Grace to You Resources
Grace to You - Resource

3 حزيران/يونيو 1979 (العِظة الصَباحيَّة)

يا لَهُ مِنَ امتيازٍ رائعٍ مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباح أنْ نَلتقي لدراسة رسالة أفسُس والأصحاح السَّادس. وكما تَعلمون، إنْ كُنتُم تأتونَ إلى كنيسة "النعمة" (Grace Church) منذُ مُدَّة، لا بُدَّ أنَّكم تَعلمون أنَّنا مُكَرَّسونَ للوعظِ التَّفسيريّ إذْ نُفَصِّلُ الحَقَّ المُعلَنَ في كَلِمَةِ اللهِ آيةً آيَة. وبينَ الحينِ والآخر، فإنَّنا نَأتي إلى مَقاطِعَ مُعَيَّنة دَسِمة جِدًّا تَحوي حَقًّا ضِمْنِيًّا عظيمًا يَدعونا حَقًّا إلى القيامِ بدراسة لاهوتيَّة عن موضوعٍ مُعَيَّن لكي نَغوصَ أَعْمَق قليلًا في فِكرةٍ أوْ أُخرى.

وقد كانَ هذا هو ما حَدَث في أثناءِ دراسةِ الأصحاحِ السَّادسِ مِنْ رسالة أفسُس. فمعَ أنَّنا دَرَسْناها، مِنْ جِهَة، دراسةً تَفسيريَّة وَتَتَبَّعْنا النَّصَّ آيةً آية، فإنَّنا لم نتمكَّن مِنَ التقدُّمِ بسُرعة كبيرة جدًّا في أثناءِ دراسَتِنا للنَّصّ. لِذا فقد عَكَفْنا على الحَديثِ عَنْ قِطعةٍ واحدةٍ مِنْ سِلاحِ المُؤمِن في كُلِّ أسبوع. وفي هذا الصَّباح، سوفَ نَتحدَّث عن قِطعة أُخرى. ولأنَّنا لن نَتمكَّنَ مِنْ إنهاءِ الحديثِ عنها اليوم، سنُكْمِلُ الحديثَ عنها في المَرَّة القادمة.

ولكِنَّنا صَرَفْنا وقتًا رائعًا في دراسةِ رِسالةِ أفسُس بِمُجمَلِها. وقد رَكَّزْنا دراسَتَنا مُؤخَّرًا على دراسةِ سِلاحِ المُؤمِن. ولكي نُهَيِّئَ أذهانَنا، أوَدُّ في هذا الصَّباح أنْ أقرأَ لكم الأعداد 13-17؛ رسالة أفسُس 6: 13-17: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا. فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ. حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ الله".

والآنْ، في هذا المَقطعِ الرَّائع، يَستعرِضُ لنا بولُس الموارِدَ الَّتي تَجْعَلُنا نُحْرِزُ النَّصْرَ في الحياةِ المسيحيَّة؛ على الأقَلّ في ما يَختصُّ بالمعركة معَ الشَّيطانِ وأعوانِه. وقد مَضَى على دراسَتِنا لهذا الموضوع أسابيع عديدة. وأوَدُّ أنْ أُلَخِّصَ بإيجاز ما دَرَسْناه لأنَّنا تَحَدَّثنا عنهُ مَرَّاتٍ كثيرة جدًّا. وبعدَ ذَلِكَ سَنُكْمِل. ولكِنِّي كنتُ أُفَكِّر في هذا الأسبوع في أنَّ البعض مِنْكُم، مِمَّنْ يَدرسونَ هذا الموضوعَ مَعَنا، قد يَتعجَّبونَ حيثَ يَقرأونَ في رسالةٍ كرسالة أفسُس (الَّتي تُطْلِعُنا على أعظمِ الامتيازاتِ الَّتي يَتمتَّعُ بها المؤمنون) أنَّها تَتحدَّث أيضًا عن هذه المسألة العظيمة المُختصَّة بالصِّراعِ المَسيحيّ.

ففي رِسالةٍ تَتحدَّثُ الأصحاحاتُ الخَمْسَةُ الأولى مِنْها عنِ الأمجادِ العظيمةِ في السَّماويَّات، نَرى فجأةً أنَّها تُرَكِّزُ الحديثَ عنْ جَهَنَّم في الأصحاحِ السَّادِس. ففي الأصحاحِ الثَّالث، نَقرأُ أنَّنا قد تَمَجَّدْنا (إنْ جازَ القَوْل) بالشَّهادة إلى الملائكة؛ ولكِنَّنا في الأصحاحِ السَّادسِ نَصْطَدِمُ بالشَّياطين. ففي الأصحاحِ الأوَّل، نَرى جَلالَ اللهِ وقُدرَتَهُ العظيمة حينَ كَشَفَ عَنْ خُطَّتِهِ الأزليَّة؛ ولكِنَّنا في الأصحاحِ السادسِ نُواجِهُ بَشاعةَ الشَّيطانِ وهَمَجِيَّتَه. لِذا فإنَّها رِسالة تَزْخُرُ بالأُمورِ المُتبايِنَة إذْ إنَّها تَبتدئ في السَّماويَّاتِ وتَنتهي بالتَّعامُلِ معَ الجَحيم. وهي تَبتدئُ بالملائكة وتَنتهي بالشَّياطين. وهي تَبتدئُ باللهِ وتَصِلُ إلى الذُّروة بالحديثِ عَنْ نَتائِجَ عُدوانيَّة مِنْ خلالِ مُعاداةِ عَمَلِ اللهِ مِنْ قِبَلِ الشَّيطان. وهي تَبتدئ بامتيازٍ سَامٍ وَمُقَدَّسٍ ولا يُقَدَّرُ بثمن وتَنتهي بِصِراعٍ ضِدَّ الخطيَّة يَسْعى الشَّيطانُ مِنْ خِلالِهِ إلى حِرْمانِنا مِنْ هذه الامتيازات.

لِذا فإنَّها رِسالَة تَزْخُرُ بالأُمورِ المُتبايِنَة، بَلِ المُتَبايِنَة جِدًّا. وأعتقد أنَّهُ يُمكننا أنْ نَقولَ مَرَّةً أخرى إنَّهُ كُلَّما زادَتْ عَظَمَةُ الامتياز، زادَتْ ضَراوَةُ الصِّراع. وكُلَّما زادَ عُمْقُ حَقيقةِ انتمائِنا إلى مَلكوتِ اللهِ، زادَ وُضوحُ هُجومِ الشَّيطانِ علينا إذْ إنَّهُ يُحاولُ أنْ يَخْلَعَ المَسيحَ عن عَرْشِهِ. فالامتيازاتُ الرُّوحيَّةُ تُفْضي دائمًا إلى الصِّراعِ معَ العَدُوّ. وقد رأينا ذلك. لِذا، بعدَ أنْ قالَ بولُس هذا كُلَّهُ عن مَقامِ المؤمن ومُمارَساتِه، وبعدَ أنْ تَحَدَّثَ بإسْهابٍ عَنْ كُلِّ الفَرَحِ النَّابِعِ مِنَ البَرَكاتِ الرُّوحيَّةِ الَّتي تبارَكنا بها، وبعدَ أنْ ذَكَرَ لنا كُلَّ الموارِدِ وكُلَّ وَظائِفِ المُؤمِنِ حَتَّى نهايةِ الأصحاحِ الخامسِ وبدايةِ الأصحاحِ السَّادسِ، فإنَّهُ يقولُ الآن: "استعدُّوا للمعركة لأنَّ الأمرَ لن يكونَ هَيِّنًا. فسوفَ تُواجِهونَ مُقاومةً، وسوفَ تُجَرَّبونَ بالحَيَدانِ عنِ الطريق، وسوفَ تُهاجَمون، وسوفَ تَجِدونَ أمامَكُم مُعَوِّقاتٍ في كُلِّ مكانٍ يَعتقدُ الشَّيطانُ أنَّهُ قد يَنْجَحُ فيه".

والآنْ، تَذَكَّروا ما يَلي أيضًا: أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ عنْ صِراعِ الحياةِ المسيحيَّة مِنْ ثلاثِ زَوايا. ففي رسالة غلاطيَّة والأصحاحِ الخامس، مَثَلاً، هناكَ صِراعٌ واضحٌ في حياةِ المؤمن بينَ الجسد والرُّوح. وفي إنجيل يوحنَّا والأصحاح 15، هناكَ صِراعٌ واضِحٌ في حياةِ المؤمن بينَهُ وبينَ العالَم. والحقيقة هي أنَّ بولُس لا يُرَكِّزُ هُنا لا على العالَم ولا على الجسد، بل هو يُرَكِّز هُنا على الصِّراعِ بينَ المؤمِن والأرواحِ الشرِّيرَةِ نَفْسِها.

والحقيقة هي أنَّنا لا نستطيعُ أنْ نَفْصِلَ الأرواحَ الشِّرِّيرة عَنِ الصِّراعَيْنِ الآخَرَيْن لأنَّها تَعْمَلُ أيضًا في العالمِ وفي الجسد. ولكنَّهُ يُرَكِّزُ على لُبِّ الأمرِ هُنا. فكيفَ يَستطيعُ المؤمنُ أنْ يَحيا هذه الحياةَ بِنُصْرَة بالرَّغمِ مِنْ هذا الكَمِّ الهائلِ مِنَ المُقاومةِ الَّتي يُسَمِّيها العدد 11 "مَكايِد إبليس"، وما يُسَمِّيهِ العدد 12: "الرُّؤَسَاء، والسَّلاَطِين، وَوُلاَة العَالَم عَلى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْر، وأَجْنَاد الشَّرّ الرُّوحِيَّة في السَّمَاوِيَّات"؟ فكيفَ نُحْرِزُ النَّصْرَ حَقًّا في هذه الحرب المُعَقَّدة جِدًّا؟ حسنًا! أرجو أنْ تَرْجِعُوا قليلاً إلى الوراء لكي أُقَدِّمَ لكم بعضَ الحقائقِ الأساسيَّة:

ففي الأصحاحِ الثالث والعدد 20، نَجِدُ حَقًّا عظيمًا. وإليكُم خُلاصةَ الأصحاحاتِ الثَّلاثَةِ الأولى: فبسببِ كُلِّ ما صَنَعَهُ المسيحُ لأجلِنا، وبسببِ كُلِّ ما يَتَرَتَّبْ على كَوْنِنا في المَسيح: "الْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا". وهذه هي خُلاصَة مَقام المُؤمِن. فنحنُ نَمتلك القُوَّة، ونَمتلك المَوارِد اللَّازِمَة. ولأنَّنا (كما جاءَ في الأصحاح 4 والعدد 1) نَمْلِكُ القُدرة على تَمجيدِ اللهِ، لأنَّ القُوَّة موجودة، يجب علينا أنْ نَسْلُكَ كَما يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِينا بِهَا.

بعبارة أخرى، حيثُ إنَّ لدينا المَوارِد اللاَّزِمَة، يجب علينا أنْ نَسْلُكَ كَما يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِينا بِهَا. والمِفْتاحُ للقيامِ بذلك موجود في الأصحاح 5 والعدد 18. فكيفَ تُطْلِقونَ القُوَّةَ الَّتي تَجْعَلُكُمْ تَسْلُكونَ كَما يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا؟ "لاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ ("أسوتِيا" “asotia”)، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوح". فنحنُ لدينا الموارِد اللَّازمة. وهذا يَجعلُنا مَسؤولينَ عنِ السُّلوكِ كَما يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِينا بِهَا. ونحنُ نَحصلُ على هذه الموارِد مِن خلالِ الامتلاءِ بالرُّوح: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ" (كما قالَ رَبُّنا). وحينَ نَسْتَخدِمُ هذه القُوَّة، سنُحَقِّق النُّصرَة.

والآن، حينَ نَصِل على الأصحاح 6، لا يوجد ما نَخافُ منه. أَتَرَوْن؟ فالقُوَّة موجودة. لِذا فإنَّ الوصيَّة موجودة. والمصدرُ الَّذي يَجعَلُنا قادرينَ على الحُصولِ على هذه القوَّة مِنْ خلالِ رُوحِ اللهِ موجود في حياةِ كُلِّ مؤمِن. لِذا، يُمكننا أنْ نَنْضَمَّ إلى الجيشِ وأنْ نُشارِكَ في المعركة ونحنُ نَعْلَمُ مُسَبَّقًا أنَّ الفَوْزَ والنَّصْرَ مَضْمونان. ولكِنَّ هذا لا يَعني أنَّ المعركة ستكونُ سهلة. أليسَ كذلك؟ وما أعنيه هو أنَّنا جميعًا نُجاهِد، وأنَّ المعركة ستستمرُّ وتَستمرُّ دونَ تَوَقُّفٍ، وأنَّ بعضًا مِنَّا يَفوزونَ وبعضًا مِنَّا يَخسرون. ورُبَّما كانَ البعضُ مِنْكُم يَعيشونَ الآنَ مَرحلةَ رُكودٍ بِمَعنى أنَّكُمْ لا تَفوزونَ ولا تَخسرون. ولكِنَّ الحالَ ستكونُ هكذا دائمًا ما دُمْنَا نَعيشُ في هذا العالم إذْ إنَّ المعركة ستَستمرُّ، وتَستمرُّ، وتَستمرّ. وأعتقد أنَّهُ كُلَّما زادَ نُمُوُّكَ في المسيحِ مِنْ خلالِ التَّغَذِّي على كلمَتِه، وكُلَّما زادَ نُضْجُك، فإنَّ ما يَحدُث هو أنَّكَ تَبتدئ في اختبارِ النُّصْرَة أكثر مِنَ الهَزيمة. ثُمَّ إنَّ نِسبةَ الفَوْزِ تَعلو وتَعلو. ولكِنَّ كُلَّ شخصٍ يَختبرُ النُّصْرَةَ، وكُلّ شخصٍ يَختبرُ الهَزيمةَ في المعركة.

وقد تَسَلَّمْتُ رِسالةً في هذا الأسبوع مِنْ مُستمعٍ لبرنامَجِنا الإذاعِيّ يَعيشُ في بُوسطن (Boston). فقد تَسَلَّمْتُ رِسالةً في هذا الأسبوع مِنْ رَجُلٍ يَعيشُ في بُوسطن. وأنا واثِقٌ مِنْ أنَّهُ حينَ كَتَبَها، لم يَكُن يَدري أنَّها ستكونُ مَثَلاً توضيحيًّا رائعًا على عِظَتي. ولكنَّها كذلك. وإليكُم ما قالَهُ: "عزيزي جون ماك آرثر، لقد كانت خِدمَتُكَ، وما تَزال، مُهِمَّة بالنسبة إليَّ. وقد أردتُ أنْ أَنتهِزَ هذه الفُرصة لكي أشكُركَ شخصيًّا ولكي أُعَبِّرَ لكَ عن رَغبتي في تَقديمِ الدَّعمِ الماديِّ لكم. ليتَ الربّ يُبارككم ويُضاعِف نُمُوَّكُم الرُّوحِيّ وخِدمتكُم في كُلِّ مكان بما في ذلكَ هُنا في منطقة بوسطن حيثُ نَستمع إلى البَثِّ الإذاعِيّ. أنا شابٌّ في الثالثة والعشرين مِنَ العُمر. وقد آمنتُ بيسوعَ المسيح في عُمر التاسعة عشرة. وفي ذلكَ الوقت، نَمَوْتُ في الكلمة، وتَخَبَّطْتُ، وسَقَطْتُ، وَسُحِقْتُ، وَأَقْنَعَني عُصَابِيٌّ مُتَزَمِّتٌ أنِّي مَسكونٌ بأرواحٍ شِرِّيرة، وتَمَّ اعتقالي بسبب القيادة تحت تأثير الكُحول، وَعَلِمْتُ أنَّ صَديقَتي حامِلْ مِنِّي، ثُمَّ ابتدأتُ أخيرًا في استعادةِ وَعْيي الرُّوحِيّ". وَيُمكنني أنْ أقولَ ببساطة إنَّ هذا الشَّخصَ كانَ في خِضَمِّ المَعركة.

"وكما تَرى، فإنَّ كُلَّ شيءٍ كانَ على ما يُرام!" ثُمَّ إنَّهُ يَنتقل إلى الفقرة الَّتي تَليها. وأنا أُحِبُّ هذا الجُزء: "أرجو أنْ تُرسل إليَّ بعضَ الذَّخيرة. فقد وُضِعَتْ خُطَّةُ المعركة، وحُفِرَتِ الخَنادِق، وأنا لا أريدُ أنْ أكونَ واحدًا مِن هؤلاءِ الَّذينَ سَتَحْمَرُّ وُجوهُهُم خَجَلاً عندَ عَوْدَةِ القائد. فعندما تَتِمُّ مُراجَعَةُ السِّجلَّات، أريدُ أنْ يَكونَ قد كُتِبَ فيها أنَّ الجُندِيَّ المَذكور، أيْ أنا، بعدَ أنْ عَصَى الأوامِر، وَتَغَيَّبَ عنِ الخِدمةِ العَسكريَّة مِنْ دُوْنِ عُذْرٍ مَقبول عِنْدَ سَماعِ صَافِرةِ إنذارِ الحَرْب، قد لَبسَ سِلاحَهُ، وأَبْلَغَ الضَّابِطَ المسؤولَ عَنْ عودَتِه، وحارَبَ بِبَسالَة ودونَ خوفٍ مِنْ دونِ أنْ يَطْرِفَ لَهُ جِفْن، وَحَارَبَ العَدُوَّ بِكُلِّ سِلاحٍ وَقَعَتْ يَدُهُ عليه، وأَلْحَقَ أَضْرارًا في مَناطِقَ استراتيجيَّة؛ وَهُوَ أَمْرٌ يَعودُ الفَضْلُ فيه إلى قائِدِهِ الَّذي صَبَرَ عَليهِ وَسَامَحَه. آمين". كَمْ أَحْبَبْتُ هذه الرِّسالة. ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في النِّهاية: "تَذَكَّروني في صَلواتِكُم، مِنْ فَضْلِكُم. المُخْلِص الَّذي غُفِرَتْ خَطاياه – ’سي. تي.‘ (C.T.)".

إنَّهُ في قَلْبِ المَعركة. أليسَ كذلك؟ إنَّهُ في قَلْبِ المَعركة. وكذلكَ أنتُم. وكذلكَ أنا. والنُّصرة في المعركة تَتطلَّب أنْ نَلْبَسَ السِّلاح. أليسَ كذلك؟ لِنَرْجِع إلى السِّلاح في العدد 14 وما يَليه لِنَرى ما يُريدُ رُوْحُ اللهِ أنْ يَقولَهُ لنا اليوم. وكما قلتُ قبلَ قليل، فقدِ ابتدأنا في دراسةٍ تَفسيريَّة. وأنا أَذكُرُ أنَّهُ قبلَ نَحْوِ ثماني سنوات، عندما عَلَّمْتُ رسالة أفسُس، أَذكرُ أنَّنا دَرَسْنا سِلاحَ المؤمِن في أُسبوعَيْن. ولَكِنَّ الدراسةَ نَفسَها تَستغرِقُ الآنَ ثمانية أو عشرة أسابيع. وعلى أيِّ حالٍ، فقد عُدْنا قبلَ بِضْعَة أسابيع وَرُحْنَا نَتأمَّلُ في هذه القِطَعِ الرَّائعة للسِّلاحِ فَوَجَدنا أنفُسَنا نَكْتَشِفُ كَنْزًا مِنَ الحَقِّ حَتَّى إنَّنا نَتأمَّلُ في قِطعة واحدة فقط في كُلِّ مَرَّة. وحَتَّى إنَّنا سنتأمَّلُ في القطعة الخامسة اليوم وفي المَرَّة القادمة.

ولكِنْ لَعَلَّكُم تَذكرونَ، قبلَ كُلِّ شيء، ما جاءَ في العدد 14: "فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقّ". وقد قُلنا إنَّ ما قَصَدَهُ الرسولُ بولُس هُنا لا يَختصُّ كثيرًا بالمُحتوى لأنَّ ذلكَ مَذكورٌ في قِطعةِ السِّلاحِ الأخيرة الَّتي هي "كَلِمَةُ الله". لِذا فإنَّهُ لا يَتحدَّثُ هنا عنِ المُحتوى بِقَدْرِ ما يَتحدَّثُ عنِ الموقِف. وَهُوَ يَستخدمُ الكلمة "أليثيا" (aletheia) بِمَعنى "موقِف الأمانَة" أو "التَّكريس" أو "عَدَم الرِّياء". بعبارة أخرى، يجب عليكم أنْ تُمَنْطِقُوا أَحْقَاءَكُم؛ وَهُوَ تَعبيرٌ يَهوديٌّ قديم يُشيرُ إلى الجاهزيَّة والاستعداد. فالجُنديُّ يَكونُ مُستعدًّا للمعركة. وقد كَرَّسَ نفسَهُ لذلك، وانْضَمَّ إلى الجيش، وَمَنْطَقَ حَقَوَيْه، وهو سَيَغْلِب. وقد رأينا أهميَّةَ ذلكَ إنْ أردنا أنْ نُحْرِزَ النَّصْرَ إذْ ينبغي لنا أنْ نُكَرِّسَ أنفُسَنا للنَّصْر منذُ البداية.

ثانيًا، لقد رأينا في العدد 14 دِرْعَ البِرّ. وقد قُلنا إنَّ هناكَ شيئًا آخرَ ينبغي للمؤمن أنْ يَلْبَسَهُ وهو أنْ يَعيشَ حَياةً طاهِرَةً، وبارَّةً، ومُقَدَّسَةً مِنْ جِهَةِ التَّقوى العَمليَّة. فنحنُ جميعًا حَصَلْنا على البِرِّ المَحْسوبِ مِنَ المسيح. فهذا هو أساسُ تَبريرِنا. ولكِنْ يجب علينا أنْ نُحافِظَ على طَهارَةِ حَياتِنا؛ وإلَّا فإنَّ الشَّيطانَ سيَنْجَحُ في مُهاجَمَتِنا في المناطِقِ الحَيويَّة. لِذا فإنَّنا نَحمي أعضاءَنا الحيويَّة بالبِرّ لِئَلاَّ يَطْمَع فينا الشَّيطان. ثُمَّ رأينا، ثالثًا، أنَّهُ يجب علينا أنْ نَحْتَذي بالجاهزيَّة، وأنْ نَحْذي أرْجُلَنا باستعدادِ إنجيلِ السَّلام. والفِكرة هنا هي أنَّ إنجيلَ السَّلامِ هو الخبر السَّارّ بأنَّنا في سلامٍ معَ الله. فقد كُنَّا أعداء، وقد حارَبْنا ضِدَّ الله، وكُنَّا نَقِفُ في الجانبِ الآخر. ولكِنَّ الإنجيلَ هوَ السَّلامُ معَ الله: "فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ الله". والحِذاءُ الَّذي يَسمحُ لنا أنْ نَقِفَ ثابِتينَ في وَجْهِ إبليس يَعني ببساطة أنَّ اللهَ يَقِفُ في صَفِّنا. فيمكننا أنْ نُقاوِمَ كُلَّ شيءٍ بموارِدِهِ الَّتي أَتاحَها لنا. لِذا فإنَّنا نَقِفُ حَاذينَ أرْجُلَنا بالاستعداد عَالِمينَ أنَّ اللهَ يَقِفُ في صَفِّنا.

وهذه القِطَعُ تُشَكِّلُ السِّلاحَ الَّذي يَلْبَسُهُ المُؤمِنُ وقتًا طويلاً. بعبارة أخرى، هذا هوَ السِّلاحُ الَّذي يَلْبَسُهُ المُؤمِنُ طَوالَ الوقتِ. ثُمَّ حينَ تَشْتَدُّ المَعركة حَقًّا، فإنَّكَ تَحْمِلُ القِطَعَ الأخرى. والفِعْلُ يَتغيَّرُ في العدد 16 إلى "حَامِلِينَ"، وفي العدد 17: "خُذُوا" الخُوْذَة. فالجُنديُّ يَلْبَسُ الدِّرْعَ، وَيَلْبَسُ حِذاءَهُ، وَيَلْبَسُ حِزامَهُ. وعندما تَشتدُّ المعركة فإنَّهُ يَأخُذُ خُوذَتَهُ ويَضَعُها على رأسِه، ويَحمِلُ سَيفَهُ، ويَحمِلُ تُرْسَهُ. وكأنَّ هذه القِطَع تَتطلَّبُ استعدادًا مُباشرًا – ولا سِيَّما عندما تَبتدئُ السِّهامُ تَتَطايَر. لِذا فقدِ انتقلنا إلى العدد 16 في المَرَّة السَّابقة، وقَرأنا: "حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَة". وقد تَحَدَّثنا عن كيفَ أنَّ الشَّيطانَ يُريدُ أنْ يُطْلِقَ سِهامَ تَجارِبِه، وعن أنَّ الطريقة الوحيدة الَّتي يمكننا بها أنْ نُطفئَ هذه السِّهام هي: بالإيمان.

بعبارة أخرى، حينَ تُخطئ، تكون قد صَدَّقتَ كَذِب الشَّيطان. أليس كذلك؟ فقد صَدَّقتَهُ وسَمَحْتَ لهُ أن يَخدَعَك. ولكِنْ ما دُمْتَ تُصَدِّقُ كلمةَ الله فإنَّكَ لن تُصدِّق الشَّيطان. وهذا هو تُرْسُ الإيمان. فما دُمتُ أُصَدِّقُ اللهَ، فإنَّ اللهَ يقول: "لا تَفعل هذا فَتَتبارَك". واللهُ يقول: "افعل ما أقولُ لكَ أنْ تَفعل فتتبارَك. افعل ما أقولُهُ لكَ فتكونُ سَعيدًا. افعل ما أقولُهُ لك فيكونُ كُلُّ شيءٍ على ما يُرام في حياتِك. افعل ما أقولُهُ لك فتَشْعُرُ بالرِّضا". أمَّا الشَّيطانُ فيأتي ويقول: "افعل كذا وسوفَ تُحِبُّه. فاللهُ لا يُبالي. وهو لن يُؤدِّبَك. هَيَّا! افعل ذلكَ وَحَسْب وتَمَتَّع". فَمَنْ سَتُصَدِّق؟ فإنْ صَدَّقتَ الشَّيطانَ تكونُ قد أخطأت. وإنْ كنتَ تُصَدِّقُ اللهَ فإنَّكَ لن تُخطئ. فالأمرُ بهذه البساطة. إنَّهُ تُرْسُ الإيمان.

والآنْ، في هذا الصَّباح، نَوَدُّ أنْ نَتحدَّثَ عنِ القِطعةِ الخامسةِ في السِّلاح إذْ نَجِدُ حَقًّا رائعًا وعظيمًا في العدد 17: "وَخُذُوا خُوذَةَ الخَلاَص". فهذا هو كُلُّ ما تَقولُهُ الآية عن ذلك. وبالرَّغمِ مِن ذلك، لا يُمْكِنُني أنْ أُكْمِلَ الحديثَ عن ذلك في هذا الصَّباح. لِذا، سأُضْطَرُّ إلى تأجيلِ جُزْءٍ مِنْ حَديثي إلى الأسبوعِ القادِم. وقد تقول: "وما الأمرُ المُهِمُّ في هذا؟ إنَّها خُوذَةُ الخلاصِ وَحَسْب. هذا سَهْل. فهي تُشيرُ إلى الخلاص". لا، إنَّها ليست كذلك.

لنتحدَّث عن الخُوذة. فالجُنديُّ الرومانيُّ لم يكن يَذهبُ إلى المعركة مِن دونِ خُوذَة. وما أعنيه هو أنَّهُ سيكونُ غَبِيًّا إنْ لم يَأخُذها. فالجُنديُّ الرومانيُّ كانَ حَريصًا جِدًّا على وَضْعِ خُوذَتِهِ على رأسِه. وكانت الخُوذاتُ تُصْنَع بصورة رئيسيَّة مِنْ شَيئَيْن. فهُناكَ الخُوذاتُ الَّتي تُصْنَعُ مِنْ جِلْدٍ وَبَعْضِ الأجزاءِ أوِ القِطَعِ المَعدِنيَّة. وهُناكَ الخُوذاتُ الَّتي تُصَبُّ صَبًّا، وهي الَّتي تَرَوْنَها أحيانًا وعليها رِيْش (بحسبِ الكتيبة، والمهمَّة، والفترة الزمنيَّة الَّتي كانوا يَعيشونَ فيها). ولكِنَّ الخوذة كانت مُهمَّة جدًّا لحمايةِ الرَّأس. مِنْ ماذا؟ رُبَّما مِنَ السِّهامِ الطَّائرةِ مِنْ جِهَة، ولكِنَّها كانت تُستخدَمُ بصورة رئيسيَّة للحماية مِمَّا يُعْرَفُ بالسَّيفِ العَريض. فَهُمْ لم يكونوا يَستخدِمونَ فقط الخِنْجَر القصير المَذكور في العدد 17، بل كانَ هُناكَ جُنودٌ في ساحةِ المَعركة يَحمِلونَ سَيْفًا عَريضًا يَتراوح طُولُهُ بينَ 90-120سم. وكانَ غالبًا أطول مِنْ مِتْر. وهو سَيفٌ ضخمٌ ذو مِقْبَضٍ ضَخْم يُحْمَلُ بِكِلتا اليَدَيْن مِثْلَ مِضْرَب كُرة القاعدة.

وكانَ المُحارِب يَرفعُ السَّيفَ فوقَ رأسِه ويُحارِبْ بِهِ في مُحاولةٍ لِقَطْعِ رُؤوسِ الأعداءِ بِه. فقد كانت هذه هي الفِكرةُ مِنَ استخدامِه. وكانوا أحيانًا يَمْتَطونَ الخُيولَ ويَضْرِبونَ الأعداءَ المُشاةَ بِها، وَهَلُمَّ جَرَّا. وقد كانَ السَّيفُ العريضُ سِلاحًا عظيمًا. لِذا، يجب عليكَ أنْ تَلْبَسَ الخُوذةَ لكي تَحمي نَفسكَ مِنْ ضَربةٍ بالسَّيفِ العَريض ... لأنَّهُ كانَ ثَقيلاً، وساحِقًا، وقادرًا على قَطْعِ الرَّأس. ومِنَ المُدهشِ أنِّي قرأتُ مُؤخَّرًا أنَّهم عَثَروا على جُمجمة في مكانٍ ما فيها شَقٌّ كَبيرٌ يَعتقدونَ أنَّهُ ناجِمٌ عن ضَربةٍ وَجَّهَها أحدُهم بِسَيْفٍ عَريض فَشَقَّت الجُمجُمة. لِذا فقد كانتِ الخُوذة مُهمَّة جدًّا.

والخُوذة هنا هي خوذة الخلاص. واسمحوا لي أن أقول إنَّ هذا لا يَعني أنْ تكونَ مُخَلَّصًا. فهو لا يَقولُ هنا: "حيثُ إنَّكَ الآنَ في الجيش، وحيثُ إنَّكَ الآنَ تُحارِبُ الشَّيطانَ، وحيثُ إنَّكَ الآنَ تَلْبَسُ الدِّرْعَ، وحيثُ إنَّكَ الآنَ تَحتذي بحذاءِ استعدادِ إنجيلِ السَّلام، وحيثُ إنَّكَ الآنَ تَحْمِلُ تُرْسَ الإيمان، ينبغي أنْ تَخْلُص". لا، لا. فهذا قد حَدَثَ أصلاً. فأنتَ لن تكونَ في الجيشِ إلَّا إذا كنتَ مُؤمِنًا. أليسَ كذلك؟ فإنْ كنتَ تُحاربُ الشَّيطان أصلاً، لا بُدَّ أنَّكَ في صَفِّ اللهِ. وإنْ لم تَكُن معه فأنتَ عَليه. لِذا، إذا كنتَ تَخوضُ المعركة ضِدَّ الشَّيطان، فإنَّكَ مُخَلَّصٌ أصلاً. ولكنَّهُ لا يتحدَّثُ عن ذلك.

فَخُوذَةُ الخلاصِ لا تَعني أنْ تَنالَ الخَلاص. فهو لا يقول: "بالمُناسبة، خامِسًا: نالوا الخَلاص". لا! فأنتَ قد نِلتَ الخلاصَ في الأصحاحِ الثَّاني. أليسَ كذلك؟ "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ". فقد نِلْتَ الخَلاصَ أصلاً. لِذا فإنَّهُ لا يَتحدَّثُ هنا عنِ الحُصولِ على الخلاص. فأنتَ لن تكونَ أصلاً في الجيش إلَّا إذا كنتَ مُؤمِنًا. والشَّيطانُ لن يُهاجِمَكَ ما لم تكن مُؤمِنًا. أليسَ كذلك؟ فهو سيترُكُكَ وشأنك لأنَّهُ قد أَحْكَمَ السَّيطرةَ عليك وَجَعَلَكَ تُحارِبُ الله. لِذا، إذا كُنتَ في الجيشِ، وكانتِ المعركةُ دائرةً، فإنَّكَ مُؤمِنٌ أصلاً. فقد حَدَثَ ذلكَ أصلاً. لِذا فإنَّ خُوذةَ الخلاص لا تَعني أنْ تَكونَ مُخَلَّصًا. وقد تقول: "إذًا، ما الَّذي يَعنيهِ ذلكَ؟" سوفَ أُعطيكُم دَرْسًا لاهوتِيًّا الآن. لِذلك، اجلسوا جَلسةً مُريحة، واحملوا القلمَ لكي تُدَّوِّنوا بعضَ المُلاحظات. ولْنَنظُر إلى ما يمكننا أنْ نَفعلَهُ بهذا الخُصوص.

أوَّلاً، يجب عليكم أنْ تَفهموا هذه النُّقطة؛ وإلَّا فإنَّكم لن تَفهموا أمورًا كثيرة. فالنَّاسُ مُشَوَّشونَ بخصوص الضَّمانِ الأبديّ. وَهُم يَسألونَني دائمًا: "هل تُؤمِنُ أنَّهُ إذا خَلَصَ المَرءُ مَرَّةً فإنَّهُ يَبقى مُخَلَّصًا دائمًا؟ وماذا عنِ عَمَّتي مارثا؟ فقد انقضَتْ سَنواتٌ طويلة على إيمانِها ثُمَّ إنَّ إيمانَها تَزَعْزَع. وقد ماتت. فهل هي مَضمونة أبديًّا أَم لا؟" وأسئلة كثيرة أخرى. والنَّاسُ قَلِقونَ بهذا الخُصوص. وحَتَّى عندما يَقترفونَ خَطيَّةً في حياتِهم ويَشعرونَ بالذَّنب فإنَّهم يقولون: "لا أدري إنْ كُنْتُ ما زِلتُ مُخَلَّصًا". وهناكَ شيءٌ آخر إذْ إنَّكُم تَسألونَ الشَّباب: "هل سَلَّمْتَ حَياتَكَ للمسيح؟" وَهُم يقولون: "أجل، أربعًا وعِشرينَ مَرَّة. المَرَّة تلوَ المَرَّة. ولكي أَضْمَنَ ذلك، فقد سَلَّمْتُهُ حياتي لَهُ اليومَ مَرَّة أخرى"؛ وهَلُمَّ جَرَّا. ولكِنْ كيفَ نَفهمُ حَقًّا موضوعَ ضَمانِ المُؤمِن؟ قبلَ كُلِّ شيء، بأنْ نَفهمَ مَعنى الخَلاص. وفي هذا الصَّباحِ والمَرَّةِ القادمة، أريدُ مِنكم أنْ تَفهموا هذهِ النُّقطة بوضوح.

واسمحوا لي أنْ أبتدئَ بِقَولِ شيءٍ بسيطٍ جِدًّا في البداية. هناكَ ثلاثة جوانب للخلاص...ثلاثة جوانب: الماضي، والحاضِر، والمُستقبل. وقد تَمَّ تَعريفُ هذه الجوانب على النَّحوِ التَّالي: الجانبُ الماضي مِنْهُ يُحَرِّرُنا مِنْ عُقوبةِ الخطيَّة...الجانبُ الماضي مِنْهُ يُحَرِّرُنا مِنْ عُقوبةِ الخطيَّة. بعبارة أخرى، إنْ قُلتَ لي: "هل أنتَ مَسيحيٌّ، وهل نِلْتَ الخَلاص؟" سأقولُ: "أجل". "ومتى حَدَثَ ذلك؟" "قبلَ سَنواتٍ طويلة. ففي ذلك الوقت، عندما اعترفتُ بيسوعَ المسيح وَدَعَوْتُهُ إلى حياتي، وُضِعَتْ خَطايايَ عليهِ على الصَّليب فَدَفَعَ أُجرةَ خَطاياي". وهذا حَدَثَ في الماضي. فأُجرةُ الخَطيَّة قد دُفِعَت. وقد مُتُّ: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ". أليسَ كذلك؟ فقد مُتُّ.

والحقيقةُ هي أنَّ هذا هو ما يَقولُهُ بولُسُ بصورة رئيسيَّة في رسالة رومية والأصحاح 6. فهو يقولُ إنَّكَ مُتَّ مَرَّةً، وإنَّهُ لا حاجة إلى أنْ تَموتَ مَرَّةً أخرى. ومتى مُتَّ؟ لقد مُتَّ عندما آمَنْتَ بالمسيح. فقد صُلِبْتَ مَعَهُ، ودُفِعَتْ أُجرةُ الخطيَّةِ عنكَ، وغُفِرَتْ خطاياكَ، ولم تَعُد هُناكَ أُجرةُ خطيَّة ينبغي أنْ تَدفعها بعدَ ذلك. ونحنُ نَقرأ في رسالة رُومية 8: 1: "إِذًا لاَ [ماذا؟] "لا شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيح". فقد تَمَّتْ مُعالجةُ ذلك. إذًا، الجانبُ الماضي مِنَ الخلاصِ هو التَّحرُّرُ مِنْ أُجرةِ الخطيَّة. وهناكَ جانبٌ حاضِرٌ وَهُوَ: التَّحَرُّرُ مِنْ سُلطانِ الخطيَّة حَتَّى لا يعودَ للخطيَّة [ماذا؟] سُلطانٌ عليك. حَتَّى لا يعودَ للخطيَّة سُلطانٌ عليك. أو كما يَقولُ عُنْوانُ الكِتاب: "لن تَمْلِكَ الخطيَّة بعدَ الآن". فالخطيَّة ليسَ لها سُلطان، والخطيَّة لا تَسود. لماذا؟ لأنَّهُ "أمينٌ وعادِلٌ حَتَّى يُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ".

وهل تَعلم أنَّ الشَّيطانَ لا يَستطيع أنْ يُثْبِتَ عَليكَ تُهمةً واحِدَة؟ فنحنُ نَقرأ في رُومية 8: "مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ؟" لا أحد. فلا توجد دَينونة. فقد غَفَرَ لَكَ اللهُ كُلَّ خطاياكَ مِنْ أجلِ اسْمِه. وَهُوَ يَستمرُّ في تَنْقِيَتِنا ويَستمرُّ في تَطهيرِنا. وهذا يُشْبِهُ ما قالَهُ يسوعُ لبُطرس: أنتَ تَغْتَسِلُ مَرَّةً واحدةً فقط، ثُمَّ إنَّكَ لن تَكونُ بِحاجة في الوقتِ المُتبقِّي مِنْ حياتِك سوى إلى غَسْلِ قَدَمَيْك. فالربُّ يَغْسِلُكَ مِن خلالِ الخلاصِ، ويَغْسِلُ قَدَمَيْكَ مِنْ خِلالِ تَطهيرِهِ يومًا تلو الآخر تلو الآخر. لِذا، هناكَ بُعْدٌ حاضِرٌ. فقد نِلْتُ الخَلاصَ وَصِرْتُ مُخَلَّصًا. وفيما يَختصُّ بخلاصي هذا، بِحَسَب ما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح 5، فإنَّني خَلَصْتُ مِنْ خِلالِ مَوْتِهِ، وأَتمتَّعُ بهذا الخلاصِ مِنْ خِلالِ حَياتِهِ.

بعبارة أخرى، فإنَّهُ يَحيا إلى أبدِ الآبِدينَ حَتَّى يَشْفَعَ فِيَّ. لِذا، فإنَّ هُناكَ خَلاصًا مُستمرًّا ودائمًا. فقد خَلَصْتُ مِنْ أُجرةِ الخطيَّة. وأنا مُخَلَّصٌ مِنْ سُلطانِ الخطيَّة إذْ نَقرأ في رسالة رُومية 5: 10 و 11: "إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ". فنحنُ مُخَلَّصونَ الآنَ باستمرار إذْ إنَّهُ يُطَهِّرُنا بصورة دائمة. لِذا فإنَّ هُناكَ هذا الجَانِب.

ثُمَّ هناكَ جانبٌ مُستقبليّ. ففي الماضي، خَلَصْنا مِنْ أُجرةِ الخطيَّة. ونحْنُ مُخَلَّصونَ في الحاضِرِ مِنْ سُلطانِ الخطيَّة. ونحنُ سَنَخْلُصُ في المُستقبَلِ مِنْ وُجودِ الخطيَّة. فهل تَعلمونَ أنَّهُ سيأتي يومٌ لن توجد فيهِ خَطِيَّة؟ أجل. وهل تَعلمونَ كيفَ أَعلمُ ذلك؟ لأنَّ سِفْرَ الرُّؤيا يَقولُ إنَّهُ لن يكونَ هناكَ مَوتٌ. وكما نَعلمُ فإنَّ أُجرةَ الخطيَّة هي ماذا؟ موت. لذا فإنَّ عَدَمَ وُجودِ الموتِ يعني عَدَم وجود الخطيَّة. ونحنُ سنكونُ مِثْلَهُ إذْ نَقرأ في رسالة يوحنَّا والأصحاح 3: "وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ". وَهُوَ بِلا خَطِيَّة، وبلا عَيْب، وبلا دَنَس، وَلا تَشُوبُهُ شَائِبَة. وسوفَ يأتي يومٌ نَخْلُصُ فيهِ مِنْ وُجودِ الخطيَّة.

والآنْ اسمعوني، يا أحبَّائي: لقد حَدَثَ الخلاصُ، وَهُوَ يَحْدُث، وَهُوَ سَيَحْدُث. فقد حَدَثَ [في الماضي] مِن خلالِ التَّبرير. وَهُوَ يَحْدُثُ [في الحاضِر] مِنْ خلالِ التَّقديس. وَهُوَ سيَحدثُ [في المُستقبل] مِن خلالِ التَّمْجيد. ونحنُ نَقرأُ في رِسالة رُومية والأصحاح 8 أنَّ الَّذينَ بَرَّرَهُمْ فَهؤُلاَءِ قَدَّسَهُمْ وَمَجَّدَهُم. أَتَرَوْن؟ لِذا، عندما تُفَكِّرُونَ في الخلاص، لا تُفَكِّروا فيهِ كَشَيءٍ حدثَ في الماضي فقط. ولا تُفَكِّروا في الخلاصِ كما يَفْعَلُ بعضُ أَصْحابِ البِدَع، أو كَما يَفعلُ بعضُ النَّاسِ في الكنيسة الكاثوليكيَّة إذْ إنَّهُم يُفَكِّرونَ فيه كشيءٍ يَتَرَقَّبونَ حُدوثَهُ في المستقبل. فهو ماضٍ، وحاضِر، ومُستقبليّ. والآنْ، إنْ كانَ شيئًا حَدَثَ في الماضي، فقد حَدَثَ وانتهى. وإنْ كانَ شيئًا يَحدثُ في الحاضر فإنَّكَ لن تَخْسَرْهُ. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ يَجري باستمرار. وإنْ كانَ حُدوثُهُ مَضمونًا في المستقبل، فإنَّكَ في مَأمَنٍ تَامٍّ.

والآنْ، هذا هو لُبُّ وجَوهرُ مَعنى الخلاص: البُعْدُ الماضي، والحاضِر، والمُستقبليّ. واسمحوا لي أُوَضِّحَ لكم ذلك مِن خلالِ النَّظَرِ إلى رِسالة رُومية 8: 23. وسوفَ أُريكُم عددًا مِنَ الآياتِ الكِتابيَّة التي أعتقد أنَّها ستُساعدكم حقًّا في فَهْمِ ذلك. ففي رُومية 8: 23، نَقرأُ ما يَلي. ولنرجِع إلى العدد 22. فبولُس يَتحدَّثُ هنا عنِ اللَّعنة. وهو يَتحدَّثُ عن كيفَ أنَّ الخطيَّة قد أثَّرَتْ في الخَليقة وجَعَلَتْها خاضِعَةً للبُطْلِ، ولكِنْ ما يَزالُ هناكَ رَجاءٌ في حُدوثِ شيءٍ مُختلِف. فأنتُم تَعلمونَ أنَّ العالمَ سيَتحسَّن. هل تَعلمونَ ذلك؟ فسوفَ يَصيرُ أفضَل. والحقيقة هي أنَّ العالَمَ سيصيرُ كامِلاً. فهو سيصيرُ كاملاً. ولكِنَّ هذا لن يَحدثَ إلَّا عندما يأتي يسوعُ ثانيةً. فهو لن يَصيرَ كاملاً مِن خلالِ جُهودٍ بَشريَّة. لِذا فإنَّ الرَّجاءَ جُزءٌ مُهِمٌّ جدًّا في حياةِ المؤمن. وهو يقولُ في العدد 22: "فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ".

بِعبارة أخرى، فإنَّ العالمَ بأسْرِه يَعلمُ أنَّ الأُمورَ ليست على ما يُرام، والعالمَ بأسْرِه يَعلمُ أنَّ هناكَ أمرًا خاطئًا جدًّا يَجري. وَحَتَّى إنَّ النِّظامَ المَخلوقَ في حَالة فَوضى. "وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ [في العدد 23]، بَلْ نَحْنُ...". فنحنُ نَعلمُ أنَّ الأمورَ ليست على ما يُرام. ونحنُ نَعلمُ أنَّ العالمَ ليسَ كما أرادَ اللهُ لَهُ أنْ يكون. ونحنُ نَعلمُ أنَّ الحياةَ ليست كما أرادَ اللهُ لها أن تكون. "بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا".

اسمعوني: إنَّ أنْفُسَنا قد خَلَصَت، وهي تَختبرُ الخلاصَ باستمرار. وفي يومٍ ما، سَتُفْتَدى أجسادُنا مَعَ نُفوسِنا فنحصُلُ على القداسة الكاملة. وهذا هوَ مَعنى العدد 24: "لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا". و "في الرَّجاء" هي تَرجمة أفضل مِنْ "بالرَّجاء". "لأَنَّنَا في الرَّجَاءِ خَلَصْنَا". إذًا، أجل. فقد خَلَصْنا، ولكِنَّ هذه ليستِ النِّهاية. اسمعوني: إنْ قالَ لي أحدُ الأشخاص: "إنَّ الخلاصَ الَّذي نِلْتَهُ هُوَ أبديٌّ. فقد حَصَلْتَ عليهِ الآن، وليسَ هناكَ ما يُمْكِن أنْ يُضافَ إليه"، فإنَّني سأقولُ له: "أتَعني أنَّهُ يجب عليَّ أنْ أُحارِبَ الجَسَدَ طَوالَ حياتي وَطَوالَ الأبديَّة؟ وهل تَعني أنَّهُ يجب عليَّ أنْ أُحاربَ الشَّيطانَ بذاتِ الطريقة؟ وأنَّني سأحْيا بهذا الضُّعْفِ البَشَرِيّ؟ وهل تَعني أنَّني سأبقى في رُومية 7، وأنَّني سأستمرُّ في الصُّراخِ قائلاً: ’وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟‘ فمتى سأَتَخَلَّصُ مِنْ هذا العِبْء؟ هل تَعني أنَّني سأعيشُ هكذا إلى الأبد؟ هل هذا هو ما سيحدث؟" ثُمَّ سأقولُ لَهُ: "إنَّ الخلاصَ لم يَكْتَمِل بعد". فإنْ كانَ كُلُّ ما يَفعلُهُ الرَّبُّ هو أنَّهُ يُساعِدُني في الصِّراع، فإنَّ ذلكَ لن يُحَقِّقَ أيَّ ثَمَر. ولكِنْ هناكَ المَزيد إذْ إنَّ هناكَ بُعْدًا مُستقبليًّا للخلاص يَعني أنَّنا سَنَصِلُ نُقطةً لا توجدُ فيها خطيَّة البَتَّة. ومِنْ دونِ ذلك، لا يوجد رجاءٌ للحاضِر.

وما أعنيه هو أنَّ الأمرَ يُشبهُ سِباقًا مِنْ دونِ خَطِّ نِهاية. فكأنَّ شخصًا يقول: "ابتدأوا في الرَّكْض، واستمرُّوا في الرَّكضِ بَقِيَّةَ حياتِكُم". "ماذا؟ أين؟ فلا يوجد خَطُّ نهاية!" "هذا صحيح، ولكِنْ يجب عليكم أنْ تبذلوا كُلَّ جُهْدٍ طَوالَ السِّباق". هل تَمْزَح؟ فهل تتخيَّل أنَّ اللهَ يقول: "هذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. لِذا، قاوِموا إلى الأبد". هذا مُستحيل! ولماذا نقرأُ حَتَّى في سِفْر الرُّؤيا أنَّهُ حينَ ماتَ القِدِّيسون فإنَّهُم استراحُوا مِنْ أتعابهم، أليسَ كذلك؟ فأنا أركضُ الآن. ولكِنْ إنْ كانَ ينبغي أنْ أركضَ طَوالَ الأبديَّة، فإنني لن أفعلَ شيئًا في أغلبِ الأحيان. ولكِنْ هناكَ بُعْدٌ مُستقبليّ. انظروا إلى رسالة غلاطيَّة والأصحاح 5، غلاطيَّة 5: "فَإِنَّنَا بِالرُّوحِ" – وَمَرَّةً أخرى، لا بُدَّ أنَّهُ يَتحدَّث هنا عنِ المؤمنين لأنَّ رُوحَ اللهِ هُوَ الَّذي يُعطينا القُدرةَ على القيامِ بذلك: "فَإِنَّنَا بِالرُّوحِ مِنَ الإِيمَانِ نَتَوَقَّعُ رَجَاءَ بِرّ".

وَهُوَ لا يَتحدَّثُ هنا عنِ البُعْدِ الماضي مِنَ الخلاص، أوِ عنِ البُعدِ الحاضِر، بل يَتحدَّث عنْ تَتْميمِ ذلك. فنحنُ نَنتظرُ بِرَجاء، ونحنُ نَتمسَّك بالرَّجاءِ بأنَّ المَعركة ستَنتهي ذاتَ يوم، وبأنَّنا ذاتَ يومٍ لن نَعودَ مُضْطَرِّينَ إلى الصِّراعِ معَ الخطيَّة، والجسد، والشَّيطان، والعالم، والأرواحِ الشرِّيرة. فذاتَ يومٍ، سنَختبر رَجاءَ البِرِّ الكامل. انظروا إلى رسالة بُطرس الأولى 1: 3 إذْ نَجِدُ هُنا صَلاةً رائعةً إذْ يَقولُ بُطرُس: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ". بعبارة أخرى، فإنَّهُ يَقول: "لقد خَلَصْنا لِرَجاءٍ" لقد خَلَصْنا لِرَجاءٍ، أيْ لكي نَرْجو شيئًا. وما هو؟ "لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ". فَرَجاؤُنا في السَّماء. "أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ". أيُّ خَلاص؟ "لِخَلاصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير".

فهناكَ بُعدٌ آخر للخلاص، بُعْدٌ يَختصُّ بالزَّمانِ الأخير. وَهُوَ اكْتِمالُ الرَّجاءِ الحَيِّ حين نَمضي إلى السَّماءِ ونَحصُل على المُكافأة والميراث الَّذي أَعَدَّهُ اللهُ لنا. وبسببِ ذلك، فإنَّنا لا نُمانِع (كما جاءَ في العدد 6) في أنْ يكونَ هُناكَ وَقْتٌ نَختبرُ فيهِ الحُزْنَ والتَّجاربَ المُتَنَوِّعة. أَتَرَوْن؟ فنحنُ لا نُمانِع في أنْ نَتألَّمَ يَسيرًا لأنَّ هناكَ خَطَّ نِهاية. ونحنُ لا نُمانِعُ في بَذْلِ بعضِ الجُهدِ لأنَّ هناكَ هَدَفًا نَصْبُو إلى تَحقيقِه. وقد شاركتُ في سباقاتٍ كثيرة في حياتي في المدرسة الثانويَّة والجامعة حَتَّى إنِّي أعرِفُ مَعنى أنْ تَمُطَّ عَضَلاتِ ظَهْرِك وتَشعُرَ أنَّ كُلَّ شيءٍ رائع، وأنْ تَرْكُضَ وتَقتربَ مِنْ خَطِّ النِّهاية، ثُمَّ فجأةً تَخونُكُ عَضَلاتُكَ ويَحدُثُ شيءٌ خاطئ. فعقلُكَ يقولُ لَكَ: "ارْكُض"، ولكِنَّ سَاقَيْكَ تَقولان: "لا". وهذا يُؤثِّرُ كثيرًا في ما يَحْدُث.

وأنتَ تَخوضُ تلك المعركة الأخيرة، وما يَدْفَعُكَ هو شُعورُكَ بالنَّصر، والكَرامَة، واحترامِ الذَّات، والجائزة الَّتي تَعلم أنَّها تَنتظرُكَ عندَ خَطِّ النِّهاية. لِذا فإنَّ اللهَ أعطانا ليسَ فقط خلاصًا في الماضي، وليسَ فقط استمراريَّةً في الخلاصِ في الحاضِر، بل إنَّهُ أعطانا رَجاءً عَظيمًا. لِذا، عندما ارْتَفَعَ يسوعُ في أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الأوَّل، كانَ التَّلاميذُ ما زالوا مُشَوَّشينَ حَتَّى تلك اللَّحظة. وبعدَ ذَهابِهِ، كانوا في حاجة إلى دافِعٍ صَغير. لِذا فقد أَرسلَ مَلاكَيْنِ وَتَحَدَّثَ مِنْ خِلالِهِما إليهم قائلًا: "إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاء".

بعبارة أخرى، في حالِ أنَّ عَزيمَتَكُمْ قد وَهَنَتْ، وأنَّكم تَظُنُّونَ أنَّهُ لن تكونَ هناكَ نِهاية، اعْلَموا أنَّ يسوعَ سيأتي ثانيةً. فهو سيأتي ثانيةً. وسوفَ تكونُ هناكَ نهاية. وهناكَ هَدَف. وهناكَ خَطُّ نِهاية. وهذا هُوَ تَمامًا المَقصودُ بِخُوذَةِ الخَلاص. فهي الرَّجاءُ بوجودِ خَلاصٍ نِهائيّ. واسمحوا لي أنْ أُريكُم ما جاءَ في رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاحِ الخامِس ... في رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاح الخامِس والعدد الثَّامِن: "وَأَمَّا نَحْنُ [1تسالونيكي 5: 8] الَّذِينَ مِنْ نَهَارٍ" – وهذا يَعني أنَّنا لسنا أبناءَ ظُلمَة لأنَّ ذلكَ هُوَ نِطاقُ الشَّيطان. أمَّا نحنُ فَمِنْ نَهار، أيْ أنَّنا أبناءُ نَهارٍ في مَلكوتِ الله. "وَأَمَّا نَحْنُ الَّذِينَ مِنْ نَهَارٍ فَلْنَصْحُ لاَبِسِينَ دِرْعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّة"، ثُمَّ لاحِظُوا ما يَقول: "وَخُوذَةً هِيَ رَجَاءُ الْخَلاَص. لأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَب". فنحنُ لن نَستمرَّ في الحياةِ هكذا نُجاهِد طَوالَ الوقت، ونحنُ لن نَكونَ أبناءَ دَينونة. "بَلْ لاقْتِنَاءِ الخَلاَص". فما يَزالُ هناكَ خَلاصٌ نَحْصُل عليه. واللهُ عَيَّنَنا للحُصولِ على ذلكَ الخلاص في النِّهاية. وَالخُوذة هي رَجاءُ الخَلاص. وكاتبُ الرسالة إلى العِبرانيِّين يقول إنَّ هذا الرَّجاءَ هُوَ مِرْساةُ النَّفْس. ما هي الخُوذَةُ إذًا؟

اسمعوني لأنِّي سأُلَخِّصُ ذلك: إنَّ خُوذةَ الخلاصِ هي الثِّقة بأنَّ هناكَ خَلاصًا كاملاً ونهائيًّا وتامًّا سيأتي. فهو الثِّقة بأنَّ المعركة ستنتهي ذاتَ يوم. فلا يمكنني أنْ أُجاهِد إنْ لم أَكُنْ أَعلمُ أنَّ هناكَ خَطَّ نهاية في مكانٍ ما. أليسَ الأمرُ كذلكَ بالنِّسبة إليكُم أيضًا؟ فيجب أن تكونَ هناكَ نهاية. وقد تقول: "وكيفَ يَكونُ ذلكَ جُزءًا مِنْ سِلاحِنا؟" اسمعوني: أتَعرِفونَ ذلكَ السَّيفَ العَريضَ الَّذي كانَ الجُنديُّ الرُّومانيُّ مُضْطَرًّا إلى مُواجَهَتِه؟ أتَعرفونَ ما هو سَيْفُ الشَّيطانِ العَريض؟ إنَّهُ سيفٌ ذُو حَدَّيْن: الحَدُّ الأوَّلُ هو الشُّعورُ بالإحباط، والحَدُّ الثَّاني هو الشَّكّ. وسوفَ نَتحدَّث عنِ الشَّكِّ في المَرَّة القادمة، ولكِنَّنا سَنتحدَّثُ في هذه المَرَّة عنِ الإحباط. وهل تَعلمونَ ما يُريدُ الشَّيطانُ أنْ يَفعلَه؟ إنَّهُ يُريدُ أنْ يَملأَ ذِهْنِكَ بالإحباطِ والشَّكّ. فهو يريدُ أنْ يَجْعَلَكَ مُحْبَطًا: "مِنَ الواضِحِ أنَّكَ تُعطي الكثير ولا تَحصُل سوى على القليل بالمُقابِل. فأنتَ تَعيشُ هذه الحياةَ المسيحيَّة، وتَعْزِلُ نفسَكَ عنِ العالم. أيُّها المِسْكين، أنتَ تَبْذِلُ كُلَّ جُهْدٍ مُمْكِن، ولكِنْ ما الَّذي يَحْدُث؟ لقد فَقَدْتَ وَظيفَتَك. يا لها مِنْ بَرَكَة عظيمة! أليسَ كذلك؟ وأنتَ مُواظِبٌ على قراءةِ كتابِكَ المُقدَّس كُلَّ يوم؛ ولكِنَّ زوجَتَكَ ما تَزالُ نَكِدَة كما كانت قبلَ حَتَّى أنْ تُحْضِرَ لها كِتابًا مُقَدَّسًا. فهو لم يُحْدِثْ فيها أيَّ تأثير".

"ما الَّذي يَفعلُهُ اللهُ في حياتِك؟ فأنتَ تَذهبُ إلى الكنيسة منذُ سنوات طويلة. ولكِنْ انْظُر إلى أولادِك. فَهُمْ لا يَحترمونَكَ الآن أكثر مِمَّا كانوا عليهِ في السَّابق". وحينئذٍ فإنَّ الإحباطَ يَتَسَلَّل إلى قلبِك. وقد تقول: "أنا أُعَلِّمُ هذا الصَّفَّ منذُ وقتٍ طويل. وأنا أتساءلُ إنْ كانَ الحاضِرونَ يَجْنُونَ أيَّ فائدة منه!" وحينئذً فإنَّكَ تَشعرُ بالإحباطِ حَقًّا. وهذا واحدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي تحدث. والشَّيءُ الآخر الَّذي يريدُ الشَّيطانُ أنْ يَستخدِمَهُ ضِدَّكَ هو أنَّهُ يَملأُ ذِهْنَكَ بالشَّكّ: "كيفَ تَعلمُ أنَّكَ مؤمنٌ حقًّا؟ هل أنتَ واثقٌ أنَّكَ مُخَلَّصٌ حَقًّا؟ أنتَ لا تَستحقُّ ذلك. انظر إلى ما فَعَلْت. هل تَعتقد أنَّ هذا يُوافِقُ كَوْنَكَ مَسيحيًّا؟" وهكذا فإنَّ النَّاسَ يُعانونَ بسببِ الشُّكوكِ والشُّعورِ بالإحباط. وهذا هُوَ السِّلاحُ الَّذي يَستخدِمُه. وَخوذةُ الخَلاصِ تَحْمينا.

ولنتحدَّث عن موضوعِ الشُّعورِ بالإحباط. واسمحوا لي أنْ أُوَضِّحَ ذلك مِن خلالِ النَّظر إلى سِفْر الملول الأوَّل والأصحاح 19، سِفْر الملول الأوَّل والأصحاح 19، وهي قصَّة إيليَّا الرَّائعة. فإيليَّا شَبيهٌ بِبُطْرُس العهد القديم. فهو يَتَأَرْجَحُ صُعودًا وَنُزولاً كثيرًا. ولكِنَّ إيليَّا في هذا الوقتِ مِن حياتِه كانَ قد أَحْرَزَ نَصْرًا عظيمًا. وأنا أَعنى بذلكَ نَصْرًا لم يُحْرِزْهُ أيُّ نَبيٍّ آخر. فقد قَتَلَ بالسَّيف أربعمئة وخمسينَ مِنْ كَهَنَةِ البَعْل. ولا أُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلتُ إنَّهُ أَحْرَزَ نَصرًا عظيمًا في ذلك اليوم. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ اللهَ أَنْزَلَ نارًا مِنَ السَّماءِ أَكَلَتِ المُحرَقَة، وأَحْرَقَتِ المَذْبَح، وَحَتَّى إنَّها لَحَسَتِ المِيَاهَ الَّتِي سَكَبوها حَوْلَ المَذْبَح؟ فقد كانَ إيليًّا مُنتصِرًا ومُتَفَوِّقًا حقًّا. وقد قالَ الشَّعبُ: "الرَّبُّ هُوَ اللهُ! الرَّبُّ هُوَ اللهُ!" أمَّا البَعْلُ فَلا. فقد خَسِرَ البَعْل. وهكذا فقدِ انتصرَ إيليَّا.

ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ التَّاسع عشر عَمَّا حَدَثَ بعدَ ذلكَ مُباشَرَةً: "وَأَخْبَرَ أَخْآبُ إِيزَابَلَ بِكُلِّ مَا عَمِلَ إِيلِيَّا، وَكَيْفَ أَنَّهُ قَتَلَ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ بِالسَّيْفِ. فَأَرْسَلَتْ إِيزَابَلُ رَسُولاً إِلَى إِيلِيَّا تَقُولُ: «هكَذَا تَفْعَلُ الآلِهَةُ وَهكَذَا تَزِيدُ، إِنْ لَمْ أَجْعَلْ نَفْسَكَ كَنَفْسِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَحْوِ هذَا الْوَقْتِ غَدًا»". فقد قالت: "إيليَّا، لأنَّكَ فَعلتَ ذلك" – وبالمُناسبة، لقد كانت تَعْبُدُ البَعْل – "لأنَّكَ فَعلتَ ذلك، سأقتُلُك في نحوِ هذا الوقتِ غَدًا مَهْما كَلَّفَ الأمر". وكما تَعلمون، لو كنتُ أنا مَكانَهُ لَقُلْتُ للرَّب: "اسمع يا رَبّ، لقد صَنَعْتُ مَعَكَ مَعروفًا كبيرًا. فقد قَتلتُ أربعمئة وخمسينَ مِنْ كَهَنَةِ البَعْل. لذا، ألا أَعْطَيْتني يومًا إجازَة؟ فهل ستُرسِل إيْزابَل لمُلاحَقَتي في اليومِ التَّالي؟ ماذا لو أعطيتَني استراحةً قصيرة؟" فلم تُسْنَحْ لهُ الفُرصة للجلوسِ والحصولِ على التَّكريمِ مِنْ "جَمعيَّةِ التَّكريمِ اليهوديَّة". ولم تُسْنَح لهُ الفُرصة للجلوسِ والحصولِ على النَّياشينِ والأوسِمَة. فقدِ انْطَلَقَ حالاً.

والآنْ، إنْ كانَ قادرًا على التغلُّبِ على أربعمئة وخمسينَ مِنْ كَهَنَةِ البَعل، لا يَجوزُ أنْ يَخافَ مِنِ امرأة واحدة. ولكِنَّ التَّاريخَ لا يُقيمُ وُزْنًا لهذه الحُجَّة لأنَّ أُناسًا كثيرينَ كانوا يَخافونَ مِنِ امرأةٍ واحدة، ولا سِيَّما إذا كانت قد تَغَلَّبَتْ على رِجالٍ كثيرين. وعلى أيِّ حال، قَرَّرَ إيليَّا أنَّ هناكَ شيئًا واحدًا ينبغي أنْ يَفعله وَهُوَ أنْ يَهرُب. وقد كانَ إيليَّا في نَحْوِ الثَّمانينَ مِنْ عُمره. واللهُ لم يَقْصِدْ يومًا أنْ يَجعلَ نَبِيًّا عَجوزًا في الثَّمانينَ مِنْ عُمرِه يَركُض إلى بِئْرِ سَبْع. ولكِنَّ إيليَّا فعلَ ذلك. وما أعنيه هو أنَّهُ رَكَضَ بِأقصى سُرعة لديه مُخَلِّفًا الغُبارَ وَراءَهُ. فقد هَرَبَ للنَّجاةِ بحياتِه. ونقرأ في العدد 3: "فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ قَامَ وَمَضَى لأَجْلِ نَفْسِهِ، وَأَتَى إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ الَّتِي لِيَهُوذَا وَتَرَكَ غُلاَمَهُ هُنَاكَ". والحقيقة هي أنَّهُ رَكَضَ. وقد كانت بئرُ سَبْع بَلدة. "ثُمَّ سَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ". فقد سَارَ مَسيرَةَ يَوْمٍ في البَرِّيَّة "حَتَّى أَتَى وَجَلَسَ تَحْتَ رَتَمَةٍ وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: «قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنِّي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي»".

والآنْ، هذا هو ما أُسَمِّيهِ "شُعورًا بالإحباط". فقد تَمَنَّى المَوْت: "أَلا أَخَذْتَ نَفسي يا رَبّ؟ فقط خُذْ نَفسي. هذا يَكفي". "وَاضْطَجَعَ وَنَامَ تَحْتَ الرَّتَمَة. وَإِذَا بِمَلاَكٍ قَدْ مَسَّهُ وَقَالَ: «قُمْ وَكُلْ»". فالملاكُ لم يَتْرُكْهُ يَنام، بل أَيْقَظَهُ وأَطْعَمَهُ. "فَتَطَلَّعَ وَإِذَا كَعْكَةُ رَضْفٍ وَكُوزُ مَاءٍ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ رَجَعَ فَاضْطَجَعَ. ثُمَّ عَادَ مَلاَكُ الرَّبِّ ثَانِيَةً فَمَسَّهُ". فقد أَيْقَظَهُ ثانيةً. "وَقَالَ: «قُمْ وَكُلْ، لأَنَّ الْمَسَافَةَ كَثِيرَةٌ عَلَيْكَ»". يجب أنْ تأكُل.

والآنْ، لا أدري ما الطَّعامُ الَّذي جَلَبَهُ الملاكُ إليه. ولكِنْ أيًّا كان، فقد نَجَح. فنحنُ نقرأ في العدد 8: "فَقَامَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ، وَسَارَ بِقُوَّةِ تِلْكَ الأَكْلَةِ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً". لِذا، كما قُلتُ، لَقَدْ نَجَحَ ذلكَ الطَّعام. "وَسارَ...إِلَى جَبَلِ اللهِ حُورِيبَ". أتَعلمونَ لماذا؟ لأنَّ اللهَ قال: "إيليَّا، لا تَقْلَق ولا تَشْعُر بالإحباط. استَجْمِع شَجاعَتَكَ واصْعَد إلى جَبَل حُوريب إذْ أُريدُ أنْ أتحدَّثَ مَعَكَ قليلاً". لِذا فقد صَعِدَ إلى هناكَ فَتَحَدَّثَ اللهُ إليهِ بِصَوْتٍ هادئ. وحينئذٍ قالَ لَهُ إيليَّا: "لقد بَقيتُ وَحدي، يا رَبّ. إنَّهُ لأمرٌ مُحْزِنٌ جِدًّا ومُحبِطٌ جِدًّا. لقد بَقيتُ وَحدي. فأنا الشَّخصُ الوَحيدُ الأمينُ لديك". فقالَ الربُّ لَهُ في الأصحاح 19 والعدد 18: "بَلى! هناكَ سَبْعَةُ آلاَفٍ شخصٍ غَيرَك. فأنتَ لستَ الوحيد. فالمجموعُ هُوَ سبعةُ آلافٍ وواحِد يا إيليَّا. والآنْ، ارْجِع إلى هُناكَ وانْهَمِك في العمل". فَمِنَ السَّهلِ جدًّا أنْ تَشعُرَ بالإحباط. وأنا واثقٌ مِن ذلك. فحتَّى في أعظمِ لَحظاتِ النَّصْرِ في حياتِك، فإنَّكَ تَعودُ إلى الواقِع فَتَرى الحقيقةَ المؤلمةَ وتَجِدُ الأمرَ صَادِمًا. أتَعلمونَ ذلك؟ وأنا أُدركُ ذلكَ لأنِّي اختبرتُه. فَمِنَ السَّهلِ جِدًّا أنْ تَشعرَ بالإحباط.

وفي رسالة أفسُس 3: 3؛ بل بالحَرِيّ في العدد 13، يقولُ بولُس: "لِذلِكَ أَطْلُبُ أَنْ لاَ تَكِلُّوا فِي شَدَائِدِي". فكما تَعلمون، هناكَ أُناسٌ قد يُحْبَطونَ بسببِ مشاكِلِ شخصٍ آخر، وليسَ بالضَّرورة بسبب مشاكِلِهم. ونقرأ في رسالة غلاطيَّة 6: 9: "فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ". فكما تَعلمونَ، مِنَ السَّهلِ جِدًّا أنْ يَشعُرَ الإنسانُ بالتَّعبِ والإرهاقِ ويقول: "يا رَبّ، يجب عليَّ أنْ أَعِظَ يومَ أَحَدٍ آخر، وأنْ أعِظَ عِظَةً أخرى، وأنْ أدرسَ يومًا آخر. يا رَبّ، يجب عليَّ أنْ أَتَّصِلَ بشخصٍ آخر، وأنْ ألتقي بذلكَ الشَّخصِ نفسِه لكي أُتَلْمِذَه. يا رَبّ، ألا يُمكنني أن أَستريحَ بِضعةَ أيَّامٍ مِن قراءةِ الكتابِ المقدَّس؟ يا رَبّ، لا يمكنني أنْ أُعَلِّمَ صَفَّ مدرسةِ الأحدِ ذاكَ يومًا آخر. يا رَبّ، هل تَعتقد حقًّا أنَّه يجب عليَّ أنْ أرجعَ وأتحدَّث إلى ذلكَ الجار مَرَّة أخرى؟ يا رَبّ، أنتَ تَعلمُ أنِّي أُقاومُ هذه التَّجربة القديمة نفسَها منذُ وقتٍ طويلٍ جدًّا. لقد تَعِبْت". وكما تَعلمونَ فإنَّنا نَشعرُ بالإحباطِ بسهولة بالِغَة.

وقد عَبَّرَ "آرثر كلاف" (Arthur Cluff) عن ذلك بهذه الكلمات: "لا تَقُل إنَّ المُقاومةَ لا تُجْدِ نَفْعًا، ولا إنَّ التَّعَبَ والكلماتِ لا فائدة مِنها، ولا إنَّ العدوَّ لا يَتْعَب ولا يَخُور، ولا إنَّ الأشياءَ تَبقى على الحالِ الَّتي كانت عليه". بعبارة أخرى، "إنَّني مُستمرٌّ في المقاومةِ دونَ جَدْوى". وقد تَعِبْتُ، ولكِنَّ العَدُوَّ لم يَتعَب". هل لاحظتُم ذلك؟ فأنتَ تَتعب حقًّا، ولكنَّ الشَّيطانَ لا يتوقَّف. وقد كَتَبَ "ماثيو آرنولد" (Matthew Arnold): "لقد خَضَّبْتُ شَبابي بالدَّمِ والمَعارك. وقد خَضَّبْتُ عُمري بالدَّمِ والقِتال. وسوفَ أُنْهي هذه الحياةَ في سَاحَةِ المَعركة". فهل تتوقَّفُ المُقاومة؟ الحقيقة هي أنَّنا نُقاومُ العَدُوَّ طَوالَ حياتِنا. وحينَ اقتربَ الرسولُ بولس مِنْ نهاية حياتِهِ، فإنَّهُ يقولُ في رسالة تيموثاوس الثانية 4: 7: "قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ". وفي أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 20، قالوا لَهُ: "بولُس، إذا ذهبتَ إلى أورُشليم، ستُسْجَن وتُقَيَّد". فقال: "لا بأسَ في ذلك. فكُلُّ هذهِ الأشياء لا تُزَعْزِعُني: "وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوع". فهو لم يَكُنْ يَسْمَحُ لنفسِهِ أنْ يَكِلَّ، ولم يَكُن يَستسلِم.

وفي سِفْر الرُّؤيا والأصحاح الثاني، أَثْنى الربُّ على كنيسة أفسُس قائلاً: "وَقَدِ احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ". وهذا إطراء. وفي سِفْر اللَّاويِّين والأصحاح 26، وأيضًا في سِفْر التَّثنية والأصحاح 11، يَقولُ اللهُ لِبَني إسرائيل: "حسنًا، يا بني إسرائيل! إِنْ بَقيتُم ثابتينَ في إيمانِكُم، وحَفِظْتُم ما أُوصيكُم به، وعَمِلْتُم بِجَمِيعِ فَرائِضي، وفَعلتُم ما أقولُهُ لكم، سأُبارِكُ حياتَكُم، وأُبارِكُ أرضَكُم، وأُباركُ نَسْلَكُم، وأُبارِكُكُم بكُلِّ بَرَكَة". وَهُوَ يَمْضي في الأصحاح 26 مِنْ سِفْر اللَّاويِّين ذاكِرًا البَرَكَة تلو البَركة. وأخيرًا، فإنَّهُ يقولُ في العدد 14: "وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعوا لِصَوْتي، ولم تَحْفَظوا وصايايَ، وَحِدْتُم عَنْ فَرائضي، سأجلبُ عليكم الخَرابَ، وسأجلبُ عليكم الألم، وسأجلبُ عليكم الحُزن". أَتَرَوْن؟

لِذا فإنَّ خُلاصَةَ الأمرِ هي كالآتي: اثْبُتوا، وكونوا مُطيعين، وتَجاوبوا. فقد تَشعرينَ بالإحباط لأنَّ زوجَكِ غير مُخَلَّص، ولأنَّ الحالَ لا تَتَغَيَّر، ولأنَّ شيئًا لا يَحدث. لِذا، قد تَشعرينَ باليأس. أو ربما كان لديكَ ولدٌ يُعانِدُ كُلَّ ما تَفعلُهُ لأجلِه. أو ربما كان لديكَ صديق لم تنجح في توصيلِ البشارة له. أو ربما تَخْدِمُ مِنْ دونِ أنْ تَحصُلَ على التَّقديرِ الَّذي تَستحقُّه. أو ربما تُعاني مَرَضًا جسمانيًّا، أو عِلَّةً مَرضيَّة، أو إعاقة جسديَّة مِنْ نوعٍ ما، فَتَشْعُر بالتَّعب الشَّديد أوْ تُعاني بسبب ذلك الشيء. وقد يبدو أنَّ ذلكَ الشيء يُقَيِّدُك فتفقد قُدرَتَكَ على رؤية حقيقة أنَّ الخلاصِ لَهُ بُعْدٌ ثالث في المستقبل. وكم أُحِبُّ ما جاءَ في رسالة رُومية 13: 11 إذْ نَقرأ: "فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا". فنحنُ نَقترب مِن خَطِّ النهاية. لِذا، لا تَستسلم الآن.

ولعلَّكُم تَعلمونَ أنَّهُ كانَ هناكَ أشخاصٌ في الرسالة إلى العِبرانِيِّين يُخاطِبُهُم الكاتِبُ نفسُهُ. فبعدَ أنْ قَطَعُوا شَوْطًا طَويلاً وآمَنوا بالمسيح، وبعدَ أنْ قَطَعُوا شَوْطًا طويلاً وأَقَرُّوا بأنَّ ذلكَ صَحيح، جاءَ وقتٌ أَوْشَكُوا فيهِ على التَّراجُع. لِذا فإنَّ الكاتبَ يقول: "لا، لا تَفعلوا ذلك. لا تكونوا مِنْ هؤلاءِ الَّذينَ يَرْجِعونَ ويَرتدُّونَ إلى الهلاك". وَهُوَ يقول: "لِنَتَقَدَّمْ إِلَى الْكَمَال". لا تَستسلموا.

وأنا أُفَكِّرُ في إرْميا. فقد قالَ الربُّ لإرْميا: "أنتَ نَبِيِّي، يا إرْميا. أريدُ منكَ أنْ تَصْرِفَ حياتَكَ في الكِرازة لأجلي. وإليكَ الرِّسالة الَّتي ستَكرز بها، يا إرْميا. اكرِز بها بكل قُوَّتِك. واكرِز بها إلى أنْ يَنقَطِعَ نَفَسُك. ولَكِنْ يجب أنْ تَعلمَ أنَّ أحدًا لن يُصْغي إليك". وقد كَرَزَ إرْميا العَجوز بتلكَ الرِّسالة بِمُفْرَدِه، واستمعَ إليها بِمُفْرَدِه، وقالَ بِمُفْرَدِه: "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي". ثُمَّ هناكَ أيُّوب. وقد جَرَّدَ اللهُ أيُّوبَ مِنْ كُلِّ شيءٍ كما لم يُجَرِّدْ شخصًا آخر. فقد أَخَذَ كُلَّ مُمتلكاتِه، وكُلَّ شيءٍ لديه، وكُلَّ شيءٍ يُحِبُّه. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فقد قال: "هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ". وقد بقي ثابتًا. وبعدَ كُلِّ ذلك قالَ للرَّبّ: "يا رَبّ، بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ". بعبارة أخرى، لقد سَمِعْتُ عن صِفاتِك، ولكِنْ في الضِّيقة الَّتي مَرَرْتُ بها وَتَشَبَّثْتُ فيها بأمانتي رأيتُكَ". لِذا، اثْبُت. ولا تَسمح للشيطانِ أنْ يُصيبَكَ بالإحباط. فيسوعُ رَبُّنا قالَ في إنجيل لوقا 18: 1: "يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ [وماذا؟] وَلاَ يُمَلَّ". فعندما تَخُورُ قُواكَ، عليكَ بالصَّلاة.

أجل، إنَّ الشَّيطانَ يُريدُ أنْ يُحْبِطَني طَوالَ الوقت. وَهُوَ يَعملُ كالمَسْعورِ لتحقيقِ ذلك. وقد قرأتُ في هذا الأسبوعِ عن رَجُلٍ بَسيطٍ في إنجلترا اسْمُهُ الدكتور المُوقَّر "وليام ديفي" (Doctor Reverend William Davie). وقد قَرَّرَ في أثناءِ حَياتِهِ، بالقُربِ مِنْ نهايةِ حياتِهِ، قَرَّرَ أنْ يَكتُبَ كِتابًا في اللَّاهوتِ النِّظامِيِّ عنِ الكتابِ المُقدَّسِ كُلِّه. وقد صَرَفَ اثنتي عَشرةَ سنة كاملة في القيامِ بذلك. وعندما انتهى مِنْهُ، كانَ قد كَتَبَ سِتَّةً وعِشرينَ مُجَلَّدًا. وقد كانَ رَجُلاً بسيطًا مَجهولاً. ولا توجد نُسَخٌ (بِحَسَبِ عِلْمي) عَنْ لاهوتِه. وعندما انتهى مِنْها، لم يَجِد أحدًا يَطْبَعُ مُسَوَّدَةَ الكِتاب. لِذا فقد طَبَعَ تلكَ المُجَلَّداتِ بنفسه. وقد حَدَثَ ذلك قبل مِئتي سنة. ثُمَّ إنَّهُ عَمِلَ أربعينَ نُسخة مِنَ أوَّل ثلاثمئة صفحة، وأربعَ عَشرةَ نُسخة مِنَ المُجَلَّدات السِتَّة والعِشرين – أربعَ عَشرةَ نُسخة مِنْ عَمَلِهِ الَّذي استغرقَ اثنتي عشرةَ سنة. وقد ماتَ فقيرًا ومَجهولاً. ولكِنْ أتَعلمونَ شيئًا؟ أنا واثِقٌ مِنْ أنَّهُ ماتَ وَهُوَ يَعْرِفُ اللهَ. فهو رَجُلٌ بَسيطٌ واحدٌ كَتَبَ كِتابًا لاهوتيًّا مِنْ سِتَّةٍ وعِشرينَ مُجَلَّدًا رُبَّما لم يَسمع بِهِ أحد ولم يَقرأهُ أحد؛ ولكنَّهُ استمرَّ في السَّعيِ إلى معرفةِ اللهِ وفي مَعرفةِ كلمةِ الله. فقد واظَبَ على ذلك.

وقد كانت هناكَ فتاة صغيرة في لُندن. وكانت تقف على جانبِ الطريقِ حينَ مَرَّتْ شاحِنَةُ الفَحْم وَطَرَحَتْ طُنًّا مِنَ الفحمِ أمامَ بيتِ الفتاة الصغيرة. وقد التقطت الفتاةُ الصَّغيرة جَارُوفًا صغيرًا كانَ في القَبْو، وفَتَحَتْ بابَ القَبْو. وكانَ عُمرُها آنذاك خمسَ سنوات. وقد مَشَتْ خارجًا ووَضَعتِ الجاروفَ الصَّغيرَ في كَوْمِ الفَحْمِ، ومَشَتْ على الرَّصيف، ونَزَلَتْ دَرَجَ القَبْو، ووَضَعَتِ الفَحْمَ في القبو. وقد وَقَفَ جَارُهُم وراحَ يُراقِبُها. وبعدَ أنْ مَلأتِ الجاروفَ الثالث الصَّغير، قالَ لها: "عَزيزتي، لن تتمكَّني مِنْ نَقْلِ كُلِّ هذا الفحم إلى الدَّاخل"، فأجابَتْهُ قائلةً: "بَلى سأفعل، يا سَيِّدي، إنْ عَمِلْتُ وقتًا كافِيًا". إنْ عَمِلْتُ وقتًا كافيًا. وأعتقد أنَّ المِحَكَّ الحقيقيَّ لشخصيَّةِ أيِّ شخصٍ هي الشَّيءُ الَّذي يُمْكِنُهُ أنْ يُوْقِفَهُ. أليسَ كذلك؟ فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَرْتَطِمونَ بالعائقِ الأوَّل فينَسحِبون. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَتَخَلَّوْنَ عن موقِعِهِم عندَ سَماعِهِم للطَّلقة الأولى. ولكِنْ هناكَ أشخاصٌ يَصنَعونَ فَرْقًا في العالَم لأنَّهم يَجتازونَ العَائِقَ تلو الآخر تلو الآخر. ويجب أنْ تَعلم أنَّكَ تستطيعُ القيامَ بالعمل إنْ عَمِلْتَ وقتًا كافِيًا. لذلك، لا تَيأس.

اسمعوني: أتذكرونَ الربَّ يسوع؟ "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ". فلم يَصْلِبْكُم أحدٌ بعد. لِذا، تَمَسَّكوا، واثْبُتوا. فالمشكلة لا تَكْمُنُ في الشُّعورِ بالإحباط، بل في الاستسلامِ لَهُ. فالشَّيطانُ سيحاولُ أنْ يُحبِطَكَ بأيَّة طريقة. فسوفَ يقولُ لك كيفَ أنَّكَ لا تحصل على أيَّة نتيجة للعملِ الَّذي تقومُ به: "لا أحدَ يَستمعُ إليك. انظر، لقد مَضى عليكَ وقت طويل وأنتَ تَفعلُ هذا بأمانة، ولكِنْ لا أحدَ يُبالي بذلك، ولا أحدَ يَقولُ لكَ كَلِمَة تَشجيع. أنْتَ تَعْمَلُ في الكَواليس. لِذا، مَنْ سَيَعلمُ إنْ سَقَطْتَ في الخطيَّة؟ لا تَقلق بخصوصِ المَعركة. استرِح قليلاً واسْتَرْخِ". إنَّ خُوذةَ الخَلاصِ تَحميني مِنَ الكَلَل، وَمِنَ الاستسلام، وَمِنْ فُقدانِ العَزيمة. لماذا؟ لأنَّ لي رَجاء. ورجائي هو أنَّ هناكَ نُوْرًا في نهايةِ ذلكَ النَّفَق. وذاتَ يومٍ، سأَخْرُجُ إلى ذلكَ النُّورُ المجيد في حَضْرَةِ يسوعَ المسيح. وكما هي حالُ ذلكَ الشَّخصِ الَّذي كَتَبَ لي رِسالة، لا أريدُ أنْ أقفَ أمامَ قائِدي وأنا أشعُرُ بالعَار لأنِّي استَسلمتُ في وسط المعركة. أليسَ كذلك؟ فأنا أريدُ أنْ أبقى هناكَ وأنْ أقول: "يا رَبّ، قد أكونُ مَجروحًا وأنْزِفُ، ولكنِّي صَامِدُ هنا، وسوفَ أُجاهِد حَتَّى النِّهاية".

لقد ماتَ جَدِّي المُبارَك بِداءِ السَّرطان. فقد نَهَشَ السَّرَطانُ جَسَدَه. وقد نَظَرَ إلى أبي وقال: "لديَّ طِلْبَة واحدة، يا جاك: آه لو كانَ بمقدوري أنْ أَعِظَ عِظَةً أخيرة فقط". أَتَرَوْن؟ حَتَّى النَّفَسِ الأخير. لِذا، فقد أَخَذَ أبي تلكَ العِظَةَ الَّتي أَعَدَّها ولكِنَّهُ لم يَعِظْها، وَطَبَعَها، وقَدَّمَها لأعضاءِ الكنيسة. لِذا، فقد وَعَظَ عِظَتَهُ الأخيرة. حَتَّى النَّفَسِ الأخير. لِذا، اثْبُت في مَكانِك. فنحنُ نقرأ في سِفْر الرُّؤيا والأصحاحَيْن الثاني والثالث: "مَنْ يَغْلِبُ ... مَنْ يَغْلِبُ ... مَنْ يَغْلِبُ ... مَنْ يَغْلِبُ" - "فَسَأُعْطِيهِ ... فَسَأُعْطِيهِ ... فَسَأُعْطِيه". بعبارة أخرى، فإنَّ اللهَ قد أَعَدَّ أُمورًا خاصَّةً لِمَنْ يَغْلِب؛ أُمورًا عظيمة.

أتَذكرونَ تيموثاوُس؟ فقد شَعَرَ تيموثاوُس بالإحباطِ في حَياتِهِ وَشَعَرَ باليأس. وما الشيء الَّذي أَحْبَطَ تيموثاوس؟ هناكَ أُمورٌ كثيرة، أَحَدُها هو أنَّهُ كانَ شابًّا، وأنَّهُ جُرِّبَ في الشَّهواتِ الشَّبابيَّة، وأنَّهُ تَعِبَ مِنْها. وهناكَ شيءٌ آخر وَهُوَ أنَّهُ كانَ شابًّا وأنَّ النَّاسَ كانوا يقولون: "أنتَ صَغيرٌ جِدًّا ولا تَعْرِفُ أيَّ شيء، يا تيموثاوس". فقد كانوا يَحْتَقِرونَ حَداثَتَهُ. وهناكَ شيءٌ آخر وَهُوَ أنَّهُ كانَ يُعاني ألمًا في مَعِدَتِه. وقد قالَ لهُ بولُس: "اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلاً مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ". وقد كانَ هَشًّا. وقد كانَ مُحْرَجًا مِنْ بولُس لأنَّ بولُس كانَ دائمًا مَسجونًا. وقد كانَ مُنْزَعِجًا لأنَّ النَّاسَ كانوا يقولونَ لَهُ: "أجل، أجل، أنتَ واحدٌ مِنْ تلاميذِ ذلكَ السَّجين". وبولُس يقول: إنَّهُ يَخْجَلُ مِنِّي".

وليسَ هذا فقط، بل كانَ هناكَ مُعَلِّمونَ كَذَبَة جاءوا إلى أفسُس وراحوا يُعَلِّمونَ أمورًا خاطئةً مُعَقَّدَةً حَقًّا. ولم يكن تيموثاوُس يَدري إنْ كانَ بمقدورِهِ أنْ يَتعامَلَ مَعَ مَوقفٍ كهذا. فقد كانت هناكَ فلسفاتٌ، ومُجادلاتٌ باطِلَة، وكلامٌ عنِ الأنسابِ. وكانَ تيموثاوس غَارِقًا في بحرٍ مِنَ الأمورِ المُحْبِطَة. وقد كَتَبَ إليهِ الرسولُ بولُس في رسالة تيموثاوس الثانية قائلاً: "تيموثاوُس، أُذَكِّرُكَ أَنْ تُضْرِمَ أَيْضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ، لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ". "فَتَقَوَّ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي فِي المَسِيحِ يَسُوع". هَيَّا يا تيموثاوُس. أَضْرِمْ تلكَ الموهبة ثانيةً وَأَشْعِلْها. فقد كانَ تيموثاوس مُحْبَطًا.

وبُطْرُسُ يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ للقِدِّيسينَ الذينَ كَتَبَ إليهم لأنَّهم يُواجهونَ اضطهادًا. وَهُوَ يقولُ لهم: "اسمعوني: واظِبُوا على عَمَلِ الخَيْرِ. وَلكِنْ وَإِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، فَطُوبَاكُمْ. وَإِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، استودِعوا أنفُسَكُم كما لِخالِقٍ أمين. كونوا أُمناء". وقد تقول: "ولكِنَّ المرءَ يُجْهَدُ أحيانًا". لا بأسَ في ذلك. فأحيانًا، قد تَتَصَلَّبُ سَاقَاكَ كما يَحدثُ في الدَّورة الأخيرة في السِّباق. وعندما يَحدثُ ذلكَ لي، فإنَّني أُفَكِّرُ غالبًا في آية كِتابيَّة فَكَّرْتُمْ فيها مَرَّاتٍ كثيرة بِكُلِّ تأكيد. وهي تَرِدُ في سِفْر إشعياء والأصحاح 40. وسوفَ أَخْتِمُ حَديثي بها. استمعوا إلى هذه الآية: إشعياء 40: 29: "يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً". أليست هذه الآية رائعة؟

فعندما تَصِلُ إلى النُّقطةِ الَّتي تُوشِكُ فيها أنْ تَخُور، فإنَّهُ يَمنَحُكَ القُوَّة. وعندما تقول: "يا رَبّ، لم تَعُد لديَّ أيَّة قُوَّة" فإنَّهُ يَشْحَنُكَ بقوَّتِه: "اَلْغِلْمَانُ يُعْيُونَ وَيَتْعَبُونَ، وَالْفِتْيَانُ يَتَعَثَّرُونَ تَعَثُّرًا. وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ". ويا لها مِن كلماتٍ رائعة! فالنُّسورُ الَّتي تُحَلِّقُ في السَّماءِ أعلى مِن أغلبيَّةِ الطُّيورِ الأخرى تَرْمِزُ إلى ما يَحدث للمؤمن في ضَعْفِهِ بعدَ أنْ يُشْحَنَ بِقُوَّةِ الله. فَهُوَ يُحَلِّقُ أعلى مِنَ الآخرين.

اسمعوني: لا سَبَبَ يَدعوكم إلى الشُّعورِ بالإحباط. فَخوذَةُ الخلاصِ تقول إنَّهُ سيأتي يومٌ عظيم، يومُ نَصْرٍ عَظيم. فإنْ كنتَ أمينًا طَوالَ حَياتِك، هناكَ مُكافأة عظيمة في انتظارِك. فسوفَ يأتي يومٌ مَجيد. صَحيحٌ أنَّ الخلاصَ هُوَ في الماضي. وصَحيحٌ أنَّهُ في الحاضِر. ولكنَّهُ مُستقبليٌّ أيضًا. لِذا، لا تَسمح للشَّيطان أنْ يُحْبِطَك. ولا تَسمح لهُ أنْ يَسْلِبَكَ تَرَقُّبَكَ لذلكَ الأمر العظيم. ولا تَسمح لهُ أنْ يَسْلِبَكَ الرَّجاءَ الَّذي يَجْعَلُكَ مُكَرَّسًا. اسمعوني: إنَّ يوحنَّا يقول في رسالته الأولى والأصحاح الثالث: "وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ". فعندما تَعلَمُ أنَّ يسوعَ آتٍ، وعندما تَعلمُ أنَّ ذلكَ اليوم العظيم يَنتظرُك، وأنَّ الخلاصَ سَيَكْتَمِل في النهاية، سيكونُ ذلكَ كافيًا لِتَنْقِيَتِكَ وتَطهيرِ حياتِك لأنَّكَ تَعلمُ أنَّكَ ستَراهُ وَجْهًا لوجه. دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، نحنُ نُدركُ تمامًا أنَّ الشَّيطانَ وأعوانَهُ لا يَكِلُّون، وأنَّهم لا يَستسلمون، وأنَّهُم يَضغَطونَ علينا طَوالَ الوقت. ولكِنَّنا نَعلمُ أيضًا أنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. ونحنُ نَشكُرُك، يا رَبّ، على رَجاءِ النُّصْرَة الَّتي لدينا. ونحنُ نَسمعُ صَدى كلماتِ الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 6: 11 و 12: "وَلكِنَّنَا نَشْتَهِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يُظْهِرُ هذَا الاجْتِهَادَ عَيْنَهُ لِيَقِينِ الرَّجَاءِ إِلَى النِّهَايَةِ، لِكَيْ لاَ تَكُونُوا مُتَبَاطِئِينَ بَلْ مُتَمَثِّلِينَ بِالَّذِينَ بِالإِيمَانِ وَالأَنَاةِ يَرِثُونَ الْمَوَاعِيد". وليتَكَ تُساعِدنا، يا رَبّ، على أنْ نكونَ مِثْلَ هؤلاءِ الأشخاصِ الذينَ كانوا أُمَناء، والذينَ صَبَروا، والذينَ وَرَثوا المواعيد حَتَّى نُظْهِرَ نفسَ الاجتهاد إلى النهاية، وحتَّى نتمسَّك بالرَّجاء إلى النهاية، وحتَّى نَحْيا لأجْلِ تَمْجيدِك. وليتَنا نَكونُ، يا رَبّ، مِنْ بينِ هؤلاءِ الأشخاصِ الأُمناء المَذكورين في عِبرانيِّين 11 لأنَّنا نَصْبُر إلى النِّهاية. ساعدنا على ألاَّ نَشعُرَ بالإحباط. فما الَّذي يُمكن أن يُحْبِطَنا إنْ عَرَفْنا أنَّ هناكَ مِيراثًا لا يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّس في انتظارِنا، وأنَّ هناكَ ميراثًا تَعْجَزُ الكلماتُ البشريَّة عن وَصْفِه، وأنَّ هناكَ مملكة رائعة تَفوقُ الوَصْف؟ فنحنُ نَتوقُ إلى علاقةٍ بِكَ طَوالَ الأبديَّة لا يَسَعُنا أنْ نَصِفَها إلَّا بأنْ نكونَ مُشابِهينَ ليسوعَ المسيح. وإذْ نَترَقَّبُ، يا رَبُّ، ذلكَ في المستقبل، لا يمكننا أنْ نَسْمَحَ بأنْ نُحْبَطَ في الحاضِر أيًّا كانتِ الحال. لِذا، ساعِدنا على أنْ نكونَ أُمناءَ في ارْتِداءِ الخُوذَة. لأجْلِ مَجْدِكَ أنْتَ في اسْمِ المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize