Grace to You Resources
Grace to You - Resource

10 حزيران/يونيو 1979 (العِظة الصَباحيَّة)

في هذا الصَّباح، نَحظى مَرَّةً أخرى بامتيازِ دراسةِ ما جاءَ في الأصحاحِ السادسِ مِن رسالة أفسُس – رسالة أفسُس والأصحاح السَّادس. ونحنُ نُتابِعُ دراسَتنا لِسلاحِ المؤمن. وأنا واثقٌ أنَّكُم تُدركونَ الآنَ أنَّنا لم نُعَجِّل كثيرًا في دراستنا هذه. والسَّبُ في ذلك هو أنَّها تَزْخُرُ بالحَقِّ العظيمِ والرَّائع لحياتِنا. ونحنُ نَحْسِبُ ذلكَ امتيازًا مِنَ الربِّ لنا إذْ أعطانا الفُرصة لمشاركة هذه الدِّراسة معكم، لا سِيَّما أنَّهُ رُبَّما يَمْضي وقتٌ طويل قبل العودة إلى رسالة أفسُس والأصحاح السَّادس مَرَّةً أخرى، إنْ كانت هذه هي مشيئةُ اللهِ. لِذا فقد أردنا أنْ نَدرسَ هذا المقطعَ بأكبرِ عُمْقٍ مُمكِن.

ونحنُ نتأمَّل في رسالة أفسُس 6: 13-17. وإذْ نأتي إلى خِتامِ رِسالة أفسُس، فإنَّنا نَتحدَّثُ عنِ الحربِ الَّتي يَخوضُها المؤمنُ، والمواردِ المُتاحةِ لديه لإحْرازِ النَّصْر. وفي هذه المُقدِّمة في هذا الصَّباح، أَوَدُّ أنْ أُجيبَ عن سؤالٍ يُطْرَحُ دائمًا حينَ يَجري أيُّ نِقاشٍ كما حَدَثَ في الأسابيع القليلة الأخيرة. فنحنُ نَدرسُ، بصورة مُفَصَّلة، موضوعَ التَّكريس. ونحنُ نَدرسُ موضوعَ تَخصيصِ وتَكريسِ وَوَقْفِ أنْفُسِنا للطَّاعةِ لِتَتْميمِ مشيئةِ اللهِ في حياتِنا. وقد تحدَّثنا عن موضوعِ ضَبْطِ أنفُسِنا، وضَبْطِ شَهَواتِنا، والتَّشَبُّهِ والتَّمَثُّلِ بِمَعاييرِ المسيح. وقد تحدَّثنا عن كيفَ نكونُ جُنودًا حقيقيِّينَ ومُحاربينَ حقيقيِّين، وكيفَ نَفعلُ كُلَّ ما في وُسْعِنا لأجلِه.

وهذا يَقودُنا مُباشرةً إلى جانبٍ آخَر يُفَكِّرُ فيهِ النَّاسُ غالبًا بخصوصِ الحياةِ المسيحيَّة. فهناكَ أشخاصٌ يُؤمنونَ بأنَّ هذا التَّكريسَ، وكُلَّ هذا الانضباط، وكُلَّ هذا الصِّراع، وكُلَّ هذا الجُهد هو ليسَ حَقًّا ما يُريدُهُ اللهُ مِنَّا. وحيثُ إنَّ البعضَ يَطرحونَ هذه المسألة، رُحْتُ أُفَكِّرُ قليلاً في هذا الصَّباح في كيفيَّةِ التَّطَرُّقِ إليها. فهناكَ جُملة وَرَدَت في العهد القديم بالإشارة إلى الملك يَهوشافاط تقولُ إنَّ الحَرْبَ ليست لكم، بل هي للرَّبّ. وقد صارت هذه العِبارة شِعارًا لدى أنْصار مَذهب "طُمَأنينة النَّفس" (quietists)، وهي حَرَكَة تُنادي بصورة رئيسيَّة بأنَّ الطَّريقة المُثْلَى لعيشِ الحياة المسيحيَّة هي ليست مِن خلالِ ضَبْطِ النَّفس، ولا مِنْ خلالِ الاجْتِهاد، ولا مِنْ خلالِ التَّكريس، بل مِنْ خلالِ التَّسليم. ورُبَّما تَعَرَّفْتَ في شَبابِك، أو في وقتٍ آخَر، أو مِن خلالِ القراءة، أو بأيَّة طريقة أخرى، على هذه الحركة الَّتي تَقول: "اسْتَرِحْ وَدَعِ اللهَ يَعْمَل". وهناكَ الآن برنامجٌ تِلفزيونيٌّ على إحدى المَحَطَّاتِ المسيحيَّةِ بِعُنوان: "اسْتَرِحْ وَدَعِ اللهَ يَعْمَل". وهناكَ تَرنيمة بعُنوان "اسْتَرِحْ وَدَعِ اللهَ يَعْمَل بطريقتهِ الرَّائعة". ونحنُ نَسمَعُ الكثيرَ عنْ موضوعِ التَّسليمِ والرَّاحة، وعنِ الثَّباتِ في المسيح، وعنْ تَسليمِ كُلِّ شيءٍ للرَّبّ. وأنا أَعرفُ أنَّ هناكَ ترنيمة حديثة تقول: "سَلِّمْ كُلَّ شيءٍ ليسوعَ المسيح". وأنتُم تَسمعونَ النَّاسَ يقولون: "تَوَقَّف عنِ الصِّراعِ، وتوقَّف عنِ المُقاومة، واخْضَع، وَسَلِّم ... سَلِّم تَسليمًا تامًّا وتَسليمًا كامِلاً". وأنا أَذكُرُ أنِّي حينَ كنتُ شابًّا، كنتُ أَسمعُ ذلكَ كثيرًا. وأَذكرُ أنِّي كنتُ أذهبُ إلى مُخَيَّماتٍ ومؤتمراتٍ، ولا سِيَّما في فترة دراستي الجامعيَّة، يُرَكِّزُ فيها الوُعَّاظُ كثيرًا على دَعوة النَّاسِ إلى التَّقَدُّمِ إلى الأمام. وكانَ الطَّلبةَ يَتأرَجحونَ كَلُعبةِ اليُويو صُعودًا ونُزولاً ... صُعودًا ونُزولاً ... في محاولةٍ لِتَسليمِ ذَواتِهِم.

والحقيقة هي أنَّنا وَجَدنا أنَّ كثيرينَ مِنَّا مُستعدُّونَ للتَّسليم. ولكِنَّنا لم نَكُنْ نَعْرِفُ كيف. وكانَ يبدو أنَّ ذلكَ يَعني أنْ تَصِلَ إلى نُقطةٍ تَنْهَمِرُ فيها الدُّموعُ مِن عينيك، وأنْ تَرْكَعَ عندَ المَذْبَح، وأنْ تُسَلِّم. وبعدَ ثلاثة أيَّام، قد تَقترف خطيَّة فتقول: "يا رَبّ، لقد سَلَّمْتُ حياتي لك، يا رَبّ! خَطَأُ مَنْ هذا؟" لِذا فقد صارَ الأمرُ صَعبًا جدًّا. والأشخاصُ الَّذينَ نَادُوا بذلك يَستخدمونَ مَثَلاً توضيحيًّا إذْ يقولونَ إنَّ هناكَ غُرفة مُظلِمَة، وإنَّهُ لا يوجد نُور في الغُرفة. فالظَّلامُ دامِسٌ. وهناكَ شخصٌ يَتَخَبَّطُ في الغُرفة، ويَصْطَدِم بالمَقاعِد، ويَتعثَّر بالأشياءِ في أثناءِ مُحاولةِ القيامِ بما يُريدُ أنْ يَقومَ به. والسَّببُ في أنَّ الظَّلامَ دامِسٌ في الغُرفة هو أنَّ السَّتائِرَ مَسْدولَة. ولكِنَّ النُّورَ ساطِعٌ تمامًا في الخارج، والشَّمسَ مُشرقة. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ ذلكَ الشَّخصَ يَتخبَّطُ في كُلِّ أنحاءِ المكانِ في تلك الغُرفة المُظلِمة؛ مَعَ أنَّ كُلَّ ما يَحتاجُ إلى القيامِ به هو أنْ يَفْتَحَ السَّتائر فَيَملأُ نُورُ الشَّمسِ الغُرفة تِلقائيًّا وَيَرى أمامَهُ. وَهُم يقولونَ إنَّ الأمرَ يُشبِهُ ذلك في الحياةِ المسيحيَّة. فالربُّ لا يُريدُكَ أنْ تَتَخَبَّطَ وتَتعَثَّرَ وتَرتطمَ بالأشياءِ في تلك الغُرفة المُعْتِمَة. وَكُلُّ ما ينبغي أنْ تَفعلَهُ هوَ أنْ تَفْتَحَ السَّتائرَ، وأنْ تَجلسَ وتَستريحَ لأنَّ كُلَّ شيءٍ سيكونُ واضحًا. وهناكَ أشخاصٌ يَفْهمونَ ما جاءَ في الأصحاح 15 مِنْ إنجيل يوحنَّا عن الثَّباتِ في المسيح لا على أنَّهُ يُشيرُ إلى حقيقة الخَلاص، بل إلى فِكرة التَّسليم، وإلى فِكرة الخُضوع. ورُبَّما ذَهبتَ، حينَ كُنتَ صَغيرًا، إلى أَحَدِ المُخَيَّمات وسَمِعْتَ شخصًا يتحدَّث، وَرُبَّما يَحُضُّ النَّاسَ على تسليمِ حياتِهم ليسوع وإعطاءِ كُلِّ شيءٍ للربّ، أيْ أنْ يُسَلِّموا كُلَّ شيءٍ له. ورُبَّما رَنَّمْتَ تَرنيمةً عن ذلك، وفاضَتْ مَشاعِرُك وَهُمْ يُرَنِّمونَ مَقطعًا تلو الآخر. وأنا أَذْكُرُ أنِّي كنتُ في مُؤتمرٍ يَضُمُّ أَلْفَيْ شخصٍ رَنَّموا ما لا يَقِلُّ عن خمسةٍ وعشرينَ مَقْطعًا مِن ترنيمةٍ تتحدَّثُ عنِ التَّسليم. فلا بُدَّ أنَّكُمْ اختبرتُم ذلك. وأنا اختبرتُها. وقد ذَهبتُ إلى مُخَيَّماتٍ ورأيتُ شابًّا مُحْبَطًا جِدًّا في نهاية الأسبوع. فقد سَمِعنا عِظاتٍ كثيرة جدًّا عنِ التَّسليم. ولكِنَّ هذا الصَّبِيَّ الصَّغيرَ المِسْكين شَعَرَ بالإحباطِ الشَّديد وهو يحاولُ أنْ يَفهمَ كَيفَ يُسَلِّمُ حياتَهُ. وقد قَرَّرَ أنَّ أفضلَ طريقة للقيامِ بذلك هي أنْ يُسَلِّمَ وَقْتَهُ للربّ. لِذا فقد كانوا مُعْتادينَ على إلْقاءِ عُوْدٍ في النَّار إشارةً إلى تَسليمِ الحياةِ ليسوع. وقد وَقَفَ هُناكَ وقال: "أُريدُ أنْ أُعطي الربَّ وَقتي. وقد نَزَعَ ساعَتَهُ وطَرَحَها في النَّار. فقد كانَ بمقدورِ المرءِ أنْ يَرى مَدى شُعورِهِ بالإحباط. ولكِنَّ هذا لم يَكُن تَصَرُّفًا ذَكِيًّا. فهذا سُوْء وَكالَة – أنْ تَطْرَحَ ساعَتَكَ في النَّار. فأنتَ لا تَفعلُ ذلكَ لتسليمِ حياتِك. ولكِنَّهُ كانَ مُحبَطًا جدًّا. فقد سَمِعَ عنِ التَّكريس، وإعادةِ التَّكريس، والتَّخصيص، وإعادة التَّخصيص. ولم يَكُنْ قادرًا على فَهْمِ ما يَجري.

فهناكَ سُوْءُ فَهْمٍ صَاعِق بخصوصِ هذه الأمور. وأنا أَذْكُرُ حينَ كُنَّا نَجتمعُ في مَرْكِزِ العائلاتِ قبلَ أنْ تَصيرَ لدينا هذه القاعَة، أَذْكُرُ أنَّ الجَوْقَةَ كانت تُرَنِّم، وأنِّي ذَهبتُ إلى الخلف لأنَّ شخصًا أرادَ مِنِّي أنْ أستمعَ إلى نِظامِ الصَّوتِ الجديد أوْ شَيئًا مِنْ هذا القَبيل. وقد كنتُ أقفُ بجانبِ البابِ الخلفيِّ. وفيما كانتِ الجَوْقَةُ تُرَنِّم، جاءت سَيِّدةٌ وَمَعَها كَلْبٌ مَربوطٌ بِحَبْل. وهذا أمرٌ نادِرُ الحُدوث. والحقيقة هي أنَّهُ لا توجد لدينا قوانين بخصوصِ ذلك لأنَّهُ أمرٌ لا يَحدثُ عادةً. ولكِنَّ الحاجِبَ كانَ واقِفًا هناك، وقد رأيتُ هذا يَحْدُث. وأنا أعترفُ أنَّ الكلبَ كانَ أنيقًا إذْ كانَ يَرتدي سُتْرَةً وَقَبَّةً جَميلةً يَتَدَلَّى منها حَبْلٌ صغيرٌ فاخِر. وقدِ اقتربَتِ السَّيِّدة مِنَ الباب. وقد قلتُ لنفسي إنِّي سأقفُ هناكَ وأُراقب كيفَ سيُعالجُ الحاجِبُ الموقف. وكانَ مِنَ الواضِحِ مُنذُ البداية أنَّ تلكَ المرأة لم تَكُنْ تَتَصَرَّفُ بلَياقة. وكانت تَرتدي ملابسَ غير مُحتشمة. وعلى أيِّ حال، فقد جاءت معَ كَلْبِها المَربوطِ بِحَبْل، فَصُدِمَ الحاجِبُ، وَنَظَرَ إليها، وَأخيرًا، ذهبَ إليها وقال: "لا يُمكنكِ أنْ تُدْخِلي الكَلْبَ هُنا، يا سَيِّدَتي". فقالت بِتَرَفُّعٍ شَديد: "لا عَليكَ، يا عَزيزي، لا عَليك. فنحنُ ذاهبانِ إلى غُرفةِ الصَّلاةِ لأنَّهُ قد أَعادَ تَكريسَ نَفْسِهِ للتَّوّ". حينئذٍ، تَحَوَّلَت ابتسامَتي إلى شَهْقَة. وكما تَعلمونَ، فقد كنتُ مَعمدانيًّا في السَّابق إذْ نَشأتُ في كنيسة مَعمدانيَّة. وكانَ رَدُّ فِعلي الأوَّل هو: "كيفَ تَعلمينَ أنَّ الكَلْبَ قَدْ نَالَ الخَلاصَ أَصْلاً". ولكِنَّ النُّقطة الجوهريَّة هي أنَّهُ مِنَ الواضحِ أنَّ تلك السيِّدة لم تَكُن تُدركُ ما يَحْدُث. والشَّيءُ المُهِمُّ هنا هو أنَّ العِبارة "إعادة تكريس الذَّات" لم تكن تَعني بالنِّسبة إلى تلك المرأة أيَّ شيءٍ سِوى أنَّها شيءٌ يمكنكَ أنْ تَفعلَهُ لِكَلْبِك إذْ تأخُذُ كَلْبَكَ إلى غُرفةِ الصَّلاة. ولا أدري كيفَ فَهِمَتْ ذلك، ولكِنَّهُ نَموذَجٌ غَريبٌ جدًّا على سُوْءِ فَهْمِ هذا المُصْطَلَح.

ورُبَّما تكونُ مِثلَ أغلبيَّةِ الأشخاصِ الَّذينَ أعرِفُهُم والَّذينَ تَقَدَّموا إلى الأمامِ طَوالَ سَنَواتِ طُفولتهم وشَبابهم في مُحاولةٍ لتسليم حياتهم للربّ. وهذا ليسَ أمرًا مُستغرَبًا – ليسَ مُستغَربًا البَتَّة. والحقيقة هي أنَّهُ كانت هناكَ تَرنيمة قديمة تقول: "القداسةُ تأتي بالإيمانِ بيسوعَ، لا بالجُهْدِ الشَّخصيِّ". والجُمْلَة: "اسْتَرِحْ وَدَعِ اللهَ يَعْمَل" تَعني ألَّا تَقومَ بأيِّ جُهدٍ شخصيٍّ، بل أنْ تَجْلِسَ دُوْنَ أنْ تُحَرِّكَ سَاكِنًا. وقد قالَ "سي.إتش.إيه. ترامبَل" (C.H.A. Trumbull) الَّذي كانَ مُدافِعًا عَنْ هذا المَذْهَب: "حينَ تُسَلِّمُ حَياتَكَ بالكامِل" [لاحِظوا ما قَالَهُ] "فإنَّكَ لن تُجَرَّبَ البَتَّة لأنَّ المَسيحَ سَيَهْزِمُ التَّجاربَ قبلَ حَتَّى أنْ تُضْطَرَّ إلى القِتال". ولكِنْ إنْ كانَ هذا صحيحًا، كيفَ تُخْطِئ؟ وَمَنِ المَسؤولُ عنْ ذلكَ الخطأ؟" فلا بُدَّ أنَّهُ خَطَأُ المسيح! وهذا أمرٌ مُرَوِّعٌ لأنَّهُ غير صحيح. وَرُبَّما تَمَّ توضيح التَّسليم في كِتابٍ بعُنوان "سِرُّ الحياةِ السَّعيدة للمؤمن" (The Christian’s Secret of a Happy Life” لِـ "حَنَّة سميث" (Hannah Smith). وهي تَقولُ ما يَلي في ذلك الكِتاب: "ما الَّذي يمكن أن يُقال عن دَوْرِ المَرْءِ في هذا العملِ العظيم سِوى أنَّهُ يجب عليه أنْ يَستمرَّ في تَسليمِ نفسِهِ وفي الثِّقة؟ ولكِنْ عندما نأتي إلى دَوْرِ اللهِ في هذه المسألة، ما الَّذي لا يَسَعُنا أنْ نَقولَهُ بخصوصِ الطُّرُق العديدة الرَّائعة الَّتي يُتَمِّمُ فيها دَوْرَهُ؟ وَهُنا يَبْتَدِئُ النُّمُوّ". بعبارة أخرى، فإنَّها تقولُ إنَّكَ لكي تَنْمو روحيًّا، لا تَفعل شيئًا سِوى التَّسليم، وَدَعْهُ يَفعل كُلَّ شيء. وهي تُوَضِّحُ ذلكَ قائلةً: "إنَّ كُتْلَةَ الطِّينِ لا تَصيرُ إناءً خَزَفيًّا جميلاً إنْ بَقِيَتْ في حُفْرَةِ الطّينِ آلافَ السِّنين. ولكِنْ إنْ وُضعَتْ بِيَدِ خَزَّافٍ ماهر، فإنَّها تَصيرُ بسرعة بينَ يديهِ البارِعَتَيْنِ الإناءَ الَّذي يُريد. وبالطريقةِ نفسِها، فإنَّ النَّفسَ الَّتي تَستَسلِم لعملِ الخَزَّافِ السَّماويِّ فإنَّها تَصيرُ إِنَاءً لِلكَرَامَةِ، مُقَدَّسًا، نَافِعًا لِلسَّيِّد". وقد يبدو هذا الكلامُ حَسَنًا. ولكِنْ إنْ لم تَكُن سِوى قِطعة طِيْن في يَدِ الخَزَّاف، وَهُوَ يَجْعَلُكَ كَما يَشاء، ما الَّذي يَجْعَلُكَ تُخْطِئ؟ فهلْ قِطْعَةُ الطِّينِ تَقولُ فجأةً: "انظُر، أنا لا أُبالي بعدَ الآن بما تُريدُ أنْ تَصْنَع"، ثُمَّ تَقْفِز مِنْ يَدِ الخَزَّافِ وَتُشَكِّلُ نَفسَها بالطَّريقةِ الَّتي تَشاء وتَفعل ما تَشاء؟ بِصراحة، إنَّهُ ليسَ مَثَلاً توضيحيًّا جَيِّدًا. فَحَنَّة سميث تَجعلُ المؤمنَ المسيحيَّ قِطعةَ طِيْنٍ لَيِّنة تَارَةً، ثُمَّ تَجْعَلُ قِطعةَ الطِّينِ تَارَةً أُخرى تَقفِزُ مِنْ يَدِ الخَزَّافِ وتَفعل ما تَشاء. مُجَرَّدُ قِطعة طين.

ولكِنَّ النُّقطة الجوهريَّة هي كالتَّالي: لا بُدَّ أنَّ الحياةَ المسيحيَّة ليست مُجَرَّدَ حَياةٍ خالية مِنَ الجُهْد. فالكتابُ المقدَّسُ لا يُعَلِّمُ ذلكَ البَتَّة. والكتابُ المقدَّسُ لا يُعَلِّمُ أنَّ كُلَّ ما ينبغي أنْ تَفعلَهُ في حياتِكَ هو التَّسليم. فالكتابُ المقدَّسُ لا يُعَلِّمُ ذلكَ البَتَّة. وهناكَ مؤمنونَ كثيرونَ جِدًّا حاولوا، وحاولوا، وحاولوا، وحاولوا. ولا يمكنني أنْ أنسى ما قالَهُ لي شَخْصٌ إذْ إنَّهُ كانَ في كنيسة يَدْعونَ النَّاسَ فيها إلى القيامِ بهذا الشَّيءِ أوْ ذاكَ الشَّيء. وقد مَشى في المَمَرِّ وَتَقَدَّمَ إلى الأمام، وَرَكَعَ في المنطقة الأماميَّة، وابتدأَ يُصَلِّي ويُصَلِّي لتسليمِ حياتِهِ، ويُصَلِّي لتسليمِ حياتِه، ويُصَلِّي لتسليمِ حياتِه. وقد كانَ رَاعي الكنيسة يُراقِبُهُ وَهُوَ يَقومُ بكُلِّ تلكَ المُحاولات. وأخيرًا، قالَ لَهُ: "صَلِّ إلى أنْ تُسَلِّم حَياتَك، يا أخي. صَلِّ إلى أنْ تُسَلِّم حَياتَك. صَلِّ إلى أنْ تُسَلِّم حَياتَك". وقد راحَ الجميعُ في الكنيسة يَقولون: "لِنُساعِدْهُ على الصَّلاةِ إلى أنْ يُسَلِّمَ حَياتَهُ". وأخيرًا، وَقَفَ ذلكَ الرَّجُل، والتفتَ وقالَ بصوتٍ عالٍ: "لستُ قادرًا على القيامِ بذلك". ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البابِ الخَلفيّ. ولا شَكَّ أنَّ هذا كانَ مُحْبِطًا جِدًّا لَهُ. ولا أدري ما الَّذي كانُوا يُحاولونَ القيامَ بهِ لمساعَدَتِه على الصَّلاةِ إلى أنْ يُسَلِّمَ حَياتَهُ! ولكِنْ هذا هوَ الإحباطُ النَّاجِمُ عنْ مُحاولةِ تَسليمِ حَياتِكَ للمسيح دونَ أنْ تَعلمَ أنَّ هناكَ أمورًا أُخرى لازمة لذلك.

والآنْ، أنا أَتَّفِقُ مَعَ هؤلاءِ بأنَّهُ يجب علينا أنْ نَتَّكِلَ على مَوارِدِ اللهِ. وأنا أتَّفِقُ معهم بأنَّه يجب علينا أنْ نَتَّكِلَ على طاقَةِ اللهِ وقُدرَتِهِ وقُوَّتِه. ولكِنَّ الكِتابَ المقدَّسَ لا يُعَلِّمُنا أنْ نَجْلِسَ دونَ أنْ نَفعلَ شيئًا. لِذا، قد يُواجِهُ بعضُ النَّاسِ صُعوبَةً في قَبولِ ما أقولُهُ عنْ تَكريسِ أنفُسِهِم، أوْ عن ضَبْطِ أنفُسِهِم في الحياةِ المسيحيَّة، أوْ عن إخضاعِ جَسَدِهِم لِقُوَّةِ الله. ولكِنْ لا ينبغي أنْ تَجِدَ صُعوبةً في قَبولِ ذلك لأنَّ هذا هو ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس.

فمثلاً، لِنَقرأ ما جاءَ في العدد العاشِر. لِنَرْجِع إلى النَّصِّ الَّذي أمامَنا لنرى إنْ كانتِ الكلمة "تَسليم" موجودة هُنا. فأنتُم تَخوضونَ مَعركةً معَ العَدُوّ: "أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا. فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ. حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ".

لا نَجِدُ هنا أيَّ ذِكْرٍ للتَّسليم. فالنَّصُّ هُنا يَتحدَّثُ عنِ الانْضباط. والنَّصُّ هنا يَتحدَّثُ عنِ التَّكريس. فهذه هي الفِكرة الرئيسيَّة. فالحياة المسيحيَّة حَرْب. وإنْ فَتَحْتُم الكتابَ المقدَّسَ على الرِّسالة إلى العِبرانيِّين والأصحاح 12، سَتَجِدونَ أنَّ الحياةَ المَسيحيَّةَ هي سِباق. وإنْ فَتَحْتُم على رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح التَّاسِع، ستقرأونَ أنَّ الحياةَ المسيحيَّةَ هي جِهاد. ونقرأُ في رسالة تِيْطُس 3: 8: "لِكَيْ يَهْتَمَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ أَنْ يُمَارِسُوا أَعْمَالاً حَسَنَةً". ونَقرأُ في رسالة يعقوب والأصحاحِ الرَّابع، وفي رسالة بُطرس الأولى والأصحاحِ الخامِس أنَّهُ يجب علينا أنْ نُقاوِمَ إبليس. ونقرأ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 9 أنَّهُ يجب علينا أنْ نَقْمَعَ جَسَدَنا وأنْ نُخْضِعَهُ. ونَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاح 5 أنَّهُ ينبغي لنا أنْ نَنْظُرَ كيفَ نَسْلُكَ بالتَّدقيق. ونَقرأُ في رسالة فيلبِّي والأصحاح 3 أنَّهُ يجب علينا أنْ نَسْعى نَحْوَ الغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ العُلْيَا فِي المَسِيحِ يَسُوع. ونَقرأ في رسالة كورِنثوس الثانية 7: 1: "لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ".

والآنْ اسمعوني: نَحْنُ نُبالِغُ في تَبْسيطِ الأمرِ حينَ نقول إنَّ كُلَّ ما نَحتاجُ إليهِ في الحياةِ المسيحيَّةِ هو الشُّعورُ بالفَشَل، والاستسلامُ التَّامُّ قائلين: "حسنًا يا رَبّ، أنتَ افعل ذلك". فهذهُ مُبالغةٌ في تَبسيطِ الأمر. مِنْ جهة أخرى، هذا هُوَ ما يُنادي بِهِ أنْصارُ طُمَأنينة النَّفْس. وقدِ اصْطَدَمَ هؤلاءِ بأُناسٍ آخَرينَ يُعْرَفونَ باسْم "التَّقَوِيُّون" (pietists)، وَهُمْ جَماعة ناموسيَّة تقولُ إنَّهُ يجب عليكَ أنْ تَفعلَ كُلَّ شيءٍ بالجسد. والتَّوازُنُ هُوَ في الوسط. صحيحٌ أنَّنا نَتَّكِلُ على قُوَّةِ الله. وصَحيحٌ أنَّنا نُسَلِّمُ لِقُدرَتِه. وصَحيحٌ أنَّنا نَثْبُتُ في الكَرمَة. وصحيحٌ أنَّنا نَتَّكِلُ على المواردِ الإلهيَّة. وصحيحٌ أنَّهُ "لا أنا، بلِ المَسيح"؛ ولكِنْ مِنْ جِهَة أخرى يجب أنْ يكونَ هُناكَ في الحياةِ المسيحيَّة تَكريسٌ عَظيم، وَضَبْطٌ نَفْسٍ هائل، وانضْباطٌ شَخصيٌّ. فيجب أنْ يكونَ هناكَ في الحياةِ المسيحيَّةِ تَكريسٌ يوميٌّ لمقاومةِ الشَّيطانِ بِكُلِّ ما أُوْتينا مِنْ قُوَّة. فَلا يَجوزُ أنْ نُبالِغَ جِدًّا قائلينَ إنَّهُ يَكفي أنْ نُسَلِّمَ أُمورَنا للهِ وَكَفى.

واسْمَحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لَكُمْ التَّوازُن مِنْ خلالِ النَّظَر إلى رسالة بُطرس الثانية والأصحاح الأوَّل. ففي رسالة بُطرس الثانية 1: 3، نَقرأُ الآتي: "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ". والآن اسمعوني: إنَّ اللهَ دَعانا إلى المجدِ والفضيلة. ولكي يُؤهِّلَنا للقيامِ بذلك، فإنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى. اسمعوني: بِوَصْفِكَ مَسيحيًّا، أنتَ لا تَفْتَقِرُ إلى أيِّ موارِدَ لازِمَة. فأنتَ تَمتلك كُلَّ ما هو للحياةِ والتَّقوى. ومِنْ أينَ حَصَلْتَ على ذلك؟ مِنْ مَعْرِفَتِه. فعندما عَرَفْتَهُ مِنْ خلالِ الخلاص، أعطاكَ اللهُ كُلَّ ما أنتَ في حاجة إليه. لِذا فإنَّ المواردَ الإلهيَّة مُتَوَفِّرة. وَهُوَ يَدْعوها "القُدرة الإلهيَّة" في العدد 3. فنحنُ لدينا قُدرة إلهيَّة. فهي مُتاحة لنا. ومِنْ خلالِ القُدرة الإلهيَّة (كما جاءَ في العدد 4): "قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ". فهي وُعودٌ رائعة، وهي قُدرة عظيمة. "لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاء". فنحنُ نَمتلكُ القُدرةَ والوَعْدَ لكي نَصيرَ شُركاء الطَّبِيعَة الإِلهِيَّة ذاتِها. وهذا هُوَ دَوْرُ الله. فاللهُ يقول: "إليكُم قُدْرَتي. وإليكُم وَعْدي. اشتركوا في طَبيعَتي". وهذا مَصْدَرٌ عَظيمٌ ورائعٌ لنا لكي نَحيا الحياةَ المسيحيَّة. فهل نَكْتَفي بالقول: "آمين. سوفَ أُسَلِّمُ الآن بذلك، ولن أفعلَ شيئًا، بل سأنْسى الأمرَ بِرُمَّتِه، وأُسَلِّمُ كُلَّ شيءٍ ليسوعَ دونَ أن أفعلَ شيئًا"؟ لا! لأنَّنا نَقرأُ بعدَ ذلكَ مُباشرةً (في العدد 5): "وَلِهذَا عَيْنِهِ" ... "وَلِهَذا عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ". فيجب عليكَ أنْ تَجْتَهِد. يجب عليكَ أنْ تَجتهِد. كُنْ مُجتهدًا. وكُنْ مُنْضَبطًا حَتَّى تُقَدِّمَ في إيمانِكَ الَّذي مَنَحَهُ اللهُ لَكَ فَضيلة، "وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً". بعبارة أخرى، يجب عليكَ أنْتَ أنْ تَجْتَهِد. فلا يَكفي، يا أحبَّائي، أنْ تَمْشي بِضْعَ خُطُواتٍ إلى الأمام وأنْ تُسَلِّمَ حياتَكَ للمسيح. فالاجتهادُ جُزْءٌ مِنْ حياتِكَ. ويجب أنْ يكونَ هناكَ تَكريسٌ لِرُبوبيَّةِ المسيح. ويجب أنْ يكونَ هُناكَ إقرارٌ بقُدرتِه وموارِدِه في حياتِك. ولكِنَّ الأمرَ لا يَنتهي هناكَ. بل إنَّهُ يَبتدئُ مِنْ هُناك.

ففي رسالة رُومية والأصحاح 6، نَقرأُ عن تَسليمِ أنفُسِنا. أجل. فنحنُ نَقرأ عن ضرورةِ تَسليمِ أنفُسِنا في رُومية 6. ولكِنَّنا نَقرأُ أيضًا عن صَلْبِ أوْ إِماتَةِ أعمالِ الجسد. لِذا فإنَّ الأمرَ ليسَ بتلكَ البَساطَة. وهذا هو السَّبب في أنَّنا لا نَتَرَدَّد في إعلانِ الحَقائقِ الواردةِ في رسالة أفسُس والأصحاح 6. فهناكَ تَوازُن. ارجعوا لَحْظَةً، مِنْ فَضْلِكُم، إلى رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّاني إذْ تَرَوْنَ هُناكَ هذا التَّوازُنَ أيضًا. فنحنُ نقرأ في رسالة فيلبِّي 2: 12: "إِذًا يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدًّا فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ". والكلمة "أَطَعْتُم" هي الكلمة الرئيسيَّة في هذه الآية. فأنتَ تُتَمِّمُ خَلاصَكَ مِنْ خلالِ حَياةِ الطَّاعة إذْ نَقرأ في العدد 13: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ". فاللهُ يَعْمَلُ فيكَ مَشيئَتَهُ، وأنْتَ تُتَمِّمُها مِنْ خلالِ طَاعَتِك. فهذه هي الفِكرة. فاللهُ يَعملُ فيكَ بِمَشيئَتِهِ، وأنتَ تُتَمِّمُها مِنْ خلالِ طاعَتِك. فهناكَ تَوازُنٌ. فاللهُ يَعْمَلُ، وأنتَ تَعمل. انظروا إلى رسالة كولوسي 1: 29. ورُبَّما كانت هذه أَوْضَحَ آية. فالآية كولوسي 1: 29 تُبَيِّن بطريقة رائعة هذا التَّوازنَ الكامِلَ إذْ يَقولُ بولُس: "الأَمْرُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَتْعَبُ أَيْضًا مُجَاهِدًا، بِحَسَبِ عَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيَّ بِقُوَّةٍ". أَتَرَوْن؟ فأنا أَعملُ، واللهُ يَعمل. لِذا فإنِّي أقولُ أنَّنا نُبالِغُ في تَبسيطِ الأمرِ حينَ نُنادي بالتَّسليمِ التَّامِّ دُوْنَ أنْ نَفْعَلَ شيئًا. فيجب أنْ يكونَ هُناكَ تَكريسٌ في حياتي لِضَبْطِ النَّفسِ، وَاجتهادٌ للطَّاعة. والحقيقة هي أنَّكَ حينَ تَعيشُ وَفْقًا للرَّأيِ القائل: "اسْتَرِحْ وَدَعِ اللهَ يَعْمَل"، ماذا ستفعل بشأنِ كُلِّ وَصايا العهدِ الجديد؟ وما الحاجَةُ إليها؟ فإنْ كانَ الربُّ هُوَ مَنْ سيقومُ بِكُلِّ العمل، ينبغي أنْ تكونَ هذه الوصايا مُوَجَّهة إليهِ هو، لا إلَيَّ أنا.

ولكِنْ لا، لا! فهناكَ توازُنٌ بينَ التَّسليمِ لرُبوبيَّةِ المسيح والانضباطِ والتَّكريسِ الكامِلَيْن في حياتي الشخصيَّة لتطبيقِ وصايا اللهِ مِنْ خلالِ الطَّاعة. وفي رسالة كورِنثوس الثانية، هناكَ كَلِمَة أخرى أُريدُ أنْ أُريكُم إيَّاها في الأصحاح السَّادس والعدد 4: "بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ". فَكُلُّ ما ينبغي لنا أنْ نَفعلَهُ هو أنْ نَتَصَرَّفَ وَأنْ نُظْهِرَ أنْفُسَنا بأنَّنا خُدَّامُ اللهِ. فنحنُ نُريدُ أنْ يَعْرِفَ العالَمُ ذلك: "فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ، فِي طَهَارَةٍ، فِي عِلْمٍ، فِي أَنَاةٍ، فِي لُطْفٍ، فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ، فِي مَحَبَّةٍ بِلاَ رِيَاءٍ، فِي كَلاَمِ الْحَقِّ، فِي قُوَّةِ اللهِ بِسِلاَحِ الْبِرِّ لِلْيَمِينِ وَلِلْيَسَار". هل لاحَظْتُم شيئًا رائعًا في هذه الآيات؟ فهناكَ امْتِزاجٌ رائعٌ بينَ الأشياء. فالصَّبْرُ هُوَ مَوقِفٌ شَخصيٌّ. أمَّا الشَّدائد، والضَّرورات، والضِّيقات، والضَّرَبات، والسُّجون، والاضطرابات، والأتعابُ، والأسهار، والأصوام، والطَّهارة، والعِلْم، والأناة، واللُّطف، فهي جميعُها أشياء ينبغي أنْ أُثْمِرَها في حياتي وأنْ أَحْرِصَ على القيامِ بهذه الأشياء. وما هو المَصْدَر؟ في الرُّوحِ القُدُس، وفي المحبَّة الإلهيَّة، بِلا رِياء، وفي كَلامِ الحَقِّ (أيْ مِن خلالِ الكتابِ المقدَّسِ)، في قُوَّةِ اللهِ، بِسِلاحِ البِرّ. فهذه هي الأشياءُ الَّتي يُعطينا اللهُ إيَّاها. وهُنا نَجِدُ المَزْجَ الرَّائِعَ بينَ الاثنين. لِذا فإنَّنا نَتَّكِلُ على اللهِ وَنَبْذُلُ كُلَّ جُهْدٍ لدينا. فهذه هي الفِكرة.

والآنْ، لِنَرْجِع إلى أفسُس 6 دُوْنَ أنْ نَنْسَى ما تَعَلَّمناه. فما أُحاولُ أنْ أقولَهُ، يا أحبَّائي، هو أنَّ الأصحاحَ السَّادِس مِنْ رسالة أفسُس لا يُناقِض الكِتابَ المقدَّسَ في أيِّ مَكانٍ آخر. والأشخاصُ الَّذينَ عَلَّموكُم في السَّنواتِ السَّابقة بأنَّ كُلَّ ما تَحتاجونَ إليه هو أنْ تُسَلِّموا حَياتَكُم للربِّ أَخْفَقوا في إدراكِ ذلك. فالحياةُ المسيحيَّة تَتطلَّبُ أكثر بكثير مِن ذلك. ولِعِلْمِكُم، لقد كانوا يَقولونَ، في الحقيقة، إنَّ الطريقة الوحيدة للنُّمُوِّ في حياتِكَ المسيحيَّة هي مِن خلالِ التَّسليمِ الكامِل حيثُ تَستريح ولا تَفعل شيئًا؛ في حين أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقول إنَّكَ تَنمو مِنْ خلالِ العملِ الدَّؤوبِ، والطَّاعة، وَضَبْطِ النَّفس، والتَّكريسِ ليسوعَ المسيح يومًا تلو الآخر. فأنتَ لا تَنْمو دُوْنَ جُهْد، بل تَنْمو مِنْ خلالِ بَذْلِ أكبر جُهْدٍ ممكن.

والآنْ، لننظر إلى السِّلاحِ مَرَّةً أخرى. لِذا، فإنَّنا لسنا مُتردِّدينَ البَتَّة في لَبْسِهِ. وأرجو أنْ نَكونَ قَدْ حَسَمْنا هذه المسألة. فنحنُ في مَعركة. وإنْ أرَدنا أنْ نَنتصرَ في المعركة، يجب علينا أنْ نَبْذِلَ أقصى جُهدٍ ممكن وأن نَفعلَ كُلَّ ما في وُسْعِنا. لِذا، يجب علينا، أوَّلاً، أنْ نَتَمَنْطَقَ بالحَقِّ، ثُمَّ أنْ نَلْبَسَ دِرْعَ البِرِّ، ثُمَّ أنْ نَحْذي أرْجُلَنا باستعدادِ إنجيلِ السَّلام، ثُمَّ أنْ نَحْمِلَ تُرْسَ الإيمان. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 17: "وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَص". وقد توقَّفنا هُنا في المَرَّةِ السَّابقة.

وما مَعنى ذلك؟ وما هي خُوذةُ الخلاص؟ لقد قُلنا لكم في المَرَّة السَّابقة إنَّها لا تَعني أنْ تَنالَ الخلاص. اسمعوني: أنتَ لن تَتَمَنْطَقَ بالحَقِّ، ولن تَلْبَسَ دِرْعَ البِرِّ، ولن تَحْذي رِجْلَيْكَ باستعدادِ إنجيلِ السَّلام، ولن تَحْمِلَ تُرْسَ الإيمان ما لم تَكُنْ مُخَلَّصًا. وقد سَمِعْتُ شَخصًا يتكلَّم عن هذا الموضوع على شاشةِ التِّلِفزيون في الأسبوع الماضي. وقد قال: "إنَّ خُوْذَةَ الخَلاصِ تَعني أنْ تَخْلَص". ولكِنَّها لا تَعني أنْ تَخْلَص. فأنتَ لا تَخْلَص خامِسًا. بل أنْتَ تَخْلَصُ أوَّلاً. وكما قُلتُ في الأسبوعِ الماضي، نحنُ قَدْ خَلَصْنا في الأصحاحِ الثَّاني. ونحنُ هُنا في الأصحاحِ السادس. فقد مَضَى على خَلاصِنا أربعة أصحاحات. وَخوذةُ الخلاصِ هي شيءٌ لا يَقتصِر فقط على النِّعمة المُخَلِّصَة. فنحنُ في الجَيْشِ أصلاً. وهذا يَعني أنَّنا قد خَلَصْنا. إذًا، ما هي؟ لقد قُلتُ لكم إنَّ الخلاصَ لَهُ ثلاثة أبعاد: بُعْدٌ ماضٍ، وبُعْدٌ حاضِر، وبُعْدٌ مُستقبليّ. والآن اسمعوني: هذا هو التَّعريفُ الوحيدُ للخلاصِ في الكتابِ المقدَّس. فلا يوجد خلاصٌ آخر غيرَ الخلاصِ الثُّلاثيِّ الأبعاد: في الماضي، وفي الحاضِر، وفي المُستقبَل. فالكتابُ المقدَّسُ لا يُعَلِّمُ عَنْ خَلاصٍ حَدَثَ في الماضي فقط. والكتابُ المقدَّسُ لا يُعَلِّمُ عَنْ خَلاصٍ حَدَثَ في الحاضِر فقط. والكتابُ المقدَّسُ لا يُعَلِّمُ عَنْ خَلاصٍ ينبغي لنا أنْ نَتَرَقَّبَهُ في المُستقبَل فقط. بل إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ عن خلاصٍ ثُلاثيِّ الأبعاد: في الماضي، وفي الحاضِر، وفي المُستقبَل. فقد خَلَصْنا، ونَحْنُ مُخَلَّصون، ونحنُ سَنَخْلَص. فالخلاصُ في الماضي هو التَّبرير الَّذي يَقودُ إلى التَّقديسِ وَيَعِدُ بالتَّمْجيد. فالخلاصُ لا يُرَى كِتابيًّا إلَّا في هذه المُصطلحاتِ الثَّلاثة الَّتي تَجتمعُ في هذا الشَّيء الواحد. ففي الماضي، خَلَصْنا مِنْ أُجرةِ الخطيَّة. وفي الحاضِر، نحنُ مُخَلَّصونَ مِنْ سُلطانِ الخطيَّة. وفي المستقبل، نحنُ سنَخلَصُ مِنْ حُضورِ الخطيَّة. لِذا، يجب أنْ تَرَوْا الخلاصَ في هذه الأبعادِ الثَّلاثة.

والآن، إنَّ بُعْدَ الخَلاصِ الَّذي يُشيرُ إليهِ بولُس هنا هو البُعْدُ المُستقبليّ. فَخُوذةُ الخلاصِ ليست شيئًا يَختصُّ بالماضي. وهي ليست شيئًا يَختصُّ حَتَّى بالحاضِر، بل هو شيءٌ يَختصُّ بالمُستقبَل. وإليكُم ما يقول: يمكنكَ أنْ تكونَ واثِقًا مِن خلاصِكَ في المستقبل. وهذه الثِّقة ستكونُ هي مَصْدَرُ الحِمايَة لَكَ مِنْ مَكايِدِ إبليس.

وقد قُلتُ لكم في المَرَّة السابقة إنَّ الشَّيطانَ يَحْمِلُ سيفًا طَويلاً وعريضًا. وَهُوَ باليونانيَّة: "رومفايا" (rhomphaia)؛ وهي كلمة تُشيرُ إلى سَيْفٍ ذِي حَدَّيْن: الحَدُّ الأوَّلُ هو: "الشُّعورُ بالإحباط"، والحَدُّ الثَّاني هوَ: "الشَّكّ". والشيطانُ يريدُ أنْ يُصيبَكَ بالإحباطِ والشَّكّ. والحمايةُ الَّتي لديكَ هي خُوذة الخلاص. فحينَ تَشعُر بالإحباط، تَذَكَّر أنَّ هناكَ يومًا مجيدًا في المستقبل. وحين تَشعُر بالإحباطِ، تَذكَّر أنَّ هناكَ احتفالاً بالنَّصرِ في المستقبل. وحينَ تَشعرُ بالإحباطِ والفَشَلِ فِي عَمَلِ الخَيْر، تَذَكَّر أنَّكَ سَتَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنْتَ لاَ تَكِلّ، وتَذكَّر أنَّهُ ذاتَ يومٍ ستكونُ هناكَ مُكافأة. وفي يومٍ ما سيكونُ هناكَ يَوْمٌ تُعْطي فيهِ الأكاليل. وذاتَ يومٍ، ستَرى يسوعَ ويقولُ لَك: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ!" تَذَكَّر أنَّ ذلكَ اليوم آتٍ. وحينَ يُريدُ الشَّيطانُ أنْ يُحْبِطَكَ لأنَّ المعركة مُنْهِكَة، ولأنَّكَ تَعِبْتَ، ولأنَّ الصِّراعَ لا يَنتهي، تَذكَّر أنَّ يومَ النَّصْرِ آتٍ. فهناكَ خطُّ نهاية. وهناكَ إشارةُ انتهاء. ولا بُدَّ أنْ تَتَوَقَّفَ ساعةُ التَّوقيتِ وأنْ تَقِفَ وَجْهًا لوجهٍ أمامَ يسوعَ المسيحِ في تلكَ اللَّحظةِ المَجيدة.

لِذا فإنَّ خُوذةَ الخلاصِ تُشيرُ إلى الثِّقةِ في المُستقبل، أو كما يُسَمِّيها بولُس في رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاح 5: "خُوذَة رَجَاء الخَلاص". ولكِنَّ خُوذةَ الرَّجاءِ في المُستقبَل تَمْنَحُنا القُوَّة للمِضِيِّ في الحاضِر. وهي تُعطينا القُوَّة لِعَيْشِ الحاضِرِ حَتَّى عندما تَصيرُ الحياةُ شَاقَّةً. فهناكَ خُطُّ نهاية. وهناكَ مُكافأة مجيدة. وهناكَ نِهايَة مُرْتَقَبَة. وهناكَ يَوْمُ تَتْويج. وسوفَ يأتي يومٌ نَتْرُكُ فيهِ هذهِ الحَياةِ المُمتلئة بالدُّموع ونَدخُل فيه إلى حَضْرَةِ يسوعَ المسيح فَلا نَعودُ نَسْكُنُ في أجسادِنا، ولا تَعودُ الخطيَّة موجودة، ولا يعودُ هناكَ صِراع، ولا تَعودُ هناكَ حربٌ ولا مَعارك. فسوفَ نَحيا في كَوْنٍ جَديدٍ مَجيد. وسوفَ يأتي ذلكَ اليوم ونَستمتع بهِ تَمامًا على أساسِ تَكريسِنا الكامِلِ الآن. لِذا، عندما يُريدُ الشَّيطانُ أنْ يُصيبَكَ بالإحباطِ في المعركة، اعلَم أنَّ هناكَ يومَ نَصْرٍ آتٍ ولا تَكِلّ: "وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا".

وقد حاولتُ أنْ أشاركَ معكم في الأسبوعِ الماضي أنَّهُ إنْ لم يكن هناكَ بُعْدٌ مُستقبليٌّ للخلاص، فإنَّ البُعْدَيْنِ الآخَرَيْنِ لَهُ هُما بِلا مَعْنى. فإنْ خَلَصْنا (في الماضي) ونَتمتَّعُ بالخلاصِ (في الحاضِرِ) مِنْ دونِ أنْ يكونَ هناكَ مُستقبَل، ما الَّذي سيَدفَعُني إلى القيامِ بهذا؟ ولماذا ينبغي لي أنْ أُحارِبَ بِكُلِّ هِمَّة إنْ لم يكن هناكَ مُستقبَل؟ وإنْ لم يكن هناكَ رَجاءٌ في النُّصرة الكاملة ولم يكن هناكَ هذا البُعْدُ المُستقبليُّ للخلاص، ما الَّذي سيَدفعُني إلى بَذْلِ أيِّ جُهد؟ واسمحوا لي أنْ أُوَضِّحَ ذلكَ لكم مِن خلالِ ما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى 15: 32. وهذا يُعَبِّرُ تمامًا عَنْ شيءٍ اخْتَبَرَهُ بولُسُ شخصيًّا. فبولُس يقول في هذه الآية (في رسالة كورِنثوس الأولى 15: 32): "إِنْ كُنْتُ كَإِنْسَانٍ قَدْ حَارَبْتُ وُحُوشًا فِي أَفَسُسَ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ لِي؟ إِنْ كَانَ الأَمْوَاتُ لاَ يَقُومُونَ، «فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ!»". اسمعوني يا أحبَّائي: إنْ لم يَكُن هناكَ رَجاءٌ مُستقبليٌّ، انْسوا الأمر. فإنْ كنتُ سأذهب إلى أفسُس، وتَسوءُ الأحوالُ جِدًّا هُناك، ويَشتدُّ الاضطهادُ حَتَّى أُضْطَرُّ إلى مُحاربةِ وُحوشٍ مُفترِسَة، ما المَنفعة لي إنْ لم تكن هناكَ قِيامة؟ فما نَوْعُ الخلاصِ الَّذي لا رَجاءَ مِنْهُ؟ فهل تَظُنُّونَ أنِّي سأُضَحِّي بحياتي أمامَ مَجموعة مِنَ الحَيَواناتِ المُفترسة؟ وهل تَظُنُّونَ أنِّي سأُجابِهُ مَجموعةً مِنَ الوثنيِّين المُعادينَ بإنْجيلِ المسيحِ إنْ لم تكن هناكَ قيامة؟ أو إنْ لم يكن هُناكَ بُعْدٌ مُستقبليٌّ للخلاص؟ لو كانَ الأمرُ كذلك لاستسلمتُ مُنْذُ هذه اللَّحظة، وأَلْقَيْتُ المِنْشَفَة، وَتَرَكْتُ المَعركة، وسِرْتُ مُبْتَعِدًا وأنا أقولُ إنَّني لن أُحارِب. فهذه هي الفِكرة. فما الجَدْوى مِنْ وُجودِ خَلاصٍ لو لم يكن هناكَ مُستقبَل؟ فهو لن يُعْطيني أيَّ قُوَّة لِخَوْضِ المعركة في الحاضِر.

انظروا إلى رسالة كورنثوس الثانية 4: 6: "لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: «أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ»، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيح". وما تَعنيهِ هذه الآية هو أنَّ اللهَ جَعَلَنا نُوْر العالم. فقد وَضَعَ اللهُ المسيحَ في قُلوبِنا لكي نُشِعَّ المَسيحَ إلى العالَم. لِذا، فإنَّهُ يقولُ في العدد السَّابع: "وَلكِنْ لَنَا هذَا الْكَنْزُ". وما هو الكَنْز؟ إنَّهُ نُورُ اللهِ ونورُ المَسيحِ في حياتِنا. فنحنُ نَمْلِكُ هذا الكَنْزَ في هذه الأواني الخَزَفِيَّة الأرضيَّة، أيْ في أجسادِنا. "لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ للهِ لاَ مِنَّا". فنحنُ لدينا قُوَّة إلهيَّة مِنْ خلالِ سُكْنى المسيح. وما الَّذي يَحدث؟ حسنًا! نحنُ نُشِعُّ المسيحَ إلى العالَم. فنحنُ لدينا القُوَّة والنُّور. ونحنُ نَمْضي في العالم. وما هي النتيجة؟ نقرأ في العدد 8: "مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ. مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. مَطْرُوحِينَ، لكِنْ غَيْرَ هَالِكِينَ. حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ".

ثُمَّ انظروا إلى العدد 11: "لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ". والآنْ، لاحِظوا ما جاءَ هُنا. فهو يقول: "إليكُم كيفَ يَسيرُ الأمرُ في حياةِ خَادِمِ المسيح". يا لَها مِنْ مِهنة رائعة! أليسَ كذلك؟ فأينما ذَهبنا، هناكَ ضِيْقٌ، واضطهادٌ، وطَرْدٌ، حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوع. فنحنُ نَعيشُ دائمًا على حَافَةِ المَوْتِ. وهناكَ دائمًا مَنْ يُريدُ أنْ يَقْتُلَنا. فنحنُ نَعيشُ هكذا. يومًا فيومًا، يومًا فيومًا إذْ نُواجِهُ عالَمًا شِرِّيرًا مُعادِيًا لله. وقد تقول: "حسنًا، حسنًا! لِمَ تُكَلِّفُ نَفْسَكَ هذا العَناءَ، يا بولُس؟ ولماذا تَستمرُّ في العيشِ هكذا؟" يُجيبُ بولُس في العدد 14 عن سَبَبِ قيامِهِ بذلك: "عَالِمِينَ أَنَّ الَّذِي أَقَامَ الرَّبَّ يَسُوعَ سَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ". والآن اسمعوني: إنَّ الشيءَ الَّذي أَبْقى بولُس ثابِتًا في مُستوى التَّكريسِ الذي لديه هُوَ أنَّهُ سَيُقامُ بِمَجْدٍ ذاتَ يومٍ معَ المسيح. أَتَرَوْن؟ لِذا فإنَّ البُعدَ المُستقبليَّ للخلاصِ يَصيرُ قُوَّةً هائلةً لِعَيْشِ الحياةِ في الحَاضِر. ولِعِلْمِكُم، سوفَ أرى يَسوعَ المسيحَ وجهًا لوجه ذاتَ يوم. وسوفَ أراهُ وَجْهًا لوجه ويكونُ هُناكَ سِجِلٌّ بِكُلِّ شيءٍ فَعَلْتهُ لِخِدمَتِه. وأنا أُحِبُّهُ كثيرًا وأرغبُ كثيرًا في أنْ أَختبرَ مِلْءَ الحياةِ الأبديَّة بِكُلِّ مَا فيها حَتَّى إنِّي أرغبُ في أنْ أُقَدِّمَ كُلَّ شيءٍ مُمْكِن لَهُ ما دُمْتُ حَيًّا في هذه الحياةِ القصيرةِ المُمتلئة بالدُّموعِ، وهذهِ الحياةِ القصيرة الَّتي هِيَ مُجَرَّدُ بُخارٍ يَظهَرُ قليلاً ثُمَّ يَضْمَحِلّ. وأنا أودُّ أنْ أَستخدِمَ هذه السَّنواتِ القليلة الباقية إلى الحَدِّ الأقصى لكي أَختبرَ مِلْءَ التَّمجيدِ في الأبديَّة معَ المسيح. والسَّبب في أنِّي لا أريدُ أنْ أَفْشَلَ في عَمَلِ الخير هو أنِّي أَعلمُ أنِّي سأحصُدُ مُكافأةً مَجيدةً إنْ لم أَكِلَّ في هذه الحياة. وهذه هي خُوذةُ الخلاص. لِذا، حينَ يأتي الشَّيطانُ لمُهاجمتي ويُحاولُ أنْ يُحْبِطَني، ويقولُ لي: "لِمَ لا تَتْرُك الوَعْظَ قليلاً وتَستريح؟ خُذْ إجازة. لا تَتْعَبْ هكذا في الدِّراسة. يمكنكَ أنْ تُفَكِّرَ في أُمورٍ أُخرى وأنْ تَقولَ للرعيَّة قِصَصًا مُضْحِكَة. فَهُمْ لن يَعرفوا الفَرْق. هَوِّنْ عَليك". وأنا أتضايَقُ أحيانًا مِنَ الأشياءِ فأعملُ بِجِدٍّ أكبر. والشَّيطانُ يَقولُ لي: "إنَّ الخِدْمَة مُحْبِطَة جِدًّا. فالنَّاسُ لا يُقَدِّرونَك. والكنيسة ليست على الحالِ الَّتي تُريدُها لها. والنَّاسُ لا يَفعلونَ الأشياءَ الَّتي تُريدُ منهم أنْ يَفعلوها. اسْتَسْلِمْ وَحَسْب". ولكِنَّ المَرْءَ يَثْبُت لأنَّهُ يَعلمُ أنَّ هُناكَ يَوْمَ تَتْويجٍ آتٍ، ولأنَّهُ يَعلمُ أنَّ يومَ الحِسابِ آتٍ، ولأنَّهُ يَعلمُ أنَّهُ سَيُشابِهُ يَسوعَ المسيح. لِذا، يجب عليكم أنْ تَبذِلوا كُلَّ جُهْدٍ ممكن بسببِ الحياةِ الأبديَّة. وهذا هو الشَّيءُ الَّذي كانَ يَدْفَعُ بولُس. ويجب أنْ يكونَ هذا هو ما يَدْفَعُنا نحنُ أيضًا. فهو يقول: "قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ". لماذا يا بولُس؟ لأنَّهُ "قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا". فأنا أَفعلُ ذلكَ لأنِّي أَعلمُ ما هُوَ آت. لِذا، عندما يأتي الشَّيطانُ لِمُهاجَمَتِنا وَهُوَ يَحملُ سيفَ الإحباطِ وَيَسْتَخْدِمُ حَدَّ تَثْبيطِ الهِمَّةِ في حَياتِنا، يجب علينا أنْ نَثْبُتَ، وَأنْ نَتَسَلَّحَ بالثِّقة بأنَّ الخلاصَ الَّذي وَعَدَنا اللهُ بِهِ سَيتحقَّق.

وهناكَ شيءٌ آخر أوْ حَدٌّ آخَرَ للسَّيفِ الَّذي يَستخدِمُهُ الشيطانُ ضِدَّنا عَدا عَن الإحباطِ، وَهُوَ: الشَّكّ. وَرُبَّما كانَ الشَّكُّ ذُروة الإحباط. فهل تَعلمونَ أنَّ الشَّيطانَ يُريدُ أنْ يُشَكِّكَكَ في خَلاصِك؟ وَهُوَ بارِعٌ في ذلك. فأغلبيَّةُ الناسِ يُعانونَ بسببِ ذلك في مَرحلةٍ ما مِن حياتِهم المسيحيَّة، ولا سِيَّما في البداية. صَحيحٌ أنَّكَ ستَنمو في الربِّ وَتَصِلُ إلى مَرحلةٍ قد لا تَشُكُّ فيها، ولكِنْ بالرَّغمِ مِن ذلك، لا أَحَدَ مِنَّا بِمَنْأى عَنْ تَجاربِ الشَّيطانِ في هذا النِّطاق. فالشَّيطانَ يريد أنْ يُلاحِقَكَ، ولا سِيَّما بعدَ أنْ تَقترِف خَطيَّةً ما، وأنْ يَقولَ لك: "أنتَ لستَ مُؤمِنًا. لا يُمكِن أنْ تكونَ مُؤمِنًا. لِمَ سَيُكَلِّفُ الربُّ نَفْسَهُ عَناءَ تَخليصِك؟ فأنتَ لن تُفْلِحَ يومًا. وأنتَ لستَ صَالِحًا بالقدرِ الكافي. وأنتَ لا تَستحقُّ أنْ تَخْلَص. وكيفَ تَعلم أنَّكَ كُنْتَ تَعْني ما قُلْتَ حينَ سَلَّمْتَ حَياتَكَ له؟ مِنَ الأفضل لَكَ أنْ تُجَرِّبَ ذلكَ مَرَّةً أخرى لِتَرى إنْ كُنْتَ سَتَنْجَحُ في هذه المَرَّة!" فالشَّيطانُ يُهاجِمُ النَّاسَ حَقًّا في هذا الجانب. وهناكَ أُناسٌ، كما تَعلمون، يذهبونَ إلى كنائسَ مُعَيَّنة تُعَلِّم أنَّكَ قد تَفْقِدُ خَلاصَك. وَهُمْ يَعيشونَ في قَلَقٍ دائم. فالنَّاسُ يقولون: "هل تُؤمِنُ بالضَّمانِ الأبديّ؟" وَمِنْ جِهَة، فإنَّ هذا هو ما يَقولُهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ هُنا. ولكِنْ هناكَ أشخاصًا يُعانونَ بسببِ ذلك طَوالَ الوقت. فَهُمْ يَعيشونَ في حالة دائمة مِنْ عَدَمِ اليَقين. وهناكَ أشخاصٌ قِيْلَ لَهُمْ: "لن تَعلموا إنْ كُنْتُم قد خَلَصْتُم إلَّا حينَ تُقابِلونَ الربَّ". هل تتخيَّلونَ العَيشَ بهذه الطريقة؟ وهل تَتخيَّلونَ أنْ تَعيشوا طوالَ حَياتِكُم وأنتُم تتساءلونَ إنْ كُنتم ستنجحونَ أَمْ سَتُخْفِقون؟ "إنَّني أقترب، ولكِنْ هل سأُحَقِّق ذلك؟" يا لها مِنْ حَياةٍ مُريعة! هذا هُوَ ما يَقولوه. ولكِنَّ كلمةَ اللهِ تقول: "كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ". وإنْ كانَ الأمرُ كما يَقولون، يجب أنْ تقولوا إنَّ العهدَ الجديد يقول: "كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ تَكونوا في حَالٍ مُريعَة". فلا يمكنكَ أنْ تَفرحَ إنْ كنتَ تَعلم أنَّ الحياةَ كُلَّها هِيَ مُجَرَّدُ لُعْبَةِ تَخْمين. وهناكَ أشخاصٌ آخرون يَعتقدونَ أنَّهُ في كُلِّ مَرَّة تُخطئُ فيها فإنَّكَ تَفْقِدُ خَلاصَك. ولن أَنْسَ يومًا ذلكَ الشَّخصَ على شاشةِ التِّلفِزيون، على المحطَّة 40. وقد كانَ يُجيبُ عنِ الأسئلةِ الَّتي تُطْرَحُ عليه. وقد سَألَهُ شخصٌ ما: "إنْ أخطأتَ خَطِيَّةً وأنتَ مُؤمِنٌ، ونَسَيْتَ أنْ تَعتَرِفَ بها قبلَ حُدوثِ الاختطاف؛ أو إذا أخطأتَ وحَدَثَ الاختطافَ مُباشرةً دونَ أنْ تُتاحَ لكَ فُرصةُ التَّوبة، ماذا سيَحدث؟" وقد أجابَ قائلاً: "سوف تَذهبُ إلى جَهَنَّم". والآنْ، هل يمكنكم أنْ تَتخيَّلوا الحياةَ في هذا النَّوعِ مِنَ الخوف؟ فالشيطانُ يريدُ أنْ يَجعَلَنا خائِفينَ مِنْ فُقدانِ خَلاصِنا. وَهُوَ يريدُ أنْ يُشَكِّكَنا في خَلاصِنا. أتَعلَمونَ لماذا؟ لأنَّهُ يُريدُ مِنَّا أنْ نَشُكَّ في وَعْدِ الله. وَهُوَ يُريدُ مِنَّا أنْ نُصَدِّقَ أنَّ اللهَ لا يَحْفَظُ وُعودَهُ. وَهُوَ يُريدُ مِنَّا أنْ نُصَدِّقَ أنَّ الخَلاصَ لا يَدومُ إلى الأبد، وأنَّ اللهَ لا يَستطيع أنْ يَحْفَظَنا. وَهُوَ يُريدُ مِنَّا أنْ نُنْكِرَ قُوَّةَ الله، وأنْ نُنكرَ مَصادِرَ اللهِ، وأنْ نُنْكِرَ أنَّ اللهَ قادرٌ أنْ يَحفَظَنا، وأنْ نُنكرَ أنَّ اللهَ يَقولُ الحقيقة. وكُلُّ هذه الأشياء تُنْكِرُ ذلكَ وَحَسْب. لِذا فإنَّ الشَّيطانَ يُهاجِمُنا ويَجْعَلُنا نَشُكّ. وكيفَ ينبغي أنْ نُقاوِمَهُ؟ مِن خلالِ خُوذةِ الخلاص. فإنْ كنتُم، يا إخوتي ويا أَخواتي، قد خَلَصْتُم في الماضي، سيكونُ هُناكَ خَلاصٌ في المستقبل أيضًا. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ لا يوجد نوعٌ آخر للخلاصِ في الكتابِ المقدَّس. أَتَرَوْن؟ فلا يوجد نوعٌ آخر. ولكِنَّ التَّحقيقَ الكاملَ لذلك يَنْطَوي على التَّبريرِ، والتَّقديسِ، والتَّمجيد: "الَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا". فلا يوجد شَخْصٌ مُخَلَّصٌ يَعيشُ في حَالةٍ مُتَوَسِّطة.

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم هذه النُّقطة إذْ نَعودُ إلى الوراء إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح 6. فسوفَ أُبَيِّنُ هذه النُّقطة ثُمَّ أَخْتِمُ حديثي. وسوفَ نَتحدَّثُ عنِ السَّيْف في المَرَّة القادمة. ولكِنَّنا نَجِدُ في يوحنَّا والأصحاحِ السَّادس مَقطعًا مُهِمًّا جدًّا جدًّا في العدد 37 إذْ نَقرأ: "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا". وما يَقولُه الربُّ هو إنَّكَ إذا جِئتَ إليهِ فإنَّهُ لا يُمكن أنْ يُخْرِجْكَ خارجًا. والعبارة "لا أُخْرِجْهُ" تَعني: "ولا بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال". فلا يُمكِن بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال، ولا في أيِّ ظَرْفٍ في الكَوْن أنْ يُخْرِجَ المسيحُ شَخْصًا أَتَى إليه. فهذا هو ما يَقولُه. فإنْ أتيتَ إليه، لا يُمكن، تَحْتَ أيِّ ظَرفٍ كان، أو بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال، أو في أيِّ حَالةٍ مِنَ الحالاتِ أنْ يُخرِجْكَ خارجًا. لماذا؟ لأنَّ الأشخاصَ الوحيدينَ الَّذينَ يأتونَ إليه هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يُعطيهم الآبُ إليه. أَتَرَوْن؟ وإنْ أعطاكَ اللهُ للمسيح فهذا يعني أنَّكَ حَصَلْتَ على مَرْسومٍ مِنَ اللهِ بِالخلاصِ الأبديّ. وأنْتَ تَجِدُ تأكيدَ المسيحِ بِخَلاصِكَ الأبديّ. ولا يُمكن بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ أنْ تُفْقَد. ولكي أُبَيِّنَ لكم مَعنى ذلك سأُعطيكُم مَثَلاً توضيحيًّا: فالآبُ يُكافِئ الابْنَ. فالابْنُ قد فَعَلَ حَسَنًا جِدًّا في ذَهابِهِ إلى الصَّليبِ وفي تَتميمِ الفِداء. لِذا فإنَّ الآبَ يُعطيهِ عَطايا. والعَطايا رائعة جدًّا. فَهِيَ نُفوسُ البَشَر. فأنا وأنتُمُ الَّذينَ نَعْرِفُ المسيحَ عَطايا مِنَ الآبِ إلى الابْن، وَهدايا تُعَبِّرُ عن محبَّةِ الآب. والآبُ يُحِبُّ الابْنَ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ يَهَبهُ هذه العَطايا. وبالمُقابِل، فإنَّ الابْنَ يُحِبُّ الآبَ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ يَتَشَبَّثُ جِدًّا بهذه العَطايا الثَّمينة. "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ [بأيِّ حَالٍ مِنَ الأحوالِ] خَارِجًا". لماذا؟ لا لأجلِكُم أنتُم ... لا لأجلِكُم أنتُم البَتَّة. فأنتُم لَسْتُم مَوْضوع الحديث هُنا. بل لأنَّ الابْنَ يُحِبُّ الآبَ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُمكن أنْ يَفْقِدَ أيَّ شخصٍ أُعْطِيَ هِبَة مَحَبَّة مِنَ الآبِ للابن. أَتَرَوْن؟ فَكُلُّ شيءٍ يَظْهَرُ جَلِيًّا في الثَّالوث، يا أحبَّائي.

والآنْ، انظروا إلى العددِ الَّذي يَلي ذلك، أيِ العدد 38: "لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي". فقد كانت هذه هي خُطَّةُ اللهِ الأزليَّة. فَخُطَّةُ الآبِ بِأسْرِها كانَتْ قائمة على أنْ يَفدي بعضَ النَّاسِ، وأنْ يَهَبَهُم للابْن، وأنْ يَجْعَلَ الابْنَ يَحْفَظُهُم. فهذه هي الخُطَّة بأسرِها. "وهذه مشيئةُ الآبِ الَّذي أَرْسَلَني". وما هي مَشيئَتُه؟ "أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِير". فَكَمْ عَدَدُ الأشخاصِ الذينَ فَقَدَهُمْ يسوع؟ وَلا واحِد. وَلا واحِد. وَلا واحِد. فلن توجد أيُّ خَسارة في الفترة الواقعة بينَ صُدورِ مَرْسومِ الآبِ، وَإعْطاءِ الهِبَة للابْن، وقيامَةِ اليومِ الأخير. لِذا فإنَّنا نَرى التَّبريرَ، والتَّقديسَ، والتَّمجيدَ (أيِ الخلاصَ في الماضي، والحاضِر، والمُستقبل) مِنْ دونِ أيِّ خَسارة. وهكذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُ أنَّ اللهَ لديهِ مَشورَة لا يُمْكِنُ أنْ تَتغيَّر، ودَعوة لا يُمكن أنْ تُرْفَض، ومِيراث لا يُمْكِن أنْ يَتَدَنَّس، وأساس لا يُمكِن أنْ يُنْقَض، وخَتْم لا يُمكن أنْ يُكْسَر، وحياة لا يُمْكِن أنْ تَهْلِك.

والآن، افتحوا على إنجيل يوحنَّا 10: 27. فهناكَ سَبْعُ عُقَدٍ في الحَبْلِ الَّذي يَرْبِطُنا أبديًّا بالمسيح، أو سَبعةُ أسبابٍ رئيسيَّة تَجْعَلُ خلاصَنا أبديًّا، أو سَبْعُ حَقائق عظيمة: أوَّلاً، نَقرأ في العدد 27: "خِرافي" – "خِرافي". توقَّفوا هُنا. خِرافُ مَنْ أنتُم؟ أنتُم خِرافُ المسيح. والآن اسمعوني: إنْ كُنتم خِرافَ المسيحِ، فإنَّ واجِبَهُ، بِوَصْفهِ راعِيًا، يُحَتِّمُ عليهِ أنْ يَعتني بكم ويَحميكُم. وإنْ فَقَدَكُم، فإنَّ هَذا، في الحقيقة، يُزَعْزِعُ قُدرَتَهُ كَراعٍ. هل فَهِمْتُم ذلك؟ فإنْ كُنتم خِرافَهُ، وكانَ ينبغي للرَّاعي أنْ يَعتني بخرافِهِ، فإنَّ فُقْدانَ خَروفٍ واحدٍ يُدَلِّلُ على شخصيَّة وكفاءة الرَّاعي. وهناكَ عُقْدَة ثانية تَرْبِطُنا بالمسيح: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي". اسمعوني: إنَّها تَتبعُ المسيح. فِخِرافُهُ جَميعُها تَتْبَعُهُ، دُوْنَ استثناء. فهي لا تُصغي إلى الغُرباء، بل تُصغي فقط إليهِ. لِذا فإنَّ المؤمنينَ الحقيقيِّينَ مَحفوظونَ بقُدرةِ الرَّاعي العظيم. وهذه هي العُقْدَة الأولى. ثانيًا، إنَّها تَتْبَعُه. لِذا فإنَّهُ يقول: "فَتَتْبَعُني". فهي قد تَسْقُطُ في الخطيَّة، ولكنَّها تبقى لَهُ. ثالثًا: "وَأَنَا أُعْطِيهَا [في العدد 28] حَيَاةً أَبَدِيَّةً". والحياةُ الأبديَّة تَدومُ إلى مَتى؟ إلى الأبد. فهي حياة أبديَّة. وإنْ تَحَدَّثنا عنها كشيءٍ لَهُ نهاية فإنَّنا نُناقِضُ المُصْطَلَحَ نَفْسَهُ. فالحياةُ الأبديَّة هي أبديَّة. لِذا، نحنُ مُرْتَبِطونَ بشخصيَّة الرَّاعي. ونحنُ مُرتبطونَ بشخصيَّة الخِرافِ الَّتي تَتْبَعُه. ونحنُ مُرْتَبِطونَ بِتَعريفِ هِبَةِ الحياةِ الأبديَّة. فهي حياة إلى الأبد. رابعًا، إنَّها هِبَة: "وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً". فأنتَ لم تَفعل أيَّ شيءٍ لاستحقاقِها. وأنتَ لا تستطيعُ أنْ تَفعلَ أيَّ شيءٍ للحِفاظِ عليها. فهي هِبَة. خامسًا، هناكَ عُقْدَة أُخرى تَرْبِطُنا بالمسيح إذْ إنَّهُ يقول: "وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَد". فإنْ هَلَكَ مُؤمِنٌ واحدٌ، فإنَّ المسيحَ لم يَقُلِ الحقيقة. وإنْ لم يَقُلِ المسيحُ الحقيقة، يُمْكِنُكُم أنْ تَترُكوا الكتابَ المقدَّسَ وأنْ تَنْسَوا المسيحيَّةَ لأنَّها ستكونُ خاطئة بِرُمَّتِها. سادسًا، نَقرأُ: "وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِ أبي". فلا توجد قُوَّة في الكون أَقوى مِنَ الله. وإنْ أرادَ اللهُ أنْ يُمْسِكَ شيئًا، فإنَّهُ سَيُمْسِكُه. فلا أحدَ يستطيعُ أنْ يَخْطَفَنا مِنْ يَدِ الآب. سابعًا، إنَّهُ يُضيفُ قائلاً في العدد 29: "أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي".

لاحِظوا ما جاءَ في العدد 28 إذْ يقول: "مِنْ يَدِي"، وفي العدد 29: "مِنْ يَدِ أَبِي". فهي حِماية مُضاعَفَة. وما أُحاولُ أنْ أُبَيِّنَهُ لكم في هذينِ المَقطَعَيْن مِنْ إنجيل يوحنَّا هو أنَّ يَسوعَ نَفسَهُ، ومِنْ خلالِ كَلِماتِهِ شخصيًّا، يُؤكِّدُ حقيقةَ أنَّ الخلاصَ في الماضي يَتَضَمَّنُ خَلاصًا مُستقبليًّا لي. فالحياةُ الأبديَّةُ هي كالتَّالي: فالمؤمنونَ لا يَهْلِكون، وَهُمْ لا يُخْطَفونَ مِنْ يَدِه، وَهُوَ لا يَفْقِدُ أحدًا. فهذا هو ما قالَهُ يسوع. لِذا، لا عَجَبَ أنَّنا حينَ نأتي إلى رسالة رُومية 8: 38، فإنَّ الرَّسولَ بولس يقول: "فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا". فبولس يقول إنَّهُ لا يوجد شيء في الكون [الآن أو في المستقبل] يَقدر أنْ يَفْصِلَ المؤمنَ عنِ المسيح.

ونَقرأ في رسالة فيلبِّي 1: 6: "وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا" [وهذا هو الجُزءُ الماضي مِنَ الخلاص إذْ إنَّهُ هُو الَّذي ابْتَدأَهُ] "يُكَمِّلُ" [وهذا في الحاضِر] "إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيح" [وهذا في المستقبل]. فجميعُ الأبعادِ الثَّلاثَةِ للخلاص موجودة في الآية نفسِها.

وأودُّ أنْ أَخْتِمَ دِراسَتَنا في هذا الصَّباح بالنَّظر إلى رسالة يَهوذا، وَهُوَ السِّفر قَبْلَ الأخير في العهد الجديد. وأودُّ أن أُشاركَ معكم آيتينِ فقط، وَهُما آيَتانِ قويَّتانِ جِدًّا. واسمحوا لي أنْ أقولَ الآتي مِنْ خلالِ النَّظرة العامَّة إلى رسالة يهوذا: لقد كُتِبَتْ رسالة يَهوذا للحديثِ عنِ الارتدادِ أوِ الابتعادِ عنِ الإيمان. فهي تُرَكِّزُ بصورة رئيسيَّة على الطَّبيعة الشِّرِّيرة للأنبياءِ الكذبة والمُعَلِّمين الكذبة. وهي تقولُ في العدد 4: "أَنَّهُ دَخَلَ خُلْسَةً أُنَاسٌ قَدْ كُتِبُوا مُنْذُ الْقَدِيمِ لِهذِهِ الدَّيْنُونَةِ، فُجَّارٌ، يُحَوِّلُونَ نِعْمَةَ إِلهِنَا إِلَى الدَّعَارَةِ". وهي تتحدَّثُ عنِ الأحلامِ القَذِرَة (في العدد 8). وهي تتحدَّثُ عنِ الأنبياءِ الَّذينَ يَتنَبَّأونَ لأجْلِ الرِّبْحِ القَبيح (في العدد 11). وَهُمْ يُدْعَوْنَ "صُخورًا" في العدد 12: "آبارٌ بِلا ماء"، أوْ بالحَرِيِّ: "غُيُومٌ بِلاَ مَاءٍ ... أَشْجَارٌ خَرِيفِيَّةٌ بِلاَ ثَمَرٍ مَيِّتَةٌ مُضَاعَفًا، مُقْتَلَعَةٌ. أَمْوَاجُ بَحْرٍ هَائِجَةٌ مُزْبِدَةٌ بِخِزْيِهِمْ. نُجُومٌ تَائِهَةٌ مَحْفُوظٌ لَهَا قَتَامُ الظَّلاَمِ إِلَى الأَبَد ... مُدَمْدِمُونَ، مُتَشَكُّونَ". فَهُمْ مُجَرَّدُ أشخاصٍ مُريعينَ، وَجَسَدِيِّينَ، وَليسوا أتقياء، يَسْلُكونَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِهِم. وهؤلاءِ هُمُ المُرتَدُّون. وَنَجِدُ هُنا جَماعةً صَغيرةً مِنَ المسيحيِّينَ الحقيقيِّينَ في عَصْرٍ يَكْثُرُ فيهِ الارتداد، بِصورة لا تَختلف عنْ حالِنا اليوم. والحقيقة هي أنِّي عاكِفٌ الآنَ على كِتابةِ كِتابٍ عن "كيفَ تَنْجو في أيَّامِ الارتداد". وَهُوَ يَستَنِدُ إلى رسالة يَهوذا. ولكِنَّ الفِكرةَ هُنا هي أنَّهُ في وَسْطِ تَعليمٍ فاسِدٍ وشِرِّيرٍ وخاطئ، وفي وَسْطِ فَسادِ الكنيسة، وتَزَعْزُعِ الأساساتِ، هناكَ جماعة قليلة مِنَ المؤمنينَ الذينَ قد يقولونَ في أنفسهم: "يا للهَوْل! رُبَّما نُجْرَفُ في هذا السَّيْلِ الطَّاغي. ما الَّذي سيحدثُ لنا؟" فَهُمْ يَرَوْنَ كُلَّ شيءٍ يَنهارُ مِنْ حَوْلِهِم، كما هي حالُ مُجتمعنا حيثُ تَسودُ حَرَكَةُ التَّحرُّر، والحركة الأرثوذكسيَّة المُحْدَثَة، وكُلُّ هذه النُّفاية الَّتي تأتي باسْمِ المسيحيَّة وَتُريدُ أنْ تَجْرُفَنا مَعَها. وقد نقول: "وماذا عَنَّا نحن؟ هل سَنَنْجَرِف في هذا السَّيْلِ القويّ؟" لِذا، في بداية رسالة يهوذا [في العدد 1]، وفي نهاية رسالة يهوذا [في العَدَدَيْن 24 و 25]، يُكَرِّرُ يهوذا حقيقة أنَّهُ لا مُبَرِّرَ للخوف. فمهما سَاءتِ الأحوال، ومَهما كانَ العالمُ شِرِّيرًا مِن حولِنا، نَحْنُ في مَأمَن: "يَهُوذَا، عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَخُو يَعْقُوبَ، إِلَى الْمَدْعُوِّينَ الْمُقَدَّسِينَ فِي اللهِ الآبِ، وَالْمَحْفُوظِينَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" (أو: المَحفوظونَ بيسوعَ المسيح). فهو يقول: "في وسط كُلِّ هذا الفسادِ المُحيط بكم، سوفَ يُقَدِّسُكُمُ اللهُ ويَحْفَظُكُم يسوعُ المسيح". والفِعلُ اليونانيُّ المُستخَدمُ هنا هو "تيريئو" (tereo)، وهو يَعني: "يَحْرُس" أو "يَحْمي" أو "يَحْفَظ وَيَصون". وهي تُستخَدم أيضًا خارِجَ الكتابِ المقدَّسِ للإشارة إلى شخصٍ مَضمون. فعندما خَلَصْتَ، مُنِحْتَ ضَمانَةً أكيدةً. والكتابُ المقدَّسُ يَتحدَّثُ عن حقيقة أنَّنا أُعْطينا عَرْبونَ الرُّوح. والعَرْبونُ يَعْني "خاتَم الخِطْبَة" أو "الدُّفعة المُقَدَّمة" أو "الضَّمانَة". فعندما خَلَصْتَ، أعطاكَ اللهُ الرُّوحَ القُدُسَ كَضَمانَة بأنَّكَ ذاتَ يومٍ ستتمجَّد في حَضرةِ الله، حَتَّى في أصْعَبِ الأوقات. وكما تَعلمونَ، فقد صَلَّى يسوعُ قائلاً: "يا أَبَتاه، أسألُكَ أنْ تَحْفَظَ هؤلاءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي...أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّير" (كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 17: 11 و 15). وقدِ اسْتُجيبَت صَلاةُ يسوع. فالآبُ سَيَحفَظِ المؤمن. وهذا هو ما يَقولُهُ هُنا. فأنتَ لا مُقَدَّسٌ فَحَسْب، بل أنتَ أيضًا مَحفوظٌ مِنْ قِبَل يسوعَ المسيح. وهذا هو مَعنى خُوذة الخلاص. فلا حاجةَ إلى الاستماع إلى تَشكيكاتِ الشَّيطانِ حينَ يقولُ لك: "مِنَ الأفضل أنْ تَتَأكَّد أوَّلاً أنَّكَ مؤمِن". فإنْ كُنتَ مَهزوزًا في هذا الأمر، لا يمكنكَ أنْ تَكونَ واثِقًا في أيِّ مَجال. وإنْ لم تكن لديكَ الثِّقة في أيِّ شيء، أوَّلاً: قد لا تكونُ مُؤمنًا أصلاً. ثانيًا، قد تكونُ مُؤمِنًا أَصْغى كثيرًا للشيطان وينبغي أنْ تعودَ إلى ارتداءِ خُوذة الخلاص.

افتحوا على العدد 24 مِن رسالة يهوذا إذْ نَقرأُ الشَّيءَ نَفسَهُ مَرَّةً أخرى، ولكِنْ بِصورة مُطَوَّلة أكثر: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ". أليسَت هذه الكلمات رائعة؟ والكلمة "يَحْفَظ" هي "دونيميئو"، وهي تُشيرُ إلى القُوَّة العظيمة والقُدرة. فهو قادرٌ بما يَكفي لِحِفْظِكَ مِنَ السُّقوط. فالأمرُ لا يَقتصر فقط على أنَّ المسيحَ لا يُريدُكَ أنْ تَسقُط، بل هُوَ قادرٌ أيضًا أنْ يَمْنَعَ حُدوثَ ذلك. أَتَرَوْن؟ فهو قادرٌ أنْ يَمنعَ ذلك. وَهُوَ قادرٌ أنْ يُوْقِفَكَ "أموموس" (amomos)، بلا عَيْبٍ، وبلا دَنَس، وبلا غَضَن. وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "أموموس" تُستخدم في رسالة بُطرس الأولى 1: 18 و 19 بالإشارة إلى المسيح: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، ويَحْفَظَكُمْ مِنَ السُّقوط، ويُوقِفَكُم طاهرينَ [كما هُوَ طاهِرٌ] ذاتَ يومٍ في حضرةِ اللهِ الآب". هذه هي قُوَّة المسيح الحافِظَة. إنَّها ضَمانة عظيمة ... عَظيمة. والكلمة المُستخدمة هُنا بمعنى "يَحْفَظ" هي ليست "تيريئو" (tereo) الَّتي استُخدِمَت سابقًا بمعنى "يَحْرُس" أو "يَحْمي" أو "يَحْفَظ"، بل هي "فولاسو" (phulasso)، وهي تَعني: "يَضْمَن" في وَسْطِ الهُجوم. لِذا، مهما قاوَمَتْكَ كُلُّ قُوى الجحيم، فإنَّ المسيحَ قَوِيٌّ بما يكفي لحِفْظِكَ مِنَ السُّقوطِ وقادرٌ أنْ يُوْقِفَكَ "أموموس" (أيْ: بِلا عَيْبٍ)، كَما هِيَ حَالُ يَسوعَ المسيحِ، في حَضرةِ الله. ولا عَجَبَ أنَّ المُرَنِّمَ قالَ بِكُلِّ تأكيدٍ وثِقَة: "إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي". فقد كانَ يَعْلَمُ ذلك. "وَأَسْكُنُ" [أين؟] "فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأَيَّام".

وكما تَرَوْن، لقد كانَ يَعلمُ أنَّ الخَلاصَ الَّذي مَنَحَهُ اللهُ إيَّاه كانَ خَلاصًا في الماضي، والحاضِر، والمستقبل. فهو يقول: "إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأَيَّام". وفي رسالة تسالونيكي الأولى 5: 23، يَقولُ بولُسُ في صَلاةٍ رائعة: "وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وكَمْ أُحِبُّ هذه الكلمات: "أَمِينٌ هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمُ الَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا". ويا لهُ مِنْ أمرٍ عَظيم! فبولُس يقولُ في هذه الصَّلاة الرائعة إنَّكُم سَتُحْفَظونَ بلا لَوْمٍ مِنْ قِبَلِ اللهِ الأمينِ الَّذي دَعاكُمْ والذي سيَفعل ذلكَ أيضًا. لِذا فإنَّنا لا نَقبلُ سِهام الشَّكِّ الَّتي يُوَجِّهُها الشَّيطانُ إلينا. فَتُرْسُنا هُوَ ثِقَتُنا بأنَّ الخلاصَ مُستقبليٌّ، وحاضرٌ، وماضٍ. والمسيحُ يَحْفَظُنا بِقُوَّةِ ذِراعِهِ.

وفي الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 6: 16-19، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ هناكَ أمْرَيْنِ أوْ شَيئَيْنِ ثابِتَيْنِ ولا يَتَغَيَّران: وَعْدُ المَسيحِ، وَقَسَمُ المسيح. وهذه هي مِرْساةُ نَفْسِ المؤمِن إلى الأبد (عبرانيِّين 6: 16-19). لِذا فإنَّ تلكَ الثِّقة هي الَّتي تَجعلُنا نُدافعُ عن أنفسنا ضِدَّ هَجَماتِ الشَّيطان. فحينَ يأتي الشَّيطانُ، يا أحبَّائي، مُحاولاً أنْ يُحْبِطَنا، وحينَ يأتي مُحاوِلاً أنْ يَزْرَعَ الشَّكَّ في قُلوبِنا، اعْلَموا أنَّ هناكَ مَجْدًا في المستقبل، وأنَّ هناكَ نُصرة في المستقبل. لِذا، جاهِدوا الجِهادَ الحَسَن، ولْتَكُن لديكُم ثِقَة في الخلاصِ الَّذي وَهَبَهُ اللهُ لكم. واعلموا أنَّكم ستكونونَ هناكَ في يومِ التَّتويجِ ذاك. وهناكَ تَرنيمة رائعة تتحدَّثُ عن أساسِ الكنيسة إذْ يقولُ الكاتِب: "في وَسْطِ الضِّيقاتِ والصُّعوباتِ والمِحَنِ الَّتي تَختَبِرُها الكنيسةُ في حُروبِها، فإنَّها تَنتظرُ اكْتِمالَ السَّلامِ إلى أبدِ الآبدين، إلى أنْ تَتَبارَكَ عَيْناها المُتَرَقِّبتانِ والكنيسةُ المُنتصرةُ العَظيمةُ سَتستريح". فذاتَ يومٍ، ستكونُ هناكَ راحة. ولكِنْ ليسَ الآن. فنحنُ الآنَ في خِضِمِّ المَعركة. ويجب علينا أنْ نُحارِب في المعركة. أمَّا الرَّاحة فستأتي لاحقًا حينَ يَصيرُ النَّصْرُ لنا. وهناكَ تَرنيمة أخرى تَعرفونَها جَيِّدًا تقول: "قِفُوا واثْبُتوا لأجْلِ يسوع. فالجِهادُ لن يَدومَ طَويلاً. ففي هذا اليوم، هُناكَ ضَجيجٌ المعركة. ولكِنْ في اليومِ التَّالي، هناكَ تَرنيمةُ الانتصارِ بأنَّ مَنْ يَغْلِب سيحصل على إكليلِ الحياةِ ويكونُ معَ مَلِكِ المَجْدِ إذْ يَمْلِكُ معَهُ إلى أبدِ الآبدين". وسوفَ أَخْتِمُ بكلماتِ "جون بَنْيان" (John Bunyan): "لا الغُوْلُ ولا الشَّيطانُ يَقدرُ أنْ يُضْعِفَ رُوْحَهُ. فهو يَعلمُ أنَّهُ سيحصل في النِّهاية على الحياةِ الأبديَّة. وحينئذٍ ستَختفي كُلُّ الأوهام. لِذا فإنَّهُ لا يَخشى مِمَّا يَقولُهُ البشر. بل هُوَ يُجاهِدُ ليلاً وَنَهارًا أنْ يكونَ جُنديًّا". وقد سُجِنَ العَزيز "جون بَنيان" في سِجْن "بيدفورد" (Bedford)، وَقَرَّرَ هُناكَ أنْ يُجاهِدَ دُوْنَ كَلَل، وأنَّهُ لن يَسمحَ لِمحاولاتِ الإحباطِ والشَّكِّ أنْ تُضْعِفَهُ. وفي ذلكَ الوقتِ في السِّجن، نَظَرَ إلى اليومِ الَّذي سيكونُ فيهِ معَ يسوعَ المسيح. وفي أسوأِ ظُروفٍ مُمكِنَة، كَتَبَ أعظمَ شَيءٍ كَتَبَهُ في حياتِهِ بأسْرِها وَهو قِصَّة "سِياحَة المَسيحيّ". لِذا، لا تَستسلِم، ولا تَسْمَح للشَّيطانِ أنْ يَجْعَلَكَ واحِدًا مِنْ ضَحاياه بأنْ يُحْبِطَكَ وَيُشَكِّكَكَ في الربِّ لأنَّكَ ستَنتصر في النهاية. لِذا، استمرّ في ارْتِداءِ الخُوذَة الآن. دَعونا نُصَلِّي:

نَشكُرُك، يا أبانا، على وقتِنا في هذا الصباح. كَلِّمْ قُلوبَنا جميعًا. وفيما تَحْنُونَ رُؤوسَكم قليلاً، يوجد عن يَميني في المُقَدِّمة غُرفة صَلاة. وفيما تتأمَّل، رُبَّما يَدعوكَ اللهُ إلى تَكريسِ نفسِك بطريقةٍ ما. رُبَّما لا تَعرفُ المسيح. ورُبَّما تَعرفه، ولكنَّكَ لا تَحْيا لأجلِه. ورُبَّما تبحثُ عن كنيسة. وربما لديكَ سؤالٌ يَحتاجُ إلى جواب. عِوَضًا عنِ المُغادرة بعدَ هذه الصَّلاةِ القصيرة، تَقَدَّم إلى الأمام، واذهب إلى الجهة اليُمنى عَبْرَ البابِ الخشبيِّ المُزْدَوَج، واسْمَحْ لواحدٍ مِنَ المُشيرينَ أنْ يُصَلِّي معك. وهناكَ كُتُب ونَشرات مَجَّانيَّة، وأشخاصٌ يُمكنُ أنْ تتحدَّث إليهم وَأنْ تُصَلِّي معهم. فحياتُكَ يمكن أنْ تتغيَّر اليوم. وسوفَ نكونُ في انتظارك في المقدِّمة. ونحنُ نُشَجِّعُكَ على المجيء.

نحنُ نُصَلِّي، يا أبانا، أنْ تَجْذِبَ أولئكَ الأشخاصَ الَّذينَ جَلَبْتَهُم إلى هُنا في هذا الصَّباح. ونحنُ نُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ تَجْلِبَ في هذا المساء الأشخاصَ الَّذينَ يَحتاجونَ إلى سَماعِ كلماتِك عن موضوعِ الطَّلاقِ أيضًا. نَشكُرُكَ على هذا اليوم الرائع. وليتَكَ تُساعِدنا، يا رَبّ، على خَوْضِ المَعركة بأمانة حَتَّى يكون النَّصْرُ والمَجْدُ والكَرامة لكَ أنت. باسْمِ المسيح. آمين. ليتَ الربَّ يُبارِكُكُم.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize