Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في دَرْسِنا لهذا الصَّباح، أودُّ أن أُتابعَ وأُكْمِلَ ما ابتدأناه في المَرَّة السابقة، أيْ دراسةَ مسألةِ الرُّوحانيَّة في الإطارِ الأشمَل الَّذي نقومُ فيهِ بدراسةِ الحركة الكارزماتيَّة. وإن كنتَ زائرًا لكنيستِنا، اسمح لي أنْ أقولَ إنَّنا أخذنا استراحةً في أثناء دراستنا لرسالة كورِنثوس الأولى، وإنَّنا سنعودُ بعد أسبوعَيْن إلى دراسةِ الأصحاح 14 مِن رسالة كورِنثوس الأولى وإنهاءِ هذهِ الرسالة. وفي هذه الفترة الفاصلة، راحَ الكثيرونَ منكم يَستفسرون، وكانوا بحاجة إلى الاستنارة. كذلك، بسببِ حَضِّ شُيوخِ الكنيسة على دراسةِ هذا الموضوع، فإنَّنا نَدرسُ الحركة الكارزماتيَّة كما نَراها في الكنيسة والعالَم اليوم. وهذا الجانبُ المُحَدَّدُ مِنَ الحركة الكارزماتيَّة (أيْ مسألة الرُّوحانيَّة) هو الموضوعُ الَّذي ابتدأناهُ في الأسبوعِ الماضي. وسوفَ نُكْمِلُه ونُنهيه في هذا الصَّباح.

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ جميعًا أنَّنا ابتدأنا في الأسبوعِ الماضي بدراسةِ مسألةِ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة لأنَّها مسألة مهمَّة جدًّا في الحركة الكارزماتيَّة، ولأنَّها تَنْطَوي على ما هو أكثر بكثير مِنْ ذلك. وقد تَطَرَّقنا إلى التَّعريفِ الكِتابيِّ الواضحِ للرُّوحانيَّة الحقيقيَّة، ثُمَّ أجرَيْنا مُفارقة بينها وبينَ ما يُعَلِّمُهُ الكارزماتيُّون أو ما يُلَمِّحونَ إليهِ في نَظرتهم إلى الرُّوحانيَّة. وقد حاولنا أن نُبَيِّنَ لكم في المرَّة السَّابقة أنَّ ما يَقولهُ الكارزماتِيُّون أو يُلَمِّحونَ إليهِ أحيانًا (معَ أنَّهم قد لا يَقولونَ ذلكَ صَراحةً أحيانًا)، ولكِنَّ الشيءَ المؤكَّدَ هو أنَّهم يُلَمِّحونَ مِنْ خلالِ نَهْجِهِم الاختباريِّ تُجاهَ الحياة المسيحيَّة إلى أنَّكَ إنْ حَصلتَ على مَعموديَّة مُعَيَّنة، أو كُنتَ تتكلَّمُ بألسِنَة، أو لديكَ خبرة صُوفيَّة مُعَيَّنة، فإنَّ هذا سَيُرَفِّعُكَ تِلقائيًّا إلى مُستوىً آخرَ مِنَ الرُّوحانيَّة.

وقد نَشَأتْ زوجتي في أوساطٍ خمسينيَّة كارزماتيَّة. وقد أخبرتني في هذا الأسبوع أنَّهُ مِنَ المألوفِ والشَّائعِ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ لديهم اختبار ما، والأشخاصَ الَّذينَ رَأَوْا رُوى، والأشخاصَ الَّذينَ يتكلَّمونَ بألسِنَة يُنْظَرُ إليهم كما لو كانوا مُؤمنينَ مِنْ مستوىً آخر، أو كما لو كانوا أشخاصًا رُوحيِّينَ؛ وأنَّ بقيَّةَ المؤمنينَ يُنْظَرُ إليهم كما لو كانوا مُؤمِنينَ مِنَ الفِئَةِ الثَّانية أو مِنَ المَرتبة الثَّانية. وقد رأينا كيفَ أنَّكَ حينَ تَجعلُ الاختبارَ كُلَّ شيء، وتَسعى وراءَ الاختبارِ، وتَحصُل على خِبرة صُوفيَّة مُعيَّنة أو معموديَّة مُعيَّنة أو ما شَابَهَ ذلك، فإنَّهُمْ يَنْظُرونَ إليكَ كما لو أنَّكَ صِرْتَ تِلقائيًّا شَخصًا رُوحيًّا. وقد أَوْضَحْنا أنَّهُ عندما نَفْحَصُ هذا الأمرَ في ضَوْءِ الكتابِ المقدَّسِ فإنَّنا نَجِدُ أنَّهُ غير صحيح.

فالكتابُ المقدَّسُ لا يَرْبِطُ بينَ أيِّ مواهب روحيَّة أو رُؤى روحيَّة أو اختبارٍ روحيٍّ وبينَ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة. فهذا الرَّابِطُ ليسَ كِتابيًّا. وقد رأينا في المرَّة السَّابقة أنَّ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة تَتحقَّق لا نتيجةَ اختبارٍ أو مَوهبة أو أيِّ شيءٍ مُشابه، بل تَتحقَّق نتيجة السُّلوكِ لحظة تلو الأخرى بالرُّوح. فهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. فالرُّوحانيَّة الحقيقيَّة تَتحقَّقُ عندما نَسلُكُ بالرُّوح. وقد وَضَّحْنا أنَّ النَّظرةَ الكارزماتيَّة للرُّوحانيَّة الاختباريَّة الفوريَّة المُذهلة لا يُمكن تَدعيمُها كِتابيًّا.

وقد ذَكَرنا أنَّ الرُّوحانيَّة هي السُّلوكُ بالرُّوحِ، وأنَّ ذلكَ يَعني شَيئَيْن (إنْ كُنْتُم تَذكرونَ ذلك): قَبول كلمة الله، وَعَيْشها بِطاعة. فعندما نَقبلُ الكلمة ونَحياها بطاعة، فإنَّنا في تلك اللَّحظة نَسْلُكُ بالرُّوح. وهذا هو المِعيارُ الكِتابيُّ الحقيقيّ.

وقد رأينا أيضًا أنَّ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة لا تُفْضِي بالضَّرورة إلى أيِّ اختبار. وهي لا تُفْضي إلى أيِّ نَشوة أو أيِّ رُؤيا، أو أيِّ إعلانٍ أو أيِّ شيءٍ خارقٍ للطبيعة؛ بل إنَّ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة تُفْضي في الحقيقة إلى بَرَكاتٍ قَلبيَّة لأنَّنا نَقرأُ في رسالة غلاطيَّة 5: 22: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ..." [ليسَ مَواهِب، وألسنة، وآيات، وعجائب]، بل إنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ ماذا؟ "مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ". فهذا هو الثَّمَرُ الحقيقيُّ للرُّوح. وهذا هو ما يَنْتُجُ في الحقيقة عندما تُوجد الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة. ولكِنَّ الكارزماتيِّينَ يَزْعُمونَ أنَّ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة تَقومُ على الاختبارِ وَتَقودُ إلى اختباراتٍ أعظم. ولكِنَّ هذا الزَّعْمَ لا يَصْمُدُ أمامَ ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس. لِذا، يجب علينا أنْ نَعودَ إلى ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس.

والآن، أريدُ منكم أنْ تَفتحوا كِتابكم المقدَّس إذْ نَبْتَدِئُ دِراسَتَنا في هذا الصَّباح. وأريدُ منكم أن تَنظروا معي إلى المزمور 85 لأنَّ المزمور 85 يُقَدِّمُ لنا نَصًّا يُساعِدُنا كثيرًا في تَقييمِ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة أوِ النَّهضة الرُّوحيَّة الحقيقيَّة. فهذا اختبارٌ يُمْكِنُنا أن نَستخدمَهُ لِتَمييزِ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 3 إذْ إنَّ بولسَ قالَ لأهلِ كورِنثوس: "وَأَنَا...لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ". بعبارة أخرى، أنا مُضْطَرٌّ للتَّعَامُلِ مَعَكُم كَجَسَدِيِّين. لماذا؟ لأنَّكم لا تَقْدِرونَ أنْ تَقبلوا الكلمة، ولأنَّهُ يُوْجَدُ نِزاعٌ، وخِصامٌ، وَهَلُمَّ جَرَّا، بَيْنَكُم.

بعبارة أخرى، كانَ هناكَ أمرانِ مَفقودانِ في كورِنثوس. فلم تَكُن لديهم الرَّغبة أوِ القُدرة على قَبولِ الكلمة. وَهُمْ لم يَعيشوها. وغِيابُ هَذينِ الأمرَيْنِ يَعني الجسديَّة. وعلى عَكْسِ ذلك، فإنَّ وُجودَ هذينِ الشَّيئينِ يَعني الرُّوحانيَّة. لِذا فإنَّ الرُّوحانيَّة تَعني أنْ نَقْبَلَ كلمةَ اللهِ، وأنْ نَحْياها في طَاعة. فهذه حقيقة أساسيَّة.

ويُمْكِنُنا أنْ نَرى ذلك في المزمور 85. وفي الأصل، هذا المزمورُ هو صَلاةٌ لأجلِ حُدوثِ نَهْضَة. فهو صَلاةٌ لأجل وُجودِ رُوحانيَّة حقيقيَّة في الشَّعب. فهو تَضَرُّعٌ مِنَ المُرَنِّمِ إلى اللهِ لأجْلِ إحْداثِ نهضة رُوحيَّة حقيقيَّة. والعددُ الرئيسيُّ هو العدد 5 الَّذي يقول: "هَلْ إِلَى الدَّهْرِ تَسْخَطُ عَلَيْنَا؟ هَلْ تُطِيلُ غَضَبَكَ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ؟ أَلاَ تَعُودُ أَنْتَ فَتُحْيِينَا، فَيَفْرَحُ بِكَ شَعْبُكَ؟" بعبارة أخرى: "يا رَبُّ، لقد أَدَّبْتَنا. وقدْ تَمَّ سَبْيُنا. فقد عِشْنا ذلك. والآن، يا رَبُّ، نحنُ بحاجة إلى نَهْضَة. ونحنُ بحاجة إلى أنْ نَرى يَدَكَ المُنْعِمَة. ونحنُ نُريدُ رُوحانيَّة حقيقيَّة عِوَضًا عنِ العِصيانِ الَّذي جَلَبَ علينا التَّأديب". لِذا فإنَّهُ تَضَرُّعٌ لأجلِ حُدوثِ نَهضة حقيقيَّة، وتَضَرُّعٌ لأجلِ وُجودِ قداسة حقيقيَّة تَمْلأُ قَلبَ شَعبِ اللهِ. وَمِثْلُ هذا التَّضَرُّعِ يَنْطَوي حَقًا على المُقَوِّماتِ الأساسيَّة للنَّهضة.

فالآياتُ السَّبعُ الأولى هي صَلاةٌ لأجلِ حُدوثِ نَهضة حقيقيَّة. ثُمَّ في الآياتِ مِنْ 8 إلى 13، نَجِدُ مُقَوِّماتِ هذه النَّهضة. ونحنُ لن نَدْرُسَها كُلَّها. ولكِن اسمحوا لي أنْ أُريكم العُنْصُرَيْنِ الرَّئيسيَّيْنِ للنَّهضة الحقيقيَّة إذْ نَقرأُ في العدد 11: "الْحَقُّ مِنَ الأَرْضِ يَنْبُتُ، وَالْبِرُّ مِنَ السَّمَاءِ يَطَّلِعُ". والآنْ، نَجِدُ عِبارَتَيْن هُنا: "الْحَقُّ مِنَ الأَرْضِ يَنْبُتُ"، "وَالْبِرُّ مِنَ السَّمَاءِ يَطَّلِعُ". فهناكَ شيئانِ يُصاحِبان دائمًا النَّهضة الحقيقيَّة وَهُما: "الحَقُّ والبِرُّ". دائمًا. فهذانِ هُما العُنصرانِ الرَّئيسيَّان: الحَقُّ والبِرّ. وهذانِ الشَّيئانِ هُما حَقًّا الفِكرة الرئيسيَّة في هذا الجُزءِ الخِتاميّ.

فأنتُم تَرَوْنَ ذِكْرَ البِرِّ (في العدد 10). وأنتُم تَرَونَ أنَّ البِرَّ يَسْلُكُ أمامَ الرَّبِّ وأنَّهُ يُمَهِّدُ الطَّريقَ أمامَنا لِخَطَواتِهِ (في العدد 13). لِذا فإنَّ البِرَّ جُزءٌ لا يَتجزَّأُ مِنَ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة أوِ النَّهضة الحقيقيَّة. فالقداسةُ والبِرُّ [دَوِّنوا ذلك] يُرافقان دائمًا عَمَلَ الرُّوح. وهذا حَقٌّ أساسيٌّ جدًّا.

ففي سِفْرِ حِزْقيال (وهذا مَثَلٌ توضيحيٌّ على ذلك)، في الأصحاح 36 مِنْ سِفْر حِزْقيال، وهُناكَ العديدُ مِنَ الأمثلة التوضيحيَّة؛ ولكِنَّ هذا المَثَلَ التوضيحيَّ سيُساعِدُكُم كثيرًا. حِزْقيال 36: 27. استَمِعوا وَحَسْب إلى ما يَقول: "وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ". حسنًا؟ إنَّهُ وَعْدٌ رائعٌ بالرُّوحانيَّة الَّتي سَتحدث. "وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ". والآن، لاحِظوا ما يَحْدُث: "وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَ بِهَا". والآن، اسمعوني: كَما تَرَوْنَ، فإنَّ الروحانيَّةَ الحقيقيَّة النَّاجمة عن عملِ الرُّوحِ الحَقيقيِّ هي ليست نَشوةً مَا، وهي ليست إعلانًا مَا، وهي ليست رُؤيا، وهي ليست اختبارًا ما؛ بل هي طَاعةٌ للبِرّ. أَتَرَون؟ وهي سُلوكٌ في حَقِّ الله. وهي سُلوكٌ في أحكامِه. وهي تَعْني أنْ نَحفظَ أحكامَهُ ونَعْمَل بها.

ونقرأُ في العدد 31 مِنَ الأصحاحِ نَفسِه: "فَتَذْكُرُونَ طُرُقَكُمُ الرَّدِيئَةَ وَأَعْمَالَكُمْ غَيْرَ الصَّالِحَةِ، وَتَمْقُتُونَ أَنْفُسَكُمْ أَمَامَ وُجُوهِكُمْ مِنْ أَجْلِ آثَامِكُمْ وَعَلَى رَجَاسَاتِكُمْ". والآن اسمعوني، يا أحبَّائي: إنَّ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة تُنْشِئُ بِرًّا أو قَداسةً. وهذا شَيءٌ مُكَوَّنٌ مِنْ جُزئَيْن: فَمِنْ جِهَة، هُناكَ السُّلوكُ في وَصايا اللهِ. وَمِنْ جهة أخرى، هُناكَ بُغْضٌ واحتقارٌ وَكُرْهٌ للخطيَّة. فحيثُ توجد روحانيَّة حقيقيَّة، هناكَ سَعْيٌ للبِرِّ يَحْمِلُ في طَيَّاتِهِ قَلَقًا عميقًا وتَبكيتًا قويًّا فيما يَختصُّ بالخطيَّة.

وهذا شيءٌ لا أَراهُ في ما يَجري اليوم باسمِ الرُّوحانيَّة في الحركة الكازرماتيَّة في حالاتٍ كثيرة. فهناكَ ضَحِكٌ كثيرٌ، وَمَرَحٌ كَثير، وسعادة كثيرة، وبَهجة خارجيَّة كثيرة. ولكنِّي لا أعتقد أنَّني أَرى العُنصرَيْنِ المُرافِقَيْنِ للرُّوحانيَّة الحقيقيَّة وَهُما: التَّبكيتُ العَميقُ على الخطيَّة، والسَّعيُ إلى القداسة الحقيقيَّة رَغْبَةً في إطاعةِ وَصايا اللهِ والسُّلوكِ فيها. فهذه هي الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة. وهذا هو لُبُّ الأمر.

فالأشخاصُ المُمتلئونَ بالرُّوحِ يَسْعَوْنَ إلى البِرِّ ويَشعرونَ بتبكيتٍ عميقٍ على الخطيَّة. لِذا، حيثُ يَعملُ الرُّوحُ، هُناكَ فَرَحٌ. ولكِنْ هُناكَ أيضًا إحساسٌ عَميقٌ بالحُزن. وهذا هو جوهرُ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة. فعندما جاءَ رُوحُ اللهِ في يومِ الخمسين، نَقرأُ أنَّ آلافَ الأشخاصِ نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ وَصَرَخوا بسببِ شُعورِهم بالتَّبكيتِ العَميقِ على خَطاياهُم قائِلين: "مَاذَا نَصْنَعُ؟" ولا أعتقدُ أنَّ أيَّ مُؤمنٍ حقيقيٍّ يستطيعُ أنْ يَعيشَ في هذا العالمِ مِن دونِ أنْ يَشعرَ بألمٍ شديد بسببِ ضِيْقِهِ وَحُزنِهِ وخطيئَتِهِ. فعندما تَملأُ رائحةُ الخطيَّةِ النَّتِنَة أَنْفَ الإنسانِ المُمتلئ بالرُّوح، فإنَّهُ لن يَستطيعَ أنْ يكونَ سَعيدًا طَوالَ الوقت.

وهل تَعلمونَ شيئًا؟ أحيانًا، لا أقتَنِعُ بالأمورِ الَّتي أراها تَجْري باسمِ الرُّوحِ القُدُس. وكما قالَ أَحَدُ الكُتَّابِ: "إنَّهُ ليسَ الرُّوحُ المَرِح، بل هُوَ الرُّوحُ القُدُس". وأنا أَخْشى أنَّني عندما أُشاهِدُ مَثَلاً "القناة 40" (Channel 40) أوَّ أيَّ مَحَطَّةٍ أخرى، وأَرى هذا المَرَحَ، وهذهِ السَّطحيَّة، وهذهِ السَّعادَة الغامِرَة طَوالَ الوقتِ، وهذا الابتسامَ المُستمرَّ، وأنَّ كُلَّ شيءٍ يَسيرُ على خَيْرِ وَجْه، أَخشى أنَّهم لا يَفهمونَ شَيئَيْن: الأوَّلُ هو الشُّعورُ العَميقُ بالتَّبكيتِ على الخطيَّة؛ والثَّاني هو ضَياعُ العَالَمِ مِنْ حَولِهم. فَخِلافًا لذلك، لا يُمْكِنُهم أنْ يَكونوا سُعداءَ طَوالَ الوقت.

وقد قالَ الرَّسولُ بولس: "إِنَّ لِي حُزْنًا عَظِيمًا وَوَجَعًا فِي قَلْبِي لاَ يَنْقَطِعُ". أَتَرَوْن؟ فهُناكَ تَوازُنٌ بينَ الفَرَحٍ والحُزْن. فلا شَكَّ أنَّهُ يوجد فَرَح. ولكِنَّ الفَرَحَ موجودٌ في الأعماقِ. وغالبًا فإنَّ ما يَطفو على السَّطحِ هو الألمُ النَّاجِمُ عنِ الشُّعورِ بالذَّنبِ والخطيَّة والقلق. وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ إنْ أردنا أنْ نَشْهَدَ نَهضةً حقيقيَّة في بَلَدِنا، وبأنَّهُ لو كانتِ الرُّوحانيَّة الَّتي نَراها في الحركة الكارزماتيَّة هي روحانيَّة حقيقيَّة مِنَ الرُّوحِ ... لو كانت رُوحانيَّة حقيقيَّة، لكانَ هُناكَ أشخاصٌ يَبْكونَ كَما بَكى المسيح. ولكانَ هناكَ انهمارٌ للدُّموعِ بِفِعْلِ عَمَلِ الرُّوح القُدُس. فعِوَضًا عنِ التّصْفيقِ بأيدينا، أعتقد أنَّنا سنَقرَعُ صُدورَنا، وأنَّ النَّوْحَ سَيَملأُ الشَّوارِعَ كما مَلأَ شَوارِعَ نِينَوى في اليومِ الَّذي كَرَزَ فيهِ يُونان وَعَمِلَ فيهِ رُوحُ اللهِ على إحْداثِ نَهضة حقيقيَّة.

ولكنِّي لا أَرى أنَّ النَّهضة الحقيقيَّة تَعْني الرُّجوعَ إلى يسوعَ بطريقةٍ تَبْدو أنَّها رِحلة مُفْعَمَة بالبَهجة. بل إنَّني أرى أنَّ النَّهضة الحقيقيَّة تَعني أنْ يَقرعَ الإنسانُ على صَدرِه ويَشعُر بقَباحَةِ خَطيئَتِه في أعماقِه، ويَسعى إلى القداسة. ويقولُ "والتر تشانتري" (Walter Chantry): "لا يُمْكِنُنا القول إنَّ جَميعَ الأشخاصِ الَّذينَ يَنْضَمُّونَ إلى الحركة الكارزماتيَّة يَفعلونَ ذلكَ رَغْبَةً مِنْهُم في مَعرفةِ اللهِ وفي عَيْشِ حَياةِ الطَّهارة. فما تَسْعى الأغلبيَّةُ إلى الحُصولِ عليهِ مِنَ اللهِ هو التَّحَرُّر مِنَ المتاعِبِ الأرضيَّة. وفي ضَوْءِ هذا التَّمَسُّكِ الشَّديدِ بالمواهب فإنَّهُمْ يَرْجُونَ أنْ يَقومُ الرُّوحُ بشفاءِ كُلِّ الأمراضِ، وأنْ يُزيلَ كُلَّ عَقَبَةٍ في طَريقِ الحياة".

"ولا يوجد دَليلٌ أوضَح على ذلك مِنَ التَّركيزِ الشَّائِعِ على الشِّفاء. فالانطباعُ الَّذي يُعطيهِ هؤلاء للمؤمِنِ العاديِّ بخصوصِ الإنجيلِ كُلِّهِ هو أنَّ اللهَ لا يُريدُ لِشَعْبِهِ أنْ يتألَّمَ في هذا العالَم. وكُلُّ ما يَلْزَم هو أنْ يُصَدِّقَ المؤمنونَ أنَّ الأشخاصَ المُمتلئينَ بالرُّوح سَيَشفونَهُم مِنْ كُلِّ مَرض. فَهُمْ يُصَوِّرونَ المُعاناةَ كما لو كانت شيئًا مؤذيًا وغيرَ مُرَحَّبٍ بِهِ مِنْ قِبَلِ المُؤمِنين. وَهُمْ يُقَدِّمونَ الإنجيلَ للنَّاسِ كما لو كانَ قِطْعَة حَلْوى قادرة بِدونِ أَدنى شَكٍّ على إزالةِ كُلِّ طَعْمٍ مُرٍّ مِنَ الحياة. ومَعَ أنَّ كثيرينَ يَتَحَدَّثونَ عن البَرَكاتِ الَّتي سَيَمْنَحُهُم يسوعُ إيَّاها، وعنِ الاختباراتِ العجيبةِ للرُّوحِ، وعنِ العُثورِ على السَّعادة، فإنَّنا لا نَسمعُ سِوى القليل جدًّا عنِ الاهتمامِ الحقيقيِّ بالقداسة". وَهُوَ مُحِقٌّ.

فنحنُ لسنا مُجَرَّد مجموعة مِنَ النَّاسِ الَّذين يبحثونَ عنِ السَّعادة. أَتَرَوْن؟ فحيثُ توجد نَهضة حقيقيَّة، هُناكَ بَحْثٌ عنِ القداسة والبِرّ. وهناكَ تَبكيتٌ عميقٌ على الخطيَّة ورغبة شديدة في إطاعةِ أحكامِ الله. وهذا هو الجُزءُ الَّذي أَرى أنَّهُ مَفقود. فالمؤمنونَ النَّاضِجونَ لا يَبحثونَ عن حياةٍ مُغَلَّفة بالسُّكَّر، بل يُقِرُّونَ بِما أَقَرَّ بِهِ داودُ في المزمور 119: 71 إذْ قال: "خَيْرٌ لِي أَنِّي تَذَلَّلْتُ". فالرُّوحانيَّة ليست اختباراتٍ، وآياتٍ، وعجائبَ، ومعجزاتٍ، وفرحًا، وسعادةً؛ بل رُبَّما كانت أَقْرَبُ إلى النَّقيضِ تَمامًا.

وقد قالَ "تشارلز سبيرجن" (Charles Spurgeon): "إنَّ أعظمَ بَرَكة أرضيَّة يُمكنُ أنْ يُعطيها اللهُ لأيِّ واحدٍ مِنَّا هي الصِّحَّة. ولَعَلَّ المَرَضَ هُوَ الاستثناءُ الوحيد". وَكَمْ أُحِبُّ قَوْلَهُ هذا! وهو يقول: "فالمَرَضُ مُفيدٌ لِقِدِّيسي اللهِ أكثرَ مِنَ الصِّحَّة. فلو أنَّ اللهَ أَنْعَمَ على بَعضِ الأشخاصِ الَّذينَ أعرِفُهم بِشَهْرٍ يَشعرونَ فيهِ بآلامِ الرُّوماتيزم، لَرُبَّما عَمِلَتْ نِعمتُهُ على إنْضاجِهِمْ بطريقة رائعة. وأنا لا أَتَمَنَّى لأيِّ شخصٍ مَرَضًا وألمًا طويلاً، بل فقط وَعْكَةً بينَ الحينِ والآخر بالقدرِ الَّذي يَحتاجُه. فَمَرَضُ الزَّوجة، أو مَوْتُ أحدِ الأحبَّاء، أوِ الفقر، أوِ التَّعَرُّضُ للافتراءاتِ، أوِ اكتئابُ الرُّوحِ هي أمورٌ قد تُعَلِّمُ المرءَ دُروسًا لا يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّمَها بأيِّ طريقة أخرى. فالتَّجارِبُ تَجْعَلُنا نُدْرِكُ حَقيقةَ التَّدَيُّن. وكُلُّ الأشياءِ الَّتي قد نُبْتَلى بها هي بَرَكاتٌ؛ مَعَ أنَّها قد تبدو لَعْنات".

وَهُوَ مُحِقٌّ. فحيثُ توجد رُوحانيَّة حقيقيَّة، وحيثُ توجد نَهضة حقيقيَّة، فإنَّ البِرَّ يُطِلُّ علينا مِنَ السَّماءِ، واللهُ يَقودُ شَعْبَهُ في دَرْبِ البِرّ. لا في طَريقِ المَرَحِ والسَّعادة والبهجة؛ بَلِ البِرِّ والقداسة. فهذه هي الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة.

أمَّا العُنصرُ الثَّاني في الرُّوحانيَّة، كما جاءَ في المزمور 85، وكما أخبرتُكم في الأسبوعِ الماضي أيضًا، فمذكورٌ في العدد 11: "الْحَقُّ مِنَ الأَرْضِ يَنْبُتُ". فالعُنصرُ الثَّاني للنَّهضة الحقيقيَّة هو الحَقُّ الَّذي يَنْبُتُ فجأةً مِنْ كُلِّ مَكان. فهناكَ تَكريسٌ عظيمٌ وعميقٌ للحَقّ. فالمبدأُ الثَّاني لقياسِ عملِ الرُّوحِ هو الحَقّ. ففي نهايةِ المَطافِ، فإنَّهُ يُسَمَّى في الكتابِ المقدَّسِ: رُوْحُ ماذا؟ الحَقّ.

وحيثُ توجد نهضة حقيقيَّة، هُناكَ قَبولٌ للحَقِّ، وهُناكَ عَيْشٌ للحَقِّ مِنْ خلالِ السُّلوكِ البارّ. فهذهِ هِيَ الخُلاصة، يا أحبَّائي. ولا علاقة لذلك بالمواهبِ والآياتِ والنَّشواتِ والعجائب والرُّؤى والإعلانات. فعندما حَدَثَتْ نَهضة في زمنِ نَحَمْيا، نَقرأُ في سِفْر نَحَمْيا 8: 1 أنَّ نَحَمْيا قال: "أَحْضِروا الكِتابَ". وَما إنْ أَحْضَروا الكِتابَ حَتَّى ابتدأتِ النَّهضة. وهي لن تبتدئ بأيَّة طريقة أخرى في أيِّ عَصْرٍ آخر. ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَجْعَلَ أُناسًا يَعتنقونَ عقيدةً خاطئةً عنِ الرُّوحِ القُدُسِ يَتجاوبونَ تَجاوبًا صحيحًا مَعَهُ.

فلا يُمكنكُم أنْ تَحصُلوا على رُوحانيَّة حقيقيَّة بلاهوتٍ خاطئ، بل يجب أنْ يكونَ هُناكَ حَقٌّ نابِعٌ مِنَ الأرضِ، ثُمَّ إنَّ البِرَّ يَنْزِلُ مِنَ السَّماء. فهذا هو ما يَقولُهُ المزمور 85. والرُّوحانيَّةُ الحقيقيَّة تُنْشِئُ شُعورًا بالتَّكريسِ لكلمةِ اللهِ، وتَبكيتًا عميقًا على الخطيَّة، ورغبةً في الحياةِ المُقدَّسة.

والتَّفسيرُ الكتابيُّ والتَّعليمُ الكِتابيُّ هُما عَمَلُ الرُّوح. فنحنُ نَقرأُ في رسالة أفسُس 5: 18: "بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوح". ونقرأُ في رسالة كولوسي 3: 16: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنى".وهاتانِ آيَتانِ كِتابِيَّتانِ تَفْعَلونَ حَسَنًا إنْ دَرَستوهُما. فالامتلاءُ بالرُّوحِ مُماثِلٌ لِجَعْلِ الكلمة تَسْكُنُ فيكم بِغِنى. فعندما تَقبلونَ الكلمة وتَعيشونها، فإنَّ هذه هي الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة. وليست هناكَ أيُّ صِلَة بينها وبينَ أيِّ اختبارٍ كارزماتيّ.

إذًا، ماذا تَعَلَّمنا؟ اسمحوا لي أنْ أُلَخِّصَ ذلك: لقد قُلنا في الأسبوعِ الماضي إنَّ جميعَ المؤمنين رُوحِيِّونَ مِنْ جِهَةِ المقام. وقد قُلنا إنَّ هناكَ مؤمنينَ كثيرينَ لا يَعيشونَ هكذا عمليًّا. ولكِنَّ اللهَ يُريدُ مِنَّا أنْ نَعيشَ حياةً رُوحيَّة؛ أيْ حياةً تَتَّسِمُ بقَبولِ كلمةِ اللهِ وإطاعَتِها. فالهَدَفُ الأسمى للرُّوحانيَّة هو أنْ تَتَمَثَّلوا بيسوعَ المسيح. ولا صِلَةَ لذلك بالموهبة أوِ الاختبار أوِ المعموديَّة أوِ المشاعر.

وهذا يُؤدِّي إلى الطَّاعَة. وهو يُؤدِّي إلى عَدَمِ تَكْميلِ شَهوةِ الجسد. وهو يَجعلُ المؤمنَ مُتواضعًا ووديعًا، لا مُفْتَخِرًا. وهو يُعطيهِ إحساسًا عميقًا بِعَدِمِ كِفايَتِهِ وبِبُؤسِ الخطيَّة. وهو يُنْشِئُ تَكريسًا لكلمةِ الله. وهو يَصْنَعُ تَوازُنًا بينَ فَرَحِهِ وشُعورِهِ بالتَّبكيتِ على الخطيَّة. فهذه هي الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة. وهذا هو ما يُريدُهُ اللهُ مِنَّا.

وأنا أَرى الكثيرَ مِمَّا يُدعى "نَهْضَة" في أمريكا، ولكنَّها لا تَتَّسِمُ بهذهِ السِّمات. والآن، أريدُ أنْ أُضيفَ مُلاحظةً مُهمَّةً جدًّا مِنْ أجلِ تَكميلِ فِكرةِ الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة. وهي فِكرة مُهمَّة جدًّا، وأريدُ أنْ تَسمعوها مِنِّي. فأنا أنتظرُ مُنذُ وقتٍ طويلٍ أنْ أقولَ هذا...منذُ وقتٍ طويل: لأنَّ الكارِزماتِيِّينَ يَنظرونَ نَظرةً خاطئةً إلى الرُّوحانيَّة، فقد وَقَعوا في فَخِّ الإعلاءِ مِنْ شَأنِ الفئةِ الخاطئةِ مِنَ النَّاس. أَتَرَوْن؟

بعبارةٍ أخرى، عندما يَكونُ الاختبارُ هو المِعيار، كُلَّما زادَت رَوعةُ الاختبار أو عَظَمَتُه، زادَتْ فُرصَتُكَ في أنْ تَصيرَ "القِدِّيسَ المُتَفَوِّق". أَتَرَوْن؟ أمَّا الأشخاصُ الرُّوحيِّونَ حَقًّا (الَّذينَ أَعْلَمُ يَقينًا أنَّ بعضًا مِنْهُم موجودٌ في الحركة الكازرماتيَّة). أمَّا الأشخاصُ الرُّوحيِّونَ حَقًّا الَّذينَ يَقبلونَ الكلمة كما أُعْطِيَتْ لَهُم، ويَفْهَمونَها أَفْضَلَ فَهْمٍ مُمْكِن، والَّذين يَعيشونَ حَياةَ الطَّاعةِ قَدْرَ استطاعَتِهم...فالأشخاصُ الرُّوحيُّونَ حَقًّا في الكنيسة، الَّذينَ يَقبلونَ الكلمةَ ويَعيشونَها، يَتِمُّ تَجاهُلُهُم لأنَّهُمْ لا يَقولونَ شيئًا عن هذا الأمر. ففي عَالَمٍ يُرَكِّزُ على الاختباراتِ الشخصيَّة حيثُ صارتْ هذهِ الاختباراتُ هي كُلُّ شيء، فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَصِلونَ إلى القِمَّةِ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَسْرُدُونَ أكثرَ القِصَصِ تَشويقًا. أَتَرَوْن؟ لِذا فَإنَّ الأضواءَ تُسَلَّطُ على الفئةِ الخاطئةِ مِنَ النَّاس.

فإنْ كانت لديكَ قِصَّة مُشَوِّقَة تَسْرُدُها، سَتَصيرُ مَحَطَّ الاهتمام، وستَظهرُ على شاشاتِ التِّلفزيون، وسَتَكتُبُ كِتابًا، وستكونُ مَحَطَّ كُلِّ الأنظارِ؛ لا سِيَّما إذا كنتَ مَشهورًا أيضًا. وإنْ نَجَحْتَ في أنْ تُضيفَ إلى اختبارِكَ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنَ الشُّهرة تكونُ قد حَقَّقْتَ مُرادَكَ. وهذا أمرٌ مُحزِنٌ حقًّا. فقد صَنَعْنا مَجموعةً كاملةً مِنَ المَشاهيرِ المسيحيِّين. وأنا أَدعوهُم "القِدِّيسونَ النُّجوم". فقد صَاروا النَّماذِجَ، والنَّاطِقينَ الرَّسميِّينَ باسمِ المسيحيَّة، والمَراجِع المُعْتَمَدَة للمسيحيَّة. وهكذا فقد ابتدأتْ بِدعةُ المَشاهير.

وقد كنتُ أَظُنُّ أنَّنا قد تَعَلَّمْنا الدَّرسَ. فقبلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سنة، فَعَلَتِ الكنيسةُ ذلكَ بِمَشاهيرِ هُوليوود. فقد كانت تأخُذُ الأشخاصَ المُخَلَّصينَ المَشهورينَ في هوليوود وتَرْفَعُ مِنْ شأنِهم تِلقائيًّا كما لو كانوا دُعاةَ الإيمانِ المسيحيِّ العُظماء. وكانوا يُقَدِّمونَ شَهاداتِهم، ويُرنِّمونَ هُنا، ويَظهرونَ هُناكَ. وكانَت هذه هي المُوضة السَّائدة. وقد كانت تلكَ مأساة كبيرة حقًّا.

وقد كانَ هناكَ رَجُلٌ في كنيسَتِنا انْخَرَطَ في ذلكَ الشَّيء وصَارَ مُتَكَلِّمًا، ومسيحيًّا مَشهورًا، وصارَ يُسافِرُ إلى كُلِّ مَكان ويَقولُ أيَّ شيء. وقد كانت لديهِ كُلُّ المؤهِّلاتِ المَطلوبة، وَهَلُمَّ جَرَّا. ثُمَّ إنَّ حَياتَهُ تَراجَعَتْ تَدريجيًّا إلى أنْ وَصَلَ إلى الحَضيض. ثُمَّ إنَّهُ جاءَ إلى كنيسة "النعمة" (Grace Church). وقد كانَ عُمْرُهُ نحوَ اثنين وأربعينَ سنة. وقد أَحْضَرَ عائِلَتَهُ، وَآثَرَ أنْ يَكونَ شَخصًا مَغْمورًا وأنْ يأتي إلى هُنا ويَتَعَلَّمَ كلمةَ الله. وقد بَقِيَ هُنا سَنَةً فقط ثُمَّ مَاتَ بِداءِ السَّرَطان. وقد جَلستُ في المُستشفى بِجانِبِ سَريرِهِ وَهُوَ يَسْعُلُ وَيُحْتَضَرُ فقالَ لي: "جون! لقد كانَ ما حَدَثَ في حَياتي مُرَوِّعًا. إنَّهُ مُرَوِّعٌ. إنَّها مأساة. فقد أَفْسَدوا حَياتي باستغلالِ شَهادَتي لأنِّي كنتُ شَخصًا مَشهورًا".

وكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ شيءٌ مأساويّ. وقد كنتُ أَظُنُّ أنَّنا تَعَلَّمنا الدَّرسَ؛ ولكنَّنا لم نَتَعَلَّمْهُ. فنحنُ ما زِلْنا نَفعلُ ذلك. ونحنُ نَرْفَعُ مِنْ شَأنِ الفئةِ الخاطئة مِنَ الأشخاص، وَنَصْنَعُ مِنْهم ناطِقينَ رَسميِّينَ باسمِ المسيحيَّة عِوَضًا عنِ اختيارِ الأشخاصِ الرُّوحِيِّينَ حَقًّا. وَهُناكَ بَرامِجُ مسيحيَّة الآن تُقَدِّمُها شَخصيَّاتٌ مسيحيَّة ويَعْرِضونَ فيها دائمًا نُجومًا مَسيحيِّين. فعندما يَنالُ أَحَدُ المَشاهيرِ الخلاصَ فإنَّ المَحَطَّاتَ التِّلفزيونيَّة تَتَسابَقُ على حَجْزِهِم للظُّهورِ في بَرامِجِهم الأساسيَّة.

وقد كنتُ أَستمِعُ إلى بَرنامَجٍ ذاتَ يومٍ. وفي فَترةِ الإعلاناتِ، قالَ الرَّاعي: "سوفَ نُؤسِّسُ كنيسةً جديدة". وإليكُم ما قالَهُ، وأنا أَقتبسُ كَلامَهُ: "إنَّها كنيسة أُصوليَّة رابِحَة للنُّفوس وقائمة على الإيمانِ بالكِتابِ المقدَّس. وسوفَ نَجتمعُ في ’كوستا ميسا‘ [Costa Mesa]. وَضَيْفُنا الخاصُّ النَّجْمُ لهذا الأَحَد هو فُلان". وقد رُحْتُ أُفَكِّرُ: "ما هذا؟ ضَيْفُكُم الخاصّ النَّجْم!" وهناكَ كنيسة أخرى لَديها نَجْمٌ مَسيحيٌّ يَتقاضى خَمسة آلاف دولار في اللَّيلة لكي يأتي إلى الكنيسة. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَتقاضونَ خَمسة آلاف دولار. وقد أَرادوا مِنْهُ أنْ يأتي إلى كَنيسَتهم. لِذا فقد راحوا يَبيعونَ التَّذاكِرَ لِخِدَمَة مَساءِ يومِ الأحد.

وهُناكَ العديدُ مِنَ الوَكالاتِ الخاصَّة الَّتي تَصِلُني مِنْها كُلّ شَهرٍ لائحة بأسماءِ الأشخاصِ المُتاحين. والأسعارُ تَتراوَحُ بينَ 500 دولار و 5000 دولار في اللَّيلة (إنْ أَرَدْنا أنْ نَدعو مسيحيًّا مَشهورًا). ولا يَسَعُني إلَّا أنْ أُفَكِّرَ في ما جاءَ في رسالة تيموثاوس الأولى 5: 17. إنْ أردتَ أنْ تُعطي مالاً كثيرًا لشخصٍ ما، أتَعلمونَ مَنْ ينبغي أنْ يكون؟ فنحنُ نَقرأُ: "أَمَّا الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبُوا أَهْلاً لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيم". أَتَرَوْن؟ فَمَنِ الَّذينَ يَرْفَعُهُمُ اللهُ؟ إنَّهم أشخاصٌ يَختلفونَ عنِ الَّذينَ نَرْفَعُهُم نحنُ.

فهُناكَ كنيسة مَعمدانيَّة في المِنطقة الوُسطى الغَربيَّة أَعْرِفُها لديها قاعَة مَشاهير مَسيحيَّة. وفي وَسطِ قاعةِ المشاهير المسيحيَّة، في مَدخلِ الكنيسة، هُناكَ صُوَرٌ لأفضلِ عَشرةِ مَسيحيِّينَ مُعاصِرين. فهؤلاءِ هُم نُجومُهم. أجل! والمجلاَّتُ المسيحيَّة تَعْرِضُ صُوَرًا لأشخاصٍ نَالوا الخلاصَ بعدَ أنْ كانوا نُجومَ أفلامٍ، أو مُغَنِّيين، أو رِياضِيِّين، أو سِياسِيِّين، وَتُحَوِّلُهُم إلى مَشاهير يَقِفونَ على المَنابِرِ في جَميعِ أرجاءِ البِلاد. وقد باتَ هذا الأمرُ دارِجًا. والشَّيءُ الدَّارِجُ في السَّنة الماضية هو أنَّهُمْ أعلنوا أسماءَ ثمانيةٍ وأربعينَ نَجْمًا مسيحيًّا يُمْكِنُكَ أنْ تُصَلِّي مَعَهم.

هَلْ تَرَوْنَ كُلَّ ما يَجري؟ فَكما تَرَوْنَ، فإنَّ الشَّيءَ المُحْزِنَ بخصوصِ هؤلاءِ النَّاسِ، وبخصوصِ هذا الأمرِ كُلِّهُ هو أنَّهُم آثَروا الشُّهرةَ على الرُّوحانيَّة. فَلا يُفْتَرَض بِقادةِ الكنيسة أنْ يكونوا الأكثرَ شُهرةً، بل ينبغي أنْ يكونوا الأشخاصَ الَّذينَ يَسْلُكونَ بالرُّوحِ ويُعْطَونَ مَسؤوليَّةَ القِيادة مِنَ الله. وأنا أَرى أنَّ ذلكَ يَصِحُّ بصورة خاصَّة في مَجالِ التَّرنيم. فهناكَ أشخاصٌ يَصيرونَ مَشهورينَ في الأوساطِ المسيحيَّة مِن خلالِ الموسيقا أكثرَ مِن أيِّ طريقة أخرى. والكنيسةُ تُنفِقُ مَبالِغَ طائلة مِنْ أجلِ مِلْءِ جُيوبِ كُلِّ هؤلاءِ الأشخاص.

وَمِنْ عَقليَّةِ "الشَّخصِ النَّجْمِ الَّذي يَصيرُ قِدِّيسًا نَجْمًا" ظهَرَتْ نتائجُ مأساويَّة جدًّا. وقد ظَهَرتْ في الأوساطِ الكارزماتيَّة وغيرِها. ويمكنني أنْ أُخبرَكم عن خمسة تقريبًا أَعْرِفُ عنهم أنَّهم انجَرفوا في هذا الأمرِ وَانْتَهى المَطافُ بإيمانِهم بِكارثة. فهؤلاءِ المشاهير يُخبرونَ النَّاسَ عنِ اختبارِهم، أو عنِ اهتدائِهم الرَّائع، أو عن مَعموديَّتِهم الرَّائعة، أو عنِ الرُّؤيا الَّتي رَأوها، أو عن أيِّ شيءٍ آخر. وَهُمْ يَجِدونَ مَنْ يُرَوِّج لَهُم ويُسَوِّق لهم هذا الأمرَ وذاكَ الأمر. وسُرعانَ مَا يَجِدونَ أنفُسَهُم يَتكلَّمونَ في كَنائس، ويُؤلِّفونَ كُتُبًا، ويُجرونَ مُقابلاتٍ، ويَظهرونَ على التِّلفزيونِ والرَّاديو، ويُمْتَدَحونَ بوصفهم مَراجِعَ رُوحيَّة عظيمة. ولكِنْ أتَعلمونَ ما الَّذي يقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ في رسالة تيموثاوس الأولى؟ إنَّهُ يقول: "إنْ كانَ هُناكَ شخصٌ حَدِيثُ الإِيمَانِ، لا تَسْمَحْ لَهُ حَتَّى أنْ يَخْدِمَ مَوائِدَ في الكنيسة". أجل.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّنا لا نُقَدِّمُ لهؤلاءِ أيَّ مَعروف. فالأمرُ كُلُّهُ مُجَرَّد كِذبة كبيرة. اقرأوا رسالة تيموثاوس الأولى 3: 6 و 10، ورسالة تيموثاوس الأولى 5: 22. فهذا كُلُّهُ مَذكورٌ هُناك. وقد كَتَبَ "روجر هايدلبيرغ" (Roger Heidelberg) مَقالةً في العددِ الأخيرِ مِنْ مَجَلَّة "مودي" الشَّهريَّة (Moody Monthly) لهذا الشَّهر (أيْ شَهْرِ أيَّار/مايو). ولو لم يَكْتُبْها لَكَتَبْتُها أنا. والمقالةُ بعُنوان: "لِنتوقَّف عنْ قَبْضِ المَالِ على ظُهورِ المؤمِنينَ الجُدُد" (Let’s Stop Cashing in on Converts). وإليكُم ما يَقولُهُ: "لِنَفترِض أنَّ شاوُلَ الطَّرسوسيَّ اهْتَدى في سَنة 1977 في أثناءِ سَفَرِهِ على الطَّريق السَّريع "يو-أس 60" (US-60) المُؤدِّي إلى "دِنفر" (Denver). هل كانَ سَيُسْمَحُ لاختبارِ اهتدائِهِ أنْ يَتَقَدَّم إلى أنْ يَصير أعظَمَ كَارِزٍ بالعقيدة المسيحيَّة عَرَفَتْهُ الكنيسة؟"

"لِنُلْقِ نَظرة على ذلك. فَما إنْ يُسْمَعَ خَبَرُ هذا الاهتداءِ الدَّراميِّ الَّذي يَستحقُّ السَّبْقَ الصَّحَفِيُّ إلى وُكالاتِ الأنباءِ حَتَّى يُسارِع الصِّحافيُّونَ مِنْ مَجَلَّةِ النَّاسِ (People magazine)، وَمُصَوِّرو أخبارِ المَسارِحِ والتِّلفزيون، والكُتَّابُ المعروفونَ، ومُنْتِجو البرامجِ الإذاعيَّة، إلى دِنفر أفواجًا. وما إنْ تَسْقُط القُشورُ عن عَينيِّ الأخِ شاوُل حَتَّى يَرى غُرْفَتَهُ مُزدَحِمَة بهؤلاءِ الأشخاص. والصِّحافِيُّ مِنْ مَجَلَّةِ "النَّجْم المَسيحيّ" (Christian Star Magazine) يُزاحِمُ الآخَرينَ لَعَلَّهُ يَحْظى بِسَبْقٍ صَحَفِيٍّ قَبْلَ زَميلِهِ مُحَرِّرِ مَجَلَّةِ "التَّايم" (Time). ومُديرُ البَرامِجِ في تلفزيون "النُّورِ السَّماويّ" (Heavenly Light TV) يُحاوِلُ أنْ يَسْبِقَ وَكيلاً مِنْ بَرنامجِ "لِقاءُ الصَّحافة" (Meet the Press)".

"وفي الزَّاوية، هُناكَ حَنَانِيَّا يَخْدِمُ بوصفِهِ وَكيلَ أعمالِ شاوُل ويُنَظِّمُ العُقود. وقبلَ أنْ تُشْرِقَ الشَّمسُ أوَّلَ مَرَّة على حياةِ شاوُل الجديدة، كانَ قد تَمَّ حَجْزُهُ للظُّهورِ على كُلِّ مَحَطَّة تلفزيونيَّة مسيحيَّة وشَبكة إذاعيَّة تَمَكَّنَتْ مِنْ حَجْزِهِ. وفي أسرعِ وقتٍ مُمكن، سَيَجِدُ نَفسَهُ مَحجوزًا لِشُهور أو حَتَّى لِسنواتٍ عديدة مُسَبَّقًا بوصفِهِ الحَدَثَ الرَّئيسيَّ في وَسائلِ الإعلامِ الإنجيليَّة في كُلِّ العالمِ المسيحيِّ حيثُ ستكونُ هناكَ حَمْلاتٌ تبشيريَّة، وحَركاتٌ شَبابيَّة، وحَتَّى مُؤتمراتٌ كِتابيَّة. وتكونُ هُناكَ لافِتاتٌ تَقول: ’مُعَلِّمٌ مَشهورٌ يَسْرِدُ كيفَ اهتَدى إلى المسيح‘ أو ’اسمعوا أَشهرَ مُعَلِّمٍ يهوديٍّ يَعِظُ عن يَسوع‘ أو ’شاوُلُ الطَّرسوسيُّ، الفَرِّيسيُّ المُهْتَدي، يَعِظُ عِظَتَهُ الشَّهيرة: مِنَ المَجْمَعِ إلى المُخَلِّص‘".

"دَعُوا صَحيفَتَنا الصَّباحيَّة تَنشُرُ القِصَّةَ بأنَّ ’غلوريا غولديلوكس‘ (Gloria Goldilocks)، النَّجمة الأولى في المَسارِحِ والشَّاشاتِ والإذاعةِ، قد صَارَتْ مُتَدَيِّنَةً [كَما يَقولون]. وخلالَ أسبوع، سَتَنْشُرُ ذاتُ الصَّحيفةُ خَبَرَ ظُهورِها الرَّابعِ المُرْتَقَب في بَرنامجِ "بيرلي غيتس ريفايفال أور" (Pearly Gates Revival Hour) الَّذي يُبَثُّ على مُستوى الأُمَّة، أوْ خَبَرِ انضمامِها إلى فَريقِ تَرنيم "ذي أتوميك إيج غوسبيل" (The Atomic Age Gospel Team). فنحنُ لا نُفَضِّلُ أحدًا على أَحَدٍ أيضًا. فنحنُ على استعدادٍ لاستخدامِ لاعِبي الكُرةِ المَشهورين، وقادَةِ فِرَقِ الرَّقصِ، وَتُجَّارِ الخُمورِ، وكِبارِ المُجْرِمين. فأيُّ شَخصٍ مِن هؤلاءِ يَصْلُحُ لهذهِ المهمَّة لأنَّ الاسمَ كَبيرٌ جِدًّا وَيَلْفِتُ الأنظارَ. ولا شَكَّ أنَّ هَذا كَفيلٌ بأنْ يَجْعَلَ الاهتداءَ يبدو حقيقيًّا".

"وأرجو ألَّا تُسيئوا فَهْمي. ففي كُلِّ مَرَّة يَدْعو فيها أحدُ المَشاهيرِ مِنْ عَالمِ التِّجارةِ أوِ السِّياسيةِ أوِ الجَريمةِ مِنْ قَلْبِهِ باسمِ الرَّبِّ ويَقْبَلُ الخَلاصَ، فإنَّنا نَشعرُ أنَّنا نُرَنِّمُ بِصَوْتٍ يَعْلو على صَوتِ الملائكة. ولكِنَّ المُشكلة هي أنَّنا اعْتَدْنا على إقْحامِ هؤلاءِ المشاهيرِ المُهْتَدينَ إلى أعلى صُفوفِ المسيحيَّة التَّبشيريَّة قبلَ وَقْتٍ طَويلٍ جِدًّا مِنْ إثباتِ أنَّهُم مُؤهَّلونَ رُوحيًّا للقيامِ بذلك. فَلماذا تَمَّ اختيارُ "غلوريا" (Gloria) للظُّهورِ في برنامج "بيرلي غيتس أور"؟ هل لأنَّهم أرادوا الرِّسالة المَمسوحة بالرُّوح الَّتي يُمْكِنُها أنْ تُقَدِّمَها؟ أَمْ لأنَّهم أرادوا استغلالَ نُجوميَّة "غلوريا غولديلوكس" السَّابقة؟ فهل هُمْ يُريدونَ تَفسيرَ الكتابِ المقدَّس أَمْ يُريدونَ استغلالَ المَشاهير؟"

"ولا يَسَعُنا أنْ نَقولَ الكثيرَ دِفاعًا عن أولئكَ الَّذينَ يَستغلُّونَ هؤلاءِ المُهْـتَدينَ المَشهورينَ مِنْ أجلِ خِدْمَةِ أهدافِنا الأنانيَّة بصورة رئيسيَّة. ولكِنْ ماذا عنِ الأشخاصِ الَّذينَ يَتِمُّ استغلالُهم؟ وماذا ستكونُ نتيجةُ كُلِّ ما يَجري في حياتِهم بسببِ سُعَارِ الرَّكْضِ مِنْ سِباقٍ إنجيليٍّ إلى الآخر وَعَدَمِ تَوَفُّرِ الوقتِ الكافي للسَّماحِ لاهتدائهم أنْ يَتَأصَّلَ ويَنْضُجَ ليصيرَ شَهادَةً مُتَدَفِّقَةً تُغْني الآخرين؟ ونتيجة لذلك، مِنَ المُرَجَّحِ أنَّ هؤلاءِ المُهْتَدينَ سيَبذلونَ قُصارى جُهْدِهم، وسيَنْتَقونَ بعضَ أَشْهَرِ العباراتِ التَّقيَّة، وأنَّهم سَيَضَعونَ العِبارة تِلْوَ العِبارة وَيَصيغونَ مِنْها شَهادةً سَلِسَةً عَذْبَة، وأنَّهم سيَمْزِجونَها بقصَّة عنِ اهتدائهم فيصيرُ العَرْضُ جاهِزًا. وَهُمْ يَستمرُّونَ في تَكرارِ تلكَ الجُمَلِ إلى أنْ يَزولَ كُلُّ ذلكَ البَريقُ المُصاحِبُ للاهتداء. وبسببِ عَدَمِ وُجودِ شيءٍ جديدٍ يَحِلُّ مَحَلَّ ذلك، فإنَّهم يَصيرونَ مُمَثِّلينَ يَفتقرونَ إلى التَّأثيرِ الحَقيقيِّ لأنَّهم مُجَرَّدُ أشخاصٍ اعْتادوا على قَوْلِ كلماتٍ مُناسبةٍ جميلةٍ؛ ولكِنَّها تَخْلو مِنْ أيِّ تأثيرٍ حقيقيٍّ على الضَّمائرِ الَّتي لا تَقتَنِعُ بذلك" [نهايةُ الاقتباس].

مِنَ المُحزِنِ أنَّنا ابتدأنا في رَفْعِ شَأنِ الفئة الخاطئة مِنَ الأشخاص. وهل تَعلمونَ أنَّكم إنْ قُلتُم: "في هذا المساء، سنُقَدِّمُ دَرْسًا مِنَ الكتابِ المقدَّسِ يُقَدِّمُهُ راعي الكنيسة"، فإنَّ شيئًا لَنْ يَحدُث. أمَّا إذا قُلتُم: "في هذا المساء، سيكونُ مَعَنا النَّجْم فُلان" فإنَّ القاعةَ سَتَكْتَظُّ بالحاضِرين. أَتَرَوْن؟ فَكُلُّ المعاييرِ صارت مَغلوطة. وَكُلُّ الأولويَّاتِ اخْتَلَطَتْ. ولِعِلْمِكُم، فقد بَلَغْنا اليومَ مَرحلةً في المسيحيَّة نَقيسُ فيها صِحَّةَ إيمانِنا على أساسِ الشَّخصيَّاتِ الَّتي تُؤمِنُ بذلك، لا على أساسِ الدِّفاعيَّاتِ الكِتابيَّة. هل تَعلمونَ ذلك؟

فنحنُ نُدافِعُ عَلَنًا عنِ المسيحيَّة على أساسِ شَهادةِ أشخاصٍ يُؤمِنُونَ بها. فَهُمْ يُؤلِّفونَ كُتُبًا، وَيُقَدِّمونَ شَهادَتَهُم، ويَحْكونَ اختباراتِهم، ويَظهرونَ على شاشاتِ التِّلفزيون. متى كانت آخرَ مَرَّة شاهَدتَ فيها إعلانًا خاصًّا يقول: "والآن، نَبْقى معَ المُحترم فُلان الَّذي يَرعى الكنيسة الفُلانيَّة والذي سَيُبَرْهِنُ لكم على أنَّ المسيحيَّة صحيحة مِنْ كلمةِ الله". هل سَمِعْتُمْ يومًا شيئًا كهذا؟ لا! بل إنَّكم تَسمعون: "والآن، نَبقى مَعَ فُلان" ثُمَّ تَبتدئُ العُروضُ والشَّهادات. أَتَرَوْن؟

وأنا لا أُعارِضُ شَهاداتِهم. وأنا لا أَعترِض على حقيقةِ اهتدائِهم. بل إنَّني أُسَبِّحُ الله. ولكِنَّ النُّقطة هي أنَّ المسيحيَّة صحيحة لا لأنَّهم يُؤمِنونَ بها، بل إنَّ المسيحيَّة صحيحة لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ ذلك. ويجب على شخصٍ ما أنْ يُعَلِّمَ ذلك. فلا يُمْكِنُنا أن نَستمرَّ في تأكيدِ الحقِّ على أساسِ الشَّخصيَّات.

وهل لاحظتُم أنَّ مروجي الهَرطقاتِ ابتدأوا يَفعلونَ الشيءَ نفسَه؟ وقد صار لديهم الآن مَشاهيرُهم الَّذينَ يُدافعونَ عن وُجهاتِ نَظَرِهم مِن خلالِ الإعلانات. فَهَكَذا يَتِمُّ بَيْع القهوة. وهكذا يَتِمُّ بيع عصيرِ البُرتقال. وهكذا يَتِمُّ بيع السَّيَّارات. وهكذا يَتِمُّ بيع كُلِّ شيءٍ. وقد صِرْنا نُرَوِّجُ هكذا للمسيحيَّة. فالمشاهيرُ يُرَوِّجونَ لها.

ومِنْ شأنِ هذا أنْ يُرَوِّجَ لمسيحيَّة قائمة على الاختبارات: "لقدِ اختبرتُ ذلكَ الإيمان. وهو مُشْبِعٌ. وهو عظيمٌ. لِمَ لا تَختبرهُ أنتَ أيضًا؟" وهكذا فإنَّهم يُرَوِّجونَ لإيمانٍ قائمٍ على الاختباراتِ عِوَضًا عن أن يقولوا: "إنَّ الإيمانَ المسيحيَّ صحيحٌ. لِذا، يَجْدُرُ بِكَ أنْ تَقْبَلَهُ".

"فَدَخَلَ بُولُسُ إِلَيْهِمْ حَسَبَ عَادَتِهِ، وَكَانَ يُحَاجُّهُمْ ثَلاَثَةَ سُبُوتٍ مِنَ الْكُتُبِ، مُوَضِّحًا وَمُبَيِّنًا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ". وعندما مَشى يسوعُ (في إنجيل لوقا والأصحاح 24) في الطَّريقِ المُؤدِّي إلى عِمواس، لم يَقُل للتِّلْميذَيْن: "أريدُ مِنكُما، أيُّها الرَّفيقان، أنْ تُؤمِنوا بهذا كُلِّه. لِذا، سوفَ أُعطيكم بعضَ الشَّهاداتِ الرَّائعة لبعضِ الأشخاصِ المشهورينَ الَّذينَ آمَنوا بذلك". بل إنَّهُ "ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُب". وكَمْ هُوَ مُؤسِفٌ أنْ نَسْمَحَ للخبراتِ أنْ تكونَ هِيَ الدِّفاع.

وقد قُلتُ لأحدِ النَّاشِرين، وَهُوَ نائبُ رَئيسِ إحدى مُؤسَّساتِ النَّشرِ في أمريكا، مؤخَّراً. قُلْتُ لَهُ: "متى ستتوقَّفونَ عنِ الدِّفاعِ عنِ المسيحيَّةِ على أساسِ شَهاداتِ المشاهيرِ، وتبتدئونَ في نَشْرِ كُتُبٍ تُدافِعُ عنها على أساسِ سُلْطانِ الكِتابِ المُقدَّس؟" وكما تَرَوْنَ، إذا استمرَّيتُم في استخدامِ هذهِ الأساليبِ الخمسينيَّة الاختباريَّة الرُّوحيَّة، سَيَنْتَهي المَطافُ بِكُم بأنْ تَرَوْا هَؤلاءِ الأشخاصِ يَقِفونَ ويَتظاهرونَ بأنَّهم القادة الروحيِّونَ للكنيسة. فَهُمُ القادة الدَّائمون. وَهُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَجْمَعونَ الحُشودَ. والحقيقة هي أنَّهم في حالاتٍ كثيرة لا يَكونونَ رُوحِيِّينَ حَقًّا.

لِذا، يجب علينا أنْ نَسْتَنِدَ إلى الكلمة، وأنْ نُدافِعَ عن إيمانِنا بالكلمة. ويجب علينا أنْ نَسمَعَ مِنَ المُعَلِّمينَ الموهوبين، واللَّاهوتيِّينَ الموهوبين، والأشخاصِ الأتقياء. فَهُمُ الأشخاصُ الَّذينَ ينبغي أنْ يَتَكَلَّموا. اسمعوني: إنَّ الكنيسةَ في العهدِ الجديد لَمْ تَكُنْ تَضُمُّ أيَّ نُجومٍ، ولم تَكُنْ تَضُمُّ أيَّ مَشاهير، ولم تَكُنْ تَتَّكِل على وسائلِ الإعلام، ولم تَكُنْ تَتَّكِل على الخِدَعِ الَّتي تُمارَسُ في "جَادَة ماديسون"، ولا إذاعة، ولا تلفزيون. وبالرَّغمِ مِن ذلك، فقد تَرَكَتْ تأثيرًا في عَالَمِها فَقَطْ على أساسِ شَعْبِ اللهِ التَّقِيِّ الَّذي يَعيشُ في مُجتمعٍ فاسِد. وهل تَعلمونَ ماذا قالَ بولُس في رِسالَتِهِ إلى أهلِ كورِنثوس؟ لقد قال: "لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ". فقد كانوا مُجَرَّدَ أشخاصٍ عاديِّين. ولكِنَّ المسيحيَّةَ بأسرِها قد نَزَلَتْ إلى السُّوقِ، وقد اعتمدنا أساليبَ العالم وصِرنا نَبيع المسيحيَّة كَما تُباعُ السَّجائرُ، وكما تُباعُ القَهوة، وكما تُباعُ الفاصولياء، وكما يُباعُ أيُّ شيءٍ آخر.

فقد صِرْنا مِثْلَ الباعَةِ المُتَجَوِّلين (كما يَقولُ بولُس في رسالة كورِنثوس الأولى). وقد كَتَبَ "لاري كينغ" (Larry King) مَقالةً في مَجَلَّةِ "نيو تايمز" (New Times) في عَدَدِها الصَّادِر بتاريخ 3 أيلول/سبتمبر سنة 1976. وهو شَخصٌ ساخِرٌ وغير مُؤمِن. وأودُّ أنْ تَسمعوا تَقييمَهُ للمسيحيَّة في وقتِنا الحاضِر: "أنا لستُ مِنَ المُتَحَمِّسينَ الحقيقيِّينَ لحركة يسوع؛ وهذه صِفَة مِنَ الواضِحِ أنَّها تَضَعُني خَارِجَ التَّيَّارِ الثَّقافيِّ السَّائدِ في هذهِ الأيَّام. فَالكِرازةُ بيسوعَ لم تَعُدْ مَقصورة على المناطقِ الرِّيفيَّة. فلا يُمكنكَ أنْ تَسيرَ في "واشنطن سكوير بارك" (Washington Square Park) في حَيِّ "غرينويتش فيليدج" (Greenwich Village) مِنْ دونِ أنْ تَسمعَ المُبَشِّرينَ المُرتَعِشينَ أصحابَ العُيونِ الجاحِظَةِ يُلْقونَ عليكَ الكثيرَ مِنَ المَواعِظِ عن يَسوعَ الحُلْو. والأغلبيَّةُ منهم ليست لديهم أَدنى فِكرة عَمَّا يَتحدَّثونَ عنه".

"إنَّني تِلميذٌ قديمٌ للكتابِ المُقدَّس إذْ نَشَأتُ في وَسْطِ مَعمدانِيِّينَ يَغسلُ كُلٌّ مِنْهُمْ قَدَمَيِ الآخر. ولكنِّي مُرْتَعِبٌ وَحَسْب مِنْ حقيقةِ أنَّ عَدَدًا ضئيلاً جِدًّا مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ حاولوا تَبْشيري يَعْرِفونَ حَقًّا الكتابَ المقدَّس. كَذَلكَ فإنَّهم لا يَعْرِفونَ شيئًا عن تاريخِ الأديانِ، لا الدِّينِ المسيحيِّ ولا أيِّ دِيْنٍ آخر. فإنْ سَألتَهُم عنِ الحُروبِ المُقَدَّسةِ، أوْ طَلَبْتَ مِنْهُم مَعلوماتٍ تُوَضِّحُ كيفَ أنَّ تَرجمةَ المَلِك جيمس للكِتابِ المُقدَّس تَفَوَّقَتْ على التَّرجماتِ الأخرى، فإنَّ كُلَّ ما ستحصل عليه هو نَظرة جَوفاء وَكلام سَطحيّ عن أنَّ يَسوعَ يُحِبُّك. لا! إنَّ شَكْوايَ ليست ضِدَّ يسوع، بل ضِدَّ أولئكَ الَّذينَ يُسيئونَ إليهِ مِنْ خِلالِ الحَديثِ عنه".

"لقد اكْتَفَيْتُ مِنْ سَماعِ مُدَرِّبي كُرةِ القدمِ في المدارسِ الثَّانويَّةِ الَّذينَ يُصَلُّونَ باسْمِهِ مِنْ أجلِ الفَوز، وَمِنْ نَوادي "ليونز" (Lions clubs) الَّذينَ يَستخدِمونَ اسمَهُ لمُبارَكَةِ مَبيعاتِهم السَّنويَّة، وَمِنْ "جون بيرشر" (John Bircher) الَّذي يَستخدِمُ اسمَهُ لإبقاءِ العُيونِ مَفتوحة على الكُورِيِّينَ الشَّمالِيِّين، وَمِنْ المُديرينَ المُرْتَشينَ الَّذينَ يَزْعُمونَ أنَّهُمْ تابوا واهتدوا عندما تُلوحُ أبوابُ السِّجْنِ أمامَ أعيُنِهِم. واقتراحي المُتواضِع هو أنَّهُ رُبَّما ينبغي ليسوعَ العامِل والأبِ المُشْرِف أنْ يَنْشَغِلا بالبحثِ عنِ المَظالِمِ الكبيرة عِوَضًا عنِ الانشغالِ بالصَّلواتِ الأنانيَّة. وأنا لا أَدَّعي أنَّني أَعرِفُ ما إذا كانَ يسوعُ يَتَمَنَّى أنْ تكونَ الحالُ هكذا، ولكنِّي أعتقد شخصيًّا أنَّ يَسوعَ أَرْقى مِنْ كثيرينَ مِنْ أتباعِه".

عندما قَرأتُ تلكَ المقالة، شَعَرْتُ بِحُزْنٍ شديد. فقد آلَمَني ذلكَ حقًّا. فما نَوْعُ المسيحيَّة الَّتي يَراها هذا الشخص؟ وأين هي القداسة في ذلك؟ وأين هو البِرّ هُنا؟ وأينَ هُمُ الأشخاصُ الأتقياء في هذا الموقف؟ فَكُلُّ ما يَراهُ هو المَسيحيَّة الَّتي تُعْرَضُ في جَادَة ماديسون (Madison Avenue). وكُلُّ ما يَراهُ هو وَسائِلُ التَّحايُل. وكُلُّ ما يَراهُ هو الجُزءُ الرَّخيصُ مِنْ هذا الأمر. ولكنَّهُ لا يَرى النُّقطة الجوهريَّة. أينَ وَصَلْنا؟

وكما تَرَوْنَ، فقد خَلَطْنا الحَابِلَ بالنَّابِلِ وَوَضَعْنا الأشياءَ في غَيْرِ مَكانِها. ونحنُ نَقول: "إنَّ هذا الأسلوبَ نَاجِح". وأنا أَسمعُ ذلك. فإليكم ما يَقولُهُ النَّاسُ لي عندما أتكلَّم. فأنا أتكلَّمُ هكذا إلى النَّاسِ الآخرين أحيانًا. وَهُمْ يقولون: "ولكِنَّ هذا الأسلوبَ ناجِح. انظر إلى النَّتائج. انظر إلى النتائج. فالناسُ يأتون، والجُموعُ تأتي. ونحنُ نَكْرِزُ والنَّاسُ يَخلُصون. فليسَ هُناكَ ضَرَر. انظر إلى النتائج".

وهل تَعلَمونَ شيئًا؟ إنَّ النتائجَ لا تَعني شيئًا لي بهذا المعنى. وما الَّذي أَعنيه بذلك؟ استَمِعوا إلى هذه الكلمات. سِفْر العدد 20: 11. ولا حاجةَ إلى أنْ تَفتحوا على هذهِ الآية لأنَّني أريدُ أنْ أُكَلِّمَكُم الآن. فَنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ العدد 20: 11 أنَّ اللهَ قالَ لِمُوسى أنْ يَفعلَ ماذا؟ أنْ يُكَلِّمَ الصَّخرة. أَتذكرونَ ذلك؟ ولكِنْ عِوَضًا عن أنْ يُكَلِّمَ الصخرة، ماذا حَدَث؟ لقد رَفَعَ مُوسى العَصا وضَرَبَ الصَّخرة. وقد تقول: "مُوسى! أنْتَ عَاصٍ!". أليسَ كذلك؟ بِكُلِّ تأكيد. وهل تَعلمونَ ما الَّذي حدثَ عندما ضَرَبَ تلكَ الصَّخرة؟ لقد حَصَلَ على نَتائج. فقد خَرَجَ الماءُ مِنها.

ولكِنْ هلِ النَّتائجُ تَجْعَلُ ما فَعَلَهُ صحيحًا؟ لا يُمْكِنُكَ أنْ تُقْنِعَ اللهَ بذلك لأنَّ اللهَ لم يَسْمَحْ لَهُ بِدخولِ أرضِ الموعد. فقد خَسِرَ ذلكَ الامتياز لأنَّهُ عَصى الله. صحيحٌ أنَّهُ حَصَلَ على نَتائِجَ في عِصْيانِه. ولكِنَّ هذا ليسَ المِعيار. البَتَّة! فما يُريدُهُ اللهُ هو نَتائج نابِعَة مِنَ الطَّاعة. فقد تأتي النتائجُ مِنَ العِصيان؛ ولكِنَّ هذا لا يُغَيِّرُ حقيقةَ أنَّ العِصيانَ يَبقى عِصيانًا. لِذا فإنَّنا نقول: "ولكنَّ هذا الأسلوبَ يُعْطي نتائج". إنَّ هذا لا يُثْبِتُ أيَّ شيء. فما الَّذي كانَ سيَحدُثُ لو أنَّنا فَعلنا ذلكَ بالطريقةِ الَّتي يُريدُها الله؟ ولكِنَّنا لسنا موجودينَ هُنا لاكتشافِ ما قد يَحْدُث إنْ فَعَلْنا ذلكَ بطريقته.

إذًا، مَنْ هُمُ القادة الحقيقيُّونَ للمسيحيَّة؟ وَمَنِ الذي يَمْلِكُ الحَقَّ في قِيادَةِ الكنيسة؟ فإنْ جَعَلنا الخِبراتِ هي مِعيار الرُّوحانيَّة، يُمْكِنُ لأيِّ شخصٍ لديهِ أيُّ اخْتبارٍ أنْ يَقِفَ في بُؤرةِ الضَّوءِ، ولا سِيَّما إنْ كانَ مَشهورًا. وحينئذٍ فإنَّنا سنُقَدِّمُ مَسيحيَّةً مُشابهةً لتلك الموجودة في جَادَة ماديسون. وكُلَّما زَادَ جُنونُ اختبارِك، زادَتْ سُرعةُ وُصولِ دُوْرِ النَّشْرِ إلى بابِ بيتِكَ لكي يَنْشُروا ذلكَ في كِتابٍ؛ في حين أنَّ الأشخاصَ الأُمناء والأتقياءَ يَجلسونَ في الكواليسِ ويَكْتَفونَ بِما لَديهم في الوقتِ الَّذي يَتَمَتَّعُ فيهِ هؤلاءِ بالغِنى بسببِ اختباراتِهم. ورُبَّما أبدو قاسِيًا قليلاً. ولكنِّي لا أقْصِدُ أنْ أكونَ كذلك. ولكنَّ غَايَتي هي أنْ أُكَلِّمَ رُوحَ الدَّهْر. فَمَنْ هُمُ القادة؟ هل هُمُ المُؤمِنونَ الجُدُد، أوِ النُّجومُ السَّابقون، أوِ المشاهير، أوِ الشَّخصيَّات؛ أَمْ هُمُ الأشخاصُ الرُّوحيُّونَ الأتقياء بِحَقّ؟

والآن، أريدُ أنْ أقولَ لكم شيئًا. وهذا أهَمُّ شيءٍ قُلْتُهُ. فيمكنكم أنْ تَنْسَوْا كُلَّ شيءٍ قُلْتُهُ، ولكِنْ تَذَكَّروا هذا الأمر. افتحوا على رسالة كورنثوس الثانية والأصحاح 10. فسوفَ أقولُ لكم شيئًا أنتظرُ مُنذُ وقتٍ طويلٍ أنْ أقولَهُ. وأريدُ منكم أنْ تَسمعوه. فالأصحاحات 10 و 11 و 12 و 13 مِنْ رسالة كورنثوس الثانية (أيِ الأصحاحات الأربعة الأخيرة مِن رسالة كورنثوس الثانية) هي أَوْضَحُ إشارة في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ إلى الفكرة القائلة بأنَّكَ تستطيعُ أنْ تكونَ شخصًا روحيًّا مِنْ خلالِ اختبارٍ ما أوْ بأنَّكَ مُؤهَّلٌ لأن تكونَ قائدًا روحيًّا لأنَّ لديكَ اختبارا ما. فهذهِ الأصحاحاتُ تَتحدَّثُ حقًّا عن هذا الموضوع. واسمحوا لي أنْ أُعطيكُم نَظرة سريعة. فهذا مَقطعٌ رائعٌ. والآن، اسمعوني:

المكان هو مدينة كورِنثوس. وكانَ بولسُ، بلا شَكٍّ، هو الَّذي أَسَّسَ الكنيسةَ وكتبَ إليهم عِدَّةَ رسائل، وخَدَمَ في حياتهم. ولكِنْ في تلكَ الأثناء، جاءَ رُسُلٌ مِنَ المشاهيرِ أوِ النُّجومِ إلى المدينة. وفي الأصحاح 11 والعدد 5، يَدعوهم بولسُ "الرُّسُلُ المُتَفَوِّقون". الرُّسُل المُتَفَوِّقون. فقد جاءوا إلى المدينة وقالوا: "مَرحبًا يا رِفاق. نحنُ السُّلالة الجديدة". أَتَرَوْن؟ "إنَّ اللهَ يَعملُ عملاً جديدًا. وهناكَ نَهضة جديدة. ويجب أنْ تَنتهي الأشياءُ القديمة. فهذا هو العصرُ الجديد". أتَرَوْن؟ فقد جاءوا ببِدعة جديدة. ويمكننا أنْ نقولَ إنَّ ما نَقرأُ عنهُ في رسالة كورنثوس الثانية والأصحاح 10 يُشبِهُ الحَركة الكارزماتيَّة.

فقد جاءَ هؤلاءِ الأشخاص إلى المدينة، وكانوا الرُّسُلَ المُتَفَوِّقينَ الجُدُد. وقدْ راحوا يَمْدَحونَ أنفسَهُم ويَدَّعونَ أنَّهُم مُتَفَوِّقون. ففي الأصحاح 10 والعدد 12، يَقولُ بولس إنَّهم كانوا: "يَمْدَحونَ أنفُسَهم". وفي الأصحاح 10 والعدد 18، يُشيرُ بولس إلى أنَّهم كانوا يَمْدَحونَ أنفُسَهم. فقد جاءوا وراحوا يُرَبِّتونَ على ظُهورِ أنفُسِهم ويقولون: "نحنُ الأنبياءُ الجُدُد. نحنُ الرُّسُلُ الجُدُد. نحنُ الأدواتُ الجُدُد والآنيةُ الجديدة في يَدِ اللهِ. وها نحنُ قد جِئنا إلى المدينة". وقد كانت لديهم اختباراتٌ، ورُؤى، ونَشْوات، وكارِزما، وَجاذبيَّة، وكُلُّ هذهِ الأشياء. لِذا فقد جاءوا وَبَهَروا كنيسةَ كورنثوس، وَأَدهشوهُم حَتَّى إنَّ النَّاسَ كانوا يَقولون: "هذا هو ما كُنَّا نَنتَظِرُهُ يا رِفاق. ها هُمُ الرُّسُلُ المُتَفَوِّقون".

وقد كانَ هؤلاءِ يُشَكِّكونَ في رُوحانيَّةِ بولُس. وَالشَّيءُ البَديهيُّ هو أنَّهم إنْ كانوا سَيَفرِضونَ وُجودَهُم، لا بُدَّ أنْ يُشَكِّكوا النَّاسَ في القائدِ الحقيقيِّ؛ أيْ بولُس. لِذا فقد أرادَ أهلُ كورنثوس أنْ يَعرفوا لِماذا ما يَزالُ بولسُ يَظُنُّ أنَّهُ قائدُهم، ولماذا ما يَزالُ بولسُ يظنُّ أنَّه يجب عليهم أنْ يُصغوا إليه. انظروا إلى الأصحاح 13 والعدد 3. فهنا نَجِدُ المِفتاحَ للمقطعِ كُلِّه. فهو يقولُ في الأصحاح 13 والعدد 3: "إِذْ أَنْتُمْ تَطْلُبُونَ بُرْهَانَ الْمَسِيحِ الْمُتَكَلِّمِ فِيَّ...". واسمحوا لي أنْ أتوقَّفَ هُنا. فهو يقولُ، بعبارةٍ أخرى: "أنتُم تحاولونَ أن تَحصلوا مِنِّي على بُرهانٍ على أنَّني أَمْلِكُ الحَقَّ في التَّكَلُّمِ إليكم، وأنَّني ما زِلتُ صوتَ اللهِ، وأنَّني ما زِلتُ رَسولَ اللهِ، وأنَّني ما زِلتُ الرَّسول. فأنتم تريدونَ مِنِّي أنْ أُثْبِتَ ذلكَ لكم".

وكما تَرَوْن، فقد كانوا يقولون: "لقد جاءَنا أشخاصٌ جُدُد. والحقيقة، يا بولس، هي أنَّ لديهم بعضَ الرُّؤى. وهي رائعة! وَهُمْ لديهم بعضُ الاختباراتِ النَّشْويَّة. وَلديهم بعضُ الإعلانات. ولديهم بعضُ الجاذبيَّة والكارِزما. وَهُمْ يَتَكَلَّمونَ بِمَعْسولِ الكَلام. وَهُمْ رُسُلٌ جُدُدٌ ولديهم مُؤهِّلاتٌ تُلائِمُ هذا العصر. ونحنُ، يا بولس، نتساءلُ عَمَّا إذا كُنْتَ قد صِرْتَ عَتيقَ الطِّراز".

لِذا فإنَّهُ يَقول: "إذًا، أنتم تطلبونَ بُرهانًا على أنَّ المسيحَ ما يَزالُ يَتكلَّمُ مِن خلالي؟ وأنتم تريدونَ أنْ تُقارِنوا بيني وبينَهُم؟ وما هو مِعيارُهم؟ انظروا إلى الأصحاح 12 والعدد الأوَّل: "إِنَّهُ لاَ يُوافِقُنِي أَنْ أَفْتَخِرَ. فَإِنِّي آتِي إِلَى مَنَاظِرِ الرَّبِّ وَإِعْلاَنَاتِه". فهو يقول: "انظروا! أنا أَعلمُ ما الَّذي تُريدونَهُ. فمِعيارُكم هو الرُّؤى والإعلانات. حسنًا. سوفَ أتحدَّثُ عن ذلك. فهذا هو مِعيارُكم: أشخاصٌ رُوحيُّونَ خارِقونَ يأتونَ برؤى وإعلانات. سوفَ أتحدَّثُ عن ذلك".

فقد جاءَ هؤلاءِ إلى المدينة وراحوا يتحدَّثونَ عنِ الإعلاناتِ الَّتي حَصَلوا عليها؛ ولكِنْ هل تَعلمونَ ما قالَهُ بولسُ عنهم في الأصحاح 11 والعدد 13؟ لقد قال: "لأَنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ..." ماذا؟ أنَّهم ليسوا رُسُلاً مُتَفَوِّقينَ، بل هُمْ ماذا؟ "رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ مَاكِرُونَ، مُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شِبْهِ رُسُلِ الْمَسِيح". فَهُمْ ليسوا رُسُلاً حقيقيِّين. "وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ! فَلَيْسَ عَظِيمًا إِنْ كَانَ خُدَّامُهُ أَيْضًا يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ كَخُدَّامٍ لِلْبِرِّ".

إنَّهُم ليسوا رُسُلاً حقيقيِّين، بل هُم خُدَّامُ الشَّيطان. إذًا، فقد كانوا يَمْتَدحونَ أنفُسَهم، وكانوا يُقَدِّمونَ أنفُسَهم على أنَّهُم رُسُل. وأيضًا في الأصحاح 11 والعدد 5، يَقولُ بولسُ ما يَلي. فهو يَقولُ (في الأصحاح 11 والعدد 5): "لأَنِّي أَحْسِبُ أَنِّي لَمْ أَنْقُصْ شَيْئًا عَنْ فَائِقِي الرُّسُل". وَهُوَ هُنا لا يَتحدَّثُ عن يعقوب وبُطرس ويوحنَّا، بل يَتحدَّث عن أولئكَ الرُّسُلِ الفائقين الَّذينَ كانت لديهم تلكَ الرُّؤى والإعلانات والخِبرات الصُّوفيَّة. وَهُوَ يقول: "انظروا! أنا لستُ أَقَلّ مِن ذلك. فأنا لستُ أَقَلّ شأنًا مِن هؤلاء، بل إنَّهُم رُسُلٌ كَذَبَة".

وكيفَ تَعلمونَ ذلك؟ نَقرأُ في العدد 4: "فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ الآتِي يَكْرِزُ بِيَسُوعَ آخَرَ، تَكونُ فيهِ عِلَّة. ويكونُ تَعليمُهُ خاطئًا". والآن، هل تَعلمونَ ماذا كانوا يَقولون؟ لقد كانوا يَقولون: "اسمعوا! إنَّ بولسَ لا يستطيع أنْ يُقارِنَ نَفسَهُ بنا". والآن، انظروا إلى الأصحاح 10 والعدد 10. فقد قالوا إنَّ رَسَائِلَهُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّة. إنَّهُ كاتِبٌ عظيم. أجل! فهو يَكتُبُ رسائلَ قويَّة. وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ، وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ". إنَّ هذا الرَّجُلَ بَسيطٌ، وَهُوَ مُتَحَدِّثٌ ضَعيفٌ. صحيحٌ أنَّ رسائِلَهُ قويَّة، ولكِنَّ شخصيَّتَهُ ليست كذلك. فَمَظْهَرُهُ غَريبٌ وكلامُهُ غيرُ واضح. وَهُوَ لا يُوافِقُ الكارِزما الَّتي نَمْتَلِكُها ولا يَمْتَلِكُ الفَصاحَةَ الَّتي نَمْتَلِكُها ولا البلاغة وَالطَّلاوة".

ويا لبولُس العَجوز المِسكين! فقد كانَ مُضطرًّا للدِّفاعِ عن نفسِه أمامَ كُلِّ هؤلاءِ الرُّسُل الفائِقين. أَتَرَوْن؟ والحقيقةُ هي أنَّني أَرى شيئًا مُشابهًا يَحدُثُ في أيَّامِنا هذه. فهناكَ الكثيرُ مِنَ الأشخاصِ الأتقياءِ حَقًّا لا يَحْظَوْنَ بأيِّ احترام؛ في حين أنَّ الأشخاصَ المَرموقينَ هُمُ المشاهير والنُّجوم. وهذا أمرٌ يُثيرُ العَجَب!

لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "اسمعوا! أَوَدُّ أنْ أُقارِنَ نفسي بأصحابِ تلكَ الرُّؤى والإعلاناتِ، وبهؤلاءِ الأشخاصِ الوَسيمين والسَّاحِرين والجَذَّابين. أَوَدُّ أن أفعلَ ذلك. فهل تُريدونَ أنْ أُخبركم عَن نفسي؟ سوفَ أُخبرُكم عن مُؤهِّلاتي. إليكم هذه المؤهِّلات. هل أنتم مُستعدُّون؟ الأصحاح 11 والعدد 23: "أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيح؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ بالطَّبع]". وهذه سُخرية. إليكُم مؤهِّلاتي: "فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً. مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلاً وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ. بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ. فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ. عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ". هذهِ هي مُؤهِّلاتي. وإنْ أردتُم أنْ تَسمعوا اختبارًا مِن أقوى الاختباراتِ في حياتي، اسمحوا لي أنْ أُخبركم عنه. فهو يقولُ في العدد 32: "وَالِي الْحَارِثِ الْمَلِكِ كَانَ يَحْرُسُ مدِينَةَ الدِّمَشْقِيِّينَ، يُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَنِي، فَتَدَلَّيْتُ مِنْ طَاقَةٍ فِي زَنْبِيل مِنَ السُّورِ، وَنَجَوْتُ مِنْ يَدَيْه".

لِذا، سوفَ أَذكُرُ لكم واحدًا مِن مُؤهِّلاتي القويَّة الحقيقيَّة. فقد كنتُ شخصًا مِسكينًا عجوزًا يَتَدَلَّى في سَلٍّ صَغيرٍ مِنْ نافِذَةٍ للنَّجاةِ بحياتي. فيا لَهُ مِنْ حَدَثٍ جَلَلْ. أليسَ كذلك؟ وكما تَرَوْنَ، فقد كانَ هذا الأمرُ صَادِمًا لهم. فقد قالَ بولس: "لا بُدَّ أنَّكُمْ أَسَأتُمْ فَهْمَ الأمرِ بِرُمَّتِه. فقد أسأتُم فَهْمَ الأمرِ بِرُمَّتِه. فكبرياؤُهم السَّخيف هُوَ دَليلٌ كَافٍ على أنَّهم ليسوا رُسُل المسيح. فقد سَمِعْتُم الأعمالَ البُطوليَّة للرُّسُل المُتَفَوِّقين. واسمحوا لي أنْ أُخبرَكُم عَن نفسي. فقد أَنْزَلوني في سَلٍّ ذاتَ مَرًّةٍ حينَ حُكِمَ عليَّ بالسِّجْنِ واضْطُرِرْتُ إلى النَّجاةِ بحياتي". وما نَوْعُ هذه الشَّهادة الغَبِيَّة!

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الموضوعَ بالنِّسبة إلى بولس هو أنَّهُ لم يَكُنْ يَفتخِر بقوَّتِه، بل بماذا؟ ضُعْفِه. فيمكنكَ دائمًا أنْ تُمَيِّزَ الرَّسولَ الحقيقيَّ للمسيح لأنَّهُ يُجاهِرُ بِضُعْفِه. وعندما يأتي أشخاصٌ ويَفْتَخِرونَ بالرُّؤيا الَّتي رَأوها، وباختباراتِهم، وبالإعلاناتِ الَّتي تَلَقَّوْها، وبِكُلِّ تلكَ الأشياءِ، يُمْكِنُكَ أنْ تَحْذِفَها (مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ بُولس). لِذا، فإنَّنا نَقولُ: "لقد تَحَدَّثَ عن ذلك".

انظروا إلى العدد الأوَّل مِنَ الأصحاح 12. فقد فَعَلَ ذلك. وَكَمْ أُحِبُّ ذلك. وأريدُ مِنْكُم أنْ تَرَوْا ذلك. فهو يقول: "سوفَ أَتَطَرَّقُ الآنَ إلى موضوعِ الرُّؤى والإعلانات. فأنا أريدُ أنْ أُعَلِّقَ على ذلك". وَكَمْ أُحِبُّ ذلك. فهو يقول: "أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ". وهذا رَائعٌ جدًّا. فهل فَهِمْتُم الفِكرة هُنا؟ فهو يقول: "أجل! لِنَعُد إلى موضوعِ الرُّؤى الَّتي رأيتُها والإعلانات الَّتي حَصَلْتُ عليها. لِنَرى ذلك. فآخِرُ شَيءٍ اختبرتُهُ كانَ قبلَ أربعةَ عَشَرَ عامًا". قبلَ أربعةَ عشرَ عامًا، يا بولُس؟ أنتَ لستَ كارزماتيًّا بِكُلِّ مَعنى الكلمة. فيجب أنْ تَختبرَ الغيبوبة بالرُّوح كُلَّ أسبوعٍ، يا رَجُل! قبلَ أربعةَ عشرَ عامًا يا بولُس؟ "أجل. وأنا لا أَذكُرُ إنْ كُنْتُ في الجَسَدِ أَمْ خارِجَ الجسد. فأنا لا أَتذكَّرُ جَيِّدًا هذا الأمر. والحقيقة هي أنَّني لا أَعلمُ ما كانَ يَجري. فأنا أتذكَّرُ فقط ما حَدَث".

بولُس! لن يَقْبَلَ أيُّ رَئيسِ تَحريرٍ بذلك. فيجب أنْ تَكْتُبَ ما حَدَثَ بوضوح، يا بولس. فإنْ ذَهبتَ إلى السَّماء وَعُدْتَ مِنْها، لا بُدَّ أنَّكَ تَعْرِفُ كيفَ حَدَثَ ذلك. "أعتقد أنَّني اخْتُطِفْتُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَة. ولكنِّي لا أَعلمُ إنْ كانَ هذا حقيقيًّا أَمْ لا. فَرُبَّما كُنْتُ أَحْلُمُ. فقد حَدَثَ ذلكَ قبلَ وقتٍ طويلٍ جدًّا. فآخِرُ مَرَّة كانت قبلَ أربعَ عَشرةَ سنة. وَهُوَ يقول: "وبالمُناسبة، أَوَدُّ أنْ أتوقَّفَ عنِ الحديثِ عن هذا الموضوعِ بأيِّ حال. فهو ليسَ مُمتعًا البَتَّة". ثُمَّ في العدد 5: "لاَ أَفْتَخِرُ إِلاَّ [بماذا؟] بِضَعَفَاتِي". وكم أُحِبُّ ذلك! أليسَ هذا الأمرُ رائعًا؟ فهذهِ ليست النُّقطة الجوهريَّة. "لاَ أَفْتَخِرُ إِلاَّ بِضَعَفَاتِي".

اسمحوا لي أنْ أُخبركم عنِ المؤهلاَّتِ الحقيقيَّة للرَّسول: "وَلِئَلَّا أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ" أيْ لِئَلَّا أَفْتَخِرَ بتلكَ الأشياءِ، "أُعْطِيتُ [مِنَ الرَّبِّ] شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ. مِنْ جِهَةِ هذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي. فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيح. لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا [ماذا؟] قَوِيٌّ". أَتَرَوْن؟

وهل تَعلمونَ ما الَّذي يُريدُهُ الرَّبُّ اليوم؟ وهل تَعلمونَ مَنْ هُمُ النُّجْومُ الحقيقيُّون؟ وهل تَعلمونَ مَنْ هُمُ الأشخاصُ الرُّوحيُّونَ حَقًّا؟ الأشخاصُ الذينَ يُظْهِرونَ ذلكَ باتِّضاع. أَتَرَوْنَ ذلك؟ فهل تَعلمونَ أنَّ زَكَرِيَّا رأى رُؤيا ذاتَ اللَّيلة، أوْ مَجموعَةَ رُؤى، وأنَّهُ انْقَضَتْ سَنَتان قبلَ أنْ يُكَلِّمَهُ صَوْتُ اللهِ مَرَّةً أخرى؟

وهل تَعلمونَ أنَّ العديدَ مِنَ الأنبياء في العهدِ القديم سَمِعوا صوتَ اللهِ مَرَّةً واحدةً طَوالَ حياتِهم وَهِيَ عندما تَلَقُّوا نُبوءَتَهُم، وأنَّهم لم يَسمعوهُ ثانيةً؟ فهذا الأمرُ ليسَ المِعيارَ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ للحياة. فبولسُ يقول: "لقد كانت حياتي ضَعيفة ويائسة وبائسة ومُتواضعة. وقد كُنْتُ أعيشُ في بُؤسٍ مِنَ الوقتِ الَّذي جئتُ فيهِ إلى المسيح إلى الوقتِ الَّذي قُطِعَ فيهِ رأسي. فقد كنتُ أعيشُ في بُؤسٍ وشَقاءٍ واتِّضاعٍ ووداعةٍ. وفي وَسْطِ كُلِّ ذلك، كانَ اللهُ يَتَمَجَّد".

وهذه هي الرُّوحانيَّة الحقيقيَّة. ولكِنَّنا أَخْفَقْنا تمامًا في فَهْمِ ذلك. ففي إنجيل لوقا والأصحاح الخامس، يَتحدَّثُ رَبُّنا الحبيب إلى بُطرس. ونَقرأُ في العدد 8: "فَلَمَّا رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ذلِكَ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلاً: «اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ!»". ونقرأُ في العدد 11: "وَلَمَّا جَاءُوا بِالسَّفِينَتَيْنِ إِلَى الْبَرِّ تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ [وماذا؟] وَتَبِعُوهُ". فهل تَعرِفونَ نوعيَّةَ الأشخاصِ الَّذينَ يُريدُهُمُ اللهُ؟ إنَّهُ يُريدُ أُناسًا يقولون: "اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ". أَتَرَوْنَ ذلك؟

وقد قالَ الرَّبُّ: "اسمعوني! هذا هو نَوْعُ الشَّخصِ الَّذي يُمكنني أنْ أستخدِمَه". فقد جاءَ إلى إشعياء ودَعا إشعياء، فقالَ إشعياء: "وَيْحي! أنا رَجُلٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْن. وأنتَ لستَ بحاجةٍ إلى شخصٍ مِثلي". وهكذا هي الحالُ دائمًا في اختيارِ الرَّبِّ لِخُدَّامِه. فَهُمْ لا يَنظرونَ بافتخارٍ إلى مَكانَتِهم. وَهُمْ لا يَضَعونَ سِعْرًا لأنفسِهم. بل إنَّهم مُتواضِعونَ ويَرَوْنَ أنفسَهُم بلا حَوْلٍ ولا قُوَّة بوصفِهِم أشخاصًا خُطاةً وضُعَفاءَ ومُتَّضِعين.

وقد قالَ "والتر تشانتري" (Walter Chantry): "في غَمْرَةِ رَغبتِنا الكِتابيَّة في النَّهضة، يجب علينا أنْ نَرفُضَ السَّعيَ إلى أيِّ اختبارٍ يُوْحي بأنَّهُ سيُخَلِّصُنا مِنْ ضُعْفِنا الطبيعيّ. فاللهُ ليسَ بحاجة إلى مواهِبِك، ولا حِكمَتِك، ولا قداسَتِك، ولا قوَّتِك؛ بل يُريدُكَ في ضُعْفِكَ أنْ تَتَّكِلَ بالكامِلِ على قُوَّةِ رُوحِهِ في كُلِّ ما تَفعل. لِذا فإنَّكَ لست بحاجة إلى اختبارِ التَّغييرِ الرَّائعِ مِنْ خلالِ عَمَلٍ ثانٍ للنِّعمة لكي تكونَ أداةً نافعةً لِروحِ الله. بل إنَّ الربَّ يُسَرُّ في إظْهارِ قُوَّتِهِ ونِعمَتِهِ مِنْ خلالِ استخدامِ أدواتٍ ضعيفة". فالرُّوحانيَّةُ الحقيقيَّةُ هي: قَبولُ الكلمة، والعَيشُ بقداسة، وإظهارُ الاتِّضاع.

اسمعوني: في الكنيسة المسيحيَّة، يجب علينا أنْ نُوَضِّحَ هذا الأمر. فالنَّاسُ يقولون: "حيثُ إنَّ لديَّ اختباري الشخصيّ، أنا فَرِحٌ جدًّا. فَرِحٌ جدًّا. فقد حَصَلْتُ على مُبْتَغاي أيُّها الرُّوح". ولكنِ اسمحوا لي أنْ أُريكم شيئًا. وأودُّ أنْ أَخْتِمَ بهذهِ النُّقطة مِنْ إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامس لكي تَفْهَموا فَهْمًا صحيحًا ما قالَهُ يسوعُ نَفسُهُ. إنجيل مَتَّى والأصحاح 5: "وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ [في العَدد 1] صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفتحَ فاهُ وعَلَّمَهُمْ قَائِلاً". هل تَرَوْنَ الكلمة "طُوْبَى" هُنا؟ هذه هي التَّطويبات.

وهل تَعرفونَ كلمةً أخرى بِمَعْنى "طُوْبى"؟ يا لِسَعادَة. وهل تُريدونَ أنْ تَرَوْا مَنْ هُمُ الأشخاصُ السُّعداء؟ "طُوبَـى لِمَنْ؟ لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوح. وفي العدد 4: "طُوبَـى لِلْحَزَانَى". وفي العدد 5: "طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ". طُوبَـى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ. طُوبَـى لِلرُّحَمَاءِ. طُوبَـى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ. طُوبَـى لِصَانِعِي السَّلاَمِ. طُوبَـى [لِمَنْ؟] لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ. طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ".

إذًا، مَنْ هُمُ الأشخاصُ السُّعداءُ حَقًّا؟ سوفَ أُخبرُكم مَنْ هُمْ. إنَّهم الأشخاصُ المُتواضِعون. وَمَنْ هُمُ الأشخاصُ المُتواضِعون؟ إنَّهم الأشخاصُ المُقَدَّسون. وَمَنْ هُمُ الأشخاصُ المُقَدَّسون؟ إنَّهم الأشخاصُ الَّذينَ يَسمعونَ كلمةَ اللهِ ويُطيعونَها. والخُلاصة هي أنَّهم الأشخاصُ الرُّوحيُّون. ويمكننا أنْ نَقولَ، يا أحبَّائي، إنَّ هناكَ مِعيارًا للرُّوحانيَّة الحقيقيَّة. وأنا حَزينٌ جِدًّا في قلبي لأنَّهُ حينَ نَقبلُ مِعيارًا مُزَيَّفًا فإنَّنا نَصيرُ فُقَراء لأنَّنا نُضَيِّعُ المِعيارَ الصَّحيح. لِذا، يا أحبَّائي: لا تَبْحَثوا عنِ اخْتبارٍ ما. ولا تَبْحَثوا عن رُؤيا مَا. ولا تَبحثوا عن إعلانٍ ما أوْ شيئ مِنْ هذا القَبيل. بلْ جِدُّوا في طَلَبِ القداسة لأنَّ هذا يَكْفي. ومِنْ خلالِ هذهِ القداسة، كُونوا مُتَّضِعين. فحينئذٍ، سوفَ يَرْفَعُكُمُ اللهُ إلى مُستوىً يَفوقُ تَخَيُّلَكُم.

دَعونا نُصَلِّي: نَشكُرُكَ، يا أبانا، على شَرِكَتِنا في هذا الصَّباح، وعلى أنَّكَ كَلَّمْتَنا بوضوح وبصورة مُباشرة. ونحنُ نُصَلِّي، يا أبانا، أنْ نَنْسى كُلَّ ما هو مِنْ مَصْدَرٍ بَشَرِيّ، وأنْ نَتذكَّرَ فقط في قُلوبِنا ما هُوَ مِنْكَ أنتَ. ونحنُ نَسألُكَ أنْ تُبارِكَ الكلمة لِقُلوبِنا. باسْمِ يَسوع. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize