Grace to You Resources
Grace to You - Resource

انظروا معي، مِنْ فَضلكم، إلى رسالة أفسُس والأصحاح السَّادس. وأقولُ مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباح إنَّني لَنْ أُتابعَ سِلسلتَنا الدراسيَّة لرسالة أفسُس لأنَّنا سنأخذُ استراحةً قصيرةً خلالَ الأسابيع القليلة القادمة. فأنا لا أريدُ أنْ أبتدئَ بدراسةِ الأصحاح السَّادس والأعداد مِنَ العاشر فَصاعِدًا إلَّا إنْ كانَ بمقدورِنا أنْ نَفعلَ ذلك كَوَحْدة واحدة. فهو المقطعُ الَّذي يَتحدَّثُ عن سِلاحِ المؤمن. وهو يَستحقُّ تركيزَنا الشَّديد. وعِوَضًا عنْ أنْ نَبتدئَ بدراسَةِ ذلكَ المَقطع، ثُمَّ نَتْرُكَهُ، ثُمَّ نَعود إليه مَرَّة أخرى، أُفَضِّلُ أنْ نَنتظرَ إلى ما بعدَ عيد الفِصْح المجيد قبلَ أنْ نَبتدئَ حقًّا بدراسته بِكُلِّ تركيز.

لِذا، أودُّ في هذا الصَّباح أنْ أَستخدِم ما جاءَ في رسالة أفسُس 6: 10-12 (وَهُوَ النَّصُّ الَّذي سنتأمَّلُ فيهِ لاحقًا) كنُقطة انطلاق وَحَسْب إذْ سنَذكرُ بعضَ الأفكار الَّتي أعتقد أنَّها مُهمَّة حقًّا لنا في وقتنا الحاضِر. فقبلَ نحوِ سنة، شَعرتُ أنَّني بحاجة إلى التحدُّث تحديدًا عن مواضيع تَختصُّ بمُستقبل كنيسة "النعمة" (Grace Church). وفيما كنتُ أقرأُ هذا النَّصَّ وأُصَلِّي بخصوصِ ما يُريدُ الربُّ مِنِّي أنْ أُشاركَهُ معكم في هذا الأسبوع، رَسَخَ هذا المَقطعُ في ذِهني. ولَعَلَّكُم تُلاحِظونَ ما وَرَدَ ابتداءً مِنَ العددِ العاشِر مِنَ الأصحاحِ السَّادسِ مِنْ رسالة أفسُس (وهو العَدَدُ الَّذي وَصَلْنا إليه في دراسَتِنا لهذا السِّفْر): "أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّات". وسوفَ نتوقَّفُ هُنا.

وبينما كنتُ أقرأُ هذا المقطع، كنتُ أقولُ لنفسي إنَّ هذه هي حقًّا الكلمات الَّتي ينبغي أنْ تُخْتَمَ بها رسالة أفسُس لأنَّ ما يقوله الرسول بولس هو الآتي: إذا كنتَ مؤمنًا حقيقيًّا بحسب التَّعريف المذكور في الأصحاح الأوَّل، والأصحاح الثاني، والأصحاح الثالث، وإذا كنتَ تَعيشُ بالطريقة الَّتي ينبغي للمؤمن الحقيقيّ أنْ يَحيا بها كما جاءَ في الأصحاحات 4 و 5 و 6، يمكنكَ أن تتيقَّن مِنْ شيءٍ واحد وَهُوَ أنَّكَ سَتَصْطَدِمُ بالعَدُوّ. فَمِنَ المستحيل أنْ تَحيا بالطريقة المذكورة في رسالة أفسس دون أنْ تَصطدِم بالشَّيطان. فهذا مستحيل.

وهذا هو السَّبب في أنَّه بعد أن يقول هذا كُلَّهُ فإنَّه يقول: "آخِرُ شيءٍ ينبغي أن تعرفوه هو أنَّهُ يجبُ عليكم أن تكونوا أقوياء. ويجب عليكم أنْ تَلبسوا سلاحَ الله لأنَّكم تَخوضونَ حَربًا روحيَّة". فهي حرب. وأنا أَذكُرُ أنَّني في الفَترةِ الأولى الَّتي جئتُ فيها إلى كنيسة "النعمة" (Grace Church)، ظَنَنْتُ أنَّ الأمرَ سيكونُ شَبيهًا بشهرِ العَسَل. وبعد بِضْعِ سنين، شَعرتُ أنَّ الأمرَ ليسَ مُشَوِّقًا كثيرًا. فهو شَبيهُ بالعمل. فيجب عليَّ أنْ أُحَضِّرَ كل هذه العِظات، وأنْ أَعِظ بها يوم الأحد، وأنْ أبتدئَ ثانيةً يوم الإثنينِ مْن جديد. وحيثُ إنَّهُ لم يكن لديَّ مَخْزونٌ سابِق، كنتُ أقولُ لكم كُلَّ شيءٍ أعرِفُهُ، وكنتُ أركضُ بِجُنون لكي أتمكَّنَ مِنَ القيامِ بكل شيء. وقد كانَ الأمرُ مُجْهِدًا.

وقبلَ بِضْعِ سنوات، نَهَضْتُ مِن نومي وأدركتُ أنَّ الأمرَ ليسَ شَهْرَ عَسل وأنَّهُ ليسَ عَملاً، بل إنَّها حرب. فنحنُ نَخوضُ مَعركةً. إنَّها حرب. وهذا هوَ جَوْهَرُ ما يقولُهُ بولسُ هنا. فإنْ كُنَّا، كما جاءَ في رسالة أفسُس 4: 1: "نَسْلُكُ كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِينا بِهَا"، وإنْ كُنَّا نَسلُكُ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَوَحْدَة لا بِبُطْلِ أذهانِنا كالأُمَم، وإنْ كُنَّا نَلْبَسُ الإنسانَ الجديد، وإنْ كُنَّا نَسْلُكُ بالمحبَّة لا بالشَّهوة، وإنْ كُنَّا نَسلُكُ في النُّور لا في الظُّلمة، وإنْ كُنَّا نَسلُكُ في الحِكمة لا في الجَهل، وإنْ لم نَكُنْ نَسْكَرُ بالخَمْر بل نَمتلئ بالرُّوح، وإنْ لم نكن نُغَنِّي أغاني العالم بل نُكَلِّمُ بعضُنا بعضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّة، وإنْ تَخَلَّينا عنِ الكبرياءِ والأنانيَّة وَخَضَعْنَا بَعْضُنا لبعض، وإنْ خَضَعَتِ الزَّوجاتُ لأزواجِهِنَّ كما للرَّبِّ، وإنْ أحَبَّ الأزواجُ زوجاتهُم كما أَحَبَّ المسيحُ الكنيسة، وإنْ أَطاعَ الأبناءُ آباءَهُم وأُمَّهاتِهم، وإنْ رَبَّى الآباءُ والأُمَّهاتُ بِتَأدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ، وإنْ كانَتِ العلاقةُ بينَ أصحابِ العملِ والمُوَظَّفينَ سَليمة وكِتابيَّة وذاتَ تأثيرٍ مُمتلئٍ بالرُّوح، حينئذً صَدِّقوني أنَّنا سنَتَصادَمُ معَ النِّظام ونَسيرُ بعكسِ التَّيَّار.

وهذا هو تمامًا ما يَحدثُ في مُجتمعِنا. فقد تَلقَّيتُ مكالمة هاتفيَّة في هذا الأسبوع مِن شبكة "سي.بي.إس" (CBS Network). وقد طَلبوا مِنِّي أنْ أذهبَ لِمُدَّة ساعة لمحاورة امرأة تُنادي بالمُساواةِ بين الجِنْسَيْن مِنَ المُنَظَّمة القوميَّة للنِّساء (National Organization of Women). فقد صِرنا مَشهورينَ حول العالم. ليسَ دائمًا بسببِ الأشياءِ الَّتي نؤمن بها، بل بسببِ الأشياءِ الَّتي يَظُنُّ الناسُ أنَّنا نؤمن بها. وأنا أتلقَّى كل يوم تقريبًا قُصَاصَات مِنْ أشخاصٍ في بَلَدِنا قَرَأوا مَقالَةً عن كنيستِنا تُسيءُ تَمْثيلَنا أو تُسيءُ التَّعبيرَ عَمَّا نحاول أنْ نَقولَهُ إلى حَدٍّ ما. وغالبًا ما يُعَبِّرُ هؤلاء عن قَلَقِهم الشَّديد لأنَّهُم يَظُنُّونَ أنِّي قد فَقَدْتُ عَقلي.

ولكِنَّ النقطة الَّتي أحاول أن أُوَضِّحَها هي أنَّنا ابتدأنا في أخذِ موقفٍ مِنْ بعض الأشياء في العالم. ونحنُ نَفعل ذلكَ دائمًا. ولكِنَّ حَجْمَنا، وتأثيرَنا، وبركة الله العظيمة قد جَعلت هذا كُلَّهُ شيئًا لا يستطيعُ العالمُ أنْ يَتجاهَلَهُ أكثرَ مِن ذلك. لِذا فقد ابتدأنا نَصنَعُ تأثيرًا في العالم. وهذا أمرٌ رائعٌ. ولكِنْ صَدِّقوني أنَّهُ عندما يبتدئُ اللهُ في مُباركة كنيسة، فإنَّ الشَّيطانَ يَبتدئ في مُهاجمة نفس الكنيسة. لِذا، إذا كنتَ تَظُنُّ أنَّكَ ابتدأتَ بالمجيءِ إلى كنيسة "غريس" (Grace Church) لكي تتمكَّنَ مِنْ وَضْعِ عُشِّكَ الصَّغيرِ هُناكَ في زَاويةٍ ما، ولكي تَنْعُمَ بالرَّاحة، فإنَّكَ مُخطئ. فأنا أعتقد أنَّنا على وَشْكِ الخُضوعِ للامتحان. وقد يَحدُث ذلك بطُرُق لم نَختبرها مِن قَبل.

والكتابُ المقدَّسُ يَتحدَّثُ عنْ أنَّ المؤمنَ جُنديٌّ. وأعتقد أنَّ هذا صحيح. وبولس يقولُ لتيموثاوس: "فَاشْتَرِكْ أَنْتَ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ". وهذا يَعني أنَّهُ ستكونُ هُناكَ مُعاناة. وأنا مُقتَنِعٌ حقًّا أنَّهُ لأنَّ اللهَ بارَكَنا فإنَّهُ يُطالِبُنا بالكثير. وكما تَعلمون، فإنَّ العالَمَ يُراقب هذه الكنيسة. وهذا أمرٌ يُدهِشُني. فأنا أَتَلَقَّى رسائلَ كُلَّ يوم مِن بلادٍ أجنبيَّة، ومِن رُعاةِ كَنائِسَ مِن كُلِّ بلدٍ قد يَخطُر ببالكم في العالم. وأنا أتلقَّى بانتظام رسائلَ مِن رُعاةِ كنائِس في أماكِنَ نائية في الهند، وفي أماكِنَ أُخرى في الشَّرق، وفي أوروبا، وأمريكا الجنوبيَّة، وجنوب إفريقيا، وقلب إفريقيا، ونيوزيلندا، وأستراليا.

والأمرُ يَسيرُ على هذا النَّحو طَوالَ الوقتِ إذْ يقولون: "أخبرنا عَمَّا تَفعله في كنيستك. كيفَ ولماذا يُبارِكُكُم اللهُ؟" وأنا أرى لا فقط أعيُنَ الرُّعاةِ والكنائس في العالم، بل أيضًا أعيُنَ وسائل الإعلام، والنَّاسِ الَّذينَ يُراقبوننا، وأعيُنَ غيرِ المؤمنينَ الَّذينَ يُراقبوننا. واللهُ يَفعلُ أمرًا عجيبًا. وأنا أُوْمِنُ وأُصَلِّي بأنْ يَؤولَ كُلُّ هذا إلى مَجْدِه. ولكِنْ في أيِّ وقتٍ يَحدُثُ فيها ذلك، يجب علينا أنْ نَحذَر.

وأنا أُفَكِّر في الرسول بولُس، وفي مدينة أفسُس ذاتِها. فقد ذهبَ إلى أفسُس فحدثت أمورٌ عَجيبة. فقد ذهبَ إلى تلك البلدة وابتدأَ يَكرِز بكلمة الله في المَجمع: "وَكَانَ قَوْمٌ يُقَسُّونَ قُلوبَهُم" (كما جاءَ في أعمال الرُّسُل والأصحاح 19)، ولكِنَّ قومًا آخرينَ آمنوا وأَصْغَوْا إليه". وقد عَلَّمَ هؤلاء. ولكِنْ في النِّهاية، صارَ المُعانِدونَ عُدوانِيِّينَ جِدًّا وطَرَدوهُ مِنَ المَجمع فذهبَ وصارَ يَعْقِدُ مُناقشاتٍ في مدرسةِ رَجُلٍ اسْمُهُ "تِيرَانُّسُ". وقد داوَمَ على ذلك سَنَتَيْن يُعَلِّمُ كُلَّ يوم (رُبَّما مِنَ السَّاعة الواحدة بعد الظُّهر إلى الخامسة مساءً) طَوالَ سنتينِ كاملتين. ونقرأُ أنَّ أُمورًا عظيمةً قد حدثت، وأنّ مُعجزاتٍ قد حدثت على يَدَيِّ الرَّسول بولُس، وأنَّ الناسَ الَّذينَ كانوا مُنْغَمِسينَ في أعمالِ السِّحْرِ والشَّعوذةِ راحُوا يَحرِقونَ كُتُبَ السِّحْرِ الَّتي لديهم. فقد حدثت تغييراتٌ كبيرة.

أمَّا التُّجَّارُ الذينَ كانوا يَبيعونَ الأصْنامَ الفِضِّيَّة الصَّغيرة الَّتي كانت جُزءًا مِنْ تِجارَتِهِم فوجدوا أنَّهم لم يعودوا يَجْنونَ المالَ مِنْ بيعِ تلكَ الأصنام. فقد صارَ النَّاسُ يُحاربونَ الأصنامَ ويُحَطِّمون أصنامَهُم. وحَدَثَ اضطرابٌ عظيمٌ في المدينة. ونقرأ في أعمال الرُّسُل والأصحاح 19: "هكَذَا كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ تَنْمُو وَتَقْوَى بِشِدَّةٍ". وفي وقتٍ لاحق، صارت تلك الكنيسة العظيمة الَّتي أَسَّسَها بولُس في أفسُس تَتلقَّى الإرشادَ مِنْ "أَكِيلاَ" وَ "بِرِيسْكِلاَّ"، ثُمَّ مِنْ تيموثاوس وأَبُولُّس، وعَرَفَتْ أفضلَ الرِّجالِ وأفضلَ الظُّروفِ وأعظمَ تاريخ. وبالرَّغمِ مِن ذلك، عندما ابتدأوا يَخْدِمونَ حقًّا، ابتدأَ الشَّيطانُ هُجومَهُ. وقد ابتدأَ يُهاجِمُ بطُرُقٍ مَاكِرَة جدًّا لأنَّ هذه هي دائمًا خُطَّتَهُ.

وأنا أُوْمِنُ بما جاءَ في رسالة أفسُس 3: 20: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا، لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ". فأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ يُريدُ أنْ يكونَ هناكَ مَجْدٌ في كنيسَتِه. وأنا أُوْمِنُ أنَّهُ يَحصُلُ على ذلك المجد مِن خلالِ السَّماحِ للكنيسة بأنْ تَفعلَ بِقُوَّتِهِ أشياءَ تَفوقُ حَتَّى كُلَّ ما قد نَحْلُمُ به. وأعتقدُ أنَّ اللهَ يُريدُ أنْ يَذهبَ إلى أبعدِ جِدًّا مِمَّا وَصَلنا إليهِ الآن. وأعتقد أنَّنا قد ابتدأنا وَحَسْب نَرى ما يستطيعُ اللهُ أنْ يَفعلَه حينَ تُكَرِّسُ مَجموعةٌ مِنَ النَّاسِ نَفسَها تمامًا للسُّلوكِ كما يَحِقُّ للدَّعوةِ الَّتي دُعُوا بها، وحينَ تُكَرِّسُ مَجموعةٌ مِنَ النَّاسِ نَفسَها لعيشِ تلك الحياةِ الَّتي تدعونا إليها الأصحاحات 4 و 5 و 6 مِنْ رسالة أفسُس.

ولكِنْ حَالَ ابتداءِ ذلك فإنَّ الشيطانَ سيُعارِضُها. ونحنُ نَرى ذلكَ في كُلِّ مكانٍ مِنْ حولِنا. فإذا رَجعتُم إلى العهد القديم (مثلاً) ستَرَوْنَ أنَّ اللهَ يُرسِلُ ملاكًا في سِفْر دانيال والأصحاح العاشر، وأنَّ الشَّيطانَ يَحْجِزُ ذلكَ الملاك لكي لا يتمكَّن ذلكَ الملاك مِنَ القيامِ بمأموريَّتِهِ الإلهيَّة. ثُمَّ إنَّ اللهَ أرسَلَ ملاكًا أعظمَ وأقوى لإلحاقِ الهزيمة بذلك الشَّيطان وتحريرِ ذلك الملاك للقيام بمأموريَّتِه. ونقرأُ في العدد التَّاسع مِنْ رسالة يهوذا أنَّ رئيسَ الملائكة "ميخائيل" خَاصَمَ الشَّيطانَ على جسد مُوسَى. فقد حاولَ الشَّيطانُ أنْ يَمنعَ ميخائيل مِنَ المُطالبة بجسد مُوسى لله.

لِذا، هناكَ صِراعٌ روحيٌّ عالي المُستوى. ونحنُ مَعْنِيِّينَ بهذا الصِّراع. فنحنُ نقرأ في رسالة أفسُس 6: 12: "فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّات". لِذا فإنَّنا نَخوضُ هذا الصِّراع الهائل. وهذا هو ما يَدفعني إلى القول إنَّها حرب. وأنا أعتقد أنَّ المسيحيَّة في أمريكا صارت مُتعجرِفة جدًّا، ومُرتاحة جدًّا، ولها ثقافَتُها الخاصَّة بها. وعِوَضًا عن أنْ نَتَصَدَّى للنِّظام السَّائد، صِرنا نُسايِرَهُ ونحاولُ أنْ نَتَبَنَّاه. فنحنُ نَظُنُّ أنَّنا نستطيعُ أنْ نَجتذبَ أهْلَ العَالَمِ مِنْ خلالِ التَّشَبُّهِ بهم.

ولكِنَّ العكسَ هو الصحيح. فيجب علينا أنْ نُواجِهَ النِّظام. ويجب علينا أنْ نُدركَ حقيقة أنَّ الشيطانَ سيُهاجمُنا. وكما تَعلمونَ فإنَّ يَعقوب يقول في الأصحاح الرابع: "قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ". وبُطرس يقول في رسالتِه الأولى 5: 8 و 9: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا" لماذا؟ "لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ.  فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ، عَالِمِينَ أَنَّ نَفْسَ هذِهِ الآلاَمِ تُجْرَى عَلَى إِخْوَتِكُمُ الَّذِينَ فِي الْعَالَم". بعبارة أخرى، فإنَّ الشَّيطانَ يَقِفُ لنا بالمِرْصاد. لذا قاوِموه. اصْحُوا، واسهَروا، واحذروا، واحترسوا، واعرِفُوا مكائِدَهُ.

ونقرأ في رسالة كورِنثوس الثانية 2: 11 أنَّهُ لا يجوزُ لنا أنْ نَجْهَلَ أفكارَ الشَّيطانِ لِئَلاَّ يَطْمَعَ فِينَا. وفي سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 20، يَتحدَّثُ بولسُ إلى نفسِ هؤلاءِ القادة في كنيسة أفسُس فيقولُ لهم الآتي: "لأَنِّي أَعْلَمُ هذَا: أَنَّهُ بَعْدَ ذِهَابِي سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لاَ تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّةِ. وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ". بعبارة أخرى، "أنا أعرفُ هذا كما أعرِفُ اسمي، وأنا أعرفُ هذا كما أعرِفُ أنَّ الشَّمسَ ستُشرِق غدًا إذْ أَعْلَمُ أنَّهُ حالما أُغادِر، فإنَّ الهُجومَ سيأتي مِنَ الخارجِ والدَّاخل. فسوفَ تأتي ذِئابٌ مِنَ الخارج، ومُعَلِّمونَ زائفونَ مِنَ الدَّاخل". ثم إنَّهُ يقول في العدد 31 مِنَ أعمال الرُّسُل 20: "لِذلِكَ اسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلاً وَنَهَارًا، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ". فجُزءٌ مِنَ الخِدمة هو خِدمة إنذار.

وحيثُ إنَّ اللهَ قد بَارَكَنا ويُبارِكُنا دائمًا، وحيثُ إنَّهُ زادَ عَدَدَ المُستمعينَ ويَزيدُهُم دائمًا، وحيثُ إنَّهُ يَستخدِمُنا استخدامًا فَعَّالاً في هذا العالمِ الشِّرِّير، صَدِّقوني أنَّ الشَّيطانَ سيُهاجِمُنا. لذا، يجب علينا أن نكونَ جاهزين، وأنْ نَلبَسَ سِلاحَ اللهِ الكامل. ولكِنْ قبلَ أن نفعل ذلك، يجب علينا أنْ نَفهمَ هُجومَهُ. ويجب علينا أنْ نَفهمَ مَكيدَتَهُ. فلا يجوزُ لنا أنْ نَجْهَلَ أساليبَهُ.

وكيفَ يُهاجمُنا الشيطان؟ حسنًا! لكي أُجيبَ عن هذا السؤال، أرجو منكم أنْ تَفتحوا على سفر الرُّؤيا والأصحاح الأوَّل. وكما تَعلمون، فقد حَدَثَ لي شيءٌ ذاتَ مَرَّة. فقد دَخَلْتُ غُرفة بعدَ أنْ تَمَّ استدعائي إليها بسبب وجود فتاة مَسكونة بالشَّياطين. وقد كانت الشَّياطينُ تُصْدِر أصواتًا مُختلفة. فقد كانوا يَستخدمونَ فَمَها لكي يتكلَّموا، ولكِنَّ الأصواتَ لم تكن صادرة عنها. وقد كان ذلكَ عَجيبًا لأنَّ شيئًا مُرَوِّعًا كانَ يجري في هذه الغُرفة إذْ كانت هذه الفتاة قد قَلَبَت مَكْتَبًا راسًا على عَقِب، وكانت تُحَطِّمُ وتُكَسِّرُ الأشياءَ مِنْ حولِها.

وحينَ دَخلتُ مِنَ الباب، طَرَحَتِ الكُرْسِيَّ فَجأةً ونَظرتْ إليَّ نظرةً مُخيفةً وتَكَلَّمتْ بصوتٍ آخَرَ غيرَ صوتِها (إذْ إنِّي كنتُ أعرفُ صوتَها). وقد قالَ ذلكَ الصَّوت: "أَخْرِجوهُ خارِجًا. ليسَ هذا. أَخْرِجوهُ خارِجًا". وقد كانَ رَدُّ فِعلي إيجابيًّا لأنِّي كنتُ مَسرورًا لأنَّ تلك الشياطين عَرَفَتْ إلى أيِّ جانِبٍ أَنْتَمي. لقد عَرَفوا ذلك. صَدِّقوني.

إنَّهُم يَعرفوني. وَهُم يَعرفونَ هذه الكنيسة ويعرفونَ ما يَفعَلُهُ اللهُ هنا. وهُم يحاولونَ أنْ يُوقفوا الكنيسة. والطريقة الَّتي يحاولونَ مِن خلالِها أنْ يُوقفوا الكنيسة والتي يَقدرونَ أوْ يُحاولونَ مِن خلالها أنْ يوقفوها هي مِن خلالكم أنتم لأنَّ الكنيسة تُشبِهُ حَلْقاتٍ في سِلْسِلَة، وقُوَّتُها لا تَزيدُ عن أضعفِ حَلْقَةٍ فيها. فالشَّيطانُ سيُهاجِم. وكيفَ سيُهاجِم؟ أعتقد أنَّ الربَّ يُرينا ذلك في الرَّسائل المَذكورة في سِفْر الرُّؤيا - في الأصحاحَيْن الثَّاني والثَّالث.

فأنا أعتقد أنَّهُ في الرَّسائل المُوَجَّهة إلى الكنائس، أيْ إلى الكنائس السَّبع في أَسِيَّا الصُّغرى، فإنَّ الكنيسة الأولى هي أفسُس. ثُمَّ تأتي الكنائس الأخرى الَّتي وُلِدَتْ حَرفيًّا مِنْ كنيسة أفسُس. فالكنائسُ السِّتّ الأخرى موجودة أيضًا في أسِيَّا الصغرى. وأعتقد أنَّ اللهَ يُعطينا فِكرةً عن كيفيَّة مُهاجمة الشيطان للكنيسة. وأنا أشعُر مَرَّةً في السَّنة على الأقل بضرورة تحذير كنيسَتِنا مِنْ هذا الخَطَر.

والآنْ، لنحاول أنْ نَفهمَ ما يَجري مِن خلال النَّظر إلى سِفْر الرُّؤيا 1: 9. فيوحنَّا، الرَّسولُ الحبيب، كانَ في جزيرة بَطْمُس إذْ كانَ مَنْفِيًّا إليها بسبب إيمانِه. وعلى هذهِ الجزيرة أعطاهُ اللهُ رُؤى رائعة. وفي هذه الرُّؤى، يَرى يوحنَّا ما يُريدُ اللهُ أنْ يُعْلِنَهُ بخصوص الكنيسة. وتُلاحظونَ في العدد العاشِر أنَّ يوحنَّا يقول: "كُنْتُ فِي الرُّوحِ". وأعتقد أنَّهُ يَعني بذلك أنَّهُ كانَ في حالةٍ تَسْمَحُ لهُ بِتَلَقِّي الإعلان مِنَ الرُّوح: "فِي يَوْمِ الرَّبِّ"؛ أيْ في يوم الأحد. "وَسَمِعْتُ وَرَائِي صَوْتًا عَظِيمًا كَصَوْتِ بُوقٍ قَائِلاً: أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ. وَالَّذِي تَرَاهُ، اكْتُبْ فِي كِتَابٍ وَأَرْسِلْ إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا (أيْ: أَسِيَّا الصُّغرى): إِلَى أَفَسُسَ، وَإِلَى سِمِيرْنَا، وَإِلَى بَرْغَامُسَ، وَإِلَى ثِيَاتِيرَا، وَإِلَى سَارْدِسَ، وَإِلَى فِيلاَدَلْفِيَا، وَإِلَى لاَوُدِكِيَّةَ".

وقد كانت لدى الربّ كلمة إلى هذه الكنائس السبع. وأكثرُ شيءٍ مُدهش هو أنَّ هذه سَبْع كنائس تاريخيَّة حقيقيَّة قائمة، ولكنَّها أيضًا نماذج لكنائس موجودة في كل حِقَب التاريخ الكنسيّ لأنَّ لكُلٍّ منها سِمات خَاصَّة بها يَتحدَّثُ عنها الربّ. وهناك كنائس في كل عصر، بما في ذلك اليوم، يمكن تصنيفُها بأنَّها كنائس أفسُس، أو كنائس سِمِيرْنَا أو كنائس بَرْغَامُس، أو كنائس ثِيَاتِيرَا، أو كنائس سَارْدِسَ، أو فِيلاَدَلْفِيَا، أو لاَوُدِكِيَّةَ. لِذا فإنَّها ليست كنائس تاريخيَّة وحسب (معَ أنَّها كذلك)، بل إنَّها تُقَدِّمُ لنا نماذجَ لِحِقَب تاريخيَّة أخرى.

والآنْ، لاحِظوا المَشهد في العدد 12: "فَالْتَفَتُّ لأَنْظُرَ الصَّوْتَ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعِي. وَلَمَّا الْتَفَتُّ رَأَيْتُ سَبْعَ مَنَايِرَ مِنْ ذَهَبٍ". وما هي مَنائِرُ الذَّهَبِ السَّبْع؟ نَقرأُ في نهاية العدد 20 أنَّ المَنائِرَ السَّبْع هي الكنائسُ السَّبْع. فهذا هو ما نَقرأُ عنهُ في رُؤيا يوحنَّا. فهو يَرى منارةً تَرْمِزُ إلى كُلِّ واحدة من الكنائس. والمنارةُ مُشتعلة ومُنيرة. ويجب أنْ تكونَ الكنيسة نُورًا في العالم. أليس كذلك؟ ويجب أن تكونَ مكانًا يُنيرُ الظُّلمة. لِذا فإنَّنا نَرى هذه الكنائسَ السَّبع الَّتي في أسيَّا الصُّغرى. وكُلٌّ منها مُمَثَّلٌ في مَنارة.

"وَفِي وَسْطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ". وهذا هو يسوعُ المسيح. وَهُوَ يَمْشي في كنيسَتِه، ويتحرَّك في الكنيسة: "مُتَسَرْبِلاً بِثَوْبٍ إِلَى الرِّجْلَيْنِ". وبالمناسبة، لقد كانت مِثلُ هذه الملابس تُلْبَس مِنْ قِبَل الكَهنة والأنبياء والمُلوك. لِذا فإنَّ التَّحقيقَ الكاملَ لكُلِّ هذه العناصر يَكْمُنُ في المسيح. وقد كانَ يَلُفُّ صَدْرهُ حِزامٌ مِنْ ذَهَب. "وَأَمَّا رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ فَأَبْيَضَانِ كَالصُّوفِ الأَبْيَضِ كَالثَّلْجِ". وهذا رَمْزٌ لقداسَتِه ونَقاوَتِه. "وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ" تَفْحَصانِ وتَخترِقان.

لِذا فإنَّنا نقرأُ هُنا عنِ الربِّ. ونحنُ نَراهُ في هيئتِهِ الملكيَّة والكَهنوتيَّة والنَّبويَّة. ونحنُ نَراهُ في حُلَّةٍ بيضاء رَمْزًا للطَّهارة. ثُمَّ إنَّهُ يَنظرُ نَظرةً فاحِصَةً ومُدَقِّقَةً وَهُوَ يُقَيِّم الكنيسة. "وَرِجْلاَهُ شِبْهُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ". لماذا؟ لأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يأتي بالقَضاءِ على كنيسَتِهِ أحيانًا. وحتَّى إنَّ بُطرس قالَ ذلك إذْ نَقرأ: "لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ". ونحنُ نَرى أيضًا أنَّ صَوْتَهُ "كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ". فهو صوتٌ عَظيمٌ، وآمِرٌ، وذو سُلطان.

"وَمَعَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى سَبْعَةُ كَوَاكِبَ". وما هي؟ نَجِدُ الإجابة في العدد 20: "السَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ هِيَ مَلاَئِكَةُ [أوْ خُدَّامُ] السَّبْعِ الْكَنَائِسِ". لِذا فإنَّهُ يُمْسِكُ في يده الخُدَّام. وَهُوَ يَمْشي في وسط الكنائس ويُقَيِّمُ، ويَفحصُ، ويُدَقِّقُ النَّظَر، ويُعايِنُ الكنائس استعدادًا لإملاءِ الرَّسائل السَّبْع. ونَجِدُ تَقييمَهُ في الأصحاح الأوَّل. والنَّتيجة موجودة في الأصحاحَيْن الثاني والثالث. لِذا فإنَّهُ يَبتدئ [أيْ: يُوحَنَّا] بكتابة الرَّسائل في الأصحاح الثاني.

وماذا يقولُ الربُّ لهذه الكنائس؟ حسنًا، يا أحبَّائي. اسمحوا لي أن أقولَ لكم: إنَّها سبعُ رسائل رائعة جدًّا. وخَمْسٌ منها (دَوِّنوا ذلك): تَحذيرات. وهناكَ كَنيستانِ لم تَتَلَقَّيا أيَّ تَحذير. فَمِنَ الواضِحَ أنَّ كنيسة سِمِيرنا وكنيسة فيلادَلفيا لم تَكونا بحاجة إلى أيِّ تحذير. فقد كانتِ الكنيسة في سِميرنا كنيسةً مُضطَهَدة. وكانتِ الكنيسة في فيلادَلفيا كنيسةً كارِزَةً وذاهِبَةً ورابِحَةً للنُّفوس. وفي نَظري، فإنَّ هذَيْنِ الأمْرَيْن يَحفظان الكنيسة بطريقة رائعة.

فعندما تكونُ الكنيسة مُضطَهَدة، فإنَّها تَميلُ إلى الحِفاظِ على طَهارَتِها لأنَّ كُلَّ النَّجاسَة تَخْرُج خارِجًا. فأنتَ لن تَنتمي إلى كنيسة تَتَعَرَّض إلى الاضطهاد إلَّا إذا كنتَ جَادًّا جِدًّا. أليس كذلك؟ لِذا فإنَّ الاضطهادَ يَعملُ بطريقةٍ ما على تَطهيرِ الكنيسة. وهكذا تَفعل الكِرازة أيضًا لأنَّهُ طالَما أنَّ قَلبَكَ يُشْفِقُ على حَالِ العالم، وطالما أنَّكَ عَاكِفٌ على توصيلِ الإنجيلِ للهالكين، فإنَّكَ ستنطلقُ إلى الخارِج عِوَضًا عن أنْ تَنمو داخليًّا فقط. وقد كانت الكنيسة في فيلادَلفيا تَفتحُ أبوابَها دائمًا وتَنالُ البَرَكة. وقد كانت كنيسة سِميرنا تَتَعَرَّضُ لنيرانِ الاضطهادِ وتَنالُ البركة أيضًا. أمَّا الكنائسُ الخمس الباقية فكانت بحاجة إلى تحذيراتٍ صارِمَة.

وهناكَ تَدَرُّجٌ في التَّحذيرات الخمسة. فهي تبتدئ بموقفٍ ليسَ خَطيرًا جدًّا على ما يَبدو، ثُمَّ إنَّ الموقفَ يَزدادُ خُطورةً إلى أنْ يَصيرُ في النِّهاية ارتدادًا، وإلى أنْ تَصير الكنيسة بَعيدة كُلَّ البُعدِ عن الكنيسة الحقيقيَّة. وهناكَ تَدَهْوُرٌ رأيناهُ يَحْدُثُ في كنائس عديدة على مَرِّ التَّاريخ.

وعندما أَنظُرُ إلى كنيسة "النعمة" (Grace Church)، وأقرأُ تلك التَّحذيرات الخمس، كما فَعلتُ في هذا الأسبوع، فإنَّني أُدركُ تمامًا أنَّنا قد نَقَعُ في نفسِ الفَخِّ الَّذي وَقَعَت فيه آلافٌ مُؤلَّفة مِنَ الكنائس حول العالم. فقد تَبدأُ بدايةً حسنة جدًّا. وقد تبدأُ مِثلَ كنيسة أفسُس، ثُمَّ يأتي الانحدار. وسُرعانَ ما تَجِد أنَّهُ لم يَتَبَقَّ لديكَ شيء. وقد زُرْتُ كنائِسَ في هذا البلد تَتَّسِع لأربعة آلافِ شخص، ولكِنْ في صباحِ يومِ الأحد لا يوجد فيها سوى مِئَة وخمسونَ شخصًا مُتَحَرِّرًا يَجلسونَ في الصُّفوفِ الأماميَّة. لقد رأيتُ ذلك. وقد رأيتُ اللهَ يَكْتُبُ الكلمة "إيْخَابود" على أمورٍ كثيرة وكنائسَ كثيرة. ولكنِّي لا أريدُ أنْ يَحْدُثَ ذلك.

نحنُ نُناقِشُ موضوع إضافة شُرْفَة هُنا. وقد أَضَفْنا مِئَتَيْ كُرْسِيّ وبعض المقاعد المُتَفَرِّقة في الخلف لأنَّ البَلديَّة أعطَتنا موافقةً. ونحنُ نُناقش الآن مسألةَ إضافةِ شُرفةٍ، ومَبنىً تَعليميّ، وأمورٍ أخرى. وأنا مُتحمِّسٌ لذلك. ولكِنِّي سأكونُ مُتحمِّسًا حقًّا حينَ أعلمُ أنَّهُ عندَ اكتمالِ تلكَ الشُّرْفَة فإنَّها سَتَضُمُّ أُناسًا يَرغبونَ في سماعِ كلمةِ الله، وأنَّ ذلكَ المبنى سَيَضُمُّ أطفالاً وشُبَّانًا وكبارًا يُحِبُّونَ الربَّ يَسوعَ المسيح مِنْ كُلِّ قَلبهم ونفسهم وفِكرِهم وقُوَّتهم. فبخلافِ ذلك، فإنَّني لستُ مُتحمِّسًا. ويجب عليَّ أنْ أفعل كُلَّ ما في وُسْعِي لتحذيركم لأنِّي أُوْمِنُ أنَّ الشَّيطانَ يَرغبُ في جَعْلِ هذا المكانِ مُجَرَّدَ كَوْمَةٍ كَبيرةٍ جِدًّا مِنَ الحِجارة وأنْ لا يُبقي فيه سِوى رُكَامٍ مِنَ الصُّخور.

لِذا، ما الَّذي ينبغي أنْ تَحذروا منه؟ لننظر ونَرى. أوَّلاً، إنَّ الفَخَّ الَّذي وقعت فيه الكنيسة في أفسُس هو أنَّها تَرَكَتْ مَحَبَّتها الأولى. فقد تَرَكوا مَحبَّتَهُم الأولى. وهذا يَكفي لِتَقديمِ عِظَة عن هذا الموضوعِ بِمُفرَدِه. لاحِظوا العدد الأوَّل: "اُكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ أَفَسُسَ: هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ". وهذا هوَ ابْنُ الإنسان. إنَّهُ يسوعُ المسيحُ الَّذي يَكْتُبُ إلى كنيسَتِه. فهذا ليسَ رأيَ شَخْصٍ مَا، بل إنَّهُ تَقييمُ المسيح.

وَهُوَ يَقولُ لهم في العدد الثَّاني: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ". ويا لَها مِنْ قِصَّةٍ رائعةٍ حَدَثَتْ في أفسُس! ويا لهُ مِنْ تاريخٍ حَافِل هُناك! فقد قَلبوا المَدينَةَ حَرفيًّا رأسًا على عَقِب. وقد قَلَبوا النِّظامَ الدِّينيَّ رأسًا على عَقِب. فتلكَ المجموعة الصَّغيرة مِنَ المؤمنَين الَّتي ابتدأتْ في الوَسْطِ كما لو كانت جَزيرةً مِنَ الطَّهارة مُحاطَة بِبَحْرٍ مِنَ النَّجاسة تَمَكَّنَتْ مِنَ التَّغلْغُلِ في أجزاءٍ مِنْ تلكَ المدينة وتَطهيرِها فَعَطَّلَتْ بعضَ أكثرِ الأنظمةِ الدينيَّةِ تَعقيدًا في ذلك الوقت. فقد كانَ لتلك المجموعة الصَّغيرة مِنَ الأشخاص بداية عظيمة. وَمَنْ كانَ يُفَكِّرُ في شخصٍ أفضَلَ مِنْ بولُس لتأسيسِها؟ ومَنْ كانَ يُفَكِّرُ في رُعاةٍ أفضل مِنْ أَبُولُّس الَّذي كانَ أَعْظَمَ كَارِزٍ بكلمةِ اللهِ ورُبَّما أَعْظَمَ خَطيبٍ عاشَ يومًا؟ أوْ أفضلَ مِنْ تيموثاوس الَّذي عَلَّمَهُم نفسَ الأشياءِ الَّتي يُعَلِّمُها بولُس وبالطريقةِ نفسِها؟ فقد كانَ لديهم هؤلاء القادة. وقد كانوا كَنيسةً عامِلَة.

وَهُوَ يقول: "أنا عارِفٌ تَعَبَكَ" - "كوبوس" (kopos)؛ أيْ أنا عارِفٌ أنَّكَ تَتْعَبُ وَتَعْرَق. فأنتَ تَقومُ بعملك على خيرِ وَجْه. وأنتَ تَعملُ بكُلِّ اجتهاد. "أنا عَارِفٌ تَعَبَك وصَبْرَك". فأنتَ تمتلك "هيوبوموني" (hupomone). فأنتَ تَصْبِرُ في الأوقاتِ العَصيبَة. والحقيقة هي أنَّ العَيْشَ في أفسُس لم يكن أمرًا سهلاً. فقد كانت مَركِزَ عبادةِ الإلَهَة "دَيانا" الَّتي يُعَدُّ هَيْكَلُها واحدًا مِن عجائبِ الدُّنيا السَّبْع. وقد كانَ هذا الهيكلُ فَوْضَى عارِمَة. فقد كانَ هناكَ عَشراتُ الخِصْيان، وآلافُ العَرَّافاتِ الزَّانيات، وحُشودٌ مِنَ المُغَنِّينَ والمُغَنِّياتِ والعازِفينَ الَّذينَ يَعزِفونَ موسيقا صاخِبَة جِدًّا ويَشتركونَ في العَرْبَدَة والسُّكْرِ والجُنونِ وَبَتْرِ الأعضاءِ الجنسيَّةِ حَتَّى إنَّ الفيلسوف "هيراقليتُس" (Heraclitus) قالَ إنَّ أخلاقَ النَّاسِ في ذلكَ الهيكَل كانتْ مُنْحَطَّة أكثرَ مِنْ أخلاقِ الحَيَوانات.

ولأنَّ كِرازَة بولُس أثَّرَتْ في كُلِّ ذلك حَتَّى إنَّ مَبيعات الأصْنامِ تَراجَعَت كَثيرًا، حَدَثَ شَغَب. فقد كانُوا كنيسةً رائعة. وقد صَبَروا في وَسْطِ مَكانٍ صَعْب...صَعْبٍ حَقًّا. والربُّ لا يقولُ ذلكَ فحَسْب، بل يقولُ أيضًا: "وَأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَحْتَمِلَ الأَشْرَارَ". فهو يقول: أنتُم لاَ تَقْدِرونَ أَنْ تَحْتَمِلوا الأَشْرَار. بل إنَّكُم تُوَبِّخونَ الخطيَّة. وأنتُم لا تَحتملونَ الخطيَّة دَقيقةً واحدة. وعندما يَفعلُ شَخْصٌ مِنْكُم شيئًا شِرِّيرًا فإنَّكم تُعالِجونَ الأمر. فأنتُم لا تَحتملونَ الأشرار.

ثُمَّ انظروا إلى العدد السادس إذْ نقرأ: "[ما يَسُرُّني فيكَ هُوَ] أَنَّكَ تُبْغِضُ أَعْمَالَ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّتِي أُبْغِضُهَا أَنَا أَيْضًا". ومِنَ الواضحِ أنَّ النُّقُولاَوِيِّينَ سُمُّوا بهذا الاسْمِ لأنَّهم كانوا يَتبعونَ شخصًا اسْمُهُ "نيقولاوُس" كانَ مُنغمسًا في الإباحِيَّة الجِنسيَّة. وقد قالَ أحدُ الأشخاصِ عن نيقولاوُس إنَّهُ أَسْلَمَ نَفْسَهُ للمُتْعَةِ كَالمِعْزَى. ومَعَ أنَّنا لا نَعلمُ تَحديدًا مَاهِيَّةَ تلكَ الأعمال، يبدو أنَّها كانتْ نابِعَةً مِنْ ذلك. ولكِنَّنا نَعلمُ أنَّها تَختصُّ بِسُلوكيَّاتٍ فاجِرَة، وخَليعَة، وفاسِقَة، وشِرِّيرة، وإباحيَّة.

وَهُوَ يَقول: "أنتُم تَكرهونَ ذلك. وأنتُم مُستمرُّونَ في الخِدمة. وأنتُم تَـتعبون. وأنتُم تَصْبرون. وأنتُم لا تَحتملونَ الخطيَّة". وَهُوَ يقول في العدد الثَّاني: "وَقَدْ جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلاً، فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ". بعبارة أخرى: "أنتُم تَفْضَحونَ أمْرَ المُعَلِّمينَ الكَذَبة، ولديكم مِعْيارٌ كِتابِيٌّ، ولديكم بَيانُ إيمان، ولديكم لاهوت، وأنتُم تُقَيِّمونَ النَّاسَ على هذا الأساس. فأنتُم راسِخونَ عَقائديًّا. وأنتُم تُعالجونَ الخطيَّة. وأنتُم تَعملونَ بِجِدّ".

ولا شَكَّ أنَّها تبدو كنيسة عظيمة. ثُمَّ نقرأ في العدد الثَّالث مَرَّةً أخرى: "وَقَدِ احْتَمَلْتَ". فقد احتملتَ أشياء في الماضي وخَرَجْتَ مِنْها مُعافَى. "وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي". اسمعوني: إنَّ هذا الأمرَ هو أعظمُ دافعٍ لأيِّ شيءٍ يَفعَلُهُ المؤمن. "لقد فَعلتَ ذلكَ مِنْ أجلِ اسمي". فقد كانَ مَجْدُ اللهِ هو الَّذي يَدفَعُهم. وَهُوَ أعظمُ دافِعٍ في الكون. لقد كانَ لديكم الدَّافع الصَّحيح. وقد كنتم تَخْدِمونَ مَجْدي واسمي. وقد تَعبتم ولم تَكِلُّوا.

ويا لها مِنْ كنيسة عظيمة! فهي راسخة عقائديًّا، ومُنهمِكَة في كَشْفِ زِيْفِ المُعَلِّمين الكذبة، وتُؤدِّب الذينَ يُخطئون. فقد كانوا كنيسة مُتكاملة. ولكِنَّهم كانوا يُعانونَ مُشكلةً واحدةً خطيرة. ارجِعوا إلى العدد 14 مِنَ الأصحاح الأوَّل لِتَرَوْا أنَّ عينيّ المسيح هي كَلَهيبِ نار. فهي تبحثُ وتَخترِق. وقد عَثَرَتْ عينا يسوعَ المسيحِ الفاحِصَتَيْنِ والثَّاقبتَيْن على خطأٍ فادِحٍ في العدد الرَّابع: "لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى". فهذه هي الكنيسة الَّتي ماتت فيها المحبَّة. فهي سليمة عقائديًّا ونَشِطَة، ولكِنَّها خَالِيَة مِنَ المحبَّة.

وعندما قرأوا ذلك، مِنَ المؤكَّد أنَّ هذه الكلمات ضَرَبَتهُم كالصَّاعقة لأنَّهُ لم يكن أحدٌ يَعتقد أنَّ أحدًا يُحِبُّ اللهَ كما يُحِبُّهُ القَويمون، والأُصوليُّون، والإنجيليُّون. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ تَعريفهم للمحبَّة لم يكن مُوافقًا لتعريفِ الله. فقد أَخفقوا في فَهْمِ الشيءِ الرئيسيَّ الَّذي قالَهُ يسوعُ لبُطرس ثلاثَ مَرَّات: "بُطْرُس! قبلَ أنْ أُوصيكَ بأنْ تَرْعى خِرافي، سأطرحُ عليك سؤالاً آخر: أَتُحِبُّني يا بُطرس؟ أَتُحِبُّني يا بُطرس؟ أَتُحِبُّني يا بُطرس؟ فإنْ أَجَبْتَ بنعم، حينئذٍ، ارْعَ خِرافي". لماذا؟ لأنَّكَ لا تستطيعُ أن تكونَ فَعَّالًّا في خدمةِ اللهِ بِمَعْزِلٍ عن محبَّةِ الربِّ مِنْ كُلِّ قلبِك، ونفسِك، وفِكرك، وقُوَّتِك.

ولِعِلْمِكُم، يا أحبَّائي، فإنَّني أرى أنَّ هذه المشكلة قد تَحْدُث في كنيسة "النعمة". فقد تبارَكنا كثيرًا جدًّا، وقد اشتركنا في أشياء كثيرة جدًّا حَتَّى إنَّهُ باتَ مِنَ السَّهلِ جدًّا علينا أنْ نُبْعِدَ أعيُنَنا عن شخصِ يسوعَ المسيح. فقد نَفْقِدُ مَحَبَّتَنا ونَجِدُ أنفُسَنا فجأةٍ مُكْتَفينَ بالأنشطة. ولكِنَّ الأمرَ لا ينبغي أن يكونَ كذلك.

فنحنُ نَقرأُ هنا عن واحدة مِن أعظمِ الكنائسِ في التاريخ. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ عينيَّ الربِّ الفاحِصَتَيْن وَجَدتا هذه الخطأ الفادِح. فقد صارت قلوبهم الحارَّة باردة بسبب تركيزهم المبالغ فيه على العقيدة القويمة. فقد صاروا أشخاصًا يَنْصَبُّ تركيزُهم على الخدمة الكِتابيَّة فقط. ولكِنْ لم تَعُد هناكَ أيَّة عاطفة. وأنا أُحَذِّرُكُم مِنْ ذلك وأُحَذِّرُ نفسي أيضًا. وهذا يَسري على الشُّيوخِ والرُّعاةِ والخُدَّامِ الزَّائرين. فإنْ صارت كُلُّ خدمَتِنا قائمة على التَّعاليمِ القويمة والأداءِ الرَّفيعِ مِن دونِ محبَّة، فإنَّ هذه هي خُطوة الانحدار الأولى الَّتي تُعْطي إبليس مَكانًا.

ولا حاجةَ إلى أنْ تَعرفوا بقيَّةَ الخُطوات، ولكنَّكم ستَعرفونها. فحينَ تَكتشفونَ أنَّ شهرَ العَسَل قدِ انتهى، وأنَّكم لا تفعلونَ ما تفعلون بدافع مَحَبَّتِكُم الفائقة ليسوعَ المسيح، فإنَّكم في ورطة كبيرة. انظر إلى حياتك. هلِ الحماسة للمسيح موجودة، أَمْ أنَّ الحماسة اخْتَفَت؟ وهل يمكنكَ أنْ تقولَ بصدق: "أنا أفعلُ ذلكَ وَحَسْب، ولكنِّي لا أشعرُ بنفسِ المحبَّة الَّتي كنتُ أشعرُ بها في السَّابق". فإنْ كنتَ تُحِبُّ أيَّ شيءٍ في هذا العالم أكثر مِن محبَّتك ليسوعَ المسيح، فقد تَرَكْتَ مَحبَّتَكَ الأولى. فإذا كنتَ تُحِبُّ نفسكَ، أو عائلتَكَ، أو مُتعَتَكَ، أو أموالَكَ، أو نَجاحَكَ، أو أيَّ شيءٍ آخر أكثرَ مِنَ الربِّ، فقد تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأولى. وإنْ كانَ شهرُ العسلِ قدِ انتهى في حياتِك كما حدثَ في كنيسة أفسُس، فأنتَ في ورطة حقيقيَّة...ورطة حقيقيَّة. وإذا كنتَ تَخْدِمُ الربَّ يسوعَ المسيحِ في هذه الكنيسة بدافعِ العقيدةِ القويمةِ فقط، ولكِنْ مِنْ دونِ وجودِ شَغَفٍ ومَحَبَّةٍ لَهُ، فقد أَخْفَقْتَ في فَهْمِ المَعنى المَقصود. لقد أخطأتَ في فَهْمِ المَعنى المَقصود بِرُمَّتِه.

وقد تقول: "وماذا يمكنني أن أفعل إذا كنتُ أشعرُ بهذه المشاعر؟" نقرأُ في العدد الخامس ثلاثة أشياء: "فَاذْكُر". اذْكُر. وهذا شيءٌ مُدهش. فالمشاكل الروحيَّة تَحدثُ عادةً بسبب النِّسيان. المشاكل الروحيَّة تَحدثُ عادةً بسبب النِّسيان. لذا فإنَّه يقول: "فاذْكُر". فهل نَسيتَ كيفَ كانَ الأمر؟ إذًا تَذَكَّر كيفَ كانَ الأمرُ قبلَ أنْ تَصيرَ مَحَبَّتُكَ فاتِرَة. وتذكَّر الدِّفْءَ والنَّارَ والفَرَحَ والحَماسة. تَذَكَّر!

ثانيًا: "تُبْ": "فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ". إنَّهُ سُقوطٌ كَما تَعرِفون. فهوَ أنْ لا تُحِبَّ الربَّ مِنْ كُلِّ قلبِكَ، ونفسِكَ، وفِكرِكَ، وقُوَّتِكَ، وأنْ لا تُحِبَّ قريبَكَ كنفسِك. وَهُوَ أنْ لا تَكونَ لديكَ تلكَ المحبَّة الأولى لَهُ وللآخرين. فإنْ لم تكن تمتلك تلك المحبَّة الأولى، تكونُ قد سَقَطْتَ وينبغي أنْ تَتوب.

اسمعوني: إن كان رَدُّ فِعْلِكَ الأوَّل تُجاهَ أيِّ مؤمنٍ هو أيَّ شيءٍ غير المحبَّة، تكونُ قد تَركتَ محبَّتَكَ الأولى. وإنْ كانَ رَدُّ فِعلكَ الأوَّل تُجاهَ يسوعَ المسيح أقَلَّ مِنَ المحبَّة الشديدة، تكونُ قد تَركتَ محبَّتكَ الأولى وينبغي أنْ تتوب. ثُمَّ إنَّهُ يَذكرُ شيئًا ثالثًا: "اذْكُر" وَ "تُبْ" وَ "كَرِّر": "وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى". ارْجِع إلى ما كانت عليهِ الحالُ مِنْ قَبْل. فإنْ كانت خِدمَتُكَ باردة وجامدة (حَتَّى لو كانت قويمة)، ارجِع إلى حيثُ ابتدأت. ارجِع إلى السُّجود. وارجِع إلى الكتاب المقدَّس. وارجِع إلى الشَّهادة. وارجِع إلى الشَّركة. وارجِع إلى الصَّلاة. وارجِع إلى المشاركة وإلى تَسبيحِ الربّ. وابْقَ قريبًا مِنَ النَّار. فهذا هو ما يقولُه.

وهل تَعلمونَ ما الَّذي حدثَ في أفسُس. إنَّهم لم يفعلوا ذلك. فَهُم لم يَتذكَّروا ذلك، ولم يتوبوا، ولم يَعملوا الأعمالَ الأولى. لِذا، فقد حَدَثَ ما هو مذكور في العدد الخامس: "وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ". فالكنيسةُ في أفسُس ماتَت وزالَت عَنِ الوجود. فمعَ أنَّها كانت كنيسة رائعة، وإنجيليَّة، وقويمة، وتاريخيَّة، وعظيمة، فإنَّها زالت عَنِ الوجود لأنَّها تَرَكَت محبَّتها الأولى.

وهناكَ شيءٌ آخر ينبغي أنْ نَحذرَ مِنه. وَهُوَ مذكورٌ في العدد 12 مِنَ الأصحاح الثَّاني. ونحنُ لم نَتحدَّث عنِ الكنيسة في سِميرنا لأنَّها الكنيسة المُضْطَهَدَة، وهي لم تَتَلَقَّ أيَّ تحذير. "وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَرْغَامُسَ: هذَا يَقُولُهُ الَّذِي لَهُ السَّيْفُ الْمَاضِي ذُو الْحَدَّيْنِ". والمُتكلِّمُ هو الربّ. والسَّيفُ هو سيف الدَّينونة الخارِج مِنْ فَمِهِ كما في رُؤيا 19 وعبرانيِّين 4. وَهُوَ يقول: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ (في العدد 13)، وَأَيْنَ تَسْكُنُ حَيْثُ كُرْسِيُّ الشَّيْطَانِ، وَأَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بِاسْمِي، وَلَمْ تُنْكِرْ إِيمَانِي حَتَّى فِي الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا كَانَ أَنْتِيبَاسُ شَهِيدِي الأَمِينُ الَّذِي قُتِلَ عِنْدَكُمْ حَيْثُ الشَّيْطَانُ يَسْكُنُ". تَوَقَّفوا هنا.

فهو يقول: "بَرْغامُس، أنا أعرفُ كُلَّ شيءٍ عنك. فعينايَ الفاحِصتان والمُدَقِّقتان تَكْشِفان كُلَّ هذه الأشياء. أنا أعرفُ أعمالَكَ. وأعرفُ أنَّكَ تَخْدِم. وأعرفُ أنَّكَ نَشيط. وأنا أعرفُ أنَّ هناكَ شيئًا يَجري، وأعرفُ أنَّكَ تَسْكُنُ حيثُ كُرْسِيُّ الشَّيطان. فأنتَ في مَكانٍ صَعْب". وقد كانت بَرْغامُس مدينة صعبة. فهل تَعلمونَ أنَّ برغامُس كانت مَركِزَ عبادةِ الإمبراطور؛ أيْ مَركِزَ عبادة القيصَر؟

وهل تَعلمونَ أنَّها كانت مَركِزَ عبادة "زيوس" (Zeus) (الإلَه العَظيم الَّذي يقولُ البعض إنَّهُ كانَ أعظمَ إلَهٍ في كُلِّ نِظامِ الآلِهَة)، وأنَّهم بَنَوْا في مدينةِ برغامُس مَذبحًا ضَخْمًا لزيوس على شكلِ عَرْش. لِذا فإنَّ البعضَ يَرى أنَّ عَرْشَ الشَّيطان (كما جاءَ في العدد 13) يُشيرُ إلى مَذبحِ زيوس؛ وَهُوَ أعظمُ وأشهرُ وأضخمُ مَذْبَحٍ في العالم.

مِن جهة أخرى، كانَ يوجد في بَرغامُس إلَهٌ خاصٌّ بها اسْمُهُ "أسكليبيوس" (Asclepius). وقد كانَ إلَهَ سُكَّان بَرغامُس الَّذي يَظُنُّونَ أنَّهُ يَقومُ بمُعجزاتِ الشِّفاء؛ أيْ أنَّهُ كانَ إلَه الشِّفاء. وقد كانَ يُصَوَّر دائمًا على هيئة أَفْعى. وقد كانَ يوجد في برغامُس هيكلٌ وكُلِّيَّةُ طِبّ. وما زِلنا نَرى صُورة أفعى على شِعارِ الأطبَّاء. وهذا يَرْجِعُ إلى الأساطير الإغريقيَّة، وإلى الإله أسكليبيوس، إلَه الشِّفاء. وفي الهيكل، كانت هناكَ أفاعي غير سامَّة تُغَطِّي الأرض. وكانَ المَرضى يأتونَ ويَرْقُدونَ على الأرض لكي تَزْحَفَ تلك الأفاعي عليهم فتَشفي كُلَّ مَوْضِعٍ لَمَسَتْهُ.

اسمعوني: لقد كانَتِ الحياةُ صعبة في بَرغامُس. وقد كانَ مِنَ الصَّعبِ على مجموعة صغيرة مِنَ المسيحيِّين أنْ تَعيشَ في وسط مُجتمعٍ وثنيٍّ مُريع. لِذا فإنَّهُ يقول: "أَنَا عَارِفٌ...أَيْنَ تَسْكُنُ حَيْثُ كُرْسِيُّ الشَّيْطَان". وأنا عَارِفٌ أنَّكَ "مُتَمَسِّكٌ بِاسْمِي، وَلَمْ تُنْكِرْ إِيمَانِي حَتَّى فِي الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا كَانَ أَنْتِيبَاسُ شَهِيدِي الأَمِينُ الَّذِي قُتِلَ عِنْدَكُمْ حَيْثُ الشَّيْطَانُ يَسْكُنُ". ولا شَكَّ أنَّ الأمرَ كانَ صَعبًا. ولكِنِ اسمحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا، يا أحبَّائي. صحيحٌ أنَّهُ مِنَ الصَّعبِ أن تعيشوا في مدينة صعبة، وأن تكونوا في بيئة صعبة، وأن تعيشوا في زَمَنٍ صعبٍ في العالم، وأنْ تُسَمّوا باسمِ يسوعَ المسيح. ولكِن اسمعوني: لا يوجد سبب يَدعوكم إلى خَفْضِ المعاييرِ حَتَّى آنذاك. فهذا لا يُغَيِّرُ المعايير. فحتَّى آنذاك، يجب أنْ تَبقى المَعاييرُ على حَالِها.

واللهُ يقول: "أنا أعرفُ أنَّ الحياةَ صَعبة هناك؛ ولكِنَّ ذلكَ لا يُغَيِّرُ المعايير. وأنا أعرفُ أنَّ الأمرَ صَعبٌ؛ ولكِنَّ ذلكَ لا يُغَيِّرُ أيَّ شيء. ومعَ أنَّكَ احتملتَ، واستُشهدتَ، وتَعِبْتَ لأجلِ الربِّ، ومعَ أنَّكَ لم تُنْكِر اسْمَهُ" نَقرأُ في العدد 14: "وَلكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ". وما هُوَ ذلك؟

"أَنَّ عِنْدَكَ هُنَاكَ قَوْمًا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْلِيمِ بَلْعَامَ، الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ بَالاَقَ أَنْ يُلْقِيَ مَعْثَرَةً أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْ يَأْكُلُوا مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ، وَيَزْنُوا". واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم مَعنى ذلك. لقد أَعْثَرَ بَلْعامُ بَني إسرائيل وجَعَلَهُم يَتزوَّجونَ مِنَ الأمم الوثنيَّة ويَنغمسونَ في ديانتهم الوثنيَّة. وما يَقولُهُ الرَّبُّ هُنا هوَ الآتي: لقد كانت تلك مُساومة معَ الأنظمة الوثنيَّة. والمشكلة في الكنيسة في بَرغامُس هي أنَّهم كانوا يُساومونَ مَعَ العالَم.

فقد كانوا يَتزوَّجونَ مِنَ الوثنيِّين. ولا أدري إنْ كانَ هذا هو حقًّا ما يَجري؛ أيْ إنْ كانَ هناكَ مَسيحيُّونَ يَتزوَّجونَ مِنْ غيرِ مَسيحيِّين. ولكِنْ على الأرجَح، كانَ هذا هو ما يَحدُث. ولكِنَّ الكنيسةَ في برغامس ابتدأت في الاختلاطِ بالعالم. وقد ابتدأوا يَنغمسونَ في أمورٍ دُنيويَّة.

وقد كانوا يَنْتَهِكونَ ما جاءَ في رسالة كورنثوس الثانية والأصحاحِ السَّادس: "أَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟" فقد كانَ ينبغي لهم أنْ يَخرُجوا مِنْ وَسْطِهِمْ وأنْ يَعْتَزِلُوا وأنْ لاَ يَمَسُّوا نَجِسًا. ولكنَّهم كانوا الكنيسة العالميَّة. وقد سَمَحوا للعالمِ أنْ يَدْخُل. وقد كانوا يَفعلونَ ما يُريدُ مِنهم العالم أنْ يَفعلوه. فقد كانوا يَتَشَبَّهونَ بالعالَم.

وهُناكَ أمرٌ يُدهِشُني لم أتوقَّف عن مُشارَكَتكُم بِهِ طَوالَ الأشهر السَّابقة. وما يُدهشُني هو أنَّ كنيسة المسيح في أمريكا اليوم انجَرَفَتْ كثيرًا إلى أقصى الحُدود وصارت تُقَلِّد العالَم. وَهُم يَفعلونَ ذلك بطرق كثيرة جدًّا. فإنْ تَغَيَّرت نَظرة العالم إلى العائلة، فإنَّ الكنيسة تَتَبَنَّى تلك النَّظرة. وإنْ تَغيَّرت نظرة العالم إلى المرأة، فإنَّ الكنيسة تَتبنَّى تلك النَّظرة. وإنْ تَغيَّرت نظرة العالم إلى الجنسيَّة المِثليَّة فإنَّ الكنيسة تَتَبَنَّى تلك النَّظرة. وقد صِرنا نَسْبَحُ معَ التَّيَّارِ في كُلِّ ما يَفعلُه العالم. فنحنُ نُريدُ أنْ نَتَشَبَّهَ به. وهذا صَادِمٌ. صَادِمٌ حَقًّا. فالكنيسة تَصيرُ ماديَّة لأنَّ العالمَ ماديٌّ. والكنيسة تَصيرُ مُنْهَمِكَة في التَّسلية لأنَّ العالمَ مُنْهَمِكٌ في التَّسلية. وأودُّ أن أُعطيكم مَثَلاً توضيحيًّا على ذلك مِن خلالِ شيءٍ كنتُ أقرأهُ في هذا الأسبوع. فهل تَعلمونَ أنَّهُ في خِلالِ السَّنواتِ العشر الأخيرة، بالرَّغمِ مِنَ الزِّيادة المُطَّرِدَة في أعدادِ ال

أشخاصِ المولودينَ ثانيةً فإنَّ هناكَ هُبوطًا مُطَّرِدًا مُماثِلاً في أعدادِ أعضاءِ الكنيسة؟ لأنَّ هؤلاءِ النَّاس لا يَذهبونَ إلى الكنائس.

وهذه المقالة الَّتي قرأتُها في الأسبوع الماضي هي مقالة تُنيرُ العَقل إذْ إنَّها تقولُ إنَّ ظُهورَ ما يُسَمَّى بالكنيسة الإلكترونيَّة هُوَ السَّبَبُ الرَّئيسيُّ (مِنْ وُجهة نَظَر أشخاصٍ كثيرين) في أنَّ النَّاسَ لا يَرتبطونَ بكنيسة مَحليَّة. فَهُم يَجلسونَ في بُيوتهم أمامَ شاشةِ التِّلفزيون الصَّغيرة ويُشاهدونَ الكنيسةَ تأتي إليهم. فلا حاجةَ إلى أنْ يَنهضوا ويَرتدوا ملابسهم، ولا حاجةَ إلى أنْ يُغادروا منازلهم. فكُلُّ شيءٍ جاهِز. وهذا جُزءٌ آخر (استمعوا إلى هذا:) مِنَ الوَهْم. فهل تَعلمونَ أنَّ التِّلفزيونَ وَهْم. وعالَمُنا يريدُ أنْ يَعيشَ في ذلك الوهم. فأنتَ تَذهبُ إلى بيتك وتجلس هناك، وتُشاهد تلك الكنيسة الَّتي تبدو كاملة.

وما أعنيه هو أنَّ الموسيقا رائعة. إنَّها رائعة. فهناكَ فرقة موسيقيَّة عظيمة، وأشخاصٌ يَرتدونَ ملابسَ جَميلة ويُرَنِّمونَ بأصواتٍ رائعة. وأنتَ تُشاهد حفلة رائعة تُستخدَمُ فيها الإضاءة في حين أنَّ الكاميرات تُصَوِّرُ ما يَجْري مِنْ زوايا عديدة، وَهَلُمَّ جَرَّا. والواعظُ يَفعلُ كُلَّ شيءٍ بنظامٍ، ويُقَدِّمُ عِظَةً، ويَنتهي الأمر. إنَّها كنيسة وَهميَّة. وأنتَ لا تَجلس بجوارِ أيِّ شخصٍ لا تُحِبُّه، ولا أحدَ يَتحدَّث ويُزعِجُك. وأنتَ لستَ مُضطرًّا إلى البحثِ عن مَوْقِفٍ لسَيَّارتك. إنَّهُ شيءٌ رائع. وأنتَ تُرْسِلُ مَبلغًا صغيرًا مِنَ المالِ بينَ الحينِ والآخر لإراحَة ضَميرِك. وَهُم يُخبرونكَ أنَّكَ سَتَتبارَك بَرَكَةً عَظيمةً لأنَّكَ فَعلتَ ذلك. وهُم يُرسلونَ إليكَ مُلْصَقًا تَضَعُهُ على الجِدار لكي يُبَيِّنوا لكَ مِقدارَ تَضْحِيَتِك. ولكِنَّهُ أمرٌ مُحزِنٌ حقًّا.

وهل تَعلمونَ ما الَّذي يَجري؟ لقد قالَ واحدٌ مِنَ الكُتَّابِ إنَّ الكنيسة الإلكترونيَّة قائمة على التَّسلية. والكنيسة الإلكترونيَّة تُقَلِّدُ نَفْسَ الأشياءِ الموجودة في العالم والتي لم تتوقَّفِ الكنيسةُ يومًا عنِ انتقادِها. والكنيسة الإلكترونيَّة تَظْهَرُ في نهاية المَطاف كتعبيرٍ عن الدِّيانة الثَّقافيَّة، وتَقليد القِيَم والأشياء البَرَّاقة والمُبَهْرَجَة لِذاتِ القِيَم ومَظاهِرِ النَّجاحِ الَّتي ينبغي لنا، بوصفِنا مَسيحيِّينَ، أنْ نَرْفُضَها. ولكِنَّ النَّاسَ لا يرغبونَ في الذَّهاب. والكنائسُ الوحيدة الَّتي تستطيعُ أنْ تُنافِسَ تلك هي الكنائس الكبيرة كَكنيسَتِنا. أمَّا الكنائسُ الصَّغيرة فلا تستطيع.

ويَصِف "مارتن مارتي" (Martin Marty)، بِبَراعَتِهِ الفائقة في التَّلاعُبِ بالكلمات، يَصِفُ ظاهِرَةَ الكنيسة الإلكترونيَّة هذه فيقول: "في وقتٍ مُتأخِّرٍ مِنْ مَساءِ السَّبت، يَستمتِع السيِّد والسيِّدة ’ديانة غير مَرئيَّة‘ بمشاهدةِ رِجالٍ يَرتدونَ قُمصانًا وبَذلاتٍ وَرديَّة اللَّون، وسَيِّداتٍ يُسَرِّحنَ شَعرهُنَّ إلى أعلى ويَرتدينَ قُمصانًا جَذَّابة وَهُمْ يَتحدَّثونَ عن أنفسهم بوصفهم أشخاصًا اختبروا الولادة الثَّانية. وفي صباحِ يوم الأحد، يَستمتِعُ المُشاهِدان بمشاهدة فَنَّانين استعراضيِّينَ يَحملونَ ميكروفونات باسم الرُّوح القُدُس في وسط إضاءة باهِرَة فيما يَقومُ قائدُ الفرقة الموهوب والمُحترف جِدًّا بتسليتهم.

"فهل سيُطفئونَ ذلك الجهاز ويَذهبونَ إلى الكنيسة المُجاورة المؤلَّفة مِنْ مُؤمِنينَ حَقيقيِّينَ، وخُطاة، وجَوْقَة موسيقيَّة تَخْرُجُ عنِ الطَّبقة الموسيقيَّة، وأُنَاسٍ بُسَطاء تَنبعث منهم رائحةُ العَرَق؛ أُناسٍ لا يَنجذبونَ إليهم ولكِنْ يُفْتَرَض بهم أنْ يُحِبُّوهم، وَرُعاةٍ عاديِّينَ يَعِظونَ عنِ النِّعمة وَحْدَها، ويَدْعُونَ إلى التَّلمذة، ويَلتَمِسونَ فيها مِنَ النَّاسِ أنْ يَكونوا أُمناءَ في الوكالة بَعيدًا عنِ الكلماتِ المَعْسُولَة؟ مُستحيل! أو هذا غيرُ مُرَجَّح. فحيثُ إنَّ الكنيسة الإلكترونيَّة تَكْرِز على الأقلّ بالمسيح وتَفعل خَيْرًا على الأرجَح، لِيَكُن ذلك. فليدفَع أعضاؤُها تَكاليفَ ذلك، ولكِنْ ينبغي للكنيسة أنْ تَحذَر مِمَّا يَجري وأنْ تَسيرَ في الطَّريق القويم دونَ أنْ تَتَلَهَّى بالنِّعمة الرَّخيصَة أو بالحديثِ عنِ الصَّليب مِنْ دُوْنِ حَمْل الصَّليب".

إنَّهُ كلامٌ مُباشِر. دَعونا نَعيش في العالمِ الحقيقيّ، يا أحبَّائي. أليسَ كذلك؟ فهذا هو العالمُ الحقيقيُّ في كنيسة حقيقيَّة. فالكنيسة مُعْتَدَّة جِدًّا بنفسِها ومُرتاحة جِدًّا في مُهادَنَتِها للعالم حَتَّى إنَّها غارِقَة في الوَهْم. ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في العدد 15: "هكَذَا عِنْدَكَ أَنْتَ أَيْضًا قَوْمٌ مُتَمَسِّكُونَ بِتَعْلِيمِ النُّقُولاَوِيِّينَ". فما الَّذي حدثَ في بَرغامُس؟ لقد قَرَّرَتْ كنيسة بَرغامُس أنْ تُسَايِرَ العَالَم. وقد قَرَّرتْ كنيسة برغامُس أنْ تَتَوَدَّد إلى العالم. وقد قَرَّرت أنْ تَجْذِبَ العالَمَ قليلاً، وأنْ تَفعلَ القليلَ مِمَّا يَفعَلُهُ العالم بالطَّريقة العالميَّة، وأنْ تَسْمَحَ ببعضِ الفُسوقِ في العدد 15. وقد ظَنُّوا أنَّهم سيكونونَ على ما يُرام.

وقد قالَ لي واحدٌ مِنْ شُيوخِ الكنيسة إنَّ شَيْخَيْنِ مِنْ شُيوخِ الكنيسةِ تَبادَلا زَوْجَتَيْهِما في الكنيسةِ الَّتي كانَ يَذهب إليها في الماضي. وقد ارتأتِ الكنيسة ألَّا تَفعلَ شيئًا بخصوصِ ذلك لأنَّ ذلكَ قد يُزْعِجُ الرَّعيَّة. فالكنيسةُ تَحتملُ الخطيَّة وتُساوِم قليلاً. وما تزالُ الرِّسالة كما هي. ونحنُ نَكْرِزُ بالمسيح. ولكِنَّ المساومة تبدأُ بِنَهْشِ أساساتِها كما يَفعلُ النَّملُ الأبيض بأساساتِ المنزل. لِذا فإنَّهُ يقول في العدد 16: "فَتُبْ وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ سَرِيعًا وَأُحَارِبُهُمْ بِسَيْفِ فَمِي".

اسمعوني. هل تَعلمونَ كيفَ يُهاجِم الشَّيطان الكنيسة؟ أوَّلًا، إنَّهُ هُجومٌ ذَكِيٌّ جدًّا. فنحنُ نَتْرُكُ مَحَبَّتَنا الأولى. ثُمَّ فجأةً، نَبدأُ في المساومة معَ العالم لأنَّ أسهلَ شيءٍ يمكن أنْ يَدفَعَكُم إلى المساومة هو نَقْصُ المَحَبَّةِ لله. فإنْ كنتَ تُحِبُّ اللهَ حقًّا، وتُحِبُّ الربَّ يسوعَ المسيح مِنْ كُلِّ قلبِك، ونفسِك، وفِكرك، وقُوَّتِك، فإنَّكَ ستَرغبُ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر أنْ تُكْرِمَهُ دائمًا وأبدًا. أليسَ كذلك؟ ولكي تفعلَ ذلك، لا يمكنك أن تساوم مع النِّظام. ولكِن ما أنْ تَبْرُد مَحَبَّتُك، سيصيرُ مِنَ الأسهل أنْ تَقعَ في فَخِّ النظام. وبالمناسبة، لا بُدَّ أنْ تُحِبَّ شيئًا. وإنْ لم تكن مَحَبَّتُكَ مُوَجَّهة إلى الله، سَتُحِبُّ في النِّهاية أيَّ شيءٍ موجودٍ مِنْ حَوْلِك.

وهناكَ كنيسة ثالثة أَوَدُّ أنْ أذكُرَها لكم وهي الكنيسة في ثِيَاتيرا إذْ نقرأ في العدد 18: "وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي ثِيَاتِيرَا: هذَا يَقُولُهُ ابْنُ اللهِ، الَّذِي لَهُ عَيْنَانِ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَرِجْلاَهُ مِثْلُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ". فهو يَفحصُ، ويُدَقِّقُ النَّظر، ويأتي بالدَّينونة. وما يَقولُهُ عن هذه الكنيسة يبدو جَيِّدًا جِدًّا: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ وَإِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّ أَعْمَالَكَ الأَخِيرَةَ أَكْثَرُ مِنَ الأُولَى". فأنتَ تَتَقَدَّمُ أكثرَ فأكثر في هذه الأشياء.

نحنُ هنا أمامَ كنيسة عاملة حقًّا. فَهُمْ نَشِطون، وناجِحونَ في الخدمة. ولكن إنْ كانتِ الكنيسةُ في برغامس قد تزوَّجت مِنَ العالم، فإنَّ الكنيسة في ثياتيرا تَحتفلُ بعيدِ زَواجِهِما. فهذه هي الكنيسة الَّتي تَحتملُ الخطيَّة. فقد تَرَكت أفسُس محبَّتها الأولى. وقد ساوَمَت برغامُس معَ العالم. وقد احتملت ثياتيرا الخطيَّة. فقد فَتَحوا البابَ على مِصْراعَيْه فَدَخَلَتِ الخطيَّة (كما جاءَ في العدد 20). فبالرَّغمِ مِن كُلّ أعمالِكَ، ومحبَّتِكَ، وخِدمَتِكَ، وإيمانِكَ وصَبْرِكَ، وكُلِّ هذه الأشياء، وأنَّكَ تَتَقَدَّمُ في كُلّ شيء: "عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ". وبالمناسبة، إنَّ الكلمة "قَليل" لا تَرِدُ في المَخطوطات اليونانيَّة، بل إنَّها تقول: "عِنْدي عَليكَ أَنَّكَ تُسَيِّبُ الْمَرْأَةَ إِيزَابَلَ الَّتِي تَقُولُ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ، حَتَّى تُعَلِّمَ وَتُغْوِيَ عَبِيدِي أَنْ يَزْنُوا وَيَأْكُلُوا مَا ذُبحَ لِلأَوْثَان".

فهل تَعلمونَ ماذا كانت تلكَ الكنيسة تَفعل؟ لقد كانوا يَتَّصِفونَ بكل تلك الصِّفات الجيِّدة (كالمَحَبَّة، والخِدمة، والإيمان)، ولكنَّهم تَرَكوا الكنيسة تَقَع ضَحِيَّة مُعَلِّمٍ زائِف. فقد سمحوا للخطيَّة أنْ تَدخُل وأنْ تَتَرَعْرَع. فقد كانَ هناكَ أشخاصٌ يَزْنون. وهي تبدو مِثلَ كنيسة كورِنثوس. أليسَ كذلك؟ وبالمناسبة، لقد زالت تلك الكنيسة عِنَ الوجود أيضًا. ولكِنَّنا نقرأُ هنا عنْ هذه المرأة الَّتي جاءت وراحَتْ تُغْوي الرِّجالَ أنْ يَزْنُوا ويُمارسوا العبادة الوثنيَّة السَّائدة آنذاك. وقد قلتُ لكم مِنْ قَبل ما سأقولُهُ الآن. فقد كانت العبادة الوثنيَّة في تلك الحِقَب التاريخيَّة تَتَضَمَّن أفعالاً جنسيَّة. لِذا، فقد كانَ هؤلاء يَمرحون، ويَشتركونَ في فُسوقِ العالمِ وشُرورِه.

وكما تَعلمون، يا أحبَّائي، فإنَّ الخطايا الَّتي تحدثُ الآنَ في كنيسة "النعمة" تَفوقُ في اعتقادي ما كانَ يحدث في السَّابق. ولكِنَّنا لن نَتَهاوَن مَعَ ذلك كَما لم نَفعل في السَّابق. فَمِنَ النَّادرِ أنْ يأتي شابٌّ وفتاة طَلَبًا للمشورة قبل زَواجِهِما وأنْ تَسألَهُما: "هل مارَسْتُما الجِنْس مَعًا؟" ويأتي الرَّدُّ بالنَّفي. فقد صارَ هذا الأمرُ نادِرَ الحُدوث. هل هذه صَدمة لكم؟ لقد صارَ هذا الأمرُ نادِرَ الحُدوث. فنحنُ نَعيشُ في عالمٍ فاسدٍ وشِرِّيرٍ جدًّا. والنَّاسُ سيَغرقونَ في الخطيَّة إنْ لم يَحترسوا مِمَّا يحدث، وإنْ لم يَبْنُوا حُصونَهُم ويَسلُكوا في الرُّوح. ولكِنْ يجب أن أقولَ لكم إنَّنا لن نَتهاوَنَ معَ أيِّ خطيَّة ولن نَفعلَ إلَّا ما كُنَّا نَفعَلُهُ في السَّابق.

فهُناكَ شُرورٌ كثيرة مِنْ حولِنا بسببِ كَثرةِ الأشخاص. ولكِنَّنا لن نَتهاوَنَ في ذلك ولن نَفعلَ إلَّا ما كُنَّا نَفعلُهُ دائمًا. ولكِنَّ هذه الكنيسة ابتدأتْ في السَّماحِ بحدوثِ ذلك فَصَبَرَ عليها اللهُ إذْ نقرأ في العدد 21: "وَأَعْطَيْتُهَا زَمَانًا لِكَيْ تَتُوب". فقد أعطاها اللهُ زَمانًا لكي تَتوب. "وَلَمْ تَتُبْ". ثُمَّ إنَّهُ يقول: "هَا أَنَا أُلْقِيهَا فِي فِرَاشٍ". فما دَامَتْ تُحِبُّ الفِراشَ كثيرًا، سأُلقيها في فِراش. وما دَامَتْ تُحِبُّ الزِّنى، سَأدَعُها تَزْني. ثُمَّ نقرأ في العدد 23 إنَّهُ سيكونُ فِراشُ مَوْتٍ. "وَأَوْلاَدُهَا أَقْتُلُهُمْ بِالْمَوْت". فهذا هو ما سأفعلُه. فأيًّا كانَ هؤلاء الأشخاص الَّذينَ استمعوا إلى إيْزابَل هذه فإنَّهم أولادُها. وَهُوَ يقول: "وَأَوْلاَدُهَا أَقْتُلُهُمْ بِالْمَوْت". فهو سيكونُ فِراشَ موت. فسوفَ أضَعُهم في فِراش – فِراشِ الموت. والكنائسُ ستنظرُ ذلك. وَهُوَ يقول: "أَنَا هُوَ الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ، وَسَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ".

اسمعوني: إنَّ الربَّ سيَدينُ هذه الكنيسة، يا أحبَّائي. فلا تَظُنّ أنَّكَ تستطيع أنْ تكونَ مؤمِنًا وأنْ تَنجو مِنَ الرَّبِّ وتأديبِه. البَتَّة. ففراشُ الرَّذيلة سيَصيرُ فِراشَ موت لأنَّهم زَنَوْا...لأنَّهم زَنَوْا (كما جاءَ في العدد 22). لماذا؟ لأنَّ المؤمنَ مُتَزَوِّجٌ مِنَ بالمسيح. والعَبَثُ مَعَ الأوثانِ والإباحيَّة الجنسيَّة هي شكلٌ مِنْ أشكالِ الزِّنى. لِذا فإنه يقولُ للكنيسة الَّتي تَحتمل الخطيَّة: "يجب عليكِ أنْ تَتوبي". فيجب عليكِ أنْ تُغَيِّري مَسارَكِ. وإنْ لم تتوبي (كما جاءَ في نهاية العدد 22) "سأقْتُلُكِ بالموت".

وفيما يَختصُّ بالأشخاصِ الذينَ لم يَفعلوا ذلك فإنَّهُ يقولُ لهم في العدد 24: "إِنِّي لاَ أُلْقِي عَلَيْكُمْ ثِقْلاً آخَرَ، تَمَسَّكُوا بالَّذِي عِنْدَكُمْ إِلَى أَنْ أَجِيء. أمَّا الأشرارُ فسآتي عليهم بالدَّينونة". وهذه هي الكنيسة الَّتي تَحتمِل الخطيَّة. وهناكَ، يا أحبَّائي، كنائس كثيرة جدًّا تفعل ذلك. فَهُم لا يريدونَ أنْ يُعالجوا خطاياهم. وهُم لا يريدونَ أنْ يُواجِهوا أحدًا. فَهُمْ يقولون: "أتَعني أنَّكَ تُتَلْمِذ النَّاسَ في كنيسَتِك؟" "أجل. لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقولُ ذلك". "ولكِنَّنا لا نريدُ أنْ نَفعلَ شيئًا كهذا لأنَّنا قد نُضْطَرُّ إلى كذا وكذا". أَتَرَوْنَ كيفَ أنَّهُم يَحتملونَ الخطيَّة ويُساومونَ معَ العالم!

والحالُ تَسيرُ مِنْ سَيِّءٍ إلى أسوأ. فالأمرُ يَبتدئ بترك المحبَّة. ثُمَّ سُرْعانَ ما تتوقَّف عن محبَّتِكَ للربّ وتُبدي استعدادَكَ للمُساومة. وأنتَ تُساوِم قليلاً، ثُمَّ سُرعانَ ما تَصيرُ مُساوَمَتُكَ تَهاوُنًا فَتَغزو الخطيَّةُ الكنيسةَ وتَنتقلُ أنتَ مِنْ ذلكَ الموقف الَّذي كانَ سائدًا في الكنيسةِ في ثياتيرا إلى الأصحاحِ التَّالي والعدد الأوَّل لتجد نفسكَ في كنيسة سَارْدِس. وهي كنيسة تَكتفي بالبرامِج. ففجأةً، تَختفي مَظاهِرُ الحياةِ فيها. فالكنيسةُ الَّتي تَحتمل الخطيَّة تصيرُ كنيسة ضَعيفة ومَيِّتة. وهو يقول: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ [في العدد الأوَّل]، أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ".

إنَّها كنيسة مَيِّتة. فهي جُثَّة هامِدَة. وهل تَعلمونَ أنَّ سَارْدِس كانت واحدة مِن أعظم المُدُن في العالَم القديم؟ والحقيقة هي أنَّ أعظمَ مَلِكٍ عليها كانَ يُدعى "كريسوس" (Croesus). وَهُوَ مَضْرَبُ المَثَلِ في الغِنى. وقد كانت تلك الكنيسة (أو بالحَرِيّ: تلك المدينة) مُشْتَهِرَة بِغِناها. ولكِنَّ تلك المدينة زالت عنِ الوجود. وقد زالت تلك الكنيسة عنِ الوجود. فلأنَّ هذه الكنيسة تَقَهْقَرَت، صارت كنيسة مَيِّتة.

ولننظر إلى بعض الأمورِ عنها. ففي العدد الثَّاني: "كُنْ سَاهِرًا وَشَدِّدْ مَا بَقِيَ، الَّذِي هُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَمُوت". فقد كانُوا إمَّا أمواتًا أوْ على وَشْكِ الموت. فكلُّ ما تَبَقَّى لديهم هو المَظهر الخارجيّ فقط. وَهُمْ يُشبهونَ الأغنية الَّتي كانَ يُغَنِّيها بَحَّارٌ قديم يَقولُ فيها: "جُثَثٌ هامِدَةٌ تُديرُ السَّفينة. وَجُثَثٌ هامِدَةٌ تُجَذِّفُ بالمَجاذيف، وَجُثَثٌ هامِدَةٌ تُوَجِّهُ السَّفينة". فقد كانت تلك الكنيسة موجودة وعامِلة، ولكِنَّ الجَميعَ فيها كانوا أمواتًا.

وهذا يحدث عندما تَصيرُ الكنيسة مُجَرَّد مجموعة مِنَ الأنشطة وسِلسِلَة مِنَ البرامج. فأنتُم لديكم صُفوف، ولديكم مجموعات صغيرة، ولديكم أنشطة للأطفال والشَّبيبة والكبار. وكُلُّ شخصٍ مُنهمكٌ جدًّا، والعَجَلَةُ تَدور، والنَّاسُ يأتون؛ ولكِنْ لا توجد حياة فيها. فاللهُ غير موجود. فقد كَتَبَ عليها: "إيْخَابُود" لأنَّ المجدَ قد زال.

ومِنَ السَّهلِ علينا أنْ نَرى النَّتيجة. فأنتَ قد تَرَكْتَ مَحبَّتَكَ الأولى. فأنتَ تَفقد تلك المحبَّة الأولى المُتأجِّجة والشَّديدة وتبدأ في المساومة معَ العالم. وعندما تُساوم معَ العالم فإنَّ الخطيَّة تَجتاح الكنيسةَ كالطُّوفان فتبدأ أنتَ في السَّماحِ بوجودِها وفي احتمالها. وعندما تَجِدُ الخطيَّةُ مكانًا دائمًا لها في الكنيسة فإنَّ الحياةَ الروحيَّة تَختنِق فتبقى لديكَ كنيسة مَيِّتة وَحَسْب. وكما هي حال شمشون، فإنَّكَ تَتحرَّك. ولكِنَّكَ لا تَمْلِك أيَّ قُوَّة. فأنتَ مُجَرَّد ضَحِيَّة.

لِذا فإنَّهُ يقول في العدد الثالث: "فَاذْكُرْ كَيْفَ أَخَذْتَ وَسَمِعْتَ، وَاحْفَظْ وَتُبْ، فَإِنِّي إِنْ لَمْ تَسْهَرْ، أُقْدِمْ عَلَيْكَ كَلِصٍّ، وَلاَ تَعْلَمُ أَيَّةَ سَاعَةٍ أُقْدِمُ عَلَيْكَ". وَهُوَ يقول: "عِنْدَكَ أَسْمَاءٌ قَلِيلَةٌ فِي سَارْدِسَ لَمْ يُنَجِّسُوا ثِيَابَهُمْ، فَسَيَمْشُونَ مَعِي فِي ثِيَابٍ بِيضٍ لأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ". فقد كانَت هُناكَ بَقِيَّة قليلة أمينة. فقد كانت الكنيسةُ على شَفيرِ الانهيار لا سِيَّما أنَّ أمورًا كثيرة كانت تَموتُ فيها. وقد بقي فيها أشخاصٌ قليلونَ أُمناء. فقد ابتدأَ الأمرُ في أفسُس الَّتي كانت توجد فيها كنيسة عظيمة. ولكنَّها ابتدأتْ تَترُك محبَّتها الأولى. والآنْ، لقد تَقَهْقَرْنا ولم يعد هناك سوى بَقيَّة أمينة قليلة. فهذا هو ما يَجري. فهُناكَ عددٌ قَليلٌ مِنَ الأشخاصِ الثَّابتين الَّذينَ يَرتدونَ ملابسَ بِيْض. عَدَدٌ قليلٌ فقط.

وهل تَعرفونَ ما هي الخُطوة التَّالية؟ الخطوة التَّالية في انهيار الكنيسة تَحْدُثُ حينَ يُهاجِمُها الشيطانُ ويُوَجِّهُ إليها ضَربَتَهُ القاضية في العدد 14 مِنَ الأصحاح الثالث مِنْ خلالِ ما ذُكِرَ عن كنيسة لاوُدِكِيَّة. فَرَبُّنا يُحَذِّر الكنيسة الَّتي تترُك محبَّتها الأولى، والكنيسة الَّتي تُساوم معَ العالم، والكنيسة الَّتي تَحتمل الخطيَّة، والكنيسة الَّتي تَرْضى بِمَظهرِها الخارجيِّ وطُقوسِها ومُنَظَّمَتِها وبرامِجِها. وأخيرًا فإنَّهُ يُحَذِّرُ الكنيسة المُرْتَدَّة؛ وهي الكنيسة الَّتي ليست كنيسة أصلاً: كنيسة لاوُدِكيَّة.

"وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ: هذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ الأَمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا!" وما يَعنيهِ رَبُّنا هُوَ الآتي: إنَّ البُرودة تَعني أنْ يكونَ الشَّخصَ عَديمَ المُبالاةِ بالإنجيل، وأنْ يكونَ غَيْرَ مُخَلَّص وعَديمَ الاكتراث؛ أيْ ألاَّ يُبْدي أيَّ اهتمام. فَهُوَ ليسَ شخصًا مُرائِيًا، ولا يَتظاهَرُ بأيِّ شيء، ولكنَّهُ شخصٌ غير مُخَلَّص، ولا يتأثَّر بشيء، وليسَ مُهتمًّا البَتَّة.

ليتَكَ كُنْتَ كذلك. أو ليتَكَ كُنْتَ حَارًّا (أيْ كنتَ مُؤمِنًا، ومُخَلَّصًا، ومَفْدِيًّا). ولكنَّكَ لستَ حارًّا ولا باردًا. بل أنتَ فاتِرٌ. وهذهِ أسوأُ حالٍ بالمُطْلَق. فالفُتورُ يَعني التَّظاهر بالمسيحيَّة. وهذا رِياءٌ يُثيرُ اشْمِئزازَ المسيح. لِذا فإنَّهُ يقول: "هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي". فهو يُحَذِّرُ البارِدينَ مِنْ خلالِ رُسُلِه. وَهو يَحْتَضِنُ الحَارِّينَ في حِضْنِه. وأمَّا الفاترونَ فَهُوَ يَتقيَّأهُم مِنْ فَمِه. فَهُمُ المُراؤون. وهذه هي الكنيسة المُنافِقَة، والكنيسة الزَّائفة، والكنيسة الَّتي لا تَستحِقُّ أن تُسَمَّى "كنيسة".

وهذهِ هي الكنيسة المُتَحَرِّرة في وقتنا الحاضِر. وهذا هو ما يَجري في العالمِ اليوم تحتَ مُسَمَّى المسيحيَّة. فَهُمْ يُنكِرونَ الكتاب المقدَّس، ويُنكرونَ لاهوتَ يسوعَ المسيح، ويُنكرونَ كُلَّ مبادئِ الإيمانِ المسيحيّ؛ ولكنَّهم يَقولونَ إنَّهم كنائس مسيحيَّة. إنَّها كنيسةُ أصحابِ المَذاهبِ الإنسانيَّة. وعندما تقولُ لهم: "أخبِروني عن كَنيسَتِكُم" فإنَّهم لا يقولونَ لك: "نحنُ نَحْرِصُ على نَشْرِ كلمةِ اللهِ. ونحنُ نَحْرِصُ على أنْ يَنالَ النَّاسُ الفِداء. ونحنُ نَحرصُ على أنْ يَلْمَسَ اللهُ حَياةَ النَّاسِ".

لا! بل يَقولون: "إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ". انظروا إلينا. فنحنُ ناجِحون. وقد أَسَّسْنا مُنَظَّمة كبيرة، ولدينا أموال كثيرة. وهناك كنائس ضخمة حول العالم، وطوائف كبيرة، وأنظمة دينيَّة هائلة الحجم يمكن أنْ تُصَنَّف في هذه الفئة. فَهُم يملكونَ أموالاً طائلة، وكُلَّ اللَّوازِم، وكُلَّ التَّجهيزات، ولكنَّهم كنيسة مُرْتَدَّة سيتقيَّأُها الربُّ مِنْ فَمِه.

وهو يقولُ لهم في العدد 17: "وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ. أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى بِالنَّارِ لِكَيْ تَسْتَغْنِيَ، وَثِيَابًا بِيضًا لِكَيْ تَلْبَسَ، فَلاَ يَظْهَرُ خِزْيُ عُرْيَتِكَ. وَكَحِّلْ عَيْنَيْكَ بِكُحْل لِكَيْ تُبْصِرَ". "لكي تُبْصِر". لِذا فإنَّهُ يقولُ لهم في الحقيقة: "لا أَظُنُّ أنَّكُم تُقَيِّمونَ أنفُسَكم تقييمًا صحيحًا". وَهُوَ يقول: "إِنِّي كُلُّ مَنْ ’فيليئو‘ [phileo]" "إنِّي كُلُّ مَنْ أُحِبُّهُ" أهتمُّ بِهِ اهتمامًا شديدًا: "أُوَبِّخُهُ وَأُؤَدِّبُهُ. فَكُنْ غَيُورًا وَتُبْ".

والآنْ، هل تَرَوْنَ ما الَّذي يُحَذِّرُنا منهُ رَبُّنا يسوعُ المسيح؟ قد تَسقُطُ الكنيسةُ في حُفرة الارتداد. فقد اختفت الكنيسة في أفسُس عنِ الوجود لأنَّها تركت مَحبَّتها الأولى. ثُمَّ ما أَسْهَلَ أنْ تُساوِمَ الكنيسة معَ العالم. وكما تَعلمون، ما يُزعِجُني أحيانًا هو أنَّ الناسَ لا يأتونَ لدراسة كلمةِ اللهِ أوِ الصَّلاة. فَهُمْ يُريدونَ مِنْكَ أنْ تُسَلِّيهم. وأنا أشعرُ بذلك. "لو كانَ لدينا مشروعٌ كبيرٌ وضخمٌ هُنا فإنَّ الجميعَ سيأتي إلى هُنا". ولكِنْ إنْ قُلنا إنَّنا سندرسُ كلمةَ الله، فإنَّ الحُضورَ سيَقتصرونَ على الأُمناءِ القَليلين. لِذا فإنَّ ما تَفعلهُ الكنيسة في أغلبِ الأحيان هو أنَّها تَبتدئ في القيامِ بذلك مِن خلالِ تَسليةِ القِدِّيسينَ وتقليدِ العالم. وهذه مُساوَمَة.

ثُمَّ هُناكَ الكنيسة الَّتي احْتَمَلَت الخطيَّة. والكنيسة الَّتي تَزَوَّجَتْ مِنَ العالم. والكنيسة التي تَكتفي بغناها الماديّ دونَ أنْ يكونَ لديها شيء حقًّا. وهناكَ الكنيسة المَيِّتة. وكل هذه الأشياء هي هَجَماتٌ مِنَ الشَّيطان. وهناكَ، يا أحبَّائي، عناصِر تَحْفَظ الكنيسة هُنا أيضًا. وواحدٌ مِنْ هذه العناصر هي أنْ نَكونَ كنيسة فيلادلفيا. ونحنُ نقرأ عن كنيسة فيلادلفيا في العدد السَّابع مِنَ الأصحاح الثالث: "هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ. هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ".

وكم أُحِبُّ ما جاءَ هُنا إذْ يقول: "لقد فَتَحْتُ لكَ البابَ لكي تَصِلَ إلى العالم. وها هو البابُ مَفتوحٌ على مِصْراعَيْه. وطالما أنَّ الكنيسة مُكَرَّسة للدُّخولِ مِن ذلكَ الباب والكرازة بيسوعَ المسيح إلى العالم، أيًّا كانَ ما سيحدث، حتَّى لو كانَ مَجْمَعُ الشَّيطانِ هُناك، وحتَّى لو حَدَثَ اضطهاد، فإنَّ ذلكَ لن يُؤثِّرَ سَلبيًّا في الكنيسة".

اسمعوني، يا أحبَّائي. إنَّ الكِرازَة عُنْصُرٌ يَحفظ الكنيسة. فهي تُحَرِّرُنا مِنْ ذَواتِنا. وهي تساعدُنا على تَخَطِّي المُعَوِّقاتِ الَّتي أمامَنا. وهي تَصْلبُ الكبرياء. وهناكَ أيضًا تلك الكنيسة الصَّغيرة في الأصحاح الثَّاني، أيْ: كنيسة سِميرنا: "أَنَا أَعْرِفُ أَعْمَالَكَ وَضِيْقَتَكَ وَفَقْرَكَ". فيا لها مِنْ كنيسة مُضْطَهَدَة مِسكينة. فقد كانوا يُعَيَّرون. وَلكِنَّهُ يقول: "لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ...هُوَذَا إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا، وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاة". فإنْ كُنَّا، يا أحبَّائي، سَنُواجِهُ الخُطاةَ في العالم فإنَّنا سَنتألَّم. وإنْ كُنَّا سنَنطلق مِنْ أجلِ رِبْحِ النُّفوسِ للمسيح، يجب علينا أنْ نَقِفَ معَ كنيسة سِميرنا وكنيسة فيلادَلفيا، وأنْ نَحْذَرَ مِنَ الوقوعِ في الفَخِّ الَّذي وقعت فيه الكنائس الخمس الأخرى. وليتَ اللهَ يُساعِدُنا على أنْ نَحْذَرَ مِنْ أَساليبِ هُجومِ الشَّيطان. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

نحنُ نَعلم، يا أبانا، أنَّ القَضاءَ لا بُدَّ أنْ يَبتدئَ مِنْ بيتِ اللهِ. ساعِدنا، يا أبانا، على أنْ نَحْذَرَ وتَحترس. وليتَكَ، يا رَبّ، تَحفظ هذه الكنيسة لِمَجْدِكَ أنتَ فقط لتكونَ شَهادَة مُستمرَّة على نِعْمَتِك. فقد رأينا كنائسَ عديدة مِنْ حولِنا تَموت، وكنائسَ كثيرة تَتلاشى وتَختفي. ولكِنَّ هذا ليسَ شوق قُلوبِنا. وهذا الأمرُ لا يُمَجِّدُك.

لِذا ساعِدنا، يا رَبّ، على أن نكونَ أُمناء، وعلى أنْ نُحافظ على محبَّتَنا الأولى، وعلى ألَّا نُساوِم البَتَّة معَ العالم، وعلى ألَّا نَحتمل الخطيَّة البَتَّة، وعلى ألَّا نَستعيضَ البَتَّة عنِ الحقيقة بالمَظاهرِ الخارجيَّة والبرامج والوظائف والمُنَظَّمات، وعلى ألَّا نَمتلئ بأشخاصٍ فاتِرين مُدَّعين. بل ساعِدنا على أنْ نكونَ حَقيقيِّين. اعْمَل عَملَكَ في وَسْطِنا. وفيما تَمْشي وَتُشَذِّبْ فَتائِل هذه المَنائِر، لَيْتَ مَنارَتَنا تكونُ مُنيرةً لِمَجْدِك. باسْمِ يَسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize