Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نأتي الآن إلى دَرْسِنا الرابعِ عنِ النُّموِّ الرُّوحيّ. وقد كُنَّا (وما زِلنا) نَصْرِفُ وقتًا رائعًا في دراسة المبادئ الرئيسيَّة للنُّموِّ في النِعْمة ومعرفةِ رَبِّنا ومُخَلِّصِنا يَسوعَ المسيح. وَهُوَ حَقٌّ جوهريٌّ جدًّا وجزءٌ مهمٌ جدًّا مِنَ الحياة المسيحيَّة. فحيثُ إنَّنا نحيا في المسيح، وإنَّ واحدةً مِنْ سِماتِ الحياةِ هي النُّموِّ، يجب علينا أنْ نَنْضُجَ ونَنمو لنكون مُشابهين يسوع المسيح. لذا فقد كُنَّا (وما زِلنا) نتأمَّل فيما يعنيه ذلك تحديدًا.

والفكرةُ الرئيسيَّة الَّتي نَدْرِسُها هي الآتية: أنَّ النُّمو في المسيح هُوَ أمرٌ يختص بإعطاءِ المَجْدِ لله. فإذْ نُركِّزُ على مَجْدِ اللهِ فإنَّنا ننتقل مِنْ مستوى مِنَ المَجْدِ إلى المستوى الذي يَليه، ونزدادُ شَبَهًا بيسوعَ المسيح. لذلك فإنَّ النُّموَّ الروحيَّ هُوَ عمليَّة تمجيد الله. فعندما أحيا حياتي لتمجيد الله، فإنَّني أَنقادُ بقوَّةِ اللهِ في عَمليَّةِ التَّشَكُّلِ أكثرَ فأكثر على صورةِ المسيح. لذا فإنَّ المُرادِفَ الحقيقيَّ للنُّموِّ الروحيِّ هُوَ العيشُ لأجلِ مَجْد الله.

وقد قُلتُ لكم في الدرس السابِق إنَّكم إنْ لم تَحْيَوْا لِمَجْد الله لنْ يكون هناك نُمُوٌّ. فإنْ لم تَحْيَوْا حقًّا لأجل مَجْد الله، بل كنتم تعيشون لأجل أنفسِكم، فإنَّ هذا يُعيق حالاً النُّضْجَ الروحيَّ. أمَّا عندما نَبْذُل حياتنا لأجل مَجْدِ اللهِ، ولأجلِ وَصَاياه، ولأجل إكرامِهِ، ولأجل تسبيحِهِ، فإنَّنا نسير قُدُمًا في درب النُّموِّ.

والآن، إنْ كان هذا صحيحًا، أي إنْ كان تمجيدُ اللهِ هُوَ الذي يجعلنا ننمو، مِنَ المهمِّ جدًّا أنْ نَعْرِفَ معنى أنْ نُمَجِّدَ الله. فهذه ليست مجرَّد فِكْرَة ضَبابيَّة، ولا فِكْرَة غامضة أوْ صوفيَّة، بل إنَّ تمجيد الله هُوَ حقٌّ راسخٌ وعمليٌّ. والحقيقة هي أنَّني شاركتُ معكم ثلاثة مفاتيح للنُّمو الروحيّ (أيْ ثلاثة جوانب رئيسيَّة) نُمَجِّدُ مِنْ خلالِها الله. فأوَّلاً، نحنُ نُمَجِّدُ اللهَ بأن نَعترف بيسوعَ رَبًّا (كما جاء في الأصحاح الثاني مِنْ رسالة فيلبِّي). ثانيًا، نحن نُمَجِّد الله مِنْ خلالِ توجيهِ حياتِنا نحو ذلك الهدف (كما جاء في رسالة كورنثوس الأُولى 10: 31). وفي درسنا السابق، رأينا أنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ بأنْ نَعترفَ بخطايانا (كما جاء في سِفر يشوع 7: 19 إذْ نقرأ: "أَعْطِ الآنَ مَجْدًا لِلرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ، وَاعْتَرِفْ لَهُ [بخطيئَتِك]".

والآنْ، لنتحدث عن المبدأ الرابع لتمجيدِ اللهِ وهو على النحو التالي: نحن نُمَجِّد الله بأنْ نَتَّكِلَ عليه. وقد يبدو هذا أمرًا أساسيًّا جدًّا. وهو كذلك. فمِنَ المهمِّ جدًّا أنْ نُدْرِك أنَّ تمجيدَ اللهِ هو أمرٌ بسيطٌ وليسَ مُعَقَّدًا. فقد رأى البعضُ مِنَّا تلكَ النَّوافِذَ الزُّجاجيَّةَ المُلَوَّنة والكاتدرائيَّاتِ الضَّخمةِ، والزَّخارِفِ والتَّصاميمِ الدِّينيَّةِ الَّتي يُفْترَضُ أنْ تُمَجِّدَ اللهَ؛ في حين أنَّ تمجيدَ اللهِ (في حقيقة الأمر) هو أمرٌ سَهْلٌ وبسيط. فالحقيقة هي أنَّه أمرٌ بسيطٌ جدًّا لأنَّهُ يَعني الاتِّكالَ عليه.

واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا يُبَيِّن ذلك. افتحوا كُتبَكم المقدَّسةَ على رسالة رومية 4: 20: فهذا المقطع العظيم مِنْ كلمة الله يتحدَّث عن حيًّاة "إبراهيم". ففي الأصحاح الرابع مِنْ رسالة روميَه، يتحدَّث بولُس الرسول عن إبراهيم، وعن علاقته بالإيمان. فقد كان إبراهيمُ قد خَلَصَ لا بالنَّاموسِ، بل بالإيمان - كما هي حالُ أيِّ إنسانٍ في أيِّ عَصْر. ونقرأ في العدد 19 عن إبراهيم: "وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتًا، إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ".

وهذا يُعطينا خلفيَّةً بسيطةً عنِ القصَّة. فإبراهيم وسَارة لم يُنْجِبا يومًا أطفالاً. وَهُما لم يُنْجِبا أطفالاً لأنَّ سارة كانت عاقِرًا. فهي لم تكُن قادرة على الإنجاب. لذلك فَهُمَا لم يُنْجِبا طفلاً يومًا. ثُمَّ إنَّ اللهَ كَلَّمَهُما قائلاً: "سوف تُرْزَقَا بِطِفْلٍ". وأنتم تعرفون القصة جيدًا وتَذكرونَ أنَّ إبراهيم لم يُصَدِّقِ اللهَ في البداية، ولكنَّه ابتدأَ (بعد حِيْن) يُصَدِّقُ كلمةَ الله. لذا فإنَّ بولُسَ يقول إنهُ "لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا فِي الإِيمَانِ" – ثُمَّ إليكم المِفْتاحَ في العدد 20: "وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ، بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ". والآنْ، لاحِظُوا العبارةَ الأخيرة: "مُعْطِيًا مَجْدًا للهِ". فالشيءُ الذي كان يُمَجِّدُ اللهَ في حياة إبراهيم هو أنَّ إبراهيم صَدَّقَ الله. وقد قال اللهُ: "إبراهيم، أنا أعرف أنَّ الأمر يبدو سخيفًا". وبالمناسبة، لقد أَسْمَيا الطفلَ المولودَ "إسْحاق" ومعناهُ "ضَحِك" لأنَّ الأمرَ ابتدأ بما يُشبِهُ النُّكْتة. ولكنَّ النقطة المُهمَّة هي أنَّ إبراهيم صَدَّقَ اللهَ. وهذا أمرٌ يُعطي اللهَ مَجْدًا. فهذا يعني أنَّه قال: "يا رَبّ، إنْ كنتَ تقولُ ذلك فأنا أُصَدِّقُ ذلك". وما يعنيه ذلك: "يا رَبّ، أنا أَثِقُ بكلمتك". وهذا يُعطي اللهَ مَجْدًا. فعندما يقول اللهُ شيئًا ولا تُصَدِّقْ ذلك فإنَّكَ تَشُكُّ فيه. فكأنَّكَ تَقولُ: "أنا أعلمُ، يا رَبّ، أنَّكَ تُفُكِّرُ تفكيرًا سليمًا، وأنا أُقَدِّرُ حقًّا العَرْضَ والفكرة. ولكنك، يا رَبّ، لا تَفهمُ ظروفي". وهذا يُشبهُ ما يَفعَلُهُ الناسُ حينَ يقولون: "يجب أنْ تَعلمَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقولُ إنَّ اللهَ يملأ كُلَّ احتياجاتِكُم بحسب غِناه في المسيح يسوع. ويا لَهُ مِنْ حَقٍّ عظيم! فاللهُ قادرٌ أنْ يَسُدَّ كل احتياجاتِنا. ونحن نعرف ذلك". ولكنْ ما إنْ يَجِدَ الناسُ أنفسَهم في مشكلة حتَّى يَقلقونَ ويتوتَّرونَ ولا يَعرفون ماذا سيفعلون! وَهُمْ يَهْلَعونَ ويَبتدئونَ في التَّساؤُلِ عَمَّا إذا كان اللهُ قادرًا حقًّا أنْ يسُدَّ احتياجاتهم. وَهُمْ يَبتدئونَ في الشَّكِّ في اللهِ، ويُعانونَ أَزمةً نفسيَّة. ثُمَّ إنَّ الناسَ يسألونهم: "ألستُم أنتم مَنْ كنتم تقولون إنَّ اللهَ سيملأُ احتياجاتِكُم؟" فإمَّا أنْ تُصَدِّقوا ذلك أوْ لا تُصَدِّقوه! فإنْ كنتم تقولون إنَّكم تُصَدِّقوا ذلكَ دُوْنَ أنْ تُبَرهنوا على أنَّكم تُصَدِّقونَهُ فإنَّ هذا يعني أنَّكم تَشُكُّونَ في الله. وإنْ كنتم تَشُكُّونَ في الله فإنَّ هذا يعني أنَّ اللهَ ليس صادقًا في ما يقول. وهذا الشَّكُّ يُهينُ اللهَ.

ونَجِدُ في رسالة يوحنَّا الأُولى 5: 10 عبارةً بسيطةً جدًّا ربما تكون صادمةً لأُناسٍ كثيرين إذْ نقرأ: "مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا". وكما تَرَوْنَ، فإنَّ عَدَمَ تصديق الله يعني أنَّه كاذِب. وسوف أَضْرِبُ لكُم مثلاً على ذلك. فالكتابُ المُقدَّسُ يقول لنا إنَّه يجب علينا أنْ نُعطي مِنْ أموالِنا للربِّ. فهو يقول إنَّه يجب علينا أنْ نُعطي عَطاءً مُضَحِّيًا ووَفيرًا، وأنْ لا تَعرِف يَمينُنا ما تَفعل شِمالُنا. لذلك يجب علينا أنْ نُعطي. واللهُ يُعطينا بالمقابل. ونحن نفهم هذا المبدأ جيِّدًا. وهو مُوَّضحٌ في الكتاب المقدَّس. ولكنْ عندما يحين وقت العطاء، فإنَّنا نُعاني مُشكلةً في أيدينا، أو ربما في أقلامِنا. فيبدو أنَّنا لا نستطيعُ أنْ نَتَجاوَزَ رَقْمًا مُعَيَّنًا! فنحنُ لا نستطيع أنْ نتجاوزَ ذلك. فنحن نقول إننا نُؤمنُ بأنَّ اللهَ يَعني ما يقول. ولكننا لا نُبَرْهِنُ على تَصْديقِنا لَهُ إلَّا عَمَلِيًّا. أليس كذلك؟ أيْ إلَّا إذا عَمِلَ ذلكَ على تَغيير تَصَرُّفاتِنا.

فنحن نقول: "أنا أُوْمِنُ بأنَّني عندما أموتُ فإنَّني سأذهبُ إلى السماء". ولكنَّ بعضَ الناس يخافونَ كثيرًا مِنَ الموتِ ويَضطربونَ بهذا الشَّأن. فَهُمْ يَخافونَ مِنَ الموتِ أكثرَ مِمَّا سيَفعلونَ حين يحين موعد موتهم. فالألمُ النَّاجِمُ عنْ تَرَقُّبِ الموتِ أعظم لديهم مِنَ الواقِعِ نفسِه. وهذا يُشبه الذهاب إلى طبيب الأسنان. وحقيقة الأمر هي أنَّه بالرَّغمِ مِنْ أنَّ اللهَ سيملأُ كُلَّ احتياجاتِنا إلى أنْ نَموت، فإنَّنا لا نبدو واثقين حقًّا أنَّ ذلك سيحدُث بالطريقة التي يتحدَّث عنها.

وكما تَرَوْن، يجب على الأغلبيَّة مِنَّا أنْ يُواجهوا بأمانة حقيقة أنَّنا مُقصِّرون حقًّا في هذا الموضوع المختص بتصديق الله. ولكنَّ إبراهيم لم يرتاب في وعد الله. فقد قال اللهُ لَهُ: "أُسْلُك في هذا الدَّرب" فَسَلَكَ فيه. وقد جاءَ وقتٌ صارَ فيه إسحاقُ شابًّا. وقد قال اللهُ لإبراهيم: "حسنًا يا إبراهيم. لقد أعطيتُكَ ابنًا. ومِنْ خِلالِ هذا الابن سيتحقَّقُ العهدُ الإبراهيميِّ إذْ إنَّه مِنْ صُلْبِهِ ستأتي هذه الأمَّةُ العظيمة. وأنا أقول لَكَ، يا إبراهيم، إنَّ هذا هو تَتميمُ وعدي. والآنْ خُذْهُ إلى ذلك الجبل وقَدِّمْهُ لي مُحْرَقَةً". وهل تعلمون ما فَعَلَهُ إبراهيم؟ لقد أخذَ إسحاقَ، وأخذَ حُزَمًا مِنَ الحَطَبِ، وانطلَقا نحو الجبل. ثُمَّ إنَّه وَضَعَهُ على المذبحِ، وقَيَّدَهُ، وأخذ سِكِّينًا وَهَمَّ بأن يَغْرُزَها في قلبه. وهو لم يَتَرَدَّد ولم يَتوقَّف إلَّا عندما رأى كَبْشًا عالِقًا بين الأشجار. وحينئذٍ، عَلِمَ أنَّ اللهَ قد دَبَّرَ فِداءً.

ولكنَّ مَغزى القصَّةِ هو الآتي: أنَّ إبراهيم كان مُستعدًّا للقيامِ بكُلِّ ما يَلْزم - حتَّى لو اقتضى الأمرُ أنْ يُضَحِّي بالشيءِ نفسِهِ الذي كان سيُتَمِّمُ وعدَ اللهِ في حياته. فقد كان يَعلمُ يقينًا أنَّهُ إنْ قالَ اللهُ لَكَ أنْ تَفعلَ شيئًا، يجب عليك أنْ تفعله دون تَرَدُّدٍ؛ واللهُ سيُدبِّر. فقد كان بمقدوره أنْ يقول: "كيف تقول، يا رَبّ، إنَّه سيكون هناك عَهْدٌ إبراهيميٌّ، وإنهُ سيتحقَّق، وإنَّه سيكونُ هناك شَعْبٌ مِثْلَ رَمْلِ البحرِ ومثل نُجومِ السماء إنْ كنتُ سأُضَحِّي بابني الوحيد؟ ولكنَّه لم يُجادِل. فقد آمنَ بأنَّ اللهَ قادرٌ أنْ يَحفظَ وَعْدَهُ حتَّى لو اضْطُرَّ إلى التضحيَّةِ بابنِهِ الوحيد.

وأنا أعتقد شخصيًّا أنَّ إبراهيم آمن بأنَّ إسحاقَ قد يقومُ مِنَ الموتِ – بالرَّغمِ مِنْ أنَّه لم يَختبِر حُدوثَ قيامَةٍ مِنْ قبل. وهذا يُرينا مِقدار إيمانه بالله. فهذه هي النقطة الجوهريَّة. فَتَصْديقُكَ للهِ يُعطي اللهَ مَجْدًا. وكما تَرَوْن فإنَّ مَجْد الله يُعبِّر عن جميع صِفاته. وهو مِلْءُ مَجْدِه، وإن كان اللهُ صادِقًا فيما يقوله عن نفسِه يجب علينا أنْ نُصدِّقه.

لذلك سوف تنمو روحيًّا عندما تحيا حياةً تَتَّسِمُ بالاتِّكالِ العمليِّ على الله. وهذا يتحقق عندما تقول: "إنْ كانَ هذا هو ما تقولُهُ كَلِمَتُكَ، يا رَبّ، فإنَّني سأفعل ذلك. وإنْ كانت كَلِمَتُكَ تَعِد بذلك فإنَّني سأُطالِب بذلك الوعد. وإنْ كانت كلمَتُك تُوْصي بذلك فإنَّني سأُطيعُها". فنحن نُهينُ اللهَ كثيرًا حين نَدَّعي أنَّنا نُصَدِّقُ اللهَ دُوْنَ أنْ نُطبِّقَ ذلكَ في حياتنا.

واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا. افتحوا معي كتابَكُم المُقدَّسَ على سِفْر دانيال والأصحاح الثالث. دانيال والأصحاح الثالث. ففي سِفْر دانيال والأصحاح الثالث، نجد هذه الحادثة الرائعة عن أَتُونِ النَّار. فنحنُ نقرأ: "حِينَئِذٍ أَمَرَ نَبُوخَذْنَصَّرُ بِغَضَبٍ وَغَيْظٍ [في العدد 13] بِإِحْضَارِ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ. فَأَتَوْا بِهؤُلاَءِ الرِّجَالِ قُدَّامَ الْمَلِكِ" – أيْ قُدَّامَهُ لأنهم لم يَنْصاعوا لأوامِرِه ولم يَعْبُدوا تِمْثالَهُ، بل سيعبدونَ فقط اللهَ الحَقيقيَّ. لذلكَ فقد أَمَرَ بإحضارِهم وقالَ لهم في العدد 14: "تَعَمُّدًا يَا شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُوَ لاَ تَعْبُدُونَ آلِهَتِي وَلاَ تَسْجُدُونَ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتُ!" فهل صَحيحٌ أنكم لن تتعاونوا معَ النِّظامِ الدينيِّ السائدِ في البلد؟ "فَإِنْ كُنْتُمُ الآنَ مُسْتَعِدِّينَ عِنْدَمَا تَسْمَعُونَ صَوْتَ الْقَرْنِ وَالنَّايِ وَالْعُودِ وَالرَّبَابِ وَالسِّنْطِيرِ وَالْمِزْمَارِ وَكُلَّ أَنْوَاعِ الْعَزْفِ إِلَى أَنْ تَخِرُّوا وَتَسْجُدُوا لِلتِّمْثَالِ الَّذِي عَمِلْتُهُ. وَإِنْ لَمْ تَسْجُدُوا فَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ تُلْقَوْنَ فِي وَسَطِ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ. وَمَنْ هُوَ الإِلهُ الَّذِي يُنْقِذُكُمْ مِنْ يَدَيَّ؟»".

ولا شَكَّ أنَّ هذا الموقفَ صَعْبٌ جِدًّا إذا كنتُمْ مَكانَ شَدْرَخ وَمِيشَخ وَعَبْدَنَغُوَ. ولكنَّهُ ليسَ أمرًا صعبًا جدًّا علينا اللَّيلة. أليسَ كذلك؟ فنحنُ بَعيدونَ كُلَّ البُعْدِ عنْ ذلك. ولكنَّهُ قالَ لهم: "إمَّا أنْ تَسْجُدوا للتِّمثالِ أوْ تُعاقَبون! وَمَنْ هُوَ الإِلهُ الَّذِي يُنْقِذُكُمْ مِنْ يَدَيَّ؟" لذلكَ فقدِ اختبَرَ إيمانَهُم حالاً. فهل يُصَدِّقونَ أنَّ إلَهَهُمْ قادرٌ على إنقاذهم مِنْ نبوخذنَصَّر أَمْ لا؟ فَهُمْ لا يستطيعونَ أنْ يَرَوْا إلهَهُم. فهو غيرُ منظور. أمَّا نبوخذنَصَّر فمنظور. وَهُمْ لا يستطيعونَ أنْ يَرَوْا جُنْدَ إلَهِهِم. ولكنَّهم يستطيعونَ أنْ يروا جنودَ نبوخذنصَّر. فهو جيشٌ عظيمٌ جدًّا. وَهُمْ يستطيعونَ أنْ يَرَوْا قُدْرَتَهُ، ويستطيعونَ أنْ يَرَوْا الضَّغْطَ الشَّديدَ الَّذي يُمارِسُهُ النِّظامُ عليهم لأنهم يعيشونَ فيه. ولكِنْ ما الَّذي سيفعلونهُ؟

ثم نقرأ في العدد 16: "فَأَجَابَ شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُوَ وَقَالُوا لِلمَلِكِ: «يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، لاَ يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هذَا الأَمْرِ. هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ، وَأَنْ يُنْقِذَنَا مِنْ يَدِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. وَإِلاَّ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَنَّنَا لاَ نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلاَ نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَهُ»". فحتَّى لو لم يُنْقِذْنا اللهُ فإنَّنا لن نَسْجُدَ للتِّمثال لأنَّ إلَهَنا سيُنَجِّينا في كُلِّ الأحوال. فهو سيُنَجِّينا بطريقةٍ أو بأخرى – إنْ لم يَكُنْ مِنَ النَّارِ، فإنَّهُ سيأخذنا إلى مَلكوتِ البِرِّ خاصَّتِهِ لأنَّنا كُنَّا أُمَناءَ لَهُ.

"حِينَئِذٍ امْتَلأَ نَبُوخَذْنَصَّرُ غَيْظًا [كما جاءَ في العدد 19] وَتَغَيَّرَ مَنْظَرُ وَجْهِهِ. وهذا يَعني أنَّهُ عَبَسَ وَكانَ غاضبًا جدًّا. "فَأَجَابَ وَأَمَرَ بِأَنْ يَحْمُوا الأَتُونَ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ". لذلكَ فقد حَمُّوا النَّارَ سبعةَ أضْعافٍ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ مُعْتَادًا أَنْ تُحْمَى. وكما نَعلمُ فإنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ أَلْقَوْا هؤلاءِ احترقوا وماتوا مِنْ لَهيبِ النَّارِ. وعلى أيِّ حالٍ فقد أَلْقَوْا شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ فِي النَّار.

والشيء الرائع بخصوص هذِ القِصَّة هو أنَّهم كانوا يؤمنون حقًّا بالله. وقد نقولُ (أنا وأنت): "أجل! وأنا أيضًا أُوْمِنُ باللهِ بهذه الطريقة". ولكنَّ الوقوفَ على حافة أَتُونِ النَّارِ هو أمْرٌ مُختلفٌ تمامًا حين يكون هناك أُناسٌ يَرغبونَ في إلقائِكَ فيه. وما أعنيه هو أنَّه لا توجد طريقة بشريَّة للتخلُّص مِنْ ذلك المأزق. ولكنَّ الفِتية الثَّلاثة كانوا يؤمنون بالله. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الإيمانَ باللهِ لا يَعْرِفُ المستحيلات.

فأحيانًا قد تأتي زوجةٌ طَلَبًا للمشورة فتقول: "أرجو أنْ تَعلمَ، أيُّها الرَّاعي، أنَّ علاقتنا الزوجيَّة أنا وزوجي لا يُمكن أنْ تَستمرّ. هذا مستحيل". وأنا أقولُ عادةً: "هل زَوْجُكِ مؤمن؟" فتقول: "أجل". "وهل أنت مؤمنة؟" "أجل". "إذَنْ، هل تَقصدين أنَّه لا توجد طريقة يمكن فيها لِزَوْجَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ أنْ يَتَّفِقَا؟" فتقول: "أنتَ لا تَفهمْ ما يجري! فنحن لسنا على وِفاق". فأقول: "هل يسكُنُ الرُّوحُ القُدُسُ فيكما؟" "أجل". وهل يَسْكُنُ المسيحُ فيكما كِلَيْكُما؟" "أجل". "وهل تَعتقدينَ أنَّ المسيحَ يَتَّفِقُ مع نفسِهِ؟" "أجل. ولكنكَ لا تَفهمُ ما يجري". "لا! أنتِ مَنْ لا تفهمين! فأنتِ لا تؤمنينَ بالله. أنتِ لا تؤمنينَ باللهِ ولا تؤمنينَ بأنَّه إنْ كان اللهُ هو الذي يُريدُ أنْ يُبقي الزواجَ قائِمًا، وأنَّه إنْ كانُ اللهُ قادرًا على الحِفاظ على رِباطِ الزَّوجيَّةِ، وأنكما إذا عَقَدْتُما العَزْمَ على السَّيْرِ في الاتِّجاهِ الصَّحيحِ فإنَّ ذلكَ سيحدُث. ولكنْ لا تُنْكِري قُدرةَ اللهِ".

وهذا يُشبهُ السَّيِّدَةَ التي جاءتْ لرؤية راعي الكنيسة فقالت لَهُ: "إنَّ زوجي يَفْرُكُ ظَهْري بالطريقة الخاطئة". فَرَدَّ عليها الرَّاعي قائلاً: "إذَنْ، يجب عليكِ أنْ تُغَيِّري وَضْعِيَّةَ ظَهْرِكِ أيَّتُها القِطَّةُ العجوز. وحينئذٍ، سيكونُ كُلُّ شيءٍ على ما يُرام". فالحَلُّ لهذه المشكلة يَكْمُنُ في أنْ تَعْمَلَ على تَقويمِ نَفْسِكَ - لا أنْ تَشُكَّ في قُدرةِ الله. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ اللهَ قادرٌ على القيام بذلك إنْ كانَ موقِفُكَ سليمًا. ففي أَبْسَطِ الأشياءِ في الحياة، يجب علينا أنْ نُصَدِّقَ اللهَ.

وأعتقد أنَّ أعظمَ تَحَدٍّ للإيمان في كُلِّ التاريخِ البشريِّ (بِحَسَبِ عِلْمي) هو قِصَّةُ نوح. فقد قالَ اللهُ لنوح: "اصْنَعْ فُلْكًا". ولم يكُن ذلك الطلبُ مَعقولاً لأنَّ نُوْحًا لم يكُن يَسكُنُ بالقربِ مِنْ أيِّ حَوْضٍ مائِيٍّ. والحقيقةُ هي أنَّه كان يَعيشُ في وَسْطِ الصَّحراء. والحقيقة هي أنَّه رُبَّما لم يَرَ يومًا أيَّ تجمُّعٍ كَبيرٍ للمياه! ولكنَّ اللهَ قالَ لَهُ أنْ يَصْنَعَ سفينةً كبيرةً يَصْعُب تَخَيُّلُها - ولا سِيَّما أنَّه لم تكُن هناك مَتاجر لبيعِ الأخشاب، وأنَّه ينبغي أنْ تَقْطَعَ الأشجارَ وأنْ تَصنعَ منها الألواحَ الخشبيَّةَ التي تحتاجُ إليها. لذلك فإنَّنا أمامَ شخصٍ في وَسْطِ الصحراءِ ويعيشُ في مُجتمعٍ وَثَنِيٍّ. واللهُ يأمُرُهُ أنْ يَصنعَ سفينةً عظيمةً وضخمةً جدًّا. لذلك فقد ابتدأَ العمل. وقد استغرقَ الأمرُ مِئةٍ وعشرينَ سنة لِصُنْعِ السفينة.

ويمكنني أنْ أتخيَّلَ نفسي أَطلُبُ الخشب. ويمكنني أنْ أتخيَّلَ نفسِي أفعلُ بعضَ الأشياءِ في البداية. ولكنْ هل سأستمرُّ في القيام بذلك بعد مئةٍ وعشرينَ سنة؟ إنَّ هذا مستحيل! فسوف أكون قد توقَّفتُ منذ وقتٍ طويل. وحَتَّى لو كان اللهُ قد قال لي ما قاله لِنوح (أيْ إنَّ السَّماءَ ستُمْطِر) فإنَّ ذلك لنْ يُساعِد بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ لأنَّه لم يكُن هناك مَطَرٌ مِنْ قبل! فنوح لم يكُن يعرف حتَّى ما هو المطر. ولا شكَّ أنَّه طَوَال مئة وعشرينَ سنة، كان الجميعُ يَسْخَرُ مِنه. وما أعنيه هو أنَّهم سَخِروا مِنه كما قد يسخرُ الناسُ مِنْ شخصٍ في الحَيِّ يقول إنَّ فيضانًا عظيمًا سيأتي وإنَّنا سنموت جميعًا فيه. فنحن نَرى هنا نَفْسَ رَدِّ الفِعْلِ الذي أَظْهَرَهُ الناسُ لِنوح. فقد قالوا إنَّه مجنون. وقد قالوا إنَّه فَقَدَ صَوابَهُ. ولكنَّ الميزة الوحيدة لديكم هي أنَّكم قد رأيتم مَطَرًا مِنْ قبل. ولكنهم لم يَرَوْا مطرًا مِنْ قبل. ولكنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقول إنَّ نُوْحًا كان رَجُلاً عظيمَ الإيمان.

وهذا، يا أحبَّائي، لا يَكفي للتَّعبيرِ عَنْ قُوَّةِ إيمانِهِ! فنحنُ نقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 11: 7: "بِالإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ" [أيْ عنْ أمورٍ لم يَعْرِفْها أَحَدٌ قَطّ] خَافَ، فَبَنَى فُلْكًا لِخَلاَصِ بَيْتِهِ، فَبِهِ دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ". وليُبارِك اللهُ قلبَ ذلكَ الرَّجُل. فقد صَدَّقَ اللهَ في وَسْطِ مَوْقِفٍ صَعْبٍ. وقد حَافَظَ على إيمانِهِ مِئَةً وعشرينَ سَنة. ويا للمَجْدِ الَّذي أَعْطاهُ للهُ - يا للمَجْدِ الَّذي أَعْطاهُ لله!

وهل تفعل في حياتِك (وأفعلُ في حياتي) شيئًا مُشابِهًا؟ هل نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلال تَصديقِه؟ فيجب أنْ تعلموا أنَّه عندما تَحْيَوْنَ حياةَ الإيمانِ فإنَّكم سَتَنْمون. فالكتابُ المقدَّسُ يقول إنَّنا نَسْلُكُ لا بالعِيان، بل بماذا؟ بالإيمان. وهذه (مَرَّةً أُخرى) صورة للنُّموِّ المسيحيِّ، وصورة للنُّضج. فنحن نمشي ونتقدَّمُ لكي نَصيرَ مُشابهين تمامًا لله. ونحن نتقدَّمُ في حياتنا الروحيَّة حين نَسلُكُ بالإيمان، لا بالعِيان. فحين تُحاولُ أنْ تُحَلِّلَ كُلَّ شيءٍ مِنْ خلال ما تَراه، ستقَع في المتاعِب، وستجد نفسَك في وضعٍ مُشابِهٍ للشَّعْبِ الذي كان في أرضِ كنعان حين جاءَ بنو إسرائيلَ لتأسيسِ أُمَّتِهِمْ وأرسلوا الجواسيس. فقد عادَ الجواسيسُ وقالوا: "لا نريدُ أنْ نَذهبَ إلى هناك. لقد كُنَّا كَالْجَرَادِ، إنَّهُمْ عَمالِقَةٌ هُناك". وقد أُصيبُوا (في رأيي) بِعُقْدَةِ الجَراد. فقد كانوا يَسلُكونَ بالعِيان. إنَّ هَؤلاءِ عَمالِقَة جِدًّا. إنَّهُمْ جَبابِرَة. أمَّا يَشوعُ وكالِب فعَادا وقالا: "إنَّ اللهَ مَعَنا. لنذهب". فقد سَلَكَ اثنانِ بالإيمان، وَعَشْرَةٌ بالعِيان. وقد أَساءَ عَشْرَةٌ إلى الله بأنْ قالوا: "لن يكونَ اللهُ قادرًا على التَّعامُلِ مَعْ هذا الموقف!" أمَّا هؤلاءِ الاثنان فقالا: "إنَّ اللهَ أعْظَمُ مِنْ كُلِّ المواقِف".

ما قَوْلُكَ في ذلك؟ هل تحيا بالإيمان؟ فإذا كنتَ تحيا بالإيمان فإنَّكَ تُشْبِهُ إبراهيمَ الَّذي نقرأُ عنه: "وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ، بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِيًا مَجْدًا للهِ". فهل تريدُ أنْ تَحْيا حياةً تُمَجِّدُ اللهَ؟ إذَنْ، آمِنْ بهِ في كُلِّ ما يحدث، وصَدِّقْهُ في كُلِّ ما يقول، وفي كُلِّ وعدٍ مِنْ وُعودِهِ. واسلُك بالإيمان. فهذهِ هي عمليَّةُ النُّضْجِ الروحيِّ.

ولننتقل إلى المبدأ الخامس. فنحن نُمَجِّد الله (خامسًا) [وهذا حَقٌّ مُهِمٌّ جدًّا] مِنْ خلال الإثمار. فنحن نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلال الإثْمار. وهذا موضوعٌ نستطيعُ أنْ نَصْرِفَ وقتًا طويلاً في التحدث عنه. وسوف أُحاول أنْ أُلَخِّصَ هذهِ النُّقطة لكم في دَرْسِنا هذا. ونَجِدُ في إنجيل يوحنَّا 15: 8 النَّصَّ الرئيسيّ. ففي الأصحاحِ الخامس عشر مِنْ إنجيل يوحنَّا، يتحدَّثُ الرَّبُّ عن كيف أنَّه هُوَ الكَرْمَةُ ونحنُ الأغصان. بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ حياتَهُ تَسْري فينا. فنحنُ كِيانٌ رُوحِيٌّ واحِدٌ مَعَهُ. ونحن نَرتَبِطُ به عُضْويًّا حتَّى إنَّ حياتَهُ تَسري فينا. وإذْ تَسْري حياتُهُ فينا فإنَّها تُنْتِجُ ثَمَرًا.

والآن، نقرأ في العدد الثامن عَمَّا يُحَقِّقُهُ الإثْمار. فنحنُ نقرأ: "بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ". وهذه هي النقطة الجوهريَّة. فالإثْمارُ يُمَجِّدُ اللهَ. ومرَّةً أُخرى، فإنَّ النُّموَّ الروحيَّ يعني أنْ نُمَجِّدَ اللهَ. وتمجيدُ اللهِ يعني أنْ نكونَ مُثْمِرين. لماذا؟ لأنَّ هذا يَسمحُ لقوَّةِ اللهِ أنْ تكون مُنتِجةً في حياتنا. فعندما نَقبلُ المسيحَ، ونَسعى إلى تمجيدِه، ونعترفُ بالخطيئةِ في حياتنا، ونَسْلُكُ في الإيمان، فإنَّ اللهَ يَجعلُنا مُثمِرين.

لذلك فإنَّه أمرٌ يُهينُ اللهَ أنْ تكونوا مُثْمِرينَ قليلاً جدًّا. فلا أَظُنُّ أنَّهُ يوجد مؤمنٌ مَسيحيٌّ بلا ثَمر. فَهُناك دائمًا ثَمَر: ثَمَرٌ قليلٌ وثَمَرٌ كثير. لأنَّه إنْ كنتَ مؤمنًا أَصْلاً، لا بُدَّ مِنْ وجودِ بعضِ العِنَبِ الجافِّ المُعَلَّق في مكانٍ ما لأنَّ يَسوعَ قال: "مِنْ ثِمارِهِم [ماذا؟] تَعرِفونَهُم". وما أعنيه هو أنَّك رُبَّما تَحْتاجُ إلى النَّظَرِ طَويلاً للعُثورِ عليه.

فنحن لدينا شجرة دُرَّاق في حديقة المنزل الخلفيَّة. وفي هذه السنة، لم تَعُد تلك الدُّرَّاقَةُ مُثْمِرة. فقد كانتْ شجرةُ الدُّرَّاقِ تلك أَعظمَ صُورةٍ توضيحيَّةٍ رأيتُها في حياتي على المؤمنِ المُثْمِر. وما أعنيه هو أنَّها كانت تَحْمِلُ ثَمَرًا كثيرًا جدًّا يكفي لإطْعامِ الحَيِّ كُلِّه. ولكنْ في السنة الماضية، انتظرنا وقتًا طويلاً وبَحَثْنا بِجِدٍّ إلى أنْ عَثَرْنا أخيرًا على حَبَّةِ دُرَّاقٍ صغيرةٍ ذابِلَةٍ لا تَصْلُحُ للأكل. ولكنْ على أَقَلِّ تقدير، لقد كانت هناك ثَمَرة واحدة. وكان ذلك بُرهانًا كافيًّا لنا أنَّها ليست شجرة تُفَّاح. وهناك مؤمنون كثيرون على هَذِهِ الحال. وما أعنيه هو أنَّكم قد تبحثون وقتًا طويلاً وتبذلونَ جُهدًا كبيرًا مِنْ أجلِ العثورِ على شيءٍ يُبَرْهِنُ على أنَّهم يَنتمونَ إلى الله. ولكنَّ ذلك ليس هو ما يُمَجِّد الآبَ. فما يُمَجِّدُ الآبَ هو الثَّمَرُ الكثير - الثَّمَرُ الكثير. وبِصِفَتِكَ مؤمنًا، فإنَّ النُّموَّ الروحيَّ هو عمليَّة إنتاجٍ – أيْ عمليَّةُ إنتاجِ ثَمَر.

فمِنَ المهمِّ جدًّا أنْ تكون مُثمِرًا لأنَّك تُظْهِرُ بذلك هُوِيَّتَكَ الحقيقيَّة. فكيفَ سيَعلمُ الناسُ أنَّك مؤمنٌ وأنك تنتمي إلى اللهِ إنْ لم يَرَوْا أيَّ ثمر. أليس كذلك؟ وكيف يَعرفون أنَّك شجرة تُفَّاحٍ إنْ لم تكُن تحمل أيَّ ثمر تُفَّاح؟ وكيف سيعرفون أنَّك شجرة دُرَّاق إنْ لم تحمل ثَمَرَ دُرَّاق؟ وكيف سيعرفون أنَّك شجرة برتقال إنْ لم تكُن تحمل أيَّ ثمر برتقال؟ فكيف سيعلمونَ مَنْ تكون ما لم يكُن هناك ما يُبرهِنُ على ذلك؟ لذلك فإنَّ شخصَ اللهِ على المِحَكِّ. واللهُ يُريد أنْ يُنْتِجَ شيئًا يَعْكِسُ ذاتَهُ في حياتِك. فهو يُريدُ أنْ يَفعلَ أكثرَ مِمَّا يَستطيعُ جَسَدُكَ أنْ يَفعَلَهُ، وأكثرَ مِمَّا يَستطيعُ العالمُ أنْ يَفعَلَهُ. وهذه نقطةٌ مُهمَّة. وهذا هو ما قَصَدَهُ بولُسُ عندما كَتَبَ إلى تِيْطُس وقالَ لَهُ: "يجب أنْ تَحيا حَياةً تُزَيِّنُ مِنْ خِلالِها تَعليمَ اللهِ". فيجب أنْ يكونَ هناك شيءٌ يَعكِسُ طبيعةَ اللهِ يَتَدَلَّى مِنْ حياتِكَ لكي يكون هناك ما يُبَرهِنُ على أنَّ اللهَ يَعملُ في حياتِك.

وفي رسالة روميَة 2: 24، نَجِدُ أعظمَ جُملةٍ قالها الرسولُ بولُسُ لِبَني إسرائيل إذْ نقرأ: "لأَنَّ اسْمَ اللهِ يُجَدَّفُ عَلَيْهِ بِسَبَبِكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ". فعِوضًا عن أنْ تُظْهِروا للعالمِ حقيقةَ اللهِ، فإنَّكم تَدَّعُونَ أنَّكم تنتمون إلى اللهِ وتُظْهِرونَ لهم شيئًا لا يُشْبِهُ اللهَ البتَّة. والحقيقة هي أنَّ يسوعَ قال لِقادةِ بَني إسرائيل: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ". فذلك الثَّمر الذي يظهر في حياتكم ليس ثمر الله. ويا لَهُ مِنْ أمرٍ مُرَوِّعٍ أنْ يَعتقدَ الناسُ أنَّهُ ثَمَرُ الله.

وفي إنجيل مَتَّى 5: 16، قالَ يَسوع: "فَلْيُضِــئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا [ماذا؟] أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَ [يَفعَلوا ماذا؟] يُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". وما قَصَدَهُ يَسوعُ هو أنَّ ثَمَرَ حياتِكَ يَعكِسُ صورةَ اللهِ. وإنْ لم يكُن هناك ثمرٌ واضح فإنَّ اللهَ لنْ يكون مَنْظورًا. لذلك فإنَّ اللهَ يَتَمَجَّدُ عندما نكونُ مؤمنينَ مُثْمرين – أيْ عندما يَحدُثُ شيءٌ ما، وعندما تَسْري العُصارةُ في الكَرْمَةِ وتُنْتِجُ الأغصانُ بعضَ العِنَبِ الشَّهِيِّ الذي يَتبارَكُ بهِ آخرون.

والحقيقة هي أنَّ بولُسَ يقول في رسالة كورنثوس الأُولى 9: 7: "مَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمِنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأكُلُ؟" وهذا سُؤالٌ وَجيهٌ! فَمَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمِنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأكُلُ؟ فهل تعتقدُ أنَّ اللهَ احتملَ كُلَّ تلك المَشَقَّةِ لكي يَسْكُبَ حياتَهُ فيك (أي حياتَهُ الأبديَّةَ)، وأنَّهُ جَعَلَكَ تَحْصُلُ على كُلِّ غِنَى المسيحِ لكي لا تُنْتِج شيئًا؟ حَاشَا! فيجب علينا أنْ نكون مُثْمِرين.

وقد يقول أحدُ الأشخاص: "هذا كَلامٌ لا غُبارَ عليهِ، يا جون. وأنتَ تتحدَّث دائمًا عن حقيقة أنَّه ينبغي لنا أنْ نكونَ مُثْمِرين. ولكنْ ما هو الثَّمر؟ وما الذي تقصده؟" حسنًا، أنا مسرورٌ لأنَّكَ طَرَحْتَ هذا السُّؤال لأنَّه سُؤالٌ مُهمٌّ جدًّا. فما الذي نعنيه بالثَّمر؟ نجد في رسالة فيلبِّي 1: 11 نُقطةَ انطلاقٍ جَيِّدة. استمعوا إلى هذه الكلمات: "مَمْلُوئِينَ" – فالأمرُ لا يَتوقَّفُ على شُعورٍ عَابِر، بَلْ "مَمْلُوئينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ". والآن، استمعوا إلى هذهِ الكلماتِ: "الَّذِي بِيَسُوعَ المسيح لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ". فعندما تكونُ مُثمرًا فإنَّ اللهَ يَتمجَّد. وهذا أمرٌ رائعٌ. وما هُوَ هذا الأمر؟ إنَّهُ ثَمَرُ البِرِّ.

فما هو الثمر في حياتِك؟ سوف أقول لكم بكُلِّ بَساطة: البِرّ. البِرّ. وما هو البِرّ؟ إنَّه الصَّوابُ (على النَّقيضِ مِنَ الخطأ). فالبِرُّ هو كلمةٌ مُرادِفةٌ للقولِ "إنَّنا نَفعلُ الصَّواب". فعندما تَفعلُ الصَّوابَ فإنَّ ذلكَ يُمَجِّدُ اللهَ. وعندما تَفعلُ الخطأَ فإنَّ ذلك يُهينُ اللهَ. لذلك، إنْ أردتَ أنْ تكونَ مُثْمِرًا، فإنَّ هذا يعني أنَّ يكونَ بِرُّكَ مَنْظورًا – أيْ أنْ يكونَ مِنَ الجَلِيِّ أنَّكَ تفعلُ الصَّواب. فهذا هو كُلُّ ما يعنيه البِرّ: أنْ تَفعلَ الصَّواب.

وهناكَ آياتٌ كِتابيَّةٌ أخرى تساعِدُنا أكثرَ على فَهْمِ ذلك. فنحن نقرأُ في رسالة تسالونيكي الثانية 1: 11: "الأَمْرُ الَّذِي لأَجْلِهِ نُصَلِّي أَيْضًا كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ". وما الَّذي نُصَلِّي لأجله؟ يقولُ بولُس: "أَنْ يُؤَهِّلَكُمْ إِلهُنَا لِلدَّعْوَةِ [ثُمَّ اسمعوا]، وَيُكَمِّلَ كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ وَعَمَلَ الإِيمَانِ بِقُوَّةٍ". بعبارة أخرى، فهو يريدُ أنْ يُنشئَ فيكم كُلَّ صَلاحِهِ، وأنْ يُظْهِرَ فيكم قُوَّةَ ذِراعِهِ، وأنْ يُظْهِرَ فيكم صَلاحَ نِعْمَتِهِ. فهو يريدُ ثَمَرًا. لماذا؟ "لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ المسيح فِيكُمْ". وكما تَرَوْنَ، فإنَّنا نعودُ مَرَّةً أخرى إلى فِكْرَةِ أنَّ المسيحَ فيكم رَجاءُ المجد. فإنْ أردنا أنْ نُمَجِّدَ اللهَ فإنَّنا نفعلُ ذلكَ مِنْ خلالِ إثْمارِنا.

فيجب أنْ يتمكَّنَ الناسُ مِنَ النظرِ إلى حياتك والقول: "مِنَ الواضِحِ أنَّ حياتَكَ مختلفة. فأنتَ تُؤَثِّرُ في الناسِ بطريقةٍ مختلفةٍ عنِ الآخرين. وأنتَ تَمتلِكُ مواقِفَ مختلفة. وسُلوكُكَ مُختلف. وتأثيرُكَ مُختلف. وتأثيرُكَ في الأشياءِ مُختلف. فهُناك ثَمَرٌ في حياتِكَ يَختلفُ عنْ أيِّ حياةٍ أُخرى". هذا هو الثَّمر.

والآن، اسمحوا لي أنْ أَتَوَسَّعَ قليلاً. فَهُناكَ نوعانِ مِنَ الثَّمرِ في الكتابِ المقدَّس. النَّوعُ الأُوَّلُ يُسَمَّى: "ثَمَرُ العَمَل" - ثَمَرُ العَمَل. وهذه تسميَّة أَطْلَقْتُها أنا وليسَ الكتابَ المقدَّس. فهي مُجَرَّدُ فِئة. وما هو ثَمَرُ العمل؟ اسمعوني إذْ أُوَضِّح لكم ذلك. فنحن نقرأُ في رسالة رومية 1: 13: "ثُمَّ لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّنِي مِرَارًا كَثِيرَةً [كَما يقولُ بولُس] قَصَدْتُ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ". بعبارةٍ أخرى، فقد أَردتُ مِرارًا كثيرةً أنْ آتي إليكم إلى رُوما، "وَمُنِعْتُ حَتَّى الآنَ". ولماذا أرَدْتَ أنْ تأتي يا بولُس؟ "لِيَكُونَ" [وَهُوَ يُوَضِّحُ السَّبَبَ هُنا] "لِيَكونَ لِي ثَمَرٌ فِيكُمْ أَيْضًا كَمَا فِي سَائِرِ الأُمَمِ".

والآن ما الذي يُشيرُ إليه هنا؟ فما هو الثمر هنا؟ مُؤمنونَ جُدُد. أليس كذلك؟ فقد أردتُ أنْ آتي وأنْ أربحَ بعض الأشخاصِ للمسيح. لذلك فإنَّ الثَّمرَ (أوْ ثَمَرَ العَمَلِ) يَعْني أنْ تَرْبَحَ شخصًا للمسيح. فهل لديك هذا الثَّمرُ في حياتِك؟ وهل تريدون أنْ تعرفوا شيئًا؟ أعتقدُ أنَّ أكثرَ شَيءٍ طَبيعيٍّ ينبغي للمؤمنِ أنْ يَفعلَهُ هو أنْ يَربحَ أُناسًا آخرين للمسيحِ لأنَّ إحدى سِماتِ الحياةِ هي التَّكاثُر. لماذا؟ لأنَّ بولُسَ يقولُ لتيموثاوس: "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا". فيجب عليكَ أنْ تُبْقي العمليَّةَ مُستمرَّة. وقد قالَ يسوع: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ". فيجب عليكم أنْ تَتَكاثَروا. فهذهِ هي إحدى سِماتِ الحَياةِ: القُدرة على التَّكاثُر. لذا فإنهُ يقول: "كنتُ أتَمَنَّى أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ لِيَكونَ لِي ثَمَرٌ فِيكُمْ أَيْضًا كَمَا حَدَثَ في أماكِن أُخرى". والثَّمَرُ المُشار إليه هُنا هوَ: أشخاصٌ جُدُد يَهْتَدونَ إلى المسيح. فإنْ كنتَ (بِصِفَتِكَ مؤمنًا) مُثْمِرًا، فإنَّكَ تنمو. فأنتَ تَنمو لأنَّ الحَياةَ تَسْري فيك.

ولكنَّ الأمرَ لا يتوقَّفُ هنا. فهُناك أشياء أُخرى هي أيضًا ثَمَر. ونقرأ عن ذلك في رسالة فيلبِّي 4: 17. ولإعطائكم خلفيَّةً صغيرةً عن هذا المقطعِ، كان مؤمنو فيلبِّي قد أَرسلوا إلى بولُسَ تَقْدِمَةً كبيرةً جدًّا. فقد كانوا أسخياء جدًّا فأرسلوا إليه تَقْدِمَةَ مَحَبَّة. ولكنَّه يقول لهم: "كما تعلمون، أنا أُقَدِّرُ حقًّا تَقْدِمَتَكُم. ولكنِّي أريدُ منكم أنْ تَعلموا أنَّني لست بحاجةٍ إليها. ومع أنَّني لستُ بحاجةٍ إليها فإنَّني مَسرورٌ جدًّا لأنَّكم أَرسلتموها". لماذا؟ نقرأ في العدد 17: "لَيْسَ أَنِّي أَطْلُبُ الْعَطِيَّةَ، بَلْ أَطْلُبُ الثَّمَرَ الْمُتَكَاثِرَ لِحِسَابِكُمْ". بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ أعظمَ شيءٍ بخصوص تَقدمَتِكُم هو أنَّها ثَمَر - لا أنَّني بحاجةٍ إليها، بل إنَّكم أَثْمَرْتُموها. أتَرَوْن؟

فإنْ كُنتَ تَجلسُ وتنتظِرُ أنْ تَجِدَ شخصًا لديه حاجة كبيرة قبل أنْ تَفعلَ شيئًا ما فإنَّكَ لم تَفهمِ المَعنى المقصود. فربما ينبغي لكَ أنْ تُعطي شخصًا ليست لديه تلك الحاجة الماسَّة لِمُجَرَّدِ أنَّ العطاءَ ثَمَرٌ - أيْ لأنَّه ثَمَرٌ في حياتِك. فعندما تكون حياتُكَ مُمتلئة بقوَّةِ اللهِ، وعندما تكونُ مُكرَّسًا بالكاملِ لتمجيدِ الرَّبِّ، ستجد نفسَك تُعطي لأنَّ العطاءَ ثَمَر. فَهُوَ عَمَلٌ قائمٌ على العطاء.

إذَنْ، ما هو الثَّمر؟ إنَّه رِبْحُ نَفْسٍ للمسيح. وَهُوَ العَطاءُ - وهذا يَشمَلُ العطايا الماديَّةَ حَتَّى عندما لا تكونُ هناك حاجةٌ كبيرةٌ تحديدًا. فأنتَ تُعطي لأنَّ العطاءَ موجود في قلبِك. وقد كانَ أبي يقولُ دائمًا: "يمكنكَ أنْ تُعطي دونَ أنْ تُحِبَّ، ولكِنْ لا يمكنك أنْ تُحِبَّ دون أنْ تُعطي". فإنْ كنتَ تُحِبُّ، وإنْ كنتَ تسعى إلى تمجيدِ اللهِ، فإنَّكَ ستُعطي ... وتُعطي ... وتُعطي كما يُعطي اللهُ.

وبالمناسبة، فإنَّ اللهَ لا يُعطينا بِحَسَبِ حَاجَتِنا، بل إنَّهُ يُعطينا دائمًا أكثر. أليس كذلك؟ فنحن نقرأُ في رسالةِ أفسُس أنَّه يُعطي "بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ". فَهُوَ لا يُعطي مِنْ فَضْلَةِ غِنَاه، بل يُعطي بِحَسَبِ غِنَاه. وهناكَ فرقٌ كبيرٌ بينَ الاثْنَيْن. فإنْ أردتُ أنْ أُعطيكَ مِنْ فَضْلَةِ غِناي إنْ جئتَ إليَّ – فَلْنَفترِض أنَّني مَليونيرٌ (لِغايةِ التَّوضيحِ فقط)، وأنَّكَ جِئْتَ إليَّ وقُلتَ لي: "لَدَيَّ حَاجَة كبيرة، وَهَلُمَّ جَرَّا، وَهَلُمَّ جَرَّا". فقُلت لكَ: "حسنًا، لا بأسَ في ذلك. مِنْ فَضْلَةِ غِناي، إليكَ هذا الشِّيك بقيمة عشرة دولارات. أَنْفِقْها بِحكمة". فإنَّكَ ستقول: "مَهْلاً يا صديقي! أنتَ لم تُعْطِني بِحَسَبِ غِناك، بل أَعطيتَني مِنْ فَضْلَةِ غِناك". أَمَّا إذا حَرَّرْتُ لَكَ شِيْكًا مَصْرِفيًّا بقيمة عشرة آلاف دولار أوْ مِئَةِ ألف دولار فإنَّك ستقول: "لقد أَعطيتني بِحَسَبِ غِناك". وعندما يُعطي اللهُ فإنَّه لا يُعطي مِنْ فَضْلَةِ غِناه، بل يُعطي دائمًا بِحَسَبِ غِناه لأنَّ هذه هي طبيعةُ القلبِ المِعْطاء. وهذا ثَمَرٌ في حياتِك عندما تُعطي.

وهناك شيءٌ آخر يُعَدُّ ثمرًا وَرَدَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانيِّين 13: 15 إذْ نقرأ: "فَلْنُقَدِّمْ بِهِ [أيْ: بالمسيح] فِي كُلِّ حِينٍ للهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ [والآنْ لاحَظِوا ما يَقول]، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ". فهل تعلمون أنَّ تقديم الشُكْرِ للهِ هو ثَمَر؟ أجل. فهذا ثَمَرٌ ناجِمٌ عن عملِ اللهِ في حياتِك. فالإثْمار هو رِبْحُ الناسِ للمسيح، وتقديمُ العطايا، وتقديمُ الشُّكْر. وماذا بخصوصِ ما جاءَ في رسالة كولوسي 1: 10؟ فنحن نقرأ في رسالة كولوسي 1: 10: "لِتَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ، فِي كُلِّ رِضىً" [والآن استمعوا إلى هذهِ الكلمات]: "مُثْمِرِينَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ".

والآن، هل تَرَوْن شُموليَّةَ ذلك؟ فأيُّ عَمَلٍ صالحٍ هو ثَمَر. وقد يكون ذلكَ رِبْح شخصٍ للمسيح، أوْ تقديم تَقْدِمَةٍ، أوْ تقديم الشُّكرِ للربِّ بِشَفَتَيْكَ، أوِ القيام بأيِّ عملٍ صالح. فهذا كُلُّه ثَمَر. وهذا هو، يا أحبَّائي، ما يُريدُ اللهُ أنْ يَراهُ في حياتِك. وما أوَدُّ أنْ أقولَهُ هو الآتي: إنَّ المؤمنين المُثمرين هُمْ مؤمنونَ يَختبرونَ نُمُوًّا. فإنْ كنتَ تعيشُ ولا تَشعُرُ بالشِّبْعِ الحقيقيِّ في حياتِك، ولم تكُن خِدمَتُكَ واضحةً، ولم يكُن هناك بعضُ الثَّمَر، ولم يكُن هناك بعضُ العِنَبِ الشَّهِيِّ الَّذي يَتَدَلَّى مِنْ حياتِك، فإنَّك لا تَنمو حقًّا. فأنتَ لا تتقدَّم، بل أنتَ ثابتٌ في مكانك. وأنت لستَ مُثْمرًا. فالنُّموُّ الروحيُّ يَظهرُ دائمًا مِنْ خلالِ الإثْمار.

وقد قُلتُ لكم قبل قليل إنَّ هناك نَوعَيْنِ مِنَ الثَّمر. وقد تحدَّثنا عن ثَمَرِ العمل - أيْ عنِ الأشياءِ التي تَفْعَلُها حين تَربَحُ شخصًا للمسيح، وحينَ تُقَدِّمُ العطايا، وحينَ تُسَبِّحُ الرَّبَّ، وحين تَعملُ عملاً صالحًا. ولكنْ هناك فِئة مختلفةً تمامًا، وأنا أُسَمِّيها "ثَمَر المواقِف". فإذا نظرتم معي قليلاً إلى رسالة غَلاطيَّة والأصحاح الخامس، سَتَرَوْنَ هذا النَّوعَ المُحدَّدَ مِنَ الثَّمر. فنحن نقرأ في العدد 22: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ ..." [وسوفَ تُلاحظونَ هنا أنَّهُ لا يوجد عمل البَتَّة، بل هناكَ موقف]: "... مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ". والرسول بولُس يذكُر هنا لائحةً بالمواقِف. فهو لا يتحدَّث عنْ أيَّة أعمال، بل يتحدَّثُ عنْ مواقف. فالمحبَّةُ موقف. والفرحُ موقف. والسَّلامُ موقف. وطُوْلُ الأناةِ، واللُّطْفُ، والصلاحُ، والإيمانُ، والوداعةُ [أوِ الاتِّضَاعُ] هي جميعُها مواقِف.

ولكنْ لاحظوا ما سأقول: مِنْ جِهَةٍ، هناك ثَمَرُ الأعمال. ومِنْ جِهَةٍ أُخرى، هناك ثَمَرُ المواقِف. والآن استمعوا إلى ما سأقول: إنْ كان لديكَ ثَمَرُ أعمالٍ دون ثَمَرِ مواقِف، فهذه ناموسيَّة. أَتَرَوْن؟ فأنتَ تفعلُ ذلكَ بذاتِ الطريقةِ الَّتي كانَ يَفْعَلُها الفَرِّيسيُّون. وكما تَعلمون، هناك أُناسٌّ كثيرون يَجُولونَ ويُخبرونَ الناسَ عن يَسوع. ولكنَّ مَوْقِفَهُم ليس صحيحًا. فَهُمْ يَفعلونَ ذلك بدافِعِ الواجِبِ أوِ الالتزامِ أوِ الخوف. وهناك أشخاصٌ يُعطون مِنْ أموالِهم. فَهُمْ يُقدِّمونَ التَّقْدِماتِ؛ ولكنهم يفعلون ذلك مُضْطَرِّينَ وَمُكْرَهين.

وهناك أشخاصٌ يَتَمَنَّوْنَ عدمَ القيامِ بأشياءٍ مُعَيَّنة. أَتعلمون ذلك؟ فَهُمْ يَتَمَنَّوْنَ عدمَ القيام بهذا الأمرِ، وعدمَ القيامِ بذلك الأمرِ، وعدم القيامِ بكذا، وعدم القيامِ بكذا. فمَوقِفُهُمْ سَيِّءٌّ طَوَالَ الوقت. وَهُمْ يَغضبونَ ويَتَمَنَّوْنَ لو لم يقوموا بأيِّ عَمَلٍ مِنْ تلكَ الأعمال. فمعَ أنَّهم يَفعلونَ الشيءَ الصحيحَ فإنَّهم لا يفعلونه بدافِعٍ صحيح. مِنْ جِهَةٍ أُخرى، إنْ كانَ موقِفُكَ سليمًا، يجب عليك أنْ تَفعلَ شيئًا. وهذا يَصِحُّ بالمَعنى الرُّوحيِّ أيضًا. وكما تَرَوْن، فإنَّ ثَمَرَ الأعمالِ مِنْ دونِ ثَمَرِ المواقِفِ هو ناموسيَّة. فثمرُ المواقِفِ ينبغي أنْ يُنْتِجَ ثَمَرَ أعمال. وهذه هي الرُّوحانيَّة الصحيحة.

وإذا كنتَ تَسْلُكُ في الرُّوحِ، فإنَّ هذه فِكْرة روحيَّة تَختصُّ بالإثمار. فإنْ كنتَ تَسْلُكُ في الرُّوحِ، فإنَّ الروحَ يُنشئُ فيك مَحبَّةً، وفَرَحًا وسَلامًا، ولُطْفًا، وصلاحًا، وإيمانًا، ووداعةً، وتَعَفُّفًا. وإذْ يُنشئُ فيكَ هذه المواقفَ فإنَّ هذه المواقفَ ستُنْتِجُ أعمالاً صحيحة. ولكنْ هناك أُناسٌ زائِفونَ كَثيرونَ في العالمِ يَعْمَلونَ بِمَعْزِلٍ عنِ المواقِفِ الصَّحيحة. ولكِنْ لاحظوا كلماتِ يسوعَ عندما قال لَهُ البعضُ: "بِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً". فَهُوَ سيقولُ لهم: "اذْهَبُوا عَنِّي" [ثُمَّ ماذا؟] "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!". فأنتم لم تكونوا حَتَّى في العائلة. لذلك فإنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ عندما نكون مُثْمرين - مُثْمرين. وهذا يعني أنْ تكونَ لدينا مواقفُ سليمة وتصرُّفاتٌ سليمة.

والمواقفُ، يا أحبَّائي، مُهمَّةٌ جدًّا. وقد تقول: "حسنًا يا جون! كيف نَتَبَنَّى هذه المواقف السليمة؟ فكيف نَمتلِكُ قلبًا مُمتلِئًا بالمحبَّة؟ وكيف نَمتلِك قلبًا ممتلِئًا بالفرحِ والسَّلام؟ وكيف نَمتلِكُ قلبًا ممتلِئًا بطولِ الأناةِ والأمور الأخرى؟" حسنًا، أعتقد أنَّ ما جاءَ في الأصحاحِ الخامسِ مِنْ رسالة غلاطيَّة يُساعدُنا كثيرًا في إدراكِ ذلك لأنَّنا نقرأُ في العدد 25: "إِنْ كُنَّا نَعِيشُ بِالرُّوحِ، فَلْنَسْلُكْ أَيْضًا بِحَسَبِ الرُّوح". فالأمرُ يَختصُّ بتسليمِ دَفَّةِ حياتِكَ للرُّوحِ القُدُس بذاتِ الطريقةِ الَّتي يَخْضَعُ فيها الغُصْنُ للكَرْمة. فانسيابُ المواقفِ السليمةِ يَحْدُثُ عندما تَنسابُ طبيعةُ اللهِ بواسطةِ سُكْنى الرُّوحِ القُدُسِ في حياتنا إلى الحَدِّ الذي يَجْعَلُنا فيهِ مُثْمِرين. إذَنْ، ما الذي رأيناه؟ أنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلال إثْمارِنا.

والآن، لننتقل إلى المبدأ السَّادِس. ففي عمليَّة النُّموِّ، أوِ النُّضجِ، أوِ استخدامِ المفاتيحِ (إنْ جَازَ القولُ)، أوْ في عَمليَّةِ فَتْحِ مَغاليقِ النُّموِّ الرُّوحِيِّ، هناك مِفتاحٌ آخر وهو الآتي: نحن نُمَجِّدُ اللهَ [وهو أمرٌ أشرنا إليه في المرَّة السابقة] مِنْ خلالِ تَقديمِ ذبائِحِ الحَمْدِ لَهُ. فأنا لا أُصَدِّقُ أنَّ المؤمنَ يمكنُ أنْ ينمو ما لم تَتَّسِمْ حَياتُهُ بالتَّسبيح. فالتسبيحُ يَضَعُنا في صُلْبِ عمليَّة النُّموِّ. واسمحوا لي أنْ أَذْكُرَ لكم آيةً بسيطةً ورائعةً. فنحن نقرأ في المزمور 50: 23: "ذَابحُ الْحَمْدِ يُمَجِّدُنِي". ويا لها مِنْ جُملةٍ رائعةٍ! فهل تريدُ أنْ تُمَجِّدَ اللهَ؟ إذَنْ، قَدِّم لهُ ذَبائِحَ الحَمْدِ- قَدِّم لهُ ذبائِحَ الحَمْدِ.

وأنتم تَرَوْن هنا شيئًا بسيطًا جدًّا وعمليًّا جدًّا. فتمجيدُ اللهِ لا يَتوقَّفُ على استخدامِ النَّوافذِ الزجاجيَّةِ الملوَّنةِ أوْ مُوسيقى الأُرْغُن، بل إنَّهُ يتوقَّفُ [ببساطةٍ] على الإثْمار. والأمرُ يتوقَّف [ببساطةٍ] على الاتِّضاعِ الَّذي يَجْعَلُنا نُؤمِنُ ونَتَّكِلُ على الرَّبِّ. وهو يتوقَّفُ على الاتِّضاعِ الَّذي يَجْعَلُنا نَعترف بخطايانا. وهو يتوقَّفُ على الاتِّضاعِ الَّذي يَجْعَلُنا نَخْضَعُ لرُبوبيَّةِ المسيحِ أيًّا كان الثمن. كذلكَ فإنَّ الاتِّضاعَ الَّذي يَجْعَلُنا نَحْمَدُ الرَّبَّ يَضعُنا أيضًا في صُلْبِ عمليَّةِ النُّموِّ. فأنا أُوْمِنُ حقًّا أنَّ الأشخاصَ المُتكبِّرينَ لا يَحْمَدونَ اللهَ. فَهُمْ مُنْهمكونَ جدًّا في مَدْحِ أنْفُسِهم. أَمَّا الأشخاصُ المُتَّضعون فإنَّهم يُسبِّحون اللهَ. وَهُمْ أشخاصٌ يُوَقِّرونَ اللهَ ويُركزِّونَ على اللهِ. وبسببِ اتِّضاعِهِم فإنَّهم يَسكبونَ قُلوبَهُم مِنْ خلالِ تَقديمِ ذبائِحِ الحَمْدِ لَهُ.

والآن، هذا جزءٌ لا يَتَجَزَّأُ مِنَ الطريقةِ التي يريدُها اللهُ مِنْ شعبه حَتَّى إنهُ أعطاهم حرفيًّا كتابَ تَسْبيحٍ يَزْخُرُ بالتسابيحِ التي نُسَمَّيها: "المزامير". فالمزاميرُ هي تلكَ التَّراتيلُ العظيمةُ التي كانت تُرَنَّمُ حقًّا مِنْ قِبَل بَني إسرائيل. وقد أرادَ اللهُ منهم أنْ يعرفوا هذه المزاميرَ وأنَّ يُرَتِّلوها لأنه ينبغي لهم دائمًا أنْ يُقدِّموا التسبيحَ لَهُ. فهذا أمرٌ واجبٌ لأنَّه مُستَّحِق. فعلى سبيل المثال، سأقدِّم لكم نَموذَجَيْنِ فقط مِنْ سِفْرِ المزامير إذْ نقرأ (أوَّلاً) في المزمور 86: 9: "كُلُّ الأُمَمِ الَّذِينَ صَنَعْتَهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ يَا رَبُّ، وَيُمَجِّدُونَ اسْمَكَ. لأَنَّكَ عَظِيمٌ أَنْتَ وَصَانِعٌ عَجَائِبَ. أَنْتَ اللهُ وَحْدَكَ". ويا لها مِنْ كلماتٍ رائعةٍ! إنَّها رائعة وَحَسْب! ونقرأ في العدد 12: أَحْمَدُكَ يَا رَبُّ إِلهِي مِنْ كُلِّ قَلْبِي، وَأُمَجِّدُ اسْمَكَ إِلَى الدَّهْرِ". فتقديمُ الحَمْدِ للهِ يُماثِلُ إعطاءَهِ المَجْد. لذا فإنَّ تَقديمَ الحَمْدِ للهِ مُهِمٌّ جدًّا (كما جاءَ في المزمور 86).

ولننظر مَرَّةً أخرى إلى المزمور 92 (إلى الآيَتَيْنِ الأولى والثانية فقط) إذْ نقرأ: "حَسَنٌ هُوَ الْحَمْدُ لِلرَّبِّ وَالتَّرَنُّمُ لاسْمِكَ أَيُّهَا الْعَلِيُّ. أَنْ يُخْبَرَ بِرَحْمَتِكَ فِي الْغَدَاةِ، وَأَمَانَتِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ". وهذه كلماتٌ بسيطةٌ وحسب: حَسَنٌ هُوَ الحَمْدُ للربِّ في الصَّباحِ والمساءِ، وفي كُلِّ وقتٍ في أثناءِ اليوم.

ونقرأ في سِفْر نَحَمْيا 8: 6: "وَخَرُّوا وَسَجَدُوا لِلرَّبِّ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى الأَرْضِ". فقد كانَ هناكَ شُعورٌ بالرَّهبةِ. وقد كانَ هناكَ شُعورٌ بالإجلال. وقد كانَ هناكَ شُعورٌ بالاتِّضاعِ في ضَوْءِ جَلالِ شَخْصِ اللهِ غيرِ المحدود.

والآن، ما معنى التسبيح؟ إنْ قُلتُ لمجموعةٍ عاديَّة مِنَ الناس: "عندما أَعُدُّ إلى الرَّقْم ثلاثة، أريدُ منكم أنْ تُسَبِّحوا الرَّبَّ"، ما الذي سيفعلونه في اعتقادكم؟ حسنًا، قد يُرَنِّمُ البعضُ ترنيمةً قائلين "المَجْدُ للربِّ" أوْ أيَّ شيءٍ من هذا القبيل. وقد يقولُ آخرون: "الحمدُ للربِّ. هَلِّلويا!" وقد يُلَوِّحُ البعضُ بأيدِيهِم. وقد يُصَلِّي البعضُ بِصَمْتٍ في قلوبِهِم. ولكنْ ما هي الإجابة الصحيحة؟ فكيف نُسَبِّحُ الرَّبَّ؟ وما معنى ذلك؟ فهل التسبيح هو أكثر مِنْ مُجرَّد القول: "الشُّكْرُ للرَّبِّ"؟ فقدِ اعْتَدْنا على اختصارِ هذه العبارةِ في اللُّغةِ الإنجليزيَّةِ باستخدام الأحرف (P.T.L = Praise the Lord). فنحن لا نُكَلِّفُ أنفُسَنا عناءَ شُكْرِهِ بطريقةٍ لائقةٍ حتَّى إنَّنا بِتْنا نَختصرُ هذه العبارَةِ ونَلْفُظُها بحُروفٍ مُختَصَرة.

ولكنْ مَهلاً. فما معنى أنْ نُسَبِّحَ الرَّبَّ؟ هل هي مُجرَّدُ جُملةٍ قصيرةٍ نَذْكُرُها بِشِفاهنا بين الحين والآخر فصارتْ مُجَرَّدَ عبارةٍ مَسيحيَّة مُبْتَذَلَة؟ لا! فالتسبيحُ الحقيقيُّ يَضُمُّ ثلاثة أشياءٍ بحسبِ تعليمِ الكتابِ المقدَّس: أوَّلاً، التسبيحُ الحقيقيُّ يعني أنْ تَذْكُرَ صِفاتِ اللهِ. فأنت تَذكُرُ صِفاتِ الله. وكما تَرَوْن فإنَّ التسبيحَ يُعَبِّرُ عن شخصِ اللهِ وعنْ حقيقَتِه. وهذا شيءٌ عظيم. فالتسبيحُ الحقيقيُّ يعني أنْ نَذكُرَ صِفاتِ الله. والناس يقولون لي غالِبًا: "أتدري أنَّني لا أَدْرِسُ حقًّا العهدَ القديمَ كثيرًا لأنَّ العهدَ الجديدَ هو المهمُّ حقًّا. فهذه هي المملكةُ السِّرِّيَّةُ، ولكِنَّ الأسرارَ قد كُشِفَت. لذلك يجب علينا أنْ ندرس ذلك. فينبغي لنا أنْ ندرس ذلك. والعهدُ القديمُ شيءٌ عَفَاهُ الزَّمن". اسمعوني: هناك أسبابٌ عديدةٌ لدراسةِ العهد القديم؛ وواحدٌ منها هو أنَّه يَكْشِفُ الكثيرَ عن شخصِ الله. ويجب عليكم أنْ تعرفوا هذه الأشياء التي تَصِحُّ على طبيعةِ اللهِ لكي تَقوموا (على أقَلِّ تقديرٍ) بتسبيحِهِ على تلك الأشياء.

فمثلاً، يَبتدئُ حَبَقُّوق في الأصحاحِ الأُوَّل بتسبيحِ اللهِ على شخْصِه. فهو يُسَبِّحُهُ لأنَّهُ قُدُّوس. وهو يُسَبِّحُهُ لأنَّه قدير. وهو يُسَبِّحُهُ لأنَّه سَرْمَدِيٌّ. وهو يُسَبِّحُهُ لأنَّه اللهُ حافِظُ العهدِ. وفي أثناءِ ذلك التسبيحِ فإنَّه يَحُلُّ مُشكلةً عويصةً في قلبه. فهو لم يكُن يفهم السبب الذي جَعَلَ اللهَ يَدينُ بَنِي إسرائيل. وهو لم يكُن يفهم السبب الذي جَعَلَ اللهَ يُرْسِلُ عليهم تلك الأمَّةَ القاسيةَ (أيِ الكَلْدانيِّينَ الذين كانوا أسوأ مِنْ بَنِي إسرائيل) وجعلهم يُخْضِعونَ بَنِي إسرائيل.

فقد كان يقول: "يا رَبّ، أَنْهِضْ شَعبَكَ. أَحْدِثْ نَهضةً عظيمةً. يا رَبّ، رُدَّ الشعبَ رَدًّا عظيمًا إليك". ولكنْ مِنْ جهةٍ أُخرى فإنَّ اللهَ يقول: "سوف أَدينُهُم. وسوفَ أَستخدِمُ شعبًا أَقْسى منهم للقيام بذلك". وقد كان رَدُّ حَبَقُّوق على ذلك هو: "يا رَبّ، كيفَ يُمْكِنُكَ أنْ تَفعلَ أمرًا كهذا؟" وفي وَسْطِ حَيْرَتِهِ، فإنَّه يَبتدئُ في تَذَكُّرِ أنَّ اللهَ قُدُّوسٌ؛ فهو لا يُخْطئ البتَّة. واللهُ هو الإلهُ حافِظُ العهدِ؛ فهو لا يَنْكُثُ وَعْدًا. واللهُ سَرْمَدِيٌّ؛ فهو خَارجُ إطارِ التاريخ. واللهُ هو القديرُ؛ فهو ليس ضَحِيَّةَ الكَلْدانِيِّين. وبعد أنِ انتهى حَبَقُّوق مِنْ ذلك فإنَّه يقول: "أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا". فهو يقول: أنا أشعرُ بمشاعرَ طَيِّبةٍ الآن، يا رَبّ" بالرَّغمِ مِنْ أنَّ ظُروفَهُ لم تتغيَّر. فقد كان ما يزالُ في الظُّروفِ نفسِها.

ويمكنكم أنْ تَنظروا إلى دَاوُد. فقد خَرَجَ مُسرعًا مِنَ المدينةِ وَكانَ يَختبئُ بينَ بعضِ الشُّجَيْراتِ في وَسْطِ البَرِّيَّة. وقد كانَ يَلْهَثُ ويَختبئُ بينَ تلكَ الشُّجيرات. وإذا سألْتَهُ: "داوُد! ما الَّذي تَفعله؟" سيقولُ لك: "إنَّ ابْني أبشالوم يَطْلُبُ نَفْسِي". ثُمَّ إنَّ داودَ يَجلسُ ويبتدئُ في التَّفكيرِ في اللهِ فيقول: "يا رَبّ، أنتَ كُلِّيُّ القُدرة، وأنتَ القَديرُ، وأنتَ غَافِرُ الذُّنوبِ، وأنتَ قُدُّوسٌ، وأنتَ سَتَفوزُ في النِّهاية. وأنتَ صاحِبُ السِّيادة". ثُمَّ إنهُ يَخْرُجُ مِنْ مَخْبَئِهِ ويَقِفُ بثباتٍ. فمعَ أنَّ أبشالوم كانَ ما يَزالُ يُطارِدُهُ، فإنهُ قد فَهِمَ اللهَ فَهْمًا أفضَل. وقد كانَ ذلكَ كَافِيًا لإحْداثِ فَرْقٍ كَبير.

لذلك، عندما تَذكُرُ صِفاتِ اللهِ، فإنَّك تَذكُرُ فَضائِلَهُ وتَضَعُ عَمودًا فِقْريًّا في وَسْطِ ضَعْفِك. فمشكلةُ حَبَقُّوق لم تَتحسَّن البتَّة، بل إنَّها ازدادَتْ سُوْءًا. ولكنْ بعد أنْ فَهِمَ إلَهَهُ فقد صار قويًّا وقادرًا على التَّعايُشِ مع ظروفه.

وأنا أعرفُ مِنْ خلال حياتي الشخصيَّة أنَّ هذا الشيءَ مُهِمٌّ جدًّا. فَهُناك أشياء صغيرة في حياتك ومشاكل لا يمكنك أنْ تَجِدَ حَلًّا لها. فقد تقول: "يا لها مِنْ مُشكلة عويصة. كيف سنُعالِج هذه المشكلة؟ فنحن لا نَمْلِكُ المَوارِدَ يا رَبّ. نحن نحتاجُ إلى هذا الشيء، ولكننا لا نَمْلِكُ أيَّ مال"، أوْ أيَّ شيءٍ مِنْ هذا القبيل. ثُمَّ إنَّكَ تتوقَّفُ وتقول: "يا رَبّ، أنت أَعظم مِنَ التاريخ". و "يا رَبّ، أنتَ تَمْلِكُ كُلَّ شيءٍ في الكونِ كُلِّه". و "يا رَبّ، أنت تستطيعُ أنْ تفعل كُلَّ ما تشاء". و "يا رَبّ، أنتَ قُلتَ إنَّك تُحِبُّنا. وقد وَعَدْتَنا أنَّك سَتَسُدُّ كُلَّ حَاجاتِنا وأنَّك ستعتني بنا كما تعتني بِعُشب الحقل". و "يا رَبّ، أنتَ الذي وَعَدْتَ أنَّ صِفاتِكَ مُتاحَةٌ لنا، وأنَّ قُدرتكَ تَعملُ لِصالِحنا"، وَهَلُمَّ جَرَّا، وَهَلُمَّ جَرَّا. وحينئذٍ، هل تَرَوْنَ كم ستَتَحَسَّنُ مَشاعِرُكم؟ وحينئذٍ فإنَّكم سَتُمَجِّدونَ اللهَ. وهذا هو العُنصُر الأوَّل.

أَمَّا العنصرُ الثاني فهو الآتي: إنَّ تمجيدَ اللهِ وتسبيحَ اللهِ لا يتوقَّف على ذِكْرِ صِفاتِهِ وحَسْب، بل إنَّه يَعني أيضًا أنْ نَذْكُرَ أعمالَهُ لأنَّ صِفاتِهِ مُعْلَنه مِنْ خلال أعماله. والتسبيحُ الحقيقيُّ هو كذلك. لذلك فإنّكم تَرَوْنَ ذلكَ يَتَكَرَّرُ كثيرًا في سِفْر المزامير، وتَسمعونَ تَرديدًا لِما صَنَعَهُ اللهُ: "أنتَ، يا رَبُّ، مَنْ شَقَقْتَ البحرَ الأحمر. أنتَ، يا رَبُّ، مَنْ أَخرجَ الشعبَ مِنْ أرض مِصر. أنتَ، يا رَبُّ، مَنْ شَقَقْتَ النَّهْرَ. أنتَ، يا رَبُّ، مَنْ أَخْرَجْتَ ماءً مِنَ الصخرة. أنتَ، يا رَبُّ، مَنْ أَطْعَمْتَنا المَنَّ في البَرِّيَّةِ. أنتَ، يا رَبُّ، مَنْ هَزَمَ الأعداءَ وأَسْقَطَ أَسوارَ أريحا". وَهَلُمَّ جَرَّا، وَهَلُمَّ جَرَّا، وَهَلُمَّ جَرَّا.

وكما تَرَوْن، فإنَّ التَّسبيحَ يَرْفَعُ اللهَ ويُمَجِّدُهُ. فهذهِ هيَ الغايةُ مِنَ التَّسبيح. وهذا هو ما فَعَلَهُ حَبَقُّوق في الأصحاح الثالث. ففي الأصحاحِ الثالثِ، راحَ يُعيدُ تَقييمَ مَشاكِلِهِ ابتداءً مِنَ الأصحاحِ الثالثِ والعددِ الثالثِ فَصاعِدًا بالقول: "يا رَبّ، أنتَ فَعلتَ هذا الأمر، وأنتَ فعلتَ ذاكَ الأمر. وأنتَ فعلتَ كذا وفَعلتَ كذا". وعندما يَصِلُ إلى العدد 16 فإنهُ يقول: "عندما أُفَكِّرُ في ما فَعَلَهُ اللهُ، فإنَّ رُكْبَتَيَّ تَرتعشان وأشعرُ بالنَّخْرِ في عِظامي. فأنا أرتعشُ مِنْ قِمَّةِ رأسي إلى أَخْمَصِ قَدَمَيَّ. ولكنِّي أريدُ أنْ أقولَ لكم شيئًا واحدًا: أنا واثقٌ جدًّا في إلهي حَتَّى إنهُ إنْ لم يَسِرْ أيُّ شيءٍ على ما يُرام، وإنْ لم يُزْهِرِ التِّينُ"؛ وبالمُناسَبة، فإنَّ المحاصيلَ الزراعيَّةَ المُبارَكَةَ لا تَفْشَل. فعندما تَقطَعُ شجرةَ تِيْن، أوْ بالحَرِيِّ عندما تَقطعُ شجرةَ زيتون؛ عندما تَقطعُ شجرةَ زيتون في إسرائيل يجب عليكَ أنْ تَتْرُكَها أربعينَ سنة إلى أنْ تَتَمَكَّنَ مِنْ حَفْرِ خَشَبِها لأنَّها تحْوي كميَّةً كبيرةً مِنَ الزَّيْت. فهي لا تَفْشَل يا أحبَّائي. فهي تبقى وقتًا طويلاً جدًّا. ولكنَّ حَبَقُّوق يقول: "لكِنْ حتَّى لو سَقَطَتْ كُلُّ الأشجارِ، ونَفَقَتْ كُلُّ الحَيَواناتِ، واختفتِ الثَّرْواتُ الطبيعيَّةُ مِنَ الوجودِ، فإنَّني سأظَلُّ مُتَّكِلًّا على اللهِ". لماذا؟ لأنهُ كانتْ لديهِ اختباراتٌ كثيرةٌ جدًّا مَعَهُ. فقد بَرْهَنَ اللهُ على أمانَتِهِ. لذلكَ فإنَّ العهدَ القديمَ يَزْخُرُ بالتَّاريخِ الَّذي يُبَرْهِنُ لنا على أنَّ اللهَ أمينٌ بِكُلِّ تأكيد.

إذَنْ، ما معنى التَّسبيح؟ أنْ نفعلَ ذلك – أيْ أنْ نُرَدِّدَ صِفاتِهِ وأعمالَهُ. فإذا واجَهْتَ مُشكلةً أو أزمةً مُعَيَّنَةً في مَكانِ عملكَ، أو في مدرسَتِكَ، أوْ في أيِّ مكانٍ آخر وقُلْت: "يا رَبّ، كيف سأتَخَطَّى تلكَ المشكلة؟" تَذَكَّر فقط أنَّكَ تستطيعُ أنْ تُسَبِّحَ اللهَ. فهذا سيُساعِدُكَ كثيرًا جدًّا. فيمكنك أن تقول: "يا رَبّ، أنتَ اللهُ الَّذي أَخَذْتَ ذاتَ يومٍ زِمامَ المُبادَرَةِ وصَنَعْتَ مِنْ لا شيء النُّجومَ والكواكِبَ. وأنتَ اللهُ الَّذي شَكَّلْتَ الكُرةَ الأرضيَّةَ هذِهِ. وفي وَسْطِ التَّشويشِ الَّذي يَعُمُّ هذا العالم فإنَّكَ زَرَعْتَ الأرضَ وجَعَلْتَها جميلةً، وفَصَلْتَها عنِ البحر. ثُمَّ إنَّكَ خَلقتَ الإنسانَ وخَلَقْتَ كُلَّ شيءٍ آخر. وعندما سَقَطَ الإنسانُ فإنَّكَ عَقَدْتَ العَزْمَ على أنْ تَفْديه. وأنتَ اللهُ الَّذي اخْتَرْتَ أُمَّةً لنفسِكَ. وأنتَ اللهُ الَّذي حَفِظَ تلكَ الأُمَّةَ طَوالَ التَّاريخ. وأنتَ اللهُ الَّذي صَنَعْتَ العَجائِبَ الواحدةَ تِلْوَ الأخرى. وأنتَ اللهُ الَّذي نَقَشْتَ بِطَرَفِ إصْبَعِكَ الشَّريعَةَ على لَوْحَيْنِ مِنْ حَجَر. وأنتَ اللهُ الَّذي مَكَّنْتَ شَعْبَكَ مِنَ الخُروجِ مِنْ مِصْرَ وأَغْرَقْتَ جيشَ فِرعون. وأنتَ اللهُ الَّذي جِئْتَ إلى العالمِ في هيئةٍ بشريَّةٍ وأَقَمْتَ يسوعَ مِنَ الأمواتِ. والآنْ، يا رَبّ، لديَّ هذه المشكلة الصغيرة". فحينئذٍ، سوفَ تَتلاشى مُشكلَتُك. أليسَ كذلك؟

وكما تَرَوْن، فإنَّنا نواجهُ صُعوباتٍ جَمَّةً في حياتِنا لأنَّنا لا نُدركُ حقًّا قُدرةَ إلهِنا. ونحنُ لا نُدَوِّن (لأجْلِ تَعليمِنا) كُلَّ ما صَنَعَهُ في الماضي. وهذا هُوَ المَعنى الحقيقيُّ للتسبيح. لذلكَ فإنَّ التَّسبيحَ لا يُمَجِّدُ اللهَ فقط مِنْ مُنْطَلَقِ قَوْلِ الحَقيقَةِ عنهُ، بل إنَّ التَّسبيحَ يُمَجِّدُ اللهَ أيضًا لأنَّهُ يُؤكِّدُ اتِّكالَنا عليه.

لذلك، هل نُمَجِّدُ اللهَ: أوَّلاً، مِنْ خلال ذِكْر صفات؟ ثانيًا، مِنْ خلال ذِكْرِ أعماله؟ وثالثًا، مِنْ خلال تقديم الشُّكْرِ على صِفاتِهِ وأعمالِه؟ فأنا أعتقد أنَّ جوهرَ التَّسبيحِ ولُبَّ التسبيحِ هو التعبيرُ عنِ الشُّكْر. واسمحوا لي أنْ أُوضِّح ذلك لكم مِنْ خلال النَّظَرِ مَعًا إلى إنجيل لوقا 17: 11، إنجيل لوقا 17: 11. استمعوا إلى هذه القِصَّةِ الَّتي سنَخْتِمُ دَرْسَنا بها:

"وَفِي ذَهَابِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ اجْتَازَ فِي وَسْطِ السَّامِرَةِ وَالْجَلِيلِ. وَفِيمَا هُوَ دَاخِلٌ إِلَى قَرْيَةٍ اسْتَقْبَلَهُ عَشَرَةُ رِجَال بُرْصٍ، فَوَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ وَرَفَعوُا صَوْتًا قَائِلِينَ: «يَا يَسُوعُ، يَا مُعَلِّمُ، ارْحَمْنَا!»". وقد كانَ هؤلاءِ البُرْصُ يُكَلِّمونَ يَسوعَ دُوْنَ شَكٍّ. فقد سَمِعُوا عن قُدرَتِه. "فَنَظَرَ وَقَالَ لَهُمُ: «اذْهَبُوا وَأَرُوا أَنْفُسَكُمْ لِلْكَهَنَةِ»". فقد كان ينبغي للأبرصِ (الَّذي يُريدُ أنْ يَرْجِعَ إلى المجتمعِ في حَالِ شِفائِهِ مِنْ مَرَضِهِ) أنْ يَعْرِضَ نَفْسَه على الكاهنِ. وكان ينبغي للكاهنِ أنْ يُؤكِّدَ صَلاحِيَّتَهُ للعودةِ إلى المجتمع لأنَّهم كانوا يَعتقدونَ أنَّ مَرَضَ البَرَصِ مُعْدٍ. "وَفِيمَا هُمْ مُنْطَلِقُونَ طَهَرُوا". فقد كان ينبغي لهم أنْ يَخْطُوا خُطوةَ إيمانٍ أوَّلاً. ووَفقًا لِما سَمِعوهُ عن يسوع، فقد فَعلوا ذلك. وفي أثناءِ الطَّريقِ، طَهُرَ الرِّجالُ العَشْرَةُ جميعًا.

ثُمَّ لاحِظوا ما جاءَ في العدد 15: "فَوَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ شُفِيَ، رَجَعَ [وَفَعَلَ ماذا؟] يُمَجِّدُ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ شَاكِرًا لَهُ". والآنْ، هل تُدْرِكونَ المَعنى المقصود؟ "وَكَانَ سَامِرِيًّا". فقد كانَ مِنْ نَسْلٍ مُخْتَلَطٍ. وكانَ مَنبوذًا. فقد قامَ واحدٌ فقط بتمجيدِ اللهِ. وكيفَ فَعَلَ ذلك؟ بأنْ قَدَّمَ لَهُ الشُّكْرَ: "شُكرًا لكَ على قُدرَتِكَ. وشُكرًا لكَ على ما صَنَعْتَ. وشُكرًا لكَ على صِفاتِكَ الَّتي تَسْمَحُ لَكَ أنْ تَشْفي. وشُكرًا لكَ لأنَّكَ فَعَلْتَ ذلكَ مِنْ أجلي". فقد شَكَرَ اللهَ على صِفاتِهِ وَعَمَلِهِ. وهذِهِ هِيَ خُلاصَةُ التَّسبيح.

فهذا هوَ التَّسبيح. وما أعنيه هو أنَّ التسبيح ليسَ شيئًا بعيدًا وَحَسْب. فهو لا يعني فقط أنْ نقول: "يا رَبّ، أنتَ إلَهٌ أمينٌ. المَجْدُ لاسْمِكَ" أوْ: "يا رَبّ، أنتَ قَدْ صَنَعْتَ كَذا. المَجْدُ لاسْمِكَ". بلْ إنَّهُ يَعني أنْ نقول: "شُكرًا لَكَ على صِفاتِكَ وعلى ما صَنَعْتَ في حَياتي". أَتَرَوْن؟ فهوَ يعني أنْ نُسَبِّحَ اللهَ مِنْ صَميمِ حَياتِنا. ثُمَّ إنَّ يسوعَ قالَ: "أَلَيْسَ الْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ التِّسْعَةُ؟ أَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَرْجِعُ لِيُعْطِيَ مَجْدًا للهِ غَيْرُ هذَا الْغَرِيبِ الْجِنْسِ؟" ثُمَّ قَالَ لَهُ: قُمْ وَامْضِ، إِيمَانُكَ خَلَّصَكَ". وأعتقدُ أنَّ مَا قَصَدَهُ بذلكَ هُوَ أنَّهُ قد خَلَصَ رُوْحِيًّا. فأنا أعتقدُ أنَّ العَشْرَةَ جميعًا قد نالوا الشِّفاءَ، ولكنَّ واحدًا فقط نالَ الخلاص. فقد نالَ واحِدٌ فقط الفِداء؛ وَهُوَ الشَّخصُ الَّذي عادَ وقَدَّمَ الشُّكْرَ.

ولكنَّ اللهَ يَتَمَجَّد عندما نُعَبِّرُ عن إدراكِنا بأنَّ قُدرَتَهُ وأعمالَهُ تُستخدمُ جَميعُها لِمَصْلَحَتِنا. ويا لَهُ مِنْ حقٍّ عظيم! فنحن نقرأ في رسالة كورنثوس الأُولى 15: 10 أنَّ الرسول بولُس قال: "وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي". فهو يقول: "إنَّ الشَّيءَ الرائعَ بخصوصِ اللهِ وقُدرَتِهِ هوَ أنَّ قُدْرَتَهُ لامَسَتْ حياتي".

والآن، يا أحبَّائي، إنَّ اللهَ يَتَمَجَّدُ عندما نَقولُ "شُكرًا" - أيْ عندما نُعَبِّرُ عن شُكرنا لَهُ على أعمالِهِ وقدرتِهِ العاملةِ لأجلِنا. فنحن نقرأ في رسالة بطرس الأُولى 4: 11: "إِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ فَكَأَقْوَالِ اللهِ. وَإِنْ كَانَ يَخْدِمُ أَحَدٌ فَكَأَنَّهُ مِنْ قُوَّةٍ يَمْنَحُهَا اللهُ، لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اللهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِيَسُوعَ المسيح". بعبارةٍ أُخرى، تَذكَّروا الآتي: أنَّك إنْ كُنَّتَ تتكلَّمُ بأقوالِ اللهِ، وإنْ كنتَ تَخْدِمُ اللهَ في أيِّ مَجالٍ فإنَّك تفعلُ ذلك بِسَبَبِهِ هُوَ. لِذلكَ فإنَّهُ يَستحقُّ كُلَّ المَجْد.

وقد قالَ أحدُ الأشخاص: "إنَّ ذلكَ يُشْبِهُ دُودَةَ القَزِّ التي تُخْفي نَفْسَها عندما تقومُ بِعَمَلِها تَحْتَ الحَرير فلا تَعود تُرَى". لذلك، عندما نَفعلُ أيَّ شيءٍ يَستحِقُّ المَدْحَ، يجب علينا أنْ نُخفي أنفسَنا وأن نُعطي المَجْدَ لله. فتسبيحُ اللهِ يُعطيهِ المَجْد. وأيًّا كانَ الشيءُ الذي يَحدُثُ في حياتِنا، يجب علينا أنْ نُدْركَ أنَّ ذلكَ حَدَثَ بسببِ صِفاتِ اللهِ وبسببِ عَمَلِ نِعْمته. لذلك يجب علينا أنْ نُعَبِّرَ عن شُكرِنا لَهُ.

والآن، ما الذي تَعَلَّمناه؟ أنَّ النُّموَّ الروحيَّ هو أمرٌ يَختصُّ بتمجيدِ الله. ونحن ننمو عندما تَمتلئ حياتُنا بالتسبيح؟ ونحن ننمو عندما تَمتلئ حياتُنا بالثمر والإثْمار. ونحن ننمو عندما تَتِّسِّمُ حياتُنا بالاتكالِ على الله. وحين نحيا بهذه الطريقة ونُركِّز على مَجْدِه، فإنَّنا نَتَغَيَّرُ مِنْ مَجْدٍ إلى مَجْدٍ، ونتقدَّمُ أكثرَ فأكثرَ لنصيرَ أكثرَ شَبَهًا بالمسيح. وهناكَ الكثير لِنُشارِكَهُ في الجلسةِ القادمة. وسوفَ نَفعلُ ذلك في المَرَّةِ القادمة. أَمَّا الآن، لِنَحْنِ رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي في الخِتام:

نَشكركَ، يا أبانا، لأنَّك أَعطيتَنا [مَرَّةً أُخرى] أنْ نُدْرِكَ هذه الحقائقَ الأساسيَّةَ والعمليَّةَ جدًّا بخصوصِ الحياةِ التي تُمَجِّدُكَ لكي نَنْمُو وننضُجَ رُوحيًّا. وليتَنا نأخذ هذه المفاتيحَ ونَفتَحُ بها كُلَّ البَرَكاتِ العظيمةِ التي وَهَبْتَها لنا. نَرْفَعُ صَلاتَنا هذهِ باسْمِ يَسوعَ ولأجلِ مَجْدِهِ. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize