Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إذا كنتم معنا في المَرَّة السَّابقة، لا بُدَّ أنكم تعلمون أنَّنا سنبتعد قليلاً في هذا الصباح عن النَّصِّ الذي نَدْرُسُه وَهُوَ: أفسس 5: 18. فأثناء دراستنا لرسالة أفسس وَجَدْنا أنفسنا في الأسبوع الماضي عند العدد 18، وهو عددٌ يُحَدِّثُنا عن موضوع السُّكْر وعن موضوع شُرْب الخمر. وبسبب وجود أسئلة كثيرة جدًّا جدًّا عن هذا الموضوع المهم للغاية، فإنَّ الكثيرين منكم يتساءَلون: "هل مِنَ الصواب فِعْلُ ذلك؟ وهل يجوز للمؤمن المسيحيّ أن يشرب المشروبات الكحوليَّة؟ وما الذي يُعلمه الكتاب المقدَّس؟" وهلمَ جرَّا وهلمَ جرَّا. لذلك فقد قررنا أن نتوقف هنا وأن نُشارك بعض الأفكار عن ذلك.

وقد أخبرني أحد الأشخاص أنه رأى في أثناء قُدومِهِ إلى الكنيسة في هذا الصباح لَوْحَةً إعلانِيَّةً تقول: "ما عِيْدُ الميلادِ المَجيد مِنْ دون ويسكي ’جيم بيم‘ [Jim Beam]؟" وربما كان هذا الإعلان يعكس شيئًا ما عن المرض المُتَفَشِّي في المجتمع الذي نعيش فيه. وهذا يَدُلُّ على أننا أمام مشكلة مُستعصية. فنحن نقرأ في رسالة أفسُس 5: 18: "وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ". وهذه وصية مباشرة تَنهى عن السُّكْر. فروح الله يقول لنا إنهُ لا يجوز لنا أن نَسْكَر.

ولا نُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلنا إنَّ أمريكا تعاني مشكلةً خطيرةً في شُرب الخمر. وأعتقد أننا لسنا متفاجئين مِن ذلك. فنحن نتوقع مِن هذا المجتمع المُتَعَجْرِف، والمنغمس في الذَّات، والخاطئ، والمَهووس بالمتعة، والمُمتلئ بالشعور بالذَّنْبِ والقلقِ والإحباطِ والاكتئابِ أن يحاول أن يتجاهل ذلك وأن يَنسى كُلَّ ذلك مِن خلال شُرب الخمر. ونحن لسنا مصدومين البَتَّة بهذا الخصوص. ولكن ربما كان الشيءُ المُسْتَهْجَنُ قليلاً بالنسبة إلينا هو حقيقة أنَّ المسيحيين الذين قالَ رَبُّنا عنهم إنهم وُدَعاء، ويُنْكِرون ذواتهم، ومُتسامحونَ تمامًا، ويَجِدون كل تعزية في الرُّوح القُدُس، وممتلئون فرحًا بالربِّ يبحثون عن التعزية والفرح في زُجَاجَة. لذلك فإنَّ هذا الموضوع مهم جدًّا. وهو مَثَارُ الكثير مِنَ النقاش والتشويش والجدل. فالبعض يقول إنه لا يجوز للمؤمن المسيحيِّ أنْ يَشْرَبَ الخَمْرَ البَتَّة، وأنَّ هذا مَحظورٌ، وأنه مُحَرَّمٌ، وأنه غيرُ صائبٍ، وأنه خَطِيَّة. ويقول آخرون إنه يمكن للمؤمن المسيحيِّ أن يَشرب الخمر، وإنه لا بأس في الشرب باعتدال - لا سيما أنَّ الكتاب المقدَّس يُشير إلى أنَّ شعب الله كان يشرب الخمر، وأنه إنْ فَعَلْتَ ذلك باعتدال فإنه لا ضَيْرَ في ذلك.

وقد التقيتُ مؤمنين مسيحيين في هذا البلد، وفي أوروبا، وفي أمريكا اللاتينيَّة، وفي أماكن أُخرى. والبعض منهم يشربون الخمر والبعض الآخر لا يشربون. فالبعض قد يذهبون لتناول العشاء ولا يُفكرون في طلب الخمر، في حين أنَّ البعض الآخر يطلبونه أول شيءٍ ثُمَّ يُفكرون في العشاء. وقد نَصَحَني أُناسٌ يَعملون في خدماتٍ مسيحية مختلفة أنْ أُقيمَ في فندقٍ معينٍ لأنه يُقَدِّمُ أَفضل الخُمور. وقد التقيتُ أُناسًا آخرين يعملون في حقل الخدمة المسيحية منذ سنواتٍ عديدةٍ وطويلةٍ، ولكنهم لم يشربوا نقطةَ خمرٍ واحدة. لذلك، يبدو أنه ليس مُهمًا أن تكون هنا جغرافيًا أو في أيِّ مكانٍ آخر، بل إنَّ المُهِمَّ هو أنَّه مِنَ الواضح تمامًا أنه توجد مشاعر مُتَضارِبَة بخصوص صِحَّةِ القيامِ بذلك.

وقد جاء إلَيَّ أُناسٌ وقالوا لي: "متى سَتَعِظُ عنِ النَّهْيِ عنْ شُرْبِ الخَمْر؟" وقد جاءني أُناسٌ آخرون وقالوا لي: "أنت لَنْ تَعِظ عن عدم جَوازِ شُرْبِ الخمر، أليس كذلك؟" ولو كنتم في منزلي يوم أمس لاستمتعتم بسماع الآراءِ المُتَضارِبَةِ مِنْ خلالِ المكالمات الهاتفية التي تَلَقَّيتُها. وقد قالَ البعضُ: "لقد اتَّصَلْنا بِكَ لِنَتَحَقَّقَ مِنْ أنك لن تقول كَذا في هذا الصباح. فهل هذا صَحيح؟" وقد قُلتُ لهؤلاء: "تعالَوْا لتعرفوا الجواب". وأنا أَعْلَمُ أنَّ هناك قلقًا كبيرًا، ولكنَّ آخِرَ شيءٍ قد أُفَكِّرُ في القيام به هو أنْ أَجعل الجميع يَشعرون بالذنب. وآخِرَ شيءٍ قد أُفَكِّرُ في القيام به هو أن أجعلكم تعتقدون أنه إن شربتم الخمر أَوْ إنْ لم تشربوه، فإنَّ ذلك سيكونُ علامةً على روحانِيَّتِكُم ورمزًا لها. فالرُّوحانِيَّةُ هِيَ هُوِيَّتُكُم. أمَّا ما تفعلونه فهو تَعبيرٌ عن ذلك فقط.

والآن، يجب أن تَتَذَكَّروا أننا قلنا لكم في دراستنا السَّابقة لأفسس 5: 18 إنَّ شُرب الخمر يُستخدم في هذا العدد لِتَوضيحِ المُفارَقَةِ بينَهُ وبينَ الامتلاءِ بالرُّوح القُدُس لأنَّ بُولس لم يكن ينظر إلى هذا الأمر كمشكلة اجتماعية بقدر ما كان ينظر إليها كمشكلة لاهوتيَّة. فالشيء المؤكد هو أنَّ الناس في ذلك المجتمع (كما هي الحال في هذا المجتمع وفي كل مجتمعٍ آخر حول العالم طوال تاريخ الإنسان) كانوا يشربون الخمر لينسوا مشاكلهم، ويشربون الخمر ليفرحوا، ويشربون ليشعروا ببعض الراحة. ومعَ أنَّ ذلك يَنطوي على عنصرٍ اجتماعيٍّ، فإنَّ ما كان يُفكر فيه بُولس يَتَخَطَّى ذلك لأنه كان يُفَكِّرُ فيه مِنْ مُنْطَلَقٍ لاهوتيٍّ.

وكما رأيتم، فقد كان الخمر يُستخدم للسُكر في الديانات الوثنية أثناء عبادة الآلهة الوثنية مِنْ قِبَل الإغريقِ والرومانِ - ظنًّا منهم أنَّ ذلك يرفع مستوى وعيهم الديني. فقد كانوا يؤمنون أنه كلما زاد سُكرُهم، زاد مستوى الوعي الذي يحصلون عليه للشركة مع آلهتهم. وهذا هو ما دَحَضَهُ بُولس تمامًا في الأصحاح العاشر مِن رسالة الأولى إلى أهل كورنثوس عندما قال إنه لا يُمكنكم أن تشربوا كأسَ شَياطينَ وكأسَ الربِّ. ولا يُمكنكم أن تشربوا الكأس الذي يَجعلكم تَسْكرون لكي تكون في شركةٍ معَ الآلهة الوثنية، ثم تأتونَ وتتناولونَ كأس الشركة مع يسوع المسيح. فشركتنا تَتطلَّبُ مِنْكُمْ أنْ تَستخدموا وَعْيِكُم الكاملَ الذي يَستمِدُّ الطاقة مِنَ الامتلاء بالروحِ، وذلكَ على النَّقيضِ مِنْ شركتهم التي تقومُ حَقًّا على غياب الوعي بسبب المُحتوى الكُحولِيِّ في بعض المشروبات.

ولعَلَّكُم تَذكرون أني قلتُ لكم إنَّ الشيطان قد شَوَّهَ حَقًّا صورة الإنجيل بمُجمله. وقد تحدثنا عن الإله "زوس" (Zeus) الذي يُشبه الأبَ الزَّائِفَ للشيطان. فهو صُورةٌ زائفةٌ عنِ الله الآب. فقد وَلَدَ "زوس" ابنًا تَمَّ تَمزيقُهُ إرْبًا إرْبًا قبلَ أنْ يُوْلَدَ ثانيةً. وهذهِ قِيامةٌ زائفة. وربما تَذكرون أنَّ ذلك الابن قد حُبِلَ به في الأصل دون أن يلتقي "زوس" بالأُمِّ. لذلك فقد كان ذلك يُشبه الحَبَلَ العَذْراوِيَّ. وربما تَذكرون أنَّ "زُوس" قَرَّرَ أن يجعل ذلك الابنَ رَبًّا للأرض. ومَرّةً أُخرى، فإنَّ هذه دلالة على التزييف نفسه. لذلك فقد صار هذا الابنُ رَبًّا للأرض - أيْ ذلك الابنُ الذي وَلَدَهُ "زُوس" ثانيةً. وقد كان اسْمُهُ "دايونيسيوس"، وقد كان يُعْرَفُ بإلهِ الخمر. لماذا؟ لأنَّ الديانة الوثنية كانت قائمة على السُّكْر. فقد كان ذلك كله جزءًا مِن النظام الدينيّ.

لذلك عندما يقول بُولس: "لاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ"، فإنه يقول إنَّهُ يجب عليكم أنْ تَتخَلَّوْا عنْ عِبادتكم الدينيَّة القديمة، وأنْ تَقبلوا العبادة الجديدة الَّتي هي عبادة بالرُّوح القُدُس، لا بالسُّكْر. إذًا هذا هو أساسُ المُفارَقَة التي يَعْرِضُها. وهذا هو أساس المُبايَنَة التي يُقَدِّمُها. فالقضية ليست قضية اجتماعية فحسب، بل إنه يتحدَّث مِنْ مُنْطَلَقٍ دِينيٍّ. فهو يقول إنكم إذا كُنْتم ستَسلُكونَ كما يَحِقُّ للإنجيل، ينبغي أن تسلكوا باتِّضاعٍ ووَحْدَةٍ، وينبغي أن تَسلُكوا سلوكًا مختلفًا عنْ سُلوكِ الأمم. وينبغي أن تسلكوا بالمحبة والنور والحكمة، وإنه لا يجوز أن تَسْعَوْا إلى الشركة مع الله مِن خِلال السُّكْرِ، بل ينبغي أن تفعلوا ذلك مِن خلال الامتلاء مِن روح الله.

والنقطةُ الرَّئيسيَّةُ هي أنَّ السُّكْر مُحَرَّمٌ لأنه يُعَبِّرُ عن طريقةٍ قديمةٍ في الحياةِ لا تَتَّفِقُ معَ الحياةِ الجديدة. هل هذا واضحٌ؟ فالكلمات "لا تَسْكَروا بالخَمْر" هي وَصِيَّة. والسُّكْر أَمْرٌ حَرَّمَهُ الكتاب المقدَّس. فَهُوَ سُلوكٌ يَنْتَمي إلى الحياة القديمة. وهذا واضحٌ تمامًا في رسالة رُومية 13: 13 إذْ نَقرأُ: "لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ: لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْر". ونَقرأُ في رسالة غلاطِيَّة 5: 21 كلماتٍ مُشابهةً لهذه. فالعدد 17 يتحدث عن الجسد، والعدد 19 يتحدَّث عنْ أعمال الجسد. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 21 عنْ هذهِ الأمور: "حَسَدٌ، قَتْلٌ، سُكْرٌ". وهذه الأمورُ ليست جُزءًا مِنْ حياتِنا الجديدة: "وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ". ونقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 6: 10 الشيء نَفسَهُ: "وَلاَ سِكِّيرُونَ ... يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ". ونقرأ في رسالة بُطرس الأولى 4: 3: "لأَنَّ زَمَانَ الْحَيَاةِ الَّذِي مَضَى يَكْفِينَا لِنَكُونَ قَدْ عَمِلْنَا إِرَادَةَ الأُمَمِ، سَالِكِينَ فِي الدَّعَارَةِ وَالشَّهَوَاتِ، وَإِدْمَانِ الْخَمْرِ".

فقد كانتْ هذه هي حياتُنا السَّابقة، وقد كانَ ذلكَ كافيًا كما يَقولُ النَّصُّ هُنا، لأنَّ ذلكَ الشَّيءُ كانَ جُزْءًا منْ تلكَ الحياةِ ويجب أنْ يَبقى فيها لأنَّهُ يَنْتَمي فحسب إلى ظُلْمَةِ الماضي. ثُمَّ نقرأ: "فَلاَ نَنَمْ إِذًا" (كما جاء في رسالة تسالونيكي الأولى 5: 6): "فَلاَ نَنَمْ إِذًا كَالْبَاقِينَ، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ. لأَنَّ الَّذِينَ يَنَامُونَ فَبِاللَّيْلِ يَنَامُونَ، وَالَّذِينَ يَسْكَرُونَ فَبِاللَّيْلِ يَسْكَرُونَ". والنُّقطة هي أنَّ السُّكْر كانَ جزءًا مِنَ الظُّلمة الَّتي خَرَجْنا مِنْها. ولكنَّنا صِرْنا أَبْناءَ نُوْرٍ وَنَهَارٍ في يسوعَ المسيح ولم يَعُدْ هُناك مكانٌ للظُّلْمة في حَياتِنا.

لذا فإنَّ الكتاب المقدَّس يُحَذِّرُ مِنَ السُّكْر. فلا يجوز للمؤمن أن يَسْكَر. والناس يقولون دائمًا: "ما مَعنى السُّكْر؟" ويمكن تعريف السُّكْر بأنه أيُّ نُقطةٍ تُسيطر فيها المشروبات الكحولية على أيِّ جُزْء مِنْ مَلَكاتِكَ العَقليَّة. وهذا يَعني أنَّ لِلْسُّكْرِ دَرَجاتٌ مختلفة. وأنا لا أَعْرِفُ الخَطَّ الدَّقيقَ الفاصِلَ لِكُلِّ شخصٍ، ولكنْ عندما تُسَلِّمُ دَفَّةَ القيادةِ الخاصةِ بِمَلَكاتِكَ العقليَّةِ بأيِّ مَعنىً مِنَ المعاني للمشروبات الكحوليَّة، فانَّ هذا سُكْرٌ.

والحقيقة هي أنَّ الكتاب المقدَّس يَقولُ الكثيرَ عنْ هذا الموضوع. وأوَدُّ أنْ أُشيرَ إلى شَيْئَيْن هُنا. فنحن نقرأ في سِفْر الأمثال 20: 1: "اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ. الْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ، وَمَنْ يَتَرَنَّحُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ". ... "اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ. الْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ، وَمَنْ يَتَرَنَّحُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ". والمقصودُ هو أنَّ الشخص الَّذي يَشرب الخمر ويَسْكَر بها هو شخصٌ أحمقٌ، وَهُوَ مَخدوعٌ لأنه يَظُنُّ أنها تَصْنَعُ فيه شيئًا إيجابيًّا. وهذهِ خُدْعَةٌ مِنْ خُدَعِ الشَّيطان. فالخَمْرُ مُسْتَهْزِئَة. فقد تَظُنُّ أنها ستَفعل شيئًا مِنْ أَجْلِكَ، ولكِنَّها تَستهزِئُ بكَ تمامًا. لذلك، أرجو أنْ تَنظروا معي إلى سِفْر الأمثال والأصحاح 23 حيثُ نَجِدُ واحدًا مِنْ أَدَقِّ الأوصافِ للسُّكْرِ في كُلِّ الكتاب المقدَّس. سِفْر الأمثال 23: 19.

ولا شَكَّ أنَّ الآباءَ كانوا يُعَلِّمونَ سِفْر الأمثالِ لأبنائهم. لذلكَ فإنَّنا نَسْمَعُ الأبَ في كُلِّ سِفْر الأمثال يتحدَّث إلى ابنه. ونحنُ نَسمعُ ذلكَ مَرَّةً أُخرى في الأصحاح 23 والعدد 19 إذْ نَقرأُ: "اِسْمَعْ أَنْتَ يَا ابْنِي، وَكُنْ حَكِيمًا، وَأَرْشِدْ قَلْبَكَ فِي الطَّرِيقِ". بعبارة أُخرى، إذا كنتَ ابنًا مِنْ أبناءِ الملكوتِ، وابنًا للمَلِك، وإذا كنتَ جزءًا مِنْ عالَمِ اللهِ ونِطاقِ اللهِ، وإذا كنتَ تَسلُكُ في النُّور، وإذا كنتَ تَسلُكُ في الطَّريقِ القويم، حافِظْ على سُلوكِكَ في الطَّريق وَأَرْشِدْ قَلْبَكَ فِي الطَّرِيق. وَهُوَ يقول في العدد 20: "لاَ تَكُنْ بَيْنَ شِرِّيبِي الْخَمْرِ". بعبارةٍ أُخرى، إنَّ حياتَكَ الجديدةَ لا تَتَّفِق معَ سُكْرِ أولئكَ الأشخاصِ الذينَ خَرَجْتَ مِنْهُم. "لاَ تَكُنْ بَيْنَ شِرِّيبِي الْخَمْرِ". وأيضًا: "بَيْنَ الْمُتْلِفِينَ أَجْسَادَهُمْ". ويمكننا أن نتحدث عن ذلك في وقتٍ مَا في المستقبل، ولكِنَّنا نَقرأُ: "لأَنَّ السِّكِّيرَ وَالشَّرِهَ يَفْتَقِرَانِ، وَكَثْرَةُ النَّوْمِ تَكْسُو الْمَرْءَ بِالْخِرَق".

فالشخص الذي يُدمن الخمر ينتهي به المطاف بارتداء الخِرَق البالية. ويمكنكم أن تَرَوْا ذلك إذا راقَبْتُم نَشْرَةَ الأخبارِ في هذا الأسبوع ورَكَّزْتُم على حَوادِثِ الطَّعْنِ في الأحياءِ التي يكثر فيها السِكِّيرون. وأنتم تعرفون تمامًا هؤلاء الأشخاص عندما تَرَوْنَهُم. وقد وَعَظْتُ المَرَّةَ تِلْوَ الأُخرى، تِلْوَ الأُخرى في الخدمات الكِرازِيَّة. والحقيقة هي أنني عندما كُنتُ شابًا يافِعًا، اعتدتُ على الذهابِ إلى الشارع الثالثِ في الليل، بل في وقتٍ مُتأخِّرٍ مِنَ الليل مِنْ أجل التَّبشيرِ، وكنتُ أُراقِبُ الأشخاص الذين يَرْتَدون الملابس البالية بسبب سُكْرهم. فالخمر تستهزئ بالإنسان حَقًّا. فكما تَعلمون، فإنها لا تجعل الناس مُمَيَّزين، بل إنها تَكْسُوهُمْ بالخِرَقِ البالية. وهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا. وكل ما ينبغي أن تفعلوه هو أن تُلقوا نظرةً سريعة على تلك المنطقة، وتَرَوْا ذلك بِأُمِّ أَعْيُنِكُم.

ثم ينتقل الكاتب إلى العدد 29 ويَصِفُ هنا صورة السُّكْر. وبالمناسبة، فإنه يتحدَّث في منتصف العدد عن الفجور لأنَّ السُّكْر والخطايا الجنسية متشابهان كثيرًا. فهو يتحدَّث عن الزانيَّة في العدد 27 لأنَّ ذلك يتفق مع السُّكْر نوعًا ما. ولكنه يَصِفُ في العدد 29 حالة السُّكْر. وأنا أريد منكم أن تَرَوْا ذلك: "لِمَنِ الْوَيْلُ؟ لِمَنِ الشَّقَاوَةُ؟ لِمَنِ الْمُخَاصَمَاتُ؟ لِمَنِ الْكَرْبُ؟ لِمَنِ الْجُرُوحُ بِلاَ سَبَبٍ؟ لِمَنِ ازْمِهْرَارُ الْعَيْنَيْنِ؟ لِلَّذِينَ يُدْمِنُونَ الْخَمْرَ، الَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي طَلَبِ الشَّرَابِ الْمَمْزُوجِ". ولنتأمَّلْ في هذهِ الكلماتِ قليلًا: لِمَنِ الْوَيْلُ؟ لِمَنِ الشَّقَاوَةُ؟ لِمَنِ الأسَى وَالْمُخَاصَمَاتُ؟ لِمَنِ الْكَرْبُ؟ لِمَنِ الْجُرُوحُ بِلاَ سَبَبٍ؟ ومَنْ هُوَ الَّذي، بِلا سَبَبْ البَتَّة، يَرْتَطِمْ بحاجِزٍ على الطريق السريع، أو يَصطدم بصُنْبورِ إطفاءِ الحَريق، أو يَصطدم بعمودِ هاتِفٍ، أو يَصطدم بجدًّارٍ، أو يَسقط مِنْ نافذة؟ لِمَنْ هذِهِ؟ لِمَنِ ازْمِهْرَارُ الْعَيْنَيْنِ؟ لِمَنِ الْوَيْلُ، وَالشَّقَاوَةُ، وَالْمُخَاصَمَاتُ، والْكَرْبُ؟ "لِلَّذِينَ يُدْمِنُونَ الْخَمْرَ، الَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي طَلَبِ الشَّرَابِ الْمَمْزُوجِ".

والآن، لكي يتجنب المرء الوقوع في هذه الحفرة فإنه يقول: "لاَ تَنْظُرْ إِلَى الْخَمْرِ إِذَا احْمَرَّتْ حِينَ تُظْهِرُ حِبَابَهَا فِي الْكَأْسِ وَسَاغَتْ مُرَقْرِقَةً". بعبارةٍ أُخرى، لا تحاول حَتَّى أنْ تَنْظُرَ إلى الخمر لأنها شيءٌ مُغْرٍ جدًّا. فأنتم تعرفون كيف ينظر الناس إلى الخمر. وربما رأيتم أُناسًا يُمسكون كأس الخمر ويرفعونها في تلك الدِّعايات، ويُمَرِّرون شُعاعًا ساطعًا مِنْ خلالِ كأسِ الخَمْرِ، ويَنظرون إلى الخَمْرِ ويسكبونها ببطْءٍ شديد فتنسابُ انْسِيابًا. وهناك أُناسٌ مُحْتَرِفون في شُرْبِ الخمر وتَذَوُّقِها. وهذا يُشْبِهُ اللَّعِبَ بالنار. لذلك فإنه يقول في العدد 32: "إنَّها تبدو جَيِّدة جدًّا وَتَسيلُ سَائِغَةً، ولكنها فِي الآخر تَلْسَعُ كَالْحَيَّةِ وَتَلْدَغُ كَالأُفْعُوانِ. عَيْنَاكَ تَنْظُرَانِ أُمورًا غَريبةً". ولن أَطْلُبَ مِنْ جميعِ الذينَ اختبروا ذلكَ أنْ يَقِفوا لتقديم شَهادَتِهِم، ولكِنَّنا نَستطيعُ أنْ نَفْتَرِضَ ذلك. "وَقَلْبُكَ يَنْطِقُ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ". فسوفَ تَرى أمورًا مُضْحِكَةً مِثْلَ الفِيَلَة الوَرْدِيَّة وأُمورٍ أُخرى، وقَلْبُكَ يَنْطِقُ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ.

"وَتَكُونُ كَمُضْطَجعٍ فِي قَلْبِ الْبَحْرِ، أَوْ كَمُضْطَجعٍ عَلَى رَأْسِ سَارِيَةٍ". والآية تَعني أنَّ هناكَ سَفينة في وَسَطِ البحر، وأنَّكَ في حالةِ الثَّمالَةِ تُشْبِهُ شخصًا يُحاوِلُ أنْ يَنامَ على سَارِيَةِ السَّفينة. وإذا كنتُم تَعرفونَ أيَّ شيءٍ عنِ السُّفُن، مِنَ المؤكَّدِ أنَّكُم تَعلمونَ أنَّ الحركةَ الَّتي تَحْدُثُ في الأسفل تَصيرُ أَقوى بكثير في الأعلى. لذلك فإنَّ الشخص الَّذي يَسْتَلْقي فوقَ السَّارِيَةِ يَتَرَنَّحُ بقوَّة. وقد تَحدَّثتُ إلى أحدِ الأشخاصِ في هذا الأسبوع فقال لي إنَّهُ اختبرَ السُّكْر مِرارًا، وَإنَّ هذا الوَصْفَ هُوَ أَدَقُّ وَصْفٍ سَمِعَهُ في حَياتِهِ.

ولكنْ هل تَعلمونَ ما هو الجُزءُ المُدهشُ في هذا الوَصْفِ؟ إنَّهُ يَقولُ: "ضَرَبُونِي وَلَمْ أَتَوَجَّعْ! لَقَدْ لَكَأُونِي وَلَمْ أَعْرِفْ! مَتَى أَسْتَيْقِظُ؟ أَعُودُ أَطْلُبُهَا بَعْدُ". وهذا أمرٌ مُدهشٌ. فبالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ هذهِ المشاكل، ما الَّذي تَفعله حينَ تَستيقظ؟ إنَّكَ تَطْلُبُها ثانيةً. لذلك فإنَّ "ديليتش" (Delitzsch)، وهو واحدٌ مِنْ أعظمِ مُفَسِّري العهد القديم، يقول: "إنَّ الكاتبَ يَنتقلُ في هذا النَّصّ مِنْ خطيَّةِ الزِّنا والنَّجاسة إلى خطيَّة السُّكْر لأنَّهُما مُتشابهتان كثيرًا لأنَّ السُّكْر يُثيرُ الشَّهوة الجسديَّة. ولكي يَستمتع الإنسان المخلوق على صورة الله بالتَّمَرُّغِ في حَمْأةِ الشَّهَواتِ الحِسِّيَّةِ، يجب عليه أوَّلاً أنْ يَتَجَرَّدَ مِنْ إنسانيَّته بواسطة شُرْبِ نَوْعٍ مِنَ المشروباتِ المُسْكِرَة.

لذلك فإنَّ الكتاب المقدَّس واضحٌ جدًّا بخصوص السُّكْر. فنحن نقرأ في سِفْر إشعياء 5: 11: "وَيْلٌ لِلْمُبَكِّرِينَ صَبَاحًا يَتْبَعُونَ الْمُسْكِرَ، لِلْمُتَأخرينَ فِي الْعَتَمَةِ تُلْهِبُهُمُ الْخَمْرُ". فواحدة مِن الصفاتِ الَّتي يُعْرَفُ بها الشخصُ المُدمنُ هي أنه يَشرب الخمر في الصباح. ولكنْ وَيْلٌ للأشخاص الذين يشربون الخمر في الصباح ويستمرون في شُربها حتى الليل. وبالمناسبة، وكما سنرى لاحقًا، كان السِكِيرون يُضْطَرُّون إلى القيام بذلك في تلك الأيام لكي يسكروا لأنَّ نسبة الكحول كانت مُنخفضة جدًّا. لذلك كان هؤلاء يُضطرون للقيام بذلك طوال اليوم إلَّا إذا شَرِبوا شرابًا قَوِيًّا كما هو مُبَيَّنٌ هنا. فإن كنت تَشْرَبُ فقط ما كانَ يُعْرَفُ آنذاكَ بالخَمْر، فإنَّ تأثيرَهُ سيَستغْرِقُ وقتًا طويلاً بسبب اختلاف نوع الخَمْرِ - كما سنرى بعد قليل.

ولكِنَّ الشَّخصَ الَّذي يَنْهَضُ مِنْ نومِهِ ويَستمرُّ في شُرب الخمر طوال اليوم هوَ شَخص يَحْكَمُ على نفسه بالتَّعاسَة. وهذا مَذكورٌ في الأصحاح 28 مِنْ سِفْر إشَعْياء وفي آياتٍ أُخرى كثيرة. وسوفَ أَكْتَفي بِذِكْرِ عَدَدٍ مِنَ الأمثلة فقط. فنحن نقرأ في الأصحاح 28 مِنْ سِفْر إشعياء أنَّ اللهَ يَدينُ "أَفْرَايِم"، أولادَ الربِّ، دينونةً قاسِيَةً جدًّا فيقول في إشعياء 28: 7: "وَلكِنَّ هؤُلاَءِ أَيْضًا ضَلُّوا بِالْخَمْرِ وَتَاهُوا بِالْمُسْكِرِ". بعبارة أُخرى، فإنَّ شُرْبَ الخمرِ غَيَّرَ نَظْرَتَهُم السَّليمة إلى الله. ثُمَّ اسْتَمِعوا إلى ما يَقول: "الْكَاهِنُ وَالنَّبِيُّ تَرَنَّحَا بِالْمُسْكِرِ".

وسوف أُخبركم شيئًا. فلم يَكُنْ يَجوزُ للكاهنِ أنْ يَشْرَبَ خَمْرًا البَتَّة. وسوفَ نَرى ذلك في المَرَّة القادمة. لماذا؟ لأنَّ الكاهنَ كانَ يُمَثِّلُ اللهَ. وإنْ سَكِرَ وأخطأَ في الحُكْمِ أوْ في تَمثيلِ اللهِ، فإنه قد يُضِلُّ جماعةً كاملةً مِنَ الناسِ مَعَهُ. ونقرأُ هُنا أنَّ الكاهنَ والنبيَّ قد تَرَنَّحَا بِالْمُسْكِرِ، وَضَلَّا. فقد قَالا أمورًا ليست صحيحةً وابْتَلَعَتْهُمَا الْخَمْرُ. وقد تَاهَا مِنَ الْمُسْكِرِ، وَضَلاَّ فِي الرُّؤْيَا، وَقَلِقَا [أيْ: تَعَثَّرا) في الْقَضَاءِ. فقد كانا يقولانِ أمورًا خاطئةً. وقد أَضَلَّا الشَّعْبَ. ونحن نقرأُ عَنِ المُستوى المُتَدَنِّي الَّذي انْحَدَرَ إليهِ الشَّعْبُ إذْ نقرأُ في العدد 8: "فَإِنَّ جَمِيعَ الْمَوَائِدِ امْتَلأَتْ قَيْئًا وَقَذَرًا. لَيْسَ مَكَانٌ لم يَتَلَوَّث". فقد كانوا يَتَقَيَّأونَ ويَتَغَوَّطونَ في نفسِ المكانِ الَّذي يَشْرَبونَ فيهِ الخمر. وهذا فُجورٌ مُريعٌ مِنْ قِبَلِ الكاهنِ والنبيِّ اللَّذَيْنِ دَعاهُما اللهُ للقيامِ بعملٍ مُعَيَّنٍ. لذلكَ، لا عَجَبَ أنَّ اللهَ دَانَهُما.

وفي الأصحاح السادس والخمسين مِن سِفْر إشعياء نَجِدُ مَرّةً أُخرى في العَدَدَيْن 11 و 12 شيئًا مُشابهًا. فهذانِ العَدَدَانِ يتحدَّثان عن الأشخاصِ الذينَ كان يُفْتَرَضُ بِهِمْ أنْ يَحْرُسُوا بَني إسرائيلَ، وعن الأشخاص الذي كان يُفترض بِهم أن يحرسوا الشعب: "وَالْكِلاَبُ شَرِهَةٌ لاَ تَعْرِفُ الشَّبَعَ. وَهُمْ رُعَاةٌ لاَ يَعْرِفُونَ الْفَهْمَ. الْتَفَتُوا جَمِيعًا إِلَى طُرُقِهِمْ، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى الرِّبْحِ عَنْ أَقْصَى. «هَلُمُّوا آخُذُ خَمْرًا وَلْنَشْتَفَّ مُسْكِرًا، وَيَكُونُ الْغَدُ كَهذَا الْيَوْمِ عَظِيمًا بَلْ أَزْيَدَ جدًّا»". فَهُمْ يقولون: "نحن نريد أن نَبقى سُكارى". وكما تعلمون، فإنَّ الله يَدين حَرْفِيَّا هؤلاءِ الأشخاص. ففي أيِّ وقتٍ يكون فيه المرء في مَوْقِعِ مَسؤوليَّةٍ رُوحِيَّةٍ ويشرب الخمر ويَسْكَر، فإنَّ اللهَ يَدِيْنهُ بِطُرُقٍ مُخيفة. ونحن نقرأ في سِفْر هوشع 4: 11: "اَلزِّنَى وَالْخَمْرُ وَالسُّلاَفَةُ تَخْلِبُ الْقَلْبَ". فنحن نَرى هنا أنَّ اللهَ يَرْبِطُ بين الشُرْبِ والزِّنا، وبين الشُرْبِ والدَّعَارَةِ والفُجور.

وسوف نتوقف قليلاً هنا. حسنًا؟ فأعتقد أنكم عرفتم كيف يشعر اللهُ تُجَاهَ السُّكْرِ. وقد رأيتم شَرَّ السُّكْرِ في سِفْر التكوين إذْ إنه أَدَّى إلى خَطيئةٍ مُريعةٍ هي "زِنَا المَحَارِم". ونحن نَعْلَمُ أنَّ الله يُحَرِّم السُّكْر. فهذا مُكَرَّرٌ المَرَّةَ تِلْوَ الأُخرى، تلو الأُخرى، تلو الأُخرى. فلا يجوز للمؤمن المسيحيِّ في أيِّ وقتٍ مِنْ حياته أن يُسَلِّم دَفَّةَ مَلَكَاتِهِ العَقليَّةِ للمشروبات الكُحوليَّة. فنحن جميعُنا كَهَنَة لله. ونحن جميعُنا لدينا مَسؤولية رُوحِيَّة. ويجب علينا جميعًا أنْ نكون مُدركين لكل كلمة نقولها وأنْ نُمثِّل الله تمثيلاً صحيحًا ونَفعل الأشياء التي تُعطي الانطباع الصحيح عن الله في كل الأوقات. لذلك لا يجوز لنا أن نُسَلِّمَ دَفَّةَ مَلَكاتِنا العقليَّة في أي وقتٍ أوْ عَمَلٍ للسُكْر مَهما كانَتْ دَرَجَتُه لأننا بذلك سَنَتَعَدَّى على وصية الله بأنْ نَسْلُكَ بِحَسَبِ روح الله.

مِنْ جهةٍ أُخرى، هل تَعلمون أنَّ الكتاب المقدَّس يَمْتَدِحُ الخمر؟ وقد يقول بعضٌ منكم: "أَيُعْقَلُ هذا؟ فقد كنتُ أشْعُرُ بارْتياحٍ شديدٍ في الجزء الأول". ولكنَّ الكتاب المقدَّس يَمتدحُ الخمر. وينبغي أن نكون مُنْصِفين. فهو يمتدح الخمر. فهل تعلمون أنه جَاءَ في الأصحاح 29 مِن سِفْر الخروج وفي الأصحاح 23 مِن سِفْر اللاويين أنه كان ينبغي للشعب أن يُحْضِرَ سَكيبًا إلى الهيكل لتقديمه لله؟ وقد كان ذلك السَّكيبُ خمرًا؟ ونقرأ في سِفْر القُضاة 9: 13 وفي سِفْر المزامير 104: 15 أنه يوجد نوعٌ خاصٌ مِن الخمر الذي يُفَرِّح قَلْبَكَ وَيَجْعَلُكَ مُبْتَهِجًا. ونقرأ في سِفْر إشعياء 55: 1-2 شيئًا صَادِمًا. ففي سِفْر إشعياء 55: 1 و 2، يُوازي النَّبِيُّ إشعياء بين الخمر والخلاص. فهو يقول: "هَلُمُّوا اشْتَرُوا ... خَمْرًا". فقد كان في الحقيقةِ يُقَدِّم هنا دَعْوَةً للخلاص.

وقد شَرِبَ الرَّبُّ يَسوعُ المسيحُ الخَمْرَ وأَوْصَى بها في عشاءِ الربِّ أو مائدةِ الرَّبّ. وقد قال بوُلس لتيموثاوس في رسالة تيموثاوس الأولى 5: 23 أنْ يَشْرَبَ قليلاً مِنَ الخمرِ مِنْ أَجْلِ أَسْقَامِ مَعِدَتِه. ومِن الواضح مِن خلال العهد القديم والعهد الجديد أنَّ المشروبَ الرئيسيَّ للناس كان الخمر. وبالمناسبة، عندما كان السَّامِرِيُّ الصَّالِحُ يمشي على الطريق ووجد رَجُلاً مُلْقىً على قَارِعَةِ الطريق، نَقرأ في إنجيل لوقا 10: 24 أنه عندما مَالَ إليه ودَاوَى جِراحهُ، فقد سَكَبَ الخمر على جِراحِه. ونقرأ في سِفْر الأمثال والأصحاح 31 أنه عندما يَشِيْخُ الإنسانُ ويَمْرَضُ، ويُوْشِكُ على الموت، يُمْكِنُنا أن نُعطيهِ قليلاً مِنَ الخمر كَمُسَكِّنٍ لتخفيف آلامِه وتهدئَتِها.

وكما تَرَوْنَ، فإننا نقرأ في الكتاب المقدَّس عن الخمر بصفتها مُدمِّرة، وعن الخمر بصفتها مُستهزئة، وعن الخمر كشيءٍ يقود إلى الخلاعة، وعن الخمر كشيءٍ يقود إلى السُّكْرِ؛ وَهُوَ أَمْرٌ نَهَى عنهُ اللهُ. مِن جهة أُخرى، فإننا نقرأ عن الخمر كشيءٍ مقبولٍ في العديد مِن المواضِع في الكتاب المقدَّس. وقد تقول: "ما الذي تحاول أن تقوله؟" ما أحاول أن أقوله هو أنَّ الخمر تُشبه أي شيءٍ آخر. فَحَبَّاتُ العِنَبِ الصغيرة التي تَتَدَلَّى مِنَ الكَرْمِ قد تُستَخدم للخيرِ أوِ الشَّرِّ. وقد تقول: "وهل يُمكننا أن نَعْلَمَ ما يَنبغي أنْ نفعل؟ وهل يُمكننا أن نَعلم إنْ كان يجوز أو لا يجوز لنا أن نشربَ الخَمْر؟ وهل يقول الكتاب المقدَّس أيَّ شيءٍ قد يُساعِدُنا؟" أجل إنه يفعل ذلك. وسوف أُجيبُكم عن تساؤلاتكم.

إنني أَدْعُو هذه "لائِحَةَ الخمر للمؤمن المسيحيّ". وسوف أُقَدِّمُ لكم ثَماني نِقاطٍ. وأنا لا أعرف أفكاركم المُسَبَّقة. ولكني أريد منكم أن تَعْلَموا أني أُحِبُّكم جميعًا وأني لا أحاولُ أنْ أَزيد هَمَّكُمْ. ولكِنِّي سأَطْرَحُ عليكم هذه الأسئلة الثمانية، ويجب عليكم أن تُفَكِّروا فيها معي. وسوف نَتَطَرَّقُ إلى السُّؤالَيْنِ الأول والثاني وجزءٍ مِنَ السؤال الثالث اليوم. حسنًا؟ وأنا أُوْمِنُ حقًّا، قبل كل شيءٍ آخر، أنَّ هذا سيساعدكم على اتِّخاذ قرار. والآن، اسمحوا لي أن أقول لكمُ الآتي: إنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يَنْهَى عَنْ شُرب الخمر. ولكن لا تَتَعَجَّلوا في القول: "آمين!" فلا يُسْتَحْسَنُ أن تفعلوا ذلك لأنَّ هذا قد يَصْدمُ الشخص الذي يجلس بِجوارِكُم. أَتَرَوْن؟ فالكتابُ المقدَّسُ لا يَنْهَى عن شُرب الخمر. فلو أنهُ يَنْهَى عن ذلكَ، لكُنْتُ قد قَرأتُ الآيةَ، وَصَلَّيْتُ، وذَهَبَ كُلٌّ مِنَّا إلى بيتهِ. أو لكنتُ قد وَعَظْتُ عِظةً أُخرى. أليس كذلك؟ ولكان الموضوع مُنْتَهِيًا. ولكنَّ الكتاب المقدَّس لا يقول ذلك. فهو لا يقول إنَّ الخمرَ مُحَرَّمةٌ، ولكنه يقول أمورًا أُخرى تُساعدنا في مَعرفة ما يَنْبَغي أنْ نفعل.

أولاً، وهذا هو السؤال الأول الذي خَطَرَ ببالي. هَلِ الموقِفُ هو نفسه؟ وما الذي أَعنيهِ بذلك؟ هَلِ الشُرْبُ اليوم مُماثِلٌ للشُرْبِ في أزمنة الكتاب المقدَّس؟ أو ربما كان مِنَ الأفضل أن نسأل: هل الخمر اليوم هي نفس الخمر في تلك الأزمنة؟ والسبب في أني أطرحُ هذا السؤال هو أنَّ المؤمنين المسيحيين الذين يشربون الخمر يُدافعون في النهاية عن حَقِّهِمْ في الشرب اسْتِنادًا إلى ما جاء في الكتاب المقدَّس. فَهُمْ يقولون: "لقد شَرِبَ يسوعُ الخَمْرَ، وقد شَرِبَ الرسل، وقد كانوا يشربون في العهد القديم، وقد كانوا يشربون في العهد الجديد. لذلك لا يمكن أن يكون هناك خطأٌ في هذا الأمر". وقد فَكَّرْتُ في ذلك. فقد فكرتُ قائلاً: "حسنًا، هذا جَيِّدٌ". وما أعنيه هو أنهم يريدون أن يستخدموا الكتاب المقدَّس كَحُجةٌ لهم إذ يقولون: "لقد كان الناس في أزمنة الكتاب المقدَّس يشربون الخمر. لذلك، ما الخطأُ في ذلك؟" وهم يقولون: "وحيث إنه لم تكن لديهم أنظمةُ تبريدٍ، مِنَ المؤكَّدِ أنَّ عصير العنب كان مُختمرًا، وأنهم كانوا يشربونه مُختمرًا. ونحن نشربهُ مُختمرًا. فما الخطأ في ذلك؟" لذلك فقد ابتدأتُ حالاً في التفكيرِ قائلًا: "حسنًا، إنني أتساءَلُ ما إذا كانتِ الخمر في يومنا الحاضر هي نفس الخمر كما كانت آنذاك". لذلك فقد صَرَفْتُ الأسابيعَ الثلاثة الماضية في البحث والتنقيب مُحاولاً أن أعرف إنْ كانتا مُتماثِلَتَيْن. وقد وَجَدْتُ معلوماتٍ رائعةً سُأشارِكُها معكم. لذلك رَكِّزُوا معي.

وأوَدُّ أن أُقَدِّمَ لكم بعض الكلماتِ كنُقطة بداية؛ وهي كلماتٌ كِتابِيَّة. ثم إنَّني سأدْمِجُ هذه الكلمات في الموضوع الذي ندرسه. فهل كانتِ الخمر الَّتي يشربونها هي نفس الخمر التي نشربُها نحن اليوم؟ فإنْ كُنَّا سنَستخدمُ حُجَّةَ شُربِهم كأساسٍ لشُرْبِنا، ينبغي أن يكونَ نَوْعَا الخَمْرِ مُتَماثِلَيْن. أمَّا إنْ لم يكونا مُتَماثِلَيْن، فإنَّ تلك الحُجَّةَ باطلةٌ وينبغي أن نبحث عن غيرها. قبل كل شيء، فإنَّ الكلمة الأكثر شيوعًا للخَمْر في العهد الجديد هي "أُوينوس" (oinos) ... "أوينوس. إنَّها الكلمة اليونانيَّة: "أُوينوس". وهي كلمة تُشيرُ، ببساطةٍ، إلى عَصيرِ العِنَب. وهي كلمةٌ عامَّةٌ جدًّا، وتُستخدم كثيرًا جدًّا. وهي الكلمة المستخدمة بصورة اعتياديَّة في العهد الجديد للإشارة إلى الخمر.

أمَّا الكلمةُ المُرادِفَةُ في العهد القديم لكلمة "أُوينوس" فهي: "يايين" (Yayin) ... "يايين". فهذه هي الكلمة العِبْرِيَّة. وهي تُستخدَمُ 141 مَرَّة في العهد القديم. والكلمة "يايين" تُشير – لاحظوا ما سأقول – إلى الخَمْرِ المَمْزوجَة. حسنًا؟ المَمْزوجَة. وهذا لا يعني أنها مَمزوجة بأنواعِ خَمْرٍ أُخرى، بل إنها كانت تُمْزَجُ عادةً بالماءِ، وكانت تُمزج أحيانًا بالعسل. وأحيانًا كانت تُمزج بالأعشاب، وأحيانًا بِنَبْتَةِ المُرّ. ولكنها كانت مَمزوجة دائمًا. وحتى لو كانت ممزوجة بالعسلِ أوِ المُرِّ أوِ الأعشابِ، كان يُمكن أيضًا أن تُمْزَجَ بالماء. لذلك فقد كانت لديهم وَصْفاتٌ عَديدة.

وبالمناسبة، فإنَّ الكلمة "يايين" تعني أيضًا: الخمر المَمزوجة. وقد وَجَدْتُ ذلك في الموسوعة اليهوديَّة الصَّادرة سنة 1901. فهذا ليس تفسيرًا مسيحيًّا، وليس شيئًا مِنَ ابتكارِنا. بل إنَّ اليهودَ أنفسَهم نَظَروا إلى نُصوصِهِم العِبْرِيَّةِ الخاصَّةِ، وفَحصوا استخدام الكلمات العِبريَّة، وقالوا إنَّ "الكلمة يايين" تعني الخمر المَمزوجة. وهناك كَلِمَتان آخَرَتَيْنِ ينبغي أن ننظر إليهما وَهُما: "غلوكوس" (Gleukos)؛ وهي الكلمة التي جاءَتْ منها الكلمة "غلوكوز" وهِيَ شيءٌ مُرتبطٌ بالسُّكَّر. والكلمة "غلوكوس" تعني: "الخمر الجديدة" ... الخمر الجديدة. وهي تُستخدَم في سِفْر أعمال الرُّسُل 2: 13 حين قالوا إنَّ الرُّسُلَ في يوم الخمسين مَمْلوؤنَ سُلافة. فهيَ تَعْني "الخمر الجديدَة". ولكنْ لاحِظوا أنه مَا زال عصيرًا مُخْتَمِرًا. فلم يكن الأمر يَسْتَغْرِقُ أيامًا طويلةً لاختمارِ عَصير العنب. فحتى إنَّ عصير العنب الجديد المعصور للتَو مِنْ حَبَّاتِ العنب قد يختمر سريعًا جدًّا مِنْ دونِ تَبْريد. لذلك، مَعَ أنَّ عصير العِنَبَ قد يكون طازجًا نسبيًّا وليس مُعَتَّقًا، فإنه قد يكون مُسْكِرًا. لذلك فقد قالوا في أعمال الرُّسُل 2: 13 إنَّ هؤلاءِ الرجال امْتَلؤوا سُلافة. والحقيقة هي أنَّهُ إنْ كانَ عَصيرُ العِنَبِ جديدًا فإنَّ هذا لا يَعني بالضَّرورة أنه ليس مُسْكِرًا. فقد كانَ قابِلاً للتَّخَمُّرِ بسرعة.

فإنْ عَصَرْتَ حَبَّاتِ العِنَب وشربتها في الحال، مِنَ الواضح أنها لم تختمر بعد. ولكِنَّ الخَمْرَ الَّتي كانَتْ تُسَمَّى "غلوكوس" (أيْ: الخمر الجديدة) رُبَّما كان قد مَضَى عليها أيام أو أسابيع أو بضعة أشهر بعد قطفها وعصرها، وكان يمكن أن تكون مُختمرة. وبالمناسبة، فإنَّ الكلمة المستخدمة في العهد القديم للإشارة إلى هذا النوع هي "تيروش" (tirosh) ... "تيروش". والكلمة "تيروش" تعني أيضًا الخمر الجديدة. وقد قرأتُ لكم سابقًا ما جاء في سِفْر هوشع 4: 11، وهي آية تُشير إلى الخمر الجديدة (أيْ: "تيروش). ثم استمعوا إلى ما سأقول: إنه يقول في نفس الآية إنَّ السُّكْرَ مُرتبط بالخمر الجديدة. لذلك فإنَّ الخمر الجديدة "تيروش"، والخمر الجديدة "غلوكوس"، قد تَتَسَبَّبَا كِلاهُما في السُّكْر. لذلك فإنَّ حقيقة أنَّ الخمر جديدة لا تعني بالضرورة أنها ليست مُسْكِرة.

والآن، أوَدُّ أن أُعطيكم كلمة أُخرى. وهي كلمة أُخرى ينبغي أن تعرفوها في العهد القديم وهِيَ: "شَكَار" (shaker). والكلمة "شَكَار" تعني: "مشروبًا قويًّا". وهذا يعني خَمْرًا غير مَمزوجة. والكلمة في العهد الجديد هي "سِكِيرا" (sikera)؛ وهي تعني خَمرًا غير ممزوجة. لذلك، فإنَّ لدينا الآن ثلاثة أشياء: أولاً، الكلمة "أوينوس" وَالكلمة "يايين" تُشيران إلى الخمر الممزوجة؛ أيْ إلى الخمر الممزوجة بالماء. وهذا هو الاستخدام الشائع لهما. ثُمَّ لدينا الكلمة "غلوكوس" والكلمة "تيروش" اللَّتان تُشيران إلى الخمر الجديدة التي كانتْ أيضًا مَمزوجة بالماء كما يُخبرنا التاريخ. ثالثًا، هناك الكلمة "شَكَار" والكلمة "سِكِيرا" والتي تعني: خمرًا غير ممزوجة، أو خمرًا صِرْفَةً تؤخذُ مُباشرةً مِنَ العِنَبِ إلى الكأسِ، ثُمَّ إلى الفَمِ دونَ أيِّ شيءٍ في الوسط. والآن، استنادًا إلى هذه المصطلحات، أَوَدُّ أن أُقَدِّمَ لكم بعض المعلومات والأفكار التاريخية لكي نتمكن مِنْ رَبْطِ كُلِّ هذه الأمور معًا. وأعتقد أنكم ستجدون ذلك مُدهشًا. وسوفَ أُقَدِّمُ لكُمُ الخُلاصةَ التي اسْتَنْتَجْتُها أوَّلاً لكي تَعْلَمُوا وُجْهَتَنا: إنَّ الخمر المُستخدَمة في أزمنة الكتاب المقدَّس لم تكن بالضرورة نفس الخمر المستخدمة في يومنا هذا.

فالخمر المستخدمة اليوم هي خمر غير ممزوجة بالماء. فهي خمرٌ خالصةٌ. وهذا لا ينطبق على الخمر المذكورة في الكتاب المقدَّس. وسوف أُبَيِّنُ لكم السبب. أولاً، لقد كانتْ بعضُ أنواعِ الخمر في الأزمنة الكتابية غير مُسْكِرَةٍ البَتَّة. فقد كانتْ عصيرًا غير مُختمرٍ. لذلك فهي لم تكن مُسْكِرَةً البَتَّة. وقد قال البروفيسور "صموئيل لي" (Samuel Lee) مِنْ جامعة "كامبريدج" إنَّ "اليايين" [أي الخمر الممزوجة]، أو "الأوينوس" في مُصطلحات العهد الجديد لا تُشير فقط إلى المشروبات المُسْكِرة المصنوعة بالتخمير، بل إنَّها تُشيرُ غالبًا إلى شرابٍ كَثيفِ القِوامِ نوعًا ما وغير مُسْكِرٍ، أو إلى مُرَبَّى مَصنوعٍ بواسِطَةِ الغَلْيِ لكي يَسْهُلَ تَخزينُه. وهذا يُشيرُ إلى أنه كان مِنَ الشائعِ جدًّا أن يأخذوا عصير العنب (أي: العصيرَ الناجِمَ عَنْ عَصْرِ العنب)، وأن يقوموا بِغَلْيِهِ. وهذا أَمْرٌ يُؤَدِّي إلى تَبَخُّرِ كُلِّ المادَّةِ السَّائلة وإلى فُقدانِ خاصِيَّةِ التَّخَمُّرِ عند تَبَخُّرِ السوائل منه. وقد كانوا يُخَزِّنونَهُ في شَكْلِ معجونٍ ويَضعونَهُ في جِرار. وهذا لا يختلف في شيءٍ عَمَّا تفعله النساء اليوم عند صُنْعِ المُرَبَّى مِنْ أَجْلِ حِفْظه. فقد كانوا يَحْفَظونَ هذا المَعْجونَ الغَليظَ القِوام. وبالمناسبة، فإنَّ عصير العنب المُتبقِّي بعد عملية الغَلْي لم يكن قابِلاً للتخمُّر في تلك الحالة. ثُمَّ إنه كان يُخَزَّنُ في زِقاقِ خَمْرٍ جديدة.

وقد كانت هناك أوقاتٌ وأَمْكِنَةٌ أرادوا فيها بكل تأكيد أنْ يُزيلوا أيَّ خَواصٍّ كُحوليَّة أو قُدرةٍ على التخمُّر مِنَ الأشياء الَّتي يَستخدمونها. لذلك، لا يكفي أن نقول إنهم كانوا يشربون المشروبات الكحوليَّة لأنه لم يكن لديهم تبريد. فقد كانوا يَتَغلَّبونَ على تلك المشكلة بهذه الطريقة. وقد كانَ ذلكَ المَعْجون يُشْبِهُ مُرَبَّى العِنَب. وبالمناسبة، فقد كانوا يَضَعونَ ذلك المَعْجون عادةً على الخُبْزِ مِثْلَ المُرَبَّى. هل تَعرفونَ ذلك؟ وعندما كانوا يَرْغَبونَ في شُرْبِه، كانوا يَعْصُرونَ المَعْجونَ في وعاءٍ ويَمْزجونه (بحسب المؤرِّخ الرومانيّ "بلايني" [Pliny]) بنحو عشرين جُزءٍ مِنَ الماء. فإنْ كان لديكم معجون غَليظٌ، كان ينبغي إعادة الماء الَّذي فَقَدَهُ أثناء عمليَّة التَّبَخُّر. أليس كذلك؟ لذلك فقد كانوا يَمزجونه ثانيةً بالماء ويشربونه. وهو لم يكن مُختمرًا ولا مُسْكِرًا البَتَّة. وبالمُناسبة، فإنَّ أَفْضَلَ ما تَوَصَّلْتُ إليه أثناء بَحْثي هو أنَّ ذلك كان الشَّرابَ المُفَضَّلَ لديهم. لذلك فإنَّ "صموئيل لي" (Samuel Lee) قال إنَّ تلك كانت هي الطريقة الأكثر شُيوعًا في إعْداد الخَمْر وتخزينه. وهل تَعلمونَ أنه مِنَ الواضح أنَّ تخزينه بتلك الطريقة كان أسهل مِنْ تخزينه كسائلٍ لأنه سيكونُ ماذا؟ كثيرَ الحَجْمِ. لذلك، فقد كان هذا هو ما يَفعلونهُ عادةً.

وقد تحدَّثَ الكُتَّاب الكلاسيكِيُّون عن هذا الأمر. وأريدُ أنْ أُريكُم ذلك لكي تعرفوا أنتم أيضًا أنَّ هناكَ مصادر حقيقيَّة. فقد قال "هوراس" (Horace) في وقتٍ قديمٍ يَرْجِعُ إلى سنة 35 قبل الميلاد: "يمكنك أنْ تَحْتَسي تحتَ الظِّلِّ بِضعة كؤوس مِنْ عصير ِالعنب غير المُسْكِر. لذلك، فقد كانوا يُقِرُّونَ بوجود هذا النَّوع. وقد كَتَبَ "بلوتارك" في سنة 60 ميلاديَّة أنَّ عَصيرَ العِنَبِ المُصَفَّى لا يُلْهِبُ العقلَ ولا يُؤثِّرُ في العقلِ والعواطفِ، ولكنه عصيرٌ لَذيذُ الطَّعْم. بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ "بلوتارك" يقول: "أنا أُحِبُّ النَّوْعَ الَّذي لا يَحْوي كُحولاً لأنه لا يُلْهِبُ العقلَ ولا يُسْكِر. ولكنه شَرابٌ طَيِّب المَذاق". وقد قال أرسطو: "لقد كانَ مَعْجونُ العِنَب في مُقاطَعَة أَرْكاديا [Arcadia] مُتماسِكًا جدًّا حتَّى إنه كانَ يَلْزَمُ كَشْطُهُ كَشْطًا مِنْ زِقاقِ الخَمْرِ الَّذي يُخَزَّنُ فيه، ثُمَّ كان يَلْزَمُ تَخفيفُهُ بالماء". وقد تحدَّثَ "فيرجيل" (Virgil) في سنة 30 قبل الميلاد عن نوع عصير العِنَبْ الَّذي يَتِمُّ غَلْيُه مِنْ أجْل صُنْعِ عصيرٍ حُلْوٍ يُمكن تَخزينه.

ويُخبرُنا الشاعرُ الإغريقيُّ "هوميروس" (Homer) في الفصل التاسع مِنْ مَلْحَمَتِهِ الشِّعريَّة "الأوديسَّة" (Odyssey) أنَّ "أوليسيس" (Ulysses) أَخَذَ معهُ في قارِبِه زِقاقَ خَمْرٍ مَمْلُوَّةً خَمْرًا حُلْوًا أَسودَ اللَّوْنِ كان ينبغي تخفيفه بعشرين جُزءًا مِنَ الماء قَبْلَ شُرْبِه. ومِنَ المؤكد أنه بسبب كثافته الشديدة، كان ينبغي تخفيفه بالماء لِتَناوُلِهِ كَشَراب. ويُخبرنا الكاتِبُ "كولوميلا" (Columella) وكُتَّابٌ آخرون كانوا مُعاصِرينَ للرُّسُل أنَّه في إيطاليا واليونان، كانَ مِنَ الشَّائعِ أنْ يُغْلَى عصيرُ العِنَب – وَهُوَ أمرٌ لم يكونوا ليفعلونه لو أنهم كانوا يَرغبون في الاحتفاظ بالعُنْصُرِ الكحولِيِّ فيه. ويقول الأُسْقُف "بوتر" (Archbishop Potter) المولود في سنة 1674 ميلاديَّة في كِتابِهِ "الآثار الإغريقيَّة" (Grenian Antiquities)، طَبْعَة إدينبرغ لسنة 1813، في المُجَلَّد الثَّاني، صَفحة رَقْم 360، إنَّ سُكَّانَ لاكديمونيا (Lacedaemonians) اعتادوا على غَلْيِ عَصيرِ العنب على النَّار وَشُرْبِهِ لاحقًا. وهو يُشيرُ إلى أنَّ "ديموكريتوس" (Democritus)، وَهُوَ فيلسوفٌ مَشهورٌ زَارَ الجزء الأعظم مِنْ أوروبَّا، وأسِيَّا، وإفريقيا – وماتَ في سنة 300 قبل الميلاد، و"بالاديوس" (Palladius)، وَهُوَ طَبيبٌ يونانِيٌّ، قد ذَكَرا الشَّيءَ نَفْسَهُ.

وقد كانَ المؤرِّخونَ القُدَماء يُسَمُّونَ عصيرَ العِنَبِ المَغْلِيّ "خَمْرًا". وربما سَمِعَ البعضُ مِنكُم عنْ "خَمْرِ أوْبتيميا" الَّذي ذَكَرَهُ المؤرِّخُ الرومانيُّ "بلايني" (Pliny) حيثُ قالَ إنَّ شَكْلَهُ يُشْبِهُ العَسَل. لذلك، فأنا أحاولُ فقط أنْ أُقَدِّمَ لكم أمثلةً توضيحيَّةً على حقيقة أنَّ هذه حقيقة تاريخيَّة. ويقولُ أُسْتاذٌ يُدْعى "دونوفان" (Donovan) في تفسيرٍ للكتابِ المقدَّسِ: "لكي يَحْفَظَ الرُّومانُ خُمورَهُمْ لوقتٍ طويلٍ جدًّا، كانوا يُكَثِّفونَ عصيرَ العِنَب المَصْنوع بالتَّقْطير". وهذهِ إشارةٌ إلى كيفيَّة قيامهم بذلك مِنْ أجل الحصول على مادَّةٍ كثيفةٍ نوعًا ما. ولكِنَّ الأمْرَ لم يَكُنْ يَقْتَصِرُ على الرُّومان فقط. فقد كان اليهودُ يَفعلونَ ذلك. فنحن نقرأُ في "المِشْنَا" (Mishnah)، وَهِيَ تَفْسيرٌ للشريعةِ اليهوديَّةِ، أنَّ اليهودَ كانوا مُعْتادينَ على استخدامِ عَصيرِ العِنَبِ المَغْلِيِّ. ويقول "دبليو. جي. براون" (W. G. Brown) الَّذي زَارَ أغلبيَّةَ إفريقيا وأوروبا وأسِيَّا في القرن الثامن عشر إنَّ أغلبيَّةَ خَمْرِ سُورِيَّا مَصنوعٌ عن طريق غَلْي العصير حَالَ استِخْلاصِهِ مِنَ العِنَبْ إلى أنْ يَتَكَثَّفَ ويصيرَ حَجْمُهُ صَغيرًا، ثُمَّ إنَّهُ يَوْضَعُ في أوْعِيَةٍ أوْ زُجاجاتٍ ويُحْفَظُ للاستخدام. ويقول الدُّكتور "نيومان" (Newman) الَّذي كانَ أُسْتاذًا في الكيمياء في برلين في القرن الثامن عشر إنَّهُ مِنَ الواضحِ أنه عندما يَتِمُّ غَلْي العَصائر الحُلْوَة إلى أنْ تصيرَ كَثيفَةَ القِوام، فإنَّها لا تَخْتَمِرُ في تلكَ الحالةِ. وهي لا تَخْتَمِرُ بسهولة حتَّى بعد تَخْفيفِها بالماء. لذلك، حَتَّى لو تَمَّ تَخفيفُها ثانيةً وَتَرْكُها، فإنَّها قد تَخْتَمِر. ولكِنَّ تَخَمُّرَها سيكونُ بطيئًا جدًّا.

لذلكَ، فإنَّ النُّقطةَ المهمَّة، يا أحبَّائي، هي أنَّ ذلك المَعْجونَ المُستخَدْمَ لم يكن مُسْكِرًا. وبالمناسبة، فإنَّ عَصيرَ العِنَبِ المُرَكَّز ما يزالُ موجودًا حَتَّى اليوم، وهو يُعْرَفُ باسْم "دِبْس العِنَبْ". وهو يُستخدَمُ في وقتنا هذا في الكُرومِ في فِلسطين والأردُنّ ولُبنان. وهو يُستخدمُ لتَنْكيهِ الطَّعام. وهو يُستخَدمُ أيضًا بوضعِهِ على الخُبْز. وهي طريقة تُتيحُ للنَّاسِ أنْ يَحفظوا العصيرَ غيرَ المُخْتَمِرَ دونَ تَبريده. لذلك، فإنَّ كل ما أريد منكم أن تَفهموه مِنْ ذلك، يا أحبَّائي، هو الآتي: أنَّ الخمرَ الَّتي كانَتْ تُستهلَكُ آنذاك لم تكن بالضَّرورة مُماثلةً للخمر الَّتي نَعْرِفُها اليوم. فقد كانتِ الخَمْرُ عَصيرَ عِنَبٍ مُرَكَّز نُزِعَتْ مِنْهُ خَواصُّ التَّخَمُّرِ والخَواصُّ المُسْكِرَة. وما أريدُ أنْ أقولَهُ هوَ الآتي: لا يمكنكَ أنْ تُدافِعَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ اليوم على أساس أنهم كانوا يَشربونَ الخمرَ في تلكَ الأيَّام إلَّا إذا تَمَكَّنْتَ مِنْ إثْباتِ أنَّكَ تَشْرَبُ نفسَ النَّوعِ الَّذي كانوا يشربونه. هل هذا واضحٌ؟ أمَّا إنْ لم تكن قادرًا على إثْباتِ ذلك، يجب عليك أنْ تَتَخَلَّى عن ذلكَ الجدًّال وأنْ تَعترف بأنَّك تشربُ الخمرَ لسببٍ آخر. وحينئذٍ فإنَّنا سنُناقشُ ذلك السَّبَبَ الآخر. ولكِنَّ ذلكَ التَّبريرَ الأوَّلَ لن يَنْجَحَ إلَّا إذا كانَتِ الخَمْرانُ مُتَماثِلَتَيْن.

واسمحوا لي أنْ أُضيفَ شيئًا آخر. فهم لم يكونوا يَصنعون هذا المعجون فحسب، بل إنهم كانوا يُخزنونه أيضًا في شَكْلٍ سائِلٍ مِن وقت إلى آخر. والسائل يَخْتَمِر. وبحسب "روبرت ستاين" (Robert Stein) الذي أَجْرَى بحثًا عن هذا الموضوع في سنة 1975 نُشِرَ في مَجَلَّة "المسيحيَّة اليوم" (Christianity Today)، فقد اعتادوا على حِفظ عصير العنب في شكلٍ سائلٍ للاستخداماتِ اليومية. وربما لم يكونوا يرغبون دائمًا في أخذ المعجون وخلطه بالماء - لا سِيَّما إن لم يكن لديهم وقتٌ لذلك أو لأي سبب آخر. وقد كانوا يحفظونه في زُجاجاتٍ كبيرة تُسَمَّى "زِقَاق". وقد كانوا يفعلون الآتي: فَمِنْ تلك الزِّقَاق، كانوا يَسْكُبونَ الخَمْر (أيِ الخَمْرَ الخَالِصَةَ غيرَ المَمزوجة بالماء). فقد كانوا يَسكُبونها في جَرَّاتٍ أو جِرارٍ أو أوعيةٍ أو آنِيَة. وبعد وَضْعِها في تلك الجِرار، كانوا يمزجونها بالماء - أيْ أنهم كانوا يَسْكُبونَ الماءَ عليها لِمَزْجِها. وقَدْ كانوا يَغْرِفونَ الخَمْرَ مِنْ تلك الجَرَّاتِ ويَسْكُبونها في الكُؤوس. لذلك، فَهُمْ لم يكونوا يَسْكُبون الخمر مِنَ الزِّقَاقِ إلى الكُؤوسِ دون مُرورِها بالجِرار. بعبارةٍ أُخرى، لم يكونوا يُقَدِّمونَ الخمر دون مَزْجِها بالماء. فإن لم تَكُنْ في شَكْلِ مَعجونٍ، أي إن كانت في شكلٍ سائلٍ ومُختمر، كانوا يَمْزِجوها بالماء. وبالمناسبة، فإننا نَجِدُ مِنْ خلال المراجِعِ التاريخيَّةِ أنَّ ذلك المزيجَ كانَ يَصِلُ في حَدِّهِ الأعلى إلى 20-1 أو في حَدِّهِ الأدنى إلى 3–1. وهذه هي أَقَلُّ نِسْبَةٍ عَثَرْتُ عليها. فهي تَترَاوَحُ بين 20-1 و 3–1 إذْ إنَّهُمْ كانوا يَمزجونَها بالماء.

والآن استمعوا إلى ما سأقول: فقد كان النَّاُس عَامَّةً (وَحَتَّى غيرُ المُخَلَّصينَ مِنْهُم) يَنظرونَ إلى شُرْبِ الخمر غير الممزوجة بأنهُ شيءٌ بَرْبَرِيٌّ أوْ هَمَجِيٌّ. وقدِ اقبسَ "أثاناسيوس" (Athanasius) عن شخصٍ في أَثينا يُدْعى ""مينيسثياس" (Menestheus) هذه الجُملة: "لقد كَشَفَتِ الآلِهةُ عَنِ الخَمْرِ للبَشَر لتكون أعظمَ بَرَكَةٍ لأُولئِكَ الذين يستخدمونها استخدامًا صحيحًا. أمَّا بالنسبة إلى أُولئك الذين يستخدمونها دون مِعيارٍ، فإنَّ العَكْسَ هو الصحيح". ثم لاحِظوا ما يقول بعد ذلك: "لأنَّ الخمرَ غِذاءٌ لهم لأنها تُقَوِّي أَذهانَهُم وأجسادَهُم. وهي مُفيدةٌ جدًّا في صُنْعِ الأدوية". ثم اسمعوا ما يقول: "فهي يُمكن أن تُمْزَج بالسوائل والعَقاقير فتساعدُ في شفاء المَجْروحين. وبالنسبة للأشخاص الذين يَمْزِجونَها ويشربونها باعتدالٍ في الحياةِ اليومية، فإنها تُسَرِّي عَنِ النفس. ولكِنْ إن تَخَطَّيْتَ حُدودَكَ، فإنها تَقودُ إلى العُنْفِ. وإن كانت مُخَفَّفَةً بنسبة خمسين بالمئة، فإنها تجعلُ المَرْءَ كالمجنون. أمَّا إنْ شُرِبَتْ دونَ تخفيف، فإنَّ الجسد يَنهار".

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ هؤلاءِ الناسَ كانوا يمزجونها. وقد كانَ مَزْجُها بنسبة 1–1 يُعَدُّ شيئًا هَمَجِيًّا. فَأَقَلُّ نِسبة تَخفيف عَثَرْتُ عليها هي 3–1. ومِن الواضح أنَّهُمْ كانوا يَنظرونَ إلى الخمر في الأزمنة القديمة بِوَصْفِها دواءً، أو بِكُلِّ تأكيد بوصفها شرابًا. وبوصفها شرابًا، كانوا يُفَكِّرونَ فيها دائمًا مُخَفَّفَةً. وقد كانت تُخَفَّفُ في حالةِ صُنعها كمعجون أو كانت تُخَفَّف بعد غَرْفِها مِنَ الزِّقَاقِ وَسَكْبِها في جِرار لأنَّهُمْ لم يكونوا يُقَدِّمونَها إلَّا بَعْدَ تخفيفها. وقد كانت نِسبةُ الماء تَتفاوت. ولكنَّ الهَمَجِيِّينَ هُمُ الوحيدون الذين كانوا يشربونها دون تخفيف. وقد كان مزيجُ الماءِ والخمرِ الَّذي يُخْلَطُ بنسبةٍ متساويةٍ (أيْ بنسبة 1–1) يُعَدُّ مشروبًا قويًّا لا يُسَرُّ الناس بالحديث عنه. لذلك فإنَّ مُصْطَلَحَ "الخمر" أو "أوينوس" أو "يايين" (في العهد القديم والجديد) ينبغي أن يُفْهَم بوصفه خمرًا ممزوجة بالماء. وعندما كانوا يَرغبون في الحديث عن الخمر غير الممزوجة، كانوا يقولون إنها خَمْر "آكراتيستيرون" (akratesteron). بعبارة أُخرى، فإنها غير مُخَفَّفَة - أيْ إنه لا توجد جِرارٌ في الوَسَط؛ بل كانت تُسْكَب مِنَ الزُّجاجَةِ إلى الكأسِ دون تخفيفها.

والنقطة التي أحاول أن أُبَيِّنَها لكم، يا أحِبَّائي، هي كالآتي: لقد كانت الخَمْر غير المُخَفَّفة أمرًا غير مقبولٍ حتَّى في تلك الثقافة. فقد كان المشروبُ القويُّ غيرَ مُخَفَّفٍ. وكان مِنَ المَعروفِ أنَّ البرابرةَ هُمُ الذين يشربونه. وعندما ننتقل بعيدًا عن كنيسة العهد الجديد وندخل في الكنيسة بعد العهد الجديد، والتي ندعوها الكنيسة الباكرة، سَنَجِدْ أنهم كَتَبُوا عن ذلك في كِتابٍ يُدْعَى "تَقليد الرُّسُل" (Apostolic Tradition). فنحن نقرأ في تقليد الرسل أنَّ الكنيسة تَبِعَتْ هذا التقليد نفسه إذْ كانوا يُقَدِّمون الخمر المُخَفَّفَةَ فقط - سواءَ في شكلٍ مُتماسِكٍ أو سائل.

والآن، رُبَّما تقولون: "ما هي أهمية هذا كله؟ وما الذي تحاول أن تقوله؟" إنَّ ما أحاول أن أقوله هو الآتي: "إذا أردتَ أن تُدافعَ عن حقيقة أنك تستطيع أنَّ تَشْرَبَ الخمر اليوم استنادا إلى حقيقة أنهم كانوا يشربون الخمر في أزمنة الكتاب المقدَّس، يجب عليك أن تُبرهن على أنَّ ما نشربه اليوم هو نفس ما كانوا يشربونه آنذاك. وكلما تَعَمقّنا أكثر في دراسة هذا الموضوع، نجد أنهم كانوا يشربون الخَمْر غير المُسْكِرة البَتَّة، أي تلك المادة المُتماسِكَة التي كانوا يُخَفِّفونَها بالماء والتي كانت نسبة الكحول فيها منخفضة جدًّا جدًّا. واسمحوا لي أُعطيكم مثلاً توضيحيَّا. فقد اتَّصَلْتُ بمجلسِ الكُحول لأنَّ لديهم مركزًا للمعلومات في المكتبة. وقد حَصَلْتُ على المعلومات التالية: فالجِعَّة (أو ما يُسَمَّى "البيرَة") تَحوي كُحُولاً بنسبة 4 بالمئة، والنَّبيذ يَحوي كُحولاً بنسبة 9-11 بالمئة - بِصَرْفِ النَّظَرِ عنْ فَترة اختماره. فهذه هي نسبة الكحول التي يُنتجها العنب. لذلك فإنَّ مستوى التخمر يتراوح بين 9–11 بالمئة. والبراندي، وهو شرابٌ قويٌ، يحوي كُحولاً بنسبة 15–20 بالمئة. والمشروبات الكحولية الأُخرى أيًّا كان نوعها مثل الويسكي وغيره تحوي نسبة كحول مِن 40-50 بالمئة. بعبارةٍ أُخرى، إذا كانت القُوَّةُ المِعيارية للمشروب الكحوليِّ هي 80، فإنه يَحوي كُحولاً بنسبة 40 بالمئة. وإنْ كانت قُوَّتُهُ المِعْياريَّة هي 100، فإنه يَحوي كُحولاً بنسبة 50 بالمئة.

وقد كانَ كل شخص يشربُ شرابًا يحوي كحولاً بنسبة تتراوحُ بين 15–20 بالمئة في أزمنة الكتاب المقدَّس يُعَدُّ شخصًا هَمَجِيًّا. لذلك لا أظُنُّ أننا في حاجة إلى مناقشة ما إذا كان يجوز للمؤمن أن يشرب مشروباتٍ كُحوليَّةً قويَّة. فأعتقد أنَّ الجواب واضحٌ تمامًا. والحقيقة هي أنكم تُدركون أنَّ مجرد الشُرب والحفاظ على قُدراتكم العقليَّة يتطلب أن تأخذوا رَشفات صغيرة جدًّا منه بسبب تأثيره. وهذا يَدُلُّ على نسبة الكحول العالية في هذه المشروبات. وأنا لم أتحدث حَتَّى عن المُضاعَفاتِ الصحيَّة لتناول المشروبات الكحوليَّة. وكل ما ينبغي أن تفعلوه هو أن تجدوا شخصًا ثَمِلاً مُلقَىً على قارِعَةِ الطريق، وأن تأخذوه إلى المستشفى وتراقبوه وهو يموت بسبب تَصَلُّبِ الكَبد لتحصلوا على فكرة بسيطة عن تأثير الخَمْر.

ولكِنْ لِنَنْظُر نَظرةً مُعتدلةً جدًّا إلى هذا الموضوع. فَلْنَقُل مَثَلاً إنَّ عصير العنب المختمر يَحوي كُحولاً بنسبة تَتَراوَحُ بينَ 9–11 بالمئة. أليس كذلك؟ حسنًا. ولنقُل أيضًا إنَّ أَدْنى مَزيجٍ مِنَ الماء والخمر تَمَكَّنْتُ مِنَ العثور عليه هو مِن 3–10 فهذا هُوَ أَقَلُّ مُستوى وَجَدْتُهُ. فنحن لن نقول إنه 5–1 أو 10–1 أو 15–1 أو ما شابه ذلك، بل 3–1. فهذه هي أقَلُّ نسبة وَجَدْتُها. فإنْ غَرَفْتُمْ عصيرَ العنب المختمر الَّذي يَحوي نسبة كحول مِن 9–11 بالمئة مِنْ تلك الزِّقاق وَمَزَجْتَها في جِرارٍ بنسبة 3 ماء و 1 خَمْر، فإنك ستحصل على مُنْتَج بالمواصفات التالية: فمُحتوى الكُحول في المُنْتَجِ النّهائيِّ المَخلوط بالماء سيتراوح بين 2,25-2,75 بالمئة كُحول. وهذه نسبة ضئيلة جدًّا. وبالمناسبة، ينبغي أن يَحوي المشروب ما نسبته 3,2 بالمئة كُحول لكي يُصَنَّف بأنه مشروب كحوليّ. لذلك فإنَّ المُنتج النهائيَّ ليس كُحوليًّا بالمعنى الصحيح. فلكي تَسْكر بعصير العنب المختمر الممزوج بثلاثة أجزاءٍ مِنَ الماء، ينبغي أن تشرب مِنْ ذلك المشروب طوال اليوم. وهذا هو السبب في أنَّ الكتاب المقدَّس يقول لشيوخ الكنيسة ألا يَسْعَوا في طَلَبِ الخَمْر.

بعبارة أُخرى، لكي تَسْكر في تلك الأيام بِفِعْلِ عصير العنب المختمر، يجب عليك أن تَتَعَمَّدَ السُّكْر لأنه ينبغي لك أن تَتجاهل مَثَانَتَكَ على أقل تقدير. فإنْ عَقَدْتَ العَزْمَ على أن تَسْكر، ينبغي أن تذهب وتبحث عن مشروبٍ قويٍّ. أليس كذلك؟ فأنتَ لا تُخَفِّفْهُ، بل تَتصرَّفُ كشخصٍ هَمَجِيٍّ. ولكنَّ التحذير في الكتاب المقدَّس هو كالآتي: أنه عندما تكون هناك خَمْرٌ تَحوي نسبةً ضئيلةً مِنَ الكحول، يجب عليك أن تحذر في المواقف المختلفة مِنْ تناول كَمِيَّاتٍ كبيرةٍ منها خوفًا مِن تأثيرها عليك.

ولكنَّ الفكرة هي أنَّ الخمر التي كانت تُستهلك آنذاك، لا سيما إذا كانت مَمْزوجة بالماء بنسبة 3–1 وتحوي كحولاً بنسبة تتراوح بين "اثنين ورُبْع" وَ "اثنين ونِصْف" بالمئة، فإنَّ ذلك المشروب لا يُعَدُّ مشروبًا كحوليَّا.

لذلك فإنَّ النقطة هي كالتالي، يا أحبَّائي: سواء كنتم تَتَحَدَّثون عن ذلك المعجون أو عن ذلك المَزيج، فإنَّ الخمر التي كانت تُستهلك في تلك الأيام لم تَكُنْ مُسْكِرَةً ولم تَكُنْ تحوي نسبةَ كُحولٍ تُذْكَر. فقد كان السُّكْر شيئًا يُصَمِّمُ المرءُ على القيام به. وقد كان الناس الذين يَسكرون يَشربونَ كَمِّيَّات كبيرةً منه لكي يَسكروا. وهل تعلمون شيئًا؟ لقد رأيتُ شخصًا يفقد مَلَكَاتِهِ العقليَّةَ بسبب تناول الخمر خلال خمسٍ وأربعين دقيقة بعد أن شَرِبَ ثلاثَ أو أربعَ كؤوس منه. ولم يكن هذا يحدث في أزمنة الكتاب المقدَّس. فقد كان ينبغي أن تشرب الخمر لوقت طويل لكي يحدث ذلك. لذلك، فإنَّ النقطة يا أحبَّائي هي كالتالي: لا يمكنكم أن تستخدموا الخَمْر التي كانت تُستهلك في أزمنة الكتاب المقدَّس كأساسٍ لتبرير ما نشربه اليوم. فقد كان هؤلاء ينظرون إلى ما نشربه اليوم بأنه شيءٌ بَرْبَرِيٌّ أوْ هَمَجِيٌّ. فَهُمْ لم يكونوا يشربون شيئًا كهذا.

لذلك فإنَّ السؤال الأولَ هُوَ: "هَلِ الخَمْرُ في زمانِنا والخَمْرُ في زمانهم مُتشابِهَتَيْن؟ والجوابُ هُوَ مَاذا؟ لا! أمَّا السؤال الثاني فهو: هل شُرْبُ الخمر ضَروريّ؟ هل هو ضَروريّ؟ الحقيقة هي أني أدرك أنه في الأزمنة الكتابيَّة، كان مِن الضروري أن يشربوا الخَمر. وقد يكون ذلك ضروريًا أحيانًا في وقتنا الحاضر. وما أَعنيه هو أن الكتاب المقدَّس لا يقول إنه لا يمكنك أن تشرب الخمر لأنَّ الكتاب المقدَّس كانَ يَعْلَمُ أنه ستأتي أوقاتٌ في التاريخ تَجِدُ نفسكَ في مَواقِفَ لا تَجِد فيها خِيارات كثيرة. وما أعنيه هو أنه إذا كنت تعيش في بلد معينٍ في العالم لا يوجد فيه إلَّا ذلك المشروب، أوْ كنتَ على وَشْكِ الموت عَطَشًا، وما إلى ذلك، ولم تكن لديك خِياراتٌ أُخرى، يجب عليك أن تستخدم ما هو مُتاح. لذلك فإنَّ الكتاب المقدَّس لا يَنهى تمامًا عن شُرب الخمر. لذلك ينبغي أن نَطْرَحَ السؤال: هل ذلك ضروريّ – اليوم؟

لقد كانَ الربُّ هو الَّذي أَنْتَجَ عصير العنب. وقد تَحَدَّثَ الربُّ عن شُرْبِ الخَمْر. وقدِ استخدموا الخَمْرَ في العهد القديم بِحُكْمِ الضَّرورَةِ في مُجتمعهم. ولكِنْ لا ينبغي أنْ تَستنتجوا مِنْ ذلك أنه كان عصيرًا مُخْتَمِرًا، ولا تَستنتجوا أنه كان مُسْكِرًا لأنه ربما لم يكن كذلك. وربما كانتْ هناك أوقاتٌ صَنَعُوا فيها خمرًا ممزوجةً بنسبة 1 إلى 1 لأنَّ هذا هُوَ ما قَدَّمَهُ المُضِيفُ لِضُيوفِهِ فَلَمْ يَجِدوا بديلاً عن ذلك، فاضْطُرُّوا لِشُرْبِهِ بِحَذَرٍ شَديد. وفي أوقاتٍ أُخرى، رُبَّما تَمَّ تقديم المشروبات القويَّة لأشخاصٍ عَطِشين جدًّا فاضْطُرُّوا إلى شُرْبِ كميةٍ قليلةٍ منه لأنه لم يكن لديهم بديلٌ آخر. وربما كانت هناك أوقات أُخرى حدثت فيها كل تلك الأشياء. ولكن يجب علينا أن نتذكر دائمًا أنه في تلك الأيام وفي ذلك العصر، وربما في أجزاءٍ مِنَ العالم اليوم، هناك ضرورة للقيام بذلك. لذلك فإنَّ الله لم يَنْهَى عن الخمر تمامًا.

ولكنَّ النقطة المهمة هي الآتية: إن سألنا أنفسنا: هل شُرب الخمر ضروريّ؟ فإنَّنا أمامَ سؤالٍ مُهِمٍّ جدًّا. ففي تلك الأيام، ربما كان كُلُّ ما لديهم هو الخَمْر، وعصيرُ الفاكهة، والحليب، والماء. فهذا هو كُلُّ شيء. فقد كانت الخِيارات قليلة. أما اليوم فلدينا خِيارات كثيرة جدًّا. وما أعنيه هو أنَّ بَرَّادات المتاجر مُمتلئة بجميع أنواع المشروبات، وبكل شيءٍ قد نُفَكِّرُ فيه. لذلك ينبغي لنا أن نطرح السؤال: هل شُرْبُ الخمر ضَروريٌّ اليوم؟ وما الجواب؟ لا، إنه ليس ضَروريًّا. لذلك فإنه يَنتقل مِنْ لائحة الأشياء الضرورية إلى لائحة الأشياء المُفضلة لدينا. أليس كذلك؟؟ فمن الواضِحِ أنه أمرٌ نرغب فيه ونريده. فهذا هُوَ التَّصْنيفُ الوحيد الَّذي يُمكننا أن نضع الخَمر فيه. لذلك، إذا كنتَ تَشربُ الخَمرَ، لا يمكنك أن تقول: "أنا أشربه لأنهم كانوا يفعلون ذلك في أزمنة الكتاب المقدَّس"؛ بَلْ قُلْ فقط إنك تشرب الخمر لأنك تريد ذلك. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. فأنتَ تُفَضِّلُ القيام بذلك. فأنت تُفضل شُرب الخمر على شُرب المشروبات الغازية أو الشاي المُثَلَّج أو أي مشروبٍ آخر. ويكفي أنْ تَعترفَ بذلك لأنَّ هذا هو ما يحدث في مجتمعنا.

ولكِنْ لا تَستخدِم ذلكَ كحُجَّة. فالناس يقولون: "أنا أعتقد حَقَّا أنَّ ذلك ضَرورة مُلِحَّة لأني إنْ لم أفعل ذلك فإنَّ الناس سيَستاؤونَ مِنِّي. فأنا لَدَيَّ العديد مِن الأصدقاء غير المُخَلَّصين، وَهُمْ يشربون الخَمر. وأنا أشعر أنِّي بحاجة إلى شُرْبِ كأس مِنَ الخَمر مع هؤلاء الأشخاص، أو إلى شُرْبِ شيء ما مع هؤلاء الرِفاق. وما أعنيه هو أنني بحاجةٍ حقَّا إلى أن أكون جُزءًا منهم. فأنا لا أريد أن أَجْرَحَ مَشاعِرَهُم". وبصراحة يا أحبائي: هذه هي أَسْخَفُ حُجَّةٍ سمعتها في حياتي. هذه هي الحقيقة. فهذه ليست حُجَّة البَتَّة. إنها ليست حجةً البَتَّة. وما أعنيه هو: إن كان هناك مجموعة مِنَ الأشخاص يجتمعون معًا وَيَحُكُّوْنَ المنطقة الواقعة خلف الأُذن اليُسرى، هل تَحُكُّ أنت أيضًا المنطقة الواقعة خلفَ أُذُنِكَ اليسرى لكي تكون جزءًا منهم؟ وما أعنيه أيضًا هو أنه إن كان جميع سُكان البناية التي تسكن فيها لا يستخدمون مُزيل العَرَق، هل تمتنع عن استخدام مُزيل العَرَق؟ ما هذا؟ إنها ليست حجةً قويةً البَتَّة. فهذا كلامٌ متناقضٌ. وهو لا يعني شيئًا البَتَّة. وهذا سُخْفٌ. وهل تعلمون أنه ربما كان هناك أُناسٌ غير مؤمنين لا يشربون الخمر بقدر ما هناك مؤمنون مسيحيون لا يشربون الخمر في هذا العصر.

فهناك الكثير مِن الأشخاص غير المُخَلَّصين لا يشربون الخمر. ويمكنك أن تلتقي مجموعةً كاملةً منهم إنْ ذهبتَ إلى أحد اجتماعات الأشخاص الذين تركوا الإدمان. فهناك مجموعةٌ كبيرةٌ مِن الأشخاص الذين تركوا الإدمان. ويمكنك أن تلتقي أُناسًا كثيرين طوال الوقت مِن غير المسيحيين مِمَّنْ لا يشربون الخمر. وقد كُنْتُ يومًا في مكانٍ يَضُمُّ أُناًسا مسيحيِّين وأُناسًا غير مسيحيين. وكان المسيحيُّون يَشربونَ وغيرُ المسيحيِّين لا يَشربون. لذلك فإن هذه ليست حُجَّةً. فالناس لن يَخْرُجوا باستنتاجٍ لاهوتيٍّ عظيمٍ بخصوص عدم قُدرتك على إنشاء الصداقات مع الآخرين لأنك لا تشرب الخمر. فَهُمْ لن يقولوا ذلك. والحقيقة هي أن هناك أُناسًا كثيرين يَتَمَنُّونَ لو أنهم لم يشربوا الخمر يومًا - الكثيرين منهم.

لذلك فإنِّي لا أُصَدِّق الحُجَّة الَّتي تقول إنك تَشْرَب الخمر لكي تكونَ مَقْبولاً. فقد ذهبتُ إلى أمريكا الجنوبيَّة. أجل، لقد ذهبتُ إلى أمريكا اللَّاتينيَّة حيثُ الناسُ يَشْربون. وقد ذهبتُ إلى المَكْسيك حيثُ النَّاسُ يشربون. وقد ذهبتُ إلى كل مُباراةٍ لِكُرَة القاعدة (البيسبول) شارَكْنا فيها في السنوات العديدة الَّتي لَعِبْنا فيها ضِدَّ الأبطالِ المَحَلِّيِّينَ في المكسيك قبلَ سَنَواتٍ خَلَتْ. وفي كل مرَّة ذهبنا فيها إلى أيِّ مكانٍ، كانوا يُقيمونَ حَفلةً ضَخمةً لنا بعدَ كُلِّ مُباراة – وهي حفلةٌ ضَخمةٌ بِكُلِّ مَعنى الكلمة. وقد كانوا يَصْحَبونَنا إلى مَطعمٍ مَحَلِّيٍّ أوْ إلى نادٍ رِيْفِيٍّ أوْ أيِّ مكانٍ آخر. ويمكنني أنْ أقول لكم، يا أحبَّائي، إنَّ تلك الحفلاتِ كانتْ صاخبةً. وما زلتُ أَذْكُرُ أنَّنا ذهبنا إلى مَطْعَمٍ ما. وأمامَ كُلِّ طَبَقِ طعامٍ، كانت هناك زُجاجَةٌ كبيرةٌ مِنَ المشروبِ الكُحوليِّ – زُجاجةٌ ضَخْمَةٌ. ولا أدري ما حَجْمُها، ولكنها رُبَّما كانت لِتْرَيْن. فهي ضَخمةٌ حقًّا. وقد كُنَّا نَنْظُرُ بعضُنا إلى بعضٍ ونَطْلُبُ مَشروبًا غازِيًّا. ولكِنَّهُمْ كانوا يَستمتعونَ بوقتهم.

وما أعنيهِ هُوَ أنهم كانوا يَشربونَ زُجاجاتِهم وزُجاجاتِنا. فأنتم تَعلمونَ ذلك - أليسَ كذلك؟ والجزءُ المُمتعُ هو أنَّنا جميعًا كُنَّا نَقضي وقتًا رائعًا، ولكِنَّ الفَرْقَ الوَحيدَ هو أنَّنا نَعْلَمُ ما يَجْري. فقد كُنَّا نَستمتعُ بالأشياءِ الحقيقيَّةِ. أمَّا هؤلاء فكانوا يَستمتعونَ بتَخَيُّلاتهم. وعندَ انتهاءِ الحَفلةـ كانوا يُعَبِّرونَ عن محَبَّتِهِم لنا ويَضَعونَ أيديهم على أكْتافِنا ويَدْعونَنا للمَجيءِ في السَّنة القادمة. فقد كان ذلكَ أعظمُ شيءٍ بالنِّسبة إليهم. فهذه ليست مُشكلةً. إنَّها ليست مُشكلةً في المكسيك. وقد ذهبتُ إلى إسرائيل وإلى أوروبَّا. ولا أَذْكُرُ أنِّي عانيتُ يومًا مِنَ استِخْفافِ أَحَدٍ بمَسيحِيَّتي أوْ أنَّ أحدًا شَرِبَ كَمِيَّةً أقَلَّ مِنَ الخَمْرِ بسببِ امْتِناعي عن ذلك. لذلك، لا أعتقدُ أنَّ تلكَ حُجَّة قويَّة. بل إنَّني أقولُ الآتي: إنْ كانَ شُرْبُ الخَمْرِ ضرورَةً مُلِحَّةً، وإذا كنتَ في موقفٍ لا يوجدُ فيهِ سوى الخَمْر، ولا يوجد سِواه، ولم تَكُنْ لديكَ خِياراتٌ كثيرة أوْ لم يَكُنْ لديكَ أيُّ خِيارٍ آخر، يمكنكَ أنْ تَفْعَلَ ما هُوَ ضَرورِيٌّ بِتَعَقُّلٍ شَديد. ولكِنْ يجب أنْ تَعترفَ أنَّ هذا الأمْرَ هُوَ خِيارٌ في مُجْتَمَعِنا. إنَّهُ خِيارٌ.

لذلك، يجب عليَّ أنْ أطرحَ عليكم هذا السُّؤال الثالث. وسوفَ أكْتَفي بطَرْحِهِ وأتوقَّف، ثُمَّ سنُجيبُ عنهُ في المَرَّة القادمة. فقد طَرحتُ عليكم سؤالَيْنِ فقط. وهناكَ سِتَّة أسئلة أُخرى. ولكنِ اسْمَعوا الآنَ هذا السؤالَ الثالثَ في عُجالَةٍ: هلْ شُرْبُ الخَمْرِ هوَ الخِيارُ الأفضَل؟ حسنًا، ينبغي أنْ تُقِرُّوا بذلك. فإنْ كانَ الخِيارُ مُتاحًا لَكَ، هل هذا هوَ الخِيارُ الأفضل؟ وقد تقول: "إنَّ الخَمْرَ أَفضل جدًّا لِصِحَّتِكَ مِنَ القهوة. وهِيَ أفضل جدًّا لصحتك من المشروبات الغازِيَّة". وقد يقولُ شخصٌ آخر: "لم أَرَ يومًا شخصًا يَشرب ثماني عُلَبٍ مِنَ المشروباتِ الغازِيَّةِ ويَعْجَزُ عنِ المَشيِ في خَطٍّ مُستقيم". لذلك، يمكننا أنْ نَتَجادَل في ذلك. فهل هوَ الخِيارُ الأفضل؟ واسمحوا لي أنْ أُريكُمْ شيئًا واحدًا فقط. وسوفَ أُجيبُ عن هذا السؤالِ في المَرَّة القادمة. فسوفَ أُبَيِّنُ لكم الأشخاصَ الَّذينَ نَهاهُمُ اللهُ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ نَهْيًا قاطِعًا في الكتاب المقدَّس، ثُمَّ سَنَرى إنْ كانَ شُرْبُ الخَمْرِ هوَ الخِيارُ الأفضل.

ولكِنْ قبلَ أنْ أقومَ بذلك، لِنَنْظُر في الخِتام إلى إنْجيل لوقا 1: 15. فأَوَدُّ أنْ تَلتقوا أعظمَ رَجُلٍ عاشَ على الأرض. حسنًا؟ فهذا هُوَ أعظمُ رَجُلٍ عاشَ على الأرض. فهذا هوَ ما قالَهُ يَسوعُ عنه. فَإلى زَمانِهِ (أيْ إلى زَمَنِ إنْجيل مَتَّى 11: 11): "لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ". فقد قالَ يسوعُ في إنجيل مَتَّى 11: 11 أنهُ حَتَّى ذلكَ الزَّمان، كانَ يوحنَّا المَعْمَدان أَعْظَمَ إنْسانٍ عاشَ يومًا. فقد كانَ رَجُلاً عظيمًا جدًّا جدًّا. ثم انظروا إلى ما جاء في إنجيل لوقا 1: 15: "لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ". ثُمَّ اسْمَعوا: "وَخَمْرًا ["أوينوس" – “oinos”] وَمُسْكِرًا ["سيكيرا" – “sikera”] لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوح القُدُس". والآنْ، ما الذي يَجري هنا؟ لقد كانَ أعظمُ رَجُلٍ عاشَ على الأرضِ مُمتنعًا تمامًا عنْ شُرْبِ الخمر. فقد نَهاهُ اللهُ عَنْ شُرْبِ نُقطة واحدة منه. لماذا؟ هذا هو ما سنتحدَّثُ عنه في المَرَّة القادمة. والآنْ، لِنَحْنِ رُؤوسَنا للصَّلاة:

نحنُ نَعلمُ، يا أبانا، أنه مِنَ السهل علينا أنْ نُقَيِّمَ حياتنا الروحيَّة مِنْ مُنْطَلَقِ التزامِنا بالأوامِرِ والنَّواهي مَعَ أنَّ ذلكَ ليسَ النُّقطةَ الجوهريَّة. فنحن نَعلمُ أنَّكَ لم تَمْنَعْ شُرْبَ الخَمْرِ. وبالرَّغْمِ من ذلك، هناك بعض الأشياء الواضحة في الكتاب المقدَّس والتي سنُحاول أنْ نَراها لمساعدتنا على اتِّخاذ قَرار. ولكِنْ ليتَنا، يا رَبّ، نَعرف دائمًا أنَّ الأمرَ لا يَعني بالضرورة أنَّ الأشخاص الَّذين لا يَشربون الخَمْر هُمُ الأشخاص الرُّوحانِيُّونَ وأنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَشربونَ ليسوا كذلك. فالأمرُ ليسَ بهذهِ البَساطة. فهناكَ أمورٌ أُخرى ينبغي أَخْذُها بعينِ الاعتبار. فَعَدَمُ قِيامِنا بأيِّ شيءٍ لا يَجْعَلُنا أيَّ شيء. فَهُوِيَّتُنا هِيَ المَسألةُ هُنا. ومَهْما كانَ مَوْقِفُنا، يا رَبّ، ومَهْمَا كانَ رَأيْنُا في هذهِ المسألة، ساعِدْنا على أنْ نَرى الموضوعَ كَما تَراهُ أنْت. وساعِدنا على أنْ نَفهمَهُ كما تَفْهَمُهُ أنت. وَمِنَ الرائعِ، يا رَبّ، أنكَ قد أعطيتَنا الكثيرَ مِنَ الحقائقِ المُهِمَّة، والكثيرَ مِنَ الأشياءِ الَّتي تَحْمينا. ونحنُ نَعلمُ أنهُ يَنبغي لنا لا فقط أنْ نَتجنَّبَ الخطيَّةَ، بل أنْ نَتجنَّبَ أيضًا أيَّ شيءٍ قد يُؤدِّي إلى الخطيَّة. لذلك ساعِدنا، يا أبانا، على أنْ نَتَّخِذْ بأنْفُسِنا قرارًا سليمًا بخُصوصِ ما تُريدُ مِنَّا أنْ نَفعلَه.

وبينما تَتأمَّلونَ في هذا الأمر قليلاً، اسْمَحوا لي أنْ أقولَ ما يَلي في الخِتام: إنَّ هذهِ الرسالة ليست رسالةً عاديةً بالنسبة إلينا، أيْ أنْ نَتحدَّثَ عنْ أمرٍ صَعْبٍ كهذا. وبالرَّغْمِ مِنْ ذلك، فإنَّ ذلكَ جُزْءٌ مِنْ كلمةِ الله. ومِنَ الرائعِ كَمْ أنَّها تَلْمَسُ كُلَّ جانبٍ مِنْ حياتِنا. ولكِنْ رُبَّما جِئْتَ في هذا الصباحِ وأنتَ تقول: "لقد أتيتُ إلى هُنا لكي أسْمَعَ عنِ اللهِ ويسوعَ المسيحِ، ولكي أَحْصُلَ على جَوابٍ لحياتي ومشاكلي ومتاعبي وصِراعاتي الداخليَّة. وها أنْتَ تتحدثُ عن هذا الموضوع الَّذي لا يُلامِسُ حَياتي البَتَّة!"

ولكِن اسْمَحوا لي أنْ أقولَ لَكُمْ ما يلي: سوفَ أُصَلِّي وَأَصْرِفُكُمْ بعدَ دقيقة واحدة. وإلى يَميني، أمامَ هذهِ القاعةِ، إلى جانبِ البيانو، هناكَ غُرْفَةٌ للصَّلاةِ ومَرْكَزٌ للمَشورَة. ولدينا أشخاصٌ هُناكَ يُحِبُّونَ أنْ يُصَلُّوا مَعَكَ وَأنْ يُشارِكوكَ الخَبَرَ السَّارَ. فَهُمْ سيُخبرونَكَ كيفَ يُمْكِنُ أنْ تأتي إلى المسيح، وسيُخبرونَكَ كيفَ يُمكنُ أنْ تأتي إليهِ وأنْ تَملأَ الفَراغَ الَّذي رُبَّما حاولتَ أنْ تَملأَهُ بِشُرْبِ الخَمْرِ مِنْ حينٍ إلى آخر. وَهُمْ سيُخبرونَكَ كيفَ أنَّهُ يُمكنهُ أنْ يَجعل حياتَكَ مُفْعَمَةً بالفرحِ، وأنْ يُعْطيكَ طُمَأنينَةً، وأنْ يُملأَ قلبَكَ المُضْطَرِب بالسَّلام. وهُمْ سيُخبرونكَ كيفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَغْفِرَ لكَ خطيئتكَ، وأنْ يُطَهِّرَ قلبكَ ويُعطيكَ حياةً أبديَّة. لذلكَ فإنَّنا نَدعوكَ إلى المجيءِ عندَ انْصِرافِنا. فليسَ هُناكَ التِزامٌ، ولا إِكْراه، وَلا عُضْوِيَّة، ولا شِراءٍ، ولا أيَّ شيء. فنحنُ نُريدُ فقط أنْ نُصَلِّي معك وأنْ نُظْهِرَ لكَ مَحَبَّتَنا وأنْ نُشارِكَ مَعَكَ الخَبَرَ السَّارَّ. وأيًّا كانت مُشكلتُك، فإنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ سيكونونَ هُناكَ مِنْ أجلِك.

وَإنْ صَادَفَ أنَّ أحدًا منكم يُعاني مشكلةً تَختصُّ بموضوعِ الشُّرْبِ، ربما يكون لدينا هنا مَنْ يستطيعُ أنْ يُحَدِّدَ ما إذا كنتَ مُدْمِنًا وتُعاني مشكلةَ شُرْبٍ. والربُّ يسوعُ قادرٌ أنْ يُغَيِّرَ ذلك. فلا حاجةَ لأنْ تكونَ سِكِّيرًا. بل يمكنكَ أنْ تأتي إلى يسوعَ المسيحَ لأنهُ قادرٌ أنْ يَغْسِلَكَ ويَجْعَلَكَ أبيضَ كالثَّلْج. ورُبَّما يكونُ بعضٌ منكم مُؤمنًا ولكنَّهُ يعاني مشكلةً فيما يختصُّ بالخَمْر. والله قادرٌ أنْ يُعالِجَ ذلك. فعندما تَخْضَعُ لروحِهِ القُدُّوس، فإنهُ قادرٌ أنْ يُحَرِّكَ إرادَتَكَ، وأنْ يُبْعِدَكَ عنْ ذلكَ، وأنْ يَزيدَكَ قُرْبًا مِنْهُ. "لاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ". فإنْ كانَ اللهُ هوَ الَّذي يَطْلُبُ هذا، فإنَّهُ قادرٌ أنْ يُعطيكَ القُوَّةَ للقيامِ بذلك. وهو سيفعل ذلك في حياتك. فهو يحبك أيًّا كانت حالَتُك. فحتَّى لو كنتَ مُدْمِنًا أوْ سِكِّيرًا، فإنه يحبك ونحنُ نُحبك أيضًا. ولكنه يريد أن يُغيِّرك وأنْ يَجعلكَ تَستخدمُ كُلَّ مَلَكاتِكَ العقليَّة لِمَجْدِهِ. لذلك، اسْمَحْ لهُ بالقيام بذلك اليوم. ومِنْ دَواعي سُرورِ مُشيرينا أنْ يُصَلُّوا مَعَكَ بهذا الخُصوص.

نَشكركَ، يا أبانا، على وقتنا في هذا الصباح، وعلى مساعدتنا على رؤية بدايةِ الخَيْطِ في هذا الموضوعِ على أَقَلِّ تقدير. نحنُ نُحِبُّكَ لأننا نَعلمُ أنك تَعتني كثيرًا بنا حَتَّى إنَّكَ تُخْبِرُنا عن هذه الأشياءِ لكي نتمكَّنَ مِنَ الحِفاظِ على حياتِنا مِنْ خِلالِ اتِّخاذِ القراراتِ الَّتي تُمَجِّدُ اسْمَكَ. بارِكْ كُلَّ شخصٍ في هذا المكان، يا رَبّ. واسْمَحْ لنا أنْ نَجتمعَ مَرَّةً أُخرى في هذا المساء لكي نَتحدَّثَ عَنْ مَعْنى أنْ نَكونَ صَانِعي سَلام. نَشْكُرُكَ باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize