Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباحِ، سنُلقي نَظرةً على الجُزءِ الأوَّلِ في هذهِ السِّلسلةِ القصيرةِ عنْ عقيدةِ الله. "اللهُ: هَلْ هُوَ مَوْجودٌ؟ مَنْ هُوَ؟ وما هيَ صِفاتُهُ؟" فنحنُ نَدرُسُ الأسفارَ غالبًا. ونحنُ نقومَ بدراساتٍ للأسْفارِ. ولكِنْ في هذا الوقتِ القصيرِ، سنقومُ بدراسةٍ لاهوتيَّةٍ. لذلكَ، لِتَكُنْ كُتُبُكُمُ المُقدَّسَةُ جاهزةً إذْ سنَبدأُ في التَّأمُّلِ في عَدَدٍ مِنَ النُّصوصِ الكِتابِيَّةِ بعدَ قَليل. وقد قالَ "وِل دورانت" (Will Durant): إنَّ أَعظمَ سؤالٍ في زَمانِنا هذا هُوَ ليسَ الشُّيوعِيَّة أَمِ الفَرْدِيَّة؛ وَهُوَ ليسَ أوروبا أَمْ أمريكا؛ وَهُوَ ليسَ حَتَّى الشَّرق أَمِ الغَرْب؛ بَلْ هُوَ ما إذا كانَ بِمَقدورِ الإنْسانِ أنْ يَعيشَ مِنْ دُوْنِ اللهِ". نِهايةُ الاقْتباس. وأنا أُوافِقُهُ الرَّأيَ. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ القَضِيَّةَ الرئيسيَّةَ في العالمِ هِيَ وُجودُ اللهِ. والكِتابُ المقدَّسُ يَتَحَدَّثُ عنِ اللهِ بِصِفَتِهِ أَمْرًا بَديهيًّا لا جِدالَ فيه. ونحنُ المَسيحيُّونَ نُؤمِنُ باللهِ. فهذا في صَميمِ إيمانِنا. والكِتابُ المقدَّسُ يقولُ الآتي عنِ اللهِ في المزمور 90: 2: "مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ الْجِبَالُ، أَوْ أَبْدَأْتَ الأَرْضَ وَالْمَسْكُونَةَ، مُنْذُ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ أَنْتَ اللهُ". ونحنُ نَجِدُ هُنا بَيانًا عَقائِديًّا عَظيمًا عنِ اللهِ. وَهذا البَيانُ يُخْبِرُنا أنَّ اللهَ هُوَ اللهُ الوَحيد: "أنْتَ اللهُ". وَهُوَ يُخبرُنا أنَّ اللهَ هُوَ الإلهُ السَّرْمَدِيُّ: "مُنْذُ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ أَنْتَ اللهُ". وَهُوَ يُخبرُنا أنَّ اللهَ هُوَ اللهُ الخَالِقُ: "مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ الْجِبَالُ، أَوْ أَبْدَأْتَ الأَرْضَ وَالْمَسْكُونَةَ" – وَيا لَهُ مِنْ بَيانٍ عَنِ اللهِ! فاللهُ هوَ اللهُ الوَحيدُ. وَاللهُ هُوَ اللهُ السَّرْمَدِيُّ. واللهُ هُوَ اللهُ الخالِقُ.

وَمِنَ المُدهِشِ أنْ نَعلمَ أنَّ هذا المَزمورَ قد كُتِبَ مِنْ قِبَلِ مُوْسَى. وقد كانَ مُوْسَى يُعَبِّرُ عَنْ طَبيعَةِ اللهِ بالمُفارَقَةِ مَعَ ضُعْفِ الإنْسان. فَمثلًا، في العَدَدِ العَاشِرِ مِنَ المَزمور 90، يَقولُ مُوسَى إنَّ الإنْسانَ يَعيشُ 70 سَنَة، وَإنْ كانَ قَوِيًّا حَقًّا فإنَّهُ قَدْ يَعيشُ 80 سَنة، ولكِنْ حَتَّى بعدَ هذهِ السِّنينِ الثَّمانينَ، فإنَّهُ يَجدُ أنَّ أَفْضَلَ سَنواتِ عُمْرِهِ تَعَبٌ وَبَلِيَّةٌ لأنَّها تُقْرَضُ سَريعًا. لِذا فإنَّهُ يَقولُ بِحُزْنٍ إنَّنا "نَطير". فَهُوَ يُبَيِّنُ ضُعْفَ الإنسانِ، وخَطيَّةَ الإنسانِ. وعلى النَّقيضِ مِنْ ذلكَ فإنَّهُ يُبَيِّنُ طَبيعَةَ اللهِ إذْ إنَّهُ مَلْجَأٌ لَنا، وَهُوَ ضَمانُنا، وَهُوَ سَرْمَدِيٌّ.

فَهُوَ يَقولُ في العَدَدِ الأوَّلِ مَثَلًا: "يَا رَبُّ، مَلْجَأً كُنْتَ لَنَا فِي دَوْرٍ فَدَوْرٍ". فَنَحْنُ نَجِدُ مَلْجَأَنا فيكَ دائمًا. فيَنبغي لنا دائمًا أنْ نُواجِهَ ضَعَفَنا وَهَشَاشَتَنا. ونحنُ نَعلمُ دائمًا أنَّ القُوَّةَ الوَحيدَةَ هِيَ قُوَّتُكَ أنْتَ. لِذلكَ فإنَّنا نَرى اللهَ بوَصْفِهِ اللهَ الواحِدَ الأبديَّ، واللهَ الخَالِقَ الَّذي هُوَ مَصْدَرُ قُوَّةِ شَعْبِهِ. فَهَذا هُوَ اللهُ في الأساس.

والسُّؤالُ الَّذي يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ حينَ نَبتدِئُ في النَّظَرِ إلى هذا الأمْرِ هُوَ حَقيقَةُ أنَّ بعضَ النَّاسِ يَقولونَ إنَّ المسيحيِّينَ اخْتَرَعوا هذا الإلَه وَحَسْب. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُمْ يَقولونَ إنَّ كُلَّ شَخصٍ في العالمِ يَعْتَنِقُ دِيانَةً مَا يُسَلِّمُ جَدَلًا بتلكَ الدِّيانَةِ، أوْ هُوَ ضَحِيَّةٌ لأحدِ أجْدادِهِ الَّذي فَعَلَ ذلكَ مِنْ قَبْل، مَعَ أنَّهُ في الحقيقةِ لا يُوجدُ أيُّ شَيءٍ خارِقٍ البَتَّة. لِذلكَ فإنَّنا نَطرحُ السُّؤالَ الأوَّلَ وَهُوَ: هَلْ هُوَ مَوْجودٌ؟ هَلِ اللهُ الَّذي يَزْعُمُ الكِتابُ المُقَدَّسُ أنَّهُ مَوْجودٌ، مَوجودٌ حَقًّا؟ هَلْ هُوَ مَوجود؟

لقد قالَ "سيغموند فرويد" (Sigmund Freud)، وأنا لا أَقْتَبِسُ كَلامَهُ عَادَةً، ولَكِنَّ "سيغموند فرويد" قال إنَّ الإنسانَ خَلَقَ اللهَ. وهذا، بكُلِّ تأكيدٍ، عَكْسُ ما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ؛ أيْ أنَّ اللهَ خَلَقَ الإنْسان. وقد قالَ "فرويد" في كِتابِهِ "مُسْتَقْبَلُ وَهْمٍ" (The Future of an Illusion)، وكَما تَعلمونَ فإنَّ "فرويد" كانَ عَالِمًا نفسيًّا نَمْساوِيًّا سُمِّيَ بِمُؤسِّسِ عِلْمِ التَّحليلِ النَّفْسِيِّ الحَديث. وَلَكِنَّهُ قالَ في كِتابِهِ "مُستقبَلُ وَهْمٍ" إنَّ "الإنْسانَ بِحاجَةٍ مَاسَّةٍ إلى الشُّعورِ بالأمان، وَأنَّهُ بسببِ مَخاوِفِهِ الكَامِنَةِ عَميقًا فيهِ، وبسببِ أنَّهُ يَعيشُ في عَالَمٍ يُهَدِّدُ وُجودَهُ ولا يَمْلِكُ إلَّا قَدرًا ضَئيلًا مِنَ السَّيطرةِ على ظُروفِهِ، فإنَّهُ اخْتَرَعَ اللهَ لكي يَلْتَجِئَ إليهِ عِنْدَما يَحْتاجُ إلى شَيءٍ مَا". وَيَقولُ "فرويد" في كِتابِهِ "مُسْتَقْبَلُ وَهْمٍ" إنَّ اللهَ هُوَ مِن اختراعِ الإنْسانِ لثلاثةِ أسبابٍ: السَّببُ الأوَّلُ هُوَ أنَّ الإنسانُ يَخافُ تقلُّباتِ الطبيعةِ، وغُموضَها، وقَسْوتَها. بعبارةٍ أخرى، فإنَّهُ يَرى الأمراضَ، والمجاعاتِ، والكوارثَ. وهُوَ يَعرفُ أنَّهُ لا يَملِكُ أيّ دفاعٍ ضِدَّ أيٍّ مِنْ هذهِ الأشياء. لذلكَ فإنَّهُ يَفترِضُ جَدَلًا وُجودَ شخصٍ ما في مكانٍ ما يُمكنُ أنْ يُخَلِّصَهُ. تَخَيَّلوا شخصًا يَسْكُنُ على جَزيرةٍ بُركانِيَّةٍ. والكثيرونَ مِنَّا يَسكنونَ على جُزُرٍ بُركانِيَّةٍ لا مَهْرَبَ مِنها. لِذلكَ فَهُوَ مَعزولٌ على تلكَ الجَزيرة. وأثناءَ جُلوسِهِ في كُوْخِهِ المَصنوعِ مِنَ الطِّيْنِ ذاتَ يومٍ، وَيَقومُ بأعمالهِ المعهودةِ في ذلكَ الكوخِ الطِّينيِّ ... وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ لا يَكْنِسُ أرْضِيَّةَ الكُوخِ ... ولكِنَّهُ يَفعلُ أمرًا ما. وَهُوَ يَسمعُ ثَوَرانَ البُركانِ، وَيَشْعُرُ بالأرْضِ تَتَحَرَّكُ مِنْ أسْفَل قَليلًا. وَهُوَ يَفعلُ كُلَّ ما في وُسْعِهِ. إنَّهُ شَيءٌ يَحْدُثُ بينَ الحينِ والآخر. فهيَ جَزيرةٌ بُركانيَّةٌ. فَهُوَ يُدَعِّمُ كُوخَهُ الصَّغير، ويَتأكَّدُ مِنْ أنَّ الأولادَ في مَأمَنٍ، وَأنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام. وهُوَ يُوَاسِي زَوْجَتَهُ قليلًا. ولكِنَّ الثَّورانَ يَزْدادُ ويصيرُ عنيفًا. وهوَ يَخرجُ خارجًا، وينظرُ إلى أعلى فيَرى الحُمَمَ البُركانيَّةَ تَتَصاعدُ مِنْ فُوَّهَةِ البُركانِ. وهوَ يُدركُ الآنَ أنَّ تَدعيمَ الكوخِ لن يُجْدِ نَفْعًا، وَأنَّ تَشْجيعَ الأولادِ لم يُجْدِ نَفْعًا أيضًا. وعندما تَبدأُ الحُمَمُ البُركانيَّةُ بالجَرَيانِ على سَفْحِ التَّلِّ، لا يُوجدُ مَفَرٌّ. لذلكَ فإنَّهُ أمامَ حَلٍّ واحدٍ فقط وَهُوَ أنْ يَأمَلَ في شَيءٍ خارقٍ للطبيعةِ، أو في إنسانٍ خارِقٍ، أو في طائرةٍ عموديَّةٍ لإنقاذِه. لِذلكَ فإنَّ "فرويد" يقول إنَّ الإنسانَ اخْتَرَعَ اللهَ لهذا السَّبَب.

وَالشَّيءُ الثَّاني الَّذي يَقولُ "فرويد" إنَّهُ دَفَعَ الإنسانَ إلى اختراعِ اللهِ هوَ أنَّ الإنسانَ يَخافُ بسببِ عَلاقاتِهِ معَ البَشَر. فلأنَّ الإنسانَ يُشعُرُ غالبًا بأنَّهُ يُظْلَمُ مِنَ الآخرينَ، فإنَّهُ يُريدُ أنْ يَفترضَ جَدَلًا وُجودَ حَكَمٍ إلهِيٍّ، أوْ إلَهٍ كَوْنِيٍّ يمتلكُ قُدرةً خارقةً تُمَكِّنُهُ مِنْ وَضْعِ حَدٍّ لِما يَجري، وَمُحاسَبَةِ كُلِّ شخصٍ بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِ. بعبارةٍ أُخرى، فإنَّهُ يَفترضُ جَدَلًا وجودَ إلهٍ سيُصَحِّحُ الأحوالَ حَتَّى لو لم يَفْعَل ذلكَ حَالًا. ثالثًا، يقولُ "فرويد" إنَّ الإنسانَ اخترَعَ اللهَ لأنَّهُ يَخافُ الموتَ والفَناء. لذلكَ فإنَّهُ يُريدُ أنْ يَجِدَ أبًا سَماويًّا، أوْ شخصًا سَعيدًا في مَكانٍ مَا، يأخُذُهُ إلى مَكانٍ سَعيدٍ لأنَّهُ لا يستطيعُ أنْ يَحتملَ حَقيقَةَ أنَّهُ سَيَفْنَى. لذلكَ فإنَّهُ يَفترِضُ جَدَلًا وُجودَ سَماء.

هذهِ هيَ نَظرةُ "فرويد" إلى الله. فلا وُجودَ للهِ إلَّا في أوْهامِ الإنْسان. ولَكِنْ لا يوجدُ دَليلٌ على ذلك. فَهذا الكلامُ هُوِ نِتاجُ عَقْلِهِ الفَاسِد – عَلى غِرارِ كُلِّ شَيءٍ آخَرَ قَالَهُ عَنْ هذا الموضوع. فَلا يُوجدُ أيُّ دَليلٍ على ذلك. وَمَا يَقولُهُ لا يُمْكِنُ الدِّفاعُ عنهُ. ومعَ ذلكَ، هُناكَ أعدادٌ كبيرةٌ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ آمَنوا بِكلامِهِ. وهَذا يَكْشِفُ عَنْ نَظرةٍ سَاذَجَةٍ وجاهِلَةٍ بِخُصوصِ الدِّيْن. فإذا تَفَحَّصْتُم الدِّيْنَ حَقًّا، يا أحِبَّائي، سَتَجِدونَ أنَّهُ عندما يَصْنَعُ الإنْسانُ اللهَ، فإنَّهُ لا يَكونُ عَادَةً إلَهًا مُنَجِّيًا، بَلْ يَكونُ عَادَةً إلهًا اسْتِبْدادِيًّا يَنْبَغي إرْضاؤُهُ باسْتمرار. فَهَلْ لاحَظْتُمْ ذلكَ يومًا؟ لِذلكَ، فإنِّي أَختلفُ في الرَّأي مَعَ "فرويد"، وأَفْتَرِضُ جَدَلًا النَّقيضَ تَمامًا، وَأُقَدِّمُ لَكُمْ هذا الرَّأيَ لِتُفَكِّروا فيه. فأنا أُوْمِنُ أنَّ الإنسانَ لم يَصْنَعِ اللهَ، بل في الحقيقةِ، إذا كانَ الإنسانُ حُرًّا تَمامًا في التَّصَرُّفِ، فإنَّهُ سَيَخْتارُ عَدَمَ وُجودِ اللهِ، أيْ أنَّهُ سَيَخْتارُ أنْ يُلْغي فِكْرَةَ وُجودِ الله. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ إذا دَرَسْتُمُ التَّاريخَ حَقًّا، سَتَجِدونَ أنَّ الإنسانَ يُوْجَدُ، إمَّا فَلْسَفِيًّا أوْ ذَرائِعِيًّا، مِنْ دُونِ اللهِ. فهوَ يَفعلُ ما في وُسْعِهِ للتَّخَلُّصِ مِنَ الله. وَهُوَ يُحاوِلُ اخْتِراعَ لاهُوتٍ يَقولُ إنَّ اللهَ مَيِّتٌ. وَحَتَّى إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ لا يَستطيعونَ أنْ يَتأقلموا فَلسفيًّا معَ فِكْرَةِ عَدَمِ وُجودِ اللهِ يَعيشونَ كَما لو أنَّهُ ليسَ هُناكَ إلَه.

فَمَثلًا، إذا رَجَعْتُمْ إلى جَنَّةِ عَدْن، سَتَرَوْنَ أنَّ أوَّلَ شَيءٍ حَدَثَ في الجَنَّةِ بِحَسَبِ مَعْرِفَتِنا، بِمَعْزِلٍ عَنِ المَشْيِ مَعَ اللهِ والتَّحَدُّثِ إليهِ، هُوَ الخَطِيَّة. أليسَ كذلك؟ فَقَدْ سَقَطَ آدَمُ وَحوَّاء. وَما الشَّيءُ الأوَّلُ الَّذي فَعَلاهُ مُباشَرَةً بعدَ سُقوطِهِما؟ لقد اخْتَبأَ آدَمُ وحَوَّاءُ حَالًا مِنْ مَنْ؟ مِنَ الله. وقد تَمَنَّيا لو أنَّ اللهَ لم يَكُنْ مَوجودًا أَصْلًا. وَهَذِهِ هِيَ حَالُ الإنْسانِ دائمًا على مَرِّ التَّاريخ. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسالةِ رُومية أنَّ اللهَ مَوْجودٌ، وَأنَّ البَشَرَ يَعرفونَ في قُلوبِهِمْ أنَّ اللهَ مَوجودٌ. أليسَ كذلك؟ "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ". ونَقرأُ في العَدد 20: إنَّهُمْ عَرَفُوا الله ... أوْ بالحَرِيِّ نَقرأُ في العَدَد 21 أنَّهُمْ عَرَفُوا الله. ونَقرأُ في العَدَد 28 (أيْ في رُومية 1: 28) أنَّهُمْ: "لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ". فَهَلْ قَرَأتُمْ ذلكَ يَوْمًا؟ فالإنسانُ لم يَخْلِق اللهَ، بَلْ إنَّ الإنسانَ يَتَمَنَّى دائمًا أنْ يكونَ اللهُ غيرَ مَوجود.

لذلكَ، أوَدُّ أنْ أقولَ إنَّ "فرويد" مُخْطِئٌ جِدًّا. فالإنْسانُ لم يَخْتَرِعِ الله. واسْمَحُوا لي أنْ أُضيفَ الآتي: في الحالاتِ الَّتي قامَ فيها الإنسانُ باختراعِ الآلِهَةِ، أيْ في الحالاتِ الَّتي قامَ فيها البَشَرُ مِنْ خِلالِ الدِّياناتِ الزَّائفةِ باختراعِ الآلِهَةِ، فإنَّهُمْ لم يَخْتَرِعوا آلِهَةً قادِرَةً حَقًّا على حِمايَتِهم. فَهِيَ مُجَرَّدُ آلِهَةٍ يَخافُها البَشَر. فَهل تَعتقدونَ أنَّ المَرأةَ الهِنْدِيَّةَ الَّتي تُلقي بِطِفْلِها الرَّضيعِ في نَهْرِ "الغَانْغ" (Ganges River) تُفَكِّرُ في اللهِ بِوَصْفِهِ مُخَلِّصًا عَظيمًا، أوْ حاكِمًا كَوْنِيًّا عَظيمًا، أوْ شَخْصًا يُريدُ تَخليصَها مِنْ مَشاكِلِها؟ قَطْعًا لا! فهيَ تَنْظُرُ إلى ذلكَ الإلَه بِوَصْفِهِ غُوْلًا مُخيفًا جِدًّا يَنْبَغي إرْضاؤُهُ. لِذلكَ، إذا كانَ الإنسانُ قدِ اخْتَرَعَ الآلِهَةَ حَقًّا، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ اخْتَرَعَ آلِهَةً زَائِفَةً. والحقيقةُ هِيَ أنَّ السَّببَ الَّذي جَعَلَ الأنظمةَ الدينيَّةَ الزائفةَ تَخترعُ مِثْلَ هذهِ الأنواعِ مِنَ الآلِهةِ هُوَ أنَّ هذهِ الأنواعَ مِنَ الشَّياطينِ مَوجودَة، وأنَّها تَعْمَلِ بِجِدٍّ في عالَمِهِم. فالبَشَرُ لا يَتَمَنَّوْنَ وُجودَ اللهِ، بل إنَّ البَشَرَ يَتَمَنَّونَ أنَّ اللهَ غيرُ مَوْجودٍ إنْ كَانَ بِهَذِهِ الصُّورَة.

والدَّليلُ سَاطِعٌ جِدًّا بأنَّ اللهَ مَوجودٌ. فلا أعتقدُ أنَّ أَحَدًا يَستطيعُ أنْ يُنْكِرَ كُلَّ البَراهين، وأنْ يَفْتَرِضَ جَدَلًا عَدَمَ وُجودِ اللهِ، ثُمَّ أنْ يَخترعَ نَظريَّةً كتلكَ الَّتي تقولُ إنَّ الإنسانَ هُوَ الَّذي اخْتَرَعَ اللهَ، دُونَ أنْ نَتجاهَلَ حَقيقةً مُدهشةً حَقًّا. وقد فَسَّرَ اللَّاهوتيُّونَ أسبابَ إيمانِنا باللهِ بطُرُقِ عديدة. وسوفَ أذْكُرُ لَكُمْ بَعْضًا مِنها، ولكِنِّي لن أَصْرِفَ وقتًا طويلًا عليها. وعلى أيِّ حَالٍ، فإنَّ اللَّاهوتِيِّينَ يَقولونَ إنَّ هناكَ أسبابًا عديدةً تَجْعَلُنا نُؤمِنُ بوجودِ اللهِ. وَهذهِ الأسبابُ، في نَظَرِهِم، لا تُبَرْهِنُ على وُجودِ اللهِ، ولكِنَّها تُبَيِّنُ لنا، بِكُلِّ تأكيدٍ أنَّ أَسباب الإيمانِ بوجودِ اللهِ هِيَ أكْثَرُ مِنْ أسبابِ الإيمانِ بِعَدَمِ وُجودِهِ. أليسَ كذلك؟ اسْمَعوني جَيِّدًا. فَبِصِفَتِنا مَسيحيِّينَ، نَحْنُ نَقْبَلُ مُعْجِزَةً كَبيرَةً واحِدةً اسْمُها "الله، ... مُعْجِزَةً كَبيرَةً واحِدةً اسْمُها "الله. وَحينئذٍ، يَصيرُ كُلُّ شَيءٍ مَنْطِقِيًّا. أمَّا المُلْحِدُ فَيُنْكِرُ اللهَ. لِذلكَ فإنَّهُ يَحتاجُ إلى مُعْجِزَةٍ في كُلِّ شَيءٍ آخَر. وَهُمْ يَقولونَ إنَّ الاعْتِقادَ بوجودِ اللهِ يَتطلَّبُ إيمانًا هائلًا جِدًّا. وَهُناكَ بَراهينُ كَثيرة.

فمثلًا، هُناكَ ما يَدْعوهُ اللَّاهوتيُّونَ "الحُجَّةَ الغَائِيَّةَ". وَقَدِ اشْتُقَّ اسْمُها مِنَ الكلمةِ اليونانيَّةِ "تيليوس" (teleios)، والتي تُشيرُ إلى الاكْتِمالِ، أوِ النَّتيجَةِ، أوِ الغايَةِ، أوِ النِّهايَة. فنحنُ نَنظرُ إلى الشَّيءِ الكامِلِ، أوِ المُكْتَمِلِ، أوِ المُنْتَهي فَنَقولُ إنَّهُ "تَصْميمٌ" وَإنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وُجودِ مُصَمِّمٍ لَهُ. فلا يُمكنكَ أنْ تُفَكِّكَ سَاعَةَ اليَدِ خَاصَّتَكَ إلى أجْزاءٍ صَغيرةٍ وَأنْ تَضَعَ الأجْزاءَ في جَيْبِكَ، وَأنْ تَهُزَّ سَاقَكَ فَتْرَةً طَويلَةً مُتَوَقِّعًا أنْ تَسْمَعَ السَّاعَةَ تَعْمَل. فأنتَ تَعلَمُ أنَّكَ إنْ أرَدْتَ لأيِّ شَيءٍ أنْ يَعْمَل، يَجِبُ على شَخْصٍ ما أنْ يَجْعَلَهُ يَعْمَل. فأنْتَ تَرى آلَةً مُوسيقيَّةً (كالبيانو مثلاً)، ولكِنَّكَ لا تَتوقَّعُ أنَّ يَكونَ هُناكَ فِيْلٌ قَدِ اصْطَدَمَ بِشَجَرَةٍ، وَأنَّ هُناكَ رَجُلًا كانَ يَجْلِسُ فوقَ الشَّجَرَةِ يَعْزِفُ القيثارَةَ، وَأنَّ كُلَّ شَيءٍ طَارَ في الهَواءِ ثُمَّ تَجَمَّعَتْ كُلُّ تلكَ القِطَعِ مَعًا: أيِ العَاجَ، والخَشَبَ، والأوْتارَ لِتُشَكِّلَ آلَةَ البيانو الموسيقيَّة. فهذا سَخيفٌ، وَغَريبٌ. فالتَّصْميمُ يَقْتَضي وُجودَ مُصَمِّمٍ.

وهُناكَ حُجَّةٌ أُخرى تُسْتَخْدَمُ لإثْباتِ وُجودِ اللهِ، وَهِيَ حُجَّةٌ قائِمَةٌ على عِلْمِ الوُجودِ، وَهِيَ الحُجَّةُ الوُجودِيَّة (ontological argument). والكَلِمَة "أونتو" (ontos) هِيَ كَلِمَة يُونانيَّة تُشيرُ إلى فِعْلِ الكَيْنونَة – أيْ إلى وُجودِ اللهِ. فَحَقيقَةُ أنَّ الإنْسانَ قادِرٌ على التَّفْكيرِ في اللهِ بطريقةٍ مُتوافِقَةٍ مَعَ صِفاتِ اللهِ تُشيرُ إلى أنَّ اللهَ مَوْجودٌ. وهُناكَ حُجَّةٌ ثالِثَةٌ على وُجودِ اللهِ تَقومُ على عِلْمِ الجَمال. فالنَّاسُ يَقولونَ إنَّهُ لأنَّ هُناكَ جَمالٌ، ولأنَّ هُناكَ حَقيقَةٌ، لا بُدَّ أنْ يكونَ هُناكَ في مَكانٍ مَا في الكَوْنِ المِعْيارَ الَّذي يَقومُ عليهِ ذلكَ الجَمالُ وتلكَ الحَقيقَة. وَهُناكَ الحُجَّةُ الاخْتيارِيَّةُ الَّتي تَقولُ إنَّهُ طَالَما أنَّ الإنسانَ يُواجِهُ خِياراتٍ كَثيرةً، وطَالَما أنَّ الإنسانَ لَديهِ إرادَةٌ تُمَكِّنُهُ مِنَ الاخْتيارِ، وَلأنَّ الإنْسانَ يَمْلِكُ القُدرةَ على التَّعبيرِ عَنْ مَشيئَتِهِ الفَرْدِيَّةِ، لا بُدَّ مِنْ وُجودِ مَشيئَةٍ لا مُتَناهِيَةٍ في مَكانٍ مَا. ولا بُدَّ أنَّ العالَمَ هُوَ تَعْبيرٌ عَنْ تلكَ المَشيئَة. ثُمَّ هُناكَ حُجَّةٌ قائِمَةٌ على المَبادِئِ الأخلاقِيَّةِ. فَحَقيقَةُ أنَّنا نَعْرِفُ أنَّ هُناكَ فَرْقًا بينَ الصَّوابِ والخَطَأِ تُشيرُ إلى ضَرورَةِ وُجودِ مِعْيارٍ مُطْلَقٍ.

جاءَ أَحَدُ الإخوةِ إليَّ في هذا الصَّباحِ بعدَ الدَّرْسِ الثَّاني وقالَ لي: "هُناكَ صَديقٌ لي لا يُؤمِنُ بوُجودِ مَا يُسَمَّى بالصَّوابِ وَالخَطأ. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ لا يُوْجَدُ شَيءٌ صَائِبٌ بالمُطْلَق، ولا شَيءٌ خَاطِئٌ بالمُطْلَق". وَقَدْ قالَ لي هذا الأخُ: "مَاذا عَسايَ أنْ أَقولَ لِصَديقي؟" فقلتُ: "اذْهَبْ إليهِ واسْألهُ إنْ كانَ مِنَ الصَّوابِ بالنِّسبةِ إليهِ أنْ يَأخُذَ سِلاحًا رَشَّاشًا وَأنْ يَفْعَلَ شَيئًا غَريبًا كَأنْ يُطْلِقَ الرَّصاصَ الكثيفَ على أطفالٍ صِغارٍ في سَاحَةِ المَدرسَة. اسألهُ إنْ كانَ ذلكَ العَمَلُ صَائِبًا أَمْ خَاطِئًا". فَمِنَ الغَباوَةِ أنْ يُنكِرَ الإنسانُ في تلكَ اللَّحظةِ أنَّ هُناكَ أُمورًا صَائِبَةً وأُمورًا خاطِئةً. وإنْ كانَ هُناكَ شَيءٌ صَائبٌ وشَيءٌ خاطِئٌ، لا بُدَّ مِنْ وُجودِ مِعْيارٍ مَا. وإنْ كانَ هناكَ مِعيارٌ، مِنَ الأفضلِ أنْ نَعْرِفَ مِنْ خِلالِ ذلكَ المِعْيارِ الأُمورَ الأُخرى الصَّائِبَةَ، والأُمورَ الأُخرى الخاطِئَة. وهذِهِ هِيَ الحُجَّةُ الَّتي تَسْتَنِدُ إلى المِعْيارِ الأخلاقِيِّ.

وهُناكَ ما يُعْرَفُ بالحُجَّةِ الكَوْنِيَّةِ (the argument from cosmology) – والكَلِمَة "كوزمولوجي" (cosmology) تَختلفُ عنِ الكَلِمَة "كوزميتولوجي" “cosmetology” (أيْ: "عِلْمُ التَّجْميلِ"). فَهُناكَ فَرْقٌ كَبيرٌ بينَهُما. والكلمةُ "كوزمولوجي" مُرْتَبِطَة بقانونِ السَّبَبِ والنَّتيجَة. فهُناكَ نَظْرَتانِ فقط إلى الكَوْن: إمَّا أنَّ اللهَ مَوجودٌ (وهذا أمْرٌ مَنطقيٌّ)، أوْ أنَّ اللهَ غَيْرُ مَوجود (وهذا يَضَعُ العَراقيلَ أَمامَنا). فمثلًا، فإنَّ المُعادَلَةَ القائلةَ إنَّ اللهَ غيرُ موجودٍ تُشبهُ تمامًا المُعادلةَ القائلةَ إنَّ ("لا أحد" × "لا شَيء" = "كُلّ شَيء"). وهذا شَيءٌ يَصْعُبُ تَصديقُهُ – أيْ أنْ تَنْظُرَ إلى الكَوْنِ وتَقولَ إنَّ حَاصِلَ ضَرْبِ "لا أحد" في "لا شَيء" يُساوي "كُلّ شَيء". أمَّا الاحْتِمالُ الآخَرُ فَهُوَ أنَّ حَاصِلَ ضَرْبِ "شَخْصٍ مَا" في "شَيءٍ مَا" يُساوي "كُلّ شَيء". وَهذا يَبْدو مَنْطِقيًّا. أتَرَوْن! فَعِلْمُ الكَوْنِ يَسْتَنِدُ إلى قانونِ السَّبَبِ والنَّتيجَة – فالكلمة "كوزموس" (cosmos) تَعني "العالَم"، وَهُوَ النَّتيجَة، الكَوْن. فنحنُ نَنظُرُ إليهِ ونَقولُ إنَّ شَخْصًا أوْ كائِنًا مَا خَلَقَهُ. وحينَ نُعَرِّفُ العالَمَ نَعْرِفُ المَزيدَ عَنْ خَالِقِهِ.

فمثلًا، لا بُدَّ أنَّ سَبَبَ الحَرَكَةِ الدَّائمةِ في الكَوْنِ هُوَ وُجودُ خَالِقٍ قَديرٍ. وَلا بُدَّ أنَّ سَبَبَ التَّعقيدِ في الكَوْنِ هُوَ وُجودُ خَالِقٍ عَالِمٍ بِكُلِّ شَيءٍ. وأنَّ سَبَبَ وُجودِ إدْراكٍ لَدينا هُوَ وُجودُ خَالِقٍ عَاقِلٍ. وَأنَّ سَبَبَ وُجودِ مَشاعِرَ لدينا هُوَ وُجودُ خَالِقٍ حَنونٍ. وَأنَّ سَبَبَ وُجودِ إرادَةٍ لَدينا هُوَ وُجودُ خَالِقٍ ذِي مَشيئَة. وَأنَّ سَبَبَ وُجودِ أخلاقٍ لدينا هُوَ وُجودُ خَالِقٍ كَامِلٍ أَدَبِيًّا. وَأنَّ سَبَبَ وُجودِ قِيَمٍ دِيْنيَّةٍ لَدينا هُوَ وُجودُ خَالِقٍ رُوْحِيٍّ. وَأنَّ سَبَبَ إدْراكِنا للجَمالِ هُوَ وُجودُ خَالِقٍ مُطْلَقِ الجَمالِ. وَأنَّ سَبَبَ وُجودِ الصَّلاحِ في حَياتِنا هُوَ وُجودُ خَالِقٍ قُدُّوسٍ. وَأنَّ سَبَبَ إدْراكِنا للعَدالَةِ هُوَ وُجودُ خَالِقٍ بَارٍّ. وَأنَّ سَبَبَ شُعورِنا بالمحبَّةِ هُوَ وُجودُ خَالِقٍ مُحِبٍّ. وَأنَّ سَبَبَ حَياتِنا هُوَ وُجودُ خَالِقٍ حَيٍّ. وكُلُّ ما يَنبغي لكَ أنْ تَفعلَهُ هوَ أنْ تَنظُرَ إلى ما هوَ موجودٌ في العالمِ. فإذا أمعنْتَ النَّظرَ، سَترى أنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وُجودِ إلهٍ مُطْلَقٍ، وسَرْمَدِيٍّ، وَقادِرٍ على كُلِّ شَيءٍ، وحَاضِرٍ في كُلِّ مَكانٍ، وَعاقِلٍ، وحَنُونٍ، وذِي مَشيئَةٍ، وكَامِلٍ أخلاقيًّا، وَبَديعٍ، وقُدُّوسٍ، وَبَارٍّ، ومُحِبٍّ، وَحَيٍّ. فَكُلُّ شَيءٍ مَوْجودٌ هُناك. وإذا فَتَحْتَ الكِتابَ المقدَّسَ سَتَجِدُ أنَّهُ يُؤكِّدُ كُلَّ حَقيقَةٍ مِنْ هذهِ الحَقائِقِ. فاللهُ مَوجودٌ.

وقد تَقولُ: "حَسَنًا! مِنَ الواضِحِ أنَّ الإنسانَ الَّذي يَظُنُّ أنَّ اللهَ غيرُ موجودٍ هُوَ إنسانٌ جاهلٌ جِدًّا جِدًّا". أَجَل! فالكتابُ المقدَّسُ يَقولُ بوضوحٍ في المَزمور 14: 1 وفي المَزمور 53: 1: "قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ" ماذا؟ "لَيْسَ إِلهٌ". فهذا القَوْلُ يَنُمُّ عَنْ جَهْلٍ. ولكِنِّي لستُ مُقتنعًا فقط أنَّ اللهَ موجودٌ، بسبب عَدَمِ وُجودِ طَريقةٍ أُخرى لتفسيرِ أيِّ شَيءٍ، بل إنِّي مُقتنعٌ أنَّ اللهَ موجودٌ لأنَّي بِحاجَةٍ مَاسَّةٍ إليهِ. فالمُلْحِدُ الَّذي يَقَعُ في وَرْطَةٍ عَويصَةٍ يَبدأُ في الصُّراخِ إلى اللهِ. وإنْ قالَ لَهُ شَخْصٌ آخَر: "كَيْفَ تَصْرُخُ إلى اللهِ؟" فإنَّهُ سَيَقولُ لَهُ: "إنْ لم يَكُنْ هُناكَ إلَهٌ، كَانَ يَنبغي أنْ يَكونَ موجودًا لِأوقاتٍ كَهذِهِ". وأنا أَشْعُرُ كذلكَ أيضًا. ألا تَشعرونَ أنتُم أيضًا بذلك؟ فإنْ لم يَكُنْ هُناكَ إلَهٌ، كَانَ يَنْبَغي أنْ يَكونَ مَوْجودًا. فنحنُ نَعيشُ في بُؤْسٍ. وأحدُ الأشياءِ المُقْنِعَةِ جِدًّا لِعقلي بخصوصِ وُجودِ اللهِ هُوَ حَاجَتي المُلِحَّةُ لمعرفةِ أنَّهُ موجود. فأنا أَنْظُرُ إلى النَّاسِ الذينَ يُنْكِرونَ وجودَهُ وَأرى نَوعيَّةَ الحَياةِ الَّتي يَعيشونَها. فَإنْ دَرَسْتُمْ التَّاريخَ، وَفَرَزْتُم جَميعَ المُلْحِدينَ الفَلْسَفِيِّينَ المَشهورينَ، ثُمَّ راقَبْتُمْ حَياتَهُمْ مِنْ بِدايَتِها حَتَّى نِهايَتِها، سَتَكتشفونَ أُمورًا مُدهشةً أكْثَرَ جِدًّا مِنْ أيِّ شَيءٍ آخَرَ دَرَسْتُمْ عَنْهُ. فَهُمْ أكْثَرُ بُؤسًا ويَأسًا وخَوْفًا مِنْ كُلِّ الأشخاصِ الآخَرين الَّذينَ قَدْ تَقرأونَ عَنْهُمْ طَوالَ حَياتِكُمْ.

واسْمَحوا لي أنْ أُقَدِّمُ لَكُم بعضَ الأمثلةِ على ذلك. فَقد قالَ الفيلسوفُ "فولتير" (Voltaire) في نِهايَةِ حَياتِهِ: "إذا اسْتَثْنَيْنا بَعْضَ الحُصَفاءِ (أيِ الحُكَماءِ)، فإنَّ البَشَرَ جَميعًا ليسوا سِوى زُمْرَة مُريعَة مِنَ المُجْرِمينَ الأشْقياءِ. والعالَمُ لا يَحوي شيئًا سِوى الجُثَث. وكَمْ أَقْشَعِرُّ حينَ أُضْطَرُّ إلى التَّذَمُّرِ مِنْ حَالِ هذا العَالَم. وحينَ أُلْقي نَظرةً على هذهِ الصُّورةِ المُرَوِّعَةِ، أَتَمَنَّى لو أنِّي لم أُوْلَد". وقد قالَ الفيلسوف "رينان" (Renan): "نحنُ نَعيشُ على شَذَى مَزْهَرِيَّةٍ فارِغَةٍ". وقد قالَ مُلْحِدٌ آخَرَ يُدْعى "ه. ج. ويلز" (H.G. Wells): "لا يوجدُ مَخْرَجٌ، ولا مَنْفَذٌ، ولا مَهْرَبٌ. إنَّها النِّهايَة". وقد قالَ "روبرت إنغرسول" (Robert Ingersoll): "الحياةُ هِيَ وَادٍ ضَيِّقٍ بينَ قِمَّةٍ بارِدَةٍ وقِمَّةٍ قاحِلَةٍ تُمَثِّلانِ مَصيرَيْنِ أَبَدِيَّيْنِ. ونحنُ نُحاوِلُ عَبَثًا أنْ نَنْظُرَ إلى مَا وَراءِ المُرتفعاتِ. ونحنُ نَصْرُخُ بصوتٍ عالٍ، ولكِنَّ الجَوابَ الوحيدَ الَّذي نَسْمَعُهُ هُوَ صَدَى صَرَخاتِنا وَعَويلِنا". وقد قالَ "مارك توين" (Mark Twain): "هناكَ رِجالٌ كَثيرونَ يُولَدونَ، ويَتعبونَ، وَيَتَصَبَّبونَ عَرَقًا، ويُصارِعونَ مِنْ أجْلِ لُقْمَةِ العَيْشِ. وَهُمْ يَتنازَعونَ، ويَتخاصَمونَ، ويَتشاجَرونَ. وهُمْ يَتَزاحَمونَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ مِنْ أجْلِ القَليلِ مِنَ المَنافِعِ الوَضيعَةِ. وعندما يَمْضي العُمْرُ بِهِمْ وَيَشيخون، يَشعرونَ بالضُّعفِ. والشُّعورُ بالذُّلِّ والهَوانِ يَسْحَقُ كِبرياءَهُم وغُرورَهُم. وَهُمْ يُحْرَمونَ مِنْ أحِبَّائِهِمْ، وتَتَحَوَّلُ فَرْحَةُ الحَياةِ إلى حُزْنٍ أَليم. ثُمَّ يَتَزَايَدُ عِبْءُ الألمِ والهَمِّ والبُؤسِ أكْثَرَ فأكْثَرَ سَنَةً بعدَ سَنة. وفي نِهايةِ المَطافِ، يَكونُ الطُّموحُ قد ماتَ. وتكونُ الكِبْرياءُ قد ماتَتْ، ويكونُ الغُرورُ قَدْ مَاتَ. وحينئذٍ فإنَّهُمْ يَتوقونَ إلى الانْعِتاقِ. وَأخيرًا يأتي الانْعِتاقُ في صُورةِ مَوْتٍ ليكونَ الهِبَةَ الوحيدةَ غيرَ المَسْمُومَةِ الَّتي وَهَبتها لَهُمُ الأرْضُ. وَهُمْ يَزولونَ مِنْ عَالَمٍ لم يَكْنُ لَهُمْ فيهِ أيُّ شَأنٍ، ولم يُحَقِّقُوا فيهِ شَيئًا. فقد كانُوا يَشْعُرونَ فيهِ دائمًا أنَّهُمْ جاءُوا إليهِ نَتيجَةَ غَلْطَة، ويَشعرونَ بالإخفاقِ والحَماقَةِ. وَهُمْ لم يَترُكوا أيَّ عَلامَةٍ تُشيرُ إلى أنَّهُمْ عَاشُوا على الأرْضِ يَوْمًا. فقد عاشُوا في عَالَمٍ سَيَنوحُ عليهم يَوْمًا وَاحِدًا فقط قَبْلَ أنْ يَنْساهُم إلى الأبد. ثُمَّ تَأخُذُ مَجموعَةٌ أُخرى مَكانَهُمْ، وتَفْعَلُ مَا فَعلوهُ تَمامًا، وتَسْلُكُ نَفْسَ الدَّرْبِ غيرِ المُثْمِرَ، ثُمَّ إنَّهُمْ يَزولونَ كَما زَالُوا لِيُفْسِحُوا المَجالَ لآخَرينَ، وآخَرينَ، ولملايينِ النَّاسِ الَّذينَ سيَسْلُكونَ نفسَ الطَّريقِ المُجْدِبِ في الصَّحراءِ نَفْسِها لِيُحَقِّقُوا ما حَقَّقَهُ الجيلُ الأوَّلُ وَجَميعُ الأجْيالِ الأُخرى الَّتي جاءَتْ بَعْدَهُ – أيْ لِيُحَقِّقُوا: لا شَيء" نِهايةُ الاقتباس.

وقد قالَ "بيرتراند راسل" (Bertrand Russell): "إنَّ الإنسانَ هُوَ نِتاجُ أسْبابٍ لم تُوَفِّرْ لَهُ ما يَلْزَمُهُ لتحقيقِ الغايَةِ الَّتي كانَ يَتَطَلَّعُ إليها. وهذا يَعْني أنَّ نَشْأتَهُ، ونُمُوَّهُ، وآمالَهُ، وَمخاوِفَهُ، والأشياءَ الَّتي يُحِبُّها، ومُعْتَقَداتِهِ ليسَتْ سِوى اتِّحادًا عَرَضِيًّا للذَّرَّاتِ بعضِها مَعَ بَعْض. وهذا يَعني أنَّهُ لا يُمْكِنُ لأيِّ نَارٍ أوْ أعمالٍ بُطوليَّةٍ، أوْ أيِّ أفْكار أوْ مَشاعِرَ، مَهما كانتْ قَوِيَّةً، أنْ تَحْفَظَ حَياةَ الإنسانِ ما بَعْدَ القَبْر. وهذا يَعني أيضًا أنَّ تَعَبَ السَّنواتِ الطَّويلةِ السَّابقةِ، وكُلَّ التَّكْريسِ، وكُلَّ الإلْهامِ، وكُلَّ إبداعاتِ الذَّكاءِ البشريِّ مَصيرُها الزَّوالُ عندَ زَوالِ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ، وأنَّ مَعْبَدَ الإنجازِ البشريِّ بِأسْرِهِ لا بُدَّ أنْ يُدْفَنَ تحتَ انْقاضِ الكَوْنِ ويصيرَ خَرابًا. وَإنْ لم تَكُنْ كُلُّ هذهِ الأشياءِ غيرَ قابلةٍ للجَدَلِ تَمامًا، فإنَّ الشَّيءَ المُؤكَّدَ هُوَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ لأيِّ فَلسفَةٍ تَرْفُضُها أنْ تَرْجُو أنْ تَبْقى صَامِدَةً". إنَّها حَياةٌ كَئيبَةٌ جِدًّا. أليسَ كذلك؟

إنَّ كُلَّ البَراهينِ تَقولُ إنَّ اللهَ موجودٌ. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّ أيَّ شَخْصٍ يائِسٍ سَيَسْعى إلى مَعرفةِ الحَقِّ إنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ إنْ لم يَعْرِفِ اللهَ، فإنَّ مَصيرَهُ سيَكونُ هَكَذا. أمَّا نَتائِجُ الإيمانِ باللهِ فَهِيَ مُشَجِّعَة جِدًّا. فقَدْ قالَ المُرَنِّمُ: "أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ" ماذا؟ "أَنْتَ مَعِي".

وقد كَتَبَ "ت. ب. لاريمور" (T.B. Larimore) في أيَّامِهِ الأخيرَةٍ: "لم يَكُنْ إيماني يَوْمًا أَقوى مِمَّا هُوَ عليهِ الآنْ. ولَمْ يَكُنْ رَجائي يَوْمًا مُشْرِقًا أكْثَرَ مِمَّا هُوَ عليهِ الآنْ. ولم يَكُنْ فِكْري يَوْمًا أَصْفَى مِمَّا هُوَ عليهِ الآنْ. ولم يَكُنْ قَلْبي يَوْمًا أَهْدَأ مِمَّا هُوَ عليهِ الآن. ولم تَكُنْ حَياتي يَوْمًا أَنْقَى مِمَّا هِيَ عليهِ الآن. فأنا أُحِبُّ الجَميعَ، ولا أَكْرَهُ أَحَدًا. وَحُبِّي للبَعْضِ يَرْفَعُ رُوْحي إلى أَرْفَعِ المَراتِبِ. وأنا مُستعدٌّ للموتِ اليوم. وأنا مُستعدٌّ أنْ أحْيا ألفَ سَنَةٍ لكي أَرْوي قِصَّةَ يَسوعَ القَديمَةِ جِدًّا وَمَحَبَّته. فأصْدقائي أعِزَّاءٌ على قَلبي أكْثَرَ مِنَ السَّابِقِ. وَالرِّفْقَةُ مَعَهُمْ أَحْلى مِنْ أيِّ وَقْتٍ سَبَق. وتَعاطُفي مَعَ النُّفوسِ المُتألِّمَةِ أَقْوى مِنَ السَّابِقِ. ومَحَبَّتي لكُلِّ ما هُوَ نَقِيٌّ، وصَادِقٌ، وجَميلٌ، وصَالِحٌ، وسَامٍ – ابْتِداءً مِنَ الأُمورِ الصَّغيرةِ والمُتوسِّطَةِ والكَبيرَةِ، وانْتِهاءً بِهِ الَّذي هُوَ نَبْعُ كُلِّ بَرَكَةٍ - هِيَ مَحَبَّةٌ أَكْثَرُ صِدْقًا وَرِقَّةً وَحَلاوَةً مِنْ أيِّ وَقْتٍ مَضَى. فأنا أنامُ قَريرَ العَيْنِ، وَأَحْلُمُ أَحْلامًا وَرْدِيَّةً، وَأَفْرَحُ كُلَّ حِيْن". والحَقيقَةُ هِيَ أنِّي لا أَدْري كَيْفَ تَعْتَزِمونَ المِضِيَّ قُدُمًا في حَياتِكُمْ، ولَكِنِّي أُريدُ أنْ أَحْيا هَكَذا. لذلكَ فإنِّي أقولُ إنَّنا نَقْبَلُ في المَسيحيَّةِ وُجودَ مُعْجِزَةً كبيرةٍ هِيَ الله. لِذلكَ فإنَّ كُلَّ شَيءٍ آخَرَ يَصيرُ مَنْطِقِيًّا. أمَّا إذا أَنْكَرْتَ تلكَ المُعْجِزَةَ الكَبيرَةَ، فإنَّكَ لَنْ تَجِدَ شَيئًا مَنْطِقِيًّا. لِذلكَ فإنَّ اللهَ مَوْجُودٌ.

والآنْ، لِنَنْظُرْ إلى النُّقْطَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ: مَنْ هُوَ الله؟ فاللهُ مَوْجودٌ. ولَكِنْ مَنْ هُوَ؟ مَنْ هوَ هذا الإلَه؟ لَقَدْ قَدَّمْنا تَلْميحًا قبلَ قليل. ولكِنْ لِنَتَوَسَّع فيهِ قليلًا. سَوْفَ تُلاحِظونَ أنَّ هُناكَ ثلاثَ نِقاطٍ صَغيرة في ذلكَ الجُزْءِ مِنَ المُخَطَّطِ الَّذي بينَ أيْديكُم. وأَوَدُّ أنْ أُضيفَ عُنْوانًا عامًّا تَنْدَرِجُ تَحْتهُ تلكَ النِّقاطُ الثَّلاث. والعُنْوانُ هُوَ: "مَنْ هُوَ الله؟" أوَّلًا، اللهُ شَخْصٌ ... اللهُ شَخْصٌ. فَهُوَ ليسَ خَلِيَّةَ بَطَّارِيَّةٍ كَوْنِيَّةٍ عَائِمَةٍ. فقد قالَ "آينشتاين" (Einstein): "أجل، نحنُ نَعلمُ أنَّ هُناكَ قُوَّةً كَوْنِيَّةً في الكَوْنِ، ولكِنَّ هَذِهِ القُوَّةَ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها". ولَكِنَّ آينشتاين كانَ مُخْطِئًا. فنحنُ نُؤمِنُ أنَّ اللهَ شَخْصٌ. وواحِدٌ مِنَ الأسْبابِ الَّتي تَدْعُونا إلى الاعتقادِ بذلكَ هُوَ أنَّ الشَّخصيَّةَ لا بُدَّ أنْ تَأتي مِنْ شَخْصِيَّة. ونحنُ أشْخاصٌ. ونحنُ لدينا كُلَّ تلكَ الأشياءِ الشَّخصيَّةِ الَّتي تُشَكِّلُ الشَّخصيَّةَ. ولا بُدَّ أنَّ هذهِ الأشياءَ قَدْ أَتَتْ مِنْ مَصْدَرٍ شَخْصِيٍّ أيضًا. ونحنُ نَعلمُ أنَّ اللهَ شَخْصٌ مِنْ خِلالِ الكِتابِ المقدَّسِ لأنَّهُ يَقولُ إنَّهُ شَخْصٌ، ولأنَّهُ يَستخدِمُ ألقابًا شَخصيَّةً لِوَصْفِهِ. فَهُوَ يُلَقَّبُ بألْقابٍ شَخصِيَّةٍ. فَهُوَ يُدْعى مَثَلا: "أبًا". وَهُوَ يُدْعى "راعِيًا". وَهُوَ يُلَقَّبُ بألْقابٍ كَثيرةٍ: خَليلًا ومُشيرًا. والألفاظُ المُستخَدَمةُ لوصفِ اللهِ تَصِفُهُ بِوَصْفِهِ شَخْصًا. وليسَ هذا فقط، بل إنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَسْتَخْدِمُ ضَمائِرَ شَخْصِيَّة. فاللُّغَتَيْنِ العِبْريَّةِ واليُونانِيَّةِ تُشيرانِ إلى اللهِ بوَصْفِهِ كائِنًا عاقِلًا بِصيغَةِ المُذَكَّر، وليسَ بِصيغَةِ الجَمادِ. فاللهُ شَخْصٌ. وَهُوَ شَخْصٌ لأنَّهُ يُفَكِّرُ، ويَعْمَلُ، ويَشْعُرُ، وَيَتَكَلَّمُ. وَهُوَ يَتَخاطَبُ مَعَ خَليقَتِهِ. وَهَذِهِ صِفَةٌ للشَّخصيَّةِ. وكُلُّ البَراهينِ في الكِتابِ المقدَّسِ تُشيرُ إلى أنَّهُ شَخْصٌ. وكُلُّ البَراهينِ في الخَليقَةِ وَفي شَخْصِيَّاتِنا تُشيرُ إلى أنَّنا جِئْنا مِنْ مِثْلِ ذلكَ الشَّخْص.

والآنْ، كيفَ نُعَرِّفُ شَخْصَهُ؟ نَحْنُ نُعَرِّفُ شَخْصَهُ بهذهِ المُصْطَلَحاتِ الثَّلاثَةِ: أوَّلًا، اللهُ رُوْحٌ. ... اللهُ رُوْحٌ. فنحنُ نَقرأُ في العهدِ القديمِ إنَّ اللهَ "ليسَ إنْسانًا". فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ العَدَد 23: 19: "لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا". فاللهُ رُوْحٌ. وقد قالَ يَسوعُ في إنْجيل يُوحَنَّا 4: 24: "اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا". فاللهُ رُوْحٌ. وقد قالَ يَسوعُ في إنْجيل لُوقا 24: 39 إنَّ "الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ". إذًا، اللهُ ليسَ جَسَدًا. وقد تَقولُ: "ولكِنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ: ’عَيْنَيِ الرَّبِّ تَجُولاَنِ فِي كُلِّ الأَرْضِ‘ وإنَّ ’يَدَ الرَّبِّ لَمْ تَقْصُرْ عَنْ أَنْ تُخَلِّصَ‘ وإنَّ ’يَمينَهُ قَوِيَّة‘". هذا صَحيحٌ! ولكِنَّنا نُسَمِّي ذلكَ "تَأنيسًا". وهَلْ تَعْلَمونَ مَعْنَى ذلك؟ إنَّهُ مُصْطَلَحٌ يُطْلَقُ على عَزْوِ الصِّفاتِ البَشريَّةِ إلى اللهِ، كَما لو كانَ اللهُ إنْسانًا. لِماذا؟ لأنَّهُ إذا اسْتَخْدَمْنا كَلِمَةً غيرَ مَعروفَةٍ لِوَصْفِ كَيْفيَّةِ نَظَرِ اللهِ إلى الأرْضِ، لَنْ تَفْهَمُوا المَعْنى المَقْصودَ. لذلكَ، لا مُبَرِّرَ لِقَوْلِ ذلك. وعندما نَقولُ: "إنَّ اللهَ يَسْمَعُ" فإنَّكُمْ تَتَخَيَّلونَ حَالًا أُذُنًا لأنَّ هَذا هُوَ مَا نَعْرِفُهُ. لذلكَ فإنَّنا نُفَكِّرُ في اللهِ بِمُصْطَلَحاتٍ بَشَرِيَّةٍ. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَفْعَلُ ذلكَ. ولكِنْ لا يَجوزُ لَكَ أنْ تُبالِغَ في القيامِ بذلكَ فَتَجْعَلُ اللهَ إنْسانًا، كَما فَعَلَ بَعْضُ أصْحابِ البِدَع. فَهذا النَّهْجُ يُفْضي إلى مَشاكِلَ عَويصَةٍ لأنَّنا نَعْلَمُ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَقولُ في بَعْضِ مَواضِعِهِ إنَّ اللهَ يُغَطِّينا بِريشِهِ. ولَكِنَّ اللهَ ليسَ طَائِرًا أيضًا. واللهُ ليسَ إنْسانًا. فاللهُ رُوْحٌ.

وَنَحْنُ نَقرأُ عَنْهُ في رِسالَةِ تيموثاوُسَ الأولى 1: 17 بِصِفَتِهِ اللهَ غَيْرَ المَنْظُورِ. فَلا يُمْكِنُ لأيِّ شَخْصٍ أنْ يَرى اللهَ. ولَمْ يَسْبِقْ لأَحَدٍ مِنَ البَشَرِ أنْ رَأى اللهَ. فَلِكَيْ تَرى اللهَ، يَجِبُ أنْ تَكونَ إلَهًا. "لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ". فلَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنَ البشرِ أنْ يَرْتَقي إلى مُستوى رُؤيَةِ اللهِ بَصَرِيًّا. صَحيحٌ أنَّ اللهَ أَظْهَرَ نَفْسَهُ في سَحابَةِ المَجْدِ في العهدِ القديمِ، وفي النُّورِ، وفي النَّارِ. وصَحيحٌ أنَّ اللهَ ظَهَرَ في صُوْرَةِ يَسوعَ المَسيحِ في العَالَمِ، وَأنَّ أُناسًا كَثيرينَ رَأَوْا المَسيحَ. فَقَدْ قالَ يَسوعُ في الأصْحاح 14 مِنْ إنْجيلِ يُوحَنَّا: "اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ". وَلَكِنَّنا لَنْ نَرى اللهَ لأنَّ اللهَ لا يُرى. فَهُوَ غيرُ مَنْظُورٍ. وقد يَخْتارُ اللهُ أنْ يُظْهِرَ ذاتَهُ بِطريقَةٍ ما، أوْ أنْ يُظْهِرَ نَفْسَهُ بِطَريقَةِ مَنظورَةٍ لِكَيْ يُعْلِنَ عَنْ ذاتِهِ لَنا، ولكِنَّنا لا نَسْتَطيعُ أنْ نَرى اللهَ كَامِلًا. فاللهُ رُوْحٌ. وَأنا مَسْرورٌ لأنَّهُ رُوْحٌ لأنَّهُ رُوْحٌ حَاضِرٌ في كُلِّ مَكانٍ أيضًا. وسوفَ نَتَحَدَّثُ عَنْ ذلكَ في الأسبوعِ المُقْبِل.

إذًا، اللهُ رُوْحُ. وهذهِ هِيَ النُّقطةُ الأولى. ثانِيًا، اللهُ وَاحِدٌ. ... اللهُ وَاحِدٌ. فلا يُوجدُ آلِهَةٌ كَثيرون. هَلْ تَعْلَمونَ ذلك؟ فهُناكَ إلَهٌ واحِدٌ فقط. هَذا هُوَ كُلُّ شَيء. وَاحِدٌ فقط. "اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ" – (سِفْرُ التَّثْنِيَة 6: 4)، إنَّها جُمْلَةٌ عَظيمَةٌ. وَهِيَ المِفْتاحُ ... إنَّها المِفْتاحُ لِكُلِّ شَيءٍ حَقًّا بالنِّسْبَةِ إلى الشَّخْصِ اليَهودِيِّ: "الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ". هَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمْر. فقد كانوا يَعيشونَ في مُجتمعٍ مُشْرِكٍ تَتَعَدَّدُ فيهِ الآلِهَة. وَقَدْ كانَ اليَهودُ يَقولونَ: "هُناكَ إلَهٌ واحِدٌ فقط". وقد تَقولُ: "أَجْلْ! ولكِنْ ماذا عَنْ يَسوع؟" فقد جاءَ لاحقًا وادَّعى أنَّهُ الله. فَهل هُوَ اللهُ رَقْمُ اثْنان؟ فَهُناكَ ما لا يَقِلُّ عَنِ إلَهَيْن!" لا! فَسَوْفَ أُرِيَكُمْ مِنْ خِلالِ الأصْحاح 12 مِنْ إنْجيلِ مَرْقُس شَيئًا مُدْهِشًا جِدًّا. فسوفَ أُرِيَكُمْ كيفَ كانَ يَسوعُ يَنْظُرُ إلى نَفْسِهِ مِنْ حَيْث مَفْهومِ اللهِ الوَاحِد. فَنَحْنُ نَقرأُ في إنْجيل مَرْقُس 12: 29: "فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ". والآنْ، اسْتَمِعُوا إلَيَّ: لو أنَّ يَسوعَ جاءَ، كَما يَقولُ البَعْضُ، وَقالَ: "فَضْلًا عَنِ اللهِ-اللهِ، هُناكَ يَسوعُ-الله. فَكِلانا هُوَ الله"، لَما قالَ هذهِ الكَلِمات: "اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ". ثُمَّ أَعْقَبَها بالقَوْل: "وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ". فلو قَصَدَ يَسوعُ أنْ يَقولَ: "أنا إلَهٌ آخَرُ"، لَكانَ قَدْ قالَ: "وَزِّعُوا وَلاءَكُمْ بَيْنَنا نَحْنُ الاثْنَيْن". وَلَكِنْ عِنْدَما قالَ: "تُحِبُّ الرَّبَّ إلَهَكَ مِنْ كُلِّ كِيانِكَ"، فَقَدْ قَصَدَ أنَّهُ اللهُ الوَحيدُ المَوْجودُ، وَأنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ ذلكَ الإلَه. هَلْ تَرَوْنَ ذلك؟ إنَّها جُمْلَةٌ مُدْهِشَةٌ عَنْ لاهُوتِهِ. وَمَعَ أنَّهُ يَقولُ إنَّهُ الله، فإنَّهُ يَقولُ في الوقتِ نَفسِهِ: "مَعَ أنَّ هُناكَ أُقْنومَيْنِ، فإنَّ اللهَ وَاحِدٌ. وَيُمْكِنُكُمْ أنْ تُعْطُوا وَلاءَكُمْ كُلَّهُ لِذلكَ الإلَهِ الواحِد". لِذا فقد قالَ: "مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَفِكْرِكَ، وَقُدْرَتِكَ، وَكِيانِكَ". ولأنَّ هُناكَ إلَهٌ واحِدٌ فقط، لا تُوْجَدُ أيُّ مُنافَسَةٍ. فلا يَنْبَغي لكَ أنْ تُقَسِّمُ وَلاءَكَ. وَهُنا تَكْمُنُ قُوَّةُ هَذا النَّصِّ. فاللهُ واحِدٌ.

وفي رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ الثَّامِنِ، كانَ بولُسَ عاكِفًا على حَلِّ مُشكلةٍ أُخرى مِنْ مَشاكِلِ أهْلِ كورِنثوس. وقد كانُوا يُعانونَ مُشكلةً بسببِ عَيْشِهِمْ في مُجتمعٍ وَثَنِيٍّ تَتَعَدَّدُ فيهِ الآلِهَة. فقد كانتْ هناكَ آلِهَةٌ في كُلِّ مَكان. وكانَ النَّاسُ يَفعلونَ الآتي: فقد كانوا يُقَدِّمونَ القَرابينَ لآلِهَتِهِم. وَكانُوا يُقَدِّمونَ الطَّعامَ عادَةً. فيُمْكِنُكَ أنْ تَذْهَبَ وأنْ تَعْبُدَ أيَّ إلَهٍ تَشاء. فَرُبَّما تَكونُ مُعْجَبًا بالإلَهِ "مَارِس"، أوْ رُبَّما بالآلِهَةِ "دَيانا"، أوْ الإلَهِ "أَرْطَاميس". لِذا فإنَّكَ تَذْهَبُ وتَأخُذُ كَمِيَّةً مِنَ الطَّعامِ وتَذْهَبُ إلى مَعْبَدِكَ وَتَضَعُ الطَّعامَ أمامَ إلَهِكَ. وَلا شَكَّ أنَّكَ تَظُنُّ نَفْسَكَ وَحيدًا مَعَ ذَلِكَ الإلَه، ولَكِنَّكَ لا تَعْرِفُ الحَقيقَةَ. لِذلكَ فإنَّكَ تَضَعُ الطَّعامَ هُناكَ. ولَكِنْ بعدَ أنْ تَضَعَ الطَّعامَ هُناكَ، فإنَّهُ لا يَبْقى في مَكانِهِ. فَقَدْ كانَ الكَهَنةُ الذينَ يُديرونَ المَعْبَدَ يأتونَ، وَيَأخُذونَ الطَّعامَ، وَيَعْبُرونَ بِهِ مِنْ بابٍ خَلْفِيٍّ لِيَبيعوهُ في سُوْقٍ صَغيرٍ. لِمَ لا؟ لِنَجْنِ بَعْضَ المَالِ. فالنَّاسُ يَتَعَبَّدونَ، وَنَحْنُ نَجْني بَعْضَ الرِّبْحِ، وَالحَياةُ مُستمرَّةٌ.

لذلكَ فقد كانَ الكَهَنَةُ يَتَسَلَّلونَ ويَبيعونَ الطَّعامَ الَّذي أَحْضَرْتَهُ للآلِهَة. وما كانَ يَحْدُثُ هُوَ أنَّ المسيحيِّينَ كانُوا يَذْهَبونَ إلى السُّوقِ ويَبْحَثونَ عَنْ طَعامٍ بِسِعْرٍ مَعْقولٍ. وعِنْدَما كانُوا يَحْصُلونَ عَلى سِعْرٍ جَيِّدٍ، كانُوا يَشْتَرونَ الطَّعام. وما كانَ يَحْدُثُ هُوَ أنَّ هَؤلاءِ كانُوا يَشْتَرونَ الطَّعامَ مِنَ السُّوقِ ويَخْرُجونَ مِنَ الجِهَةِ الخَلْفِيَّةِ للمَعْبَدِ الوَثَنِيِّ. لِذلكَ، كانَ بَعْضُ المَسيحيِّينَ يَنْزَعِجونَ جِدًّا مِنَ المَسيحيِّينَ الآخَرينَ الذينَ يَأكُلونَ طَعامًا قُدِّمَ للأوْثانِ. لِذلكَ، عِنْدَما كانَ أَحَدٌ يَدْعوهُمْ لِتَناوُلِ الطَّعامِ، كانُوا يَسْألونَهُ: "مِنْ أيْنَ اشْتَرَيْتَ هذا الطَّعامَ؟" فإنْ أَجابَ المُضيفُ: "لَقَدِ اشْتَرَيْتُه مِنَ المَعْبَدِ"، كانُوا يَقولونَ: "لا يُمْكِنُني أنْ آكُلَ مِنْ هذا الطَّعامِ الَّذي قُدِّمَ للأوْثانِ". وقد نَشَأتْ مَشاكِلُ كَثيرَة في الشَّرِكَةِ بينَ المُؤمِنينَ بسببِ ذلك. لِذلكَ فإنَّ بولسُ يَكْتُبُ هُنا مُعَلِّمًا إيَّاهُمْ ما يَنْبَغي أنْ يَفْعَلوهُ في هذا الخُصوص.

ونحنُ نَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 8: 4: "فَمِنْ جِهَةِ أَكْلِ مَا ذُبحَ لِلأَوْثَانِ: نَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ وَثَنٌ فِي الْعَالَمِ". فَهَذا هُوَ المَقْصودَ هُنا. فالوَثَنُ ليسَ شَيئًا البَتَّة. لِذلكَ، تَجاهَلوا الأمْرَ. فإنْ حَصَلْتُمْ على سِعْرٍ جَيِّدٍ لذلكَ الطَّعامِ، اشْتَروه. وَيُمْكِنُكُمْ أنْ تَأكُلوا مِنْهُ. فَالأمْرُ ليسَ مُهِمًّا. فلا تُوْجَدُ مُشكلةٌ في ذلك. فالوَثَنُ لا شَيء. ثُمَّ انْظُروا إلى نِهايةِ العَدَدِ الرَّابِعِ: "وَأَنْ لَيْسَ إِلهٌ آخَرُ إِلاَّ وَاحِدًا". فَهَذا هُوَ لُبُّ المَوْضوعِ – إلَهٌ واحِدٌ. "لأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَا يُسَمَّى آلِهَةً، سِوَاءٌ كَانَ فِي السَّمَاءِ أَوْ عَلَى الأَرْضِ، كَمَا يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ. لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ". ثُمَّ اسْتَمِعُوا إلى هذهِ الكلماتِ: "وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ". وَقَدْ تَقولُ: "لَحْظَةً مِنْ فَضْلِكَ! فَنَحنُ لَدينا هُنا (وَاحِد + واحِد = اثْنان). لا! بَلِ اسْمَعوا مَا يَقولُهُ النَّصُّ: "لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ". والآنْ، اسْتَمِعُوا إلَيَّ، يا أحِبَّائي: كيفَ يُمكنُ لكُلِّ هذهِ الأشياءِ أنْ تَكونَ باللهِ الآبِ، وأنْ تكونَ كُلُّ الأشياءِ بالرَّبِّ يسوعَ، وأنْ نكونَ نَحْنُ باللهِ، وأنْ نَكونَ نَحْنُ بالرَّبِّ يَسوعَ، ما لَمْ يَكون الاثْنانُ واحِدًا؟ أَتَرَوْنَ! فنحنُ هُنا أمامَ حُجَّةٍ أُخرى على لاهوتِ يَسوعَ المَسيحِ مِنْ دُونِ تَقْسيمِ اللهِ إلى اثْنَين. فاللهُ واحِدٌ ... اللهُ واحِدٌ.

ونَقرأُ الشَّيءَ نَفسَهُ في رِسالةِ تيموثاوسَ الأولى 2: 5. فهُناكَ إلهٌ واحدٌ. وَهَذِهِ هِيَ الخُلاصَةُ ... إلهٌ واحِدٌ وليسَ آلِهَةً مُتَعَدِّدَة. ويُمْكِنُكُمْ أنْ تُبَسِّطُوا حَياتَكُم الدِّينيَّةَ، يا أحِبَّائي. فَهُناكَ إلهٌ واحدٌ فقط. وقد تَقولُ: "مَهلًا يا أَخْ جُوْن. فأنا أَعْرِفُ ما يَقولُهُ المَزمور 82". وأنا أَعْرِفُهُ أيضًا. فالمَزمور 82 يَقولُ لِقُضاةِ إسْرائيل: "إِنَّكُمْ آلِهَةٌ". لِذلكَ فإنَّ بعضَ النَّاسِ يَتَعَجَّبونَ لأنَّ اللهَ قالَ ذلك. صَحيحٌ أنَّ اللهَ قالَ: "إِنَّكُمْ آلِهَةٌ". وَلَكِنْ ما مَعنى ذلك؟ ومَا الَّذي قَصَدَهُ بأنَّهُمْ آلِهَة؟ فَهَلْ كانَ يَعني أنَّهُ يُوجدُ آلِهَة كَثيرون؟ لا. فَهُوَ يَتَحَدَّثُ في المَزمور 82 إلى قُضاةِ إسرائيل. وَهُوَ لا يَتَحَدَّثُ عَنْ طَبيعَتِهِمْ، بَلْ يَتَحَدَّثُ عَنْ مَنْصِبِهِم. فَهُوَ يَقولُ: "أنْتُمْ تَعْلَمونَ، يَا مَنْ تَجْلِسونَ على كُرْسِيِّ القَضاءِ في إسْرائيلَ، أنَّكُمْ تُمَثِّلونَ اللهَ". هَلْ فَهِمْتُمُ الآنَ مَا قَصَدَهُ؟ "أنْتُمْ تَقْضُونَ كَما لو أنَّ اللهَ حَاضِرٌ بَيْنَكُمْ. وَأنْتُمْ تُمَثِّلونَ اللهَ في السُّلْطَةِ. وَلَكِنَّكُمُ انْحَرَفْتُمْ عَنِ الحَقِّ". وَهُوَ يَقولُ في العَدَدِ الَّذي يَليهِ مُباشَرَةً إنَّهُ سَيُهْلِكُهُم. لِذلكَ، مِنَ الواضِحِ أنَّهُمْ ليسُوا مُعادِلينَ لَهُ كَآلِهَةٍ قِدِّيسينَ، وَإلَّا لَما قالَ ذلك. ثُمَّ نَقرأُ في العَدَدِ التَّالي: "قُمْ يَا اَللهُ. دِنِ الأَرْضَ".

ثالِثًا – وَمِنَ المُناسِبِ أنْ تَكونَ هَذِهِ هِيَ النُّقطةُ الثَّالِثَةُ لأنَّ اللهَ مُثَلَّثُ الأقانيمِ. فاللهُ رُوْحٌ. واللهُ وَاحِدٌ. واللهُ مُثَلَّثُ الأقانيمِ. والنَّاسُ يَقولونَ دائمًا: "لا يُمْكِنُكَ أنْ تُثْبِتَ الثَّالوثَ". إنَّ أَبْسَطَ طريقةٍ لإثْباتِ الثَّالوثِ هِيَ أنْ تَقرأَ الكِتابَ المقدَّسَ مِنْ بِدايتِهِ إلى نِهايَتِه. فسوفَ تَجِدونَ دائمًا أنَّ الأقانيمَ الثَّلاثَةَ نَفْسَها تَعْمَلُ. فَهُوَ أَمْرٌ وَاضِحٌ تَمامًا. ولكِن اسْمَحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكُم بعضَ الآياتِ المُدهشةِ. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِنْ سِفْرِ التَّكوين "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ". والكَلِمَة المُتَرْجَمَة "الله" هِيَ "إلوهيم" (Elohim). وفي كُلِّ مَرَّةٍ تَجِدونَ فيها اللَّفْظَ "إيْم" (im) في نِهايةِ أيِّ كلمةٍ عِبْريَّةٍ، فإنَّ هَذا يَعني أنَّها بصيغَةِ الجَمْعِ. فَهِيَ تُشْبِهُ حَرْفَ الـ "إس" (S) في نِهايةِ الكلماتِ الإنجليزيَّةِ (مِثْلَ: dogs أوْ cats، إلخ). فَهِيَ تَدُلُّ على صِيغةِ الجَمْعِ ... "الإيْم" (im) تَدُلُّ على صِيغَةِ الجَمْعِ. "في البَدْءِ كَانَ الآلِهَةُ" – بِصيغَةِ الجَمْعِ. وَبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ فإنَّ المَفْهومَ هُوَ بصيغَةِ المُفْرَد: "الله" الَّذي يُرَى بِصيغَةِ الجَمْعِ. لِذلكَ فإنَّ فِكْرَةَ الثَّالوثِ مَوجودَة في بِدايةِ الكِتابِ المقدَّسِ. وَفي إنْجيل مَتَّى والأصْحاحِ الثَّالثِ، نَقرأُ أنَّ يَسوعَ اعْتَمَدَ. والكِتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّهُ عِنْدَما اعْتَمَدَ يسوعَ فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ نَزَلَ عليهِ مِثْلَ حَمامَةٍ، وَأنَّ الآبَ قالَ: "هذَا هُوَ ابْنـِــي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ". فَنَحْنُ نَرى الآبَ، والابْنَ، والرُّوحَ القُدُسَ مَعًا في المَشْهَدِ نَفْسِهِ والنَّصِّ نَفْسِهِ. وفي الأصْحاح 14 مِنْ إنْجيلِ يُوحَنَّا، يَقولُ يَسوع: "سوفَ أَذهبُ. وسوفَ أتحدَّثُ إلى الآبِ. وَهُوَ سيُرسلُ الرُّوحَ القُدُسَ". وَهُنا أيضًا نَرى الأقانيمَ الثَّلاثَةَ مَعًا في النَّصِّ نَفْسِهِ (في إنْجيل يُوحَنَّا 14: 16 و 17).

وفي رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاح 12، يَتحدَّثُ الرَّسولُ بولسُ عَنِ المواهبِ الرُّوحيَّةِ. وَهُوَ يَقولُ: "هُناكَ طُرُقٌ عَديدَةٌ يَعْمَلُ بِها الرُّوحُ. وهَناكَ خَدَماتٌ كَثيرَةٌ يَسْتَخْدِمُها الرَّبُّ. وَلكِنَّ الرَّبَّ وَاحِدٌ". فَنحنُ نَرى في هذهِ الآياتِ الثَّلاثَةِ أنَّ جَميعَ الأقانيمِ قَدْ ذُكِرَتْ مَرَّةً أُخرى. وَهَلْ قَرأتُم نِهايَةَ الآيَةِ 2كورِنثوس 13: 14 الَّتي تَقولُ: "نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ"؟ فَالأقانيمُ الثَّلاثةُ مَذكورةٌ في الآيَةِ نَفْسِها. وأنا أُفَكِّرُ أيضًا في مَا جاءَ في 1بُطرس 1: 2 إذْ نَقرأُ: "بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ". فَالأقانيمُ الثَّلاثةُ مَذكورةٌ في الآيةِ نَفْسِها. وَهذِهِ أمثلةٌ مُتَفَرِّقَةٌ فقط على ما جاءَ في الكِتابِ المقدَّسِ. فاللهُ واحِدٌ، ولَكِنَّهُ ثَلاثَة. وقد تَقولُ: "كيفَ يُعْقَلُ هَذا؟" لا أَدْري! وَليسَتْ لَدَيَّ أَدْنَى فِكْرَة عَنْ ذلك. وَإذا نَظَرْنا إلى هذهِ الرِّسالةِ بِمُجْمَلِها في ضَوْءِ حَقيقَةِ اللهِ، سَنَجِدُ أنَّها تُشْبِهُ ذَرَّةَ رَمْلٍ في ضَوْءِ الكَوْنِ الفَسيح. فلا يُمْكِنُني أنْ أَسْبُرَ غَوْرَ اللهِ. وإذا حاوَلْتُمْ أنْ تَسْبُروا غَوْرَ الثَّالوثِ قَدْ تَفْقِدونَ عُقولَكُم. فلا يُمْكِنُكُمْ أنْ تَستوعِبوا ذلكَ. وَلا سَبيلَ إلى ذلك. لِذلكَ، يَكْفي أنْ تُؤمِنوا بالثَّالوث.

إنَّ اللهَ واحِدٌ، ومَعَ ذلكَ فإنَّهُ ثلاثَة. وَعِنْدَما أَقولُ إنَّهُ ثلاثَة، فإنَّني لا أَعْني بِذلكَ مَا كانَ يَعْنيهِ أتْباعُ "المُوناركِيَّة الشَّكليَّة" أوِ "السَّابِلِيَّة" – وَهِيَ بِدْعَةٌ قَديمَةٌ كانَتْ تَقولُ إنَّ اللهَ فَنانٌ مُبْدِعٌ قادِرٌ على تَغْييرِ نَفْسِهِ بِسُرعَة. فاللهُ في نَظَرِهِمْ يَمْلِكُ خِزانَةً. وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْها وَيَفْعَلُ أُمورًا مُعَيَّنَةً بِصِفَتِهِ الله. ثُمَّ إنَّهُ يَرْجِعُ إلى الخِزانَةِ وَيَلْبَسُ حُلَّةَ الرُّوحِ القُدُسِ وَيَخْرُجُ وَيَفْعَلُ أُمورًا أُخرى بِصِفَتِهِ تِلْكَ. ثُمَّ إنَّهُ يَعودُ إلى الخِزانَةِ. فَهَذا هُوَ مَا كَانُوا يَقولونَهُ. وَلَكِنْ لا. فاللهُ واحِدٌ. وَمَعَ ذلكَ فإنَّهُ مُثَلَّثُ الأقانيمِ في الوقتِ نَفْسِهِ. وقد يَقولُ النَّاسُ: "إنَّ الأمْرَ يُشْبِهُ البَيْضَةَ إذْ إنَّها تَحْوي صَفارًا، وَبَياضًا، وَقِشْرَةً". وَلَكِنَّ هذا التَّشبيهِ لا يَفي بالغَرَضِ في نَظَري. فلا يُمْكِنُني أنْ أُقارِنَ اللهَ بالبيضَة. وهُناكَ مَنْ يَقولونَ إنَّ الثَّالوثَ يُشْبِهُ الماءَ لأنَّهُ قَدْ يَكونُ ثَلْجًا جامِدًا، أوْ سائِلًا، أوْ بُخارًا. ولكِنَّ ذلكَ لا يَفي بالغَرَضِ أيضًا. فَهُوَ لا يُشْبِهُ أيَّ شَيءٍ آخَرَ، يا أحِبَّائي. إنَّهُ لا يُشبهُ أيَّ شَيءٍ آخَرَ البَتَّة. وبعضُ النَّاسِ يَقولونَ إنَّهُ يُشبهُ النُّورَ إذْ إنَّهُ يُنيرُ، وَيُدَفِّئُ، وَيُعْطي طَاقَةً. ولكِنَّ اللهَ هُوَ الله. ولا تُوجدُ لَمْبَةٌ في العالَمِ، ولا بَيْضَةٌ في العالمِ، ولا كَمِيَّةُ مَاءٍ في العالَمِ تُشْبِهُهُ. فَهُوَ اللهُ. وَهُوَ ثَلاثَةٌ في واحِد. وَأنا لا أَسْتَوْعِبُ ذلكَ. ولكِنِّي أُوْمنُ بِهِ. وَأنا مَسْرورٌ لأنِّي لا أَسْتَوْعِبُ ذلك. ففي اليومِ الَّذي أَسْتَوعِبُ فيهِ ذلكَ، سَأكونُ مُعادِلًا للهِ. وإنْ حَدَثَ ذلكَ، سَيَقَعُ الجَميعُ في المَتاعِب.

مَنْ هُوَ اللهُ؟ إنَّهُ شَخْصٌ، ورُوْحٌ، وواحِدٌ؛ ولكِنَّهُ ثَلاثَة. وأخيرًا. سوفَ أَخْتِمُ بهذا: مَا هِيَ صِفاتُ اللهِ؟ سَوْفَ أَذْكُرُ لَكُمْ في نِهايَةِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، عَشْرَةً مِنْ صِفاتِهِ. وَلَكِنِّي سَأذكُرُ الآنَ صِفَةً واحِدَةً مِنْ صِفاتِهِ ثُمَّ نَخْتِمُ. فَما هِيَ صِفاتُهُ؟ مَا هِيَ صِفاتُ اللهِ؟ أوَّلاً، بِمَعْزِلٍ عَنَّا، مَا هِيَ صِفاتُهُ الشَّخصيَّةُ؟ أوَّلًا، وَهِيَ الصِّفَةُ الوَحيدَةُ الَّتي سَنَتَحَدَّثُ عَنْها اليومَ، وَهِيَ صِفَةٌ مُهِمَّةٌ حَقًّا، إنَّهُ لا يَتَغَيَّر. لا تَنْسُوا هَذِهِ الصِّفَةَ – فَهِيَ فِكْرَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: اللهُ لا يَتَغَيَّرُ. فالمُرَنِّمُ يَقولُ في المَزمور 102: 26 عَنِ السَّماواتِ: "هِيَ تَبِيدُ ... كَرِدَاءٍ تُغَيِّرُهُنَّ فَتَتَغَيَّرُ. وَأَنْتَ هُوَ". فَاللهُ لا يَتَغَيَّرُ. وفي سِفْرَ مَلاخي 3: 6، يَنْظُرُ اللهُ إلى بَني إسْرائيلَ ويَقولُ: "يَا بَنِي يَعْقُوبَ، كَانَ يَنْبَغي أنْ أَفْنيكُمْ، ولَكِنِّي لَنْ أَفْنيكُمْ لأنِّي أنَّا الرَّبُّ، وَلأنِّي لا أَتَغَيَّر. فأنا أَحْفَظُ عُهودي". أنا الرَّبُّ – أنا لا أَتَغَيَّر – مَلاخي 3: 6. وَيَقولُ يَعْقوبُ: "كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ". فَلا يُمْكِنُ أنْ يَتَغَيَّرَ اللهُ وَلَوْ قَليلًا.

إنَّ اللهَ لا يَتَغيَّرُ. والآنْ، فَكِّروا في ذلك. فالتَّغييرُ قَدْ يَكونُ للأفْضَلِ أوِ الأسْوَأ. أليسَ كذلك؟ ولَكِنَّ ذلكَ ليسَ مُمْكِنًا فيما يَخْتَصُّ باللهِ. فَهُوَ لا يُمْكِنُ أنْ يَصيرَ أَفْضَلَ، ولا يُمْكنُ أنْ يَصيرَ أَسْوَأَ. فلا يُوجدُ شَيءٌ فيهِ قابلٌ للتغيُّر. وهذا يَجْعَلُهُ مُخْتَلِفًا عَنْ كُلِّ شَيءٍ آخَرَ لأنَّ كُلَّ شَيءٍ آخَرُ يَتغيَّر. فالسَّماواتُ تَتغيَّر. فإذا نَظَرْتَ إلى أَعْلى ورأيتَ السَّماواتِ، فإنَّها تَتَحَرَّكُ، وَتَحْدُثُ فيها تَغْييراتٌ. وبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ فَهِيَ ثَابِتَةٌ في مَسارِها. وَنَحْنُ نَقرأُ في الأصْحاحات 6-19 مِنْ سِفْرِ الرُّؤيا أنَّهُ في يومٍ ما، سَيُزَلْزِلُ السَّماواتِ فَتَسْقُطُ نُجومُ السَّماءِ عَلَى الأَرْضِ كَمَا تَطْرَحُ شَجَرَةُ التِّينِ ثِمَارَهَا الْفَجَّةَ إِذَا هَزَّتْهَا رِيحٌ عَاصِفَةٌ. والسَّماواتُ سَتُطْوَى كَمَا تُطْوَى لِفَافَة مِنْ وَرَقٍ. والشَّمْسُ سَتَسْوَدُّ، والقَمْرُ سَيَصيرُ أَحْمَرَ كالدَّمِ، وَكُلُّ شَيءٍ سَيَتَغَيَّرُ في السَّماءِ. فالسَّماواتُ ستَتغيَّرُ ... صَدِّقوني.

وليسَ هذا فَحَسْب، بَلْ إنَّ الأرضَ تَتَغَيَّرُ. وما أَعْنيهِ هُوَ أنَّ الإنْسانَ يُغَيِّرُها. فَهُوَ يُغَيِّرُ وَجْهَ الأرْضِ بِجَرَّافاتِهِ، وَهُوَ يُغَيَّرُ مُناخَ الأرْضِ بِالتَّلَوُّثِ. وَهِيَ تَتَغَيَّرُ طَوالَ الوقتِ. وفي يَوْمِ ما، كَما وَرَدَ في سِفْرِ الرُّؤيا 6-19 أيضًا، فإنَّنا نَقرأُ أنَّ اللهَ سيُزيلُ وَجْهَ الأرْضِ، وَيُغَيِّرُ أشياءَ كَثيرةً تَغييرًا جَذريًّا. والأنهارُ سَتَتَلَوَّثُ. والمياهُ العَذْبَةُ سَتَتَلَوَّثُ. وأجزاءٌ كبيرةٌ جِدًّا مِنَ العُشْبِ والنَّباتاتِ الخَضْراءِ سَتَموتُ. والبَشَرُ سَيَموتونَ أيضًا. فسوفَ تَكونُ إبادَة مُريعَة. وسوفَ تَسْقُطُ حَبَّاتُ بَرَدٍ وَزْنُها هَائِلٌ. فوَجْهُ الأرْضِ سَيتغيَّر. وقد تَغَيَّرَتِ الأرْضُ مَرَّةً بِفِعْلِ الطُّوْفانِ. وَهِيَ سَتَتَغَيَّرُ ثانيةً. فالعَناصِرُ سَتَنْحَلُّ بِفِعْلِ حَرارَةٍ شَديدَةٍ جِدًا حينَ تَحْتَرِقُ الأرْضُ. والأشرارُ سَيتغيَّرونَ. فَهُمْ يَتَغَيَّرونَ طَوالَ الوقتِ. فالأشرارُ يَتَغَيَّرونَ وَيَتَقَلَّبونَ. فَولاؤُهُمْ يَتغيَّرُ. وَمواقِفُهُمْ تَتَغَيَّرُ. وفي يومٍ مَا، سَتَتَغَيَّرُ هُوِيَّتُهُمْ بِأسْرِها حينَ يَجِدونَ أنفُسَهُم أمامَ اللهِ القُدُّوسِ. وما يَظُنُّونَ أنَّهُ طَريقَةٌ سَعيدَةٌ في الحَياةِ سَيَصيرُ مَأساوِيًّا إذْ إنَّهُمْ سَيَقْضُونَ الأبديَّةَ مِنْ دُوْنِ اللهِ.

وَلِعِلْمِكُمْ، فإنَّ القِدِّيسينَ يَتَغيَّرونَ ... حَتَّى النُّخْبَةُ مِنَّا. فنحنُ نَتغيَّرُ. أليسَ كذلك؟ فَما رَأيُكُمْ لو قُلْتُ إنَّ "جون ماك آرثر هُوُ هُوَ أَمْسًا، واليومَ، وَإلى الأبد"؟ إنَّهُ لا يَبْدو قَوْلًا سَديدًا. أليسَ كذلك؟ فأنا لستُ ثابِتًا على حَالٍ واحِدَةٍ أَمْسًا، واليومَ، وإلى الأبد. فهذا مُضْحِكُ لأنِّي أَتغيَّر. فهُناكَ أوقاتٌ تَكونُ فيها مَحَبَّتي للمَسيحِ مُضْطَرِمَةً فَأُطيعُهُ. وهُناكَ أوقاتٌ تَخْبُو فيها مَحَبَّتي لَهُ فَأَعْصيهِ. أَلَسْتُمْ أنْتُمْ أيضًا كذلكَ؟ فأنا أتَغيَّرُ. وَحَتَّى إنَّ نُخْبَةَ القِدِّيسينَ يَتغيَّرونَ. وقد قالَ داودُ: "إِلهُ صَخْرَتِي بِهِ أَحْتَمِي" (2صَموئيل 22: 3). وقد نَقولُ: "يا لِرَوْعَةِ دَاوُد!" ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "إِنِّي سَأَهْلِكُ يَوْمًا بِيَدِ شَاوُلَ". والآنْ، مَهْلًا يا دَاوُد. فإمَّا أنْ يَعْتَني اللهُ بِكَ، أوْ أنَّهُ لَنْ يَفْعَل. "حَسَنًا! أنا أَتَذَبْذَبُ قَليلًا". أَجَلْ. نَحْنُ نَعلمُ ذلك ... نَحنُ نَعلمُ. فنَحْنُ نَتفاخَرُ بالقَوْلِ إنَّ اللهَ هُوَ "حَلَّالُ المَشاكِلِ الأعْظَمِ"؛ ولَكِنَّنا نَقولُ ذلكَ بَعْدَ أنْ تَنْتَهي المَشاكِل. وَحَتَّى إنَّ المَلائكةَ تَتغيَّر. فَهَلْ تَعْلَمونَ أنَّ العَدَدَ السَّادِسَ مِنْ رِسالَةِ يَهوذا يَقولُ إنَّ المَلائِكَةَ "لَمْ يَحْفَظُوا رِيَاسَتَهُمْ"؟ فالنَّاسُ، وَكُلُّ شَيءٍ في هذا الكَوْنِ المَخلوقِ يَتَغَيَّرُ – مَا عَدا الله. فاللهُ لا يَتغيَّرُ البَتَّة. وَهَذا يَصحُّ على يَسوعَ. وَهَذا يَعني أنَّهُ الله. فالآيَةُ الَّتي تَقولُ إنَّ يَسوعَ المَسيحَ "هُوَ هُوَ، أَمْسًا، واليومَ، وَإلى الأبَدِ" هِيَ واحِدَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الآياتِ عَنْ لاهوتِ يَسوعَ المسيحِ في الكِتابِ المُقَدَّسِ بِأسْرِهِ. فَهُناكَ شَيءٌ واحِدٌ في الكَوْنِ كُلِّهِ لا يَتَغَيَّرُ وَهُو: الله.

وَما الَّذي يَعْنيهِ ذلكَ للمُؤمِنين؟ سَوْفَ أَكْتَفي بِقَوْلِ الآتي: مَا الَّذي يَعنيهِ بالنِّسبةِ إلَيَّ بِوَصْفي مُؤِمنًا مَسيحيًّا أنَّ اللهَ لا يَتَغَيَّر؟ سوفَ أقولُ لَكُمْ مَعْنى ذلك. إنَّهُ يَعْني الطُّمَأنينَة بالنِّسبةِ إليَّ. اسْمَعوني: إنْ كانَ اللهُ قَدْ أَحَبَّني يَوْمًا، فإنَّهُ سَيُحِبُّني إلى الأبد. وَإنْ كانَ قَدْ غَفَرَ لي يَوْمًا، فإنَّهُ سَيَغْفِرُ لي إلى الأبد. وَإنْ كانَ قَدْ خَلَّصَني يومًا، فإنَّهُ سَيُخَلِّصُني إلى الأبد. وَإنْ كانَ وَعَدَني بِأيِّ شَيءٍ، فإنَّ وَعْدَهُ صَادِقٌ إلى الأبد. "لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ". ونَقرأُ في الأصحاحِ الحادي عَشَرَ مِنْ رِسالةِ رُومية: "لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ". فاللهُ لا يُغَيِّرُ رَأيَهُ. ألَسْتُمْ فَرِحينَ بذلك؟ وَهُوَ قَدْ يَنْظُرُ إليَّ ويَقول: "ماك آرثر، بِمَقْدوري أنْ أَمْسَحَكَ مِنَ الوُجودِ، ولَكِنِّي الرَّبّ. وَأنا لا أَتَغَيَّر". وَنَقْرَأُ في آيَةٍ مِنْ أَجْمَلِ آياتِ الكِتابِ المقدَّسِ - وَلا أَدْري إنْ كُنْتُمْ تَعْرِفونَ هذهِ الآيَةَ أَمْ لا! لِذلكَ اسْمَحُوا لي أنْ أَقْرَأَ لَكُمْ هذهِ الآيَةَ الَّتي وَردَتْ في 2تيموثاوُس 2: 13: "إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ".

أتَعْلمونَ ما الشَّيءُ الَّذي يَقومُ عليهِ خَلاصُكُمْ وَضَمانُكُم؟ مَا الَّذي يَقومُ عليه؟ طَبيعَةُ اللهِ الَّتي لا تَتغيَّر – طَبيعَةُ اللهِ الثَّابِتَة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إرْميا 31: 3: "مَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ". فإنْ كانَ اللهُ قد أَحَبَّكَ يومًا، فإنَّ مَحَبَّتَهُ سَتَدومُ إلى الأبد. وَيَقولُ إشَعْياء على لِسانِ الرَّبِّ: "فَإِنَّ الْجِبَالَ تَزُولُ، وَالآكَامَ تَتَزَعْزَعُ، أَمَّا إِحْسَانِي فَلاَ يَزُولُ عَنْكِ، وَعَهْدُ سَلاَمِي لاَ يَتَزَعْزَعُ". ونَقرأُ في إشَعْياء 46: 10: "رَأْيِي يَقُومُ". أليسَ مِنَ المُفارَقَةِ أنَّهُ لكي نَتمتَّعَ بعلاقةٍ سليمةٍ معَ اللهِ الَّذي لا يَتغيَّرُ، يجبُ علينا أنْ نَختبرَ تَغييرًا كَبيرًا؟ فهذهِ هيَ الطريقةُ الوحيدةُ. أليسَ كذلك؟ فَلِكَيْ نَتمتَّعَ بعلاقةٍ باللهِ الَّذي لا يَتغيَّرُ، يجبُ علينا أنْ نَختبرَ تَغييرًا كَبيرًا. فقد قالَ يسوعُ لنيقوديموس: "يَجِبْ أنْ تُوْلَدَ ثانِيَةً". وقد تَقول: "حسنًا يا ماك آرثر. لقد أَغْفَلْتَ آياتٍ عَديدةً. فهناكَ آيةٌ في سِفْرِ عَاموس والأصحاح السَّابِع. وهُناكَ آيَة في سِفْرِ التَّكوين 6: 6. وهُناكَ آيَة في سِفْرِ يُونان 3: 10. وَهَذِهِ الآياتُ تَقولُ إنَّ اللهَ: "نَدِمَ على" شَيءٍ مَا". هذا صَحيحٌ ... هذا صَحيحٌ. ولكِنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ العَدَد 23: 19: "لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ". فكيفَ يُعْقَلُ أنْ نَقرأَ أنَّ الرَّبَّ لا يَنْدَمُ، وَأنَّهُ نَدِمَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ؟ حَسَنًا! يَجِبُ عليكمْ أنْ تَفهموا الموقفَ. فَليسَ مِنَ الإنْصافِ أنْ نَسْتَخْلِصَ مَا نَشاء دُوْنَ أنْ نَفْهَمَ الموقفَ.

إنَّ اللهَ لا يَتغيَّر. اسْمَعوني جَيِّدًا: إنَّ اللهَ لا يَتَغَيَّرُ. وهذا أمْرٌ واضِحٌ. إنَّهُ لا يَتغيَّرُ البَتَّة. واللهُ لا يُغَيِّرُ مَشيئَتَهُ البَتَّة. ولكِنْ في إطارِ مَشيئَتِهِ، قَدْ يَسْمَحُ بِحدوثِ تَغْييرٍ في ظَرْفٍ مُعَيَّن. فعلى سَبيلِ المِثالِ، لقد قالَ اللهُ لنينَوى: "سوفَ أُزيلُكِ مِنَ الوُجودِ يا نينَوى". لِماذا؟ لأنَّها كانتْ مَدينةً خَاطِئَةً. ثُمَّ إنَّ اللهَ قالَ ليونان: "قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى". ولَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ ما حَدَث. فقد أَقامَ يُونان فَترةً مَا في جَوْفِ سَمَكَةٍ ضَخْمَة، ولَكِنَّهُ وَصَلَ إلى هُناكَ أخيرًا. وعندما بَلَغَ ذلكَ المَكان، نَادى بكلامِ الرَّبِّ فَتابَتْ كُلُّ المَدينَةِ. وَحينئذٍ، نَظَرَ اللهُ إلى أسْفَل. ثُمَّ نَقْرَأُ في الكِتابِ المقدَّسِ إنَّ اللهَ نَدِمَ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، وَأنَّهُ بَارَكَهُمْ. فهل غَيَّرَ اللهُ مَشيئَتَهُ حَقًّا؟ إنَّ التَّغييرَ لَمْ يَطْرَأ على اللهِ، بَلْ على مَنْ؟ على نينَوى الَّتي تَغَيَّرت. فقد قالَ اللهُ: "سَوْفَ تُعاقَبينَ يا نينَوى". وقد كانَ هذا هُوَ ما سَيَحْدُثُ لَهُمْ بسببِ الطَّريقِ الَّذي كَانُوا يَسلُكونَ فيه.

وقد نَظَرَ اللهُ إلى الحَضارَةِ القَديمَةِ ما قَبْلَ الطُّوفانِ وقالَ: "أنا نَادِمٌ على خَلْقِكُمْ. أنْتُمْ مَصْدَرُ حُزْنٍ لي لأنِّي سَأمْحيكُمْ عَنِ الوُجود". ولَكِنْ لِماذا قالَ اللهُ ذلك؟ لأنَّ اللهَ كانَ قَدْ خَلَقَهُمْ ليكونوا بَرَكَةً. ولكِنَّ الإنْسانَ غَيَّرَ مَسارَهُ وَكَسَرَ وَصايا اللهِ. وكانَ اللهُ مُزْمِعًا أنْ يَلْعَنَهُمْ. اسْمَعوا: إنَّ اللهَ لم يُغَيِّر مَشيئَتَهُ البَتَّة. فمشيئتُهُ هِيَ نَفْسُها دائمًا: أنْ يُكافِئَ الخَيْرَ وَيُعاقِبَ الشَّرَّ. أليسَ كذلك؟ ولكِنَّ ما حَدَثَ هُوَ أنَّ النَّاسَ تَغَيَّروا. وَكَما تَعلمونَ، لا يُمْكِنُكُمْ أنْ تَلوموا الشَّمسَ على تَذْويبِ الشَّمْعِ وَتَقْسِيَةِ الطِّين. فالأمْرُ يَتَوَقَّفُ على خَواصِّ المادَّةِ، وليسَ على الشَّمسِ. فَمَوْقِفُ الإنسانِ أمامَ اللهِ هُوَ الَّذي يُمْلي مَا سَيَحْدُثُ لَهُ. وقد يَبْدو مِنْ وُجْهةِ النَّظرِ البشريَّةِ أنَّ اللهَ قد تَغَيَّر. ولكِنَّ هذا يُشبِهُ قِيادَةَ دَرَّاجَتِكَ. فَهَلْ سَبَقَ أنْ قُدْتَ دَرَّاجَتَكَ بِعَكْسِ الرِّيْحِ؟ وبينَما تَقودُ دَرَّاجَتَكَ فإنَّ الرِّيْحَ تَشْتَدُّ فَتُعاني كَثيرًا إلى أنْ تَصِلَ إلى وُجْهَتِكَ. ثُمَّ إنَّكَ تَقودُ دَرَّاجَتَكَ عائِدًا فَتَشْعُرُ بالرَّاحَةِ لأنَّكَ تَسيرُ في نَفْسِ اتِّجاهِ الرِّيْحِ. وحينئذٍ فإنَّكَ تَقولُ: "لَقَدْ تَغَيَّرَتِ الرِّيْحُ". إنَّ الرِّيْحَ لم تَتَغَيَّر، بَلْ أنْتَ مَنْ تَغَيَّرْتَ. واللهُ لا يَتغيَّرُ البَتَّة. فَهُوَ ثابِتٌ دائمًا. وَهُوَ يُكافِئُ الخَيْرَ وَيُعاقِبُ الشَّرَّ. وهذا يَتوقَّفُ على الطَّريقةِ الَّتي تَتصرَّفُ فيها فيما يَختصُّ بنِعمتهِ ومَشيئَتِه.

لذلكَ عندما يَقولُ الكِتابُ المقدَّسُ إنَّ اللهَ نَدِمَ، فإنَّهُ لا يَعني بذلكَ أنَّ اللهَ قالَ: "آه! يبدو أنَّني اقترفتُ خَطَأً مَا. لِذلكَ سَأقومُ بذلكَ بطريقةٍ أُخرى". لا! بل إنَّ ذلكَ يَعني أنَّ اللهَ غَيَّرَ ما كانَ سَيَفْعَلُهُ بسببِ تَغَيُّرِ سُلوكِهِمْ، وَأنَّهُ عادَ وَفَعَلَ ما هُوَ حُرٌّ في فِعْلِهِ لأنَّهُمْ غَيَّرُوا سُلوكَهُم. ولكِنَّ مَشيئَتَهُ لا تَتغيَّرُ البَتَّة. فمشيئَتُهُ هِيَ نفسُها دائمًا: أنْ يُعاقِبَ الشَّرَّ وَيُكافِئُ الخَيْرَ. فَهُوَ لا يَتغيَّر. وَهُوَ لا يَخْرُجُ عَنْ طَبيعَتِهِ. لِذلكَ فإنَّ اللهَ لا يَتغيَّر. أيُّها الأحِبَّاءُ المُؤمِنون: لا أَعْلَمُ كيفَ تَنْظرونَ إلى هذا الأمر. ولكِنْ بالنِّسبةِ إليَّ، فإنَّ هذا مُدهشٌ. فأنا أَنْتَمي إليهِ، وَهُوَ سَيَعْتَني بي. وَإنْ كانَ قَدْ قَطَعَ لي أيَّ وَعْدٍ، فإنَّ وَعْدَهُ لي هُوَ إلى الأبد. وَإنْ كانَ قد قالَ: "فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ"، فإنَّ هذا لا يَعني أنَّ مَوارِدَهُ نَضَبَتْ في سَنَةِ 1950 وَأنَّهُ يُواجِهُ المَتاعِبَ اليوم. وَمِنَ الجَيِّدِ أنْ نَعْرِفَ جَميعُنا ذلك في كُلِّ الأوقاتِ. فأنا مُطْمَئِنٌّ بسببِ ذلك. وَأَلا يَصُحُّ ذلكَ عليكُمْ أنْتُمْ أيضًا؟

وما الَّذي يَعنيهِ ذلكَ بالنِّسبةِ إلى غيرِ المُؤمِنِ؟ إنَّهُ يَعْني الآتي: إنْ كانَ اللهُ قَدْ قالَ: "اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ"، فَهُوَ يَعْني مَا يَقول. وَإنْ قالَ اللهُ إنَّ "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ"، فَهُوَ يَعْني ذلك. وإنْ قالَ اللهُ إنَّ هُناكَ جَهَنَّمَ أبديَّة، فإنَّهُ يَعني ذلك. وَإنْ كانَ هَذا هُوَ ما يَقولُهُ الآن، فَهُوَ ما كَانَ قَدْ قالَهُ في المَاضي، وَهُوَ تَمامًا ما سَيَحْدُثُ. فالكِتابُ المقدَّسُ يَقولُ في المَزمور 119: 89: "إِلَى الأَبَد" ... إلى مَتى؟ " إِلَى الأَبَدِ يَا رَبُّ كَلِمَتُكَ مُثَبَّتَةٌ فِي السَّمَاوَاتِ". إلى الأبَد. فاللهُ لا يَتَغَيَّرُ البَتَّة. وبالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ مِنَّا، هَذا مَصْدَرُ فَرَحٍ عَظيم. وبالنِّسْبَةِ لآخَرينَ، يَنْبَغي أنْ يَكونَ مَصْدَر خَوْفٍ. لِنَحْنِ رُؤوسَنا للصَّلاة:

نَشكُرُكُ، يا أبانا، في هذا الصَّباحِ لأنَّكَ أَعْطَيْتَنا هذا الوَقْتَ للشَّرِكَةِ مَعًا. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ أَعْلَنْتَ نَفسِكَ مِنْ خِلالِ كلِمَتِكَ بأنَّكَ اللهُ الَّذي لا يَتَغَيَّر. ونَشكُرُكَ، يا أبانا، لأنَّكَ إلَهُ رَحْمَةٍ. ساعِدْنا نَحْنُ المُؤمِنينَ الذينَ نَسْلُكُ في نِعْمَتِكَ ومَشيئَتِكَ، والذينَ نَسيرُ في مَشيَتِكَ، ساعِدْنا على أنْ نُدْرِكَ الضَّمانَ والمَلْجَأَ والبَرَكَةَ الَّتي لَنا إلى الأبد. وَساعِدْنا أنْ نَحْيا حَياةَ شُكْرٍ. وَأنا أُصَلِّي، يا أبانا، مِنْ أجْلِ أولئكَ الذينَ يَسيرونَ بِعَكْسِ مَشيئَتِكَ، والذينَ يُقاوِمونَ مَشيئَتَكَ وَنِعْمَتَكَ، أُصَلِّي يا أبانا أنْ تَتَغَيَّرَ مِنْ نَحْوِهِمْ لأنَّهُمْ تَغَيَّروا مِنْ نَحْوِكَ إذْ يُصْبِحونَ خَليقَةً جَديدةً في المسيح ويَتمتَّعونَ بعلاقةٍ سَليمةٍ مَعَك.

وبينَما تَحْنُونَ رُؤوسَكُمْ، أَوَدُّ أنْ أُشارِكَ فِكْرَةً خِتامِيَّةً وَهِيَ أنَّهُ إنْ كانَ هُناكَ شَخْصٌ مِنَ الحاضِرينَ هُنا في هذا الصَّباحِ لم يُسَلِّمْ نَفْسَهُ للمَسيحِ، ولم يَفْتَحْ قَلْبَهُ لَهُ، صَلاتي في هذا الصَّباحِ هِيَ أنْ تُصَحِّحَ عَلاقَتَكَ مَعَ اللهِ الَّذي لا يَتغيَّر، وأنْ تَسْتَفيدَ مِنْ كُلِّ ما يُريدُ أنْ يُقَدِّمَهُ لَك. وقد تَقولُ: "وَكيفَ نَفعلُ ذلكَ يا جون"؟ إنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَقول: "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا". فعندما تُؤمِنُ بالمسيحِ وَتَقْبَلُهُ رَبًّا ومُخَلِّصًا، فإنَّ عَلاقَتَكَ بِهِ سَتَكونُ سَليمَةً. وَهَذا يَعني أنَّ ذِراعَيْهِ القَوِيَّتَيْنِ سَتُحيطانِ بِكَ إلى الأبد. وَصَلاتُنا هِيَ أنْ تَفْعَلَ ذلكَ في هذا الصَّباحِ في قَلْبِكَ. وبالنِّسبةِ إلى الأشخاصِ الذينَ يَعْرِفونَ المَسيحَ مِنْكُمْ، نُصَلِّي أنْ يَكونَ هذا الوقتُ وَقْتًا تَشْكُرونَ فيهِ اللهَ على كُلِّ صِفاتِهِ وَوُعودِهِ الأبديَّةِ لَكُمْ. ونحنُ نَشكرُكَ، أيُّها الآبُ ... نَشْكُرُكَ على شَرِكَتِنا في هذا الصَّباحِ، وعلى كُلِّ نَفْسٍ ثَمينَةٍ هُنا، وَعلى حُضُورِكَ الإلهيِّ. ونحنُ نَسْألُكَ أنْ تُحافِظَ على هَذِهِ النُّفوسِ بِروحِكَ القُدُّسِ، وَأنْ تَفْعَلَ كُلَّ ما يَلْزَمُ فِعْلُهُ لكي يَتَمَتَّعُوا بعلاقةٍ سليمةٍ مَعَكَ، ولكي يَحْصُلوا على مِلْءِ بَرَكاتِكَ وَوُعودِكَ الَّتي لا تَتَغَيَّرُ. نُصَلِّي هذا باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize