Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَنْظُرْ مَعًا إلى أَفَسُس 5: 18-21. وأرْجو أنْ تُتَابعوا النَّصَّ في كِتابِكُم المقدَّس أثناءَ قِراءَتي لَهُ: "وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ، مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، للهِ وَالآبِ. خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ". لِنُصَلِّ مَعًا:

نَشْكُرُكَ، يا أبانا، على هذهِ الكلمةِ الرائعةِ. أنا أَشْعُرُ، يا رَبُّ، بعَدَمِ كِفايَتي حَتَّى للتَّأمُّلِ في مِثْلِ هذهِ الفِكرةِ العَظيمةِ المُختصَّةِ بالامتلاءِ بالرُّوح. وبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ، أنا أَعْلَمُ، يا رَبّ، أنَّ هذهِ الفِكْرةَ عَمَلِيَّة وَضَروريَّة جِدًّا، وَأنَّها في الحَقيقَةِ وَصِيَّة. لذلكَ أرْجوكَ، يا رَبُّ، أنْ تُعْطيني حِكْمَةً عنْدَ افْتِتاحِ الفَمِ، وَحِكْمَةً للسَّامِعينَ أيضًا لكي نَكونَ مُطيعينَ، ولكي نَستوعِبَ كُلَّ مَا تَقولُهُ لَنا. باسْمِ المَسيح. آمين.

والآنْ، أنْتُمْ تَذْكُرونَ، إنْ كُنْتُمْ مَعَنا في أيِّ وَقْتٍ مِنَ الأوقاتِ، أنَّنا نَدْرُسُ رِسالَةَ أَفَسُس آيَةً آيَةً، وَأنَّنا صَرَفْنا في دِراسَتِها وَقْتًا طَويلًا الآن. ولكِنَّنا رَأيْنا أنَّهُ يَنْبَغي لنا أنْ نَسْلُكَ كَمَا يَحِقُّ، وأنَّهُ يَنْبَغي أنْ نَعيشَ وَفْقَ نَمَطِ الحَياةِ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ لَنا وَحَدَّدَهُ بِوُضوحٍ شَديدٍ جِدًّا. وَقَدْ دَرَسْنا الأصْحاحات 4 و 5 و 6، أوْ بالأحْرى الأصْحاحَيْن الرَّابِعِ والخَامِسِ مِنْ رِسالَةِ أَفَسُس. وسوفَ نَدْرُسُ الأصْحاحَ السَّادِسَ لاحِقًا. وقد وَجَدْنا أنَّ كُلَّ هذهِ الأصحاحاتِ تَصِفُ في الحَقيقَةِ كيفَ يَنْبَغي للمُؤمِنِ أنْ يَسْلُك. والمِفْتاحُ لِكيفيَّةِ السُّلوكِ المَسيحِيِّ مَوْجودٌ هُنا، في الأصحاحِ الخامِسِ والعَدَد 18. فهل تُدْرِكونَ أنَّهُ لو لم تَكُنْ الآيَة 5: 18 مَوجودَة في رِسَالَةِ أَفَسُس، فإنَّ رِسالَةَ أفَسُس لَنْ تَكونَ مُكْتَمِلَة؟ فلو أنَّ هذهِ الآيَةَ وَحْدَها حُذِفَتْ مِنْ هذهِ الرِّسالةِ، لَكانَ كُلُّ شَيءٍ فيها نَاموسِيًّا. ولو أنَّ هذهِ الآيَة حُذِفَت، لكانَ بِمَقدورِكَ أنْ تَكونَ المُحَرِّكَ العَظيمَ أوِ المَرْكَبَةَ العَظيمَةَ المَوصوفَةَ في الأصْحاحات مِنْ 1 إلى 3، ولَكانَ بِمَقدورِكَ أنْ تَحْصُلَ على خَارِطَةِ الطَّريقِ في الأصْحاحات 4 و 5 و 6. ولكِنْ لَما استطعت الحصول على أيِّ وَقودٍ تضعه في المُحَرِّك ليأخذك إلى أيِّ مَكان.

فسوفَ تَعْمَلُ كُلِّيًّا بالاتِّكالِ على الجَسَدِ لولا وُجودِ هذهِ العِبارَة الرَّائعةِ في الأصْحاحِ الخامِسِ والعَدَد 18: "امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ". فهذا هُوَ لُبُّ الأمْرِ كُلِّه. وَهَذِهِ هِيَ الطَّاقَةُ اللَّازِمَةُ للسُّلوكِ كَما يَحِقُّ. وَهذا هُوَ المِفْتاحُ لِعَيْشِ الحَياةِ المَسيحيَّةِ. وَهَذا هُوَ أَساسُ كُلِّ شَيء. فلا يُمْكِنُكَ البَتَّة أنْ تَسْلُكَ باتِّضاعٍ، ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَسْلُكَ في الوَحْدَة، ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَسْلُكَ خِلافًا لِسُلوكِ أهْلِ العَالَم، ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَسْلُكَ في النُّورِ، ولا أنْ تَسْلُكَ في المَحَبَّةِ، ولا أنْ تَسْلُكَ في الحِكْمَةِ إلَّا إذا كُنْتَ تَتَزَوَّدُ بالطَّاقَةٍ مِنْ رُوْحِ اللهِ. فَحَياةُ اللهِ في رُوْحِ الإنسانِ هِيَ الشَّيءُ الوَحيدُ القادِرُ أنْ يُنْشِئَ حَياةً كَهَذِهِ. ولو لم يَكُنْ هذا صَحيحًا، لكانَ بِمَقْدورِ غَيْرِ المُتَجَدِّدينَ أنْ يَعيشوا هَكذا.

لذلكَ فإنَّ هذا هُوَ لُبُّ الأمرِ كُلِّهِ في العَدَد 18. وَهَذا يَفْتَحُ أمامَنا آفاقًا لِفَهْمِ أُمورٍ عَظيمَة. وبالمُناسَبَة، أعتقدُ أنَّهُ يَنبغي لنا أنْ نَقولَ إنَّهُ إنْ لم تُطِعْ ما جاءَ في الأصْحاحِ الخامِسِ والعَدد 18، فإنَّكَ أكْثَرُ جَهْلًا مِنْ جَميعِ النَّاسِ. فنحنُ نَقرأُ في العدد 15: "فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ". وَأكْبَرُ جَاهِلٍ بالمُطْلَق هُوَ الشَّخْصُ الَّذي يُحاوِلُ أنْ يَسْلُكَ بِاتِّضاعٍ، أوْ أنْ يُحَقِّقَ الوَحْدَةِ، أوْ أن يَحْيا حَياةً مُمَيَّزَةً، أوْ أنْ يَسْلُكَ في المَحَبَّة، أوْ في النُّور، أوْ في الحِكْمَة، وَأنْ يُتَمِّمَ كُلَّ مَشيئَةِ اللهِ بالاتِّكالِ على الجَسَد. فهذا هُوَ أكْبَرُ جَاهِلٍ في الكَوْن. فيجبُ على المُؤمِنِ أنْ يَفعلَ ذلكَ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس.

والآنْ، ما مَعْنى أنْ نَمتلئَ بالرُّوح؟ هُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ يَشْعُرونَ بالتَّشويشِ بخصوصِ ذلك. فهُناكَ مَنْ يَظُنُّ أنَّ هذا يَعني أنْ يَحْصُلوا على اخْتبارٍ رُوحِيٍّ قَوِيٍّ. فهُناكَ مَنْ يَظُنُّونَ أنَّ هذا هُوَ ما يَحْدُثُ عندما يَتَكَلَّمونَ بألْسِنَةٍ. وَهُناكَ أُناسٌ يَقولونَ: "هَلِ امْتَلأتَ بالرُّوحِ القُدُس؟" فَهُمْ يَفْصِلونَكَ عَنْهُم. فَهُمْ حَصَلوا على اخْتبارٍ رُوْحِيٍّ قَوِيٍّ، أمَّا أنْتَ فَلا. فإنْ كُنْتَ قَدْ مَرَرْتَ بِخِبْرَةٍ صُوفِيَّةٍ مَا، فَقَدِ امْتلأتَ بالرُّوح، وَإنْ لم تَخْتَبِر ذلكَ فأنْتَ لم تَمتلئ بالرُّوح. وَكَما تَعْلَمونَ فإنَّ هُناكَ حَديثًا كَثيرًا جِدًّا عَنْ هذا الموضوع. وهُناكَ أُناسٌ يَقولونَ إنَّ هذا يَحْدُث عِنْدَما تَمُرُّ بِاخْتبارٍ رُوْحِيٍّ قَوِيٍّ. وَهُناكَ أُناسٌ على النَّقيضِ مِنْ هؤلاء إذْ يَقولونَ إنَّ ذلكَ يَعْني بِبَساطَة أنْ يكونَ الرُّوحُ القُدُسُ حَاضِرًا، حَتَّى لو كانَ تَأثيرُهُ ضَعيفًا جِدًّا مِنَ النَّاحيةِ العَمليَّة. ولكِنَّ هَذَيْنِ الفَريقَيْنِ مُخْطِئان. فالأمْرُ ليسَ فَلْسَفَةً رِواقِيَّةً وَلا اخْتبارًا رُوْحِيَّا قَوِيًّا. فَهُوَ لا هذا ولا ذاك. فالامْتلاءُ بالرُّوح هُوَ واقِعٌ عَميقٌ جِدًّا. ويجبُ علينا أنْ نَفْهَمَ ذلكَ قَدْرَ اسْتِطاعَتنا كَما سَنُشارِكُ في هذا الصَّباح.

والآنْ، لِنَنْظُرْ إلى ثَلاثِ نُقاطٍ لكي أُقَدِّمَ لَكُمْ إطارًا لما سَأقولُه. فسوفَ نَنْظُرُ إلى التَّبايُن، وَإلى الوَصِيَّة، وَإلى النَّتائِج. وقد نَظَرْنا للتَّوِّ إلى التَّبايُن. وسوفَ نَنْظُرُ في المَرَّةِ القادِمَةِ إلى النَّتائِجِ. لذلكَ، سَوْفَ نُرَكِّزُ اليومَ على الوَصِيَّةِ نَفْسِها. والوَصِيَّةُ هِيَ: "امْتَلِئُوا بِالرُّوح". هذهِ هِيَ الوَصِيَّة. والآنْ، اسْمَحوا لي أنْ أَذْكُرَ التَّبايُنَ لَكُمْ في حَالِ أنَّكُمْ نَسيتُمْ أوْ لم تَكونوا حَاضِرين.

أوَّلًا، التَّبايُنُ مُوَضَّحٌ في العَدَد 18 إذْ نَقرأُ: "وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ "أَسُّوتِيَا" (asotia)، وَهِيَ كَلِمَة تَعْني: "الخَلاَعَةُ" أو "الفُجور" أو "المَرَض العُضال الَّذي لا شِفاءَ مِنْهُ". فهذا هُوَ ما يَقودُ إليهِ السُّكْر، "بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوح". فَنَحْنُ نَجِدُ هُنا التَّبايُنَ بينَ السُّكْرِ بالخَمْرِ والامْتِلاءِ بالرُّوح. وقد حَاوَلْنا أنْ نُوَجِّهَ أنْظارَكُمْ في الأسْبوعَيْنِ المَاضِيَيْن إلى أنَّ السُّكْرَ كانَ وَسيلَةً تُسْتَخْدَمُ في الدِّياناتِ الوَثنيَّةِ للتَّخاطُبِ مَعَ الآلِهَةِ كَما يَزْعُمون. بعبارةٍ أُخرى، فَإنَّهُ لا يَتَحَدَّثُ هُنا عَنْ قَضِيَّةٍ اجْتِماعيَّةٍ، مَعَ أنَّ هذا صَحيحٌ أيضًا. فَقَبْلَ أنْ تَصيرَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا، رُبَّما كُنْتَ تَسْكَرُ بالخَمْرِ. ولكِنْ عندما صِرْتَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا، لا يَجوزُ لَكَ أنْ تَفْعَلَ ذلك. وَهَذا صَحيحٌ اجْتِماعيًّا أيضًا. ولكِنَّهُ يُرَكِّزُ هُنا على المَسألةِ اللَّاهوتِيَّةِ. فَقَدْ كانَ الوَثَنِيُّونَ يَسْكَرونَ وَيَظُنُّونَ أنَّهُمْ يَدْخُلونَ في حَالٍة رُوْحِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ تَسْمَحُ لَهُمْ بالتَّخاطُبِ مَعَ الآلِهَةِ.

وَما أَعْنيهِ هُوَ أنَّهُمْ عِنْدَما يَسْكَرونَ، فإنَّهُمْ يَسْكَرونَ حَقًّا. وَقَدْ كانُوا يُفْرِغونَ ما في مَعِدَتِهِمْ أحْيانًا لكي يَتَمَكَّنوا مِنْ شُرْبِ المَزيد. وَقَدِ اكْتَشَفَ عُلماءُ الآثارِ أنَّهُ كانَتْ لَدَيْهِمْ حُفَرٌ في الأرْضِ لهذهِ الغايَةِ تَحْديدًا. فَقَدْ كانُوا يَسْكَرونَ إلى حَدِّ التَّفَوُّهِ بالحَمَاقاتِ ظَنًّا مِنْهُمْ بأنَّ ذلكَ يَسْمَحُ لَهُمْ بالتَّخاطُبِ مَعَ الآلِهَة. والرَّسولُ بولُسُ يُبايِنُ ذلكَ بِسُلوكِ المُؤمنينَ فيقول: "أنْتُمْ تَتَكَلَّمونَ مَعَ اللهِ. وَأنْتُمْ تَعْبُدونَهُ مِنْ خِلالِ المِزاميرِ والتَّسابيحِ والأغاني الرُّوحِيَّةِ. وَأنْتُنَّ تَسْلُكْنَ كَزَوْجاتٍ خاضِعاتٍ لأزْواجِهِنَّ، والأزْواجُ يُحِبُّونَ زَوْجاتِهِمْ، إلَخ. وَأنْتُمْ تَفْعَلونَ هذا كُلَّهُ لا بِسَبَبِ السُّكْرِ، بل بِسَبَبِ أنَّكُمْ مُمْتَلِئونَ مِنْ رُوْحِ اللهِ". أتَرَوْنَ الفَرْقَ. فَالفَرْقُ شَاسِعٌ!

ويُشيرُ بولُسُ إلى أنَّنا نَجِدُ فَرَحَنا، وَنَجِدُ سُرورَنا، وَنَجِدُ التَّواصُلَ مَعَ اللهِ، وَنَجِدُ الأساسَ لِعِبادَتِنا، والدَّافِعَ لِعِبادَتِنا (إنْ شِئْتُمْ) مِنَ الامْتِلاءِ بالرُّوحِ القُدُس. فَعَبادَتُهُمْ المُمْعِنَةُ في الشَّرِّ، والفَسادِ، والفسْقِ، والفُجورِ بِكُلِّ مَا تَشْتَمِلُ عليهِ مِنْ مُوسيقى شِرِّيرَة، ورَقْصٍ مَاجِنٍ، وَفُسْقٍ جِنْسِيٍّ كانَ بِسَبَبِ السُّكْرِ. ولكِنَّ عِبادَتَنا الحَقيقيَّةَ، وَمُوسيقانا الجَميلَة، وَشَرِكَتَنا مَعَ اللهِ تَنْشَأُ بِواسِطَةِ قُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. لذلكَ فإنَّ هذا التَّبايُنُ الصَّارِخَ بينَ العِبادَةِ النَّاجِمَةِ عَنِ السُّكْرِ والعَرْبَدَةِ في الأنْظِمَةِ الوَثَنِيَّةِ، وَعِبادَةِ اللهِ الحَقيقيِّ عِبادَةَ جَميلَةً وَصَحيحَةً وَمُمْتَلِئَةً بالرُّوحِ كانَ تَبايُنًا حَاضِرًا في ذِهْنِ بولُس. لذلكَ فإنَّهُ يَقولُ إنَّهُ بِوَصْفِكَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا، يجبُ عليكَ أنْ تَتْرُكَ تِلْكَ الأشياءَ وَأنْ تَأتي إلى هذهِ النُّقْطَةِ الَّتي تَكونُ فيها مُمْتَلِئًا بالرُّوح.

وَهذا التَّبايُنَ هُوَ تَبايُنٌ شَائِعٌ في الكِتابِ المقدَّسِ. انْظُروا إلى لوقا 1: 15 على سَبيلِ المِثال. فنحنُ نَقرأُ في إنْجيل لوقا 1: 15 عَنْ يُوحَنَّا المَعْمَدان (وَقَدْ نَاقَشْنا ذلكَ مُطَوَّلًا في رِسالَةٍ سَابِقَةٍ): "لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ" ثُمَّ نَجِدُ صِفَةً مِنَ الصِّفاتِ الَّتي تُمَيِّزُهُ: "وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". فَنَحْنُ نَجِدُ هُنا نَفْسَ ذلكَ التَّبايُن. فَهُوَ لا يَشْرَبُ خَمْرًا، بل يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وَهُوَ لَنْ يَجْعَلَ سُلوكِيَّاتِهِ الدِّينيَّةَ نابِعَةً مِنَ السُّكْرِ بالخَمْرِ والمُسْكِرِ، بَلْ مِنَ الامْتِلاءِ بِروحِ اللهِ. وَهُوَ لَنْ يَكونَ مِنَ الدَّاخِلِ تَحْتَ تأثيرِ الخَمْرِ، بل تَحْتَ تأثيرِ رُوْحِ اللهِ. وَهُوَ لَنْ يَكونَ مَدْفوعًا بِما تَفْعَلُهُ الخَمْرُ بِعَقْلِهِ، بَلْ بِما يَفْعَلُهُ رُوْحُ اللهُ بِذِهْنِهِ. بعبارةٍ أُخرى، سوفَ يَكونُ مُنْقادًا بِروحِ اللهِ، وذلكَ على النَّقيضِ منْ جَميعِ أولئَكَ الذينَ يَنْقادونَ بالسُّكْرِ.

وَإذا نَظَرْنا إلى الأصْحاحِ الثَّاني مِنْ سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل، نَجِدُ التَّبايُنَ نَفْسَهُ. ففي يَوْمِ الخَمْسين، رُبَّما تَذْكُرونَ أنَّنا نَقرأُ في الأصْحاحِ الثَّاني والعَدَدِ الرَّابِعِ أنَّهُمْ امْتَلأوا جَميعً مِنَ الرُّوحِ القُدُس. "وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا". وَقَدِ ابْتَدَأَ التَّلاميذُ يَتَكَلَّمونَ بِلُغاتٍ أُخرى. وَحَتَّى إنَّنا نَجِدُ هُنا تَعْدادًا لِلُّغاتِ في العَدَد 9. فَهذا العَدَدُ يَذْكُرُ اللُّغاتِ المُختلفةَ. وَيَسْتمِرُّ التَّعْدادُ في العَدَد 10 والعَدد 11. وَقَدْ رَاحُوا يُخبِرونَ بِجَميعِ أعْمالِ اللهِ العَظيمَةِ بِلُغاتٍ لَمْ يَتَعَلَّموها يَوْمًا. فقد أعْطاهُمُ الرَّبُّ، بِطَريقَةٍ خَارِقَةٍ للطَّبيعَةِ، القُدْرَةَ على القيامِ بذلك. والنُّقْطَةُ هِيَ أنَّهُ عِنْدَما امْتَلأوا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ في النَّهارِ في يومِ الخَمْسين، هَذا هُوَ ما حَدَث. لذلكَ فَقَدِ امْتَلأوا مِنَ الرُّوحِ فَفَعَلوا ذلك.

وَلَكِنَّنا نَقْرَأُ عَنِ النَّاسِ في العَدَد 12: "فَتَحَيَّرَ الْجَمِيعُ وَارْتَابُوا قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذَا؟» وَكَانَ آخَرُونَ يَسْتَهْزِئُونَ قَائِلِينَ: «إِنَّهُمْ قَدِ امْتَلأُوا "غلوكوس" (gleukos) سُلاَفَةً [أيْ: سُكْرًا بِخَمْرٍ جَديدَة]». إنَّها مُجَرَّدُ حَفْلَةٍ وَثَنِيَّةٍ مَاجِنَةٍ أُخرى، أوْ هِيَ مُجَرَّدُ نَشاطٍ دينيٍّ وَثَنِيٍّ آخَر مِنْ نَوْعٍ ما. فَقَدْ نَظروا إلى الأمْرِ هَكذا. وفي نَظِرِ اليَهودِ، كانَتْ هذهِ الأشياءُ مُقَزِّزَةً جِدًّا، أيْ أنْ يَنْغَمِسَ الوَثَنِيُّونَ في العِبادَةِ مِنْ خِلالِ السُّكْرِ. وقَدْ ظَنُّوا أنَّ هذا هُوَ ما حَدَث. فَقَدْ ظَنُّوا أنَّ هَؤلاءِ انْحَدَروا إلى عِبادَةِ الأُمَمِ، وَأنَّهُمُ انْحَطُّوا إلى العِبادَةِ الوَثنيَّةِ، وَأنَّهُمْ يُعَبِّرونَ عَنْ عِبادَتِهِمْ للهِ بهذهِ الطَّريقَةِ غيرِ المَقبولَةِ. لذلكَ فقدِ اسْتَهْزَأوا بِهِمْ. بِعِبارَةٍ أُخرى: مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ هَؤلاءِ سَكارَى.

وَقَدْ كانتِ الكَلِمَةُ "غلوكوس" (gleukos) تَعْني "خَمْرًا جَديدَةً". فَقَدْ قالوا: "إنَّهُ وَقْتٌ مُبْكِرٌ مِنَ الصَّباحِ وَقَدْ راحَ هَؤلاءِ يَشْرَبونَ خَمْرًا جَديدَةً". فَقَدْ كانُوا يَسْتَهْزِئونَ بِهِم: "آه! إنَّهُمْ غَارِقونَ في السُّكْرِ وَيَفْعَلونَ ما يَفْعَلُهُ الوَثَنِيُّون". لذلكَ فقد راحُوا يَسْتَهْزِئونَ بِهِمْ، ثُمَّ قالوا: "مَنْ يُريدُ أنْ يُصْغي إلى ما يَقولُهُ هَؤلاء؟" ولكِنَّ بُطْرُسَ وَقَفَ وَقالَ في العَدَد 15: "هؤُلاَءِ لَيْسُوا سُكَارَى كَمَا أَنْتُمْ تَظُنُّونَ". هَذا لَيْسَ سُكْرًا، بَلْ هذا امْتِلاءٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ. ولكِنَّ العَالَمَ في غَباوَتِهِ لا يَعْرِفُ الفَرْقَ أحْيانًا بينَ التَّعبيرِ عَنِ العِبادَةِ الوَثنيَّةِ والتَّعبيرِ عَنِ العِبادَةِ الحَقيقيَّةِ. لذلكَ فإنَّ المُفارَقَةَ تَظْهَرُ مَرَّاتٍ عَديدَة.

والآنْ، لِنَرْجِعْ إلى أَفَسُس 5: 18 لِنَجِدَ المُفارَقَةَ نَفْسَها مَرَّةً أُخرى: "وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ". وأنا عَلى يَقينٍ بأنَّ بولُسَ كانَ يُفَكِّرُ بتلكَ القِصَّةِ الَّتي حَدَثَتْ في يومِ الخَمْسين. وأنا على يَقينٍ بأنَّهُ كانَ يَنْظُرُ إلى الوَراءِ وَيُفَكِّرُ في ذلكَ الحَدَثِ، أيْ في اليومِ الَّذي امْتَلأَ فيهِ الرُّسُلُ والتَّلاميذُ أوَّلَ مَرَّةٍ مِنْ رُوْحِ اللهِ. فَقَدْ فَعَلوا أُمورًا جَعَلَتِ الآخَرينَ يَظُنُّونَ أنَّهُمْ سَكارى وَأنَّهُمْ يَتَعَبَّدونَ بالطَّريقةِ الوَثنيَّةِ. لذلكَ فَإنَّنا نَجِدُ هُنا هذا التَّبايُن.

والآنْ، لِنَنْظُرْ إلى الوَصِيَّة. وسَوْفَ نَصْرِفُ كُلَّ الوَقْتِ على هذِهِ النُّقْطَةِ لأنَّها حَقٌّ مُهِمٌّ جِدًّا. والكَثيرونَ مِنْكُمْ يَعْرِفونَ ذلكَ وَدَرَسُوا هذا المَوضوعَ مِنْ قَبْل. ولكِنْ هُناكَ كَثيرونَ لا يَعْرِفونَ ذلكَ، ولا سِيَّما مَنْ جَاءوا حَديثًا. لذلكَ، سَنَصْرِفُ الوَقْتَ في مُشارَكَةِ هذهِ الأفْكارِ مَعَكُمْ. فهذهِ وَصِيَّةٌ غَنِيَّةٌ جِدًّا. انْظُروا إليها في العَدَد 18: "لاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ". والآنْ، إنَّ ما يَقولُهُ هُوَ: أنا أَطْلُبُ مِنْكُمْ أنْ تَفعلوا ذلك. فهذهِ وَصِيَّة. ففي اللُّغةِ اليونانِيَّةِ، هُناكَ صِيْغَةٌ دَلالِيَّةٌ تُسْتَخْدَمُ لِسَرْدِ الحَقائِقِ، وَهُناكَ صِيْغَةُ أمْرٍ تُسْتَخْدَمُ لِلوَصِيَّة. وهذِهِ صِيْغَةُ أمْرٍ: "امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ". فهذِهِ وَصِيَّةٌ للمُؤمِن. وَهِيَ لَيْسَتْ خِيارًا، وليسَتِ اقْتِراحًا. فَاللهُ نَادِرًا مَا يُقَدِّمُ اقْتراحاتٍ، بَلْ إنَّهُ لا يُقَدِّمُ اقْتِراحاتٍ البَتَّة. فَهُوَ يُوْصينا وَيَذْكُرُ الحَقائِقَ. وَهُوَ لا يَذْكُرُ اقْتِراحاتٍ. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ الأشياءَ الاخْتِياريَّةَ مَعَ اللهِ قَليلةٌ جِدًّا. وهذهِ ليسَتْ مِنْها، بل هِيَ وَصِيَّة.

والحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ يُقْلِقُني جِدًّا أنْ أَرى أنَّ مُؤمِنينَ كَثيرينَ لا يَعْرِفونَ مَعْنى الامْتِلاءِ بالرُّوحِ القُدُس. فَهَلْ تَعْلَمونَ أنَّ هُناكَ مَسيحيِّينَ لَمْ يَسْلُكوا يَوْمًا في هذا المَبْدَأ، وَأنَّنا جَميعًا، في وقتٍ مَا مِنْ حَياتِنا، لَمْ نَفْعَل ذلك - مَعَ أنَّها وَصِيَّة! وَمَا يُقْلٍقُني حَقًّا في هذا الخُصوصِ هُوَ أنَّهُ تُوْجَدُ اليوم كُتُبٌ كَثيرَةٌ وَمَنْشوراتٌ كَثيرَةٌ وَنِقاشاتٌ كَثيرَةٌ بِخُصوصِ أنَّكَ تَسْتَطيعُ أنْ تَكونَ مَسيحيًّا دُوْنَ أنْ تَهْتَمَّ بأيٍّ مِنْ هذهِ الأمور. فَهُناكَ فِئَةٌ أُخرى في الوَسَط. فَهُناكَ الإنسانُ المُحايِدُ، وَغَيْرُ المُخَلَّص، والذي لم يَخْتَبِر التَّجْديد. وَهُوَ مَاضٍ إلى جَهَنَّم. وَهُناكَ المُؤمِنُ الرُّوحِيُّ الَّذي يُحِبُّ كَلِمَةَ اللهِ، وَيُحِبُّ الرَّبَّ، وَيُطيعُ الرَّبَّ، وَيَسْلُكُ في الحَقِّ، وَيَسْلُكُ في الوَصايا، وَيَسْلُكُ في النُّورِ. وَقَدْ صَارَتْ تُوْجَدُ لَدينا في الوَسَط خَانَةٌ يُمْكِنُنا أنْ نَضَعَ فيها الفِئاتِ الأُخرى. فَهَلْ تَعْلَمونَ أنَّهُ يُوْجَدُ مُخَلَّصونَ غَيْرُ مُبالين؟ فَهُمْ يُخَلِّصُونهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ، ولكِنَّهُمْ لَنْ يُدْخِلوهُمْ يَوْمًا إلى المَسيحيَّةِ الحَقيقيَّةِ. وَما أَعْنيهِ هُوَ أنَّهُمْ لَيْسُوا مُؤمِنينَ مُكَرَّسين.

وقد قَرَأتُ يَوْمَ أمْس مَقالَةً كَتَبَها لاهُوتِيٌّ مَشْهورٌ يَقولُ فيها إنَّنا هُنا أَمامَ أشْخاصٍ مُخَلَّصينَ ولكِنَّهُمْ لم يَسْلُكوا يَوْمًا في النُّور. وَأنا لا أَفْهَمُ ذلكَ شَخْصِيًّا، ولا يُمْكِنُني أنْ أَسْتَوْعِبَ ذلك. فإذا كُنْتَ قَدِ انْتَقَلْتَ مِنَ الظُّلْمَةِ إلى مَلَكوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ، وَإذا كُنْتَ تَسْلُكُ في النُّورِ كَما هُوَ في النُّورِ، لا أَدْري مَعْنى ذلك. وعلى أيِّ حَال، فإنَّ ما يَقولُهُ هُوَ أنَّهُمْ يَأتونَ، وَيَخْلُصونَ، ولكِنَّهُمْ لا يَخْرُجونَ مِنَ الظَّلام. فَهُمْ مُخَلَّصونَ ولكِنَّ شَيئًا لا يَحْدُثُ في حَياتِهِمْ. لذلكَ فقد وَضَعْنا خَانَةً صَغيرَةً في الوَسَط. فَهُناكَ الإنسانُ المُحايِدُ، وَهُناكَ الإنسانُ الرُّوحِيُّ، وَهُناكَ الإنْسانُ الجَسَدِيُّ. وَقَدْ حَشَرْنا الجَميعَ في تِلْكَ الخَانَةِ وَقُلْنا: "حَسَنًا، إنَّ مَكانَكَ الصَّحيحَ هُوَ هُنا. فأنْتَ مُخَلَّصٌ وَسَتَذْهَبُ إلى السَّماءِ. ولا بَأسَ إنْ لم تَرْغَبْ في دُخولِ مُعْتَرَكِ الحَياةِ المَسيحِيَّةِ. فَإنْ لم تَرْغَبْ في ذلك لا تَقْلَق. فأنْتَ لَنْ تَفْقِدَ خَلاصَكَ. فَسَوْفَ تَذْهَبُ فَرِحًا إلى السَّماءِ. صَحيحٌ أنَّكَ لَنْ تَحْصُلَ على مَكانٍ كَبيرٍ مِثْلَ البَقِيَّةِ مِنَّا، ولكِنْ لا بأسَ في ذلك. فَأنْتَ سَتَكونُ في السَّماءِ على أيِّ حَال". لذلكَ فقد وَضَعْنا تلكَ الفِئَةَ المُريحَةَ، ولكِنَّ الأمْرَ ليسَ كذلكَ مَعَ اللهِ.

فالرَّبُّ لا يَقولُ: "إذا أَرَدْتَ أنْ تَكونَ واحِدًا مِنَ المُكَرَّسينَ، افْعَلْ هذا. أمَّا إذا أَرَدْتَ أنْ تَكونَ واحِدًا مِنَ الأشخاصِ الموجودينَ في خَانَةِ الأشْخاصِ الجَسَدِيِّينَ فالخِيارُ لَك". إنَّهُ لا يَتَعامَلُ معَ الأمْرِ بهذهِ الطَّريقة. فهذا مِعْيارٌ وَضَعَهُ اللهُ. وأنا لا أَعتقدُ أنَّ رُبوبيَّةَ المَسيحِ هِيَ أمْرٌ اخْتيارِيٌّ، بل هِيَ أساسِيَّةٌ للإيمانِ المُخَلِّص. وأنا لا أُريدُ أنْ نَحْشُرَ النَّاسَ في خَانَةٍ صَغيرةٍ مُريحَةٍ تَقولُ إنَّكَ تَسْتَطيعُ أنْ تَكونَ مَسيحيًّا دُوْنَ أنْ تَفعلَ شيئًا. اسْمَعوا: لقد أَمَرَنا الرَّبُّ أنْ نَمتلِئَ بِروحِهِ. وَأيُّ شَيءٍ مَا دُوْنَ ذلكَ هُوَ عِصْيانٌ آثِمٌ وَفاضِحٌ. وإذا كانَتْ حَياتُكَ تَتَّسِمُ بهذا النَّوْعِ مِنَ العِصْيانِ، فإنَّ رِسالَةَ يُوحَنَّا الأولى تَقولُ إنَّكَ لَسْتَ مُؤمِنًا – مَهْما كانَ رَأيُكَ في ذلك. لذلكَ فإنَّ هذا الأمْرَ مُهِمٌّ جِدًّا، يا أحبَّائي. فالمَسيحيُّونَ الحَقيقيُّونَ الَّذينَ يَمْتَلِكونَ إيمانًا حَقيقيًّا لا يَرْضَوْنَ بأنْ يُنْكِروا رُبوبِيَّةَ المَسيح. والمَسيحيُّونَ الحَقيقيُّونَ الَّذينَ يَمْتَلِكونَ إيمانًا حَقيقيًّا لا يَرْضَوْنَ بأنْ يُنْكِروا الامْتِلاءَ مِنْ رُوْحِ اللهِ. وَهُمْ لَنْ يَرْضَوْا بأنْ يَعيشوا بارْتياحٍ في خَانَةِ الأشخاصِ الجَسَدِيِّينَ وأنْ يَكْتَفوا بالقولِ: "أنا واحِدٌ مِنْ هؤلاءِ الَّذينَ لم يَخْتاروا الانْتِقالَ إلى الخُطْوَةِ الثَّانِيَةِ". لا! فأنا أَرى أنَّ هذِهِ وَصِيَّة. وَأنا أرى أنَّها وَصِيَّةٌ لأنَّ اللهَ يَقولُ إنَّها ملْزِمَةٌ لِكُلِّ مُؤمِنٍ. والشَّيءُ الوَحيدُ الذي يَنْبَغي أنْ نَفْعَلَهُ بِوَصِيَّةِ اللهِ هُوَ أنْ نُطيعَها.

والآنْ، لِنَتَحَدَّثْ تَحْديدًا عَنْ مَعْنى "الامْتلاء". فما هُوَ مَعْناها؟ حَسَنًا؟ ما هُوَ مَعْناها؟ وسوفَ أَعْرِضُ عَلَيْكُمْ مَجْموعَةً مِنَ الأفْكارِ هُنا. وَأعْتَقِدُ أنَّكُمْ سَتَجِدونَ هذا مُمْتِعًا. وَأنا أُريدُكُمْ أنْ تَفْهَموا المَبادِئَ بوضوحٍ تامٍّ. حَسَنًا؟ لذلكَ، لِنَبتدِئ بالمَبادِئِ الأساسيَّة. حَسَنًا؟ النُّقطةُ الأولى: كُلُّ مُؤمِنٍ مَسيحِيٍّ يَمْتَلِكُ الرُّوحَ القُدُسَ بِكُلِّ مِلْئِهِ. حَسَنًا؟ كُلُّ مُؤمِنٍ مَسيحيٍّ يَمْتَلِكُ الرُّوحَ القُدُسَ.

لَقَدْ سَمِعْتُ مُؤخَّرًا مَسيحيًّا يَقول: "آه! لقد مَضَى عَلى كَوْني مَسيحيًّا وقت طَويل، وقدِ اكْتَشَفْتُ مُؤخَّرًا فقط أنِّي لم أَكُنْ أَمْتَلِكُ الرُّوحَ القُدُسَ. ومُنْذُ أنْ طَلَبْتُ مِنَ اللهِ ذلك وَأَعْطاني الرُّوحَ القُدُسَ، تَغَيَّرَ كُلُّ شَيءٍ". أجَلْ! حَسَنًا، إذًا أنْتَ مُؤمِنٌ مُنْذُ وَقْتٍ طَويل، ولكِنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَمْتَلِكُ الرُّوحَ القُدُسَ. حَسَنًا، لِيُبارِكِ الرَّبُّ قَلْبَ ذلكَ الشَّخْص. فقد سَمِعْتُ ما قالَهُ، وَأنا أَفْهَمُ مَا يَعْنيه. فَما اكْتَشَفَهُ في حَياتِهِ هُوَ ما يُمْكِنُ للعِصْيانِ أنْ يَفْعَلَهُ في حَياتِكَ أنْتَ أيْضًا وَهُوَ عَدَمُ الحَصولِ على الرُّوحِ القُدُس. والنُّقْطَةُ هِيَ: كُلُّ مُؤمِنٍ مَسيحيٍّ، مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتي يُؤمِنُ فيها، يَحْصُلُ على الرُّوحِ القُدُس. فَلا وُجودَ لِمُؤمِنٍ مَسيحيٍّ مِنْ دُوْنِ الرُّوحِ القُدُس. فَحَياةُ اللهِ فيكَ هِيَ ما يَجْعَلُ الفِداءَ حَقيقيًّا. فَعِنْدَما تَصيرُ ابْنًا للهِ، فإنَّ اللهَ يَسْكُنُ فيكَ بِروحِهِ. لذلكَ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكونَ هُناكَ شَخْصٌ مَسيحيٌّ مِنْ دُوْنِ رُوْحِ اللهِ.

واسْمَحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لَكُمْ ذلك: انْظُروا إلى رُومية 8: 9. رُومية 8: 9. فَسَوْفَ نُحاوِلُ أنْ نَنْظُرَ إلى الموضوعِ مِنْ زاوِيَةٍ مُختلفةٍ قَليلًا. ولكِنَّ رُومية 8: 9 هِيَ آيَة رائِعَة. وبالمُناسَبَة، في أَغْلَبِ الأحيانِ الَّتي تُسْتَخْدَمُ فيها الكلمة "جَسَدِيّ" أوْ "في الجَسَد" في الكِتابِ المُقَدَّسِ فإنَّها تُسْتَخْدَمُ للإشارَةِ إلى الأشخاصِ غيرِ المُخَلَّصين، أيْ غيرِ المَسيحيِّين. وَإليكُمْ هذا المَثَلُ التَّوضيحيُّ الجَيِّد. فَهُوَ يَقولُ في العَدَدِ السَّابِعِ إنَّ "اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ. فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ". فالكَلِمَة "جَسَد" هُنا تَعْني "غَيْر مُخَلَّص". وَهُوَ يَقولُ هُنا إنَّكَ إذا كُنْتَ جَسَدِيًّا، فإنَّكَ غَيْرُ مُخَلَّصٍ. والنَّاسُ يَقولون: "حَسَنا، أنا مُجَرَّدُ مُؤمِنٍ جَسَدِيٍّ". والحَقيقَةُ هِيَ أنَّكَ قَدْ تَكونُ مَسيحيًّا جَسَدِيًّا بِحَسَبِ مَا جَاءَ في 1كورِنثوس 3، أوْ يُمْكِنُكَ أنْ تَكونَ جَسَدِيًّا فقط بِحَسَبِ مَا جَاءَ في رُومية 8، ولَسْتَ مُخَلَّصًا البَتَّة. لذلكَ إذا كُنْتَ مُرْتاحًا بِجَسَدِيَّتِكَ، مِنَ الأفْضَلِ أنْ تَفْحَصَ نَفْسَكَ لِتَرى إنْ كُنْتَ مُخَلَّصًا حَقًّا، لأنَّكَ قَدْ تكونُ جَسَدِيًّا بالمَعْنى المَذكورِ في رُومية 8، وليسَ بالمَعنى المَذكورِ في 1كورنثوس 3.

فَهُناكَ مُؤمِنونَ مَسيحيُّونَ قَدْ يَتَصَرَّفونَ بِطَريقَةٍ جَسَدِيَّةٍ، ولكِنَّ الجَسَدِيَّةَ في أغلبِ الأحيانِ صِفَة لِغَيْرِ المُؤمِنين. فَهُمْ مُعَادُونَ للهِ، وَهُمْ ليسوا خاضِعينَ لِناموسِ اللهِ لأنَّهُمْ لا يَسْتَطيعونَ أنْ يَخْضَعوا لِناموسِ اللهِ، ولا يَسْتَطيعونَ أنْ يُرْضوا الله. ولكِنَّنا نَقرأُ في العَدَد 9: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ". فإذا كُنْتَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا، فأنْتَ في الرُّوحِ. وَإذا كُنْتَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا فأنْتَ لَسْتَ في الجَسَد.

والآنْ، انْظُروا إلى مَا بَعْدَ ذلكَ إذْ يَقول: "إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ". بِعِبارَةٍ أُخرى، إذا كُنْتُم مُؤِمنينَ مَسيحيِّينَ، فأنْتُمْ في الرُّوحِ لأنَّ رُوْحَ اللهِ يَسْكُنُ فيكُمْ. ثُمَّ نَقرأُ في نِهايَةِ الآيَة: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ". أَتَرَوْن؟ فإنْ لَمْ تَحْصُلوا على الرُّوْحِ القُدُسِ، فهذا لا يَعْني أنَّكُمْ جَسَدِيُّونَ، وَهذا لا يَعْني أنَّكُمْ لم تَحْصُلوا عَلَيْهِ بَعْد، بَلْ يَعْني أنَّكُمْ لَمْ تَخْتَبِروا الخَلاصَ. فإنْ كانَ أَحَدٌ ليسَ لَهُ رُوْحُ المَسيحِ، فإنَّهُ لا يَنْتَمي إلى المَسيح. وَإنْ أَرَدْنا أنْ نَقولَ ذلكَ بالعَكْس: إنْ كانَ أَحَدٌ يَنْتَمي إلى المَسيحِ فإنَّهُ يَمْتَلِكُ رُوْحَ المَسيح. أَتَرَوْن؟ إنَّها جُمْلَةٌ بَسيطَةٌ. وَنَقْرَأُ في نِهايَةِ العَدَد 9: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ" – العَدَد 10، أَتَرَوْن؟ بِعِبارَةٍ أُخرى، إذا كُنْتَ مُؤمِنًا وكانَ المَسيحُ فيكَ، فَقَدْ حَصَلْتَ على الرُّوحِ القُدُس.

وَما أُريدُهُ مِنْكُمْ هُوَ أنْ تَفْهَموا ذلكَ مُنْذُ البِدايَة. فَالبَعْضُ مِنْكُمْ قَدْ آمَنوا حَديثًا ورُبَّما لا يَفْهَمونَ ذلك. فأنْتَ، بِوَصْفِكَ مَسيحيًّا، قَدْ حَصَلْتَ على الرُّوحِ، وَهُوَ مَوْجودٌ بِمِلْئِهِ، وَمَوْجودٌ بِكُلِّ ما فيه. فَليسَتْ هُناكَ جُرْعاتٌ. وأنْتَ لا تَحْصُلُ عليهِ شَيئًا شَيئًا. وَأنْتَ لَسْتَ في حَاجَةٍ إلى أنْ تَقول ما يَقولُهُ البَعْضُ إذْ إنِّي سَمِعْتُ أُناسًا يَقولون: "يا رَبّ، أعْطِني المَزيدَ مِنْ رُوْحِكَ". فَلَيْسَ هُناكَ المَزيد. وَهُوَ لَمْ يَأتِ عَلى دُفْعاتٍ. بَلْ إنَّهُ جَاءَ بِمِلْئِهِ. وَكُلُّ مُؤمِنٍ مَسيحيٍّ يَمْلِكُ الرُّوحَ القُدُس.

والآنْ، انْظُروا إلى 1كورِنثوس 12: 13، وَهِيَ آيَةٌ أُخرى مُهِمَّة تَتَحَدَّثُ عَنِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. رِسالَةُ كورِنثوس الأولى 12: 13. ونَحْنُ نَجِدُ هُنا أيضًا التَّرْكيزَ نَفْسَهُ. وَمَا يُدْهِشُني حَقًّا هُوَ أنْ أَرى أنَّ مُؤمِني كورِنثوس كانُوا مُؤمِنينَ جَسَدِيِّين. فَقَدْ كانَتْ جَسَدِيَّتُهُمْ جَسَدِيَّةً تَخْتَصُّ بالمُؤمِنين. فَقَدْ كانُوا مُؤمِنينَ مَسيحيِّينَ يَعيشونَ كَما لو كانُوا غَيْرَ مُؤمِنينَ مِنْ أَوْجُهٍ عَديدَةٍ. وَأنا مُتَيَقِّنٌ بأنَّ بَعْضًا مِنْهُمْ لَمْ يَكُونوا مُؤمِنينَ أَصْلًا، بَلْ كانُوا يَتَظاهَرونَ بذلك. ولكِنَّهُ يَقولُ لِهؤلاء، مَعَ أنَّهُمْ أُناسٌ خَاطِئونٌ، أوْ حَتَّى مَسيحيُّونَ خَاطِئونَ، إنَّهُ يَقولُ لَهُمْ: "لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، يَهُودًا كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ، عَبِيدًا أَمْ أَحْرَارًا، وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا". إذًا: "وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا". فَجَميعُ المُؤمِنينَ حَصَلوا على الرُّوح. وَجَميعُ المُؤمِنينَ عُمِّدوا في جَسَدِ المَسيح.

واسْمَحُوا لي، يا أحبَّائي، أنْ أَبْتَدِئَ بالقولِ إنَّ مَعْمودِيَّةَ الرُّوحِ هِيَ لَيْسَت اخْتبارًا نَسْعى إليه. فَمَعْمودِيَّةُ الرُّوحِ لَيْسَتْ اخْتِبارِيَّةً. فَأنْتَ لا تَشْعُرُ بها. وَأنْتَ لا تَعْلَمُ أنَّها حَدَثَتْ. وَأنْتَ لا تَسْتَطيعُ أنْ تَخْتَبِرَها. فلا شَيءَ يَحْدُثُ لَكَ بالمَعْنى المَحْسوسِ حينَ يَحْدُثُ ذلكَ لأنَّهُ يَقولُ لَنا هُنا أنَّنا جَميعًا بِروحٍ واحِدٍ اعْتَمَدْنا إلى جَسَدِ المَسيح. فَمَعْمودِيَّةُ رُوحِ اللهِ هِيَ عَمَلٌ يَضَعُكَ الرُّوحُ مِنْ خِلالِهِ في جَسَدِ المَسيحِ عِنْدَما تُؤمِن. فَهَذِهِ حَقيقَةٌ لاهُوتِيَّةٌ، وليسَتِ اخْتبارًا. وَهِيَ عَمَلٌ يَقومُ فيهِ المَسيحُ (أيِ المُعَمِّدُ الحَقيقيُّ)، بِواسِطَةِ الرُّوحِ، بِوَضْعِكَ في الجَسَد. لذلكَ، عِنْدَما تَخْلُص، فإنَّكَ تُوْضَعُ في جَسَدِ المَسيحِ. ثُمَّ نَقرأُ في نِهايَةِ الآيَة: "وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا". وَهَذا يَعني أنَّكَ تَقْبَلُ الرُّوحَ القُدُسَ. فَالآيَةُ تَقولُ هُنا إنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ، وَنَحْنُ جَميعًا قَدِ اعْتَمَدْنا وَأنَّنا سُقِيْنا رُوْحًا واحِدًا. فَلا يُوْجَدُ مُؤمِنٌ مَسيحيٌّ لم يَحْصَلْ على الرُّوح. ولا واحِد. فَنَحْنُ جَميعًا نَمْتَلِكُ الرُّوحَ القُدُسَ.

والآنْ، ارْجِعوا إلى الأصْحاح 6 والعَدَد 19. رِسالَةُ كورِنثوس الأولى 6: 19. فَهُوَ يَتَحَدَّثُ هُنا إلى أهْلِ كورِنْثُوس عَنْ فسْقِهِمِ الأخْلاقِيِّ. فَقَدْ كانُوا يَرْتَكِبونَ الزِّنا، وَكانُوا يَزْنُونَ مَعَ الزَّانِياتِ، وَكانُوا يَفْعَلونَ أُمورًا قَبيحَةً وَشِرِّيرَةً وَقَذِرَةً. وَهُوَ يَقولُ لَهُمْ: "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمونَ؟" وقد نَتَوَقَّعُ مِنْهُ أنْ يَقولَ لَهُمْ: "لِمَ لا تُحْصُلونَ على الرُّوحِ القُدُسِ لِكَيْ تَتَمَكَّنوا مِنْ تَطْهيرِ حَياتِكُمْ؟" ولكِنَّهُ لا يَقولُ ذلك. وَهُوَ لا يَقولُ لَهُمْ: "إنَّ ما تَحْتاجونَ إليهِ أيُّها المُؤمِنونَ المَسيحيُّونَ هُوَ الرُّوحُ القُدُس. حَسَنًا. لو كُنْتُمْ قَدْ حَصَلْتُمْ على الرُّوحِ القُدُسِ لَما وَقَعْتُمْ في هذهِ المُشْكِلَة". لا، فَهُوَ لا يَقولُ ذلك. بل على العَكْسِ. فَهُوَ يَقولُ لَهُمْ: "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ". فَهُوَ يَقولُ: "انْظُروا". وَهُوَ لا يَقولُ: "لو كُنْتُمْ قَدْ حَصَلْتُمْ على الرُّوحِ القُدُسِ لَما تَصَرَّفْتُمْ هَكَذا". بَلْ هُوَ يَقولُ: "يَجْدُرُ بِكُمْ أنْ تَتَوَقَّفوا عَنِ التَّصَرُّفِ بهذهِ الطَّريقَةِ لأنَّكُمْ تُدَنِّسونَ الرُّوحَ القُدُسَ الَّذي يَسْكُنُ فيكُم". أَتَرَوْنَ؟ "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ؟ ألا تَعْلَمونَ أنَّكُمْ تُدَنِّسونَ رُوْحَ اللهِ الَّذي يَسْكُنُ فيكُم؟ وَكَما تَرَوْنَ، فَحَتَّى عِنْدَما يَعيشُ المُؤمِنُ المَسيحيُّ في الخَطِيَّة، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَكونُ سَاكِنًا فيه. أَتَرَوْنَ القَصْدَ؟ فَهُوَ مَوْجودٌ هُناك. ولَكِنَّهُ يَتَدَنَّس. أوْ يُمْكِنُكُمْ أنْ تَسْتَمِعُوا إلى ما جاءَ في رِسالَةِ أَفَسُس 4: 30 إذْ يَقول: "وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ". أوْ ما جاءَ في 1تسالونيكي 5: 19: "لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ". فَأنْتَ قَدْ تُطْفِئُ الرُّوحَ القُدُسَ. وَأنْتَ قَدْ تَسْكُبُ مَاءَ خَطاياكَ على نَارِ قَداسَتِهِ. وَأنْتَ قَدْ تُحْزِنُ الرُّوحَ القُدُسَ.

وبالمُناسَبَة، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ شَخْصٌ وليسَ شَيئًا. فَهُوَ شَخْصٌ. وَهُوَ يَحْزَنُ، ويَتألَّمُ، وَيَتَأثَّرُ بِخَطايانا. وَهُوَ يَتَدَنَّسُ حينَ يَتَدَنَّسُ الهَيْكَلُ، أيْ جَسَدُنا.

وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ يَمْتَلِكُ الرُّوحَ القُدُسَ: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ". وَكُلُّ مُؤمِنٌ يُعَمَّدُ في الجَسَدِ وَيُسْقى الرُّوحَ. وَكُلُّ مُؤمِنٌ هُوَ هَيْكَلُ رُوْحِ اللهِ. وَفي رِسالَةِ غَلاطِيَّة 2: 20 يَتِمُّ التَّعبيرُ عَنْ ذلكَ بِطريقةٍ مُختلفةٍ إذْ يَقول: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا" أيْن؟ "فِيَّ". أَتَرَوْنَ؟ فَرُوْحُ المَسيحِ يَحْيا فِيَّ. انْظُروا إلى إنْجيل يُوحَنَّا والأصْحاح السَّابِع.

وَمَا أَوَدُّ أنْ تَعْرِفوهُ هُوَ أنَّني عِنْدَما فَهِمْتُ هذهِ العَقيدَةَ، كانَ ذلكَ أكْثَرَ حَقٍّ أَدْهَشَني ولا سِيَّما حينَ عِلِمْتُ أنَّ إلَهَ الكَوْنِ، اللهَ الحَيَّ الحَقيقيَّ، اللهَ نَفْسَهُ صَاحِبُ السِّيادَةِ والقُدْرَةِ والجَلالِ، يُمْكِنُ أنْ يَسْكُنَ في جَسَدي. فقد كانَتْ تِلْكَ الحَقيقَةُ مُذْهِلَةً بالنِّسْبَةِ إلَيَّ. ويا لَها مِنْ فِكْرَة! وهذا هُوَ تَمامًا الحَقُّ المُعْلَنُ في العَهْدِ الجَديد. فنحنُ نَقرأُ في إنْجيل يُوحَنَّا 7: 37: "وَفِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ الْعَظِيمِ مِنَ الْعِيدِ وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى قِائِلاً: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ»". والآنْ، مَنْ يَحْصُلُ على أنْهارِ الماءِ الحَيِّ؟ الشَّخْصُ الَّذي يُؤمِنُ، وَكُلُّ مَنْ يُؤمِنُ. فَكُلُّ مَنْ يَأتي قائلًا: "أنا عَطْشانٌ وَأريدُ أنْ أَشْرَب" وَيَقْبَلُ المَسيحَ، يَحْصُلُ على الأنْهارِ. وَما هِيَ أنْهارُ المَاءِ؟ نَقرأُ في العَدَد 39: "قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ".

تَوَقَّفوا هُناك. فَمَنْ يَحْصُلُ على الرُّوحِ؟ الَّذي ماذا؟ يُؤمِن. أَتَرَوْنَ؟ إنَّهُ، ببَساطَةٍ، الإيمانُ المُخَلِّصُ الَّذي يُعْطيكَ الرُّوحَ القُدُسَ. فَهُوَ يَصيرُ نَهْرَ مَاءٍ حَيٍّ. وَهُوَ يَسْكُنُ دائِمًا في حَياتِكُمْ. وَلا يُمْكِنُكُمْ يَوْمًا أنْ تَخْسَروا ذلك. فالرُّوحُ يَسْكُنُ دائِمًا في حَياةِ المُؤمِن. لذلكَ، اسْمَعوني جَيِّدًا: لِذلكَ فإنَّهُ مِنْ بَيْنِ كُلِّ وَصَايا العَهْدِ الجَديدِ (وَهِيَ وَصَايا كَثيرَة جِدًّا)، مِنْ بَيْنِ جَميعِ وَصايا العَهْدِ الجَديدِ، اسْمَعوا هَذا: ليسَتْ هُناكَ وَصِيَّة بأنْ تَعْتَمِدوا بالرُّوح. البَتَّة. البَتَّة. فَهُناكَ سَبْعَةُ شَواهِدَ تُشيرُ إلى مَعْمودِيَّةِ الرُّوحِ في العهدِ الجَديد. ولَكِنَّ أيًّا مِنْها لا يَرِدُ بِصيغَةِ الأمْر، ولا واحِدَة مِنْها يَرِدُ كَوَصِيَّة. فَالعَهْدُ الجَديدُ لا يُوْصيكَ البَتَّة بأنْ تَعْتَمِدَ بالرُّوحِ لأنَّ المَعموديَّةَ بالرُّوحِ تَحْدُثُ عِنْدَما تُوْضَعَ في جَسَدِ المَسيحِ. وَهَذا يَحْدُثُ في اللَّحْظَةِ الَّتي تَخْلُصُ فيها.

ثانيًا، لا تُوْجَد وَصِيَّة في أيِّ مَكانٍ في العهدِ الجَديدِ بأنْ يَسْكُنَ الرُّوحُ فيك. البَتَّة. فَهَذا أيْضًا وَعْدٌ مَضْمونٌ في الأصْل. وليسَتْ هُناكَ وَصِيَّة بأنْ تُخْتَمَ بالرُّوحِ أوْ بأنْ تَضْمَنَ خَلاصَكَ لأنَّ هَذا أيضًا هِبَة مِنَ الله. فنحنُ نَقرأُ في أَفَسُس 1 أنَّنا خُتِمْنا أصْلًا، وَأنَّنا اعْتَمَدْنا أصْلًا، وَأنَّ الرُّوحَ سَكَنَ فينا أصْلًا. فَهَذِهِ الأمورُ ليسَتْ وَصايا. ولكِنَّ الوَصِيَّةَ هِيَ هذهِ في أَفَسُس 5: 18: "امْتَلِئُوا" بِماذا "بِالرُّوحِ". وهذا أمْرٌ مُخْتَلِفٌ. فَالحَديثُ هُنا هُوَ ليسَ عَنْ سُكْنى الرُّوحِ، ولا عَنْ مَعموديَّةِ الرُّوحِ، ولا عَنْ خَتْمِ الرُّوحِ، بَلْ عَنِ الامْتِلاءِ بالرُّوحِ. وَقَدْ تَقول: "حَسَنًا، ولكِنْ ما مَعْنى ذلك؟"

في المَقامِ الأوَّل، إنَّ هَذا يُناقِضُ تَمامًا مَا كانَ الوَثَنِيُّونَ يَفْعَلونَهُ، وَحالَةَ النَّشْوَةِ الَّتي كَانَ الوَثَنِيُّونَ يَشْعُرونَ بِها. ولكِنَّ الفِعْلَ يَعْني مَا يَلي. واسْمَحوا لي أنْ أُفَسِّرَ لَكُمْ مَعْنى الفِعْلِ حَرْفِيًّا. ثُمَّ سَأُبَيِّنُ لَكُمْ كَيْفَ يُسْتَخْدَم. فَهُوَ يَرِدُ بِصيغَةِ المُضارِعِ المَبْني للمَجْهول هَكَذا: "امْتَلأوا بالرُّوحِ". والفِكْرَةُ هُنا هِيَ: "اسْتَمِرُّوا في الامْتِلاءِ بالرُّوح". لذلكَ، لا يَجوزُ أنْ تَقول: "أنا مُمْتَلِئٌ بالرُّوحِ. وَقَدِ اكْتَفَيْتُ. فَأنا مُمْتَلِئٌ إلى آخِرِ يَوْمٍ في حَياتي". فالمَعْنى هُنا هُوَ: اسْتَمِرُّوا في الامْتِلاءِ، لَحْظَةً بَعْدَ لَحْظَة، بَعْدَ لَحْظَة. أَتَرَوْن؟ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، بَعْدَ يَوْمٍ، بَعْدَ يَوْمٍ بَعْدَ يَوْم. فَهُوَ لَيْسَ أمْرًا يَحْدُثُ مَرَّةً فقط. وَهُوَ لَيْسَ أَمْرًا يَحْدُثُ الآنَ، ثُمَّ بَعْدَ حِيْن، ثُمَّ في السَّنةِ القادِمَة. بل إنَّهُ امْتِلاءٌ لَحْظَةً بَعْدَ لَحْظَةٍ، بَعْدَ لَحْظَةٍ، بَعْدَ لَحْظَةٍ، بَعْدَ لَحْظَة. أَتَرَوْن؟ اسْتَمِرُّوا بالامْتِلاءِ دائِمًا. وَهُوَ فِعْلٌ يَرِدُ بِصيغَةِ المَبْني للمَجْهول. فَهُناكَ مَا يَمْلأُكَ لأنَّكَ لَسْتَ مَنْ يَمْلأُ نَفْسَكَ. بَلْ أنْتَ مَنْ يَقَعُ عَلَيْكِ الفِعْل. والفاعِلُ هُوَ رُوْحُ اللهِ. فَرُوحُ اللهِ هُوَ الَّذي يَمْلأُكَ. وَهُوَ فِعْلٌ يَرِدُ بِصيغَةِ المُضارِعِ مُفيدًا الاسْتِمراريَّةَ. أيْ أنْ تَسْتَمِرَّ في الامْتِلاءِ مِنْ رُوْحِ اللهِ.

فَقَدْ يَتِمُّ تَعْميدُكَ في الجَسَدِ، وَقَدْ يَسْكُنُ فيكَ الرُّوْحُ، وَقَدْ تُخْتَمُ بِواسِطَةِ الرُّوحِ إلى يومِ الفِداءِ، ولكِنْ هَلْ تَعْرِفُ شَيئًا؟ قَدْ تَعيشُ حَياتَكَ مَهْزومًا إنْ لم تَعْرِفْ مَعْنى أنْ تَخْتَبِرَ لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ الامْتِلاءَ المُسْتَمِرَّ والمُتواصِلَ مِنْ رُوْحِ اللهِ. فالفعِلُ يُعَبِّرُ عَنْ فِكْرَةِ الامْتِلاءِ لَحْظَةَ بَعْدَ الأُخرى، والعَمَلِ المُسْتَمِرِّ. فَهُوَ لَيْسَ شَيئًا آخَرَ قَدْ يَكونُ مُفيدًا لَكَ لِبَقِيَّةِ حَياتِكَ. فامْتِلائي بالرُّوحِ قَبْلَ خَمْسِ دَقائِق ليسَ مُفيدًا لي في هَذِهِ اللَّحْظَةِ. أبدًا. وامْتِلائي بالرُّوحِ غَدًا ليسَ مُفيدًا لي اليوم. فَهُوَ امْتِلاءٌ لَحْظَةً بَعْدَ لَحْظَةٍ بَعْدَ لَحْظَة.

والآنْ، عِنْدَما تُفَكِّرْ في الامْتِلاء فإنَّكَ تُفَكِّرُ في كَأسٍ تَمْلأُها كَما تَعْلَم، أوْ في صُنْدوقٍ تَضَعُ الأشياءَ فيه، أوْ في وِعاءٍ تَضَعُ الأشْياءَ فيه. ولكِنَّ الفِكْرَةَ هُنا مُختلفة. واسْمَحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ ثلاثَةَ أفْكارٍ بِهَذا الخُصوص. فالكَلِمَة "بليرؤو" (pleroo) تُسْتَخْدَمُ لِوَصْفِ رِيْحٍ تَمْلأُ الشِّراعَ وَتَدْفَعُ الشِّراعَ إلى الخَارِج وَتُحَرِّكُ السَّفينَةَ إلى الأمام. فَعِنْدَما نَقولُ إنَّ الرِّياحَ تَدْفَعُ الأشْرِعَةَ فإنَّ هَذا هُوَ ما كانَ يُفَكِّرُ فيهِ بولُسُ: أيْ كَأنَّ السَّفينَةَ مَحْمولَة. وَكَأنَّنا مَحْمولون. وَهذهِ فِكْرَةٌ جَميلَة. أيْ أنْ تَكونَ مَدْفوعًا، وَأنْ تَكونَ القُوَّةُ المُحَرِّكَةُ لِحَياتِكَ، والطَّاقَةُ الَّتي تُسَيِّرُ حَياتَكَ، والقُوَّةُ الدَّافِعَةُ لِحَياتِكَ هِيَ قُوَّةُ رُوْحِ اللهِ. بعبارةٍ أُخرى، ألَّا تَتَحَرَّكَ بِطاقَتِكَ أنْتَ، وألَّا تَتَحَرَّكَ بِجَسَدِكَ أنْتَ، وَألَّا تَتَحَرَّك بِأفْكارِكَ أنْتَ، وَألَّا تَتَحَرَّكَ بِمَبادِئِكَ أنْتَ، وألَّا تَسيرَ بِمَشيئَتِكَ أنْتَ، بَلْ أنْ تُحْمَلَ حَيْثُ تَقودُكَ رِياحُ رُوْحِ اللهِ. فأنْتَ مَحْمولٌ على طُوْلِ الطَّريقِ الَّذي يَسيرُ هُوَ فيه. وَهُوَ بِمَعْنىً مَا يُشْبِهُ ما قيلَ عَنْ كُتَّابِ الكِتابِ المُقَدَّسِ الَّذينَ كانوا مَسُوقينَ مِنْ رُوْحِ اللهِ.

بِعِبارَةٍ أُخرى، كَأنَّكَ عَصَا خَشَبِيَّة تَطْفو على وَجْهِ نَهْرٍ. فهل سَبَقَ لَكْ أنْ رَاقَبْتَ عَصا تَطْفو؟ فحينَ كُنْتَ صَبِيًّا صَغيرًا، كُنْتَ تُلْقي عَصا في النَّهْرِ وَتَرْكُضُ بِمُحاذاةِ النَّهْرِ لِتُراقِبَها. وَأنْتَ تَسيرُ بِرُوحِ اللهِ وَتَنْدَفِعُ كَما يَنْدَفِعُ القارِبُ الشِّراعِيُّ بِواسِطَةِ الرِّيح. وهذهِ هِيَ الفِكرةُ الأولى. أيْ أنْ تَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ وَتَسْلُكَ مِنْ يَوْمٍ إلى يَوْمٍ وَمِنْ لَحْظَةٍ إلى لَحْظَةٍ، وَمِنْ مَشروعٍ إلى مَشروعٍ، وَمِنْ فِكرةٍ إلى فِكْرَة، وَمِنْ كَلِمَة إلى كَلِمَة، وَمِنْ عَمَلٍ إلى عَمَلٍ بِقُوَّةٍ وَطاقَةِ رُوْحِ اللهِ. لذلكَ فإنَّ هذا الفِعْلَ يَحْمِلُ فِكْرَةَ القُوَّةِ الدَّافِعَةِ الَّتي تَحْمِلُكَ وَتُسَيِّرُكَ في مَشيئَةِ اللهِ.

وَهُناكَ فِكرةُ ثانِيَةٌ وَهِيَ فِكْرَةُ التَّغَلْغُلُ وَالنَّفاذ. فالفِعْلُ "بليرِئُو" (pleroo) يُسْتَخْدَمُ أحْيانًا لِوَصْفِ شَيءٍ يَمْتَلِكُ خَاصِّيَّةَ النَّفاذِ. وَأعتقدُ أنَّ المِلْحَ مَثَلٌ جَيِّدٌ على ذلك. فالحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ يَنْفَذُ جَيِّدًا جِدًّا حَتَّى إنَّكَ إنْ وَضَعْتَ كَمِيَّةً كافِيَةً مِنْهُ على شَيءٍ مَا فإنَّهُ يَحْفَظُهُ. أليسَ كذلك؟ ولكِنْ عندما تَرْغَبُ في أكْلِ شَيءٍ وَتَضَعُ مِلْحًا عليه، فإنَّهُ يُعْطيهِ مَذاقًا مُسْتَساغًا. فَهُوَ يَنْفَذُ إلى الشَّيْءِ بِمُجْمَلِهِ فَيَصيرُ ذلكَ الشَّيءُ مَالِحًا. كذلكَ، فقدِ اعْتَدْتُ على اسْتِخْدامِ "المَسْحوقِ الفَوَّارِ" كَمَثَلٍ تَوضيحِيٍّ. وَإنْ كُنْتُمْ قَدْ قَرَأتُمْ كُتَيِّبي الَّذي يَحْمِلُ العُنْوان: العُثورُ على مَشيئَةِ اللهِ (Found: God’s Will)، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّكُمْ قَرَأتُمْ عَنْ مَبْدَأِ "المَسْحوقِ الفَوَّار". ولا شَكَّ أنَّكُمْ تَعْرِفونَ المَساحيقَ الفَوَّارَة. فَهِيَ تُباعُ في أكْياسٍ أوْ في عُلَبٍ مُختلفةِ الأحْجامٍ وَيَصْنَعونَها بِنَكْهَةِ العِنَبِ أوِ البُرْتُقالِ أوِ الشَّعيرِ أوِ الكَرَزِ وَغَيْرِ ذلك. ويَكْفي أنْ تَضَعَ كمِيَّةً صَغيرةً مِنْ ذلكَ المَسْحوقِ في كَأسِ مَاءٍ لِيَفورَ المَاءَ وَيَمْتَلِئَ الكَأسُ بِمَحْلولٍ بِتِلْكَ النَّكْهَة. وهذا هُوَ النَّفاذُ. فأنْتَ تَضَعُ مَسْحوقًا بِنَكْهَةِ العِنَبِ في المَاءِ فَيَصيرُ طَعْمُ المَاءِ في الكَأسِ شَبيهًا بِعَصيرِ العِنَب. فَهذا المَسْحوقُ يُعْطي الماءَ نَكْهَةً. والفِعْلُ "بليرِئُو" (pleroo) يُسْتَخْدَمُ بِهذا المَعنى.

فَبِمَعْنى مِنَ المَعاني فإنَّ رُوْحَ اللهِ يُريدُ أنْ يُعْطي حَياتَكَ نَكْهَةً لكي تَصيرَ شَبيهًا بِروحِ اللهِ، ولكي تَفوحَ مِنْكَ رائِحَةُ اللهِ عِنْدَما يَقْتَرِبُ النَّاسُ مِنْكَ فَيَكونُ الوُجودُ مَعَكَ شَبيهًا بالوُجودِ مَعَ اللهِ. لذلكَ فإنَّ هذا الفِعْلَ يَحْمِلُ فِكْرَةَ دَفْعِكَ وَتَسْييرِكَ، ويَحْمِلُ فِكْرَةَ النَّفاذِ والتَّغَلْغُلِ حَتَّى إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَتَعامَلونَ مَعَكَ يَشْعُرونَ بأنَّهُمْ يَتَعامَلونَ مَعَ يَسوعَ لأنَّهُ يُعْطي حَياتَكَ نَكْهَةً خَاصَّةً. ولكِنَّ الفِكْرَةَ المُهَيْمِنَةَ هُنا، في ذِهْني، في ضَوْءِ ما جاءَ في الإنْجيلِ بِصُورَةٍ خاصَّةٍ، فإنَّ الاسْتِخْدامَ الأبْرَزَ للفِعْل "بليرِئُو" يُشيرُ إلى السَّيْطَرَة. فَهُوَ يُشيرُ إلى السَّيطرةِ الكامِلَة. فهذهِ هِيَ الفِكْرَة. فَقَدْ فَهِمْتُمْ فِكرةَ القُوَّةِ الدَّافِعَةِ. وَقَدْ فَهِمْتَ فِكرةَ التَّغَلْغُلِ أوِ النَّفاذ. ولكِنَّ السَّيْطرَةَ هِيَ المِفْتاحُ.

وَلْنَرَ إنْ كُنْتُ سَأتَمَكَّنُ مِنْ تَوْضيحِ ذلكَ لَكُمْ. فحينَما يُريدُ أَحَدُ كُتَّابِ الأناجيلِ أنْ يَتَحَدَّثَ عَنْ شَخْصٍ تُسيطِرُ عليهِ عَاطِفَةٌ مَا، فإنَّهُ يَسْتَخْدِمُ الفِعْلَ "بليرِئُو" المُسْتَخْدَم هُنا. بعبارةٍ أُخرى، فإنَّنا نَقرأُ في إنْجيل يُوحَنَّا 16: 6: "قَدْ مَلأَ الْحُزْنُ قُلُوبَكُمْ". بِمَعْنًى آخَر، فَقَدْ كانَ حُزْنُهُمْ عَميقًا جِدًّا حَتَّى إنَّهُ كانَ مِنَ الصَّعْبِ أنْ يُوازَنَ بالفَرَحِ. لذلكَ فقد كانَ الحُزْنُ مُسَيْطِرًا تَمامًا عَليهم.

والآنْ، اسْمَحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ مَثَلًا تَوضيحيًّا لمُساعَدَتِكُمْ على فَهْمِ هذا المَعنى. ففي أغلبِيَّةِ الأحْيانِ، يُمْكِنُنا أنْ نُوازِنَ الأشياءَ في حَياتِنا. أليسَ كذلك؟ فلنأخُذ فِكْرَةَ الحُزْنِ. فَنَحْنُ قَدْ نَضَعُ بَعْضَ الحُزْنِ في كَفَّةِ المِيزانِ هَذِهِ، وبَعْضَ الفَرَحِ في كَفَّةِ المِيزانِ الأُخرى. أليسَ كذلك؟ وَنَحْنُ نَمْضي في الحَياةِ فَنَشْعُرُ بالحُزْنِ حِيْنًا، ثُمَّ نُفَكِّرُ في شَيءٍ مُفْرِحٍ. أَتَرَوْن. أوْ قَدْ نَقول: "إنَّ الأُمورَ لا تَسيرُ على ما يُرام في البيت. أعتقدُ أنِّي سأذهبُ إلى المَكتب. فَهُوَ أفْضَل". أوْ "إنَّ الأحوالَ في المَكْتَبِ لا تَسيرُ على ما يُرام. لذلكَ أَعتقدُ أنِّي سَأذهَبُ إلى البَيْت". أَتَرَوْن؟ فَنَحْنُ نُوازِنُ الأُمورَ. فَكَما تَعْلَمونَ، نَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنِ أُمُورٍ مُحْزِنَةٍ. ونحنُ لا نُريدُ أنْ نَتَحَدَّثَ عَنْها أكْثَرَ مِنْ ذلك. لذلكَ فإنَّنا نَقول: "لِنَتَحَدَّثْ عَنْ مَوْضوعٍ مُفَرِّح". أَتَرَوْن؟ ولكِنْ بينَ الحِيْنِ والآخَر، قَدْ نَعْجَزُ عَنِ الحِفاظِ على ذلكَ التَّوازُن. أَتَعْلَمونَ ذلك؟ فالشَّخصُ الأعَزُّ على قُلوبِنا ماتَ. فيا للمَأساة! أَتَرَوْن؟ وفَجأةً فإنَّ المِيزان يَنْزِلُ إلى أسْفَل في جانِبِ الحُزْنِ ولا يُمْكِنُ لأيِّ شَيءٍ قَدْ يَقولُهُ أيُّ شَخْصٍ أوْ أيِّ شَيْءٍ قَدْ يَفْعَلُهُ أيُّ شَخْصٍ أنْ يُزيلَ هذا الحُزْنَ. فَهُوَ طَاغٍ. وَهُنا تُسْتَخْدَمَ تلكَ الكَلِمَة. فَهُوَ مُسيطِرٌ تَمامًا.

مِنْ جِهَةٍ أُخرى، فإنَّ حَياتَكَ تَسيرُ على ما يُرام، والسَّعادَةُ في هَذِهِ الكَفَّةِ والحُزْنُ في تلكَ الكَفَّةِ. وعِنْدَما تَموتُ العَمَّةُ وَتَتْرُك لَكَ خَمْسينَ ألْفًا، فإنَّ كَفَّةَ الفَرَحِ تَرْتَفِعُ أكْثَر فلا تُبالي بِمَوْتِها. "لا يَهُمُّني مَا قَدْ يَحْدُثُ في العالَمِ. فَقَدْ وَرثْتُ خَمْسينَ ألْفًا". أَتَرَوْن؟ فأنْتَ لم تَكُنْ تَتوقَّعُ ذلك. وفجأةً فَإنَّ السَّعادَةَ تَغْمُرُكَ. وهذا هُوَ المَقْصودُ بهذهِ الكَلِمَة. فالفَرَحُ يَغْمرُكَ وَلا حَاجَةَ لأيِّ شَيءٍ لِمُوازَنَةِ ذلك. فَقَدْ تَحْدُثُ أُمورٌ مُحْزِنَةٌ جِدًّا مِنْ حَوْلِكَ ولكِنَّكَ لا تُبالي بِها لأنَّكَ سَعيدٌ. وَهَكَذا هِيَ الحَياةُ. أَتَعْلَمونَ ذلك؟ فَقَدْ تَكونُ هُناكَ أُمورٌ تُعْطينا شُعورًا بالأمانِ، وأُمورٌ أُخرى تُخيفُنا وَتُرْعِبُنا. ولكِنَّنا نَمْضي قُدُمًا. ثُمَّ يَحْصُلُ الزَّوْجُ على عَلاوَةٍ، وَنَشْتَري مَنْزِلًا جَديدًا، والأبناءُ على ما يُرام فَيَغْمُرُنا الشُّعورُ بالأمان.

مِنْ جِهَةٍ أُخرى، قَدْ تَحْدُثُ بَعْضُ الكَوارِثِ والأمورِ المُريعَةِ فَنَرْتعِبُ جِدًّا. فَكما تَعْلَمونَ، قَدْ يَكونُ اللَّيْلُ قَدِ انْتَصَف فَتَرى شَخْصًا مِنْ وَراءِ النَّافِذِةِ يُحاوِلُ أنْ يَدْخُلَ المَنْزِل. أَتَرى؟ وَكَما تَعْلَمونَ، فإنَّ الخَوْفَ يَطْغى عَليكَ. وَهُنا يُسْتَخْدَمُ الفِعْل "بِليرِئُو" لأنَّهُ شُعورٌ طَاغٍ وَلا يُمْكِنُ مَعَهُ الحِفاظُ على تَوازُنِنا. فَأنْتَ تَفْقِدُ القُدرةَ على ذلك. وَأنْتَ تَفْقِدُ تَوازُنُكَ. فَهُناكَ شَيءٌ يُسَيْطِرُ على تَفكيرِكِ وَمَشاعِرِكَ.

والشَّيءُ نَفْسَهُ يَصحُّ على حَياتِنا المَسيحيَّةِ. فَنَحْنُ نَعيشُ بهذهِ الطَّريقَةِ: بَعْضُ الاتِّكالِ على الذَّاتِ هُنا، وبَعْضُ الاتِّكالُ على الرُّوحِ القُدُسِ هُناك. وَنَحْنُ نَقولُ إنَّنا سَنَفْعَلُ هذا الأمْرِ لأجْلِنا، وَإنَّنا سَنَفْعَلُ ذلكَ الأمْرِ لأجْلِ الرُّوحِ القُدُس. فَنَحْنُ نَعيشُ هَكَذا. ولكِنْ فَجأةً، وفي وَقْتٍ مَا مِنْ حَياتِنا، فإنَّنا نَخْضَعُ لِروحِ اللهِ. وَحِينئذٍ فإنَّ الاتِّكالَ على الذَّاتِ يَخْتَفي فَنَجِدُ أنَّنا امْتَلأنا مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وعِندئذٍ يَصيرُ هُوَ المُسَيْطِرُ على كُلِّ شَيءٍ: على عَواطِفِنا، وعلى أفْعالِنا الإرادِيَّةِ، وَعلى طَريقَةِ تَفْكيرِنا. وهذا هُوَ مَعْنى الامْتِلاء بالرُّوح. أَتَرَوْن! فهذا هُوَ لُبُّ الأمْرِ. فَهذا الفِعْلُ يَحْمِلُ مَعْنى القُوَّةِ المُحَرِّكَةِ، وَيَحْمِلُ فِكْرَةَ النَّفاذِ لكي نَحْصُلَ على نَكْهَة يَسوعَ المَسيحِ، وَهُوَ يَحْمِلُ أيْضًا فِكْرَةَ أنْ يَكونَ الرُّوحُ مُسَيْطِرًا وَمُهَيْمِنا بِقُوَّة علينا.

واسْمَحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ مَثَلًا تَوضيحِيًّا. انْظُروا إلى إنْجيل مَتَّى 4: 1. فَنَحْنُ نَقرأُ في إنْجيل مَتَّى 4: 1: "ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ". ونَرى هُنا أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ كانَ يَعْمَلُ في حَياةِ يَسوع، وَأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ قَادَ يَسوع. لقَدْ قَادَ يَسوع. حَسَنًا؟ والآنْ، لِنَذْهَبْ إلى إنْجيل لوقا 4: 1. فَقَدْ قادَ يَسوعُ في مَتَّى 4: 1 إلى التَّجْرِبَة. ونَقْرَأُ في إنْجيل لوقا 4: 1 عَنِ الحَادِثَةِ نَفْسِها، أيْ عَنِ تَجْرِبَةِ يَسوعَ، وَعَنِ المَوقفِ نَفْسِهِ، ولكِنَّنا نَقْرَأُ هُنا (والآنْ لاحِظوا ما كُتِبَ هُنا): "أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ". والآنْ، مَا الحَالَةُ التي قادَهُ الرُّوحُ بِها؟ لَقَدْ كانَ ماذا؟ "مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ القُدُس". هَلْ تَرَوْنَ مَعْنَى الامْتِلاءِ بالرُّوح؟ إنَّهُ يَعْني أنْ تَنْقادَ بالرُّوحِ القُدُس، وَأنْ يَكونَ الرُّوحُ القُدُسُ مُهَيْمِنًا عَليكَ.

والآنْ، إذا ذَهَبْتَ إلى الأصْحاحِ الأوَّلِ مِنْ إنْجيل مَرْقُس ... مَرْقُس 1، سَتَجِدُ أنَّ النَّصَّ يَصِفُ الحادِثَةَ نَفْسَها، أيْ تَجْرِبَةَ يَسوع. وَنَحْنُ نَقرأُ في إنْجيل مَرْقُس 1: 12: "وَلِلْوَقْتِ" ثُمَّ يَسْتَخْدِمُ مَرْقُس الكَلِمَة "إكْبَالُو" (ekballo) – "أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ". والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ هذهِ الكَلِمَةَ قَوِيَّة. فَقَدْ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إلى البَرِّيَّةِ. فَقَدْ دَفَعَهُ إلى البَرِيَّةِ. بِعِبارَةٍ أُخرى، فقد كانَ يَسوعُ نَفْسُهُ تَحْتَ قُوَّةِ رُوْحِ اللهِ حَتَّى إنَّ رُوْحَ اللهِ دَفَعَهُ حَرْفِيًّا إلى المَكانِ الَّذي أَرادَ مِنْهُ أنْ يَذهبَ إليه. فَقَدْ كانَ تَحْتَ سَيْطَرَةِ رُوحِ اللهِ. لذلكَ فإنَّنا نَقْرَأُ لاحِقًا أنَّ قادَةَ اليَهودِ جَاءُوا إلى يَسوعَ وقالوا لَهُ: "إنَّكَ تَفْعَلُ مَا تَفْعَل بِقُوَّةِ الشَّيْطان". ولَكِنَّهُ قالَ لَهُمْ: "أنْتُمْ تُجَدِّفونَ لا عَلَيَّ أنا، بل على مَنْ؟" "عَلَى الرُّوحِ القُدُس". لِماذا؟ لأنَّهُ كانَ قَدْ سَلَّمَ دَفَّةَ حَياتِهِ لِسُلْطانِ رُوْحِ اللهِ. وَقَدْ كَانَ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ. لهذا فإنَّنا نَقْرَأُ أنَّهُ كانَ مَدْفوعًا مِنَ الرُّوحِ.

اسْمَعوا: إنَّ الامْتِلاءَ بالرُّوحِ، يا أحِبَّائي، يَعْني الشَّيءَ نَفْسَهُ. فَهُوَ يَحْمِلُ نَفْسَ فِكْرَةِ الانْقيادِ بِروحِ اللهِ، والتَّحَرُّكِ بِواسِطَةِ رُوْحِ اللهِ، والتَّعَرُّضِ لِنَفاذِ رُوْحِ اللهِ، والخُضوعِ لِهَيْمَنَةِ رُوْحِ اللهِ. فهذا هُوَ المَقْصودُ. وَهَذا هُوَ ما نَتَحَدَّثُ عَنْهُ. فنحنُ نَتحدَّثُ عَنْ أنْ تَحْيا حَياتَكَ تَحْتَ هَيْمَنَةِ رُوْحِ اللهِ. فَهُوَ يَسْكُنُ فيكَ. وَإنْ لم تَكُنْ تَحْيا بهذهِ الطَّريقَةِ، فإنَّكَ تُحْزِنُهُ مِنْ جِهَة، وَتُطْفِئُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخرى. فأنْتَ تُحْزِنُهُ بِمَعْنى أنَّهُ يَشْعُرُ بالحُزْنِ حَقًّا. وَأنْتَ تُطْفِئُهُ بِمَعْنى أنَّكَ تَضَعُ قُيودًا على ما يَوَدُّ أنْ يَفْعَلَهُ. لذلكَ فإنَّكَ تَتَعامَلُ مَعَهُ شَخْصِيًّا بِطَريقَةٍ سَلْبِيَّةٍ، وَتَتَعامَلُ مَعَ مَقاصِدِهِ بِطَريقَةٍ سَلبيَّةٍ أيضًا. وبالمُناسَبَة، مَا لَمْ تَمْتَلِئ مِنْ رُوْحِ اللهِ فإنَّكَ لَنْ تَكونَ نَافِعًا.

وقدِ اعْتَدْتُ عَلى اسْتِخْدامِ "القُفَّازِ" لِتَوضيحِ الفِكْرَة. فإنْ كانَ لَدَيَّ قُفَّازٌ هُنا وَقُلْتُ: "أيُّها القُفَّازُ، اذْهَبْ واعْزِفْ على البيانو"، مَا الَّذي سَيَفْعَلُهُ القُفَّازُ؟ إنَّ القُفَّازَ لَنْ يَعْزِفُ على البيانو، بل إنَّهُ سَيَبْقى في مَكانِهِ. ولكِنْ إنْ وَضَعْتُ يَدي في القُفَّازِ وَعَزَفْتُ على البيانو، مَا الَّذي سَيَحْدُثُ؟ سَتَحْدُثُ كَارِثَة! فَأطْوَلُ قِطْعَةٍ مُوسيقِيَّةٍ عَزَفْتُها يومًا هِيَ "مارش أوف ذا وي فولك" (March of the Wee Folk). أتَعْلَمونَ هذا؟ هَذِهِ هِيَ المَقطوعةُ الوَحيدَة. وقد تَرَكْتُ دُروسَ المُوسيقَى بعدَ الدَّرْسِ الأوَّل واتَّجَهْتُ إلى البيسبول. ولكِنَّكُمْ تَعْلَمونَ ما يَفْعَلُهُ القُفَّازُ. فأنْتَ تَضَعُ يَدَكَ في القُفَّازِ فَيَذْهَبُ القُفَّاز. فَهُوَ لا يُحاوِلُ أنْ يَكونَ مُطيعًا بأنْ يَقول: "أَرِني أيَّتُها الأَصابِعُ الطَّريقَ". فَهُوَ لا يَفْعَلُ ذلك. وَالقُفَّازُ لا يُقاوِمُكَ ولا يَجْعَلُكَ تَقولُ لَهُ: "أيُّها القُفَّازُ، أرْجو مِنْكَ أنْ تَذْهَب". لا! فالقُفَّازَ يَذْهَبُ وَحَسْب.

وَبِصِفَتِكَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا، أنْتَ قُفَّازٌ. وَيُمْكنُكَ أنْ تَبْقى جَالِسًا في مَكانِكَ وَأنْ تَتَذَمَّرَ إلى أنْ تَموت، ولكِنَّ ذلكَ لَنْ يُؤثِّرَ في أيِّ شَيءٍ يَخْتَصُّ باللهِ مَا لَمْ تَمتلئ بِروحِهِ. فَكما أنَّ القُفَّازَ لا يَسْتَطيعُ أنْ يَفعلَ أيَّ شَيءٍ مِنْ دُوْنَ اليَدِ، فإنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تَفعلَ أيَّ شَيءٍ مِنْ دُوْنَ الطَّاقَةِ الَّتي تَحْصُلُ عليها مِنَ الامْتِلاءِ مِنَ الرُّوح. فَكُلُّ ما تُحاوِلُ أنْ تَفْعَلَهُ بِقُوَّتِكَ إنَّما تَقومُ بِهِ في الجَسَدِ؛ وَهَذا عَقيمٌ. وَهُوَ في أَفْضَلِ الأحوالِ: قَشٌّ لا قِيْمَةَ لَهُ. فَهُوَ ليسَ ذَهَبًا، ولا فِضَّةً، ولا حِجَارَةً كَريمَةً. لذلكَ فإنَّ ما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ هُنا هُوَ أنَّكَ بِحاجَةٍ إلى الامْتِلاءِ بِروحِ اللهِ لكي تَكونَ فَاعِلًا. فلكي تَسْلُكَ كَما يَحِقُّ، ولكي تَسْلُكَ في المَحَبَّةِ، وفي النُّورِ، وفي الحِكْمَةِ، ولكي تَفْعَلَ أيَّ شَيْءٍ لأجْلِ اللهِ، ولكي تَفْعَلَ ما تَدْعو إليهِ الحِكْمَةُ، يجبُ عليكَ أنْ تَمْتَلِئَ بِروحِ اللهِ. ويجبُ عليكَ أنْ تَسْمَحَ لِشَخْصِهِ أنْ يَنْفَذَ إليكَ. ويجبُ عليكَ أنْ تَكونُ مُنْسَاقًا بِقُوَّتِهِ. ويجبُ أنْ تَسْمَحَ لِحُضورِهِ بأنْ يُهَيْمِنَ عليكَ.

والآنْ، اسْمَحوا لي أنْ أُرِيَكُمْ شَيئًا. فَكَما رَأيْتُمْ، ما لَمْ تَكونوا هَكذا، فإنَّكُمْ سَتَكونونَ عَديمي الفائِدَةِ للرَّبِّ. وَما أَعْنيهِ هُوَ أنَّهُ لَنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ القِيامِ بأيِّ شَيءٍ في حَياتِكُمْ. فَكُلُّ المُحاوَلاتِ هِيَ هَدْرٌ للوَقْتِ. فالسُّلوكُ في الجَسَدِ لا يَنْتُجُ عَنْهُ أيُّ شَيءٍ. وعندَما يُريدُ اللهُ أنْ يُنْجِزَ عَمَلًا ما، فإنَّهُ يَعْهَدُ بِهِ إلى شَخْصٍ مُمْتَلِئٍ بالرُّوح. فنَحْنُ نَقرأُ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل 6: 5 أنَّهُمْ كانُوا في حَاجَةٍ إلى بَعْضِ الرِّجالِ للقيامِ بِعَمَلٍ مُعَيَّن. ومَاذا كانَتْ مُواصَفاتُ هَؤلاء؟ أعْمال الرُّسُل 6: 5: "فَحَسُنَ هذَا الْقَوْلُ أَمَامَ كُلِّ الْجُمْهُورِ، فَاخْتَارُوا اسْتِفَانُوسَ، رَجُلاً مَمْلُوًّا مِنَ الإِيمَانِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ". فَقَدِ اخْتاروهُ لأنَّهُ كانَ مَمْلُوًّا مِنَ الإيمانِ وَمَمْلُوًّا مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وَنَقْرَأُ في الأصْحاحِ السَّابِعِ والعَدَد 55: "وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ".

يَا للرَّوْعَة! فيُمْكِنُني أنْ أقولَ لَكُمْ إنَّ الامْتِلاءَ بالرُّوحِ القُدُسِ يَأخُذُكُمْ خَارِجَ هذا العَالَمِ. أليسَ كذلك؟ فالامْتلاءُ بالرُّوحِ القُدُسِ يَمْنَحُكُمُ القُدْرَةَ على مُعايَنَةِ اللهِ. والامْتِلاءُ بالرُّوحِ القُدُسِ يَفْصِلُكُمْ عَنْ هذا النِّظامِ. والامْتِلاءُ بالرُّوحِ القُدُسِ يَعْني أنْ أَتَوَقَّفَ عَنِ المُبالاةِ بِنَفْسي طَالَما أنَّهُ هُوَ يَتَمَجَّد. فقَدْ نَظَرَ إلى السَّماءِ فَرَأى مَجْدَ اللهِ. وَهَذا شَيءٌ رَائِعٌ جِدًّا. وَهَذِهِ حَقيقَةٌ مُدْهِشَةٌ. فأنْتَ تَنْتَقِلُ خَارِجَ نِطاقِ هذا العَالَمِ، وَخارِجَ نِطاقِ ظُروفِكَ، وَخارِجَ نِطاقِ هذهِ الحَياةِ المُتَقَلِّبَةِ، وَخارِج المِحَنِ والتَّجارِبِ لِتُعايِنَ اللهَ. أَتَرَوْن! لذلكَ عِنْدَما يُريدُ اللهُ شَخْصًا للقِيامِ بِعَمَلٍ ما، فإنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَخْصٍ مُمْتَلِئ مِنَ الرُّوحِ لأنَّ الأمْورَ قَدْ تَنْتَهي بِرَجْمِ ذلَك الرَّجُل. وَإنْ لم يَكُنْ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، فإنَّهُ لَنْ يَتَمَكَّنَ البَتَّة مِنَ القِيامِ بتلكَ المُهِمَّة.

ونَرى في الأصْحاحِ التَّاسِعِ أنَّ اللهَ أرادَ رَجُلًا. فَقَدْ أرادَ رَجُلًا يُدْعَى "شَاوُل"، وَهُوَ رَجُلٌ صَلْبٌ سَيَلينُ في النِّهايَة. فَقَدْ كانَ مُضْطَهِدًا للكَنيسَةِ. ولكِنَّ الرَّبَّ ظَهَرَ لَهُ وَوَضَعَ أمامَهُ شَرْطًا واحِدًا في الأصْحاحِ التَّاسِعِ والعَدَد 17. "فَمَضَى حَنَانِيَّا وَدَخَلَ الْبَيْتَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ وَقَالَ: أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ". [وَقَدْ حَدَثَ ذلكَ بَعْدَ أنْ ظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ وَهُوَ مُتَّجِهٌ إلى دِمَشْق]. "قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ يَسُوعُ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَيْ تُبْصِرَ وَ" مَاذا؟ "وَتَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". بِعِبارَةٍ أُخرى: "يا شاوُل، قَبْلَ أنْ تَبتدئَ العَمَلَ، يجبُ عليكَ أنْ تَمتلئَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ لِئَلَّا تَفْعَلَ ذلكَ بالجَسَد". فالامْتلاءُ بالرُّوحِ، يا أحِبَّائي، يَعْني أنْ تَحْيا لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ تَحْتَ هَيْمَنِةِ الرُّوحِ القُدُس. هذا هُوَ كُلُّ مَا في الأمْر. فَهُوَ خُضوعٌ. إنَّهُ خُضوعٌ. وَهُوَ يَعْني أنْ أُفْرِغَ نَفْسي لكي يَمْلأني هُوَ. أَتَرَوْن؟

ويُمْكِنُكُمْ أنْ تَعْثُروا على المَزيدِ إنْ ذَهَبْتُمْ إلى الأصْحاح 11 والعَدَد 22. فقد أرادَ اللهُ رَجُلًا يُدْعى "بَرْنابا" لِيُساعِدَ رَجُلًا يُدْعى "بُولُس". وعندما أرادَ اللهُ أنْ يَخْتارَ رَجُلًا يُدْعى "بَرْنابا"، كانَتْ لديهِ بِضْعَةُ شُروطٍ. فَنَحْنُ نَقرأُ في العَدَد 22: "فَأَرْسَلُوا بَرْنَابَا". ولكِنْ لِماذا بَرْنابا؟ نَقرأُ في العَدَد 24: "لأَنَّهُ كَانَ رَجُلاً صَالِحًا" وَماذا؟ "وَمُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس". وَمَا أَعْنيهِ هُوَ إنَّهُ يَنْبَغي أنْ يَكونَ الأمْرُ هَكَذا. فما الَّذي يُريدُهُ اللهُ غَيْر ذلك؟ ثُمَّ نَقْرَأُ في الأصْحاح 13 والعَدَد 9: "وَأَمَّا شَاوُلُ ... فَامْتَلأَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَشَخَصَ إِلَيْهِ". فَنَحْنُ نَقْرَأُ عَنْهُ بَعْدَ حِيْن وَنَرى أنَّهُ كانَ ما يَزالُ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ القُدُس. ثُمَّ نَقرأُ في الأصْحاح 13 والعَدَد 52 هذهِ الكَلِماتِ الَّتي أُحِبُّها: "وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ فَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مِنَ الْفَرَحِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ". ثُمَّ ماذا؟ "وَحَدَثَ فِي إِيقُونِيَةَ أَنَّهُمَا دَخَلاَ مَعًا إِلَى مَجْمَعِ الْيَهُودِ وَتَكَلَّمَا، حَتَّى" ماذا؟ "حَتَّى آمَنَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالْيُونَانِيِّينَ".

أليسَ مَا حَدَثَ رائِعٌ؟ فعندما يُريدُ اللهُ شَخْصًا لِيَخْدِمَ في كَنيسَتِهِ، وعِنْدما يُريدُ اللهُ شَخْصًا للبَدْءِ في عَمَلٍ إرْسالِيٍّ، وعندما يُريدُ اللهُ شَخْصًا لِرِبْحِ النَّاس إلى المَسيحِ، فإنَّهُ يَخْتارُ شَخْصًا ماذا؟ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ. شَخْصًا يَسْلُكُ في صُلْبِ مَشيئَةِ اللهِ وَيَسيرُ بِقُوَّةِ رُوْحِ اللهِ، وَيَسْمَحُ لِنَكْهَةِ يَسوعَ نَفْسهُ أنْ تَنْفَذَ إليهِ، وَشَخْصًا يُهَيْمِنُ عليهِ الرُّوحُ القُدُسُ. فهذا هُوَ المِعْيارُ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ، يا أحِبَّائي.

وَقَدْ تَقولُ: "حَسَنًا، هذا هُوَ مَعْنى الامْتلاءِ بالرُّوحِ. ولكِنْ ما هِيَ الوَسيلَةُ لِتَحقيقِ ذلك؟ أيْ كَيْفَ أمْتَلِئُ بالرُّوحِ؟" اسْمَحوا لي أنْ أُشارِكَكُمْ بهذهِ النِّقاطِ قَبْلَ أنْ نُنْهي. كَيْفَ أمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ القُدُس؟ وَكيفَ أَعْلَمُ ذلك إنْ كانَ هذا هُوَ مَا يُوْصِيني الرَّبُّ بِهِ؟ حَسَنًا! هذا عَجيبٌ. فأنا أَسْمَعُ أُناسًا يُصَلُّونَ مِنْ أجْلِ الامْتِلاءِ بالرُّوح. ولكِنْ أنْتَ لَسْتَ في حَاجَةٍ إلى الصَّلاةِ مِنْ أجْلِ ذلك. فَهِيَ لَيْسَتْ طِلْبَة صَلاةٍ، بَلْ هِيَ وَصِيَّة. فأنْتَ لا تَقول: "يا رَبّ، أُريدُ أنْ أَمْتَلِئَ". فَهُوَ الَّذي يَقولُ لَكَ: "أُريدُ مِنْكَ أنْ تَمتلئَ ... أُريدُ مِنْكَ أنْ تَمتلئَ". وَأنْتَ تَقولُ: "أُريدُ أنْ أَمْتَلِئَ ... أُريدُ أنْ أَمْتَلِئَ". أَتَرَوْن!

فَهُناكَ سُوْءٌ فَهْمٍ هُنا. فَمَا دَامَ قد أعْطاكَ وَصِيَّةً، فإنَّ لَدَيْكَ المَوارِدَ اللَّازِمَةَ. أليسَ كذلك؟ وما يَنْبَغي أنْ تَفْعَلَهُ هُوَ أنْ تُفْرِغَ نَفسَكَ مِنْ نَفْسِكَ. فَهَذا يَتَطَلَّبُ اعْتِرافًا بالخطيَّة. ولكِنِ اسْمَحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ نَظْرَةً مُبَسَّطَةً إلى هذا الأمْر. فَهُوَ يَتَطَلَّبُ مِنْكَ أنْ تَضَعَ إرادَتَكَ، وَفِكْرَكَ، وَجَسَدَكَ، وَوَقْتَكَ، وَمواهِبَكَ، وَكَنْزَكَ، وَكُلَّ شَيءٍ تَحْتَ سَيْطَرَتِهِ. إنَّهُ المَوْتُ عَنِ الذَّاتِ. وَهُوَ صَلْبُ الذَّاتِ. وَهُوَ التَّخَلِّي عَنْ إرادَتِكَ الذَّاتِيَّةِ. وَهُوَ إمَاتَةُ أعْضاءِ جَسَدِكَ. وَهُوَ مَوْتُكَ. فعِنْدَما تَموتُ فإنَّهُ يَمْلأُكَ. وَعِنْدَما تُخْلي نَفْسَكِ مِنْ نَفْسِكَ فإنَّهُ يَمْلأُكَ ... يَمْلأُكَ.

واسْمَحُوا لي أنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ مَثَلًا تَوضيحيًّا. انْظُروا إلى الأصْحاحِ الخَامِسِ مِنْ رِسالَةِ أَفَسُس بِسُرعة. فَنَحْنُ نَقرأُ في أَفَسُس 5: 18 الجُملةَ التَّاليةَ: "لاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ". والآنْ، ما الَّذي يَحْدُثُ عندما تَمْتَلِئُونَ بالرُّوح؟ إليكُمْ مَا يَحْدُث. سَوْفَ تُكَلِّمُونَ "بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ (العَدَد 19). ثُمَّ نقْرَأُ في العَدَد 20 أنَّكُمْ سَتَكونونَ شَاكِرين: "شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". العَدَد 21: "خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ". ثُمَّ نَقرأُ في العَدَد 22 أنَّ النِّسَاءَ المُمْتَلِئاتِ بالرُّوح سَيَخْضَعْنُ لأزْواجِهِنَّ. ونَقرأُ في العَدَد 25 أنَّ الرِّجَالَ المُمْتَلِئينَ بالرُّوحِ سَيُحِبُّونَ نِسَاءَهُمْ. وَنَقرأُ في الأصْحاح 6 والعَدَد 1 أنَّ الأبناءَ المُمْتَلِئينَ بالرُّوحِ سَيُطيعونَ آباءَهُمْ وأُمَّهاتِهِمْ. وَنَقرأُ في الأصْحاح 6 والعَدد 4 أنَّ الآباءَ والأُمَّهاتِ المُمْتَلِئينَ بالرُّوحِ لَنْ يُغيظوا أبناءَهُمْ. ونَقرأُ في الأصحاح 6 والعَدَد 5 أنَّ العَبيدَ المُمتلئين بالرُّوحِ سَيُطيعونَ سَادَتَهُمْ. ونَقرأُ في الأصحاح 6 والعَدَد 9 أنَّ السَّادَةَ المُمْتَلِئينَ بالرُّوحِ سَيُعامِلونَ عَبيدَهُمْ مُعامَلَةً حَسَنَةً.

والآن، هَلْ تُلاحِظونَ ذلك؟ أليسَ هَذا الأمْرُ مُدْهِشًا؟ فهذا الامْتِلاءُ بالرُّوحِ لا يُنْشِئُ أيَّ شَيءٍ صُوْفِيٍّ البَتَّة، بَلْ هُوَ يُنْشِئُ تَرْنيمًا، وَشُكْرًا، وَخُضوعًا، وَأُمورًا إيجابيَّةً أُخرى كَثيرَةً تَخْتَصُّ بالعَلاقاتِ البَشَرِيَّةِ. فلا أَحَدَ يَخْتَبِرُ شَيئًا غَريبًا جِدًّا. وهذا مُدْهِشٌ. ولا أَحَدَ يَسْقُطُ على ظَهْرِهِ. وَلا أَحَدَ يَخْتَبِرُ أيَّ اخْتبارٍ صُوْفِيٍّ. ما الَّذي يَحْدُثُ إذَن؟ الأمْرُ بَسيطٌ. فَجَميعُ العَلاقاتِ تَنْصَلِحُ. فَعَلاقَتُكَ مَعَ اللهِ تَنْصَلِحُ فَتَبْتَدِئُ في التَّرْنيمِ والشُّكْرِ. وَعلاقَتُكَ مَعَ الآخَرينَ تَنْصَلِحُ فَتَصيرُ خَاضِعًا، سَواءٌ كانَ ذلكَ في إطارِ الزَّواجِ أوِ العائِلَةِ أوِ العَمَل. فَكُلُّ ما يَحْدُثُ هُوَ عَمَلِيٌّ جدًّا. وَهُوُ وَاضِحٌ جِدًّا. فالامْتِلاءُ بالرُّوحِ يُؤثِّرُ في جَميعِ هذهِ العَلاقاتِ باللهِ، وأفرادِ العائِلَةِ، والآخَرين.

والآنْ، اسْمَحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لَكُمْ شَيئًا. انْظُروا إلى كُولوسي، الأصحاح 3. فهذا مَقْطَعٌ مُماثِلٌ. إنَّهُ مُماثِلٌ جِدًّا. كُولوسي 3. والآنْ، انْظُروا إلى مَا يَقولُهُ العَدَد 16 في مُنْتَصَفِ العَدَد: "مُعَلِّمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا". ثُمَّ نَجِدُ هُنا مَرَّةً أُخرى كَلامًا مُشابِهًا جِدًّا لما جاءَ في أَفَسُس 5: "بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ". ثُمَّ نَقرأُ في العَدَد 17: "وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْل أَوْ فِعْل، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، شَاكِرِين". والآنْ، سَنَفْعَلُ الشَّيءَ نَفْسَهُ. صَحيحٌ أنَّ الآياتِ مُخْتَصَرَة، ولكِنَّ كُلَّ شَيءٍ مَذكورٌ فيها: "أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ". "أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ". "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ". "أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ". "أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا ... سَادَتَكُمْ". ثُمَّ نَقرأُ في الأصْحاح 4 والعَدَد 1: "أَيُّهَا السَّادَةُ، قَدِّمُوا لِلْعَبِيدِ الْعَدْلَ وَالْمُسَاوَاةَ".

والآنْ، هَلْ تُلاحِظونَ ذلك؟ إنَّهُ التَّسَلْسُلُ نَفسُهُ. فَكُلُّ شَيءٍ مِذْكورٌ هُنا. فَهُناكَ التَّرْنيمُ، والشُّكْرُ، والخُضوعُ، والزَّوجاتُ، والأزواجُ، والأبناءُ، والآباءُ، والعَبيدُ، والسَّادَةُ. فَكُلُّ شَيءٍ مُتَماثِلٌ تَمامًا. والآنْ، نَحْنُ نَعْلَمُ ما هِيَ العَمليَّةُ المَذكورَةُ في أَفَسُس 5. فَهِيَ الامْتِلاءُ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. ولكِنْ مَا الَّذي يُنْشِئُها هُنا؟ إنَّهُ أمْرٌ مُخْتَلِفٌ. انْظُروا إلى العَدَد 16: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ" كَيْف؟ "بِغِنىً، ... بِكُلِّ حِكْمَةٍ". والآنْ، انْتَبِهوا جَيِّدًا، يا أحِبَّائي. واسْمَحوا لي أنْ أَقولَ لَكُمْ شَيئًا. فالامْتلاءُ بالرُّوحِ هُوَ نَفْسُ السَّماحِ لِماذا؟ لِكَلِمَةِ المَسيِحِ أنْ تَسْكُنَ فيكُمْ بِغِنىً. أَتَرَوْنَ ذلك؟ فلا بُدَّ أنْ يَكونَ الأمْرُ مُشابِهًا لأنَّهُ يُفْضِي إلى النَّتائِجِ نَفْسِها.

والنَّاسُ يَقولون: "آه! إنَّ الامْتِلاءَ بالرُّوحِ القُدُسِ هُوَ شَيءُ صُوْفِيٌّ، صُوْفِيٌّ جِدًّا". لا! إنَّ الامْتِلاءَ بالرُّوحِ القُدُسِ يَعْني أنْ نَأخُذَ الكَلِمَةَ الَّتي أَعْطانا إيَّاها المَسيحُ، وَأنْ نَسْمَحَ لَها بأنْ تَسْكُنَ أيْن؟ في قَلْبِكَ. فإنْ أَرَدْتَ أنْ تَمتلئَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، لا تَجْلِسْ في الزَّاوِيَةِ في مَكانٍ مَا وَتَتَضَرَّع إلى اللهِ. فإنْ أَرَدْتَ أنْ تَمتلئَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، غَذِّ نَفْسَكَ على كَلِمَةِ المَسيح. وَفيما أنْتَ تَتَغَذَّى على الكَلِمَةِ وَتَمْتَلِئ مِنْها، وفيما هِيَ تَسْكُنُ فيكَ "بلوسِيُّوس" (plousios) "بِغِنَىً، وَبِكُلِّ مِلْءٍ"، فإنَّكَ سَتَجِدُ نَفْسَكَ خَاضِعًا لَهُ. فَمَنْ هُوَ مُنْشِئُ كَلِمَةِ المَسيحِ؟ الرُّوحُ القُدُس. وَعِنْدَما تَسْمَحُ للكَلِمَةِ أنْ تَسْكُنَ فيكَ، فإنَّها تَصيرُ الشَّيءَ الَّذي يُهَيْمِنُ عليكَ. وَكما قالَ "سبيرجن" (Spurgeon): "فإنَّ دَمَكَ سَيَصيرُ مُخَضَّبًا بكلماتِ الكِتابِ المُقَدَّسِ". وَهُوَ يَقولُ الصَّواب. فَالأمْرُ بَسيطٌ. وَلا يُوْجَدُ سَبَبٌ لأنْ يَكونَ الأمْرُ مُحَيِّرًا. فالامْتِلاءُ بالرُّوحِ يَعْني بِبَساطَة أنْ أَسْمَحَ لِكَلِمَةِ اللهِ أنْ تُهَيْمِنَ على حَياتي. فإنْ أَرَدْتَ أنْ تَعرفَ مَعْنى الامْتلاءَ بالرُّوحِ، غَذِّ نَفْسَكَ على كَلِمَةِ اللهِ لأنَّهُ عندما تَسْكُنُ فيكَ الكَلِمَةُ، فإنَّ الرُّوحَ يَمْلِكُ الحَقَّ الَّذي سَيُرْشِدُكَ وَيَقودُكَ. أَتَرى!

وَإليكُمْ هذا المَثَل التَّوضيحِيّ الأخير؟ وَقَدِ اسْتَخْدَمْتُ هذا المَثَلَ التَّوضيحِيَّ مَرَّاتٍ كَثيرَةً جِدًّا. فقد أرادَ بُطْرُسُ أنْ يكونَ حَيْثُما كانَ يَسوع. وَأنا أَذْكُرُ هذهِ القِصَّة في كِتابي الصَّغير عَنْ مَشيئةِ اللهِ. فقد أرادَ أنْ يكونَ حَيْثُ كانَ يَسوع - دائِمًا. وما أَعْنيهِ هُوَ أنِّي مُتَيَقِّنٌ أنَّهُ عِنْدما كانَ يَسوعُ يَمْشي في الطَّريق وَيَتَوَقَّفُ، كانَ يَجِدُ بُطْرُسَ يَسيرُ في إِثْرِهِ. فقد كانَ بُطْرُسُ يَتَعَقَّب يَسوعَ أيْنَما ذَهَب. فإنْ صَعِدَ الرَّبُّ إلى الجَبَل، صَعِدَ بُطْرُسُ إلى الجَبَل. وعِنْدَما قالَ الرَّبُّ: " أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" قالَ بُطْرُس: "يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟" فَقَدْ كانَ بُطْرُسُ دائِمًا يَسيرُ في إثْرِ يَسوع. وَأنا أَعْلَمُ لِماذا كانَ يَفْعَلُ ذلك. لأنَّهُ عِنْدما كَانَ بالقُرْبِ مِنْ يَسوع، نُلاحِظُ ثلاثَةَ أُمورٍ يَذْكُرُها الكِتابُ المُقدَّسُ عَنْهُ بِوُضُوح: فَقَدْ كانَ يَصْنَعُ أُمورًا عَجيبَةً، وَيَنْطِقُ بِكَلامٍ عَجيب، وَيَتَحَلَّى بِشَجاعَةٍ عَجيبَة.

فَكَما تَعْلَمونَ، في المَرَّةِ الأولى الَّتي تُشاهِدونَ فيها بُطْرُس، فإنَّهُ في القارِبِ في البَحْرِ. وَهُوَ وَقْتٌ عَصيبٌ. أليسَ كذلك؟ فالعاصِفَةُ قَوِيَّةٌ. وَقَدْ كانُوا بِمُفْرَدِهِمْ. وكانوا خائِفينَ في وَسَطِ بَحْرِ الجَليل. وفجأةً نَظَروا فَرَأوا يَسوعَ قادِمًا مِنْ بَعيد. وَكانَ يَسوعُ يَمْشي على المَاء. ثُمَّ قالَ بُطْرُسُ في نَفْسِهِ: "أنا هُنا، وَهُوَ هُناكَ. وَهذا ليسَ جَيِّدًا. يَجِبُ عَلَيَّ أنْ أُضَيِّقَ المَسافَةَ بَيْنَنا". فَقَدْ أَرادَ أنْ يكونَ مَعَ يَسوع. وَقَدْ كانَ صَيَّادًا طَوالَ حَياتِهِ، ويَعيشُ على مَقْرُبَةٍ مِنْ شَاطِئِ الجَليل، ولكِنَّهُ لَمْ يَمْشِ على المَاءِ يَوْمًا. فَفي كُلِّ مَرَّةٍ كانَتْ قَدَماهُ تَلْمَسانِ المَاءَ، كانَ جِسْمُهُ يَهْبِطُ لأسْفَل. وَهُوَ يَعْلَمُ ذلك. والأمْرُ لم يَخْتَلِف الآن. وبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ فقد قَفَزَ مِنَ القارِبِ وَمَشَى على الماءِ فَسارَ بِضْعَ خُطُواتٍ وراحَ يَتَهَلَّلُ فَرِحًا. فَقَدْ كانَ غَيْرَ وَاعٍ لِما يَفْعَل لأنَّ رَغْبَتَهُ في أنْ يَكونَ مَعَ يَسوعَ كانَتْ أكْبَرَ مِنْ أيِّ شَيءٍ آخَر. فَقَدْ أرادَ فَقَطْ أنْ يَكونَ مَعَ يَسوع. ولا شَكَّ أنَّهُ اقْتَرَبَ مِنْ يَسوعَ، ولكِنَّهُ ابْتَدَأَ يَغْرَق. وَعندئذٍ مَدَّ الرَّبُّ يَدَهُ وَانْتَشَلَهُ مِنَ الماءِ وَعادَا مَشْيًا إلى القارِب. ويُمْكِنُني أنْ أَتَخَيَّلَ بُطْرُسَ يَمْشي مَعَ يَسوعَ في طَريقِ العَوْدَةِ إلى السَّفينَة وَيَشْعُرُ بالزَّهْوِ الشَّديد: "انْظُروا يا رِفاق!" أَتُدْرِكونَ مَا أَعْني؟

وَلَطالَما ضَحِكْتُ لأنَّ واحِدًا مِنَ الكُتَّابِ كَتَبَ يَقولُ إنَّ الرِّمالَ كانَتْ مُرتفِعَة في ذلكَ المَكان، أيْ أنَّهُما مَشَيا على أرْضٍ رَمْلِيَّة. وهُوَ الكاتِبُ نَفْسُهُ الَّذي قالَ أيضًا إنَّهُ لا تُوْجَدْ سَمَكَةٌ ضَخْمَةٌ ابْتَلَعَتْ يُونان، بل إنَّ ذلكَ الاسْمَ كانَ اسْمَ قَارِبِ النَّجاةِ المَرْبوطِ في مُؤخَّرِ السَّفينَة. وَسُؤالي هُوَ: مَنْ سَمِعَ يَوْمًا أنَّ قَارِبَ نَجاةٍ يَتَقَيَّأ؟ وَعلى أيِّ حَالٍ، فإنَّ هذا الأمْرَ ثانَوِيٌّ.

إذًا، فقد مَشَى بُطْرُسُ وَيَسوعُ إلى السَّفينَةِ. وَهَلْ تَعْلَمونَ شَيئًا؟ يَجِبُ عليكُمْ أنْ تُقِرُّوا بأنَّهُ عنْدَما كانَ بُطْرُسُ بالقُرْبِ مِنْ يَسوعَ، فإنَّهُ كانَ قادِرًا على عَمَلِ أُمورٍ عَجيبَة. وَما أعْنيهِ هُوَ أنَّهُ لم يَكُنْ قادِرًا على المَشْيِ على الماءِ، ولكِنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ ذلكَ عندما كانَ قَريبًا مِنْ يَسوع. أليسَ كذلك؟ وفي المَرَّةِ الثَّانيةِ الَّتي نَراهُ فيها في تَشْبيهِنا الصَّغيرِ هَذا هُوَ عِنْدَما كانَ مَعَ التَّلاميذِ حينَ قالَ يَسوع: "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا" (في مَتَّى 16). فَقَالُوا: "هُناكَ مَنْ يَقولُ إنَّكَ إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ". فَقالَ لَهُمْ: "وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟" فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!" وَأنا مُتَيَقِّنٌ أنَّهُ قالَ في نَفْسِهِ: "مِنْ أيْنَ جِئْتُ بِهَذا الكَلام؟" فَقَدْ كانَ فَمُ بُطْرُسَ حَاضِرًا. وبعدَ قَليل مِنَ الأصْحاحِ نَفْسِهِ، اسْتَخْدَمَ الشَّيْطانُ فَمَهُ. أَتَذْكُرونَ ذلك؟ وَقَدِ اضْطُرَّ يَسوعَ إلى أنْ يَقولَ لَهُ: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ!" فَقَدْ كانَ فَمُهُ مُتاحًا. وَقَدِ اسْتَخْدَمَهُ اللهُ: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!" ويا لَها مِنْ صَدْمَة! وقد نَظَرَ يَسوعُ إليهِ وَقال: "إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". "إنَّ أبي هُوَ الَّذي اسْتَخْدَمَ فَمَكَ في تلكَ اللَّحْظَةِ". لذلكَ، لا عَجَبَ أنَّهُ كانَ يُريدُ أنْ يَكونَ مَعَ يَسوعَ في كُلِّ مَكانٍ – لأنَّهُ كانَ حينئذٍ يَمْتَلِكُ القُدرةَ على صُنْعِ أُمورٍ عَجيبَةٍ وَقَوْلِ أُمورٍ عَجيبة.

والشَّيءُ الثَّالِثُ هُوَ أنَّهُ كانَ يَمْتَلِكُ شَجاعَةً عَجيبَةً. فَفي البُسْتان، جاءَ كُلُّ الجُنودِ للقَبْضِ على يَسوع، والإمْساكِ بِهِ، وَأَخْذِهِ للمُحاكَمَةِ. وقد قالَ لَهُمْ يَسوع: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟" فَسَقَطَ كُلُّ الجُنودِ الرُّومانِ أرْضًا. فَقَدْ سَقَطوا كَحِجارَةِ الدُّومينو وَوَقَعوا أرْضًا. وَقَدْ قالَ بُطْرُسُ في نَفْسِهِ: "سوفَ يَكونُ الأمْرُ سَهْلًا. فَقَدْ سَقَطوا أرْضًا للتَّوِّ". لذلكَ فَقَدْ وَقَفَ بِجانِبِ يَسوعَ وَازْدادَتْ حَماسَتُهُ شَيئًا فَشَيئًا، وَسُرْعانَ مَا انْفَجَرَتْ حَماسَتُهُ انْفِجارًا. فقدِ اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ بِهِ أوَّلَ جُنْدِيٍّ قَابَلَهُ. وَقَدْ كانَ يُريدُ أنْ يَقْضي عليهِمْ جَميعًا. وَقَدْ كانَ عَدَدُهُمْ نَحْوَ خَمْسِمِئَةِ شَخْصٍ مِنْ قَلْعَةِ أنْطونيوس. وَقَدْ قَطَعَ أُذُنَ "مَلْخُس". وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ كانَ يُريدُ أنْ يَضْرِبَ عُنُقَ مَلْخُس. ولكِنَّ مَلْخُسَ انْحَرَفَ قَليلًا. وَأنا واثِقٌ مِنْ ذلك. فَهُوَ لم يَكُنْ يَسْتَهْدِفُ أُذُنَهُ تَحْديدًا. بل إنَّهُ كانَ يَعْتَزِمُ أنْ يَقْطَعَ رَأسَهُ. وَقَدِ ابْتَدَأَ بأوَّلِ جُنْدِيٍّ رَآهُ أمامَهُ، وكانَ عازِمًا على إهْلاكِ الجَيْشِ بأسْرِه. وَقَدْ نَتَساءَلُ قائِلين: "مِنْ أيْنَ جِئْتَ بهذهِ الشَّجاعَةِ؟ مِنْ أيْنَ جِئْتَ بهذهِ الشَّجاعَة؟" حَسَنًا، لقد كانَ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما يَنْبَغي لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ هُوَ أنْ يَنْظُرَ إلى يَسوعَ. فَسَوْفَ يَفْعَلُ يَسوعُ مَا فَعَلَهُ سَابِقًا وَيُسْقِطُهُمْ جَميعًا أرْضًا. لذلكَ، ليسَ هُناكَ مَا يَدْعو إلى القَلَق.

وَكَما تَرَوْنَ، فَقَدْ كانَ بُطْرُسُ قادِرًا على القِيامِ بأمورٍ عَجيبَةٍ، وَأنْ يَقولَ كَلامًا عَجيبًا، وَأنْ يَتَصَرَّفَ بِشَجاعَةٍ عَجيبَةٍ حينَ كانَ قَريبًا مِنْ يَسوع. لذلكَ، لا عَجَبَ أنَّهُ كانَ يُريدُ أنْ يَكونَ هُناكَ دائمًا. ولا عَجَبَ أنَّهُ عِنْدَما سَألَهُمْ يَسوعُ: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" فإنَّ بُطْرُسَ قال: "يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟" ولكِنْ أَتَعْلَمونَ ما الَّذي حَدَثَ في المَرَّةِ التَّاليةِ الَّتي نَراهُ فيها؟ إنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْ يَسوع. فَيَسوعُ في الدَّاخِلِ يُحاكَمْ، وَهُوَ في الخَارِجِ يَغْسِلُ يَدَيْهِ، أوْ بالأحْرى: يُدَفِّئُ يَدَيْهِ. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ إنَّهُ فَعَلَ ماذا ثَلاثَ مَرَّاتٍ؟ أَنْكَرَهُ. أليس هَذا الأمْرُ مُريعًا؟ فَبِمُجَرَّدِ انْفِصالِ بُطْرُسَ عَنْ يَسوعَ، فَشِلَ فَشَلًا ذَريعًا. وَهُناكَ مَبْدَأٌ مُهِمٌّ هُنا. أليسَ كذلك؟ فَقَدْ تقولُ: "لقد كانَ جَبانًا عِنْدَما كانَ يَسوعُ على بُعْدِ مِئَةِ قَدَمٍ تَقريبًا". أَجَل. فالشَّيءُ الَّذي حَدَثَ بَعَدَ ذلكَ هُوَ أنَّ يَسوعَ صَعِدَ إلى السَّماءِ. وقد تَقول: "آه! لا بُدَّ أنَّ هذِهِ كانَتْ نِهايَة بُطْرُس". فَإنْ كَانَ جَبانًا عندما كانَ يَسوعُ على بعْدِ مِئَةِ قَدَم، ما الَّذي سَيَفْعَلُهُ الآن؟ فَقَدْ عادَ الرَّبُّ إلى السَّماءِ. لذلكَ، مِنَ الواضِحِ أنَّ تلكَ هِيَ نِهايَةُ بُطْرُس. ولكِنْ لا!

أَتَعْلَمونَ ما الَّذي فَعَلَهُ؟ لقد وَقَفَ في يومِ الخَمْسينَ وَقال: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الْيَهُودُ وَالسَّاكِنُونَ فِي أُورُشَلِيمَ أَجْمَعُونَ، لِيَكُنْ هذَا مَعْلُومًا عِنْدَكُمْ وَأَصْغُوا إِلَى كَلاَمِي". وَهُوَ يَمْضي قُدُمًا وَيَعِظُ عَنْ "يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا". وَهُوَ يَعِظُ عِظَةً رَائعةً جِدًّا. والرَّبُّ يَسْتَخْدِمُ فَمَهُ مَرَّةً أُخرى لِيَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ مُوْحَى بِهِ مِنَ اللهِ. وَبَعْدَ أنِ انْتَهى مِنْ تِلْكَ العِظَةِ نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا: "مَاذَا نَصْنَعُ". فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". وَقَدْ آمَنَ ثَلاثَةُ آلافٍ في ذلكَ اليوم. وَهَلْ تَعْلَمُ ما هُوَ فَاعِلٌ؟ إنَّهُ يَقولُ أُمورًا عَجيبَةً مَرَّةً أُخرى. فَهُوَ يَفْتَحُ فَمَهُ فَيَتَكَلَّمُ اللهُ مِنْ خِلالِهِ.

وفي المَرَّةِ التَّاليةِ، نَراهُ يَمْشي مَعَ يُوْحَنَّا ويَذْهبانِ مَعًا إلى الهَيكلِ للعِبادَة. وقد كانَ هُناكَ رَجُلٌ أَعْرَجٌ يَتَسَوَّلُ عنْدَ بابِ الهَيْكَلِ. فَنَظَرَ إليهِ بُطْرُسُ وَقال: "لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ، وَلكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!" وفي الحَال، قَفَزَ الرَّجُلُ مِنْ مَكانِهِ وَراحَ يَقْفِزُ وَيَرْقُصُ وَيَرْكُضُ في سَاحَةِ الهَيْكَلِ. لذلكَ، لم يَكُنْ بُطْرُسُ قادِرًا فقط على قَوْلِ أُمورٍ عَجيبَةٍ، بل إنَّهُ كانَ قادِرًا أيضًا على القِيامِ بأمورٍ عَجيبَةٍ. ولكِنَّ رِجالَ الدِّينْ لم يُحِبُّوا ما فَعَلَهُ بُطْرُسُ. لذلكَ فقد جَلَبوهُ أمامَ مَجْلِسِ اليَهودِ الأعلى وقالوا لَهُ: "تَوَقَّفْ عَنِ الوَعْظِ". ولكِنَّهُ قالَ لَهُمْ: "أَخْبِروني: أَيَنْبَغي لي أنْ أُطيعَكُمْ أَمْ أنْ أُطيعَ اللهَ؟" فَأطْلَقوهُ. وعندما أَطْلَقوهُ، عَقَدَ اجْتِماعَ صَلاةٍ، وكانوا يُصَلُّونَ ويَطْلُبونَ مِنَ اللهِ أنْ يُعْطِيَهُمْ جُرْأةً أكْبَر. وَقَدْ خَرَجوا وَراحُوا يَكْرِزونَ أكْثَرَ مِنَ السَّابِقِ.

اسْمَعُوا: ما يُدْهِشُني هُوَ أنَّهُ عِنْدما كانَ بُطْرُسُ مَعَ يَسوعَ، كانَ قادِرًا على القِيامِ بأمورٍ عَجيبَةٍ، وَقَوْلِ أُمورٍ عَجيبَةٍ، وَكانَ يَمْتَلِكُ شَجاعَةً عَجيبَةً. وعِنْدَما عَادَ يَسوعُ إلى السَّماءِ، فإنَّ بُطْرُسَ ما يَزالُ يَفْعَلُ أُمورًا عَجيبَةً، وَيَقولُ أُمورًا عَجيبَةً، وَيَتَحَلَّى بِشَجاعَةٍ عَجيبَةٍ. وقد تَقولُ: "وما عَلاقَةُ هذا بِموضوعِنا؟" قَبْلَ أنْ يَقِفَ وَيَعِظَ في يَوْمِ الخَمْسين، يَقولُ لَنا الكِتابُ المُقَدَّسُ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل 2: 4: "وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنْ" ماذا؟ "مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". والآنْ، اسْمَعوا الخُلاصَةَ: إنَّ الامْتِلاءَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ يُوازي الوُقوفَ إلى جانِبِ مَنْ؟ يَسوعَ المَسيح. فالامْتلاءُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ يُشْبِهُ تَمامًا السَّماحَ لِحُضورِ المَسيحِ بأنْ يُهَيْمِنَ على حَياتِكَ. فَالأمْرُ ليسَ اخْتبارًا صُوْفِيًّا، يا أحِبَّائي. بل إنَّهُ يَعْني أنْ أُغَذِّي نَفْسي بِكَلِمَةِ اللهِ وَأنْ أَسْمَحَ لِحَقِّ المَسيحِ أنْ يُهَيْمِنَ على تَفكيري. وعندما أَخْضَعُ لِحَقِّ المَسيحِ السَّاكِنِ فِيَّ، فإنَّ رُوْحَ اللهِ سَيَقودُني إلى فِعْلِ وَقَوْلِ مَا يُريدُني اللهُ أنْ أَفْعَلَ وَأقول، وَأنْ أكونَ ما يُريدُني اللهُ أنْ أَكون. وَسَنُتابِعُ حَديثَنا في الأسْبوعِ القادِم. لِنُصَلِّ مَعًا:

أبي السَّماوِيّ، أُصَلِّي أنْ تَجْتَذِبَ إلى غُرْفَةِ الصَّلاةِ وَغُرْفَةِ المَشورَةِ أولئكَ الأشخاصَ الذينَ تُريدُهُمْ أنْ يَأتُوا. وَأعْطِنا، أيُّها الآبُ، أنْ نَعودَ في هذا المَساءِ وَأنْ نَلْتَقي بِكَ بِطَريقَةٍ خَاصَّةٍ. نَشْكُرُكَ على الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يَسْكُنُ فينا وَيُريدُ أنْ يَمْلأَنا لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ فيما نُخْضِعُ نُفوسَنا لِحُضورِ يَسوعَ المَسيح. ساعِدْنا على أنْ نُمارِسَ حُضورَهُ، وَأنْ نُفَكِّرَ في يَسوعَ مِنَ الصَّباحِ حَتَّى اللَّيْل فيما نَتَغَذَّى على كَلِمَتِهِ لكي يَقودَنا الرُّوحُ لِنَكونَ نافِعينَ لَكَ في مَقاصِدِكَ لأجْلِ مَجْدِكَ. باسْمِ يَسوعَ نُصَلِّي. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize