Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَلتقي مرَّةً أخرى في هذا الصَّباح لمتابعة دراستنا للأصحاح الخامس مِنْ رسالة أفسُس. والأمر يَستغرق مزيدًا مِن الوقت لدراسة الآيات مِن 18 إلى 21 لأنها تَزْخُرُ جدًّا بالحقّ. ونحن لا نريد أن نَمُرَّ مرورًا سريعًا على أيٍّ من الأمور الرائعة الَّتي يريد الله أن يُكَلِّمنا بها في هذا المقطع المهمِّ جدًّا. وإن لم يكن معك كتاب مقدَّس، يمكنك أن تجد واحدًا في ظَهْرِ المَقْعَدِ الَّذي أمامك. والآن، لننظر إلى الأعداد 18-21 مِنَ الأصحاح الخامس من رسالة أفسس. ويمكنكم أنْ تُتابِعُوا النَّصَّ معي بعيونِكم فيما أقرأه على مَسامِعِكُم:

"وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ، مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، للهِ وَالآبِ. خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ".

في دراستنا السابقة، رأينا أنَّ الامتلاء بالرُّوح، بحسب ما جاء في العدد 18، يعني أن تحيا كُلّ لحظة مِن حياتك كما لو كنتَ تقف في حضرة يسوع المسيح. وعند المُقارنة بين ما جاء في رسالة أفسس 5: 18 وما جاء في رسالة كولوسي 3: 16، لاحَظنا أنَّ الكلمات "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً" تحمل نفس معنى الامتلاء بالرُّوح. وقد رأينا مِن خلال المثل التوضيحيِّ المختصِّ بحياة بُطرس أنَّ بطرس كان قادرًا في الأوقات الَّتي يكون فيها برفقة يسوع على القيام بأمورٍ خارقةٍ للطبيعة، ومِنْ قول أمورٍ خارقةٍ للطبيعة، ومِنَ التَّحَلِّي بشجاعةٍ خارقةٍ للطبيعة. وعندما امتلأ بُطرس نفسه مِنْ روح الله، نراهُ يقومُ بأمورٍ خارقةٍ للطبيعة، ونَسمعه يقولُ أمورًا خارقةً للطبيعة، ونَراهُ يَتحلَّى بشجاعةٍ خارقةٍ للطبيعة. بعبارة أخرى فإنَّ التَّشابُهَ مُدهشٌ. فعندما كان قريبًا مِن يسوع، أيْ في حَضرته، وعندما كان مُمتلئًا بروح الله، كانت النتائج الَّتي يحصل عليها هي نفسها. وكما نَرى، فإنَّ هذا هو بالضَّبط ما تقوله لنا الآيتان أفسُس 5: 18 وكولوسي 3: 16. فالامتلاء بروح الله ليس خِبرة تَصَوُّفِيَّة مَا. وَهُوَ ليسَ اختبارًا رُوحيًّا خارقًا للطبيعة. فالامتلاء بالروح يَعني ببساطة أن نَحيا بِوَعْيٍ تامٍّ لحظةً تلو الأخرى في حَضرة يسوع المسيح.

فهذا هو جوهر الحياة المُمتلئة بالروح بِرُمَّتها: أنْ تَحيا بوعيٍ تامٍّ في حَضرة المسيح. أيْ أن تعيشَ في إدراكٍ تامٍّ بأنَّ يسوع المسيح حقيقيٌّ وأنه موجودٌ – أي أنَّه حاضِرٌ. فهو اختبارٌ لحظة تلو الأخرى، تلو الأخرى، تلو الأخرى. وَهُوَ التزامٌ يَختصُّ بالحاضر وليس بالمستقبل. فالله لا يَهتمُّ البَتَّة بالتعهُّدات المستقبليَّة. وأنتم تعرفون هذا، أليس كذلك؟ والحقيقة هي أنكم لا تَهتمُّون بذلك أيضًا. فإنْ جاءت زوجتك وقالت لك: "هل تُحِبُّني يا عَزيزي؟" فإنك لا تقول لها: "اسأليني بعد أسبوعين". فهي لا تريدُ جوابًا بعد أسبوعين، بل تريد أنْ تَعرف الإجابة الآن. والله لا يَهتمُّ بتعهُّدك المستقبليّ، بل يَهتمُّ بتعهُّدك الحاضر. فهو يَهتمُّ بتعهُّدك في الحاضر أو الآن. فالمسألة بِرُمَّتها تَختصُّ بما إذا كانت حياتُكَ خاضعةً للروح القدس الآن.

وبالمناسبة، هل تَعلمون أنكم ستَعيشونَ فقط في الحاضِر ولن تَعيشوا في المستقبل؟ أجل! فأنتم تَتطلَّعون دائمًا إلى ذلك، ولكنَّكم لن تعيشوا في المستقبل. فالمستقبل سيبقى مُستقبَلًا دائمًا. كذلك، فإنَّكم لا تعيشون في الماضي. فهناك أُناسٌ يُحاولونَ جاهِدين، ولا سِيَّما في مجتمعنا اليوم. فالأيَّامُ الخَوالي جَيِّدة كَما تَعلمون. والنَّاس يريدون أن يرجعوا إلى تلك الأيَّام الخوالي، ولكِنَّ هذا مُستحيل. فسوف تعيشون دائمًا في الحاضِر. لذلك، فإنَّ الحاضِرَ هوَ المُهِمّ. وما يَقولُهُ الرسول بولس هو الآتي: امتلئوا دائمًا في هذه اللَّحظة بالرُّوح القُدُس وابقوا دائمًا تحت هَيمنته. فهذه هي الطريقة الصحيحة لعيش الحياة المسيحية: لا أنْ تكونوا تحت هيمنة أنفسكم، بل تحت هيمنة روح الله القُدُّوس. كيف؟ بأنْ تملأوا حياتكم بكلمة الله لكي تكون أفكارُكم موافقة لأفكار الله، ولكي تكون طُرُقُكُم موافقة لطُرق الله قدر الإمكان. وهذ يعني أنْ يكون المسيح نفسه مُهيمنًا على تفكيركم وأنْ تكونوا خاضعين لروحه.

وهناك نَتيجة حَتميَّة لذلك في رسالة كورِنثوس الثانية 3: 18. والآية تقول إنَّكُم حين تَنظرون مجد الربِّ بوجهٍ مَكشوفٍ، فإنكم تَتَغَيَّرونَ "إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ". بعبارة أخرى، فإنَّ وجودَكَ في حَضرة المسيح يَجعلُكَ مشابهًا للمسيح. أَتَرَوْن! فهذا هو عمل الرُّوح القُدُس. فعندما تَمتلئون بالرُّوح فإنكم تصيرون مُشابهين للمسيح. لذلك فإننا نقول إنَّ التَّكريس المُطلق والدَّائمَ (لحظةً بلحظة) للامتلاء بالرُّوح القدس يُؤدِّي في النهاية إلى النُّضْج. فأنتَ تَصيرُ مُشابهًا للمسيح حين تَحْيَا بالرُّوح، وحين تَسلك في الروح، وحين تَمتلئ بالروح.

فالحياة المسيحيَّة هي سَعْيٌ حَقيقيٌّ للتشبُّهِ بالمسيح. والوقت الوحيد الَّذي تَتحرَّك فيه في ذلك الاتِّجاه هو حين تَمتلئ بالروح. فعندما تَعمل وفقًا لأهواء الجسد، فإنَّكَ تَنتفخ انتفاخًا فقط ولكِنَّك لا تُحَقِّق أيَّ تَقَدُّمٍ. فالتقدم الوحيد في حياتك يَحدث فقط في تلك الأوقات الَّتي تمتلئ فيها بروح الله. فهذا هو النُّضْجُ الوحيد. ولكِنَّ أغلبيَّة المسيحيِّين يَسيرونَ إلى الأمام فقط دون إحْرازِ أيِّ نُضْجٍ رُوحِيٍّ مَلموس. ولكِنَّ الله يريدنا أنْ نَتشبَّه بالمسيح. لذلك، عندما نَمتلئ بالرُّوح، ونَنظر مَجد المسيح، فإنَّنا نصير مُشابهين ليسوع المسيح. وهذا هو مِفتاح الحياة المسيحيَّة. وهذه هي طريقة إحراز النُّصْرة. وهذه هي طريقة الحصول على الفَرَح. وهذا هو السَّبيل لحياة مُتَهَلِّلَة ومُثمرة ونافعة لله.

وقد ذَكَرْنا أنَّ هناك ثلاث نِقاط في هذا النَّصِّ نريدُ أنْ نُلاحِظَها. النُّقطة الأولى هي المُفارقة في العدد 18. أَتَذكرونَ ذلك؟ فالرسول بولس يقول: "وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ" (أيْ: "أَسُوتِيَّا [asotia]، وَهِيَ كَلِمَة تَعْني: "الفُجور" أو "المَرَض العُضال الَّذي لا شِفاءَ مِنْهُ")، "بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ". وهذه هي المُفارَقة. بعبارة أخرى، فإننا لسنا مِثل الوثنيِّين الَّذينَ يَسكرون ويَظُنُّون أنهم يتواصَلونَ معَ الآلهة مِنْ خلال السُّكْر. فشركتُنا معَ الله هي مِن خلال الامتلاء بالرُّوح. فنحن لسنا مِثْلَ الوثنيِّين الَّذينَ يَعتقدون أنهم وَصلوا إلى مستوىً آخَر في الحياة، أو أنهم حصلوا على قوَّة أكبر أو قُدرة أعظم أو شيءٍ مُختلف بسَبب السُّكر. بل إننا نَحصل على كُلِّ عَظَمَتِنا مِنْ خلال قوَّة الامتلاء بروح الله. لِذا فإنَّ هذهِ هي المُفارقة. فنحن لسنا مِثْلَ هؤلاء. فمصدر امتناعِنا عنْ شُرْبِ الخمر، ومَصدرُ قوَّتنا وقُدرتنا، والمصدر الَّذي يَرفعنا ويَجعلنا نُوْجَد في حَضرة الله هو الامتلاء بالرُّوح، وليس السُّكْر.

وبعد هذه المفارقة رأينا الوَصِيَّة. أليس كذلك؟ والوصيَّة هي في نهاية العدد 18: "بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ". فينبغي أنْ يكون هذا أسلوب حياة. فهو ليس شيئًا تَختبره مَرَّةً فيَكفيكَ طَوال حياتك. أتَعلمونَ ذلك؟ فهو ليس مِثْل مُزيل العَرق الَّذي أَستخدمه مَرَّة لليوم كُلِّه. فهو ليس كذلك البَتَّة. فالرُّوح القدس لا يَعمل بهذه الطريقة. بل هو خضوعٌ لَحظة تلو الأخرى تلو الأخرى لهيمنة الرُّوح. والحقيقة هي أنَّ أفضل مَثَلٍ توضيحيٍّ لذلك هو المَشْي. فهو مَشْيٌ خُطوة تلو الأخرى. إنه مشيٌ بخُطواتٍ ثابتةٍ إذْ إنَّنا نَخضع تدريجيًّا لروح الله. وهو يَضُمُّ كل قرارٍ في الحياة. فالحياة هي مجموعة قرارات. فعندما يَرِنُّ جَرَسُ المُنَبِّه في الصَّباح، ينبغي لك أن تأخذ قرارك الأوَّل: هل أنهض أَم أبقى في السَّرير؟ هل أدَّعي أنِّي مريض أَم أقول الحقيقة؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ وحين تقف أمام خِزانة ملابسك يأتي وقت القرار الثَّاني: هل أرتدي القميص الأزرق أَم البُنِّيّ؟ وهكذا هي الحال في الحياةِ بأسْرِها. فأنتَ تذهب إلى المطبخ وتجد نفسك أمام قرارٍ آخر. فهل ستأكل كذا أَمْ كذا؟ وأينما ذهبتَ فإنك تجد نفسك أمام مجموعةِ قرارات – الواحد تلو الآخر.

والحياة الَّتي يُهَيمن عليها الرُّوح هي حياة تَخضع في كُلِّ خُطوة فيها لروح الله. فالمسألة بِرُمَّتها هي مسألة قرارات – قَرار تلو الآخر. وحين تَخضع لروح الله، ينبغي أن تَتبع خُطاه دائمًا. والطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي أن تَخضع لكلمة الله مِنْ خلال تَطبيقها في كُلِّ يوم. فيمكنك أن تُفَوِّت حُبوب الإفطار إذا كنت حريصًا على قراءة الكلمة. فحينئذٍ، يمكنك أن تَحصل على المعلومات والبيانات الَّتي تحتاج إليها لأنَّ رُوح الله سيُسيطر على تفكيرك.

لذلك فإنَّ "المَشْي" هو مَثَلٌ جَيِّدٌ يُساعدنا على النَّظر إلى هذا الأمر لأنَّكَ تَخطو خُطوة واحدة في كُلِّ مَرَّة. وإذا نَظَرْنا إلى الأصحاح الخامِس مِنْ رِسالة غَلاطيَّة (الَّتي تَسْبِق رِسالة أفَسُس) سنَرى أنَّ هذا هو، في الحقيقة، المَثَل التوضيحيّ الَّذي يَستخدمه الرسول بولس في سِياقٍ آخر. فالناس يقولون: "أتَدري أنَّنا قُمْنا بِصياغة عقيدةً كاملةً بناءً على ما جاء في أفسُس 5: 18؟ ولكِنْ كيفَ قُمْنا بِصياغَة هذا كُلَّهُ بناءً على تلك الآية الواحدة؟" ولكِنَّ هذه العقيدة ليست قائمةً على تلك الآية الواحدة. فهذه طريقة مُنفردة للنَّظر إلى الأمر. فهذا الحَقُّ المُختصُّ بالحياة الخاضعة للرُّوح موجود في كُلِّ العهد الجديد. إنه موجودٌ في كُلِّ مكانٍ مِنَ العهد الجديد. فيمكنكم أن تجدوه في سفر أعمال الرُّسُل، وفي رسالة كولوسي، وفي رسالة أفسُس، وفي رسالة غلاطِيَّة، وفي الأصحاح الثامن مِن رسالة رُومية. وهو موجودٌ في إنجيل يوحنَّا إذْ إنَّ المسيح تَحدَّث عن مجيء الرُّوح. فهو موجودٌ في كل مكان.

ولكنِّي أريد منكم أن تُلاحظوا ما جاء في رسالة غلاطيَّة 5: 16 لأنَّ بولس يَستخدم هنا الكلمة "اسْلُكوا" للحديث عن خدمة الرُّوح هذه. فهو يقول: "اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ". والحديث هنا هو عن الحياة الَّتي يُهيمِن عليها الرُّوح. فالأمر يُشبه المَشْي. فهو يَحْدُثُ خُطوة تلو الأخرى. فهو يعني المَشي خُطوة تلو الأخرى في الرُّوح – أيْ تحت هَيمنة الرُّوح. والمَعنى الحَرفيُّ في اللُّغة اليونانيَّة يَعني الاستمرار في السُّلوك في الرُّوح. فلا يجوز أن تَحيدَ عَنْ ذلك. وإنْ فَعلتَ ذلك فإنَّك لن تُتَمِّم شَهوة الجسد. بعبارة أخرى، فإنَّ الطَّريقة الصَّحيحة للتغلُّب على الخطيَّة في حياتك، وللتغلُّب على رغباتك الشريرة وتجارب الشَّيطان هي، ببساطة، أن تَسلك في الروح. فينبغي فقط أن تستمرَّ في السلوك في الروح.

وكما تَرَوْن، فإنَّ الشيء الإيجابيَّ يُعالج المشكلة السلبيَّة. وكما تَعلمونَ فإنَّ الناس يقولون: "إنَّ الشَّيطانَ يُلاحِقُني والأرواح الشِّرِّيرة تُطارِدُني. لذلك، يجب عليَّ أن أطلب مِن أحدِ الأشخاص أن يَطرد الشَّياطين مِنِّي. فأنا لا أعرف كيف أُقاوم الشَّياطين. لذلك، يجب عليَّ أن أطلب مساعدة شخصٍ خبيرٍ في ذلك". فقط اسلُك في الرُّوح ولن تواجه مُشكلة مِنْ هذا النَّوع. أتَسمع ذلك؟ فالشَّيءُ الإيجابيُّ يَتَغَلَّبُ على الشَّيء السَّلبيّ. لذلك، إذا كنت تَسلك في الروح فإنك لن تُتَمِّم شهوة الجسد.

ويجب عليكَ أن تَعلم أنَّ هناك حربًا تَدورُ رَحَاها في حَياتِك. انظر إلى العدد 17: "لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ". وقد تقول: "وما هو الجسد؟" إنَّ أفضل طريقة لتفسير الكلمة "جسد" هي أنْ نقول إنَّها تُشيرُ إلى أَصْلِ الخطيَّة؟ فالجسد هو المكان الَّذي يَستخدمه الشَّيطان لتجريبِنا. وهو ذلك الجزء مِنْ طبيعتنا البشريَّة الَّذي يَخضع للخطيَّة. فمعَ أنِّي إنسانٌ مَفْدِيٌّ، ومعَ أنَّ كل الأشياء قد صارت جديدة في المسيح، وأنَّ إنساني الجديد يَحيا في المسيح، وأنَّ المسيحَ يَحيا فِيَّ، ومع أنِّي خليقة جديدة، ومع أنِّي أمتلك طبيعة جديدة، فإنَّ طبيعتي البشريَّة والأرضيَّة تَجعلني مُعَرَّضًا للوقوع في الخطيَّة. والشَّيطان يَستخدم الجسد عندما يُجَرِّبُني. فالجسد هو ذلك العُنصر المُعادي للصَّلاح في الإنسان. وهو العُنصر الَّذي يَرغب في عمل الشَّرّ في الإنسان. وهو الشيء الَّذي قال عنه الرسول بولس في الأصحاح السابع مِن رسالة رومية إنه حتَّى عندما يرغب في فِعْلِ الصَّلاح فإنَّه يجد نفسه لا يَفعل الصَّالِحَ الَّذي يُريد، بل يَفعلُ الشَّرَّ الَّذي ليسَ يُريدُهُ.

ونحن جميعًا نُعاني بسبب ذلك. والطريقة الوحيدة لمعالجة ذلك لا تَقتضي مِنَّا أنْ نُكَرِّسَ كُلَّ وقتنا وطاقتنا لمقاومته، بل فقط أنْ نَسلك في الرُّوح. فإذا خَضَعْتَ لروح الله في كُلِّ لحظة مِن كُلِّ يومٍ عالمًا أنَّك موجودٌ في حضرة المسيح لأنَّك تَتغذَّى على كلمة الله، وعالمًا أنَّك موجودٌ في حضرة المسيح لأنك تُفَكِّر فيه، وتَنْظُر إليه، وتُدرك حضوره، فإنَّك لن تُعاني بسبب الجسد. فهناك شيئان لا يمكن أنْ يَشغلا ذِهنك في الوقت نفسه. فلا يمكنك أنْ تُرَكِّز فكرك على يسوع المسيح وأنْ تُرَكِّز فكرك على التَّجربة وشهوة الجسد في الوقت نفسه. فيجب عليك أن تَطرد واحدًا مِنْ هذين الشَّيئين لكي تُرَكِّز على الشيء الآخر. لذا فإنه يقول: "انظروا! هناك حرب روحيَّة. فالروح القدس وجسدك يقاومان الواحد الآخر. وكُلٌّ منهما يُعارض الآخر".

والآنْ، إذا استسلمتَ للجسد، ما الَّذي سيَحدث؟ إذا لجأتَ إلى أسلوب المقاومة السَّهلة ولم تَدرس الكتاب المقدَّس، ولم تصرف وقتًا في الصلاة، ولم تسلك في الروح، ولم تُسَلِّم دَفَّة حياتك لله، وفعلتَ ما تريد أنت، فإنَّ ما سيحدث مذكور في العدد 19: "أعمال الجَسد". وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ هِيَ: "زِنىً" [والكلمة الأصليَّة لا تُشيرُ فقط إلى الزِّنى، بل تُشير إلى كُلِّ نَشاطٍ جِنسيٍّ مُحَرَّمٍ]، "عَهَارَةٌ"، "نَجَاسَةٌ" [وهي نَجاسةُ الحياةِ عامَّةً]، "دَعَارَةٌ" [وهي كلمة قديمة تَرِد في الكتاب المقدَّس للإشارة إلى أيِّ سُلوكٍ انْحِرافِيٍّ. بعبارة أخرى، فإنها تُشيرُ إلى الشَّهوة الرَّدِيَّة الَّتي لا تَشْبَع وإلى جميع أنواع الانحرافِ الجنسيِّ]. ثُمَّ هُناكَ "عِبَادَةُ الأَوْثَانِ"، وَ "السَّحْر" [وَهُوَ يَرتبط بالديانات الوثنيَّة. وهي كلمة تُستخدَم أحيانًا للإشارة إلى العَقاقير أيضًا]. وَهُوَ يُضيفُ إلى ذلك: العَداوة، والخِصام، والغَيْرَة، والسَّخَط، والتَّحَزُّب، والشِّقاق، وإثارَة الفِتَن أوِ الاضْطِرابات (أو حَرْفِيًّا: "البِدَع"). وهناك أيضًا: الحَسَد، والقَتْل، والسُّكْر، والبَطَر، وهَلُمَّ جَرَّا. وهذه كُلُّها أشياء تَنتج عن الجسد.

وبالمناسبة، فإنه يقول إنَّ هذه الأشياء هي سِمات يَتَّصِف بها الأشخاص الَّذينَ "لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ". بعبارة أخرى، فإنَّ هذا هو أسلوب حياة غير المؤمنين. وهذا أبعد ما يكون عن الطَّريقة الَّتي ينبغي أنْ نَسلك بها. ولكن إذا سلكتَ حَسَب الجسد ولم تسلك حسب الرُّوح، ولم تَسمح للروح أن يُهيمِن على حياتك، ولم تَقبل في وقتٍ ما سُلطانَهُ، فإنَّ هذه الأشياء ستحدث في حياتك. وبالمناسبة، عندما يَحدث ذلك، سوف تقع تحت تأديب الله. فنحن نقرأ في العدد 18: "إِذَا انْقَدْتُمْ بِالرُّوحِ فَلَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ". والعكس صحيح. فإنْ لم تسلكوا في الروح، ستكونون تحت ناموس الله. وما الَّذي يَعنيه ذلك؟ إنْ فعلتَ أمورًا شرِّيرة، فإنَّ ناموس الله سيُطَبَّق عليكم. أليس كذلك. فلا بُدَّ مِنْ ذلك.

لذا، إذا سلكتم في الروح، ستَنجون مِن تأديب الله. ولكن إنْ فعلتم الأشياء المختصَّة بالجسد، ستَختبرون عواقب انتهاك ناموس الله. لذلك، عليكم أن تختاروا. فأنتم لديكم أشواق الرُّوح القدس. ولكِنَّ الجسد يَشتهي ضِدَّ الروح. وما الَّذي يحدث؟ إذا سلكتم حسب الجسد سترون حالاً تلك الأشياء تحدث في حياتكم وتصيرون تحت ناموس الله. وهناك عواقب لذلك. ولكِنَّنا نرى الوجه الآخر في العدد 22. فلنقل إنَّكَ سلكتَ في الروح. ولنقل إنك أَخْضَعْتَ حياتك لسُلطان الرُّوح. فأنت تقرأ في كُلّ يوم كلمة الله. وأنت تصرف وقتًا مع الربِّ في الصَّلاة كُلّ يوم. وأنت تُرَكِّز في كُلّ يوم على حضور يسوع المسيح. وعندما ترغب في اتِّخاذ القرارات اليوميَّة مِنَ الصَّباح الباكر حتَّى اللَّيل، فإنك تُخْضِع تلك القرارات لسُلطان روح الله. فما الَّذي سيحدث عندما تَسلك في الروح؟ سوف تُنْتِج ثَمَر الرُّوح وتكون هذه هي الصِّفة الرَّئيسيَّة في حياتك. "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ" ماذا؟ "ليسَ نَامُوسٌ". فإنْ فعلت ذلك لن تختبر تلك العواقب الوخيمة أو الدَّينونة النَّاجمة عن كَسْر النَّاموس. أَتَرَوْن! فليست هناك عُقوبة لمثل هذا النَّوع مِن الحياة.

هل تريد أن تحيا حياةً سعيدة؟ وهل تريد أن تحيا حياةً ذات مَعنى؟ وهل تريد أن تحيا حياةً مُفعمةً بالفرح والسَّلام؟ إذًا، عليك أن تَسلك في الروح. فالأمر سهلٌ. ونجد خُلاصة ذلك في العدد 25 إذْ نقرأ: "إِنْ كُنَّا نَعِيشُ بِالرُّوحِ [مِنْ جِهَة المَقام]، فَلْنَسْلُكْ أَيْضًا بِحَسَبِ الرُّوحِ [في الحياة العمليَّة]" أليس كذلك؟ فما معنى العيش بالروح والسلوك في الجسد؟ إنَّ هذا غير معقول البَتَّة. فإن أردتَ المسيح، ألا تريده الآن؟ وإنِ ابتدأتَ بالرُّوح، هل تُكَمِّل الآن شهوة الجسد؟ وما أعنيه هو: إنْ كنتَ تعيش في الروح، ينبغي أن تسلك في الروح وأن تَستمرَّ في فعل ذلك إلى النهاية. لذلك فإنَّ المعنى، يا أحبَّائي، مُشابِه في الحقيقة لما يقوله بولس في رسالة أفسُس. فهو يقول: عيشوا بالروح، واسلكوا بالروح، وامتلئوا بالروح، واخضعوا للروح، واسمحوا لكلمة المسيح أن تسكن فيكم. والنُّقطة الجوهريَّة هي أنَّ الله يريد مِنَّا أن نكون خاضعين له، لا لأنفسنا. هل تَفهمونَ ذلك؟

حسنًا، لننتقل إلى النقطة الثالثة، وهي النقطة الَّتي سنتحدث عنها في هذه المَرَّة وفي المَرَّة القادمة، وهي: النَّتائج. فهناك المُفارقة، والوصيَّة، والنَّتائج. فما هي النتائج؟ فإذا امتلأتُم بالروح، ما الَّذي سيحدث في حياتكم؟ في الحقيقة أنَّ النتائج تَرِد بوضوح في كُلِّ الجزء المُتبقِّي حتَّى نهاية رسالة أفسُس. فبقيَّة ما يحدث في هذه الرسالة هو نتائج. فإذا امتلأتم بالروح، فإنَّ أمورًا كثيرةً ستحدث. ولكِنْ هناك ثلاثة أمور رئيسيَّة أريد منكم أن تُلاحظوها في هذا الصباح. وسوف نُكْمِل هذه الأمور الثلاثة في المرَّة القادمة، ثُمَّ سنتحدَّث عنها بالتَّفصيل في وقتٍ لاحقٍ مِنْ شهر كانون الثَّاني/يَناير بعد انتهاء عيد الميلاد المجيد.

فهناك ثلاثة أمور تحدث عندما تمتلئ بالروح عامَّةً. أوَّلاً، التَّرنيم (في العدد 19) ... التَّرنيم. ثانيًا، الشُّكْر (في العدد 20). ثالثًا، الخُضوع (في العدد 21). ثلاثة أشياء: التَّرنيم، والشُّكْر، والخُضوع. فهذه هي الأمور الثلاثة. وهذه هي الفئات العامَّة. وبالمناسبة، فإنَّ الأمر الثالث (أيْ: الخُضوع) يَصيرُ أساسَ كل شيءٍ مِنْ بداية الأصحاح 5 والعدد 22 إلى نهاية الأصحاح 6 والعدد 9. فهذا المقطع كله هو تفسير للعدد 21. فالمقطعُ كُلُّه هو تفسيرٌ للعدد 21. ثم نقرأ في أفسُس 6: 10 وما يَليه عن سلاح المؤمن المسيحيّ وعَمَّا يحدث للشخص الَّذي يُعيشُ ويَسلك في الروح. فالشيطان يَتحرَّك مُحاولاً أنْ يُعيقَهُ. وأنتم تقرأون هنا عن كيفيَّة مُقاومته. لذلك فإنَّ المقطع كله يتحدَّث في الحقيقة عن نتيجة الامتلاء بالروح. فهذه هي الذُّروة، وهذه هي النُّقطة الجوهريَّة، وهذا هو الأَوْج، وهذا هو المِفتاح، وهذه هي نُقطة الذُّروة في رسالة أفسُس. وهذه هي نُقطة التقاء كُلِّ الأشياء معًا. فعندما تسلكون في الروح وتخضعون للروح، فإنَّ هذا هو ما يحدث.

والآن، لنتحدَّث عن هذه الأمور الثلاثة. أوَّلًا، التَّرنيم. وهذا أمرٌ شخصيٌّ أقوم به تُجاهَ نفسي. فالنتيجة الأولى للحياة الممتلئة بالكلمة هي حدوث شيء مُعيَّن في أعماقي يُنْشِئُ فِيَّ تَرْنيمًا. حسنًا؟ لذلك فإنَّ الشيء الأوَّل هو شيءٌ شخصيٌّ جدًّا. وهذا جميلٌ جدًّا - أيِ الطريقة الَّتي يقول فيها بولُس ذلك، والطريقة الَّتي أَوحى له الروح القدس بها للتَّعبير عن ذلك. فقبل كل شيء فإنَّ العيشَ بالرُّوح، والسلوك بالروح، والامتلاء بالروح له نتيجة في حياتي. فهو يُنشئ شيئًا فِيَّ بِمَعْزِلٍ عن أيِّ شخصٍ آخر. ثانيًا، الشُّكر. وهذا أمرٌ يَختصُّ بالله. ثالثًا، الخُضوع. وهذا أمرٌ يَختصُّ بكل شخصٍ مِنْ حَوْلي لكي تكون كل علاقة مُحْتَمَلَة هي علاقة صحيحة بواسطة الامتلاء بالروح. فأنا أتمتَّع بعلاقة سليمة مع نفسي، وبعلاقة سليمة مع الله، وبعلاقة سليمة معكم. أَتَرَوْن. فكل الأشياء مُرتبطة معًا.

فليست هناك طريقة أخرى صحيحة للحياة. أليس كذلك؟ فأنْ تتمتَّع بعلاقة سليمة مع نفسك، وأنْ تتمتَّع بعلاقة سليمة مع الله، وأنْ تتمتَّع بعلاقة سليمة مع الآخرين هي الطريقة الصحيحة الوحيدة للحياة. وعندما أتمتَّع بعلاقة سليمة مع نفسي فإنِّي أُرَنِّم. وعندما أتمتَّع بعلاقة سليمة مع الله فإنِّي أُقَدِّم له الشُّكْر. وعندما أتمتَّع بعلاقة سليمة معكم فإنِّي أَخْضَع. وما أَرْوَعَ الطَّريقة الَّتي قامَ فيها روح الله بربط هذه الأمور الثلاثة معًا. فكل العلاقات المحتملة مشمولة في ذلك الجانب – أيْ تلك الحقائق الثلاث البسيطة. ولكنِّي أُدْهَشُ دائمًا أنَّ النتيجةَ الأولى هي هذا الأمرُ الشخصيُّ جدًّا. ونحن نقول مَرَّة أخرى: يا لِرَوْعَةِ الله الَّذي يَهتمُّ بطريقة تجاوُبِنا معه. فهذا يُشبه ما فعله يسوع في التَّطويبات إذْ إنه ابتدأ كُلَّ عِبارة بالقول: "طَوبى" (أو "يا لِسَعادَة") "طَوبى ... طَوبى ... طُوبى ...". "طوبى لفُلان" وَ "طوبى لفُلان" وَ "طوبى لفُلان". أتَرَوْن! فهذا هو أوَّل شيء يَهتمُّ به اللهُ دائمًا عندما يَتحدَّث إلينا إذْ إنه يقول لنا: "أنا أفعل هذا الأمر لأجلكم". وهناك عُنصرٌ في ذلك يَختصُّ به، وعُنصرٌ آخر يَختصُّ بالآخرين. وهذه الجوانب الثلاثة تَسير جنبًا إلى جنب.

ولكِنْ لننظُر إلى الجانب الأوَّل. ونحن لن نَنتهي مِنْ ذلك في هذا الصَّباح. لذلك، لا تَقلقوا. التَّرنيم. وهذا أمرٌ شخصيٌّ جدًّا. وكم يُدهشني، بل يُدهشني جدًّا، أنْ أتحدَّثَ عنْ حَقٍّ لاهوتيٍّ عظيمٍ كهذا: "امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ". وقد تقول: "يا للرَّوعة! فإذا امتلأنا بالرُّوح، ما الَّذي سيحدث؟" وقد تقول: "يمكننا أن نقول لذلك الجبل ’انتقل‘ فيَنتقل". فيمكننا القيام بأمور رائعة كأن نَكْرِز بالكلمة فتَخلُص النُّفوس وتحدث أمور عجيبة. وهل تعلمون ما الَّذي تقوله الكلمة؟ امتلئوا بالرُّوح فتَتَرَنَّمون. وقد تقول: "هذا يبدو غريبًا. فهناك شيءٌ مَفقودٌ هُنا لأنَّي لا أتمتَّعُ بصوتٍ جميل. فهل هذا الكلامُ يَصحُّ عَلَيَّ؟ إنَّ الآية لا تقول إنك ستُرَنِّمُ بصوتٍ رائعٍ. وأنا أريد منكم أن تَعلموا ذلك. فهناك راحة كبيرة في معرفة ذلك. وحتَّى إنَّ الآية لا تقول إنه ينبغي لأيِّ شخصٍ أن يَستمع إليك. أتَرَوْن ذلك؟

ولكِنَّ النتيجة الأولى للحياة المُمتلئة بالروح هي حدوث شيء في حياتي يأخُذُ شَكْلَ تَرنيمة. أتَرَوْنَ ذلك؟ فالتَّرنيم هو تعبيرٌ عن عواطفنا ومشاعرنا. وفي الأسبوع القادم، سأريكم بعض الأشياء الرائعة جدًّا. فهل تعلمون أنكم تستطيعون أن تُزَقْزِقُوا في الرُّوح؟ أجل، وهذا أمرٌ رائعٌ. ولكِنَّنا سَنُرْجِئُ الحديثَ عن ذلك للأسبوع القادم. أجل. فالعبارة اليونانيَّة الأصليَّة المُتَرْجَمَة "مُكَلِّمينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا" تَعني أنْ تُزَقْزِقوا كالعُصفور. ولكِنَّنا سَنَتحدَّث عن ذلك في الأسبوع المُقبل. والحقيقة هي أنه مِنَ الأفضل أنْ يُزَقْزِقَ بَعضُكُمْ على أنْ يُرَنِّم. ولكِنْ على أيَّةِ حال، فإنَّ هذا الأمر يُعَبِّرُ تعبيرًا رائعًا عن حقيقة أنه عندما يَسلك المؤمن بالروح، فإنَّه يَحصل على فرحٍ داخليٍّ يُعَبَّر عنه مِن خلال الموسيقا النَّابعة مِن أعماقه. فقد أَوْدَعَ اللهُ موسيقا في رُوْح الإنسان، وهُوَ يُطْلِقُها بأجمل صورة مُمكنة مِنْ خلال الامتلاء بالروح القدس. ويمكنني أنْ أُؤكِّدَ لكم أنه عندما يَمتلئ الإنسان بالروح القدس ويُرَنِّم، لا يَهُمُّ إنْ كانَ يُرَنِّمُ حسنًا جدًّا. فهذا ليس مُهِمًّا، وهو لا يعني بالضرورة أنْ يُصِيْبَ جَميعَ النَّغَماتِ الصَّحيحة أيضًا.

في صباح يوم الأحد الماضي، كان في وَسْطِنا شابٌّ جاءَ إليَّ وقَدَّمَ نفسه إليَّ لأنِّي لم أَلْقاهُ مِنْ قَبْل. فقد قال: "أنا ’راندي ميندينهول‘" (Randy Mendenhall). فقلتُ: "آه! أجل! أنا أعرف اسمك، يا راندي. فقد كتبتُ لك بِضع مَرَّاتٍ". فقال: "أجل". وكان قد خَرَجَ للتَّوّ مِنْ سِجْن "سوليداد" (Soledad) في "فاكافيل" (Vacaville). فقد سُجِنَ نحو ثلاث سنوات، أو سَنتين، أو سَنَتَيْن وبضعة أشهر. وعندما دَخَلَ السِّجْن، كان أحد الأشخاص قد أعطاهُ شريطًا سُجِّلَتْ عليه واحدة مِنْ خَدَماتِنا. وقد كَتَبَ إلينا وطلبَ المزيدَ مِنَ الأشرطة. وقد حصل على الكثير مِنَ الأشرطة. وقد جاء إلى المسيح وكَرَّس حياته للمسيح. وقد كان مُعَلِّمًا للكتاب المقدَّس في السجن. وهذا أمرٌ رائعٌ. وهو يقول إنَّ أشرطتنا موجودة في كل مكان في تلك السُّجون، وإنَّ الرِّجال يجلسون في زِنْزاناتهم في كل يوم ويستمعون إلى الأشرطة، وإنَّ الربَّ يعمل عملًا عجيبًا. ولكنَّه قال: "أريدُ مِنْكَ أنْ تَسمع اخْتباري". وقد قال: "لقد كَتبتَ إليَّ وأرسلتَ كُلَّ الأشرطة. وأنا أريد أن أُعطيكَ شريطًا سَجَّلْتُ عليهِ اخْتباري". لِذا فقد قُلت: "هذا رائعٌ يا راندي. مِنْ دواعي سُروري أنْ أحصل عليه". وقد أخذته وقمت بتشغيله في سيَّارتي أثناء ذهابي إلى مكانٍ ما. وقد ابتدأ بالقول: "أَوَدُّ أنْ أُرَنِّمَ أوَّلاً".

إنه يُقَدِّم شهادته أو اختبارَهُ الوَداعِيَّ لجميع السُّجناء لأنه كان قد خَرَجَ مِنَ السجن قبل أسبوعين. وقد قال: "أَوَدُّ أنْ أُرَنِّمَ أوَّلاً". وقد قال: "أنا أشعرُ أنِّي أرغبُ في أنْ أُرَنِّمَ في قلبي". لذلك فقد ابتدأَ بالتَّرنيم. وأوَدُّ أن أقول لكم إنه تَنَقَّل بين خمسة مقامات موسيقيَّة في المقطع الأوَّل في مُحاولة للعُثور على نُقطة البداية وفي مُحاولة للعُثور على اللَّحْن. وقد رَنَّم تَرنيمةً دون بيانو، ودون غيتار، ودون أيِّ آلة مُوسيقيَّة مُرافِقَة. وقد كان في الزِّنزانة. فمِنَ الواضح أنه كان في مَبْنى إسْمَنْتِيٍّ ذي أرضيَّة إسمنتيَّة لأنَّ صَدى صوته كان يملأ المكان. ولكنَّهُ رَنَّمَ وَرَنَّمَ وَرَنَّمَ حتَّى انتهت التَّرنيمة ثُمَّ قال: "أُريدُ أنْ أُرَنِّمَ ترنيمةً أُخرى". وقد رَنَّمَ. وأعتقد أنه رَنَّمَ لعشر دقائق أو لخمس عشرة دقيقة. وما أنِ انتهى، كنتُ أَضْحَكُ في قلبي. فقد كان الفَرَحُ يَملأني والدُّموع تَملأُ عَيْنَيَّ. ويجب أن تَعلموا أنَّهُ لم يكن يَعنيني في شيء عدم وجود فرقة موسيقيَّة أو بيانو كبير أو أُورْغِن. ولم يَكُنْ ذلك يَعنيني في شيء لأنَّ الرَّجُلَ كان يُرَنِّم بسبب امتلائه بروح الله. لذلك، لم يَكُنْ مُهِمًّا أنْ يُرَنِّمَ حَسَب الأصول. فقد كان يُرَنِّمُ وهو مُمتلئ بحضور المسيح. وقد كان ذلك واضحًا للجميع ولي.

مِنْ جانبٍ آخر، فقد استمعتُ في حياتي لترانيم رَنَّمَها أشخاصٌ موهوبونَ برفقة مُختلف الآلات الموسيقيَّة ومُختلف الخلفيَّات ومُختلف المُحَسِّنات الصَّوتيَّة، وكُلِّ هذه الأمور؛ ولكِنَّها لم تَكُنْ في رأيي نابعة مِنْ روح الله. وهذا هو ما يتحدَّث عنه بولس. فقد كان هناك شيءٌ ما في قلب "راندي". أَتَرَوْن. فقد كان هناك شيءٌ ما في قلبه بسبب ما كان الله يَصنعه في حياته. وهو الآنْ يُكَرِّس حياته لزيارة تلك السُّجون والكرازة بيسوع المسيح لهؤلاء المساجين. أَتَرَوْن! فهناك شيءٌ في داخله جَعَلَهُ يُرَنِّم. وقد كانت ترنيمة جديدة. وهي ترنيمة لا يمكن لأحد غير المسيح أنْ يُعْطيها. ويمكنكم أنْ تَرَوا المُفارقة بين ذلك التَّرنيم والموسيقا الوثنيَّة الصَّاخبة النَّاشئة عنِ السُّكْر الَّذي كان مُتَفَشِّيًا في مدينة أفسُس ومُرتبطًا بالديانة الشِّرِّيرة الشَّيطانيَّة. ويا للفرق الواضح بين تلك الموسيقا وهذه التَّرنيمة العذبة الَّتي يَضَعُها الروح القدس في قلوب أولئك الأشخاص الَّذين يَخضعون لسُلطانه. وهذا هو الفرق. لذلك فإنَّ بولس يقول: "عندما نَجتمع معًا في اجتماعات العبادة، وَنُرَنِّمُ مِنْ أعماق قلوبِنا، فإنَّ ذلك سيكون مُختلفًا عن الأغاني الَّتي اعْتَدْنا سَماعَها".

وإنْ كان هُناك، يا أحبَّائي، شيءٌ ينبغي أنْ يكون جديدًا في الحياة المسيحيَّة، ينبغي أنْ يكون الموسيقا. اسمعوني جيِّدًا: إنْ كانت الموسيقا تَعكس حقًّا لُغة الرُّوح، ينبغي أن تكون موسيقانا مُختلفة عن موسيقا العالم. أليس كذلك؟ لأنَّنا مُختلفون. والآية كولوسي 3: 16 تقول الشيء نفسه. فهي تقول إنه حين تمتلئون بكلمة المسيح، إليكم ما سيَحْدُث: سوف تُكَلِّمونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ. ونحن نقرأ هنا أيضًا: "مُتَرَنِّمِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ". فالأمر يبتدئ دائمًا بالقلب ويَصْعَد إلى الربِّ. أَتَرَوْن؟

وفي رسالة يعقوب والأصحاح الخامس، نجد جُملةً رائعةً تقول في العدد 13: "أَعَلَى أَحَدٍ بَيْنَكُمْ مَشَقَّاتٌ؟ فَلْيُصَلِّ. أَمَسْرُورٌ أَحَدٌ؟ فَلْيُرَتِّلْ". فالترنيم هو دائمًا تعبيرٌ عن فرح الروح القدس. ونقرأ في رسالة رُومية أنَّ ملكوت الله بِرٌّ وفَرَحٌ وسلامٌ في الروح القدس. وعندما يُنشئ الروح القدس ذلك السَّلام، وذلك البِرّ، وذلك الفرح، فإنه يَظهر في صورة ترنيمة. وهذا شيءٌ عظيمٌ. فروح الله هو الَّذي أعطانا تلك الطَّريقة في التَّعبير. والفِداء يُعطينا ترنيمة جديدة. أَتَرَوْن؟ ترنيمة جديدة. والكلمة المُتَرْجَمَة "جديدة" هُنا هي ليست الكلمة "نيئوس" (neos) الَّتي تَعني "جَديد" مِنْ حيث الزَّمَن، بل هي الكلمة "كاينوس" (kainos) والتي تعني "ترنيمةً جديدةً" لأنه لم تكن هناك ترنيمة مشابهة لها مِنْ قَبْل. فهي ليست جديدة مِنْ حيث الزَّمَن، بل هي جديدة في نوعِها، وجديدة في طَبيعَتِها، وجديدة في نَوعيَّتها. فترنيمتنا ينبغي أنْ تكون ترنيمة مُختلفة.

لقد سمعتُ بعض التَّرانيم الَّتي يُفترَضُ بها أن تكون ترانيم مسيحيَّة، ولكنَّها بَدَتْ في نَظَري مِثل بقيَّة الأغاني في العالم. وقد سمعتُ ترانيم مِثْل تلك الَّتي سَمِعناها في هذا الصَّباح، وهي ترانيم ليس لها مَثيل في العالم في نَظري. فهي ترنيمة جديدة. وبالمناسبة، هناك تَسميات عديدة للتَّرنيمة الجديدة. وأعتقد أنَّ هناك تسعة شواهد كِتابيَّة عنها في الكتاب المقدَّس. وفي كُلِّ مَرَّة تَرِد فيها، فإنَّها تَرتبط بالفِداء وتَرتبط بالخلاص. لذلك فإنَّ الخلاص هو الَّذي يُنْشِئ تَرنيمةً جديدة.

ويمكنني أنْ أُبَيِّن ذلك لكم بصورة واضحة جدًّا بأنْ أطلب منكم أن تَنظروا معي قليلاً إلى سفر المزامير. فنحن نقرأ في المزمور 33: 1: "اِهْتِفُوا أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ بِالرَّبِّ". فنحن نَهتُفُ لأنَّ اللهَ بَرَّرَنا. "بِالْمُسْتَقِيمِينَ يَلِيقُ التَّسْبِيحُ. احْمَدُوا الرَّبَّ بِالْعُودِ. بِرَبَابَةٍ ذَاتِ عَشَرَةِ أَوْتَارٍ رَنِّمُوا لَهُ. غَنُّوا لَهُ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً". لماذا؟ "لأَنَّ كَلِمَةَ الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ، وَكُلَّ صُنْعِهِ بِالأَمَانَةِ. يُحِبُّ الْبِرَّ وَالْعَدْلَ. امْتَلأَتِ الأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ". بعبارةٍ أخرى، إنَّها جديدة بسبب ما فعله اللهُ لِتبريرِنا. وهي جديدة بسبب ما فعله الله لفدائِنا حَتَّى إنَّنا نُرَنِّمُ ترنيمةً جديدة. ونحن نقرأ في المزمور 40: 3 الشيء نفسه. فنحن نقرأ في العدد الثَّاني: "وَأَصْعَدَنِي مِنْ جُبِّ الْهَلاَكِ، مِنْ طِينِ الْحَمْأَةِ، وَأَقَامَ عَلَى صَخْرَةٍ رِجْلَيَّ. ثَبَّتَ خُطُوَاتِي"، ونتيجة لهذا الخلاص المجيد، "جَعَلَ فِي فَمِي تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً". أَتَرَوْن؟ ويمكنكم التَّعَمُّق أكثر في سِفْر المزامير فتقرأون في المزمور 96: 1: "رَنِّمُوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً. رَنِّمِي لِلرَّبِّ يَا كُلَّ الأَرْضِ. رَنِّمُوا لِلرَّبِّ، بَارِكُوا اسْمَهُ، بَشِّرُوا مِنْ يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ بِخَلاَصِهِ". ونرى مَرَّةً أخرى أنها ترنيمة للخلاص. ونقرأ في العدد الأوَّل مِنَ الأصحاح 98 أو المزمور 98: "رَنِّمُوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً" لماذا؟ نقرأ في العدد الثاني: لأَنَّهُ "أَعْلَنَ ... خَلاَصَهُ".

ويمكنكم أن تجدوا ذلك حتَّى في نهاية سِفْر المزامير. فالمزمور 144 يَذكر ذلك في العدد 9: "يَا اَللهُ، أُرَنِّمُ لَكَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً". ونقرأ في المزمور 149: 1: "غَنُّوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً". فهذه التَّرنيمة مُرتبطة دائمًا بالفداء. فهذه هي الفكرة الجوهريَّة. وأخيرًا، كم أُحِبُّ ما جاء في سِفْر الرُّؤيا 5: 9 إذْ نقرأ: "وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً". وما هي التَّرنيمة الجديدة؟ "مُسْتَحِقٌّ هو الخَروف". أجل. "لأنه اشترانا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَأُمَّة وشَعْب ولِسَان". فهي دائمًا ترنيمة الفِداء. اسمعوني، يا أحبَّائي: إنْ كان هناك شيء جديد في الحياة المسيحيَّة فهو التَّرنيمة الجديدة. فهي ترنيمة الفداء الناشئة عن سُكْنى روح الله الَّذي يُنشئ فينا تسبيحًا نابعًا مِنَ الفرح الَّذي يَغمرنا عندما نكون خاضعين لِروح الله.

فقد افْتُدينا. وهذا يُنشئ فينا ترنيمةً. فعندما يُهيمن روح الله على حياتنا فإنه يَجعل تلك التَّرنيمة تَظْهَر. وقد كانت ترنيمة مُوْسَى ترنيمة فداء. اقرأوها في سِفْر الخروج والأصحاح 15. فالله أَخْرَجَ إسرائيل مِنْ أرضِ مِصْر. وهذه صورة للفداء في الأصل. أليس كذلك؟ فقد أخرجهم وَجَعلهم يَعبرون ذلك البحر عندما انْشَقَّ. وعندما رجع الماء أَغْرَقَ جَيْشَ فرعون. وأوَّلُ شيءٍ فعله بنو إسرائيل عندما وصلوا إلى الضَّفَّة الأخرى (بحسب خروج 15) هو أنَّهم اجتمعوا معًا ورَنَّموا ترنيمة مُوْسَى. وفي وقتٍ مِنَ الأوقات، قام اللهُ بتخليص بني إسرائيل (في الأصحاح الخامس مِنْ سِفْر القُضاة) بِأيدي هذَيْن الشَّخْصَيْن الرَّائِعَيْن: دَبُورَة وباراق. وحينئذٍ فإنَّنا نقرأُ أوَّلَ ترنيمةٍ يُرَنِّمُها شَخْصانِ في الكتاب المقدَّس هُما: دَبُورة وباراق – في الأصحاح الخامس مِن سِفْر القُضاة. فقد رَنَّماها مَعًا. فهي ترنيمة ثُنائيَّة عنِ الفداء؛ أيْ عن كيف أنَّ اللهَ أنقذ شَعبه. فهذا هو المَغزى مِنَ الترنيمة. فهي ترنيمة المَفديِّين؛ أي ترنيمة الأشخاص الَّذين خَلَّصهم الله بطريقة مُعجزيَّة مِنَ العبوديَّة، ومِنَ الخطيَّة، ومِنَ الضِّيق.

وهل تَعلمون، يا أحبَّائي، أنَّ الله يُحِبُّ الموسيقا؟ أجل، إنه يُحِبُّها. فالملائكةُ كانتْ تُرَنِّمُ قبل السُّقوط. والسَّماء ستمتلئ بالتَّسبيح إلى أبد الآبدين في النهاية. فهو يُحِبُّ الموسيقا. وأوَدُّ أنْ أُعطيكم فِكرة عمَّا جاء في العهد القديم. ففي العهد القديم، كان هناك ثمانية وثلاثون ألف شخصٍ يَخدمونَ في الهيكل – ثمانية وثلاثون ألفًا. وكان أربعة آلافٍ منهم مُوسيقيِّين. وهذا يَعني أنَّ واحدًا مِنْ أصْلِ تِسْعَة تقريبًا كان موسيقيًّا. فالله يُحب الموسيقا. وهل تَعلمون أننا نجد في سفر الخروج 15: 20 و 21 أوَّل جَوْقَة موسيقيَّة نسائيَّة؟ أجل. وهل تعلمون مَنْ كانت قائدة هذه الجَوْقَة؟ مَرْيَم. فقد أَسَّسَتْ جَوْقَةً موسيقيَّةً نسائيَّةً. وهل تعلمون شيئًا؟ هل تَعلمون أنَّ أوَّل جَوْقَة للرِّجال تَمَكَّنْتُ مِن العثور عليها هي في سِفْر صموئيل الأوَّل 10: 5. وقد كان مُؤسِّسوها هُمُ الأنبياء. فقد اجتمع الأنباء معًا وأَسَّسوا جَوْقَةً للرِّجال. وكم كنتُ أَوَدُّ أنْ أسمَعَهُم يُرَنِّمون. فأعتقد أنَّ ترانيمهم كانت قائمة على عقيدةً سليمة. وهل يمكنكم أن تتخيَّلوا جميع الأنبياء يُرَنِّمون؟

اسْمَعوني! فسوف أخبركم شيئًا مُدهشًا. إذا أردتم أن تسمعوا مجموعةً مِن الرجال يُرِنِّمون بطريقة فريدة، استمعوا إلى مجموعة مِنَ الواعِظينَ يُرِنِّمون. فأنا أذهب إلى مؤتمر "مودي" للرُّعاة وأستمع إلى ألفٍ ومِئَتَيْ واعِظٍ يُرَنِّمون. وهو أمرٌ رائعٌ حقًّا. فَهُمْ لديهم جَوْقَة للرِّجال. والرَّعِيَّة تُرَنِّمُ أيضًا. ونحن نقرأ في سفر أخبار الأيَّام الأول 13: 8 أنَّ الشَّعب كُلَّهُ كانَ يُرَنِّمُ مِنْ خلالِ التَّسبيحِ والعَزْفِ. وكَمْ أُحِبُّ ما جاءَ في هذا العَدَد إذْ نَقرأ إنهم كانوا يُرَنِّمونَ مِنْ كُلّ قُدرتهم. اسمعوا: إنَّ الكتاب المقدَّس يقول إنَّ الله يُحِبُّ الترنيم بصوتٍ عالٍ. فاللهُ يُحب الموسيقا العالية. وأنا أحيانًا أستمع إلى التَّرانيم في البيت، ولكِنَّ زوجتي تقول لي أنْ أُخْفِضَ الصَّوت. وأنا أقولُ لها: "لا تكوني غير رُوحيَّة يا عَزيزتي". فالله يُحِبُّ التَّرنيم بصوتٍ عالٍ، وليس بصوتٍ مُنخفض. فالتَّسبيحُ يَليقُ به، وهو يُحِبُّ الترنيم بتلك الطريقة.

وفي سفر أخبار الأيَّام الأوَّل 16: 4 و 5، نقرأ أنَّ داود أَسَّسَ جَوْقَةً. وقد كان داود موسيقيًّا عظيمًا. أليس كذلك؟ ويمكنكم أن تتخيَّلوا نوعيَّة تلك الجَوْقَة. وهل تَعلمون أنه كان يوجد في هيكل سُليمان (بحسب ما جاء في سفر أخبار الأيَّام الأوَّل 23: 5)، أنه كان لدى سُليمان أربعة آلاف مُسَبِّح. ولا شَكَّ أنها كانت جَوْقَة رائعة. ولكم أنْ تتخيَّلوا وجود أربعة آلاف شخصٌ مُدَرَّبٍ على التَّرنيم. وعندما تَحدَّث عَزْرا عنْ إعادة بناء الهيكل، ثم جاء زَرُبَّابل وبَنَوْا هيكلًا أصْغَر، كانت البلد قد اختبرت السَّبْيَ البابليَّ الرَّهيب. وكان أول شيء فعلوه (كما جاء في عزْرا 2) هو أنهم اختاروا جَوْقة موسيقيَّة. ومع أنها كانت تحوي مِئَتَيْ شخص، فإنها كانتْ جَوْقَة.

وهل تَعلمون أنَّ بعض اللَّاوِيِّينَ، ولا سِيَّما الكهنة، كانوا مُدَرَّبين ليكونوا موسيقيِّين مُحترِفين؟ اسمعوني يا أحبَّائي: إذا كان لديكم أبناء لديهم مُيولٌ موسيقيَّة، يجب عليكم أن تُشجِّعوهم في ذلك الاتِّجاه وأنْ تَصقلوا مهاراتهم لأنَّهم يُساعدونَنا جميعًا على التَّعبير عن تَسبيح قلوبنا. أَتَرَوْن؟

وفي الأصحاح 12 مِنْ سفر نَحَمْيا، نقرأ أنهمْ كانوا يُرَنِّمونَ بطريقة المُجَاوَبَة الصَّوتيَّة. ومِنَ الواضح أنَّ هذه الطريقة هي واحدة مِن الطرق المُحَبَّبَة لدى الله حيث إنَّه توجد فِرْقتان للتَّرنيم تقفان واحدة مِنْ هُنا والأُخرى مُقابِلَها فَتُرَنِّمانِ بالتَبادُل. واللهُ يُحِبُّ ذلك. وسوف أُبَيِّنُ لكم السَّبب بعد بِضْعِ دقائق.

وقد كانوا يُرَنِّمونَ بمُصاحَبَة الآلات الموسيقيَّة. ومعَ أنِّي لستُ خبيرًا في هذا الأمر، فقد عَثَرْتُ على الآلات التَّالية في الكتاب المقدَّس: الآلات الوَتريَّة، وآلات النَّفْخ، والطُّبول. وقد يقول البعضُ: "حَقًّا؟ هل هذا مذكورٌ في الكتاب المقدَّس؟" أجل، فَالطُّبولُ مَذكورة في الكتاب المقدَّس. وقد كانت هناكَ آلاتٌ إيقاعيَّة أخرى عَديدة. وكانت بعض الآلاتِ تُحْمَل باليد وتُقْرَع باليد الأخرى. وكانت هناك دُفوفٌ وأجراسٌ وآلاتٌ أخرى تَنْتَمي لفئة الآلاتِ الإيقاعيَّة. ولكِنْ في فئة الآلاتِ الوَتريَّة، كانت هناك آلة موسيقيَّة تُشبه القيثارَة، وكانت هناك آلة السَّنْطور الَّتي تُشبه القانون. وكانت هناك القيثارة نفسها. وكانت هناك آلة أُخرى تُسَمَّى "قيثارة داوُد"، وهي آلة كبيرة تُحمل باليد. وكانت هناك آلاتٌ نَفْخِيَّة مِثل تلك الَّتي سَمِعناها في هذا الصباح كالبُوق، والشِّياع، والنَّاي، والأورغن النَّفْخِيّ. وفيما يَختصُّ بالأشخاص الَّذين لا يملكون موهبة موسيقيَّة كبيرة، كان هناك بُوْقٌ يُنْفَخُ فيه. وكما تَرَوْنَ، فقد كانت هناك مُختلَف أنواع الآلات الموسيقيَّة. ولأنَّ تسبيحَ الربِّ لائقٌ، كانت الموسيقا (وما تَزال) طريقةً للتَّعبير عَمَّا في القلب.

وعندما نأتي إلى العهد الجديد، نجد اختلافًا طفيفًا. وسوف نَرى في المرَّة القادمة أنَّ العهد الجديد يُعَلِّم عن التَّرنيم بمصاحبة الآلات الموسيقيَّة. وسوف نرى ذلك في المرَّة القادمة. ولكِنْ هل تَعلمونَ الشَّيءَ الأخيرَ الَّذي فَعَلَهُ التَّلاميذُ على مائدةِ الربِّ قبل أنْ يَخرج يسوعُ، ويُقْبَضَ عليه، ويُحاكَمَ، ويُصْلَب؟ نقرأ أنَّ الشيء الأخير الَّذي فعلوه بعد عشاء الربِّ هو أنَّهم رَنَّموا. أَتَرَوْن؟ فقد اجتمعَ التَّلاميذُ ورَنَّموا. وأعتقد أننا نجد في الأصحاح الرابع مِن سفر أعمال الرسل واحدة مِن أقدم التَّرانيم. فأعتقد أنَّنا نجد هنا واحدة مِن أقدم التَّرانيم الَّتي رَنَّمتها الكنيسة. والحقيقة هي أنِّي أعتقد بوجود ترنيمة أخرى، كما سنرى في المَرَّة القادمة، في رسالة فيلبِّي ومواضِعَ أخرى. ولكنَّنا نقرأ في الأصحاح الرابع مِن سفر أعمال الرسل أنَّ المؤمنين اجتمعوا معًا (في العدد 24) و "رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتًا إِلَى اللهِ" ورَنَّموا تلك الترنيمة. فكيف يُعْقَلْ أنْ تُرَنِّمَ مَجموعةٌ كبيرة مِنَ الأشخاص نفس الترنيمة إلَّا إنْ كانوا يَعرفونها مُسَبَّقًا. أليس كذلك؟ فقد رَنَّموا معًا وَقَالُوا: "أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَنْتَ هُوَ الإِلهُ الصَّانِعُ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا"، وَهَلُمَّ جَرَّا إلى أنْ رَنَّموها كُلَّها. لذلك، مِن المؤكَّد أنَّ لدينا بعض النُّصوص على تَرانيمَ رَنَّموها في العهد الجديد. وما الَّذي كان بولُس وسيلا يَفعلانه في السِّجْن؟ لقد كانا يُرَنِّمان. أليس كذلك؟ يُرَنِّمان.

وفي الأصحاح 14 مِنْ رسالة كورِنثوس الأولى، يحاول الرسول بولس أن يُصَحِّح ترنيم مؤمني كورِنثوس فيقول: "انظروا: ينبغي أنْ تُصَلُّوا بالرُّوح وأنْ تُصَلُّوا أيضًا" بماذا؟ "بِالذِّهْن". وَهُوَ يقول: "عندما تَجتمعون معًا، فإنَّ كُلًّا منكم يريد أنْ يُرَنِّمَ ترنيمته الخاصَّة. ولكِنَّ هذا كثير. فلا يجوز أنْ يكون هناك ثمانية أشخاص يُرَنِّمُ كُلٌّ منهم ترنيمةً مُختلفةً في الوقت نفسه. فهذا أمرٌ يَصْعُب احتماله. لذلك، يجب أنْ تكونوا مُنَظَّمين". وعلى أيِّ حالٍ، فقد كانت الموسيقا مُرافقة دائمًا لشعبِ الله.

والآنْ، هل تَعلمون شيئًا؟ عندما يأتي يسوع ثانيةً، فإنه سيُؤسِّس مَلكوتَهُ الألفيَّ. أليس كذلك؟ أيِ المُلْكَ الألفيَّ على الأرض. وسوف تَزول اللَّعْنَة. وعندئذٍ، ستُرَنِّمُ الملائكةُ مِنْ جديد. وسوف يكون كُلُّ شيء في العالم رائعًا. وسوف يَملك يسوعُ بِصفته رئيس السَّلام. ويجب أن تَعلموا أنَّ واحدًا مِن الأشياء الأولى الَّتي سيفعلها هي أنَّه سيُنشئ هيكلًا في المُلكِ الألفيِّ. ويَصِفُ النبيُّ حِزْقيال هذا الهيكل في الأصحاحات 40 فصاعدًا مِنْ سِفْر حِزْقيال. وَهُوَ يُقدِّم لنا وصفًا للهيكل الَّذي سيُؤسِّسُهُ الربُّ لِمَجْدِهِ في فترة المُلْكِ الألفيِّ. وواحدٌ مِن أعظم الأشياء بخصوص هذا الشيء، أيْ هذا الهيكل، هو أنَّ اللهَ سيَبْني هناكَ مكانًا ضخمًا للجَوْقَة الموسيقيَّة. أتَعلمونَ ذلك؟ ويمكنني أنْ أرى ابتسامةً عريضَةً على وُجوه بعض أفراد الجَوْقَة الموسيقيَّة. فباستطاعتهم الآن أنْ يَترقَّبوا مَجيءَ الربِّ بفرحٍ جديد. وعلى أيِّ حال، ستكون هناك جَوْقَة موسيقيَّة في الهيكلِ الألفيِّ. ونَجِدُ وصفًا لهذه الجَوْقَة إذْ سيكونُ هناك فريقُ تَسْبيحٍ مِنْ هذا الجانبِ وفريقٌ آخر مِنْ ذاكَ الجانِب. ورُبَّما كان هذا يَعني أنهم سيُرَنِّمون بطريقة المُجاوَبَة الصَّوتيَّة. فسوف يُرَنِّمُ هؤلاء مَقطعًا ويُرَنِّمُ الفريقُ الثَّاني مَقطعًا آخَرَ. وهذا كُلُّهُ موصوفٌ. وسوف يكونُ المكانُ ضَخْمًا جدًّا حتَّى إنه سيَتَّسِع بسهولة لآلافِ الأشخاص في كِلا الجانِبَيْن إذْ سَيُرَنِّمُ هذا الفَريقُ وَيَرُدُّ عليهِ الفريقُ الآخر. وهذا يُعطينا فِكرة عن نَظرة الله إلى الموسيقا.

وقد أَرَدْتُ أنْ آخذَ بعض الوقت للحديث عن ذلك لكي تَعلموا أنَّ الله يُحِبُّ الموسيقا. ولكنه يحب الموسيقا الَّتي تَعكس ترنيمة الفداء الجديدة، والموسيقا النابعة مِنْ الحياة المُمتلئة بالروح. فهذا هو ما يُحِبّ.

وفي المستقبل، نَقرأ أنَّه سيكون هناك ترنيم. فإذا قرأتم ما جاء مِنْ بداية سِفْر الرُّؤيا إلى الأصحاح 14 ستجدون أنَّ أصواتَ القِدِّيسين تَصْدَحُ بالتَّرنيم. وهذه الجَوْقَة الرائعة هي جوقة مُميَّزة. وما أُريده منكم هو أنْ تَروا هذه الجوقة على حقيقتها. فنحن نقرأ في الأصحاح الأوَّل: "ثُمَّ نَظَرْتُ وَإِذَا خَرُوفٌ وَاقِفٌ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَمَعَهُ مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا، لَهُمُ اسْمُ أَبِيهِ مَكْتُوبًا عَلَى جِبَاهِهِمْ. وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ وَكَصَوْتِ رَعْدٍ عَظِيمٍ. وَسَمِعْتُ صَوْتًا كَصَوْتِ ضَارِبِينَ بِالْقِيثَارَةِ يَضْرِبُونَ بِقِيثَارَاتِهِمْ، وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ كَتَرْنِيمَةٍ جَدِيدَةٍ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ. وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّرْنِيمَةَ إِّلاَّ الْمِئَةُ وَالأَرْبَعَةُ وَالأَرْبَعُونَ أَلْفًا الَّذِينَ اشْتُرُوا مِنَ الأَرْضِ".

اسمعوني جيِّدًا: سوف تكون هناك جَوْقَة مؤلَّفة مِنْ مئةٍ وأربعةٍ وأربعينَ ألفَ مُرَنِّمًا يَضْرِبونَ بِقيثاراتِهم السماويَّة. ويا لها مِنْ ترنيمة! يا لها مِن ترنيمة! ونحن نقرأ في الأصحاح 15 عن شيءٍ آخر مُشابِه، أو بالأحرى مُماثِل، في الأصحاح 15 والعدد الثالث إذْ نَجِدُ الفكرة نفسها. وما الَّذي أَعْنيه بهذا؟ إنَّ ما أَعنيه هو أنَّ اللهَ يحب الموسيقا. فالله يحب الموسيقا الَّتي تُعَبِّر عنه تعبيرًا صحيحًا في الشكل والمضمون.

والآنْ، لننظر مَرَّة أخرى إلى أفسُس 5. فقد كان كُلُّ ما قُلْتُهُ خُروجًا عن الموضوع. ولكن انظروا إلى أفسُس 5. وسوف أطرح بعض الأسئلة. وربما نَطرح سؤالَيْن في هذا الصَّباح ونُكْمِل في المَرَّة القادمة. فعندما يَلتقي الأشخاص المُمْتَلِؤونَ بالرُّوح معًا، فإنَّ الكنيسة تَعمل بهذه الطريقة. فعندما يَلتقي الأشخاص المُمْتَلِؤونَ بالرُّوح معًا، ينبغي أوَّلاً أنْ يُرَنِّموا. فالتَّرنيمُ يُعَبِّرُ عن شيءٍ موجودٍ فينا. ونحنُ نُرَنِّمُ في وَسَطِ مَنْ؟ في وَسَطِ مَنْ؟ إليكم الإجابة الأولى – ولا أريدُ أنْ أُقْحِمَ الإجابَةَ إقْحامًا، بل أريدُ أنْ أُبَيِّنها فقط: "مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ". إذًا في وَسَط مَنْ نُرَنِّم؟ في وَسَط أنفسنا ... في وسط أنفسنا. ثم نقرأ في نهاية العدد 19 أنَّنا نُرَتِّلُ للربِّ. لذا فإنَّنا نُرَنِّمُ في وَسَطِ أنفُسِنا للربِّ.

والآنْ، أريد منكم أنْ تُلاحظوا الآتي لأنِّي أشعر أنَّ هذه النقطة مهمة: فالقِدِّيسون يُرَنِّمون في وسط أنفسهم لله. وهذا واضحٌ مِنْ خلال الكتاب المقدَّس بمُجمله. فلا يمكنكم أنْ تجدوا موسيقا كِرازِيَّة مُماثِلَة لهذه. وأعتقد أنَّ الله قادرٌ أنْ يَستخدم الموسيقا لجلب النَّاس للمسيح. وأعتقد أنَّ الله قادرٌ أنْ يَستخدم الموسيقا لتبكيت القُلوب. ولكِنِّي أعتقد أنَّه ينبغي أنْ يكون هناك تَقديمٌ لرسالة الإنجيل في الوسط. ورُبَّما تساعد الموسيقا في ضَرْب وَتَرٍ حَسَّاسٍ يَجعل الشخص يَتجاوَب. فأنا أُوْمِنُ بذلك. ولكِنَّ اللهَ لم يُعْطِنا الموسيقا في الأصل لتكونَ أداةً كِرازِيَّةً. ومع ذلك، فإنَّنا نَلتقي دائمًا أُناسًا يقولون: "لدينا فريقٌ تَسْبيحٍ كِرازِيٍّ"، أو: "لدينا فريقٌ يَستخدِم التَّسبيحَ للكِرازَة". والحقيقة هي أنِّي لا أعتقدُ أنَّ هذه كِرازَة. فمعَ أنَّهُ بإمكانكم أن تستخدموا الموسيقا لِجَذْبِ النَّاس، ولكِنْ يجب عليكم أنْ تُنادوا بالمسيح إنْ أردتُمْ أن تحصلوا على استجابة. فالموسيقا، في الأصل، هي تعبيرٌ عن الحياة المُمتلئة بالرُّوح.

وأنا لا أعتقد، يا أحبَّائي، أنَّ غير المُخَلَّصين قادرون على تَرْديدِ التَّرانيمِ الَّتي نُرَنِّمُها نحن. ولا أعتقد أنَّه يجوز لنا أنْ نَستخدِمَ أُناسًا لا يَعرفونَ روح الله، ولا يَعرفون المسيحَ الَّذي هو مَصْدَرُ موسيقانا لِكي يُعَبِّروا عَنْ موسيقانا. فأنا أعتقد أنَّ هذه الموسيقا خاصَّة بنا وأنَّها نابعة مِنْ قُلوبنا نحن.

لذلك، فإنَّنا نُرَنِّمُ في وسطنا، وُنَوَجِّهُ تَرنيمنا إلى الربِّ. فهذا هو الاستخدامُ الرئيسيُّ للموسيقا. فيجب أنْ نَستخدمها في العبادة، وفي الشَّرِكَة، وفي الاحتفال بحياتنا معًا في المسيح، وفي تسبيحه. فهي ليست موسيقا مُوَجَّهَة إلى العالم. فَهؤلاء موجودون في الخارج. ومِنَ المُحْزِنِ أنَّنا نرغب جِدًّا أحيانًا في أنْ نُرَنِّمَ ترنيماتِنا للعالم حَتَّى إنَّنا نأخُذُ ترانيمَنا ونَضَعُها في قَالَبٍ عالَمِيٍّ ظَنًّا مِنَّا أنَّها ستكون ترانيم كِرازِيَّة. ولكِنَّ هذا لا يَعْكِس الغاية الرئيسيَّة للموسيقا في الكتاب المقدَّس. لذلك، ينبغي أنْ نُرَنِّمَ فيما بَيْنَنا.

وهل تَعلمونَ أنَّه مِن المُحْزِن أنْ لا تكون الكنيسة مُرَنِّمَة. وهل تَعلمون أنَّ الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة حَرَمَت الكنيسةَ التَّرْنيمَ طوال خمسة عَشَرَ قَرْنًا؟ فقد حَرَموا الناس التَّرانيم – كُلِّيًّا. ولم تَعُدْ الموسيقا إلى الحياة إلَّا في عهد الإصلاح. وهل تَعلمون أنَّ المُصْلِحين أنفسهم كانوا مِنْ أعظم كُتَّاب التَّرانيم في كُلِّ العصور؟ وواحدٌ مِن أوائل الأشياء الَّتي فعلها المُصْلِحون العُظماء هو أنهم أعادوا التَّرانيم إلى الكنيسة. وقد عاد النَّاس إلى التَّرنيم لأنهم بَقَوْا وقتًا طويلاً مِنْ دونِه. لذلك، فيما يَختصُّ بكنيسة النِّعمة (Grace Church)، فإنَّنا نُرَنِّم. أليس كذلك؟ فهذا هو ما يفعله الناس المُمتلئين بالروح فيما بينهم. فَهُمْ يُرَنِّمون. لذلك، فإنَّنا نُرنم فيما بيننا. وهذا يُجيب عن السؤال: "في وَسَطِ مَنْ نُرَنِّم؟"

أمَّا السؤال الثاني فهو: مِنْ أيْن؟ فَمِنْ أين يَنبُع التَّرنيم؟ وما هو مَصدره؟ لننظر إلى العدد 19 مَرَّة أخرى. فنحن نقرأ في نهاية العدد: "مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ". ثم نقرأ العبارة: "فِي قُلُوبِكُمْ". وحَرْف الجَرّ "في" غير موجود في النَّصِّ اليونانيّ. بل هو مفهومٌ ضِمْنِيًّا مِنْ خلال الاسم المُستخدَم. ولكِنْ هناك احتمالاتٌ كثيرة بخصوص تلك الحالة. وقد بَحَثْتُ في النصِّ اليونانيِّ في هذا الأسبوع وتَتَبَّعْتُهُ قليلًا فوجدتُ أنَّ الكلمة "قلوبكم" قد تَرِد بصيغة دالَّة على ظرف المكان (لطلبة اللُّغة اليونانيَّة)، أو كأداة تُعَبِّر عن الوسيلة، أو كأداة تُعَبِّر عن السَّبب. والحقيقة هي أنه يوجد استخدام مُشابه جدًّا لاستخدام هذه الكلمة كأداة تُعَبِّر عن السبب. وإنْ كانت مُستخدمة بهذه الطريقة، فإنَّ المعنى المقصود هو أنْ نُرَنِّم ونُرَتِّلَ للربِّ بسبب ما يحدث في قلوبنا. وهذا هو لُبُّ الأمر كُلِّه. أليس كذلك؟ فترنيمُنا نابعٌ مِن قلوبنا. وإنْ لم يكن ذلك نابعًا مِن قلوبكم، يا أحبَّائي، لا يمكنكم أنْ تُرَنِّموا. أليس كذلك؟ فلا يمكنكم أنْ تُرَنِّموا بالطريقة الَّتي يريدها الله.

وهل تَذكرون أنه عندما تَمَّ سَبْيُ بني إسرائيل وأُخِذوا أَسْرى إلى بابل، فإنهم كانوا حَزانى وكَسيرِي القُلوب؟ وماذا فعلوا نتيجةَ ذلك؟ نقرأ في المزمور 137: 1: "عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ. عَلَى الصَّفْصَافِ فِي وَسَطِهَا عَلَّقْنَا أَعْوَادَنَا. لأَنَّهُ هُنَاكَ سَأَلَنَا الَّذِينَ سَبَوْنَا كَلاَمَ تَرْنِيمَةٍ، وَمُعَذِّبُونَا سَأَلُونَا فَرَحًا قَائِلِينَ: «رَنِّمُوا لَنَا مِنْ تَرْنِيمَاتِ صِهْيَوْنَ». كَيْفَ نُرَنِّمُ تَرْنِيمَةَ الرَّبِّ فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ؟" فقد عَلَّقوا أعوادهم على الصَّفْصَاف. وكما تَرَوْن، عندما لم يكن هناك ترنيم في قلوبهم، لم يكن هناك ترنيم في حَناجِرِهِم أيضًا. فقد عَجِزوا عن التَّرنيم. وقد عجزوا عن إطْراب البابليِّينَ لأنهم لم يشعروا بأيِّ شيءٍ في قلوبهم. وأنا أُقَدِّرُ لهم ذلك كثيرًا. أليس كذلك؟ فَهُمْ لم يكونوا مُرائين. وهُم لم يوافقوا على التَّرنيم مِنْ شفاههم فقط. وهُم لم يوافقوا على تقديم عَرْضٍ سَطْحِيٍّ. فإنْ لم يكن هناك ترنيمٌ في قلوبهم، لن يكون هناك أيُّ ترنيم على شفاههم. وإنْ لم تكن هناك موسيقا تُعْزَفْ، لنْ تكون هناكَ أعْوادٌ. فقد عَلَّقوها على الصَّفْصاف.

فإنْ لم يكن هناك ترنيم في قلوبكم، لا يمكنكم أن تُرَنِّموا حقًّا مِنْ شفاهكم. وهناك أشخاصٌ يُرَنِّمون مِن أجل المال. وهناك أشخاصٌ يُرنمون مِن أجل الشهرة. وهناك أناسٌ يَعزفون بسبب الكبرياء. فهم يُرَنِّمونَ دون رُوْحٍ. وهُمْ يُرنمون دون الامتلاء بالروح. ولكِنَّ الربَّ لا يريد أن يسمع ترنيمًا كهذا. أتَعلمون لماذا؟ لأنه إنْ كان هذا هو نوع التَّرنيم الَّذي تُرَنِّمونه، لا تُرَنِّموا. فإنْ كنتَ تأتي إلى كنيسة النعمة في الصَّباح وتُرَنِّم لأنَّ الجميع يرنم، ولكنك تشعرُ بالمرارة تُجاه الله، أو الغضب تُجاه الله، أرجو منكَ ألَّا تُرَنِّم. فالله لا يريد أن يسمع ترنيمَك. أو إذا أُتيحت لك الفرصة في أن تقف وتُرَنِّم ترنيمةً مُنفردة أو أن تَعزف ترنيمةً ولكنَّ قلبك لم يكن ممتلئًا بروح الله، لا تفعل ذلك. فلا يجوز أن تكون مُرائيًا لأنَّ ترنيمَتَنا هي ترنيمة المَفْدِيِّين وترنيمة الأشخاص المُمتلئين بروح الله.

ويجب عليكم أن تتذكَّروا ما قاله النبيُّ عاموس الَّذي دَانَ بني إسرائيل لأنهم استمرُّوا في الترنيم مع أنَّ قلوبهم لم تكن تَتوقُ إلى ذلك. ونحن نقرأ في سِفْر عاموس 5: 21 أنَّ اللهَ قال للنبيّ: "بَغَضْتُ، كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ. إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لاَ أَرْتَضِي، وَذَبَائِحَ السَّلاَمَةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لاَ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. أَبْعِدْ عَنِّي ضَجَّةَ أَغَانِيكَ، وَنَغْمَةَ رَبَابِكَ لاَ أَسْمَعُ. وَلْيَجْرِ الْحَقُّ كَالْمِيَاهِ، وَالْبِرُّ كَنَهْرٍ دَائِمٍ". بعبارةٍ أخرى، ما لم تسلكوا في الحَقِّ والبِرِّ، فإنِّي لست مُهتمًّا بترانيمكم. فالله يريد أن يسمع ترنيمة المَفْدِيِّين والترنيم النابع مِنْ حياةٍ مُمتلئةٍ بالروح.

ويا للأولويَّة الَّتي يُوليها الله للتَّرنيم لأنه نابع مِن القلب. لذلك يا أحبَّائي، يجب أن تكون موسيقانا مختلفة. فبسبب روح الله، يجب أن تكون فريدة. فلا يمكن لموسيقانا أن تكون مشابهة لموسيقا العالم. ولا يمكن لموسيقانا أن تكون مِثل موسيقاهم. فهذا لا يجوز لأنَّ الله ليس مِثل هذا النِّظام.

وسوفَ أختمُ بهذه الفكرة: لا يمكنني أن أنسى أنِّي كنتُ أتَمَشَّى في قرية صغيرة في جبال الأنديز في الإكوادور بأمريكا الجنوبيَّة. فقد سافرنا بسيَّاراتِ دَفْعٍ رُباعيَّة ورأينا حَيَوانات اللَّاما وهي تَرعى في جميع سُفوح الجبال، ورأينا الهنود على طول الطريقة التُّرابيَّة. وقد وصلنا إلى قرية صغيرة فقال "كين" (Ken): "أريد أن أُريكم القرية". فقلت: "حسنًا". لذلك فقد نزلنا مِن السيَّارات ومشينا بين المنازل الصغيرة المصنوعة مِن الطِّين. وقد مَشينا مسافة قصيرة في ذلك الطريق المُوْحِل الَّذي تَجري المَجارير في وسطه. وقد كان المكانُ كئيبًا وبدائيًّا جدًّا جدًّا. ولم يكن الأهالي يملكونَ شيئًا سوى الحَيَوانات وبعض المحاصيل الَّتي يمكنهم أنْ يزرعوها في تلك الأرض في أعالي جبال الأنديز على ارتفاع خمسة عشر ألف قَدَم.

وقد مشينا في تلك القرية الصغيرة ورأينا الناس. وكانوا يأكلون نوعًا صغيرًا مِن الدَّجاج الصغير الموجود في جميع أرجاء المكان. فقد كانوا يمسكون الدَّجاجة ويقطعون رأسها ويُلقونها في الوعاء الَّذي يحوي ماءً مَغليًّا طَوال الوقت. وعندما تكون جائعًا فإنك تأكل أيَّ شيء. وعندما وصلنا إلى نهاية تلك القرية الصغيرة، لم يكن هناك سوى الأكواخ المصنوعة مِن الطِّين. وفجأةً، سمعتُ ترنيمًا. وقد كان ذلك رائعًا لأنِّي مَيَّزْتُ أنَّ اللحن كان "يا تُرى أيُّ صَديقٍ مِثْلَ فَادينا الحَبيب". ولكنِّي لم أفهم الكلماتَ تمامًا. وقد اقتربنا أكثر فأكثر فوصلنا إلى مَبْنىً صغيرٍ جدًّا لا يحوي نوافذَ، وكان مصنوعًا مِن الطِّين وله سقفٌ مِنْ قَشّ. وقد قال لي "كين" (Ken): "لنذهب إلى الأمام". وقد ذهبنا إلى الأمام فلم نجد أيَّ شخصٍ جالسٍ. فقد كان الجميع واقفين لأنَّها الطريقة الوحيدة الَّتي يمكن فيها لذلك المكان أن يستوعب الجميع.

لقد كانوا واقفين جميعًا باكتظاظٍ شديد مِثل عُلبة ساردين. وقد كانوا يفتحون الباب على مِصْراعيه ويقفون في كل أرجاء المكان. وكانوا يُرَنِّمون بأعلى صوتٍ ممكن: "يا تُرى أيُّ صَديقٍ" بلُغتهم المحليَّة. وقد قلتُ لنفسي: "إنَّ هذا مُدهشٌ". فهذا لحنٌ غَربيٌّ. وهو لحنٌ لم يُلَحِّنْهُ واحدٌ مِنْ هُنود جبال الأنديز الأصليِّين. وهُم لا يَعرفون تلك الموسيقا. ولكِنَّ الأمر كان مُدهشًا بالنسبة إليَّ. فما حدث هناك هو أنَّ بعض الأشخاص خدموا هناك سنواتٍ وسنواتٍ وسنوات دون نتيجة. وأخيرًا، تَحَرَّك روح الله فاهتدى هؤلاء الهنود إلى المسيح بسرعة. فقد حدثت نهضة بالجُملة. وقد خَلَصَ الهنود في جميع أرجاء المكان. وقد بنوا كنيسة صغيرة. وقد كان ينبغي لهم أن يقفوا فيها بتلك الطريقة طوال الوقت. وقد كانوا يقفون ويُرنِّمون ترنيمةً تلو الأخرى، تلو الأخرى، تلو الأخرى. وقد قلت لنفسي: "هناك شيءٌ واحدٌ مُشترك بين المؤمنين المسيحيِّين. فنحن جميعًا نُرَنِّم ترنيمةً جديدة عندما نأتي إلى المسيح. أليس كذلك؟ فتلك لم تكن الأغنية الَّتي يُرَدِّدُها بقيَّة الناس في القرية، بل كانت ترنيمةً جديدة. وقد كانت تُعَبِّر عن بُعْدٍ جديدٍ في الحياة.

وهذا هو واحدٌ من الأشياء الأولى الَّتي تحدث في حياة المؤمن المسيحيّ. فقد حدث فِيَّ شيءٌ أعطاني ترنيمةً جديدة. وأنا مسرورٌ جدًّا لأنَّ الله أعطانا تلك الفرصة للتعبير عن أنفسنا. وأنا مُمْتَنٌّ جدًّا لأن الله أعطانا هذه الفكرة الصغيرة بأنَّنا حين نَمتلئ بالروح، فإنَّ أوَّل نتيجة تَختصُّ بنا نحن. وأنا مُمْتَنٌّ لهذه النعمة. وفي المرَّة القادمة، سنرى كيف يؤثِّر ذلك في علاقتنا بالله وبالآخرين. لِنَحْنِ رُؤوسَنا للصَّلاة:

نشكرك، يا أبانا، مرَّة أخرى في هذا الصباح على الفرح النَّاشئ عن وجودنا معًا، وعلى الفرح النَّاشئ عن التَّرَنُّم بترنيمة المَفْدِيِّين. وأودُّ أن أشكرك شكرًا خاصًّا اليوم على الموسيقيِّين الموهوبين الَّذين بارَكْتَنا بهم: على "جاك كولمان" (Jack Coleman)، وعلى "ريجي" (Reggie)، وعلى آخرين كثيرين مِثل "ماري جين" (Mary Jane)، و "ستيف" (Steve)، وغيرهم مِمَّن يُرَنِّمون، يا أبانا، ويَخْدِمونَنا. ويا لأهميَّة هؤلاء، يا أبانا، في خُطَّتك. ويا لأهميَّة هؤلاء إذْ إنَّهم يَقودونَ التَّرانيم النابعة مِن قلوبنا، ويُنَسِّقونَها، ويُشرفونَ عليها. ونحن نشكرك على جميع الأشخاص الَّذين كتبوا ترانيم رائعة في السنوات الماضية وحتَّى في وقتنا الحاضر. نشكرك، يا ربّ، على الترنيم. ونشكرك، فوق كل شيء، على روحك القدُّوس الَّذي يسكن فينا ويملأنا إذْ نَخضع له. وليتك، يا الله، تُساعدنا على أن نسلك في الروح حَتَّى إنه بالرَّغم مِن كل ما قد يحدث في الحياة، وبالرَّغم مِن أيِّ اضْطهادٍ قد نَتعرَّض له، وبالرَّغم مِنَ انهيار كل شيءٍ مِنْ حولنا، فإنه ستكون هناك أثناء سلوكنا بالروح ترنيمة جديدة نَتَرَنَّمُ بها دائمًا. نشكرك باسم المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize