Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افتحوا كِتابَكُم المُقَدَّس، مِن فضلكم، ولننظر إلى رسالة أفسس والأصحاح الأوَّل. رسالة أفسس والأصحاح الأوَّل. ونحنُ ندرسُ الأعداد مِن 15 إلى 23 في دِراسَتِنا الحاليَّة، ونتحدَّث عن المَواردِ الَّتي يَملِكُها المؤمن في المسيح – المَوارِد المُتاحة للمؤمن. وبالنسبة إلى البعض منكم مِمَّنْ هُمْ جزءٌ مِن كنيسة "النعمة" (Grace Church) منذُ بعضِ الوقت، هذا يُشبه ما قاله بُطرس إذْ إنَّ هذهِ الدِّراسة هي فقط لأجْلِ تَذكيرِكُم بأمورٍ تَعرفونَها. أمَّا بالنسبة إلى الأشخاصِ الَّذينَ لم يَسبق لهم أن تَعَلَّموا هذه الحقائق، أرجو أن تكونَ هذه الدراسة واحدة مِن أروعِ الاكتشافات في حياتِكم حينَ تُدركونَ حقيقة الموارد المُتاحة لكم مِن خلال الخلاصِ الَّذي بيسوعَ المسيح.

واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ هذا الموضوع في هذا الصَّباح بأن أُخبرَكُم عن قَلَقٍ عَبَّرْتُ عنهُ في أحوالٍ أخرى أمامِكُم. فهناكَ تَوَجُّهٌ في المسيحيَّة في أمريكا اليوم (ورُبَّما في أماكن أخرى أيضًا) يُحْزِنُ قلبي، ويُضايِقُني. ولطالَما أَسْمَيْتُهُ "البحث عنِ المزيد". والفكرةُ السَّائدة هي أنَّ وجودكَ في المسيح لا يَكفي، وأنَّ وجودكَ في المسيح لا يُعطيكَ كُلَّ ما تحتاجُ إليه. لِذا، يجب عليكَ أنْ تَبحثَ عن شيءٍ آخر.

وقد سَمِعنا أشخاصًا يتكلَّمونَ غالبًا عنِ الحصولِ على المزيدِ مِنَ المسيح، والحصولِ على المزيدِ مِن يسوع، والحصولِ على المزيدِ مِنَ الرُّوح القُدُس، والحصولِ على مَزيدٍ مِنَ القوَّة. وهذا أمرٌ شائعٌ جدًّا كما لو أنَّ مَواردَ يَسوعَ المسيحِ تُقَدَّمُ لكَ كوصفة طِبيَّة جُرعةً جُرعة، أو كما لو كانَ ينبغي لكَ أنْ تَذهبَ إلى المَكانِ الصحيحِ للحصولِ عليها أوْ أنْ تتأهَّلَ للحصولِ عليها مِن خلالِ طُقوسٍ أوْ شَعائِرَ مُعَيَّنة.

وأَذكُرُ أنَّني تَحدَّثتُ إلى سيِّدة عن هذا الموضوع وأنَّها قالت: "بصراحة، أنا أبحثُ عن أيِّ شيءٍ يَخْطُرُ بالبال يُمكنني الحصولُ عليه لأنَّني أريدُ أنْ أحصلَ على أكْبَرِ قَدْرٍ مُتاحٍ مِن يسوع". والمَعنى الَّذي يُفْهَمُ مِنْ هذا الكلامِ هو أنَّكَ حينَ خَلَصْتَ، لم تحصل على يَسوع بِمُجملِه. فكأنَّهُم يَحصُلونَ على الحَقِّ في الحُصولِ على ذلك، ولكنَّهُم لا يَحصُلونَ حقًّا على أيِّ جُزْءٍ مِنهُ في قلوبهم وأذهانهم.

وهل هذا صحيح؟ وهل هذا لاهوتٌ جَيِّد أَم لاهوتٌ سَيِّئ؟ وهل ينبغي أنْ نَحصُلَ على المزيد مِن يسوع، والمزيد مِنَ الله، والمزيد مِنَ الرُّوحِ القُدُس، وَالمزيد مِنَ القوَّة؟ أَمْ أنَّ لدينا كُلَّ شيءٍ في الخلاص؟ إنَّ هذه مسألة مُهمَّة جدًّا. وفي البداية، على أَقَلِّ تَقدير، لِنَنظر إلى الإجابة.

افتحوا معي قليلاً (قبلَ أنْ نَبتدئَ بدراسة ذلكَ المقطع مِن رسالة أفسُس) افتحوا على رسالة بُطرس الثانية 1: 3. فإليكُم ما تقولُه كلمةُ الله: "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا". ويمكنكم أن تتوقَّفوا هنا. فهذه آية واضحة جدًّا. فَبِفَضْلِ قُدرتِهِ الإلهيَّة، حَصَلنا على كُلّ الأشياءِ المُختصَّة بالحياةِ والتَّقوى مِن خلالِ مَعرفةِ المسيح.

بعبارة أخرى، استمعوا إلى هذا: إنَّ النَّظرة الكِتابيَّة لعقيدة الخلاص تَتَلَخَّصُ في أنَّ الخلاصَ يُعطي المؤمِنَ كُلَّ شيءٍ في المسيح، وأنَّه لا حاجة إلى البحثِ عنْ ما هو أكثر مِن ذلك. والحقيقة هي أنَّ بَحْثًا كهذا (وَهُوَ أمرٌ لا يَعْتَرِفُ به مَنْ يَقومونَ بِهِ)، هو في الحقيقة تَشْكيكٌ في جوهر عقيدة الخلاص. فإنْ كُنْتَ تَبْحَثُ عنِ المزيدِ فإنَّكَ في الحقيقة تُبْطِلُ ما قالَهُ يسوعُ: "تيتيليستاي" (tetelestai)؛ أيْ: "قَدْ أُكْمِل"، أو: "قد اكْتَمَل"، أو "قد أُنْجِز"، أو "قد تَمَّ"، أو "قد تَحَقَّق". وكأنَّكَ تقولُ إنَّ هناكَ شيئًا ناقصًا ينبغي أنْ تَبحثَ عنه.

وهناكَ طريقة جيِّدة لتوضيحِ هذا التَّضارُبِ تحديدًا، وهي أنْ نَنظرَ سريعًا إلى رسالة كولوسي والأصحاح الثاني. وقد كانت كنيسة كولوسي تُشْبِهُ العديدَ مِنَ الكنائسِ الباكرة في العالَمِ الرُّومانيّ. فقد كانت مُعَرَّضة لكُلِّ أنواعِ الهَرطقات. وكانت هناك بِدْعَة مُنتشِرة في كنيسة كولوسي رُبَّما يُمْكِنُ إرْجاعُها إلى "الأسينيِّين" (Essenes)؛ معَ أنَّنا لن نتطرَّقَ إلى ذلك في هذا الصباح. فيبدو أنَّ تَعليمَهُم هو الأقرَب إلى تلكَ البدعة. وعلى أيِّ حالٍ، كانت هناكَ بِدعة تقول ما يَلي بصورة رئيسيَّة: "المسيحُ لا يَكفي وَحْدَهُ. يجب أنْ تحصلوا على ما هو أكثر مِنْه". والحقيقة هي أنَّ هذا مُشابِهٌ جِدًّا لما نَراهُ اليوم. وهو أمرٌ نَجِدُ جُذورَهُ في الأصحاحِ الثاني مِن رسالة كولوسي.

وكانَ الرَّسول بولس قد كَتَبَ هذه الرِّسالة إلى أهلِ كولوسي في مُحاولةٍ لتذكيرهم بأنَّ يسوعَ المسيحَ كافٍ بِكُلِّ تأكيد، وتمامًا، وبصورة كاملة. وقد أشارَ في الأصحاحِ الأوَّل إلى ذلك قائلاً: "الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ". ثُمَّ إنَّهُ يَمْضي وَيَصِف الابْنَ بأنَّهُ: "صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ. ...وَهُوَ رَأسُ الْكَنِيسَة. ... لأَنَّهُ فِيهِ [في العدد 19] سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ".

بعبارة أخرى، كما تَرَوْن، فإنَّ بولس يحاول أن يقولَ إنَّ كُلَّ المِلْءِ موجودٌ في المسيح. وكما سنرى في أفسُس 1، فإنَّ المسيحَ هو حقًّا كُلُّ شيء. والمسيحُ يَملأُ كُلَّ شيء. وفيهِ كُلُّ المِلْء. وعندما نكونُ فيهِ فإنَّنا نَحْصُلُ على كُلِّ مِلْئِهِ. فهذا هو جَوهرُ رسالةِ أفسُس، ورسالة كولوسي أيضًا. كذلك، عندما تَصِلونَ إلى الأصحاحِ الثاني، سَتَرَوْنَ الشيءَ نفسَهُ مَرَّةً أخرى. وسوفَ أُريكُم قَصدي.

فقد كانت كنيسة كولوسي تَستمعُ إلى هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ يقولون إنَّكَ بحاجة إلى المسيحِ وإلى أشياءٍ أخرى. وإنَّ تلكَ "الأشياء الإضافيَّة" هي الَّتي تَجعلُكَ روحيًّا. وأنَّ تلكَ "الأشياء الإضافيَّة" هي الَّتي تَرْفَعُكَ. وأنَّ تلكَ "الأشياء الإضافيَّة" هي الَّتي تَجعلكَ تَحصُل على الأمور الرائعة. وإليكم تلك الأشياء الإضافيَّة الَّتي كانوا يُقَدِّمونَها: أوَّلاً، لقد قالوا إنَّكَ بحاجة إلى المسيحِ وإلى الفلسفة. وما حَدَثَ في ذلكَ الموقف هو أنَّهم أَضافوا حِكمَتَهُم البشريَّة إلى حقيقة المسيح. فقد نادوا بالمسيح بالإضافة إلى الفلسفة البشريَّة.

وهذه صورة جيِّدة جدًّا عَمَّا يُعرفُ اليومَ باسم التَحرُّريَّة، والأرثوذكسيَّة المُحْدَثَة، والعَصْرَنة. فَهُمْ يَبتدئونَ بالمسيح، ولكنَّهُ المسيحُ بالإضافة إلى الحكمة البشريَّة، والعقل البشريّ، والمنطق البشريّ، والفلسفة البشريَّة. وهذا هو تمامًا ما يُحَذِّرُهم مِنْهُ بولس في العدد 8 مِنَ الأصحاحِ الثاني: "اُنْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ بِالْفَلْسَفَةِ وَبِغُرُورٍ بَاطِل، حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَم...". والمَعنى المقصودُ بهاتَيْنِ العِبارتَيْن هو "مبادئُ الدِّيانة البشريَّة" الَّتي هي فلسفيَّة وليست لاهوتيَّة. "...وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيح". بعبارة أخرى: إنَّ المَسيحَ كَافٍ. لِذا، لا تَسمحوا لأيِّ شخصٍ أن يقولَ لكم إنَّكم بحاجة إلى المسيحِ بالإضافة إلى الفلسفة.

ثانيًا، كانَ هؤلاءِ المُبْتَدِعون يَقولونَ إنَّك بحاجة لا فقط إلى المسيحِ والحكمة البشريَّة لكي تكونَ روحيًّا، بل إنَّك بحاجة إلى المسيحِ والنَّاموسيَّة. وهو يقولُ مَرَّةً أخرى في العدد 16: "فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ". بعبارة أخرى، لا تَسمحوا لأيِّ شخصٍ أن يُقَيِّمَ رُوحانِيَّتَكُم على أساسِ الطُّقوسِ الَّتي تَحفظونها لأنَّها (كما جاءَ في العدد 17): "ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِيدَة". أَمَّا الأمورُ العَتيدة فهي المَسيح. وَهُوَ حَاضِرٌ. لِذا فإنَّكم لا تحتاجونَ إلى المسيحِ والفلسفة. وأنتم لا تحتاجونَ إلى المسيحِ والنَّاموسيَّة.

ثالثًا، كانَ هؤلاءِ المُبْتِدعونَ الَّذي جاءوا إلى كنيسة كولوسي يقولونَ لهم إنَّهم بحاجة إلى المسيحِ والخِبرات الصُّوفيَّة – الأشياء الصُّوفيَّة. انظروا إلى العدد 18. فهو يقولُ أيضًا: "لاَ يُخَسِّرْكُمْ أَحَدٌ الْجِعَالَةَ، رَاغِبًا فِي التَّوَاضُعِ [أيْ: في التَّواضُعِ الزَّائِفِ] وَعِبَادَةِ الْمَلاَئِكَةِ، مُتَدَاخِلاً فِي مَا لَمْ يَنْظُرْهُ". والحقيقة هي أنَّ النَّصَّ اليونانيَّ يقول: "دَاخِلاً في رُؤى يَتَوَهَّمُها". فالأداة "لَمْ" غير مَذكورة هنا.

وهناكَ أناسٌ يقولون: "لا يَكفي أنْ تُؤمِنَ بالمسيح. فيجب أنْ تَرى رُؤيا. ويجب أنْ تُكَلِّمَ الملائكة. ويجب أنْ يكون لديكَ اختبارٌ أعمق، اختبارٌ مُدْهِش، ورؤيا سماويَّة". وهذا يُعطيهم تَواضُعًا زائفًا يَظْهَرُ على حقيقتِه في النهاية (كما جاءَ في نهاية العدد 18) لأنَّهُ مُجَرَّدُ انتفاخٍ باطلٍ مِنْ قِبَلِ ذِهْنِهِمِ الجسديّ. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ هناكَ أُناسًا يقولونَ إنَّ المسيحَ والاختباراتِ يُتيحانِ لَكَ فُرصةَ الحُصولِ على ما هو أكثر مِن ذلك، أو إنَّ المسيحَ والنَّاموسيَّة يُتيحانِ لكَ فُرصةَ الحُصولِ على ما هو أكثر مِن ذلك، أو إنَّ المسيحَ والفلسفة البشريَّة يُتيحانِ لكَ فُرصةَ الحُصولِ على ما هو أكثر مِن ذلك.

ثُمَّ رابعًا، إنَّهُ يقولُ إنَّ هناكَ "التَّنَسُّك". والتَّنَسُّكُ هو إنكارُ الذَّاتِ، والحياةُ الَّتي يَعيشُها الرُّهْبانُ، أوْ هي نمَطُ الحياةِ الزَّاهدة، أوِ الزُّهْد. وهو يتحدَّثُ عن ذلكَ مِنَ العدد 20 إلى العدد 23 مُشيرًا إلى هؤلاءِ الأشخاصِ وإلى نوعيَّةِ هذهِ الدِّيانةِ الأرضيَّة: "أركانِ العَالم". ومَرَّةً أخرى، فإنَّ تلكَ العِبارة نَفسَها تُشيرُ إلى مبادئِ الدِّيانةِ البشريَّة الَّتي تقول: "لا تَمَسَ، ولا تَذُق، ولا تَجُسّ". وَهُوَ يَتحدَّثُ عن حقيقةِ أنَّهم يَدعونَ النَّاسَ إلى قَهْرِ أجسادِهِم (في نهايةِ العدد 23)، وَهَلُمَّ جَرَّا.

وهذا يَشْمَلُ أمورًا مِثْلَ جَلْدِ الذَّات، وأيِّ شيءٍ تَقومُ بِهِ لِقَهْرِ جَسَدِك. فهذهِ هي حياةُ التَّنَسُّكِ، والزُّهْدِ، والتَّقَشُّفِ، وإنكارِ الذَّاتِ، وحِرْمانِ الذَّات. ولكِنَّ النُّقطةَ الجوهريَّة هي الآتية: مُنذُ رسالة كولوسي والأصحاحِ الثاني، على امتدادِ تاريخِ الكنيسة، هُناكَ دائمًا أشخاصٌ يريدونَ أنْ يقولوا إنَّ الحصولَ على يسوعَ مِنْ خِلالِ عَمَلِهِ الخلاصيِّ الرَّائع ليسَ كافيًا. فيجب أنْ تَفعل "كذا" للحصولِ على المِلْء.

ورَدُّ الرَّسولِ بولس على ذلك هو: "لا تَسمحوا لأيِّ شخصٍ أنْ يُفْسِدَ أذهانكم بهذا النَّوعِ مِنَ التَّعليم". والمِفتاحُ لِفَهمِ هذا الأمر بِرُمَّته موجود في الأصحاح 2 والعددين 9 و 10 مِنْ رسالة كولوسي. وإليكم ما يَقولُه: "فَإِنَّهُ فِيهِ" [وحَرْفُ الجَرِّ "فِيْه" يُشيرُ إلى المَسيح، كما جاءَ في العدد 8] "لأنَّ في المسيحِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا". فهل يوجد شيءٌ مَفقودٌ في المسيح؟ هل يوجد؟ لا. فلا يوجد شيءٌ مَفقودٌ في المسيح. ثُمَّ نقرأ في العدد 10: "وَأَنْتُمْ" [ماذا؟] "مَمْلُوؤُونَ فِيهِ".

إنَّ لُبَّ ما يَقولُه بولس هو الآتي: أنتم لستم في حاجة إلى أيِّ شيءٍ آخر. أنتم لا تحتاجونَ إلى أيِّ شيءٍ آخر. فقد أُكْمِل. وقد تَمَّ. وقد حُسِمَ الأمر. فقد دُفِنْتُم مَعَهُ في المعموديَّة. وقد قُمتُم معهُ مِنَ الأموات. وقد صِرْتُم كامِلينَ في المسيح. فهذه هي عقيدةُ الخلاصِ الَّتي يُعَلِّمُها العهدُ الجديد. ولا يوجد، يا أحبَّائي، سَبَبٌ يَدعوكم إلى البحثِ عَمَّا هو أكثر مِن ذلك.

فالأمرُ لا يتعلَّقُ بالعثورِ على ما هو أكثر مِن ذلك، بل يتعلَّقُ فقط باستخدامِ المواردِ المُتاحة أَصْلاً في الشَّخصِ الَّذي يُؤمِنُ بالمسيح. فهذه هي المسألة. وهذا هو ما يَقولُهُ بولس في أفسُس 1. لِنَعُد إلى ذلكَ النَّصّ.

ففي الأعداد مِنْ 3 إلى 14 مِنْ رسالة أفسُس والأصحاح الأوَّل، بَيَّنَ بولسُ بِعناية شديدة مَوارِدَ المُؤمِنِ ومَقامَهُ في المسيح. فقد أخْبَرَنا مَنْ نحنُ، وما نَمْلِكُهُ. وهذا مَقطعٌ رائعٌ وعظيمٌ جدًّا عَمَّا حَقَّقَهُ الخلاصُ، وعَمَّا يَفعَلُه. ولا يوجد شيءٌ ناقصٌ. والحقيقة هي أنَّهُ يُوَضِّحُ ذلكَ في العدد 3 إذْ يَقول: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا [بِماذا؟] بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ...". فالفِعْلُ المُستخدمُ هُنا هو فِعْلٌ مَاضٍ. فقد قامَ بذلك. وقد فَعَلَ ذلكَ أصلاً في المسيح.

والآن، هذهِ الحقائق رائعة جدًّا [اسمعوني]، وعميقة جدًّا، وشاملة جدًّا، وتَفوقُ استيعابَ العقلِ البشريّ حَتَّى إنَّهُ بعدَ أنْ يَذْكُرَ كُلَّ الحقائقِ العظيمة المُختصَّة بمقامِنا في المسيح، وموارِدنا في المسيح إلى نهايةِ العدد 14، فإنَّهُ يتوقَّفُ في العدد 15 ويَبتدئُ يُصَلِّي كَيْ يَفْهَمَ القارئُ وَاقِعَ ما قالَهُ للتَّوّ لأنَّهُ يَفوقُ استيعابَ العقلِ البشريّ. وإليكم السَّبب: ففي سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 6، نَقرأُ أنَّ الإنسانَ التَّقِيَّ يُكَرِّسُ نَفسَهُ لدراسةِ كلمةِ اللهِ والصَّلاة.

فهو يَدرسُ الكلمة لكي يُعَلِّمَ الحقائقَ لشَعبِهِ. وَهُوَ يُصَلِّي أنْ يَحُلَّ اللهُ بِروحِهِ لكي يُساعِدَهُم على فهمِها لأنَّ العقلَ البشريَّ يَعْجَزُ عنِ استيعابها؛ ولا حَتَّى العقل البشريّ المُتَجَدِّد. فيجب أنْ يكونَ هناكَ عَمَلٌ خاصٌّ يقومُ به روحُ اللهِ. لِذا فإنَّنا نقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 2: 27 أنَّ اللهَ أعطانا مَسْحَةً، وأنَّ تلكَ المَسْحَة هي رُوحُ اللهِ الَّذي يُعَلِّمُنا كُلَّ تلكَ الأشياءِ كَيْ لا نَتَّكِل على ما يُعَلِّمُهُ البشر...حَتَّى أفضلُ البَشَر.

لِذا فإنَّ بولسَ يتوقَّفُ بعدَ هذهِ الجُملِ العظيمة الَّتي يَتحدَّثُ فيها عن مَقامِ المؤمنِ ومَوارِدِهِ ويقول: "ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي، كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ...رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ". فهذا هو ما يَقولُهُ في العدد 17: "كَيْ تَفْهَموا هذهِ الأشياء".

ويا أحبَّائي، أنا أقولُ لكم هذا، وسأقولُهُ لكم طَوالَ حياتي إلى يومِ مَماتي: أنَّكم لن تتمكَّنوا يومًا مِنْ عَيشِ مبادئَ لا تَفهمونَها. فاللهُ يريدُ منكم أنْ تَتعلَّموا الحقائقَ. والرُّوحُ هو المُعَلِّمُ الَّذي يأخُذُ كلمةَ اللهِ ويَجعَلُها حَيَّةً في أذهانِكُم.

لِذا فإنَّ بولسَ يتوقَّفُ في رِسالَتِهِ ويَبتدئُ بالصَّلاةِ في العدد 15: "لِذلِكَ...] [لِنَتأمَّل في صَلاتِه] "أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، لاَ أَزَالُ شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي". وما الَّذي أُصَلِّي لأجلِهِ بِخُصوصِكُم؟ "كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ، مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ". توقَّفوا هُنا.

فهو يقولُ: "أنا أُصَلِّي لأجلِكُم. فأنا لستُ أُصَلِّي لأجلِ أيِّ شيءٍ أكثر مِمَّا أُصَلِّي لأجلِ هذا الأمر: أنْ تَتَمَكَّنوا وَحَسْب مِنَ الفَهْم. وأنا أتضرَّعُ إلى اللهِ أنْ يَحُلَّ بِروحِهِ القُدُّوسِ حَتَّى يَعملَ في أرواحِكُم البشريَّة ويُعطيكُم رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ". وأنا أُذَكِّركُم، يا أحبَّائي، بما قُلتُهُ لكم في المَرَّة السَّابقة. فهذا هو عَمَلُ الرُّوحِ القُدُس.

انظروا معي قليلاً إلى رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الثَّاني. رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الثَّاني. فنحنُ نَقرأُ في العدد 9 ما يَلي: "بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:" [والاقتباسُ هُنا هو مِنْ سِفْرِ إشعياء] "«مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ". بعبارةٍ أخرى، لا يُمْكِنُنا أنْ نَفهمَ هذا الأمرَ بالعقلِ البشريِّ أو بِحواسِنا الخمس. فلا يُمكنكَ أنْ تَراهُ، ولا يُمكنُكَ أنْ تَسمَعَهُ. "وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ...". فَحَتَّى إنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تَعْرِفَهُ بالعَقْل. "مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ»".

اسمعوني: إنَّ الأشياءَ الَّتي أعطانا اللهُ إيَّاها في المسيح تَفوقُ استيعابَ أيِّ عَقْلٍ بشريّ، وتَفوقُ القُدرةَ البصريَّة والسَّمعيَّة لأيِّ شخصٍ لأنَّها لا يُمْكِنُ أنْ تُسْمَعَ أوْ تُلْمَسَ أوْ تُرى. وقد تَقولُ: "وكيفَ نَحصُلُ عليها؟ العدد 10: "فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ الله". فهذه هي الطريقة الوحيدة لِمعرفَتِها. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 12: "وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ".

اسمعوني: هناكَ أشخاصٌ يُريدونَ أنْ يقولوا لنا إنَّهُ عندما تَصيرُ مُؤمِنًا فإنَّكَ لا تَحصُلُ على الرُّوحِ القُدُس. ولكِنْ لو كانَ هذا صحيحًا، لما تَمَكَّنْتَ مِنْ فَهْمِ أيٍّ مِنَ المبادئِ الَّتي ينبغي أنْ تَعيشَها. لِذا فإنَّ بولسَ يقول في رسالة رُومية 8: 9: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ". فجميعُ المؤمنينَ يَسْكُنُ فيهم الرُّوح. فهو مُعَلِّمُ الحَقِّ المُقيم. وَهُوَ يَسْكُنُ فينا وَيُعْطينا المَسْحَة. وَهُوَ يَلْمَسُ العقلَ لكي نَتَمَكَّنَ مِنْ فهمِ الأشياءِ الَّتي تَستَعصي على الفَهْمِ (بالمفهومِ البشريّ). وَهُوَ الوحيدُ (بحسب ما جاءَ في العدد 11) الَّذي يَعْرِفُ أُمورَ اللهِ.

لِذا فإنَّ بولسَ يُصَلِّي قائلاً: "يا رَبّ، يا ليتَ رُوحَكَ يَعملُ في أرواحِهم البشريَّة كَيْ يُعطيهم رُوحَ الفهمِ لِيَعلَموا مَقامَهُم". وأنا أقولُ لكم، يا أحبَّائي، إنَّنا إنْ فَهِمنا هذا الأمر، فإنَّهُ سيُغَيِّرُ حياتَنا. ولا يَسَعُني إلَّا أن أقولَ لكم إنَّهُ عندما عَلِمْتُ ذلكَ أوَّلَ مَرَّة في حياتي، وعندما عَمِلَ رُوحُ اللهِ حقًّا، وَهُوَ ما يَزالُ يُعَلِّمُني لأنَّني لم أَفْهَمْ كُلَّ شيءٍ بعد. ولكِنْ عندما ابتدأتُ أُدركُ أوَّلَ مَرَّة مَعنى مَقامي في المسيح، غَيَّرَ ذلكَ حَرفيًّا نَظرتي كُلَّها في الحياةِ تَغييرًا جَذريًّا.

وَبولسُ يُفَكِّرُ في ثلاثةِ أمورٍ يريدُ مِنَّا أنْ نَفهَمَها. وهي ثلاث حقائق عظيمة لا تُضاهى: أوَّلاً، أنْ نَفهمَ عَظَمَةَ خُطَّتِه الله. ثانيًا، أنْ نَفهمَ عَظَمَةَ قُدرَتِه. ثالثًا، أنْ نَفهمَ عَظَمَةَ شَخْصِه. وأنا لن أتمكَّنَ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ مِنْ تَغْطِيَةِ جُزْءٍ مِنْ هذهِ الحقائقِ في جَلسةٍ واحدةٍ في هذا الصَّباح. فهذه مُجَرَّد مُقدِّمة. ويمكنكم أنْ تُكْمِلوا الدِّراسةَ بِناءً عليها.

أوَّلاً، يُصَلِّي بولسُ قائلاً: "يا رَبّ، يا لَيتهُم يَفهمونَ عَظَمَةَ خُطَّتِك – خُطَّتِكَ لهم". العدد 18: "مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِين". فهذا هو ما يَقولُه.

فالدَّعوةُ هي قَبْلَ ابتداءِ العالمِ، والرَّجاءُ هو بعدَ زَوالِ العالم، والخُطَّة كُلُّها موجودة في تلكَ الآية الواحدة. وَهُوَ يقولك "أُصَلِّي أنْ يَفهموا الخُطَّة". فَمِنَ المُهمِّ جدًّا أن نَعرِفَ مَن نحنُ وما أعَدَّهُ اللهُ لنا.

لننظر إلى العدد 18، إلى العِبارة الأولى: "مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ...". وهذا يُقَدِّمُ لنا فِكرةً مُهمَّةً جدًّا. فالكلمة المُتَرجمة هُنا "أَذهان" هي الكلمة اليونانيَّة "كاردياس" (kardias) الَّتي اشْتُقَّت مِنها الكلمة "كاردياك" (cardiac). والكلمةُ تَعني ماذا؟ "قلب". فالنَّصُّ اليونانيُّ يقولُ حَرفيًّا: "مُستنيرةً عُيونُ قَلْبِكُم".

وهذا أمرٌ مُدهش جدًّا. فِمَصْدرُ الاستنارة الروحيَّة هو الله. ونحنُ نَعلم ذلك مِن خلالِ الآيات 15-17 لأنَّ هذه هي صلاة بولس إلى الله. فهو يَعلمُ أنَّ اللهَ هو مَصدرُ هذا الفَهْم. والقَناةُ لتوصيلِ ذلكَ الفَهم الَّذي نَحصُل عليه هو مَن؟ الرُّوحُ القُدُس. وموضوعُ هذا الفَهْم مذكور في نهاية العدد 17: "...فِي مَعْرِفَتِهِ". فبولسُ يقول: "يا رَبّ، افعل ذلكَ مِن خلالِ الرُّوحِ القُدُس كَيْ يَعرِفوه"؛ أيْ كَيْ تَعرِفوا اللهَ حَقًّا.

والآن، يأتي دَورُ هذا العُضْوِ المُختصِّ بذلكَ الفَهْم. فالمصدرُ هو الله. والقَناةُ هي الرُّوح. والموضوعُ هو أنْ نَعْرِفَهُ. والعُضوُ الَّذي يَفهمُ ذلك هو القلب. فالقلبُ هو الَّذي ينبغي أن يَفهم.

ونحنُ نُواجِهُ مُشكلةً في قَبولِ هذا المُصطلح. لِذا، لا بُدَّ أن أَشْرَحَ ذلكَ لكم لأنَّ القلبَ لدينا يُشيرُ إلى المَشاعِر. فالثقافة الأمريكيَّة تُخَصِّصُ القلبَ للإشارة إلى المشاعر. فكُلُّ أغاني الحُبِّ لدينا تتحدَّثُ عنِ القلبِ. ونحنُ نُوَزِّعُ قُلوبًا صَغيرةً مُؤخَّرًا في عيدِ الحُبّ. فَكُلُّ شخصٍ يُقَدِّمُ قُلوبًا للآخر. ونحنُ نَعتقد أنَّ القلبَ يُعَبِّرُ عنِ العواطِفِ؛ أيْ كيفَ نَشْعُر. ولكِنَّ الأمرَ لم يَكُن كذلكَ في الثقافاتِ القديمة. واليهودُ لم يكونوا يَنظرونَ إلى الأمرِ هكذا أيضًا. واسمحوا لي أن أُبَيِّنَ لكم ذلك:

فاليهودُ كانوا يتحدثونَ عنِ المشاعر لا مِن خلالِ الإشارة إلى القلب، بل باستخدامِ الكلمة "سبلينكنون" (splankhnon)، وهذه هي التَّرجمة اليونانيَّة لها، ومَعناها "أحشاء". هل هذا واضح؟ ونحنُ لدينا مَفهومٌ مُختلفٌ عن هذه الكلمة. فنحنُ لا نُفَكِّرُ في تلك الكلمة اليوم. والمرءُ لا يَقولُ لزوجتِه: "أنا أُحِبُّكِ بِكُلِّ أحشائي!" فهذا سيكونُ، كما تَعلمونَ، غَزَلاً عَديمَ المَعنى بهذا المَفهوم!

ولكِنْ هذه هي الطريقة المُحَدَّدة الَّتي كانَ اليهودُ يَتكلَّمونَ بها. لِذا فإنَّ هذه الكلمة تَرِد كثيرًا جدًّا في الكتاب المقدَّس. لماذا؟ لأنَّ اليهوديَّ يَقْرِنُ المشاعرَ دائمًا، بصورة رئيسيَّة، بأعضائِهِ في هذهِ المنطقة الَّتي هي المَعِدَة. فنحنُ نقولُ إنَّ "مَعِدَتَنا اضطربَت". فعندما تتوتَّر فإنَّكَ تُصابُ بِاضطرابٍ في مَعِدَتِك، وتَشعرُ بالألمِ والتوتُّرِ هُنا. فأنتَ تَشعرُ بالاضطرابِ هُنا. فهذه هي مِنطقةُ المشاعر. فأنتَ لا تَشعُر بقلبِك. بل تَشعر هُنا. وقد كانَ اليهودُ يَنظرونَ إلى الأمرِ هكذا.

فمثلاً، في سِفْرِ نَشيد الأنشاد، عندما رأى العَريسُ والعَروسُ أحَدَهُما الآخر، نَقرأُ: "فَأَنَّتْ عَلَيْهِ أَحْشَائِي". بعبارة أخرى، فقد كانَ هناكَ شُعورٌ بالتَّرَقُّبِ واللَّهفة هُنا. وهكذا يَتِمُّ وَصْفُ الأمرِ في كُلِّ العهدِ القديم.

وحَتَّى في المزمور 22، فإنَّ المسيحَ يموتُ على الصَّليب. وَهُوَ يتحدَّثُ عنِ المُعاناةِ والعَذابِ والألمِ في أحشائِهِ. وفي سِفْرِ المَراثي 2: 11، عندما يَرْثي إرْميا هَلاكَ شَعبِهِ، فإنَّهُ يقولُ إنَّهُ تألَّمُ في أحشائِهِ، هُنا، في أمعائِهِ. وَهُوَ يَستخدِمُ أيضًا الكلمة "كَبِد": "انْسَكَبَتْ عَلَى الأَرْضِ كَبِدِي" لأنَّهُ شَعَرَ بالألمِ هُنا.

وفي رسالة يوحنَّا الأولى 3: 17، أيْ حَتَّى في العهدِ الجديد، نَقرأُ: "وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ الْعَالَمِ، وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجًا، وَأَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ عَنْهُ..." وَكَما تَرَوْن، فإنَّهم كانوا يَشعرونَ بهذه المشاعِر هُنا في المَعِدَة.

والقَلْبُ، كَما تَرَوْنَ، في نَظَرِ اليهود، لم يَكُن يَعني المَشاعِر، بل كانَ يَعني: التَّفكير. التَّفكير. لِذا، يُمكننا أنْ نُتَرجِمَ الكلمة "كاردياس" (kardias) إمَّا "قلب" وإمَّا "ذِهْن". "لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي [ماذا] نَفْسِهِ (أو: قَلْبِهِ) هكَذَا هُوَ. "فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ [ماذا؟] يَتَكَلَّمُ فَمُهُ". فالقلبُ هو عَمليَّةُ التَّفكير. "اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟" فهو التَّفكير. وَهُوَ الجُزءُ المُختصُّ بالإرادة، والتَّفكير، والفهم. وهذا يَسْري على كُلِّ الكتابِ المقدَّس.

لِذا، لاحِظوا الآتي: إنَّ العُضوَ الخاصَّ بالفَهْم لدى المؤمِن هو عمليَّة التَّفكير، لا المَشاعِر. فاللهُ لا يُحاولُ أنْ يُخاطِبَ مَشاعِرَنا، بل يحاولُ أنْ يُخاطِبَ عَقلَنا وإرادَتَنا وتَفكيرَنا. وهذا هو مَعنى الكلمة "كاردياس". فالمسيحيَّة ليست مُصَمَّمَة لكي تُخاطِبَ العواطِف. فالعواطِفُ مُصَمَّمَة لكي تَفعلَ الآتي: أنْ تَتجاوبَ مَعَ العقل. لِذا، عندما تَطْغى عواطِفُكَ على عَقلِكَ فإنَّكَ تَتَصَرَّفُ بِحماقة. وأيُّ جَماعة مسيحيَّة تُخاطِبُ النَّاسَ على مُستوى العاطفةِ وَتَتَجاهَلُ العقلَ إنَّما تَبحثُ عنِ المَتاعِب لأنَّها تُوَلِّدُ رُدودَ فِعْلٍ بَعيدة عنِ الحَقّ.

واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا. انظروا إلى رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاح السَّادِس. رسالة كورنثوس الثانية 6: 11: " أَيُّهَا الْكُورِنْثِيُّونَ". وَهُوَ يَقولُ ذلكَ بِتَنَهُّد: "فَمُنَا مَفْتُوحٌ إِلَيْكُمْ... قَلْبُنَا مُتَّسِعٌ". فَهُوَ يَقولُ: "أنا مُنْفَتِحُ الذِّهْنِ لَكُم". فَهُوَ يَستخدِمُ الكلمة "ذِهْن": "ذِهني مَفتوحٌ جدًّا لكم. فَكُلُّ ما أفتكِرُ بِهِ لأقولَهُ لكم، وإرادَتي، وكُلُّ ما أعرِفُهُ، أُريدُ أنْ أَنْقِلَهُ لَكُم".

ولكِن انظروا إلى العدد 13: "فَجَزَاءً لِذلِكَ أَقُولُ كَمَا لأَوْلاَدِي: كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُتَّسِعِينَ!" بعبارة أخرى: "اسمعوني! فأنا لديَّ أمورٌ أريدُ أن أُعَلِّمَكُم إيَّاها. ويجب علينا أنْ نَتَّفِقَ فيما بيننا على هذا الأمر. فيجب أن يكونَ هناكَ تَعَلُّمٌ، وفَهْمٌ؛ ولكِنْ يوجد عائقٌ في الطريق". وهذا هو ما جاءَ في العدد 12، في مُنتصفِ العَدَد: "لَسْتُمْ مُتَضَيِّقِينَ فِينَا بَلْ مُتَضَيِّقِينَ فِي أَحْشَائِكُمْ". "سبلانكنون" (splankhnon).

فهو يقول: "لا يمكنني أنْ آخُذَ حَقَّ اللهِ الموجود في ذهني وأنْ أَضَعَهُ في أذهانِكُم لأنَّ عواطِفَكُم تَقِفُ عائِقًا في الطريق". وحَرفيًّا، فإنَّ النَّصَّ اليونانيَّ يقول: "لقد كانوا مُتَضَيِّقِينَ فِي أَحْشَائِهُمْ". أو بِلُغَتِنا في الوقتِ الحاضِر: "لقد كانوا يُعانونَ حَصْرًا نَفسيًّا".

هل فَهِمْتُم ما يَقول؟ لَقَدِ اصْطَدَمَ عَمَلُ اللهِ في حياةِ الكورِنثِيِّين بِعائقٍ لأنَّ عواطِفَهُم كانت تَقِفُ عائقًا في طريقِ الحَقّ. فحينَ تَضعونَ عواطِفَكُم في طريقِ حَقِّ اللهِ، فإنَّكُم تَحْجِزونَ الحَقَّ. وحينئذٍ فإنَّ العَواطِفَ تَصيرُ جَامِحَةً لأنَّ المَشاعِرَ تَطْغى على الذِّهْن.

لِذا، عندما نَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاح الأوَّل: "مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ"، فإنَّها تَعني تمامًا ما تَقول. فهي تتحدَّثُ عنْ فَهْمِ عَمليَّةِ التَّفكير. فبولُس يُصَلِّي قائلاً: "يا رَبُّ، يا لَيْتَ أذهانهُم تَعلمُ هذهِ الأشياء". وهذا أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا.

فعندما يَعملُ الرُّوحُ القُدُس في ذِهنِ المؤمِن، فإنَّهُ يُغني ذلكَ الذِّهن كَيْ يَفهمَ الحَقَّ الإلهيَّ العميق والرَّاسِخ ويَقْرِنَهُ بالحياة. وهذا هو تمامًا ما قَصَدَهُ بولسُ حينَ قالَ لأهلِ كولوسي في الأصحاح 3 والعدد 16: "أنتُم لستُم بحاجة إلى الفلسفة البشريَّة، ولستم بحاجة إلى الحكمة البشريَّة، ولستم بحاجة إلى النَّاموسيَّة، أوِ الزُّهْدِ، أوِ التَّنَسُّكِ؛ بل إليكُم ما تَحتاجونَ إليه: أنْ تَسْمَحوا لِكَلمةِ المسيحِ أنْ تَسْكُنَ فيكم [كيف؟] بِغِنى" (كولوسي 3: 16).

فهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. وسوفَ أقولُ لكم شيئًا. إنْ لم يَعملِ الرُّوحُ القُدُسُ على توصيلِ الحَقِّ إلينا، فإنَّهُ لن يَتْرُكَ نَفسَ التَّأثير. وهذه هي صَلاةُ بولُس: "يا رَبّ، افعل هذا في قُلوبِهم. فَهُم يَعرفونَهُ. ورُبَّما كانَ الحَقُّ موجودًا لديهم بصورَتِهِ البسيطة. يا لَيتَكَ، يا رَبّ، تَعمل بِروحِكَ على تَعميقِ ذلكَ في أذهانِهم".

وسوفَ أُقَدِّمُ لكم مَثَلاً توضيحيًّا جيِّدًا على ذلك مِن إنجيل لوقا والأصحاح 24. ولا حاجةَ إلى أنْ تَفتحوا عليه. فسوفَ أُذَكِّرُكُم بِذلكَ وَحَسْب. فهل تَذكرونَ تِلْميذَي عِمْواس؟ فقد كانا يَمشيان. وكانَ يَسوعُ يَمشي بِمُحاذاتِهما. وقد كانوا قد تَبِعوا يَسوعَ ثَلاث سِنين. ولكِنْ ما الَّذي حَدَث؟ لَمْ يَعرِفاه. أليسَ كذلك؟ فقد كانا يَعرِفانِه، ولكِنَّهُما لم يَعرِفاه! وما أعنيهِ هو أنَّهُما كانا يَعرِفانِه، ولكنَّهما لم يَعرِفاه! فقد كانت لديهم كُلُّ المعلوماتِ المطلوبة، وكانَ يَمشي بجانِبِهما؛ ولكنَّهما لم يَعرِفاه.

وأخيرًا، نَقرأُ في العدد 31: "فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ ثُمَّ اخْتَفَى عَنْهُمَا". ثُمَّ نَقرأُ المُلاحظة التَّالية: "فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ [وَكَمْ أُحِبُّ ذلك]: «أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا؟" وما مَعنى ذلك؟ عَقْلَنا وَإرادَتَنا. " أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟»".

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ وُجودَ الكتابِ المقدَّسِ لديكم، ووجودَ المعلوماتِ لديكم لا يَجْعَلُ قَلبَكُم مُلتَهِبًا فيكُم. ولكِن عندما أَخَذَ مَسيحُ اللهِ الكلمة وَغَرَسَها عميقًا في قَلْبِهِما، الْتَهَبَ قَلبُهُما فيهِما. والشَّيءُ نَفسُهُ يَصِحُّ الآن. صَحيحٌ أنَّ المسيحَ ليسَ حاضِرًا بالجسدِ الآن، ولكِنَّ رُوحَهُ حاضرٌ. وَروحُهُ يأتي إلينا، نحنُ الَّذينَ لَدينا الكلمة، ويَجعَلُها تَلتهِب في أذهانِنا. فهذا هو عَمَلُه. وهذا هو مَعنى العبارة "مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ". أَتَرَوْن؟

وما الَّذي يُريدُ مِنَّا أنْ نَفهَمَهُ حينَ نَستنير؟ أوَّلُ شيءٍ قُلتُهُ لكم هُوَ: عَظَمَةُ خُطَّةِ الله. انظروا إلى ذلك في العدد 18: "لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِين". ولا أدري ما الَّذي يُمكنُني أن أقولَهُ عن هذهِ الآية، يا أحبَّائي، سوى أنَّها تُلَخِّصُ كُلَّ ما جاءَ في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ. وأنا لن أبتدئَ مِنَ البداية إلى النِّهاية لأُخبرَكُم بكُلِّ ذلك.

ولكِنَّهُ يَقول: "أرجو أن يَفهموا خُطَّتَكَ لَهُم. وأرجو أن يَفهموا مَعنى أنَّكَ اختَرتَهُم وفَدَيتَهُم ووَعَدتَهُم بِميراث. وأرجو أن يَفهموا مَعنى أنْ يكونوا مُختارينَ قَبْلَ تَأسِيسِ العَالَم" (كما جاءَ في الأصحاحِ الأوَّل والعدد 4). "إذِ اختارَنا فيهِ للفِداء لكي نَرِثَ كُلَّ ما في مَلكوتِ اللهِ الَّذي أَعَدَّهُ اللهُ لأولادِهِ".

فهل تَفهمُ الخُطَّة، أيُّها الإنسان؟ وما أعنيه هو: هل تَفهمُ ما يَجري؟ فهذه هي صَلاةُ بولس: "يا رَبُّ، يا لَيتَهُم يَفهمونَ أنَّ هذا الأمرَ ليسَ فِكرة نَشَأتْ بعدَ خَلْقِ البَشَر. بل هي الخُطَّة الرئيسيَّة الَّتي وَضَعَها اللهُ الأزليُّ مِنْ أبَدِ الآبدين". فأنتُم جُزءٌ مِنْ هذه الخُطَّة مِنْ قبلِ تأسيسِ العَالَم.

وهذهِ هي، يا أحبَّائي، هُوِيَّتُكم. وبولسُ يَعرفُ جَيِّدًا أنَّهُ عندما تَفهمونَ ذلك فإنَّكم سَتَميلونَ أكثر إلى السُّلوكِ وَفقًا لها. لِذا فإنَّهُ يَقول: "صَلاتي هي أنْ يَفهموا بأذهانِهم المصيرَ الأزليَّ للمُؤمِن إذْ إنَّهُ مُعَيَّنٌ مِنَ الأزَلِ السَّحيق، ومُقْتَنى في الحاضِر، ومَضمونٌ في الأبديَّة". وبولسُ يُريدُ مِنَّا أنْ نَفهم.

وهل تَعلمونَ ما الَّذي يَعنيهِ ذلك بالنِّسبة إليَّ؟ إنَّ كُلَّ ما أُفَكِّرُ فيهِ هو ما يَلي: أنَّني سأكونُ ذاتَ يومٍ مُشابهًا لِمَن؟ يسوعَ المسيح. وهذا، في نَظري، أمرٌ لا يُمْكِنُ لِعَقلي أنْ يَستوعِبَهُ؛ أيْ أنْ أَصيرَ مُشابِهًا صُورةَ ابْنِهِ، وأنَّني سأكونُ مِثْلَهُ حينَ أراهُ كما هُوَ، وأنَّني سأكونُ وُريثًا معَ المسيح. فهذه هي خُطَّةُ اللهِ. وهذه هي عَظَمَةُ خُطَّتِه.

وهي ليست خُطَّة عظيمة فحسب، بل هي خُطَّة غَنِيَّة أيضًا. انظروا إلى العدد 18. فهو يُخبركم وَحَسْب عَنْ هُوِيَّتِكُم. "وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِين". فنحنُ قِدِّيسون. نحنُ "هاجيوس" (hagios). فنحنُ المُقَدَّسون. فقد صِرْنا قِدِّيسينَ في يَسوعَ المسيح. فهناكَ مِيراثٌ. وليسَ ميراثًا وحسب، بل هُناكَ أيضًا مَجْدُ مِيراثِهِ. وليسَ هذا فقط، بل غِنى مَجْدِ مِيراثِهِ.

وما مَعنى ذلك؟ هذا يعني أنَّهُ أيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي ذَخَرَهُ اللهُ لنا، فإنَّ الكلماتِ تَعجَز عن وَصفِهِ. فهو كَثيرٌ جدًّا. وكأنَّ بولسَ يقول: "إنَّهُ شيءٌ يَستمرُّ ويَستمرّ؛ أيِ الميراث، وَمَجْدُ الميراث، وغِنى مَجدِ الميراث. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَستوعِبَهُ كُلَّهُ". فهي بَرَكاتٌ عظيمة جدًّا للخلاص يُريدُ مِنَّا أنْ نَفهَمَها.

وحينَ تَفهمُ هذا، ستُدركُ فجأةً مَنْ أنت. فأنتَ وَلَدٌ مِن أولادِ الله. وهذه هي بدايةُ ونِهايةُ كُلِّ شيء. ولا يوجد ما هو أكثر مِن ذلكَ تَسعى إليه. وأنا أعني أنَّ هذه هي الذُّروة، يا أحبَّائي. فما الَّذي سَتَطْلُبُهُ أكثر مِنْ غِنى مَجْدِ ميراثِ القِدِّيسين؟

وقد يأتي شخصٌ ويقول: "أعتقد أنَّ هناكَ المَزيد. ورُبَّما يَجْدُرُ بنا أنْ نَبْحَث". لا، لا يوجد المزيد. فيجب على المؤمنينَ أن يَفهموا مَوارِدَهُم. وهذه هي البداية. ويا لَها مِنْ خُطَّة! ونَحْنُ جُزءٌ مِنها!

ثانيًا، يُصَلِّي بولسُ لا فقط أنْ نَفهمَ عَظَمَةَ خُطَّةِ اللهِ، بل أنْ نَفهمَ أيضًا عَظَمَةَ قُدرَتِه. عَظَمَةَ قُدرَتِه (في العدد 19): "وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِه".

وهذا مُضْحِكٌ إلى حَدٍّ ما! فالرُّوحُ القُدُسُ هو الَّذي كَتَبَ هذه الكلمات. ولكِنَّهُ يَستخدِمُ دائمًا أداةً بَشريَّة. وبولسُ يحاولُ هُنا أنْ يَصِفَ مِقدارَ قُوَّتِنا. وَهُوَ يَستخدِمُ كُلَّ كلمة خَطَرَتْ بِبالِهِ. والحقيقة هي أنَّهُ يَستخدِمُ أربعَ كلماتٍ مُختلفة بِمَعنى "قُدرَة" في العدد 19 وَحْدَهُ. أربع كلمات مُختلفة بِمَعنى "قُدرة":

الكلمة الأولى الَّتي تَرَوْنَها هي: "قُدرة": "وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ...". وهذه الكلمة هي "دونيميس" (dunamis) الَّتي اشْتُقَّتْ مِنها أيُّ كلمة إنجليزيَّة؟ "داينامايت" (dynamite)؛ وهي مادَّة شديدةُ الانفجار.

ثُمَّ نَقرأُ: "قُدْرَتِهِ...نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ". لاحِظوا أنَّ هذه القوَّة تَقتصرُ فقط على المؤمِنين. فهي لجميعِ المُخَلَّصين. ولا توجد قُوَّة أكبر مِن هذه. وما يُضايِقُني جِدًّا هو أنْ يَسْعى النَّاسُ إلى الحُصولِ على قوَّةٍ أعظم، وقوَّةٍ أكبر، وأنْ يَطلبوا مَزيدًا مِنَ القُوَّة. فلا توجد قوَّة أعظم، يا أحبَّائي. "عَظَمَة قُدْرَتِهِ...نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ". لا "نَحْوَنا نحنُ المُؤمِنينَ الَّذينَ لدينا أيضًا رُؤى"، أوْ: "نَحْوَنا نحنُ المؤمنينَ الَّذينَ نُمارِسُ أيضًا طُقوسًا مُعَيَّنة"، أو: "نَحْوَنا نحنُ المؤمنينَ الَّذينَ نَفعلُ أيضًا كذا". بل فقط: "نَحْوَنا نحنُ المؤمنين". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "حَسَبَ عَمَلِ..." وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا كلمةً أخرى وهي "إينيرغِيَا" (energia) الَّتي اشْتُقَّتْ مِنها الكلمة "إينيرجي" (energy) ومَعناها: "طَاقة".

ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ ...". والكلمة "شِدَّة" هي: "كريتوس" (kratos)، وهي كلمة أخرى يُمْكِن أنْ تُتَرْجَمَ "قُدرة". وهي تُتَرجم أحيانًا: "سُلطان". ثُمَّ إنَّهُ يَخْتِمُ بكلمة أخرى وهي: "قُوَّتِهِ": "إسْكوس" (ischus)، وهي مُختلفة عنِ الكلماتِ الأخرى.

فالكلمة الأولى "دونيميس" تَعني: "قُوَّة مُتَأصِّلة". وكَلِمَتُهُ الثَّانية "إنيرغيا" تَعني: "قُوَّة عامِلة". والكلمة الثالثة "كريتوس" تَعني: "قُوَّة قُصوى". والكلمة الرَّابعة "إسْكوس" تعني: "قُوَّة مَمنوحة". وما يَعنيه بولس هنا هو أنَّ هُناكَ قُوَّة وقُدرة في كُلِّ مكان. وهذه القُوَّة هي لَك.

وَما يُضايِقُني هو أنْ أَسمعَ بعضَ المُؤمِنينَ يقولون: "لا أدري إنْ كانت لديَّ القُدرة للقيامِ بكذا"، في حين أنَّ بولسَ يقول: "إليكُم السَّبب في أنِّي أُصَلِّي لأجلكم، يا رفاق: كَيْ تَعلموا أنَّ لدينا قُوَّة. وهي قوَّة فائقة، وعظيمة، وخارقة".

فنحنُ لدينا القُدرة على الكِرازة. والنَّاسُ يقولون: "أخشى أنَّهُ ليست لديَّ القُدرة على الشَّهادة للمسيح". بَلى، أنتَ لديكَ القُدرة على الكِرازة. اسمعوني: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ [لِماذا؟] لِلْخَلاَص". فأنتَ تَملِكُ تلكَ القُدرة. فأنتَ تَمْلِكُ القُدرة على الكِرازة.

وكانَ الرسول بولس قد ذهبَ إلى تسالونيكي في الأصحاح الأوَّل والعدد 6. وقد قال: "إنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ [بماذا؟] بِالْقُوَّةِ أَيْضًا...وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ". بالقوَّة على الكِرازة.

ثانيًا، لقد أعطانا اللهُ القُدرة على احتمالِ الألمِ والضِّيقات إلى أنْ نُحَقِّقَ النُّصرة. فنحنُ نقرأ في رسالة كورِنثوس الثانية 4: 7: "وَلكِنْ لَنَا هذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ ِللهِ لاَ مِنَّا". لِذا فإنَّهُ يَقول: "مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِين". وَهُوَ يَمْضي في ذِكْرِ كُلِّ الأمورِ الأخرى.

وأخيرًا، فإنَّهُ يُلَخِّصُ ذلكَ قائلاً: "حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا". القُدرة على الكِرازة، والقدرة على احتمالِ الألم، والقدرة على عَمَلِ مشيئةِ الله. فالنَّاسُ يَخْشَوْنَ مِنْ أنَّهم لا يَمْلِكونَ القُوَّة والموارد اللَّازمة للقيام بمشيئة الله. ولكِنَّنا نَقرأُ في رسالة فيلبِّي 2: 13: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّة". فالقوَّة موجودة.

فهناكَ قُوَّة للخدمة. ففي رسالة كولوسي 1: 29، يَقولُ بولس: "الأَمْرُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَتْعَبُ أَيْضًا مُجَاهِدًا، بِحَسَبِ عَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيَّ بِقُوَّة". وقد تقول: "لا أدري إنْ كانت لديَّ القوَّة". أجل، لديكَ قُوَّة. فنحنُ نقرأُ في سِفْر أعمال الرُّسُل 1: 8: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ...". وقد حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ عليكَ مَتى؟ عندما خَلَصْت. فأنتَ تَمْلِكُ القُوَّة. والحقيقة هي أنَّ لديكَ قُوَّة كبيرة جدًّا تَجْعَلُكَ خَطيرًا.

ونحنُ نَقرأُ في رسالة أفسُس 3: 20: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ [أين؟] فِينَا". فهي قُوَّة هائلة ومُذهلة. هل تَفهمونَ هذا؟ لِذا، لا تَبحثونَ عنِ المزيد. فهذهِ إهانة لمحبَّة الله المُنْعِمَة الكاملة الَّذي أعطانا في المسيح كُلَّ شيء. كُلَّ شيء.

والحقيقة هي أنَّهُ يُريدُ مِنَّا أنْ نَفهمَ هذه القُدرة. لِذا فإنَّهُ يُعطينا مَثَلاً توضيحيًّا في العدد 20: "إنَّها نفسُ القوَّة الَّتي عَمِلَها فِي الْمَسِيحِ إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّات". فهو يقول: "انظروا. رُبَّما تَشُكُّونَ في قُدرةِ الله، ولكِن انظروا إلى ما سأقولُهُ لكم: إنَّها نفسُ القُوَّة الَّتي أَقامت يسوعَ وَأَجْلَسَتْهُ على عَرْشِهِ. وفي حال أنَّكم قَلِقونَ بخصوصِ ما إذا كانَ اللهُ سيتمكَّنُ مِنْ تَنفيذِ وَعْدِه، أو ما إذا كانَ اللهُ سيتمكَّنُ مِنْ إخراجِكُم مِنْ هذهِ الوَرطة هُنا إلى الأمْجادِ هُناك، تَذَكَّروا وَحَسْب أنَّهُ فَعَلَ ذلكَ في المسيح. وَهُوَ سَيَفْعَلُ ذلكَ مَعَكَمُ لأنَّ القوَّة ما تَزالُ على حَالِها".

فهذا هو حقًّا ما يَقولُهُ. فالرسالةُ بِرُمَّتِها هنا لا تَرمي إلى أنْ نَفهمَ القُدرة على الخِدمة بِقَدْرِ ما تَرْمي إلى أنْ نَفهمَ قُوَّتَهُ القادرة أنْ تَحْفَظَنا، وَتَضْمَنَنا، وتُحَقِّقَ الرَّجاءَ الَّذي لنا في المسيح.

وأعتقد أنَّنا جميعًا نَشُكُّ بينَ الحين والآخر ونتساءل عَمَّا إذا كانَ اللهُ قادرًا حقًّا على فِعْلِ كُلِّ ذلك. ولكنَّهُ فَعَلَ ذلكَ معَ المسيح. فقد أقامَهُ مِنَ القَبْرِ، وحَلَّ رُبُطَ الموت، وحَطَّمَ القيودَ؛ فَخَرَجَ المسيحُ حَيًّا. وقد أَجْلَسَهُ عَنْ يَمينِهِ في السَّماويَّاتِ وتَوَّجَهُ ملِكَ المُلوكِ ورَبَّ الأربابِ والجَلالِ إلى الأبد. وهو سيَفعلُ الشيءَ نَفسَهُ لَكَ أنت.

فالكتابُ المُقدَّسُ يقول إنَّهُ سيُقيمُكَ مِنَ القبرِ وسَيُجلِسُكَ مَعَهُ في عَرْشِ الآبِ. وهو يَقولُ إنَّهُ لا يوجد سَبَب يَدعوكَ إلى الشُّعورِ بِالخوفِ لأنَّ القوَّة نَفسَها الَّتي أقامتِ المسيحَ وأَجْلَسَتْهُ عن يمينِ اللهِ سَتَفعلُ الشَّيءَ نَفسَهُ لَكَ أنت. لِذا فإنَّهُ يقولُ: "أُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ تُساعِدَهُم بِروحِكَ على أنْ يَفهموا عَظَمَةَ الخُطَّة، وعَظَمَةَ القُوَّة الَّتي سَتَجْعَلُ الخُطَّةَ تَنْجَح".

ثُمَّ إنَّهُ يقولُ، ثالثاً، إنَّهُ يُصَلِّي أنْ يَفهموا عَظَمَةَ شَخصِهِ...شَخصِهِ. ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ المسيحِ في العدد 21 فيقول: "فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا، وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ".

فهو يَنتقِلُ وَحَسْب مِنَ التَّحَدُّثِ عنِ قيامةِ المسيحِ وتَتويجِهِ، إلى التحدُّثِ عن جَلالِه. فَقُدْرَتُهُ مُماثِلَة لِجلالِه. وَمِنَ المُهمِّ جدًّا أنْ تَعلموا مَنْ هُوَ الَّذي يَسْكُنُ فينا. فالمسيحُ يَسْكُنُ فينا. والمسيحُ يَضْمَنُنا. والمسيحُ يُقَوِّينا. والمسيحُ يَجْعَلُ وُعودَ اللهِ النَّعَم والآمين. والمسيحُ هو الَّذي يُمْسِكُنا. لِذا، لا مُبَرِّرَ لِخوفِكَ، ولا يوجد شيء تَخْسَرُه. فَكُلُّ شيءٍ مُسْتَطاع. ولا يوجد ما هو أكثر مِنْ ذلكَ لِتَطلُبَه. فالمسيحُ يَسْكُنُ فينا. فما الَّذي نَحتاجُ إليهِ أكثر مِن هذا؟ "لأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْل يُعْطِي اللهُ الرُّوحَ".

وقد قالَ بولسُ لتيموثاوس عندما كانَ تيموثاوسُ خائفًا ومُحْبَطًا إلى حَدٍّ ما، وَيائِسًا في خِدمَتِه، وحينَ كانَ بعضُ الأشخاصِ يُضايِقونَهُ لأنَّهُ كانَ شَابًّا فَتِيًّا، وحينَ كانَ بعضُ الأشخاصِ يُضايِقونَهُ في مُعتقداتِه، وحينَ كانَ أصحابُ البِدَعِ في أفسُس يُشَوِّشونَهُ، وحينَ كانَ النَّاسُ يَتَماحَكونَ بخصوصِ الأنساب. فقد كانَ تيموثاوس على وَشْكِ التَّخَلِّي عن خِدمتِه، وكانَ مُحْبَطًا بعضَ الشَّيء. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ لَهُ: "اسمع يا صديقي، ينبغي لكَ أنْ تُضْرِمَ النَّارَ الَّتي فيك. وينبغي لكَ أنْ تُضْرِمَ مَوهبةَ اللهِ الَّتي فيك. وينبغي لكَ أنْ تَتَحَمَّسَ مَرَّةً أخرى. تَناوَل بعضَ الخَمْرِ لأجلِ آلامِ مَعِدَتِك. ونَظِّم مَواهِبَك". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ لَهُ: "فوقَ الكُلِّ، افعلْ ما يَلي [في رسالة تيموثاوس الثانية 2: 8]: "اُذْكُرْ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ".

وما الَّذي يَعنيه ذلك؟ إنَّهُ يقول: "تَذَكَّر عَظَمَةَ الشَّخصِ الَّذي يَحيا فيكَ، المولود مِنْ نَسْلِ داود. فهذا يُشيرُ إلى نَاسُوتِه. فهو يَفهم. وَهُوَ يَتعاطَف. أمَّا أنَّهُ قَامَ مِنَ الأمواتِ، فهذا يُشيرُ إلى لاهوتِه. فهو قويٌّ وقادرٌ أنْ يُحَقِّقَ كُلَّ مَشيئَتِه الصَّالحة في حياتِك. تَذَكَّر مَنْ هو. وتَذَكَّر أنَّهُ يَسْكُنُ فيكَ". فهذا هو لُبُّ الأمر.

وسوفَ أقولُ لكم شيئًا: هذا هو ما ينبغي لكُلِّ مُؤمِنٍ أنْ يُرَكِّزَ عليه. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ لنا: "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوح". فإنْ رَكَّزنا أَقَلّ على مَشاكِلِنا النَّفسيَّة، وأقَلّ على مَشاكِلِنا الرُّوحيَّة، وأقلّ على الأشياءِ الصَّغيرة الَّتي نَفعَلُها، ورَكَّزنا أكثر على شخصِ يسوعَ المسيح، وَفَهِمْنا أكثر قُوَّتَهُ، وفَهِمْنا كيفَ أنَّهُ يَسْكُنُ فينا، فإنَّنا سَنتحرَّرُ مِنَ الكَثيرِ مِنَ المَتاعب.

وما يُزْعِجُني كثيرًا هو أنَّنا نَقرأُ كُتُبًا كثيرة عنِ الأمورِ الثانويَّة، وكُتُبًا قليلةً جدًّا عن يسوعَ المسيح. فمَتى كانتِ المَرَّة الأخيرة الَّتي قَرأتَ فيها كِتابًا عن يسوعَ المسيح - عَنْ شَخصِهِ؟ فَقُدرَتُهُ مُماثِلَة لِجلالِه. لِذا فإنَّهُ يقول: "يا رَبّ، يا لَيتَهُم يَفهمونَ شَخْصَهُ". وَهُوَ يقولُ في العدد 21: إنَّهُ "فَوْق كُلِّ رِيَاسَةٍ ["آركيه" – “arche”] وَسُلْطَانٍ ["إكزوزيا" – “exousia”]". والكلمة "آركيه" تُستخدَمُ للإشارة إلى القائدِ الأوَّل. والكلمة "إكزوزيا" تُستخدَمُ للإشارة إلى القائدِ الثَّاني الَّذي لديهِ تَفويض بالسُّلطة.

فهو يقول: "لا أُبالي إنْ كانوا ملائكة أَخْيار أَمْ أشرار، أو رِياسات أو سلاطين أو قُوَّات أو أيَّ شيءٍ آخر مِنْ هذا القَبيل. وهذه كُلُّها ألقابٌ للملائكة. وهي رُتَبٌ للملائكة بِكُلِّ أنواعِها وَتَصنيفاتِها. فهو فَوقَ كُلِّ الملائكة. وَهُوَ فوقَ كُلِّ اسمٍ يُسَمَّى". وهذا يَعني أنَّ كُلَّ شخصٍ في الكون، وأيَّ شخصٍ أيًّا كانت هُوِيَّتُه، هُوَ تَحْتُهُ. "لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ، بَلْ فِي الدَّهْرِ الآتي أَيْضًا. فقد أَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ".

فنحنُ، يا أحبَّائي، مَملوؤونَ فيه. فهذا هو ما يَقولُه. ويا لها مِن فكرة رائعة! فنحنُ مَملوؤونَ بمِلئِهِ. وأودُّ أن أقولَ لكم إنَّهُ عندما تَفهمونَ عَظَمَةَ الخُطَّة، وعَظَمَةَ القُدرة، وأنَّ كُلَّ شيءٍ مُستطاع بِعَظَمَةِ شَخصِهِ، فإنَّ ذلكَ سَيُغَيِّرُ الطَّريقةَ الَّتي سَتَعيشونَ بها. ويجب أنْ يحدث هذا. فلا أَحَدَ يَتَفَوَّق على يسوعَ المسيح. ولا توجد قوَّة أعظم مِن قُدرَتِه. ولا أحدَ يَستطيع أنْ يُغَيِّرَ أيَّ شيء في خُطَّتِه لأنَّهُ ما مِنْ شخصٍ يَمتلِك قُوَّة أعظم مِن قُدرَتِه. ولا أحدَ يَستطيع أنْ يُحِبَّكَ أكثرَ مِنه. ولا أحدَ يستطيع أنْ يَفعلَ أكثرَ مِنه لأنَّهُ سيكونُ عاجِزًا أمامَ المسيح. فلا يُمكن لأيِّ شخصٍ أنْ يُحِبَّكَ أكثرَ مِنْه لأنَّهُ مَحَبَّة بطبيعَتِه. لِذا فإنَّنا مَضْمونونَ فيه. وهذه حقائق عظيمة.

ونَقرأُ في عِبرانِيِّين 1 أنَّهُ أعلى مِنَ الملائكة. ونقرأُ في فيلبِّي 2 أنَّهُ يَمْلِكُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ "لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْض". وبولُس يُذَكِّرُنا هُنا بأنَّ يسوعَ هو فوقَ كُلِّ شيء، حَتَّى الكنيسة "الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ". ولو كانَ لدينا الوقتُ الكافي لدراسةِ الآيةِ الأخيرة لَرَبَّما صَرَفْنا ساعاتٍ في دراسَتِها. فهل تُدركونَ أنَّكُمْ مِلْءُ المسيحِ في العالَم؟ فقد اختارَ أنْ يُظْهِرَ ذاتَهُ مِنْ خِلالِكُم. لِذا فقد وَضَعَ خُطَّةً عظيمة. وَهُوَ الَّذي يُحَرِّكُ الخُطَّةَ وَيَسْكُنُ فينا لكي يُنَفِّذَ الخُطَّة.

ولا عَجَبَ أنَّ بولسَ يقول إنَّنا "هوبيرنيكيو" (hupernikeo)، أيْ أَعْظَم مِن مُنتَصِرين ... أعظم مِنْ مُنتَصِرين في المسيح. ولا عَجَبَ أنَّهُ يقولُ في جُزءٍ لاحقٍ مِن رسالة أفسُس، في نهاية الرِّسالة، وتحديدًا في الأصحاح 6 والعدد 12: "فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، إلخ، إلخ. وكُلُّ ما ينبغي لنا فِعْلُه هو أنْ نَحْمِلَ سِلاحَ اللهِ. وَهُوَ يقول في العدد 10: "تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ". فَكُلُّ شيءٍ مُتوفِّرٌ لدينا. وَهُوَ يُريدُ مِنا، يا أحبَّائي، أنْ نكونَ مِلْئَهُ في هذا العالَم.

وقد كَتَبَ "جون كالفن" (John Calvin) الكلمات التَّالية: "هذا أعظمُ شَرَفٍ للكنيسة: أنَّهُ إلى أنْ يَتَّحِدَ ابنُ اللهِ بِنا، فإنَّهُ يَحْسِبُ نَفسَهُ غيرَ كامِلٍ بِصورةٍ ما. ويا لَها مِنْ تَعزية لنا أنْ نَعلَمَ أنَّهُ إلى أنْ نَذهبَ ونَصيرَ في حَضرَتِهِ، فإنَّهُ لا يَحْسِبُ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ أجزائِهِ، ولا يَرْغَب في أنْ يُحْسَبَ كامِلاً".

ويا لهُ مِن أمرٍ رائع! فَهُوَ يَسْكُنُ فينا الآن. وبهذا المعنى، فإنَّهُ مُفَرَّقٌ. وذاتَ يومٍ، عندما نَذهبُ لنكونَ مَعَهُ، فإنَّهُ سَيصيرُ مُتَّحِدًا. وبولسُ يُصَلِّي أنْ نَفهمَ هذا. وهذه هي صَلاتي لأجلِكُم. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا مَعًا:

صَلاتي، يا أبانا، لأجلِ هذهِ الرَّعيَّة، ولأجلي أيضًا، هي لا أنْ نَبْحَثَ عنِ المزيد. فهذه حَماقة. فلا يوجد المزيد. بل أنْ نَفهمَ كُلَّ ما لدينا الآن. وأنا أَضُمُّ صَوتي إلى صوتِ الرَّسولِ بولس وأُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ يَكونَ لدى هذه الرَّعيَّة العزيزة، الَّتي هي شَعْبُك، والمَدعوَّة باسمِك، والمَفديَّة بِدَمِك، والتي تَسْكُنُها بِروحِك، يا لَيتهم يَمتَلِكونَ رُوحَ الحِكمة، وروحَ الإعلانِ كَيْ يَعْرِفوا ابنَكَ، وَكَيْ يَعيشوا بِيَقين، وكَيْ يَعيشوا بقوَّة، وَكَيْ يَعيشوا بإيمانٍ راسخٍ يُغَيِّر حياتَهُم حَرْفيًّا لِمَدْحِ مَجْدِكَ. ونحنُ نُكَرِّسُ أنفُسَنا لِعِبادَتِكَ ونَتَعَهَّد بأنْ نَحيا بطريقة تَظْهَرُ فيها مِنْ خلالِنا وتَحصُل مِنْ خلالِها على كُلِّ المَجد. باسمِ يسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize