Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد كُنَّا وما زِلنا نَصْرِفُ وقتًا رائعًا معًا في دراسةِ موضوعِ النُّموِّ الرُّوحِيِّ. وبصراحة، لا يوجد شيء في حياة المؤمن أكثر أهميَّة مِنْ أنْ ينخَرِط في عمليَّة النُّموِّ الروحيّ. فمِنَ المؤسِف جدًّا أنْ يبقى المؤمن في حالة الطفولة طَوَال سنوات حياته على الأرض. ولكنْ يؤسفُنا أنْ نقول إنَّ هذا هُوَ تمامًا ما يحدُث في العديد مِنَ الحالات. فالكنائس ممتلئة بأُناسٍ لم يختبروا حقًّا النُّموَّ الروحيّ. فيبدو أنَّ السنواتِ انْقَضَتْ وأنَّهم يَخوضونَ نفس المعارِك بنفس الطريقة ويَنتهون بخسارتها بنفس الطريقة الَّتي خسروها فيها في الماضي. فلا يبدو أنَّهم قد تَقَوَّوْا. ولا يبدو أنَّهم حصلوا على أيَّة مَوارِد. ولا يبدو أنَّهم يَصعدون أيَّ درجة مِنْ درجات التقدُّمِ الروحيِّ تجعلهم يَختبرونَ النُّصْرةَ بصورةٍ أعظم أو تَجعلهم أكثرَ فائدةً لله.

وهذه هي المأساة الَّتي تُعيق عمليَّة النُّموِّ الروحيِّ. ونحن نريد أنْ نُعالِج هذه المشكلة مِنْ خِلال مشاركة المبادئ الكتابيَّة الَّتي تقودُنا حقًّا في طريقِ النُّضْجِ الروحيّ.

فقد نَفترضُ أنَّ اللهَ يُريدنا أنْ ننمو. ولكِنَّنا لسنا بحاجة إلى افتراضِ ذلك، بل يمكننا أنْ نَعرفَ ذلكَ يقينًا لأنَّنا نقرأ في رسالة بُطرس الثانية 3: 18: "انْمُوا فِي النِّعْمَةِ". ونقرأ في رسالة بُطرس الأولى 2: 2 أنهُ يجب علينا أنْ نَشتهي "اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ نَنْمُو بِهِ". لذا فإنَّ النُّمُوَّ هوَ في الحقيقة وَصِيَّة. فاللهُ يُوْصينا بأنْ نَنمو. وبولُس يقول: "كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ". فيجب علينا أنْ نَنضُج. ويجب علينا أنْ ننمو. ويجب علينا أنْ نتقدَّمَ في حياتِنا المسيحيَّة.

فيجب أنْ يكون يومُ أمس شيئًا، وأنَّ يكون اليومُ شيئًا آخرَ، وأنَّ يكون يومُ غَدٍ شيئًا مُختلفًا مَرَّةً أُخرى. والحقيقة هي أنَّني أشعرُ دائمًا في حياتي أنَّ أيَّ يَوْمٍ لا أنمو فيه (ولو قليلاً) ولا أزداد فيه شَبَهًا بالمسيح هو خسارةٌ كُلِّيَّة. فيجب أنْ أختبرَ في كُلِّ يومٍ بعض التقدُّم في حياتي الروحيَّة.

وقد تَحَدَّثْنا عن بعضِ الطُّرُقِ التي ننمو فيها روحيًّا. ولكننا ذَكَرنا إجمالاً أنَّ هناك مِفتاحًا رئيسيًّا للنُّموِّ الروحيِّ وهو الآتي: نحن ننمو روحيًّا في أثناءِ تَمْجيدِنا للهِ. ونحن نَعْلَمُ الآن معنى أنْ نُمَجِّدَ اللهَ لأنَّنا دَرَسْنا ذلك في جلساتِنا الأربع الماضيَّة. فنحن نُدْرِك إجمالاً أنَّ ذلك يعني أنْ نحيا لأجل إكرامِهِ، ولأجل تسبيحِهِ إذْ إنَّ بولُسَ يقولُ لتيطُس: "لِكَيْ يُزَيِّنُوا تَعْلِيمَ ... اللهِ". وكما قال يسوعُ، فإنَّ ذلك يعني أنْ نحيا لكي نُمَجِّدَ الرَّبَّ بالمعنى الحرفيِّ. فيجب أنْ نَكونَ مُنيرينَ كالأنوار في العالم، وحينئذٍ فإنَّ الآبَ يَتَمَجَّد. لذلك فإنَّ الحياةَ التي تَهْدِفُ إلى تمجيد الله هي حياة تَعْكِسُ الصَّلاحَ، وتَعكِس صورةَ اللهِ، وتَعكِسُ المسيحَ الَّذي يَحيا فينا.

وهذه هي (في الحقيقة) الحالة التي ننمو فيها روحيًّا. فإنْ لم نكُن نحيا لمجد الله، فإنَّ البديل الوحيد هو أنَّنا نحيا لأجل مجدِنا الذاتيِّ أوْ لتمجيدِ الشيطان. وفي أيٍّ مِنْ هَاتَيْنِ الحَالَتَيْنِ الأخيرَتَيْنِ فإنَّنا لا ننمو البتَّة. ولكِنْ فقط عندما نحيا لمجد اللهِ فإنَّنا ننمو. والآيَّةُ الرئيسيَّةُ هي 2 كورنثوس 3: 18 إذْ نَقرأ: "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ". بعبارةٍ أُخرى، فإنَّنا نَرى بوضوح ناظِرينَ مَجْدَ الربِّ "كَمَا في مِرْآةٍ". وتلكَ المرآةُ هي كلمةُ اللهِ الَّتي تَعكِسُها لنا. فإذْ نَنْظُرُ مَجْدَ الربِّ [والآنْ، لاحِظوا الآتي]: "نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ". بعبارةٍ أخرى، فإنَّنا نَبتدئُ بالصُّعودِ في المجد مُستوىً تلوَ الآخر لكي نصيرَ أكثر شَبَهًا بيسوعَ المسيح فيما نَتَأمَّلُ في مَجْدِه.

لذا فإنَّ التركيزَ في الحياة المسيحيَّة يَنْصَبُّ على مَعْرِفَةِ اللهِ وتمجيده. وهذا هو ما عَبَّرَ عنه بولُسُ حين قال: "لأعْرِفَهُ". لذلك، إذا أراد المؤمن أنْ ينمو، يجب عليه أنْ يُرَكِّز. والتَّركيزُ ينبغي أنْ يَنْصَبَّ على مَجْدِ الرَّبِّ. وحينَ يُكَرِّسُ نَفْسَهُ لتمجيدِ الرَّبِّ فإنَّه يَبتدئُ بالنُّمُوِّ.

ومِنْ ناحيةٍ عَمَلِيَّةٍ جدًّا، لقد تَعَلَّمْنَا أنَّ ذلك يعني أمورًا عديدة: أوَّلاً، نحنُ نُمَجِّدُ اللهَ بأنْ نَعترف بيسوعَ رَبًّا. فنحنُ نقرأ في الأصحاح الثاني مِنْ رسالة فيلبِّي أنهُ يجب علينا أن نَعترف أَنَّ يَسُوعَ هُوَ رَبٌّ "لِمَجْدِ اللهِ الآبِ". والآن اسمحوا لي أنْ أُلَخِّصَ ذلك بطريقةٍ بسيطةٍ جدًّا. فإنْ أردنا أنْ ننمو فإنَّنا سننمو فيما نُمَجِّدُ الرَّبَّ. فنحن سننتقلُ مِنْ مستوى مِنَ المَجْدِ إلى المستوى الذي يليه. ونحن سنتقدَّمُ مِنْ كونِنا أطفالاً إلى مرحلة الشبابِ لنصيرَ أباءَ رُوحِيِّين. وهذا لن يَحدث إلَّا عندما نُمَجِّدُ اللهَ - أيْ فقط حين نحيا لأجل مَجْدِهِ وحينَ نُكْرِمُهُ في حياتنا.

وهذا يعني (أوَّلاً) أنَّه ينبغي لنا أنْ نعترف بيسوعَ ربًّا. فلا يمكنك أنْ تحيا لأجل مَجْد الله ما لم توْلَد ثانيَّةً، وما لم تكُن مؤمنًا، وما لم تُكَرِّس حياتَكَ للمسيح. فهذا هو ما يقوله بولُس. وأوَدُّ أنْ أُذَكِّرَكُم بشيءٍ آخر ذَكَرْناهُ وهو الآتي: أنَّ الغايةَ الرئيسيَّةَ مِنْ أنْ تَصيرَ مؤمنًا هو ليس أنْ تَتَجَنَّبَ الذَّهابَ إلى جَهَنَّم، ولا أنْ تَختبرَ البَرَكة، بل إنَّ الهدف مِنْ أنْ تصير مؤمنًا هو أنْ تحيا لتمجيدِ اللهِ لأنَّه خَلَقَكَ لهذه الغاية.

وما يُدهشُني دائمًا هو أنَّ كُلَّ شيءٍ صَنَعَهُ اللهُ يُمَجِّدُه: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ". "يُمَجِّدُنِي حَيَوَانُ الصَّحْرَاءِ" (كما يقولُ إشَعْياء). وقد قالتِ الملائكةُ: "المَجْدُ للهِ في الأعالي". ولكِنْ مِنَ المدهشِ كيفَ أنَّ البشرَ يُقاومونَ إعطاءَ المجدِ للهِ. والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في الأصحاح الأوَّل مِنْ رسالة رُومية: "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ ... كَإِلهٍ". ويا لَهُ مِنْ إرْثٍ مُريعٍ ناجمٍ عن خطيئةِ الإنسانِ إذْ إنَّ الإنسانَ لا يُعطي اللهَ المَجْدَ. لِذلكَ فإنَّ الإنسانَ لا يتقدَّمُ البَتَّةَ رُوحيًّا.

والآن، عندما نَقْبل المسيح في حياتنا، وعندما نعترف به ربًّا، وعندما نعترف به مُخَلِّصًا وسيِّدًا، فإنَّ الولادةَ الجديدةَ هي التي تَجعل عمليَّةَ النُّموِّ الروحيِّ تَبتدئ. والآن، كيف ننمو روحيًّا بعد أنْ نَخْلُص؟ هناك طريقة ثانية. فنحن ننمو روحيًّا حين نُوَجَّهُ حياتَنا نحو ذلك المَجْد. بعبارة أُخرى، فإنَّنا نَخْلُص (وهذا اعترافٌ باللهِ)، ثُمَّ إنَّنا نُوَجِّهُ حياتَنا (أيْ كُلَّ ما نَفعل) نحو تمجيدِ الله.

والآيةُ الَّتي استخدمناها هي 1كورِنثوس 10: 31، وهي تقول: "فَإِذَا كُنْتُمْ تَأكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ". والأكلُ والشُّربُ هُما أبسط شَيئَيْن نقومُ بهما. فأبسطُ وأسهلُ شيءٍ في الحياة (كالأكلِ والشُّرْبِ) ينبغي أنْ نَفعلَهُ لمجدِ الله. والآن اسمعوني: عندما تحيا بهذه الطريقة، وتفعل كلَّ شيءٍ لمجدِ الله، ستَشعرُ في حياتِكَ الشخصيَّةِ أنَّ قُوَّةَ رُوحِ اللهِ تَجعلُكَ تَتَقَدَّمُ في دَرْبِ النُّضْجِ.

وقد شارَكْنا بعضَ الأشياء أيضًا. فهناكَ عُنصرٌ ثالثٌ في تمجيدِ اللهِ يُسْهِمُ في نُمُوِّنا وهوَ الاعترافُ بالخطيئة. فنحنُ نقرأ في سِفْر يَشُوع 7: 19: "اعتَرِف بخطيئَتِكَ وأَعْطِ مَجْدًا لِلرَّبِّ". فنحنُ نُمَجِّدُ اللهَ بأنْ نَعترف بخطايانا. وقد رأينا أيضًا أنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلالِ ثِقَتِنا به. فنحنُ نقرأ في رسالة رُومية 4: 20 أنَّ إبراهيمَ "تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِيًا مَجْدًا للهِ". لذلك، عندما نَعترف بيسوعَ رَبًّا، ونُوَجِّهُ حَياتَنا نَحْوَ تَمجيدِه، ونَعترف بخطايانا، ونَتَّكِل عليه، فإنَّنا نُعطيهِ مجدًا. ونتيجة لذلك فإنَّهُ يَجتذبنا رُوحيًّا مِثْلَ المِغْنطيسِ لنَصيرَ مُشابِهينَ للمسيح.

وقد رأينا أيضًا في دراساتِنا السابقةِ أنَّ هناكَ طريقة خامسة لتمجيدِ اللهِ وهي أنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلالِ إثْمارِنا. فنحنُ نقرأ في إنجيل يوحنَّا 15: 8: "بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأتُوا بِثَمَرٍ كَثِير". وقد رأينا أيضًا أنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خِلالِ تَسبيحِه. فنحنُ نقرأ في المزمور 50: 23: "ذَابحُ الْحَمْدِ يُمَجِّدُنِي". إذَنْ، فقد رأينا ما لا يَقِلُّ عن سِتِّ طُرُقٍ نُمَجِّدُ فيها اللهَ عَمَليًّا. وفي كُلِّ جانبٍ مِنْ هذهِ الجوانبِ، فيما نُكَرِّسُ أنفُسَنا للقيامِ بذلك فإنَّنا نَزْدادُ نُضْجًا.

فليس هناك سِرٌّ كبيرٌ في الأمر. وليست هناك نَشْوَةٌ روحيَّة. وليست هناك وَصْفَةٌ خاصةٌ لحدوث ذلك. فأنت لا تختبر شيئًا ما فجأةً فتجد أنَّك قد نَضَجْتَ رُوحيًّا. بل إنَّ هناك نُمُوًّا مُستمرًّا يحدث في حياتنا فيما نُمَجِّدُ اللهَ. وبالمناسبة، فإنَّ تمجيدَ اللهِ هو مُرادِفٌ للسُّلوكِ في الرُّوحِ، والعيشِ في الروح، وإطاعةِ كلمةِ اللهِ، والسماحِ لكلمةِ المسيحِ أنْ تَسْكُنَ فيكم بِغِنَى. فكُلٌّ هذه العباراتِ مُرادِفةٌ بَعْضُها لبعض. فعندما نُكَرِّس حياتَنا لله ونَخضع للروحِ القُدُس، ونَخضع للكلمة، فإنَّنا نُعطيه المَجْد. وهذا يعني أننا عندما نعترف بخطايانا، ونَتَّكِل عليه، ونكونُ مُثْمِرين، فإننا في كُلِّ هذه المجالات نُعطيه المَجْد.

والآن، أوَدُّ أنْ أُضيفَ نقطةً أُخرى في دِراسَتِنا في هذا المساء وهي الآتية: هناك طريقة سابعة نُمَجِّدُ فيها الله. فنحن نُمَجِّدُ اللهَ بأن نُحِبَّهُ مَحَبَّةً كَافِيَةً لإطاعَتِه. فنحن نُمَجِّدُ اللهَ بأن نُحِبَّهُ محبةً كافِيَةً لإطاعَتِه. وأرجو أنْ تفتحوا معي على إنجيل يوحنَّا والأصحاح الحادي والعشرين، إنجيل يوحنَّا والأصحاح 21. وهذه نقطة مُهمَّة جدًّا، وهو أمرٌ تَطَرَّقنا إليه بإيجاز في النقطة السابقة، ولكنَّني أَوَدُّ أنْ أُرَكِّز عليهِ لأنَّني أُوْمِنُ أنَّ الطاعة مُهمَّة جدًّا جدًّا.

والحقيقة هي أنَّني إنْ أردت أنْ أُلَخِّصَ الحياةَ المسيحيَّةَ في كلمة واحدة فإنَّني سأختارُ الكلمة "طَاعَة". وأنا لا أعني بهذه الكلمة الطَّاعة الخارجيَّة فقط، بل أعني رُوْح الطاعة والقلب الذي يَنْبُض بالطاعة. وهذا يختلف عن تلك الفتاةِ الصغيرةِ التي كانت تقِف. [ولَعَلَّكُم تَذكرونَ القصة]. فقد قال لها أبوها: "اجلسي! ولكنَّها ظَلَّتْ واقفةً هناك. ثُمَّ قال: "لقد قُلتُ لكِ أنْ تَجلسي". ولكنها بَقِيَتْ واقفةً هناك بكُلِّ وقاحة. فقال: "اجْلِسي وإلَّا صَفَعْتُكِ". فجلستْ، ثُمَّ نَظَرَتْ إلى أبيها وقالت: "ها قد جَلَسْتُ، ولكنَّني ما زِلْتُ واقِفَةً في قلبي".

ولكنَّنا لا نَتحدَّثُ عن هذا النَّوعِ مِنَ الطَّاعة. فنحن لا نتحدَّث عن طاعَتِكَ الظَّاهريَّة في حين أنَّك تَعصي اللهَ في قلبك. ونحن لا نتحدَّث عن الخُنوعِ الناموسيِّ، بل عن روح الطاعة. فيجب أنْ يكون في حياة المؤمن استعدادٌ للطَّاعة.

والآن، فيما تنظرون إلى الأصحاح الحادي والعشرين مِنْ إنجيل يوحنَّا، ستجدون قِصَّة مواجهة يسوع لبطرس. فقد أراد يسوع حَقًّا أنْ يُثَبِّتَ قَدَمَيْ بُطرسَ في الخِدْمَة. لذلك فإنَّنا نقرأ في الأعداد مِنْ 15 فصاعدًا أنَّه وَاجَهَ بُطرسَ بهذه النقطة المُهمَّة جدًّا المختصَّة بالمحبَّة. فتمجيدُ اللهِ يعني أنَّك تُحِبُّهُ مَحبَّةً كَافِيَةً لِطاعَتِه. ولكي تعرفوا خَلفيَّةَ القصة قليلاً، ارجعوا إلى العدد 15 للاطِّلاعِ على ما حَدَث.

فنحنُ نقرأ: "فبعدَ مَا تَغَدَّوْا" – فقدِ التقَوْا على الشَّاطئ وتناولوا الطَّعامَ معًا. ثُمَّ إنَّ يسوعَ واجَهَ سِمْعان بُطرس قائلًا لَهُ: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هؤُلاَءِ؟" وقدِ استخدَمَ كلمةً في اليونانيَّةِ تُشيرُ إلى أقصى دَرَجَةٍ مِنَ المحبَّة، وإلى أعظمِ درجةٍ مِنَ المحبَّة، وهي: "أَغَابَأُو" (agapao) أوْ "أَغابي" (agape). فكأنَّهُ قالَ له: "أُتَحُبُّني مَحبَّةً فائقةً يا بُطرس؟ هل تُحبُّني محبَّةً كاملةً؟ هل أنا الشَّغَفُ الأكبرُ لديك، وهل تُحِبُّني أكثرَ مِنْ هؤلاء؟"

والبعض يَرى أنَّ الكلمة "هؤلاء" تعني: "الشِّباك والقوارِب والصَّيد" التي كانت محبوبة جدًّا لدى بطرس. والبعض يَرى أنَّ الكلمة "هؤلاء" تُشير إلى التلاميذ الآخرين. أتُحِبُّني أكثرَ مِمَّا يُحِبُّني هؤلاء؟ أيْ كما قُلتَ ذاتَ يومٍ عندما قُلْتَ لي إنَّهُ حَتَّى إنْ تَرَكَني الجميعُ فإنَّك لنْ تفعل ذلك لأنَّك تُحبُّني كثيرًا؟ ولكنْ أيًّا كان المعنى المقصودُ بالكلمة "هؤلاء" فإنَّه كان يسألُ بطرسَ عمَّا إذا كان يُحِبُّه. "هل تُحِبُّني مَحبَّةً فائقةً؟"

فَقَالَ لَهُ: «نَعم، يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي ..." – وَهُوَ لم يَستخدِم الكلمة "أَغَابَأُو" (agapao)، بلِ استَخدمَ الكلمة "فيليئو" (phileo) ومَعناها: "أنا أَعُزُّك". فقد سألَهُ يسوعُ: "هل تُحِبُّني مَحَبَّةً فائقةً؟" ولكِنَّ بُطرس لم يَشَأ أنْ يَقول: "يا رَبّ، أنا أُحِبُّكَ محبَّةً فائقةً". أتَعلمونَ لماذا؟ لأنَّ يسوعَ قد يقولُ لهُ: "آه، حقًّا؟ وهل نَسَيْتَ قَوْلي: "الَّذي يُحِبُّني يَحْفَظُ [ماذا؟] وَصاياي". لذلك فقد كانَ بُطرسُ عاجزًا عنِ الإقرارِ بذلك النَّوع مِنَ المحبَّة لأنهُ لم يُقَدِّم أيَّ بُرْهانٍ يُؤكِّدُ ذلك.

وهذا يُشْبِهُ الشَّابَّ الذي كتَبَ رسالةً إلى حَبيبَتِهِ قال فيها: "أنا مُستعدٌّ أنْ أَعْبُرَ الصَّحراءَ المُلْتهبةَ لكي أكون إلى جانِبِك. وأنا مُستعدٌّ أنْ أَعْبُرَ نَهْرَ المَانش سِباحةً لأكون قَريبًا منك. لذلك، إنْ لم تُمْطِر السَّماءُ اللَّيلة فإنَّني سآتي إليكِ". فبطرس لم يكُن يَمْلِكُ الجُرْأةَ الكافيةَ أوِ الشجاعةَ الكافيةَ لأنَّ يقول: "أجل، أنا أُحِبِّكَ مَحبَّةً فائقةً" لأنَّه بَرْهَنَ على عِصْيانه. لذلك فإنَّه يقول: "أنا أُعِزُّكَ كثيرًا". فقد كان يُشْبِهُ الشخصَ الذي يَتَسَلَّلُ مِنَ البابِ الخلفيِّ عَسَى أنْ يَقْبَلَ الرَّبُّ ذلكَ مِنْه.

وقد قالَ يسوعُ: "حسنًا، ارْعَ خِرَافِي". وقد كانَ ما أرادَ مِنْ بُطرس أن يَفعله هو أنْ يَرْعى خِرافَهُ. فقد أرادَ منه أنْ يكونَ راعيًا. وقد أرادَ منه أنْ يكونَ شخصًا يَكْرِز بالكلمة، ويُسْهِم في بناء الملكوت. وقد قَبِلَ بُطرس بذلك المُستوى. وَ "قَالَ لَهُ أَيْضًا ثَانِيَةً: يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي [مَحَبَّةً فائقةً]؟" قَالَ لَهُ: "نَعَمْ يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أَعُزُّكَ كَثيرًا". قَالَ لَهُ: "ارْعَ غَنَمِي". قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا ..." [ثُمَّ إنهُ استَخدمَ الكلمةَ الَّتي استَخدَمَها بُطرُس قائلاً]: "أَتَعُزُّني كثيرًا؟" وقد كانَ ذلكَ مُؤلِمًا! "فَحَزِنَ بُطْرُسُ لأَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: أَتَعُزُّني كَثيرًا؟" وَهُوَ لم يَحزن لأنَّهُ سَألَهُ ذلكَ السُّؤال ثلاثَ مَرَّات، بل إنَّهُ حَزِنَ لأنَّ يسوعَ شَكَّكَ حَتَّى في تلكَ المَعَزَّةِ الَّتي ظَنَّ بُطرسُ أنَّها قد تكونُ مَقبولة. فَقَالَ لَهُ: "يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أَعُزُّكَ كَثيرًا".

والنُّقطةُ هُنا هي الآتية: إنَّ يسوعَ لن يَستخدمَ أيَّ شخصٍ لا يُحِبُّه. ولكي نَحْيا حياةً تُمَجِّدُه، يجب علينا أنْ نُحِبَّهُ. وربما لا تكونُ مَحَبَّتُكَ لهُ كافِيَة. وربَّما لا تَكونُ مَحبَّة "أَغَابَأُو" (agapao). فربَّما لا تكونُ محبَّةً فائقةً. ولكِنْ إنْ كانت مَعَزَّةً قَوِيَّةً (أيْ: فيليئو" phileo) فإنَّ المسيحَ سيَستخدِمُكَ. فهو سيبتدئ معكَ مِنْ تلكَ النُّقطة ويَبْنيكَ مِنْها. وقد أرادَ يسوعُ مِن بُطرس أنْ يَخدِم، ولكنَّهُ كان يَعلم أنَّ هناكَ شَرْطًا مُسَبَّقًا وهو أنهُ ينبغي لبُطرس أنْ يُحِبَّهُ. ولكِنْ يجب عليه أنْ يُحِبَّهُ محبَّةً كافيةً تَدْفَعُهُ إلى طَاعَتِه.

وبعدَ أن قالَ ذلك، قالَ لهُ يسوع في العدد 18: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ" – وقد تَأمَّلنا في هذهِ الآية في دراساتٍ سابقة. ولكِنْ لننظر إليها مِنْ زاوية مُختلفة: "«لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ، وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ». قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُمَجِّدَ اللهَ بِهَا".

فقد قالَ لَهُ: "حسنًا، يا بُطرس! أنتَ تُحِبُّني حقًّا. أليسَ كذلك؟ حسنًا. هناكَ شيءٌ أريدُ أنْ أقولَهُ لك: سوفَ تَموتُ مِنْ أجلي. أجل، يا بُطرس. فإذا استمرَّيتَ في خِدمتي، وإذا رَعَيْتَ خِرافي وأَطْعَمْتَ حُمْلاني، سَيُكَلِّفُكَ ذلكَ حَياتك". ثم إنه قال له كلمة بسيطةً في نهاية العدد 19: "اتْبَعْنِي".

وهذا هو الامتحانُ الصَّعب. فليست هناك مشكلة في أنْ تَتبعَ الربَّ إنْ قالَ لك: "اسمعني. اتبعني وسأجعَلُكَ شخصًا ناجحًا. فإنْ تَبِعْتَني سأجعَلُكَ غَنِيًّا جدًّا". الصِّحَّة، والغِنى، والسَّعادة. فهذا هُوَ ما تَعِدُ بِهِ البِدَع. وهذا هو ما تَعِدُ بهِ المسيحيَّةُ المُعاصِرَةُ أُناسًا كثيرينَ أيضًا. أتَعلمونَ ذلك؟ فسوفَ تكونُ غَنِيًّا، ومشهورًا، وناجحًا. وسوفَ يكونُ كُلُّ شيءٍ على ما يُرام. ولكنَّ الربَّ لم يَقُل ذلكَ لبُطرس، بل قالَ لهُ: "أَتُحِبُّني يا بُطرس؟ إذَنْ، اتْبَعني. ولكنَّ هذهِ التَّبَعِيَّةَ سَتُكَلِّفُكَ حَياتَكَ". والقِصَّةُ تُرينا أنَّ بُطرسَ قالَ: "حَسَنًا".

فنحنُ نقرأُ في العددَيْن 19 و 20 أنَّ يَسوعَ نَهَضَ وابتدَأَ يَمشي. وقد نَهَضَ بُطرسُ مُسْرِعًا وتَبِعَهُ. وقد أَخَذا يَسيران. وكانَ بُطرسُ قد تَبِعَهُ وهو عالمٌ أنَّ ذلكَ الأمرَ سيُكَلِّفُهُ حياتَهُ. ولكنَّنا نقرأُ أنَّ الأمرَ لم يكن سَهْلاً عليه إذْ نقرأُ في العدد 20: "فَالْتَفَتَ بُطْرُسُ". فقد عَجِزَ عنْ مقاومةِ النَّظر إلى الوراء. وقد رأى "التِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ يَتْبَعُهُ". وَمَنْ يكونُ هذا؟ إنَّهُ يوحنَّا – "وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي اتَّكَأَ عَلَى صَدْرِهِ وَقْتَ الْعَشَاءِ".

إذَنْ، فقد نَظَرَ بُطرسُ إلى الوراء فرأى يوحنَّا. ولكِنَّ أحدًا لم يَقُل ليوحنَّا أنْ يَتبَعَ يسوع. ولكنَّهُ كانَ يَتبَعهُ دائمًا. وقد رآهُ بُطرسُ فقالَ ليسوع: "يَا رَبُّ، وَهذَا مَا لَهُ؟" بعبارةٍ أخرى، أنا سأموتُ. وماذا سيحدثُ لَهُ؟" قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ، فَمَاذَا لَكَ؟" أيْ: إنْ عاشَ حَتَّى وقتِ المجيءِ الثَّاني، فإنَّ هذا الأمرَ لا يَعْنيك. ويا لها مِنْ عِبارَة!

وكما تَعلمونَ، فقد شاعَ خَبَرٌ في جميعِ أنحاءِ المكان يقول: "هل سَمِعتُم أنَّ يوحنَّا سيبقى حيًّا إلى وقتِ المجيءِ الثَّاني؟ وقد كانَ ينبغي ليوحنَّا أنْ يكتبَ الآياتِ الثَّلاث الأخيرة مِنْ هذا الأصحاح لتصحيحِ تلكَ الإشاعة. فقد قالَ يسوعُ: "إنْ شِئْتُ أنْ يَبقى حَيًّا إلى وقتِ المجيءِ الثَّاني فإنَّ هذا الأمرَ لا يَعنيك". ثم أنَّهُ يقولُ في نهاية العدد 22: "اتْبَعْني أنْتَ".

وهذا هو المَوْضِعُ الذي ينتهي فيه إنجيل يوحنَّا. وإذا تابعتُم القراءة فإنَّكم سَتَقْلِبون الصفحة فتجدون أنفسَكم في سِفْر أعمال الرُّسُل. والشيءُ الأوَّلُ الذي تُدركونَهُ هو أنَّ بُطرسَ يَقِفُ في أورُشليمَ ويَعِظُ عِظةً رائعةً فيَخْلُصُ ثلاثةُ آلافِ شخصٍ. ثُمَّ أنَّه يَذهبُ إلى الهيكل ويَشفي رَجُلاً أعرجَ فيَبتدئُ ذلك الرجلُ الأعرجُ يَقفِز ويَرقُص في الهيكل مُسَبِّحًا اللهَ. والشيءُ التَّالي الَّذي نَعرفه هو أنَّه وَاجَهَ المجلسَ اليهوديَّ الأعلى وقالَ لهم رأيَهُ الصَّريحَ فيهم، وقد قالَ لهم: "لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ ... بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ". وهو يقولُ أيضًا: "يُمكنكم أنْ تقولوا لنا أنْ نَصْمُت إنْ شِئتم، ولكنَّنا لن نَصمت. فَمَنْ ينبغي أنْ نُطيع: الناسَ أَمِ الله؟"

وإلى أنْ نَصِلَ إلى الأصحاحِ الثالث عشر مِنْ سِفْر أعمال الرُّسُل، فإنَّنا نَستمرُّ في رُؤية بُطرس مُشْرِقًا كالنُّورِ في الكنيسة الأولى. ثُمَّ إنَّه يَكتُبُ رِسالتَيْنِ رائعتَيْنِ ويُعبِّرُ في هاتين الرسالتين العظيمتين عنِ الفَرَحِ العظيمِ الذي كان يَملأُ قلبَهُ لأنَّه دُعِيَ إلى خِدْمِةِ الرَّبِّ. وَهُوَ يقول في رسالة بُطرس الثانية والأصحاح الأوَّل: "اسمعوني: أريدُ أنْ أقولَ لكم شيئًا. أنا أَعْلَمُ أَنَّ خَلْعَ مَسْكَنِي قَرِيبٌ، كَمَا أَعْلَنَ لِي رَبُّنَا يَسُوعُ المسيح أَيْضًا" – أيْ: سوفَ أموتُ ذاتَ يومٍ.

والحقيقة هي أنَّني لو كُنتُ أعيشُ حياتي بأسْرِها عالِمًا أنَّني سأموتُ شهيدًا، فإنَّني سَأَتَلَفَّتُ أينما ذهبت. وبصراحة، لو سَمِعْتُ أنَّني سأُصْلَبُ ذاتَ يومٍ فإنَّني سأتجنَّبُ الذهابَ إلى مَتاجِرِ بيعِ الأخشابِ وأيِّ مَكانٍ مُشابِه. فسوف أُصابُ بِعُقْدَةٍ نَفسيَّةٍ مِنْ أيِّ خَشَبَةٍ أراها. ولكنَّ بُطرسَ يقول: "أريدُ أن أقولَ لكم أنَّني يجب أنْ أُتَمِّمَ خِدمتي". فقد كانَ يَنظرُ إلى الخِدمة نَظرةً صحيحة: "فالوقتُ المُتَبَقِّي لديَّ مَحدودٌ لأنَّني سأموت. لذا فإنَّني أَجْتَهِدُ أَيْضًا أَنْ تَكُونُوا بَعْدَ مَوْتي، تَتَذَكَّرُونَ كُلَّ حِينٍ بِهذِهِ الأُمُورِ". لذلك فإنَّني أقولُ لكم هذا وأكتبُ لكم عن ذلك لأنَّني أريدُ أنْ أَخْدِمَ المسيح إلى أنْ أموت. وكما قالَ يسوعُ، فإنَّ هذِهِ هي المِيْتَةُ الَّتي سيُمَجِّدُ فيها الله.

والآن اسمعوني: لقد أَحَبَّ بطرسُ يسوعَ مَحبَّةً كافيَّةً جعلته يموتُ لأجله. وهذا أمرٌ يُمَجِّدُ اللهَ. وهذا مَبدأٌ مِنْ مبادئِ النُّضجِ الرُّوحيِّ، يا أحبَّائي. فأنت تُمَجِّدُ اللهَ عندما تحبُّهُ مَحَبَّةً تَجعَلُكَ مُطيعًا لَهُ حتَّى لو كان ذلك صَعبًا. فاللهُ يَتَمَجَّد مِنْ خلال استعدادنا للتضحيَّة مِنْ أجله. وهذا حَقٌّ عظيم. وأنا أشعر حقًّا أنَّ هذا الأمرَ جُزْءٌ لا يَتجزَّأُ منَ النُّموِّ الروحيِّ. فأنتَ تنمو فيما تُبدي استعدادك لإطاعة مشيئته مهما كان الثمن. أَمَّا إذا كانت مشيئَتُهُ تُعارِضُ مَشيئتَكَ، ولم تُبْدِ استعدادَكَ لاتِّخاذِ أيِّ خُطوةٍ في هذا الأمرِ أو ذاك إلَّا إذا كانتْ وَفْقًا لشُروطِك، فإنَّك تُعيقُ نُمُوَّكَ الرُّوحِيَّ.

وببساطة، فإنَّ النُّموَّ الرُّوحِيَّ يعني الخضوعُ لمشيئةِ الله. وعندما تَتَّسِمُ حياتُكُ بالطاعة، فإنَّك تنمو روحيًّا. وإذا شبَّهنا الأمرَ بالنُّموِّ الجسديِّ، فإنَّك في كُلِّ مَرَّة تُطيعُ فيها الرَّبَّ تنمو قليلاً. وفي كُلِّ مَرَّةٍ لا تُطيعُهُ فيها فإنَّك تُعيقُ نُمُوَّك. لذا فإنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ بأنْ نُحِبَّهُ مَحبَّةً كافيةً لإطاعَتِه. وحين نحيا حياةَ الطاعةِ فإنَّنا نحيا حياةً مسيحيَّةً تتميَّزُ بالنُّضْجِ الدائِم.

وهناك نقطةٌ ثامنةٌ وهي حَقًّا نقطةٌ مُهمَّةٌ جدًّا. فنحن نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلالِ الصَّلاة. وهذا يعني أنَّ الصَّلاةَ عُنصرٌ مهمٌّ جدًّا في النُّموِّ الرُّوحيِّ. انظروا معي إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14. إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14. ولا شكَّ أنَّنا نستطيع أنْ نتحدَّث كثيرًا عن الصَّلاة. فالصَّلاة مَذكورة في كُلِّ مكانٍ في الكتاب المقدَّس. ولكننا نريد أنْ نُتابع دَرْسَنا لكي نتحدَّث عن جميع النِقاط التي نريد أنْ نَذْكُرَها. ولكنْ دَعُونا نُرَكِّزُ على هذا المقطعِ تحديدًا مِنْ أجلِ توضيحِ هذه النقطة. فنحن نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلالِ صَلواتِنا.

والآنْ، انظروا إلى إنجيل يوحنَّا 14: 13-14 إذْ نقرأ: "وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ". والآن اسمعوا. فسوفَ نتوقَّف هنا قليلاً: "وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ". وهذا وعدٌ رائعٌ. أليسَ كذلك؟ والحقيقة هي أنَّهُ وعدٌ يتكرَّر في العدد 14 في حالِ أنَّكُم لم تُلاحِظوه: "إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ".

والآن، هل تعلمون لماذا يُجيبُ اللهُ الصَّلاة؟ فالناس يقولون: "إنَّ الله يُجيبُ الصَّلاةَ لكي يُعطينا ما نريد. والله يُجيبُ الصَّلاةَ لأنَّه مُلْزمٌ بذلك. فقد قَطَعَ وَعْدًا". والحقيقة هي أنَّ هذه الإِجاباتِ صحيحة نوعًا ما. ولكنَّ السببَ الحقيقيَّ لإجابَةِ اللهِ للصَّلاةِ مَذكورٌ في العدد 13 (وهي عِبارَة تَدُلُّ على القَصْد في النَّصِّ اليونانيِّ). فاللهُ يُجيبُ صَلواتِكَ باسْمِ المسيح "لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ". فالسَّببُ الَّذي لأجْلِهِ يُجيبُ اللهُ الصَّلاةَ هُوَ ليسَ لأجلِك، بل لأجلِهِ هُوَ. أَتَرَوْن؟ فهو يَفعل ذلكَ لِمَجْدِهِ ولإظهارِ ذاتِهِ.

ولا أعتقد أنَّنا نفهم ذلك حقًّا. فالبعضُ مِنَّا يَتَرَدَّدونَ في الصَّلاةِ لأنَّنا لسنا واثقينَ أنَّ اللهَ سيُجيبُ الصَّلاة. ونحن نُفَوِّتُ على أنْفُسِنا المعنى المقصودَ بالصَّلاة. فالله يُجيبُ الصَّلاةَ لأنَّه يُريدُ أنْ يُظْهِرَ ذاتَهُ. لذلك، عندما أُصَلِّي فإنَّني أُمَجِّدُ اللهَ. لماذا؟ لأنَّني أُعطي اللهَ الفرصةَ لكي يَعمل. وعندما أُعطي اللهَ الفرصةَ لكي يعمل فإنَّه يُظْهِرُ ذاتَهُ ويَتمجَّد. والصَّلاةُ عُنصرٌ مُهِمٌّ في النُّموِّ الروحيِّ. فأنتَ لنْ تنمو ما لم تَتفاعل معَ اللهِ وتَرى قُدْرتَهُ ظاهرةً للعِيان. فالصَّلاةُ ستُقَوِّي إيمانَكَ حين تفعل ذلك. والإيمانُ هو عنصرٌ مُهِمٌّ في النُّموِّ الروحيِّ. وهذه نقطةٌ مُهمَّةٌ جدًّا.

والآن، اسمحوا لي أنْ أعودَ إلى العدد 13 قليلاً لكي نَرى ما جاءَ فيه. فلا شَكَّ أنَّ التلاميذَ كانوا في ضِيقٍ شديدٍ لأنَّ يسوعَ كان مُزْمِعًا أنْ يَترُكَهُم. فقد قال لهم أنَّه سيَمضي، وإنَّه سيفعل ذلك قريبًا جدًّا، وإنَّهم لنْ يَرَوْهُ ثانيةً، وإنَّه سَيُرْسِلُ إليهم المُعَزِّي، وَهَلُمَّ جَرَّا. وقد كانوا يُدْرِكون تمامًا أنَّ يسوعَ سيمضي. والحقيقة هي أنَّه يَذْكُرُ ذلكَ بعد بِضْعِ آياتٍ. فقد قالَ لهم: "سوفَ أَمْضِي وَأُعِدُّ لَكُمْ مَكَانًا"، وهَلُمَّ جَرَّا. وَهُوَ يقولُ: "لا تَضْطَرِبوا بهذا الخُصوص. فسوفَ آتِي ثانيةً وَآخُذُكُمْ".

ولكنْ (كما تَرَوْن) فإنَّهم كانوا خائفينَ حقًّا لأنهم وَضَعوا كُلَّ ثِقَتِهِمْ فيه. وها هُوَ مُزْمِعٌ الآنَ أنْ يَمضي. فما هي الموارِدُ التي سَيَتَّكِلونَ عليها؟ فعندما كانوا في حاجةٍ إلى المالِ لِدَفْعِ الضَّرائِبِ، أعطاهُم يَسوعُ المَالَ مِنْ فَمِ سَمَكة. وعندما كانوا يَجوعونَ، كَثَّرَ الخُبْزَ والسَّمَك. وعندما لم يجدوا مكانًا يَسْنِدونَ إليهِ رُؤوسَهُم عَزَّاهُم فَبَقَوْا معًا في جبالِ الجليلِ أوْ في بُستانِ جَثْسَيماني. فقد كان صديقًا رائعًا. وقد كان مَوْرِدًا رُوحِيًّا، ومَوْرِدًا لاهوتيًّا، ومَوْرِدًا اقتصاديًّا. فقد كان يسوعُ كُلَّ شيءٍ بالنسبة إليهم. وقد كانَ يَسوعُ مُستقبَلَهُم وحَاضِرَهُم. وها هو مُزْمِعٌ الآنَ أنْ يَمضي. لذلك فقد ذُعِروا. وهو يقولُ لهم: "اسمعوني: لا تَقلقوا. فمعَ أنَّني سأمْضي، سيبقى لديكم الموردُ اللَّازمُ لأنَّهُ مَهْما كانَ احتياجُكم، ومَهما طَلَبْتُم باسْمي فإنَّني سأفعَلُهُ حَتَّى لو لم أَكُنْ هنا".

وهذا وَعْدٌ رائعٌ جدًّا. لذلكَ فإنَّ النَّاسَ يقولونَ غالبًا: "إنَّ الآيَةَ تقول: وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي". ولكِنَّ هذهِ ليسَت صِيغَةً سِحريَّةً. أتَعلمونَ ذلك؟ فهناكَ أُناسٌ يَظُنُّونَ أنَّ ذلكَ يعني أنْ تقولَ في نهاية كُلِّ صلاةٍ: "باسْمِ يَسوع، آمين"، وأن هذه العِبارة سَتُلْزِمُ اللهَ أنْ يَستجيب. فقد تسمعونَ شخصًا يُصَلِّي ويَكتفي بالقَوْل: "آمين". وقد يقولُ البعض: "إنَّ هذهِ الصَّلاةَ غير مقبولة. والشَّخصُ الَّذي صَلَّاها لن يَحصلَ على استجابة. فقد كانَ ينبغي له أن يقول: باسْمِ يَسوع، آمين". لذا، رُبَّما تَظُنُّ أنَّكَ إذا وَضَعْتَ تلكَ العبارةَ الصَّغيرةَ في نهايةِ صَلاتِكَ فإنَّ هذا يَجْعَلَها مُلْزِمَةً للهِ. أليسَ كذلك؟ فهي سَتُلْزِمُهُ بالاستجابة.

ولكنَّ هذا ليس المَعنى المقصودَ هُنا. فالصَّلاةُ ليستْ صِيغَةً مُعَيَّنَةً ينبغي أنْ نُرَدِّدَها. وهي لا تعني إنَّك إنْ لم تقُل "باسْمِ يَسوع، آمين" فإنَّ الصَّلاةَ لنْ تصِلَ حتَّى إلى سَقْفِ الغُرفة. إذَنْ، ما معنى قول يسوع: ومَهما طَلَبْتُم "باسْمي"؟ حسنًا، إذا دَرَسْتُم الكتابَ المقدَّسَ ستجدونَ أنَّه في كُلِّ مَرَّةٍ استُخدمَ فيها اسْمُ اللهِ أوِ اسْمُ المسيحِ فإنَّ ذلكَ الاسْمَ يُشيرُ إلى كُلِّ صِفاتِه: اسْمي "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ". فاسمُ اللهِ يُعَبِّرُ عن كُلِّ صِفاتِه. واسمُ المسيح يُعَبِّر عن كُلِّ صِفاتِه.

وما قَصَدَهُ هو: حين تطلبونَ شيئًا يَتَّفِقُ مع صِفاتي ومَشيئتي، فإنَّني سأفعَلُه. وهو يقول ببساطة: "إنْ صَلَّيْتُم حَسَبَ مَشيئتي". أَتَرَوْن؟ وهذا يعني أنْ تُصَلِّي صلواتٍ مُوافِقَةً لِصِفاتِه. لذلك يجب عليك أنْ تُوَجِّهَ حياةَ الصَّلاةِ لديكَ في هذا الاتِّجاهِ إنْ أردتَ أنْ تنمو روحيًّا، وإنْ أردتَ أنْ تَرى مَجْدَ اللهِ. وهذا يزيدُ إيمانَك ويزيدُ نُمُوَّكَ الرُّوحِيَّ. لذلك، أَنْصَحُكُمْ أنْ تَستخدموا هذا المبدأَ في نهايةِ صَلاتِكُم عِوَضًا عن أنْ تَقولوا "باسْمِ يَسوع، آمين". فأنا أنصَحُكَ أنْ تقول: "أُصَلِّي هذه الصَّلاةَ لأنِّي أُوْمِنُ أنَّها بِحَسَبِ مَشيئةِ المسيح". فهذا هو ما تَقولُهُ الآية.

لذلك، ربما تَتَوخَّى الحذرَ في المَرَّةِ القادمةِ التي تُصَلِّي فيها فتقول: "يا رَبّ، أنا أرغبُ في الحصولِ على سيَّارةٍ جديدة. يا رَبّ، أنا لا أُحِبُّ السيَّارةَ التي أَمْلِكُها الآن. وأنا أرغبُ في الحصول على سيَّارةٍ جديدةٍ وأطلُبُ ذلك لأنِّي أُوْمِنُ أنَّ هذه هي مَشيئتَك". ولكنْ لا! لا! فلا يمكنك أنْ تُصَلِّي بهذهِ الطَّريقة. أوْ ربما تَقولين: "يا رَبّ، أنا لديَّ هذا الزَّوْجُ، يا رَبّ! لا أدري كيف سأُعَبِّرُ عن مشاعري، يا ربّ. ولكنْ هل مِنْ طريقةٍ للحصولِ على زوجٍ مُختلف؟ وأنا أطلُبُ ذلك لأنَّني أُوْمِنُ أنَّ هذه هي مَشيئتَك". لا! أوْ: "يا رَبّ، أنا لديَّ هذا الطِّفْلُ كما تَعلم. فأنا لديَّ، يا رَبّ، أربعة أطفال - ثلاثة منهم سَليمون، ولكنِّي لا أدري مِنْ أينَ جاءَ هذا الطِّفل! هل مِنْ طريقةٍ للخروجِ مِنْ هذا المأزِق؟ أنا أطلبُ ذلك بحسب مشيئتِك". لا! فلا يُمكنك أنْ تُصَلِّي هكذا. فهذا يُشْبِهُ الطفلَ الصغيرَ الذي صَلَّى قائلاً: "يا رَبّ، بارِك الماما. ويا رَبّ، بارِك البابا". ثُمَّ قالَ بصوتٍ عالٍ: "يا رَبّ، أنا أريدُ دَرَّاجةً جديدة". فقالت لَهُ أُمُّهُ: "إنَّ اللهَ ليسَ أَصَمَّ". فأَجابها قائلاً: "أنا أَعلمُ ذلك، ولكنَّ جَدَّتي في الغرفة المجاورة، وهي لا تَسْمَع جيِّدًا".

فإنْ صَلَّيتُم هكذا فإنَّكم تُحاولونَ أنْ تَخدعوا اللهَ. أَتَرَوْن؟ فأنَّتم تحاولون أنْ تَلْوُوا ذِراعَ اللهِ وأنْ تُلْزِموهُ بسبب فكرتكم الخاطئة عَمَّا قَصَدَهُ بوعدِهِ. ولكنَّ الأمرَ ليس كذلك. فالصَّلاةُ باسْمِهِ يَعني أنْ نَعْرِفَ تَمامًا ما نُصَلِّي لأجله. فيمكنني أنْ أُصَلِّي قائلاً: "يا رَبّ، أنا أُصَلِّي في هذا الموقِف لأجل الأخِ فُلان العزيزِ المريضِ وأتضرَّعُ أنْ يَنمو روحيًّا، وأنْ يَراكَ مِنْ مَنْظورٍ جديدٍ، وأنْ تُبارِكَ قَلْبَهُ في وَسْطِ هذه التجربة. وأنا أسألُكَ ذلك لأنَّني أُوْمِنُ أنها مَشيئة يَسوعَ المَسيح". أليس كذلك؟ فهذه الصَّلاةُ تُوافِقُ طَبيعَةَ اللهِ، وتُوافِقُ مَشيئَتَهُ الَّتي تَعْرِفُها جَيِّدًا.

والآن يا أحبَّائي، هذا هو تمامًا معنى أنْ نُصَلِّي في الرُّوح. فالصَّلاةُ في الرُّوح لا تعني أنْ نَسقُطَ إلى الوراءِ على الأرض. والصَّلاةُ في الرُّوحِ لا تعني أنْ نَتكلَّمَ بلغةٍ غريبةٍ أو بلسانٍ غريب. فالصَّلاةُ في الرُّوحِ تعني أنْ نُصَلِّي صَلواتٍ تَتَّفِقُ معَ رُوحِ اللهِ ومَشيئَتِهِ. وروحُ اللهِ يُصَلِّي دائمًا في حياةِ المؤمن - دائمًا. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأ في الأصحاح الثامن مِنْ رسالة روميَة: "لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا". بعبارةٍ أُخرى، فهي لُغَةٌ غير لفظيَّة بَيْنَ الرُّوحِ الذي يَسْكُنُ فينا والآبِ الجالِسِ على العرشِ إذْ إنَّهُ يُصَلِّي دائمًا لأجلِنا. وصَلواتُهُ هي مُسْتجابة دائمًا لأنَّه يَعرفُ فِكْرَ الآب. لذا فإنَّ الصَّلاةَ في الرُّوحِ تعني أنْ نَجعلَ صَلواتِنا مُتوافِقةً معَ رُوْحِ المَسيحِ ومَشيئتِه. وأفضلُ نُقطةِ انطلاقٍ للقيامِ بذلك هو أنْ تَعرفَ مَشيئةَ اللهِ مِنْ خلالِ قِراءةِ كلمةِ اللهِ.

لذلك، ابتدئوا بالصلاةِ بحسب مَشيئتِه. وهذا لا يعني عدمَ الإيمانِ بالصَّلاة، بل إنَّ هذا هو ما يُوْصينا الكتابُ المقدَّسُ أنْ نَفعله. والآن، لاحظوا الآتي: عندما تُصَلِّي بحسب مشيئةِ اللهِ فإنَّه سيُجيبُ صَلاتَكَ لكي يَتَمَجَّدَ هو.

والآن اسمعوني: أَتريدونَ أنْ تعرفوا شيئًا؟ قد يفعلُ اللهُ ما طَلَبْتُم دون حتَّى أنْ تُصَلُّوا. أجل! فإنْ كانت مَشيئتُهُ هي أنْ يفعل ذلك، فإنَّه سيفعل ذلك بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. ولكنْ أَتعلمونَ شيئًا؟ إنْ لم تُصَلُّوا فإنَّكم لنْ تَحْظَوْا بفُرصَةِ رُؤيَتِهِ يَفعل ذلك. وأنَّتم لنْ تَشتركوا في ذلك. لذا فإنَّكم لنْ تُمَجِّدوه.

وإليكم هذا التوضيح. إنْ جاءتْ سَيِّدة إلى اجتماعِ الصَّلاةِ ووقفتْ وقالتْ: لقد حَدَثَ لي أرْوع شيءٍ يمكن تَخَيُّلُه. أتعلمونَ تلك السيِّدة التي كُنتُ أُشارِكُ معها المَسِيح؟ فقد صَلَّيتُ لأجلها سنواتٍ عديدة. وفي هذا الأسبوعِ سَجَدْنا معًا في بيتي، وفَتَحَتْ قَلبَها، وَدَعَتْ يَسُوعَ المَسيحَ إلى دُخولِ حَياتِها. وأنا فَرِحَةٌ جِدًّا. فهي الآنَ مُؤمنة. وهي مَعَنا في هذا المساء. شُكرًا لكُم لأنَّكم صَلَّيتُمْ لأجلِها في الأشهُر السابقة".

حالَ حُدوثِ ذلك، ستكون هناك رُدودُ فِعْلٍ مُختلفة. فالبعضُ سيقولون: "المَجْدُ للرَّبِّ". وَهُمْ سيَبتسمونَ ابتسامةً عَريضةً ويقولون: "شُكرًا لك يا رَبّ". وهل تعلمونَ مَنْ سيكونُ هؤلاء؟ مَنْ هُمْ هؤلاءِ الأشخاص؟ سيكونُ هؤلاء هُمُ الأشخاصُ الذين كانوا يَفعلونَ ماذا؟ يُصَلُّونَ لأجلِها. ثُمَّ إنَّهُ سيكونُ هناكَ أشخاصٌ يَجلِسون في المقاعدِ الخَلفيَّةِ باستخفافٍ، ويَنظرونَ حَولَهُم دونَ أنْ يُبالوا بما يَجري. أَتعلمونَ لماذا؟ لأنَّهم لم يَكونوا يُصَلُّون.

وكما تَرَوْن، فإنَّ السَّبَبَ الذي يَجعلُنا نُصَلِّي هو ليسَ أنْ نَلْوي ذِراعَ اللهِ. فالسببُ الذي يَجعلُنا نُصَلِّي هو أنْ تكونوا مُتوافقينَ مع ما يَقومُ بِهِ لأنَّكم حِينئذٍ ستَتمكَّنونَ مِنَ الانضمامِ إلى جَوْقَةِ الهَلِّلويا وتَسبيحِه. وقد كان هناك شخصٌ في كنيسَتِنا اسمُهُ "فرانك" (Frank). وقد جاءَ إليَّ "فرانك" ذاتَ يومٍ وأنا في الحديقة وقال: "جون! أَوَدُّ أنْ أُصَلِّي لأجلِكَ، ولكنَّني لا أعرفُ الأمورَ الَّتي ينبغي أنْ أُصَلِّي لأجلها". وقد قال: "هل يُمكنُكَ أنْ تَذْكُرَ لي ثَلاثَ طِلْباتٍ". فقُلتُ: "حسنًا". وقد ظَنَنْتُ أنَّ الأمرَ غَريبٌ بعضَ الشَّيء. ثُمَّ إنَّه أَخْرَجَ دَفترًا صغيرًا (لَهُ سِلْكٌ لَوْلَبيٌّ) وكَتَبَ الطِّلْبَةَ الأُولى، ثُمَّ الثَّانية، ثُمَّ الثَّالثة.

ثُمَّ إنَّني انْصَرَفْتُ وَرُحْتُ أُفَكِّرُ قائلاً: "حسنًا! لقد كانَ الأمرُ مُختلفًا قليلاً. فأنا لم أَرَ يومًا شخصًا يَفعل ذلك بتلك الطريقة". ثُمَّ إنَّهُ جاءَ إليَّ في وقتٍ لاحقٍ (رُبَّما بعدَ أُسبوعَيْن) وقالَ لي: "جون! أَوَدُّ أنْ أَسألكَ عنْ تلك الطِّلْباتِ الثَّلاث". ثُمَّ إنَّهُ فَتَحَ الدَّفْتَرَ بِضْعَ صَفْحاتٍ إلى الصَّفحةِ الَّتي كتبَ فيها تلك الطِّلْباتِ الثَّلاثِ وقال: "ماذا حَدَثَ بخصوص الطِّلْبةِ الأُولى؟ وبخصوصِ الطِّلْبَةِ الثَّانيةِ، والطِّلْبَةِ الثَّالثة؟" وقد تَحَدَّثْنا عَشْرَ دَقائِقَ وأجَبْتُهُ عن سؤاله، فَكَتَبَ كُلَّ شيءٍ في عَمودٍ آخر. لذلك، صَارَتْ لديهِ الطِّلْباتُ في العَمودِ الأُولِ، واستجاباتُ اللهِ في العَمودِ الثَّاني.

وقد أُتِيحتْ لي الفُرصةُ ذاتَ مَرَّة أنْ أَزورَهُ في بيتِهِ قبل أنْ يَنتقلَ عائدًا إلى "ديترويت" (Detroit)، فلاحظتُ أنَّ لديهِ ثَلاثةَ عَشَرَ دَفترًا صغيرًا لها أسلاكٌ لَولَبِيَّة، وهي مُمتلئة بطِلْباتِ الصَّلاةِ. وكان قد ابتدأَ باستخدام الدَّفتر رَقْم 14. وكما تُلاحِظون، فإنَّنا هُنا أمامَ شخصٍ كان يَرَى اللهَ يَعمل. أليس كذلك؟ وإذا سألتَهُ مَثَلاً: "فرانك! هل تُؤمِنْ أنَّ اللهَ يُجيبُ الصَّلاة؟" فإنَّه سيُجيبُكَ قائلاً: "ما نوعُ الاستجابةِ التي تُريدُ أنْ تَراها؟ فقد صَنَّفْتُها جميعًا في فِئاتٍ. فأنا لديَّ فِئة كاملة مِنَ الاستجاباتِ المُخْتصَّةِ بالخلاص في هذه الصفحة. ولديَّ كذا وكذا". وكما تَرَوْن، فإنَّ ما كان يَفعَلُهُ هو أنَّه كانَ يَسْمَحُ للهِ أنْ يُظْهِرَ قُدرَتَهُ في حياتِهِ مِنْ خلالِ الاشتراكِ في ما يَفعَلُهُ اللهُ.

وهذه هي النُّقطةُ الجوهريَّةُ في الصَّلاةِ: لا أنْ أحصُلَ على ما أُريد، بل أنْ أَسْمَحَ للهِ أنْ يُظْهِرَ قُدْرَتَه. وإنْ حصلتُ في أثناءِ ذلكَ على ما أريد، فإنَّ ذلك سيكونُ رائعًا. ولكنَّ الشَّيءَ الأكثرَ أهميَّة هو أنْ أحصُلَ على ما أنا بحاجةٍ إليه. أليسَ كذلك؟ فأحيانًا، قد يكونُ ما أنا بحاجةٍ إليه مُختلفًا عَمَّا أريدُه. إذَنْ، فإنَّ الغايةَ مِنَ الصَّلاةِ هي أنْ أَسْمَحَ للهِ بإظهارِ قُدْرَتِه. ويا لَهُ مِنْ أمرٍ عظيم! وإنْ أردتُم، يا أحبَّائي، أنْ تنموا روحيًّا، فإنَّكم ستنمون روحيًّا حين تَرَوْنَ قُدرةَ اللهِ ظاهرةً للعِيان. والصَّلاةُ تَضَعُكُم في صُلْبِ تلك العمليَّة.

وأوَدُّ أنْ أقولَ لكم أنَّه كُلَّما صَلَّيتُم أكثر، وكُلَّما كُنتُمْ أكثر أمانَةً في حياةِ الصَّلاة، زَادَتْ سُرعُةُ نُمُوِّكُم الرُّوحيِّ لأنَّ اللهَ سيفعلُ أُمورًا عظيمةً ومجيدةً لم تَرَوْها مِنْ قَبل، ولأنَّ ثِقَتَكُمْ في قُدْرتِهِ ستزيدُ نُضْجَكُم الروحيّ. لذا فإنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلالِ الصَّلاة.

وهناك مِفتاحٌ تاسعٌ للنموِّ الروحيِّ (أوْ طريقةٌ تاسعةٌ نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلالها). وهذه النقطة مُهمَّة جدًّا. والحقيقة هي أنَّني أستطيع أنْ أتحدَّثَ عن هذه النقطةِ وقتًا طويلاً. فنحن نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلال الكِرازَةِ بالكلمة. فنحن نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلال الكِرازةِ بالكلمة. فنحن نقرأ في رسالة تسالونيكي الثانية 3: 1: "أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ" – وأنا أَضْحَكُ دائمًا بسببِ هذهِ العِبارة لأنَّ بولُس يقول: "أخيرًا"، ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ بعدَ ذلكَ ثماني عَشْرَةَ آيَة! فيبدو أنَّ هذا هو ما يَفعَلُهُ الوُعَّاظُ عادَةً! "أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، صَلُّوا لأَجْلِنَا". وما الَّذي ينبغي لنا أنْ نُصَلِّي لأجلِهِ؟ "لِكَيْ تَجْرِيَ كَلِمَةُ الرَّبِّ وَتَتَمَجَّدَ". وكم أُحِبُّ ذلك! كم أُحِبُّ ذلك!

والحقيقةُ هي أنَّ "كَلِمَةَ الرَّبِّ" تُعبِّرُ حَقًّا عنِ اللهِ. فَهُوَ مُتوافِقٌ معَ كلمتِه. فكلمَتُهُ في العهد القديمِ تَخرُجُ مِنْ فَمِهِ، وكلمتُهُ في العهد الجديدِ تَتَمَثَّلُ في المَسِيحِ الحَيِّ، وهي مُرادِفَةٌ لِشَخْصِهِ. واللهُ يَتَمَجَّدُ عندما نَكْرِزُ بكلمَتِه. فنحنُ نقرأ في رسالة غلاطيَّة 1: 23-24 الكلماتِ التالية (وهي بِكُلِّ تأكيدٍ تَختصُّ بالرسولِ بولُسَ، واهتدائِهِ، وخِدمتِهِ بعدَ ذلك). فنحنُ نقرأُ أنَّ الكنائسَ الَّتي في اليهوديَّة "كَانُوا يَسْمَعُونَ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَضْطَهِدُنَا قَبْلاً يُبَشِّرُ الآنَ بِالإِيمَانِ الَّذِي كَانَ قَبْلاً يُتْلِفُهُ".

فقد سَمِعَت الكنائسُ عن هذا الشَّخصِ الَّذي يُدعى "شاوُل الطَّرْسوسِيّ" الَّذي كانَ مُنهمكًا في اضطهادِ المؤمنينَ، ولكنَّهُ يُبَشِّرُ الآنَ بالإيمان. وما الَّذي فَعَلوه؟ نقرأ في العدد 24: "فَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللهَ بِسَبَبي". ولكِنْ لماذا يُمَجِّدونَ اللهَ؟ لأنَّ الكلمةَ يُكْرَزَ بها، ولأنَّ الكلمةَ يُنادَى بها.

والآن، فإنَّ اللهَ يَتَمَجَّدُ مِنْ خلالِ كَلِمَتِه. ففي أيِّ وقتٍ تَكْرِزُ فيها بكلمةِ اللهِ فإنَّك تُعطيه المَجْد. لماذا؟ لأنَّك تَعترفُ بأنَّها الحَقُّ، ولأنَّكَ تُقِرُّ بأنَّها الكلمةُ الواهبةُ للحياة، وأنَّها الكلمةُ المُغيِّرةُ للحياة، وأنَّها الكلمةُ المُبَدِّلةُ للحياة، وأنَّها الكلمةُ الحافِظةُ للحياة. فأنتَ تقول إنَّ كلمةَ اللهِ فَعَّالةٌ، وحَيَّةٌ، وقويَّةٌ، وأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْن، وَهَلُمَّ جَرَّا. وعندما تَكْرِزُ بكلمةِ اللهِ بِصِفَتِها المَصْدَرُ المُطْلَقُ للحَقِّ فإنَّكَ تُكْرِمُ اللَه وتُمَجِّدُهُ لأنَّهُ يقولُ نَفسَ الشيءِ الذي تَقولُهُ أنتَ عندما تَتَمَسَّكُ بها بِصِفَتِها المِعْيارَ الرَّئيسيَّ.

والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في سِفْر أعمال الرُّسُل 13: 48: "فَلَمَّا سَمِعَ الأُمَمُ ذلِكَ" – أيْ عندما سَمعوا رسالةَ الحياةِ الأبديَّة: "كَانُوا يَفْرَحُونَ وَيُمَجِّدُونَ كَلِمَةَ الرَّبِّ. وَآمَنَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَانْتَشَرَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ فِي كُلِّ الْكُورَةِ". ونَرى مَرَّةً أخرى أنَّهم مَجَّدوا اللهَ مِنْ خِلالِ الكِرازة بالكلمة.

وهذا أمرٌ جوهريُّ جدًّا. لذلك لا أريدُ أنْ أتحدَّثَ كثيرًا عنِ الأمورِ الأوَّليَّةِ وأنْ أتحدَّثَ عن أمورٍ تَحَدَّثْنا عنها سابقًا. ولكن اسمحوا لي أنْ أقولَ الآتي: لا يوجد نُمُوٌّ رُوحِيٌّ مِنْ دونِ دراسةِ الكلمة. فلا يمكنكَ أنْ تنمو مِنْ دون طعام. أليس كذلك؟ فيجب عليك أنْ تتناولَ الطَّعامَ كُلَّ يوم. ولا يكفي أنْ تأتي إلى الكنيسةِ يومَ الأحدِ وأنْ تَسمعَ العِظَةَ وتقول: "لقد كانت تلكَ العِظَةُ رائعةً، وأرجو أنْ تَبقى عَالِقَةً في ذهني وأنْ تَسْنِدَني حتَّى الأسبوعِ القادم". فكأنَّكَ بذلك تتناولُ طَعامَ العشاءِ يومَ الأحدِ وتقول: "والآن يا رَبّ، لقد تناولنا عَشاءً رائعًا يومَ الأحدِ. ونحنُ نُصَلِّي أنْ تُعْطينا هذهِ الوجبةُ القُوَّةَ إلى يومِ الأحدِ القادم". فيجب عليكَ أنْ تأكلَ طعامًا صِحِّيًّا مَساءَ يومِ الأحدِ، ويومِ الاثنينِ، والثَّلاثاءِ، وَهَلُمَّ جَرَّا.

والشيءُ نَفسُهُ يَصِحُّ رُوحيًّا. فيجب أنْ تَتغذَّى كُلَّ يومٍ على الكلمة. ولكن اسمعوني: هناك مَجْدٌ أعظمُ مِنَ التَّغَذِّي؛ وهو يَتحقَّقُ مِنْ خلالِ العطاءِ لأنَّه عندما تُنادي بالكلمةِ وتَكْرِزُ بها فإنَّك تُرسِّخُها في حياتكَ الشخصيَّة. وهذا يُذَكِرُنا بالعبارةِ التي تقول: "كُلَّما أعطيتَ أكثر، زاد القَدْرُ الذي تَحتفظُ به". أليس كذلك؟ وقد اكتشفتُ (بِصِفَتي مُعلِّمًا) أنَّني أَتَذَكَّرُ الأشياءَ التي أُعَلِّمها. فالأشياءُ التي أَقرأُها دون أنْ أُشارِكَها معَ الآخرينَ يَطْويها النِّسْيان.

لذا فإنَّ اللهَ يَتَمَجَّدُ مِنْ خلالِ الكِرازَةِ بكلمتِه. ويجب على خادِمِ الرَّبِّ أنْ يُعطي أولويَّةً قُصْوى للكِرازةِ بالكلمة. فعندما تَصْمُتُ بخصوصِ الإنجيلِ، وتَصْمُتُ بخصوصِ كلمةِ اللهِ، ولا تكونُ كلمةُ اللهِ على شَفَتَيْكَ طَوَالَ الوقتِ، فإنَّك تُعيقُ نُمُوَّكَ الرُّوحِيَّ.

وكما تَعلمون، فإنَّنا نقرأُ في سِفْر التَّثنية أنَّ اللهَ قالَ لبني إسرائيل: "يجب عليكَم أنْ تَتَكَلَّموا بشريعتي حِينَ تَقِفونَ، وحينَ تَجلسونَ، وحينَ تَنامونَ، وحينَ تَمْشونَ في الطَّرِيق. فيجب أنْ تكونَ على شِفاهِكُمْ طَوالَ الوقتِ. ويجب أنْ تَرْبُطوها وَتَضَعوها في عَصائِبَ بينَ أعْيُنِكُم. ويجب أنْ تَرْبُطوها عَلاَمَةً عَلَى أيديكُم. ويجب أنْ تَكتبوها على قَوَائِمِ أَبْوَابِ بُيوتكم. ويجب أنْ تتكلَّموا بها طَوالَ الوقتِ ... طَوالَ الوقتِ ... طَوالَ الوقتِ. فيجب أنْ تَمْلأَ الكلمةُ حَرفيًّا قُلوبَكُم وأذهانَكُم حَتَّى إنَّكُم كُلَّما فَتَحْتُم أفواهَكُم تَنْطِقونَ بها".

وقد كان "ترامبول" (Trumbull) رابحَ نُفوسٍ عظيم في السَّنواتِ السابقة. وقد قالَ إنَّ الشيءَ الذي صَنَعَ فرْقًا عظيمًا في حياته، والشيءَ الذي غَيَّرَ مَسارَ حياتِهِ تمامًا هو أنَّهُ قَطَعَ هذا العَهْدَ أمامَ اللهِ. وإليكم ما تَعَهَّدَ به أمامَ اللهِ إذْ قال: "يا رَبّ، أَعْطِني القوَّةَ لكي يَكونَ كُلُّ موضوعٍ أَفْتَحهُ أو أُناقِشهُ هُوَ عن يَسوع". وقد حَفِظَ ذلكَ العهدَ طَوَال حياتِه. ففي كُلِّ مَرَّةٍ فَتَحَ فيها فَمَهُ، تَحَدَّثَ فيها عن يسوع. فقد غَذَّى نَفسَهُ بكلمةِ اللهِ إلى أنْ صَارَ مُشَبَّعًا بها تمامًا حتَّى إنَّه كُلَّما فَتَحَ فَمَهُ كان ذلك هو ما يَحدُث.

وكما تَعلمون، لقد صَرَفْتُ سنواتٍ كثيرةً جِدًّا في دراسة الكتابِ المقدَّسِ والوعْظِ حتَّى إنَّني أَعْلَمُ أنَّكَ إذا أَيقظتَني في مُنتصفِ اللَّيْلِ فَنَهَضْتُ مِنَ النَّوْمِ فَجأةً، فإنَّني (على الأرجح) سَأتلو آياتٍ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ أوْ أَعِظُ عِظَةً. فإنَّا أحْلُمُ أحلامًا رُوحيَّةً. فَحَتَّى أَحْلامي كِتابيَّة. وهذا يحدُثُ لي كثيرًا. أوْ أنَّني أَحْلُمُ أحلامًا تَختصُّ بالكنيسة. فهذا هو مِحْوَرُ تفكيري. أَتَرَوْن؟ وأنا أشكرُ الرَّبَّ على ذلك. وهذه نِعمةٌ عظيمةٌ وَهَبَني اللهُ إيَّاها لأنَّه كان بمقدُرِهِ أنْ يَضَعَني في مكانٍ آخر دُوْنَ أنْ أَحْظَى بامتيازِ دراسةِ الكتابِ المقدَّسِ طَوَالَ الوقتِ.

ولكنْ مِنَ الرائعِ أنْ تُشَبِّعَ ذِهْنَكَ بكلمةِ اللهِ وأنْ تُعَلِّمَها. وكما تَرَوْن، عندما تُعَلِّمونَ كلمةَ اللهِ كما أفعلُ أنا (أوْ كما يَفعلُ أيُّ مُعَلِّمٍ آخرَ للكتابِ المُقدَّس)، يجب عليكم أنْ تَأكُلوها وأنْ تُشَبِّعُوا أنُفسَكُم بها المَرَّةَ تلوَ المَرَّة. فلا يمكنكَ أنْ تكتفي بكتابةِ عِظَتِكَ على الأوراقِ وأنَّ تُلْقيها فقط، بل يجبْ أنْ تَنْبُعَ مِنْكَ. ويجب أنْ يكون ما تَعِظْ بِهِ جُزْءًا مِنكَ وأنْ يكونَ مُهيمِنًا على حياتِك. وعندما تُعْلِنُ كلمةَ اللهِ فإنَّ حَياتَك تُمَجِّدُ اللهَ بصورةٍ واضحةٍ مِنْ خلالِ الكِرازةِ بكلمتِه.

وبصراحةٍ، يا أحبَّائي، سوفَ أتقدَّمُ خُطوةً أُخرى. فإذا نَطَقَ حِمارُ بَلْعام بكلمةِ اللهِ فإنَّ ذلكَ سيُمَجِّدُ اللهَ. وإذا نَطَقَ "كُورَش" (الذي لم يكُن مُؤمنًا) بكلمةِ الرَّبِّ فإنَّ ذلك سَيُمَجِّدُ اللهَ. وإذا نَطَقَ رَئيسُ الكَهَنَةِ الشِّرير والفاسِد (قيافا) بكلمةِ اللهِ فإنَّ ذلكَ سيُمَجِّدُ اللهَ. ففي كُلِّ وقتٍ نَنْطِقُ فيهِ بكلمةِ اللهِ فإنَّ ذلكَ يُمَجِّدُه. إذَنْ، كَمْ بالحَرِيِّ يَتَمَجَّدُ اللهُ حينَ تَنْسابُ كلمةُ اللهِ مِنْ خِلالِ حياةِ المُؤمن!

وما أعنيه هنا هو أنَّكم لن تنموا روحيًّا إنْ لم تَنطِقوا بكلمةِ اللهِ. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ واحدًا مِنْ مَفاتيحِ النُّمُوِّ الرُّوحيِّ هو أنْ تَقولَ الحَقَّ الكامِنَ في كلمةِ اللهِ. فيجب علينا أنْ نُعطي الأولويَّةَ القُصْوى في حياتِنا لكلمَتِه لأنَّ هذا أَمْرٌ مُهِمٌّ جدًّا.

وفي رسالة تيموثاوس الثانية والأصحاح الثَّالث (وأنا أَذْكُرُ هذهِ الآية لكي أُعطيكم فِكرةً أخرى عنْ هذا الموضوع)، فإنَّنا نقرأ: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ".

والآن لاحظوا ما سأقول: ما هَدَفُ النُّضْجِ الرُوحِيِّ؟ أنْ تكونَ كاملاً، وأنَّ تَنْضُجَ، وأنَّ تَنمو. وكيف تفعل ذلك؟ إنَّ كُلَّ الكِتَابِ نَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ. ثُمَّ إنَّنا نَجِدُ عِبارةً أُخرى تَدُلُّ على القَصْد وهي: "لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً". لذلك فإنَّ العمليَّة هي عمليَّة عمل كلمة الله في قلبك، ولا يمكن لكلمة الله أنْ تعمل بصورة رائعة في حياتِك أكثر مما يحدُث عندما تُعلِّم كلمة الله لِشخصٍ آخر، وعندما تكرِز بها لِشخصٍ، وعندما تُشارِكها مع شخصٍ آخر. فهذا هو حقًّا ما يجعلُها تتأصَّل في قلبك.

ولا شَكَّ أنَّنا نجد في الرِّسالة الثانية إلى تيموثاوس 2: 15 هذه الكلمات الرائعة الَّتي تقول: "اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَةِ". وهذهِ العِبارَة تَعني حَرفيًّا: "يَقْطَع شيئًا باستقامة". فقد كانَ بولس صانِعَ خِيام. وقد كانَ أثناءَ صُنْعِ الخِيامِ يَقُصُّ الجِلْدَ بطريقة مُعَيَّنة. فقد كانَ يَصنعُ الخِيامِ مِنْ جُلودِ الماعِز. ولكِنَّ جِلْدِ مِعْزَةٍ واحِدَةٍ لم يكن يَكفي لِصُنْعِ خيمة. فلم تكن هناك مِعْزَةٌ كبيرةٌ جدًّا بحيث يَكفي جِلْدُها لِصُنعِ خيمة. فالمواعِزُ حَيَواناتٌ صَغيرةُ الحجم. لذلك، كانَتِ الخِياطَةُ تستخدمُ في ضَمِّ قِطَعِ الجِلْدِ بَعضُها إلى بعض. وإنْ لم تَقُصَّ القِطَعَ بطريقة صحيحة، لن تَحصل على الشَّكل المطلوب. وَهُوَ يقولُ إنهُ ما لم تكن شَديدَ التَّدقيقِ في دراسة كُلِّ جُزءٍ مِن كلمةِ اللهِ فإنَّ النتيجةَ النهائيَّةَ لن تكونَ صحيحةً.

لذلك، يجب علينا أن نُواظبَ على دراسة كلمة الله، وأنْ نَمْلأَ قُلوبَنا وحياتَنا بهذا الحَقِّ الثَّمين. وعندما نُنادي بكلمةِ اللهِ (كما جاءَ في رسالة تسالونيكي الثانية 3: 1) فإنَّها "تَجْري وَتَتَمَجَّد". إذَنْ، كيفَ نُمَجِّدُ اللهَ؟ بأنْ نَكْرِزَ بكلمَتِه للمؤمنينَ، ولغيرِ المؤمنينَ، وللأشخاصِ الذينَ يَرغَبونَ في سَماعِها، وللأشخاصِ الذينَ لا يَرغبونَ في سَماعِها.

وما زِلْتُ أَذْكُرُ أنَّني عندما كُنتُ شابًّا، وابتدأتُ دراستي الجامعيَّةَ، وقررتُ أنَّني أريدُ أنْ أَصيرَ واعِظًا فإنَّ بعضَ الأشخاصِ أَرادوا أنْ يُساعدوني في أنْ أصير واعِظًا. لذلك فقد كانوا يَصْحَبونني إلى موقِفِ الحَافِلات ويَتركونَني هناكَ مِنَ الساعةِ السابعةِ مَساءً، ثُمَّ يَعودونَ لاصطحابي في الساعةِ التاسعة. وكانوا يُخْبرونَني أنْ أَعِظَ هناكَ إلى أنْ يَعودوا. وقد ابتدأتُ الوعظَ في مَحَطَّةِ حَافلاتِ "غراي هاوند" (Greyhound). فقد كُنتُ أذهبُ إلى هناك وأنا أحملُ الكتابَ المقدَّسَ في يَدي. ولم تَكُنْ هناكَ مُوسيقى ولا أَحَدٌ بِرِفْقَتي. وقد كنتُ أَقِفُ هناك وأبتدئُ الْوَعْظَ. وهذا أَمْرٌ صَعْبٌ يا أحبَّائي. وَهُوَ ليس صعبًا فقط، بل إنَّهُ الحَماقَة بِعَيْنِها. فقد كان الناسُ يَعْبُرونَ مِنْ أمامي فأشعُرُ بما يُفكِّرونَ فيه إذْ رُبَّما كانوا يقولون: "يا لَهُ مِنْ شَابٍّ مِسكينٍ فَقَدَ عَقْلَهُ!" فرُبَّما كانوا يقولون عَنِّي إنَّني شَابٌّ في الثامنةِ عَشْرَةَ مُخْتَلٌّ عَقليًّا.

ولكنَّني كُنتُ أَقِفُ هناك وأعِظ. فقد كنتُ أَعِظُ وحَسْب. وقد كُنتُ أَمشي في الشارعِ وأُكَلِّمُ الناسَ عنِ المَسِيح. ولكنْ أَتعلمونَ أنَّه بالرَّغمِ مِنْ أنَّ ذلكَ يَبدو حَمَاقةً، وبالرغم مِنْ أنَّ الرسالةَ التي كنتُ أُقَدِّمُها لم تكُن قَوِيَّةً بالدَّرجةِ الكافية، فإنَّ اللهَ كان يَتَمَجَّدُ لأنَّها كَلِمَتُه. أَتَرَوْن؟ فالكِرازةُ بكلمتِهِ تُعطيهِ المَجْد. لذلكَ فإنَّني لا أُحاوِلُ أنْ أُعطيكُم رأيي الشَّخصيَّ. وأنا لا أُحاولُ أنْ أُعطي رأيي في الكُتُبِ التي تَصْدُرُ. فاللهُ لا يَتَمَجَّدُ البتَّة في مِثْلِ هذه الأمور. ولكنَّ الكِرازةَ بكلمتِهِ تُعطيهِ مَجْدًا. وأعظمُ دَعْوةٍ يَتَلَقَّاها المَرْءُ في الكونِ كُلِّهِ هي أنْ يُقَدِّمَ للناسِ كَلِمَةَ اللهِ.

والحقيقةُ هي أنَّني لا أريدُ أنْ أَعْبَثَ بها ولو قليلاً. فإنَّا أُحِبُّ فقط أنْ آخُذَها وأُقَدِّمَها للناسِ كما هي. وكما تَعلمونَ، فإنَّني أُشْبِهُ النَّادِلَ في مطعم. أليسَ كذلك؟ فأنا مُجَرَّدُ نَادِلٍ في مطعم. فأنا مُجَرَّدُ خادِمٍ. فهذا هو اللَّفْظُ المُستخدم. وهذا هو مَعنى الكلمة "شَمَّاس". فهي تعني "خادِم". فأنا مُجرَّدُ خادمٍ. فالرَّبُّ هُوَ الذي يَطْهُو الطعام. وَهُوَ يقولُ لي: مَاك آرثر، احْمِلِ الطعامَ إلى المائدةِ ولا تَسْكُبْهُ على الأرض". فهذا هو كُلُّ ما أفعَلُه. فاللهُ لا يُريدُ طُرُقًّا إبداعيَّةً، بل يُريدُ مِنَّا أنْ نَعملَ على تَوصيلِ الكلمة. فَهُوَ لا يُريدُ طُرُقَنا الإبداعيَّةَ، بل إنَّهُ يقولُ لنا: "احْرِصُوا على تَوصيلِها بالطريقةِ التي قَصَدْتُها أنا".

وهذا هو أعظمُ وأروعُ فَرَحٍ في الخِدْمَة. لذلكَ فإنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خلالِ الكِرازةِ بكلمتِه. وفيما نَكْرِزُ بكلمتِهِ، ونُصَلِّي، ونُسَبِّحُه؛ وفيما نُوَجِّهُ حَياتَنا نَحْوَ مَقاصِدِهِ ومَشيئتِهِ؛ وفيما نُحِبُّهُ بالقَدْرِ الذي يَجْعَلُنا مُطيعينَ لَهُ أيًّا كان الثَّمَن – فيما نفعلُ كُلَّ هذه الأشياءِ التي تُعطيهِ المَجْد، فإنَّنا نَتَقَدَّمُ ونَزْدادُ شَبَهًا بالمسيح.

فليستْ هناكَ طريقة أخرى لوصفِ الحياةِ المسيحيَّة سِوى أنَّها تَقَدُّمٌ [والآنْ لاحِظوا ما سأقول]: إنهُ تُقَدُّمٌ لتمجيدِ الله. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ وهذا أمرٌ مُدهشٌ دائمًا لأنَّني كُلَّما عَشْتُ وقتًا أطول، رأيتُ مَزيدًا مِنَ الإخفاقاتِ في حياتي. فالناسُ يقولون: "كُلَّما عِشْتَ أكثر، زادَتِ الأمورُ سُهولةً". ولكِنْ لا! فهي لا تزدادُ سهولةً - لأنَّهُ كُلَّما عَرفتَ أكثر، وكُلَّما فَهِمتَ أكثر، زادتْ قدرتُكُ على رُؤيةِ جَوانِبِ ضَعفِك. لذا فإنَّكَ تَسعى دائمًا نحو الهدفِ دونَ أنْ تَشعرَ أنَّكَ قد حَقَّقْتَهُ. وأنتَ تَتَمَنَّى مِنْ أعماقِ قلبكَ أنْ يأتي اليومُ الَّذي ستصيرُ فيهِ مِثْلَهُ لأنَّكَ ستَراهُ كما هُوَ.

واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم فكرةً أخرى في هذه الدراسة (وهي الطريقةُ العاشرةُ الَّتي نُمَجِّدُ مِن خلالها الربَّ). فنحنُ نُمَجِّدُ اللهَ بأنْ نأتي بأشخاصٍ آخرينَ إليه. وهذه هي النتيجةُ الطبيعيَّةُ للكرازة بالكلمة. وسوفَ نَصرفُ وقتًا قصيرًا في التحدُّثِ عن هذه النُّقطة. ولكِنَّنا نقرأ في رسالة كورنثوس الثانية 4: 15 – ففي رسالة كورنثوس الثانية 4: 15، يكتبُ بولس (بكُلِّ تأكيدٍ) إلى مؤمني كورِنثوس الَّذينَ كانوا في قلبه دائمًا وكانَ دائمَ التَّفكيرِ فيهم. وكانَ قد قالَ كلامًا قويًّا في رسالتِهِ الأولى إليهم. فقد وَبَّخَهُمْ توبيخًا شديدًا بكل معنى الكلمة، واستخدمَ أُسلوبَ السُّخرية وكُلَّ الأساليبِ الأخرى، وقالَ لهم إنهُ قد يأتي إليهم بِعَصا التَّأديبِ، وَهَلُمَّ جَرَّا.

ثُمَّ إنهُ يُخبرهم عن سبب قيامه بذلك وعن سبب قوله ذلك في رسالته الثانية إلى أهل كورِنثوس. وإليكُم ما قالَهُ في الأصحاحِ الرابعِ والعدد 15: "لأَنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ" - أيْ جميعَ الأشياءِ الَّتي فَعَلتُها في الخدمة لأجلكم. أوْ في الحقيقة: جميعَ الأشياءِ الَّتي حَدَثَتْ لي (سواءٌ كانت صُعوبات مِنْ كُلِّ جهة [كما جاءَ في العدد 8]، أوْ "اضطهاد [كما جاءَ في العدد 9]، أوْ "حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ" [كما جاءَ في العدد 10]، ومواجهة خَطَر الموت دائمًا لأجل الخدمة، وكُلّ هذه الأشياء الصَّعبة الَّتي فَعَلْتُها "هِيَ مِنْ أَجْلِكُمْ".

ونحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ كانَ مُكَرَّسًا تمامًا لِسَدِّ حاجاتِ الآخرين. فكُلُّ شيءٍ هو مِنْ أجلِكُم. وما الغايَةُ مِنْ ذلك، يا بولُس؟ "لِكَيْ تَكُونَ النِّعْمَةُ وَهِيَ قَدْ كَثُرَتْ بِالأَكْثَرِينَ" (أيِ النِّعمةُ المُخَلِّصَةُ أوْ نِعْمَةُ الفِداءِ) تَزِيدُ الشُّكْرَ لِمَجْدِ اللهِ". لماذا فَعلتَ ذلكَ، يا بولُس؟ لماذا تَذهبُ إلى بلدةٍ تَعرفُ أنَّ النَّاسَ فيها يُعادونَكَ؟ ولماذا تَذهبُ إلى مكانٍ تَعلمُ أنَّكَ ستُضطَهَدُ فيه؟ ولماذا تَقْبَلُ كُلَّ هذا الهُجوم؟ ولماذا لا تَتَسَلَّلُ حَوْلَ الأزِقَّةِ الخَلفيَّةِ، وتُوَزِّعُ النُّبَذَ، وتَخرُجُ مِنَ البَلدةِ وأنتُ تُرَدِّدُ وَعْدَ اللهِ الَّذي يقول: "إنَّ كَلِمَتِي لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً"؟ فلماذا واجَهتَ كُلَّ هؤلاءِ الأشخاص؟ ولماذا انْتَهى بكَ المَطافُ في السِّجْن؟ "إنَّ السَّببَ في كُلِّ هذهِ الأشياءِ هوَ أنْ تَعرفوا وَفْرَةَ النِّعمةِ المُخَلِّصَة". لماذا؟ لكي تَشْكُروا اللهَ. أَتَرَوْن؟ "لكي يَزيدَ الشُّكْر". بعبارةٍ أخرى، فإنهُ يُريدُ أنْ يُضيفَ صوتًا آخرَ إلى جَوْقَةِ الشُّكْر. فهو يريدُ أنْ يُضيفَ شخصًا آخَرَ يُمَجِّدُ اللهَ.

وأعتقد أنَّكم إنْ طلبتم مِنِّي أنْ أُلَخِّصَ الأمرَ كُلَّهُ فإنَّ هذا هو العُنصرُ الأكثر أهميَّة في تمجيدِ الله. فعندما تَربحونَ شخصًا للمسيح، فإنَّكُم تُضَاعِفونَ تمجيدَ اللهِ. أليسَ كذلك؟ فإنْ كانَ بمقدوري أنْ أُمَجِّدَ اللهَ مِنْ خلال حياتي وأنْ أربحَ شخصًا آخر إلى المسيح، فإنَّ هذا يَجعل شخصًا آخر يُمَجِّد اللهَ أيضًا. فاللهُ يَتمجَّد عندما نأتي بآخرينَ إليه. وبصراحة، فإنَّ هذا الأمرَ أيضًا هو جُزءٌ مِنَ النُّمُوِّ الرُّوحِيِّ. فواحدٌ مِنْ مفاتيحِ النموِّ الروحيِّ هو رِبْحُ النَّاسِ للمسيح لأنَّ ذلكَ يُضيفُ صوتًا آخرَ إلى أصوات أولئكَ الذينَ يُسَبِّحونَ الربَّ ويَشكرونَهُ. ومِنَ المُهِمِّ جدًّا أنْ نُدركَ أنَّ هذه الأمورَ كُلَّها هي أمورٌ بسيطةٌ نَعْرِفُها.

فالناسُ يقولون: "آه! إنَّ النموَّ الروحيَّ هوَ فقط للأشخاصِ الَّذين يَفوقونَني. فقد قرأتُ كتابًا لـ ’توماس كيمبيس‘ (Thomas Kempis) بعُنوان ’التَّمَثُّل بالمسيح‘ (Imitation of Christ) وقرأتُ عنِ التَّصَوُّفِ وعنِ السُّجودِ والصَّلاةِ ثماني أوْ عشرِ ساعاتٍ، وعنْ تلكَ الفُتْحاتِ الصَّغيرةِ الَّتي في الأرض. وقد قرأتُ عن ’روبرت موراي مَكشين‘ (Robert Murray McCheyne) الَّذي كانَ يَقِفُ على مِنْبَرِ كَنيسَتِهِ ويَدْفِنُ رأسَهُ في كِتابِهِ المُقَدَّسِ فتَنهمرُ أنهارٌ مِنَ الدُّموعِ على وجهه وتُبَلِّل صَفَحاتِ كِتابِهِ المُقَدَّسِ والمِنبر.

"وقد قرأتُ عنْ أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ يبدو أنهم كانوا يَسلكونَ معَ اللهِ بمستوى لا يُمكن استيعابُه. فإن قرأتم كتابَ "إي. إم. باوندس" (E.M. Bounds) بعنوان ’القُوَّة مِنْ خلالِ الصَّلاة‘ (Power Through Prayer) فإنَّ هذا الرَّجُلَ كانَ ينهمكُ ساعةً تلو الأخرى في الصَّلاة. وأنا أقولُ لنفسي: ’آه! إنَّ صَلاتي بلا فائدة‘. أليس كذلك؟ وما أعنيه هو أنَّني لن أبلغ يومًا ذلكَ المُستوى". والسَّببُ في ذلك هوَ أنَّ اللهَ يَستخدمُ كُلَّ شخصٍ بطريقة مُختلفة.

ولكنَّ النموَّ الروحيَّ هو ليسَ شيئًا صُوفيًّا لأجل أشخاصٍ رُوحانِيِّينَ جِدًّا أكثر مِمَّا نَتخيَّل. بل إنَّ النموَّ الروحيَّ بسيطٌ جدًّا. فهو يتوقَّفُ على الطَّاعةِ وعلى محبَّةِ الربِّ. وهو يتوقَّفُ على الصَّلاةِ، والتَّسبيحِ، والإيمانِ، والاعترافِ بالخطيَّة، والكِرازةِ بالكلمة، والإثمارِ، وكُلِّ هذهِ الأشياء، ورِبْحِ النَّاسِ للمسيح. فهو بهذه البساطة. وهذا هو العُنصرُ الموجودُ في حياتِكَ والذي يَعني النُّضْج. وإنْ سَارَعْنا إلى التَّركيزِ على هذهِ الأُسُسِ البسيطة، سُرعانَ ما سنَرى روحَ اللهِ يُغَيِّرَنا لنصيرَ أكثر شَبَهًا بالمسيح ويَنقلنا مِنْ مستوى مِنَ المجد إلى المستوى الَّذي يَليه. والآنْ، لِنَحْنِ رُؤوسَنا معًا حَتَّى نُصَلِّي:

نشكرُك، يا أبانا، على دراسَتِنا. ونَشكرُك لأنَّكَ أعطيتَنا بعضَ المبادئ البسيطة جدًّا والرئيسيَّة الَّتي يمكننا أنْ نُطَبِّقَها في حياتِنا لكي ننمو روحيًّا. ونحنُ نسألُك، يا رَبّ، أنْ تُساعدنا على ألَّا نَرضى بحالَتِنا الرَّاهنة، بل أنْ نَتَمَثَّلَ بالرَّسولِ بولُس في أنْ نَتوقَ أكثر فأكثر في قلوبِنا إلى معرِفَةِ الربِّ يسوعَ المسيح مَعرفةً أعمق، وأنْ نَزدادَ شَبَهًا بِهِ لكي نُظْهِرَ مِلأَكَ في هذا العالم لأجْلِ مَدْحِكَ. باسمِ المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

< !--Study Guide -->

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize