدُ لَها أساسٌ في العَقيدَةِ الكِتابِيَّةِ. فالخِبرةُ ليسَتْ مِعْيارًا. فالجَسَدُ والشَّيطانُ يَسْتَطيعانِ أنْ يُزَيِّفا الخِبرات. والألْسِنَةُ ليسَتْ شَيئًا يَنْفَرِدُ بِهِ المَسيحيُّون. لذلك، لا يُمْكِنُنا أنْ نَقولَ إنَّ الخِبرةَ تُبَرْهِنُ على صِحَّتِها.

هَلْ تَعلمونَ أنَّهُ تُوْجَدُ سِجِلَّاتٌ يَرْجِعُ تاريخُها إلى القَرْنِ الحَادي عَشَرَ قبلَ الميلاد تَمَّ اكْتِشافُها في "بيبلوس" (Byblos) (الَّتي تُعْرَف اليوم باسْم "جُبَيْل") على سَاحِل فينيقيا وَرَدَ فيها أنَّ التَّكَلُّمَ بالألسنةِ كانَ يَجْري هُناك؟ فقد كانُوا يَتَكَلَّمونُ لُغاتٍ غَريبَة. وفي الفَترة الواقِعَة بينَ سَنَة 429 و 347، فإنَّ حِواراتِ "أفلاطُون" تَتَحَدَّثُ عَنْها. وفي الفَترة الواقِعَة بينَ سَنَة 70 و 19 قَبْلَ الميلاد،يَصِفُ الشَّاعِرُ "فيرجيل" (Virgil) في مَلْحَمَتِهِ الشِّعريَّةِ "الإنْيادَة" (Aeneid) الكَاهِناتِ العَرَّافاتِ في جَزيرَة "ديلوس" (Delos) يَتَكَلَّمْنَ بتلكَ اللُّغاتِ الغَريبَة. ويَقولُ "يُوحَنَّا ذَهَبِيُّ الفَمِ" (Chrysostom) إنَّ "عَرَّافَة دِلْفي" (Pythoness of Delphi) كانَتْ تَتَكَلَّمُ بتلكَ اللُّغاتِ. وقد كانَتِ جَمْيعُ الدِّياناتِ الغَريبَةِ والهَرْطَقاتِ اليُونانيَّةِ والرُّومانِيَّةِ تَفْعَلُ ذلك. فَهذا الأمْرُ يَحْدُثُ مُنْذُ القَديم. وَقَدْ كانَ المُحَمَّدِيُّونَ يَفعلونَ ذلك. ومَا زالَ الدَّراويشُ في إيران اليوم يَنْطِقونَ باسْمِ اللهِ ويَرْتَعِشونَ بِعُنْف، وَيَدورون، ويَهْذُونَ بِكَلامٍ غَيْرِ مَفْهومٍ. وَأهْلُ الإسْكيمو في غرينلاند يَفعلونَ ذلك. فَالخَدَماتُ الدينيَّةُ تُقادُ مِنْ قِبَلِ زَعيمِ القَبيلَةِ الَّذي يَكونُ عادةً مُعالِجًا أوْ كَاهِنًا. وَيُرافِقُ ذلكَ رَقْصٌ، وَتَعَرٍّ، وَكُلُّ الأشياءِ الغَريبَة. وفي أثناءِ ذلكَ، فإنَّهُمْ يَتَكَلَّمونَ بتلكَ اللُّغاتِ، أوْ بالأحْرى: بذلكَ الكَلامِ غَيْرِ المَفْهومِ.

وقد قالَ "فرايكِن" (Freuchen) في "مُغامَرَةِ القُطْبِ الشَّمالِيِّ" (Arctic Adventure) الَّتي أعتقدُ أنَّها عُرِضَتْ على مَحَطَّة "ناشيونال جيوغرافيك": "وفجأةً، جُنَّ جُنونُ واحدٍ مِنَ الرِّجالِ وَهُوَ ’كريسوك‘ (Krisuk). فَهُوَ لم يَتَمالَكْ نَفْسَهُ بسببِ إيقاعِ الخِدْمَة، فَراحَ يَقْفِزُ على قَدَمَيْهِ وَيَصْرُخُ وَيُصْدِرُ أصواتًا كَصَوْتِ الغُرابِ وَصَوْتِ الذِّئْبِ. وقد دَخَلَ في حَالَةِ نَشْوَةٍ فَراحَ هُوَ والفَتاةُ ’إيفالو‘ (Ivaloo) يَصْرُخانِ بِلُغَةٍ لم أَفْهَمْها. فإنْ كانَ التَّكَلُّمُ بالألْسِنَةِ صَحيحًا، فَقَدْ سَمِعْتُ ذلكَ آنَذاك".

إذًا، التكلُّمُ بألْسِنَةٍ ليسَ أمرًا تَنْفَرِدُ بِهِ المَسيحيَّةُ بالضَّرورَة. فرُهْبانُ التِّبِت يَفعلونَ ذلك. والحقيقةُ هي أنَّهُمْ سَجَّلوا بعضَ ما يَقولُهُ رُهْبانُ التِّبِت فَوَجَدوا أنَّهُمْ يَتَكَلَّمونَ عَنْ أُمورٍ شَيْطانِيَّةٍ. وقد كانَ بَعْضٌ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ الإنجليزيَّةِ مَعَ أنَّهُمْ لم يَعْرِفوا شَيئًا عَنِ اللُّغَةِ الإنجليزيَّة. وقدِ اقْتَبَسَ أشخاصٌ أقوالًا باللُّغةِ الإنجليزيَّةِ مِثْلَ أعمالِ شِكْسبير الشَّهيرة. وقدِ اقْتَبَسَ بَعْضٌ مِنْهُمْ أقوالَ "فرويد" (Freud) باللُّغَةِ الألمانِيَّة. إنَّهُ عَمَلٌ شَيْطانِيٌّ.

لذلكَ يجبُ علينا أنْ نُخْضِعَ كُلَّ شَيءٍ للفَحْصِ في ضَوْءِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. أمَّا مَخاطِرُ هذهِ الحَرَكَةِ المُعاصِرَةِ فَهِيَ أنَّ أتْباعَها يُشَوِّشونَ عَقيدَةَ مَعمودِيَّةِ الرُّوحِ القُدُس. وَهُمْ يَضَعونَ المَسيحَ غالبًا في مَرتبةٍ أقَلّ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وَهُمْ يَصْنَعونَ مُسْتَوَيَيْنِ مِنَ المَسيحيِّين: مَنْ يَمْلِكونَ هذهِ المَوهبة وَمَنْ لا يَمْلِكونَها، أو الفِئَة العُلْيا والفِئَة الدُّنْيا. وَهُمْ يُنادُوْنَ بِوَحْدَةٍ زائِفَةٍ.

والكِتابُ المقدَّسُ يَتَنَبَّأُ في سِفْرِ الرُّؤيا 17 عَنْ وُجودِ كَنيسَة عالميَّة واحِدَة. ولطَالَما تَساءَلْتُ كيفَ يُمْكِنُ أنْ يَحْدُثَ هذا الأمْرَ في حينِ أنَّ كُلَّ جَماعَةٍ لَها لاهُوتٌ خاصٌّ بها. ولكِنْ هُناكَ شَيءٌ يَحْدُثُ اليومَ لأوَّلِ مَرَّةٍ في التَّاريخِ، وَهُوَ يُلْغي جَميعَ الفُروقِ الطَّائفيَّةِ. فَهُناكَ مَا لا يَقِلُّ عَنْ ثَلاثينَ ألْفَ كاثوليكيٍّ الآنَ مُنْخَرِطونَ في الأعْمالِ الدَّاخليَّةِ للحَركةِ الخَمسينيَّةِ. وهُناكَ مِنْ ثَمانِيَة مَلايين إلى أربعةَ عَشَرَ مِلْيونِ شَخْصٍ مُنْخَرِطينَ في هذِهِ الحَرَكَةِ الآن. إنَّها حَرَكَةٌ تَتَخَطَّى كُلَّ الحَواجِزِ الطَّائفيَّةِ.

فالنَّاسُ يَجْتَمِعونَ مَعًا بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ العَقيدَة. فَعَقيدَتُكَ ليسَتْ مُهِمَّةً طَالَما أنَّكَ مُنْضَمٌّ إلى هذهِ الحَرَكَة. ورُبَّما كانَ ما يَجْري الآنَ هُوَ الحَافِزُ الَّذي سَيَعْمَلُ على تَحْقيقِ أهْدافِ الحَرَكَةِ المَسْكونِيَّةِ الَّتي سَتُؤدِّي إلى ظُهورِ الكَنيسَةِ الزَّائِفَةِ الَّتي يَتَحَدَّثُ عَنْها سِفْرُ الرُّؤيا.

وَسَوْفَ أَخْتِمُ حَديثي بالكَلِماتِ الَّتي وَرَدَتْ في رِسَالة بُطْرُس الثَّانية 1: 3 لكي تَتَأمَّلوا فيها. فنحنُ نَقرأُ: "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ". والحَديثُ هُنا هُوَ عَنْ يَسوعَ المَسيحِ رَبِّنا. "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا ..."، ماذا وَهَبَتْ لَنا؟ بَعْضَ الأشياءِ؟ وَهَلْ نَحْتاجُ إلى ما هُوَ أكْثَرُ مِنْ ذلك؟ " كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى". وكيفَ نَحْصُلُ عليها؟ "بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا". فَعِنْدَما نِلْتَ الخَلاصَ، حَصَلْتَ على كُلَّ ما أنْتَ في حَاجَةٍ إليه. لذلكَ، لا حاجَةَ لأنْ تَبْحَثَ عَنْ أيِّ شَيءٍ آخَر. بل يَكْفي أنْ تَسْعَى إلى مَعرفةِ كلمةِ اللهِ، وأنْ تَعْرِفَ المَسيحَ مَعرفةً أفضَل. فلا يُوْجَدُ شَيءٌ رُوْحِيٌّ، يا أحِبَّائي، تَحْتاجونَ إليه وَلا تَمْلِكونَهُ. والسُّؤالُ الوَحيدُ يَخْتَصُّ بِاسْتِعدادِكَ لَقَبولِ كُلِّ مَا لَكَ في المَسيح. لِنُصَلِّ:

نَشكُرُكَ، يا أبانا، في هذا الصَّباحِ لأنَّكَ مَنَحْتَنا هذا الوَقْتَ للتَّفكيرِ في هذهِ الحَقائِقِ. نحنُ نَتَكَلَّمُ بِجُرأةٍ، يا رَبُّ، لأنَّنا نَتَكَلَّمُ مِنْ كِتابِكَ. ولكِنَّنا نَعْلَمُ، يا أبانا، أنَّ كَثيرينَ مِنَ الأشخاصِ المُقَرَّبينَ إلينا، والَّذينَ نُحِبُّهُم، والأعِزَّاءِ على قُلوبِنا مُنْخَرِطونَ في هذا الأمْر. ونحنُ لَنْ نَتَخَلَّى عَنْ لُطْفِنا، وَلا عَنْ مَحَبّتِنا، وَلا عَنْ عَدالَتِنا. ولكِنَّنا لا نُريدُ أنْ نُساوِمَ، يا رَبُّ، على الحَقِّ الكِتابِيِّ. لذلكَ فقد حَاوَلْنا جاهِدينَ أنْ نُفَصِّلَ كَلِمَةَ الحَقِّ بالاسْتِقامَة. وَبِصِفَتي راعِيًا لهذا القَطيع، فإنِّي أَشْعُرُ، يا أبي، بالمَسؤوليَّةِ لِرِعايَتِهِمْ وَحِمايَتِهِمْ مِنْ أولئَكَ الذينَ يُحاوِلونَ أنْ يُهَدِّدوهُمْ، وَأنْ يَهْدِمُوا الوَحْدَةَ، وَأنْ يَزْدَرُوا بِكَمالِهِمْ في المَسيح.

لذلكَ، يا أبانا، فقد تَحَدَّثْنا عَنْ هَذهِ الأشياءِ مِنْ مُنْطَلَقِ يَقينِنا بأنَّ رُوْحَ اللهِ سَيَعْمَلُ عَمَلَهُ. ونحنُ نُصَلِّي أنْ يَفْحَصَ كُلٌّ مِنَّا قَلْبَهُ، وَأنْ نُدْرِكَ أنَّ كُلَّ ما نَحْنُ في حَاجَةٍ إليهِ مَوْجودٌ في المَسيح، وَأنْ نَكونَ قَنوعينَ بِذَلِك. ولكِنَّنا لَنْ نَكونَ قَنوعينَ إلَّا إذا خَدَمْنا بأمانَةٍ، وَخُضوعٍ، وَطَاعَةٍ. نَشْكُرُكَ، يا رَبُّ، على كَلِمَتِكَ، وعلى أولئكَ الأشخاصِ الذينَ جاءُوا لِكَيْ يَتَعَلَّموها. نُصَلِّي هذا باسْمِ يَسوع. آمين.

وَإذْ نَخْتِمُ خدْمَتَنا في هذا الصَّباحِ، يَنْبَغي لنا جَميعًا أنْ نَنْطَلِقَ وَنَذْهَبَ إلى مَكانٍ مَا لِمُشارَكَةِ مَا تَعَلَّمْناه. وقد يَكونُ لَدى اللهِ مَكانٌ مُعَيَّنٌ يُريدُ مِنْكَ أنْ تَذْهَبَ إليه. ورُبَّما كانَ مَا سَمِعْتُهُ اليومَ يُجيبُ عَنْ بَعْضٍ مِنَ الأسئلةِ الَّتي تَدورُ في ذِهْنِك. واسْمَحُوا لي أنْ أقولَ إنَّهُ عِنْدَما تَتَعامَلونَ مَعَ أُناسٍ مُتَوَرِّطينَ في هذا الأمْرِ، لا تُخاطِبوهُمْ بنفسِ القُوَّةِ الَّتي خاطَبْتُكُمْ بها. بَلْ خَاطِبوهُمْ بِمَحَبَّة. وَشارِكُوا المَبادِئَ الكِتابيَّةَ مَعَهُمْ. فَأنا أَقولُ لَكُمْ مَا أَقول لأنِّي مَسْؤولٌ عَنْكُمْ.

وَعِنْدَما تُحاوِلونَ أنْ تُشارِكوا هذهِ المَبادِئَ، لا تَخْجَلوا مِنَ المَبادِئِ. بَلِ احْرِصُوا على مُشارَكَتِها بمحبَّة لِئَلَّا نَصيرَ مُذْنِبينَ في القيامِ بذلكَ الشَّيء الَّذي لا نَرْغَبُ في القِيامِ بِهِ، أيْ لِئَلَّا نُمارِسَ مَواهِبَنا خَارِجَ إطارِ المَحَبَّة.

نَشْكُرُكَ، يا أبانا، مَرَّةً أُخرى على هذا الصَّباحِ. ونَشْكُرُكَ على كُلِّ حَياةٍ عَزيزَةٍ على قَلْبِكَ هُنا، وعلى كُلِّ نَفْسٍ جَذَبْتَها إليك. بَارِكْ، يا رَبُّ، خِدْمَةَ هَؤلاءِ. واسْتَخْدِمْهُمْ جَميعًا. ووَحِّدْنا برِابِطَةِ المحبَّةِ المُشتركَةِ بَعْضُنا لِبَعْضٍ لأنَّنا نُحِبُّكَ. باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize