Grace to You Resources
Grace to You - Resource

17 حزيران/يونيو 1979 (العِظة الصَباحيَّة)

في هذا الصَّباح، نأتي إلى دَرسِنا الأخير لِسِلاحِ المؤمن. ونَوَدُّ أنْ نَتفحَّصَ القِطعةَ الأخيرةَ في سِلاحِ المؤمن. ففي العدد 17، في الخِتام، إذْ يُعَبِّرُ بولسُ عنِ الشيءِ الَّذي يَحتاجُ إليهِ المؤمن لإلحاقِ الهزيمةِ بالشيطانِ وأعوانِهِ فإنَّهُ يقول: "وَخُذُوا ... سَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ". وقد قالَ الدُّكتور "غوثري" (Dr. Guthrie): "الكتابُ المقدَّسُ هو تَرْسَانَةٌ مُمتلئة بالأسلحةِ السَّماويَّة، وصَيدليَّة مُمتلئة بالأدوية النَّافعة، ومَنْجَمٌ يَزْخُرُ بِغِنَىً لا يَنْضُب. وهو دَليلٌ لِكُلِّ طَريق، وَخَريطةٌ لِكُلِّ بحر، وعلاجٌ لِكُلِّ داء، وبَلْسَمٌ لِكُلِّ جُرْح. فإنْ جَرَّدتمونا مِنْ كِتابِنا المقدَّس، ستَفْقِدُ سَماؤُنا شَمْسَها".

وقد قالَ أحدُ الكُتَّابِ: "إنَّ تأليفَ الكِتابِ المقدَّسِ رَائعٌ جدًّا. فهناكَ كَلِماتٌ كَتَبَها مُلوكٌ، وأباطِرَة، وأُمراء، وشُعراء، وحُكماء، وفلاسفة، وصَيَّادو سَمك، ورِجالُ دولة، ورجالٌ تَهَذَّبوا بِكُلِّ حِكْمَةِ المِصْرِيِّين، وتَعَلَّموا في مَدارِسِ بابِل، وتَدَرَّبوا عندَ أقدامِ أَحْبارِ اليَهودِ في أورُشليم. وقد كُتِبَ بواسطة رجالٍ في السَّبي، وفي الصَّحراء، وفي خِيامِ رُعاةٍ، وفي مراعٍ خَضراء، وبجانبِ مياهِ الرَّاحَةِ. ونَجِدُ مِنْ بينِ مَنْ كَتبوه جَابي ضَرائِب، وراعي غَنَم، وجاني جُمَّيْز. وَنَجِدُ رِجالاً فُقراءَ، ورِجالاً أغنياء، ورجالَ الدَّولة، ومُبَشِّرين، وقَباطِنَة، ومُشَرِّعين، وقُضاة، ومَسْبِيِّين. والكتابُ المقدَّسُ مَكتبة تَزْخُرُ بالتَّاريخِ، وسلاسِلِ الأنسابِ، والأعراقِ البَشريَّة، والشَّرائعِ، والأخلاقِ، والنُّبوءة، والشِّعر، والفَصاحة، والطِّبّ، وعِلْم الصِّحَّة، والاقتصادِ السِّياسيّ، والقواعدِ الرَّائعةِ للحياةِ الشخصيَّة والاجتماعيَّة. ووراءَ كُلِّ كلمة، هناكَ الكاتبُ الإلهيُّ: اللهُ نَفْسُه".

وفيما يَختصُّ بتأليفِ الكتابِ المقدَّسِ، قالَ "جون ويسلي" (John Wesley): "لا بُدَّ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ كُتِبَ مِنْ قِبَلِ اللهِ أوْ مِنْ قِبَلِ أُناسٍ طَيِّبين، أو أُناسٍ أشرار، أوْ مِنْ قِبَلِ مَلائِكَةٍ أَخْيار، أوْ مَلائِكَةٍ أشرار". ثُمَّ قال: "ولكِنَّ الأشخاصَ الأشرار والملائكة الأشرار لن يَكتبوه لأنَّهُ يَدينُ النَّاسَ الأشرار والملائكة الأشرار. والأشخاصُ الأبرار والملائكة الأخيار لن يُخادِعُوا ولن يَكذبوا بخصوصِ كاتِبِهِ مُدَّعينَ أنَّ اللهَ كَتَبَهُ". "لِذا" (كما يَقولُ ويسلي)، "لا بُدَّ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ كُتِبَ مِنْ قِبَلِ اللهِ الَّذي أَوْحى مِنْ خلالِ رُوْحِهِ القُدُّوس إلى رِجالٍ لِيُدَوِّنوا كَلِماتِه باستخدام أدواتٍ بَشريَّة لتوصيلِ حَقِّه".

ولا أدري إنْ كُنَّا نَفْهَمُ المَعنى الكامِلَ لِحَمْلِ سَيْفِ الرُّوح. ولكنِّي واثِقٌ مِنْ أنَّنا لا نَفهمُ ذلك. فهذا الكِتابُ الرَّائع الَّذي لا مَثيلَ لَهُ، والذي لا يُضَاهَى هُوَ السِّلاحُ الأخيرُ، والقِطعةُ الأخيرةُ في السِّلاحِ المُعْطَى للمؤمِن في مَعركتِهِ ضِدَّ الشَّيطان. والحقيقة المُحْزِنَة هي أنَّ مؤمنينَ كثيرينَ جِدًّا لا يَعرفونَ حَقًّا كيفَ يَستخدمونَهُ. فنحنُ نَقَعُ ضَحِيَّةَ الشَّيطان بسببِ عدم بَراعَتِنا في استخدامِ السَّيف. فهل تُدركونَ ما نَوْعُ هذا الكتاب؟ وهل تُدركونَ حَقًّا ما تَحملونَهُ بينَ أيديكُم حينَ تَنظرونَ إلى كَلِماتِهِ وَصَفَحاتِه؟ دَعوني أُخبرُكم. دَعوني أُخبركم عَمَّا يقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن نفسه. أوَّلاً، الكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّهُ مَعصومٌ مِنَ الخطأ. وهذا يَعني أنَّهُ يَخلو مِنَ الأخطاءِ في مُجْمَلِه. وهذا يَعني أنَّهُ بِمُجْمَلِهِ بِلا أخطاء. فهو مَعصومٌ، وبلا أخطاء، وبلا عَيْب. ونحنُ نَقرأ في المزمور 19: 7: "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ". فهو بِمُجْمَلِه مَعصومٌ مِنَ الخطأ.

ثانيًا، إنَّهُ (في أجزائِهِ) مُنَزَّهٌ عنِ الخطأ. وهذا يَعني أنَّهُ لا توجدُ فيهِ أخطاء. فنحنُ نَقرأ في سِفْر الأمثال 30: 5 و 6: "كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ نَقِيَّةٌ". كُلُّ كلمة. "لاَ تَزِدْ عَلَى كَلِمَاتِهِ لِئَلاَّ يُوَبِّخَكَ فَتُكَذَّبَ". لِذا فإنَّ كَلِمَتَهُ مَعصومة مِنَ الخطأ بِمُجْمَلِها، وهي مُنَزَّهَة عنِ الخطأ في كُلِّ كلمة فيها.

ثالثًا، إنَّهُ كاملٌ. فنحنُ نقرأ في سِفْر الرُّؤيا 22: 18 و 19: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذِهِ النُّبُوَّةِ، يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاة". بعبارة أخرى، لا يمكنكَ أنْ تُضيفَ على هذه الأقوالِ ولا أنْ تَحْذِفَ مِنْها. وهذا يَعني أنَّ الكتابَ المقدَّسَ كامِل.

رابعًا، الكِتابُ المُقَدَّسُ ذُو سُلطان. فنحنُ نقرأ في سِفْر إشعياء 1: 2: "اِسْمَعِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَأَصْغِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ، لأَنَّ الرَّبَّ يَتَكَلَّمُ". فعندما يَتكلَّمُ الربُّ، يجب على كُلِّ شخصٍ أنْ يُصغي. وهذا هو ما يَعنيهِ بالقول إنَّهُ ذُو سُلْطان.

خامسًا، الكِتابُ المُقَدَّسُ فيهِ كُلُّ الكِفاية. فنحنُ نَقرأ في رسالة تيموثاوس الثانية والأصحاحِ الثالث أنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ، وأنَّهُ قادِرٌ أنْ يَجْعَلَكَ نَافِعًا لِلسَّيِّدِ، مُسْتَعَدًّا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ. فهذا الكِتابُ قادرٌ أنْ يُخَلِّصَكَ وأنْ يَجْعَلَكَ كامِلاً. فلا حاجةَ إلى أيِّ شيءٍ سِواه. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ مَعْصومٌ مِنَ الخطأ في مُجْمَلِه، وَمُنَزَّهٌ عنِ الخَطأ في كُلِّ كَلِمَةٍ فيه، وكامِل، وَذُو سُلطان، وفيهِ كُلُّ الكِفاية.

سادسًا، إنَّهُ فَعَّال. إنَّهُ فَعَّال. فعندما يَتَكَلَّمُ فإنَّ الأشياءَ تَحْدُث. فالكتابُ المقدَّسُ يُغَيِّرُ الأشياء. وكلمةُ اللهِ تُحْدِثُ تَغييرًا. فنحنُ نَقرأ في سِفْر إشعياء والأصحاح 55: "هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِه". فهي فَعَّالة. اسمعوني: لو لم أَكُنْ أُوْمِنُ بذلك، لَما وَعَظْتُ بذلك. فالسَّببُ الَّذي يَدفَعُني إلى الوَعْظِ بهذا هو أنِّي أُوْمِنُ بأنَّ كلمةَ اللهِ تَعْمَلُ ما تَقولُ إنَّها سَتَعْمَلُه.

سابعًا، إنَّهُ إلَهِيٌّ. فنحنُ نقرأ في رسالة بُطرس الثانية 1: 21: "لأَنَّهُ لَمْ تَأتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس". فَهُوَ كِتابُ الله. والآنْ اسمعوني: إنْ كانَ هُناكَ كِتابٌ مَعْصوم، وَمُنَزَّهٌ، وكاملٌ، وذو سُلطان، وفيهِ كُلُّ الكِفاية، وفَعَّال، وإلَهِيّ، فإنَّهُ كِتابٌ جَديرٌ بأنْ يُحَبّ. وَهُوَ، مِنْ جِهَة أُخرى، كِتابٌ حَاسِم. فما يَفعلُهُ المرءُ بالكتابِ المقدَّسِ يَكْشِفُ عَلاقَتَهُ بالله. وقد قالَ يسوع: "اَلَّذِي مِنَ اللهِ يَسْمَعُ كَلاَمَ اللهِ. لِذلِكَ أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَسْمَعُون لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الله".

فإنْ كُنْتَ تَسْمَعُ كلامَ الكتابِ المقدَّس، فإنَّ هذا يُظْهِرُ أنَّكَ تَنْتَمي إلى الله. أمَّا إنْ لم تَكُن تَسْمَعُهُ فإنَّ هذا يُظْهِرُ أنَّكَ لا تَنتمي إليه. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ هُوَ عامِلٌ حاسِمٌ بِمَعنى أنَّهُ يُقَرِّرُ المَصيرَ الأبديَّ للإنسان وعلاقَتَهُ بالله. ويا لهُ مِنْ كتابٍ رائع! فلا يوجد كتابٌ في الوجود وفي الكَوْن يَستطيع أنْ يَقولُ كُلَّ هذه الأشياء عن نفسه وأنْ يُدَعِّمَها بالأدلَّة سِوى الكتاب المقدَّس.

وما الَّذي يَفْعَلُهُ الكتابُ المقدَّسُ لَك؟ وما الَّذي يُقَدِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ لك؟ وما هي المَوارِدُ الَّتي يَجْعَلَها مُتاحَةً لك؟ اسمحوا لي أنْ أَذْكُرَ لكم بَعْضَ هذه الأشياء: أوَّلاً، إنَّهُ مَصْدَرُ الحَقِّ. فنحنُ نقرأ في إنجيل يوحنَّا 17: 17: "كَلاَمُكَ هُوَ حَقّ". فهو الحَقُّ عنِ الحياةِ، والموتِ، والزَّمَنِ، والأبديَّة. وَهُوَ الحَقُّ عنِ السَّماءِ وَجَهَنَّم، والحَقُّ عنِ الصَّوابِ والخطأ، والحَقُّ عنِ الرِّجالِ والنِّساء، والحَقُّ عنِ الشُّيوخِ والأحداث، والحَقُّ عنِ الأطفال، والحَقُّ عن المجتمع، والحقُّ عنْ كُلِّ عَلاقةٍ بينَ اللهِ والإنسان، وكُلِّ علاقةٍ بينَ الإنسانِ والإنسان، وكُلِّ علاقة بينَ الإنسانِ والخليقة. فهو الحَقُّ عن كُلِّ شيءٍ نَحتاجُ إليه.

ثانيًا، الكتابُ المقدَّسُ هُوَ مَصْدَرُ السَّعادة. فنحنُ نَرى العَالَمَ مِنْ حَولِنا يُلاحِقُ السَّعادةَ كالمَسْعور، ويُطارِدُ السَّعادةَ كالمَجنون. ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ ببساطة في سِفْرِ الأمثال 8: 34: "طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَسْمَعُ لِي". وهُناكَ أيضًا البَساطَة في ما قالَهُ يسوعُ في إنجيل لوقا 11: 28: "طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهُ". فهذه هي السَّعادة. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ هو مَصدرُ السَّعادة، ومَصدرُ الحَقِّ أيضًا لأنَّهُ، بصراحة، لا يمكنُ لأيِّ إنسانٍ أن يكونَ أكثرَ سَعادَةً مِنَ الشَّخصِ الَّذي يَكتشفُ الحَقَّ. وقد كنتُ أُشاهِدُ التِّلفزيونَ ذاتَ ليلة فشاهدتُ مُقابلةً معَ سَيِّدة تَعَرَّضَتْ للاغتصاب. وقد قالَ مُقَدِّمُ البَرنامَجِ لها: "ما الَّذي تَعَلَّمتيه مِنْ هذه الحادثة؟" فقالت: "لقد ازْدَدْتُ نُمُوًّا مِنْ خلالِ هذه الحادثة". فقالَ مُقَدِّمُ البَرنامَج: "هذا رائعٌ حقًّا. فهذا هُوَ الهَدَفُ مِنَ الحَياةِ: النُّمُوّ". وأنا أَتَّفِقُ مَعَ هَؤلاءِ في الرَّأيِ بأنَّ غايةَ الحياةِ هي النُّمُوِّ، ولكِنِّي لا أتَّفِقُ مَعَهُم في النُّمُوِّ بالطريقةِ الَّتي يُفَكِّرونَ فيها. فالنُّمُوُّ يَعْني النُمُوّ في مَعرفةِ كلمةِ اللهِ إذْ إنَّ بُطرُسَ يَقول: "انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وكيفَ تَفعلُ ذلك؟ نَقولُ مَرَّةً أُخرى إنَّ الكلمة هي مَصْدَرُ النُّمُوِّ. وبُطرُسُ يَقول في رسالتهِ الأولى 2: 2: "وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ". اسمعوني: إنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ مَصْدَرُ الحَقِّ. والكتابُ المقدَّسُ هُوَ مَصْدَرُ السَّعادةِ. والكتابُ المقدَّسُ هُوَ مَصْدَرُ النُّمُوّ.

ثالثًا، الكتابُ المقدَّسُ هُوَ مَصْدَرُ القُوَّة. فنحنُ عاجِزونَ تمامًا في حياتِنا إنْ لم نَستخدِم كلمةَ اللهِ. فالكتابُ المقدَّسُ هو مَصدرُ قُوَّتِنا: "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْن".

رابعًا، الكتابُ المقدَّسُ هُوَ مَصْدَرُ الإرشاد. فنحنُ نَقرأ في المزمور 119: 105: "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي".

خامسًا: الكتابُ المقدَّسُ هُوَ مَصْدَرُ التَّعزية. فنحنُ نَقرأ في رسالة رُومية 15: 4 عنِ التَّعزيةِ الَّتي نَحْصُلُ عليها مِنَ الكتابِ المقدَّس.

سادسًا، الكتابُ المقدَّسُ هُوَ مَصْدَرُ تَكْميلِنا إذْ نقرأ في رسالة تيموثاوس الثانية 3: 17: "لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلًا فالكتابُ المقدَّسُ هو مَصدرُ أمورٍ كثيرة جدًّا. فهذا الكتابُ الرائعُ المَعصومُ، والمُنَزَّهُ، والذي فيهِ كُلُّ الكِفاية، والكامِل، وذو السُّلطان، والفَعَّال، والحاسِم قادرٌ أنْ يَملأَ حياتَكَ بالحَقِّ والسَّعادةِ والنُّمُوِّ والقُوَّة، وأنْ يَمنحكَ الإرشادَ والتَّعزيةَ ويَجْعَلَكَ كاملاً.

وهُناكَ نُقطة أخرى وهي أنَّ الكتابَ المقدَّسَ هو مَصدرُ النُّصرة على العَدُوّ. وبهذا نَأتي إلى رسالة أفسُس 6: 17. فَسَيْفُ الرُّوحِ (الَّذي هو كلمةُ اللهِ) هو الَّذي يُعطينا السِّلاحَ اللَّازِمَ لمُقاومةِ عَدُوِّنا. وهذا هُوَ، يا أحبَّائي، السَّببُ الَّذي يَدْفَعُني إلى الوَعْظِ بكلمةِ الله. وهذا هو السَّببُ الَّذي يَجعلُنا نُعَلِّمُ بصورة نِظاميَّة كَلِمَةَ الله. لأنَّهُ كَما تَرَوْن، لا يَهُمُّ إنْ كانت كُلُّ تلكَ الأشياء الَّتي ذَكَرتُها عنِ الكتابِ المقدَّسِ صحيحة إنْ لم تتعَلَّمها. فسوفَ يكونُ في مُتناوَلِ يَدِكَ مَصدرٌ غير مُستخدَم. لِذا فإنَّنا نُؤمِنُ بأهميَّةِ أنْ نُعَلِّمَ بِصورة نِظاميَّة [أسبوعًا تلو الآخر تلو الآخر] كَلِمَةَ اللهِ. لماذا؟ لأنَّها هِيَ مَصدرُ الحَقِّ، ومَصدرُ السعادة، ومَصدرُ النُّموّ، ومَصدرُ القوَّة، ومَصدرُ الإرشاد، ومَصدرُ التَّعزية، ومَصدرُ الكَمال، ومَصدرُ النُّصرة.

ونحنُ نَعلمُ مِن خلال رسالة أفسُس والأصحاح 6 أنَّنا في حَرْب. أليسَ كذلك؟ وقد اتَّضَحَ ذلكَ لنا مِن خلالِ الأعداد 10-12. فإذا رَجَعْتُم إلى الأعداد 10-12 ستَرَوْنَ الحربَ الَّتي نَخوضُها. فنحنُ نُصارِعُ الشَّيطانَ وأعوانَهُ. وبصفَتِنا مُؤمِنين، فإنَّ لدينا مَصْدَرا في المسيح. فقد تَبارَكْنا حَرفيًّا بِكُلِّ بَرَكة روحيَّة في السَّماويَّات. ونحنُ نَعْلَم كيفَ ينبغي لنا أنْ نَعيشَ لأنَّ هذا مُوَضَّحٌ لنا في رسالة أفسُس والأصحاحات 4 و 5 و 6. ونحنُ نَعلمُ ما هي مَوارِدُنا لأنَّها مَذكورة في رسالة أفسُس والأصحاحات 1 و 2 و 3. فالموارِدُ موجودة. وقد تَعلَّمنا كيفَ ينبغي أنْ نَستخدِمَها.

ونحنُ نُواجِهُ الآنَ حقيقةً لا مَفَرَّ مِنها وهي أنَّ الشَّيطانَ يُقاومُ ذلكَ التَّطبيق. فالشيطانُ يحاولُ أنْ يُعَطِّلُ إثمارَنا. وهو يريدُ أنْ يَمْنَعَنا مِنَ العَيشِ بحسبِ مَقامِنا. والطريقةُ الَّتي يمكننا مِن خلالها أنْ نَتَغَلَّبَ على مُعَوِّقاتِه هي أنْ نَلْبَسَ السِّلاح. وقد تَحدَّثنا عن مِنْطَقَةِ الحَقِّ في العدد 14 (الَّتي هي التَّكريس). وقد تَحدَّثنا عن دِرْعِ البِرّ (الَّذي هو القداسة). وقد تَحدَّثنا عن حِذاءِ إنجيلِ السَّلام (الَّذي هو الثِّقة في قُدرةِ اللهِ وحُضورِه). وقد تَحدَّثنا عن تُرْسِ الإيمان (الَّذي هوَ الإيمانُ بالله). وقد تَحدَّثنا عن خُوذةِ الخلاص (الَّتي هي الثِّقة في الخلاصِ الأبديِّ الآتي). والآن، نأتي أخيرًا إلى سَيْفِ الرُّوحِ الَّذي هو كَلِمَةُ اللهِ. والآن اسمعوني: لقد كانتْ قِطَعُ السِّلاحِ السَّابقة دِفاعيَّة بصورة رئيسيَّة. ولكِنَّنا نأتي الآنَ إلى قِطعةِ السِّلاحِ الَّتي هي دِفاعيَّة وهُجوميَّة في آنٍ واحد. وقد سَمِعْتُ أُناسًا يقولونَ إنَّها هُجوميَّة فقط. ولكَّنها أكثر مِن ذلك. فهي دِفاعيَّة أيضًا.

والكلمة "سَيْف" المُستخدمة هُنا هي كلمة مُدهشة جِدًّا. فهي في اليونانيَّة: "مَكايرا" (machaira)، وهي كلمة شائعة جدًّا في اليونانيَّة، وكلمة شائعة جدًّا حتَّى في العهد الجديد. وهناكَ كلمة أخرى تَعني "سَيْف" وهي "رومفايا" (rhomphaia). وهي تُشيرُ إلى السَّيفِ الطَّويلِ والعَريضِ الَّذي تَحَدَّثنا عنهُ في الأسبوعِ الماضي. وقد يَبْلُغ طُولُهُ 90 سنتمترًا أو أكثر. وهو سَيْفٌ ذُو حَدَّيْن عَظيمٌ وعَريضٌ يُسْتَخْدَمُ بِكِلتا اليَدَيْن. ولكِنَّ هذه الآية لا تتحدَّثُ عن هذا السَّيف، بل تتحدَّثُ عنِ الخِنْجَرِ أوِ السَّيفِ العاديِّ الَّذي كانَ يَحْمِلُهُ الجُنود، أيْ عنْ "مَكايرا"، وهو خِنْجَرٌ أوْ سَيفٌ قَصيرٌ يَتراوَحُ طُولُهُ بين 15 و 45 سنتمترًا تقريبًا. وكانَ الجُنْدِيُّ يَحْمِلِهُ في قِرابٍ أوْ غِمْدٍ على خَصْرِه. وكانَ يُستخدَمُ في القِتالِ اليَدَوِيّ. وهذا هوَ السَّيفُ المقصودُ هُنا. وبالمُناسبة، الحقيقة هي أنَّ الكلمة "مَكايرا" هي الكلمة المُستخدمة لوصفِ السُّيوفِ في إنجيل مَتَّى 26: 47 والتي كانَ يَحْمِلُها الجُنودُ الرُّومان الَّذي جاءوا للقبضِ على يسوعَ حينَ كانَ في البُستان. فقد كانَ هذا هو السَّيفُ المألوف الَّذي يَحْمِلُهُ الجُنديُّ الرُّومانيّ. وهي نَفسُ الكلمة المُستخدمة لوصفِ السَّيفِ الَّذي استخدَمَهُ بُطرس لِقَطْعِ أُذْنِ عَبْدِ رَئيسِ الكَهَنَة. والكلمة نَفسُها (أيْ: "مَكايرا") هي نفسُ الكلمة المُستخدمة في سِفْرِ أعمال الرُّسُل 12: 2 لوصفِ السَّيفِ الَّذي اسْتُخْدِمَ لِقَتْلِ يعقوب أخي يُوحَنَّا. والكلمة "مَكايرا" هي نفسُ الكلمة المُستخدمة ضِدَّ أبطالِ الإيمان في عبرانيِّين 11. وقد كانت هناكَ خناجِر وسيوف يُشارُ إليها بهذه الكلمة "مَكايرا" لوصفِ السَّيفِ العاديِّ الَّذي كانَ يَستخدمُهُ الجُنود. ولكِنْ في كُلِّ حالة مِنَ الحالات، مِنَ الواضِحِ أنَّ هذا السَّيفَ "مَكايرا" كانَ يُستخدمُ استخدامًا دقيقًا وفَعَّالاً. وقد قَطَعَ بِهِ بُطْرُسُ بِسُهولة أُذْنَ شَخْصٍ. وأنا على يَقينٍ بأنَّهُ لو كانَ يَحْمِلُ سيفًا طويلاً ("رومفايا" “rhomphaia”) لَشَقَّ ذلكَ الشَّخصَ مِنْ أُذْنِهِ إلى إصْبَعِ قَدَمِهِ. أمَّا السَّيفُ القصير ("مَكايرا") فكانَ يُستخدمُ كَسِلاحٍ دَقيق.

وهذا هو السَّيفُ الَّذي قَصَدَهُ بولُس هُنا. فقد كانَ السَّيفَ العاديَّ الَّذي يَستخدِمُهُ الجُنديُّ الرُّومانِيُّ. والآنْ لاحِظوا أنَّهُ يقولُ عَنْهُ في العدد 17 إنَّهُ: "سَيْفُ الرُّوح". والعبارة ("تو نيوماتوس" “tou pneumatos”) يُمكنُ أنْ تُتَرْجَم "سيف الرُّوح". وهي يُمكن أنْ تُتَرْجَمَ حَرفيًّا "سَيْفٌ بواسِطَةِ الرُّوحِ"، أو يُمكن أنْ تُترجَمَ كَصِفَة: "سَيْفٌ رُوْحِيٌّ". فجميعُ هذه الاحتمالات صحيحة. ولكِنْ رُبَّما كانَت أفضل تَرجمَتَيْن هُما كالآتي: أوَّلاً، يمكننا أنْ نَستخدمَ هذه الكلمة كَصِفَة بِمَعْنى "خُذوا ... السَّيفَ الرُّوحِيَّ". وفي هذه الحالة فإنَّ الكلمة "رُوحيّ" لا تُشيرُ إلى الرُّوحِ القُدُس، بل إلى السَّيفِ الرُّوحيِّ لأنَّنا نَعلَمُ جَيِّدًا أنَّ بولُسَ قالَ في رسالة كورِنثوس، في رسالة كورِنثوس الثانية 10: 4 إنَّ أسْلِحَةَ مُحارَبَتِنا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بل رُوحيَّة. وهذا هُوَ المَعنى الَّذي قَصَدَهُ هُنا. لِذا، يجب علينا أنْ نَستخدمَ السَّيفَ الرُّوحيَّ. والحقيقة هي أنَّ العدد 12 يقول إنَّنا نُصارِعُ أَجْنادَ الشَّرِّ الرُّوحيَّة. لِذا فإنَّهُ يَتحدَّثُ هنا عنْ سَيفٍ رُوْحِيٍّ.

ولا شَكَّ أنَّ الحَديثَ كُلَّهُ هُنا رُوْحِيٌّ. فنحنُ نُمَنْطِقُ أَحْقاءَنا بِحزامٍ رُوحِيٍّ، ونَلبَسُ درْعًا رُوحيًّا، وحِذاءً رُوحيًّا، وَتُرسًا روحيًّا، وخُوذةً رُوحيَّة. لِذا، قد تُستخدَم هذه العِبارة بهذا المَعنى. وبالمُناسبة، فإنَّ العبارة ("تو نيوماتوس" “tou pneumatos”) مُستخدَمَة بصيغة الصِّفة في أفسُس 1: 3 و 5: 19. لِذا، فإنَّنا لا نُجانِبُ الصَّوابَ إنْ تَرْجَمْناها هكذا في سِياقِ هذا السِّفْر. ولكِنْ رُبَّما كانَ مِنَ الأفضل (لكي تَكونَ التَّرجمةُ مُنْسَجِمَة مَعَ بَقِيَّةِ أجزاءِ السِّلاحِ) مِنَ الأفضل أن نُتَرجِمَها بصِيغة الإضافةِ بِحَسَبِ الأصل. بعبارة أخرى، فإنَّها تُشيرُ إلى المَصْدَرِ الأصليِّ الَّذي جاءَتْ مِنْه بِمَعْنى: "السَّيْف المُعْطَى مِنَ الرُّوح". لِذا فإنَّهُ "سَيْفُ الرُّوحِ" بِمَعنى أنَّ الرُّوحَ هُوَ الَّذي أَعْطاه. ولكِنْ إذا دَمَجْنا هَذَيْنِ الاحْتِمالَيْن، فإنَّنا نَفهمُ الفِكرة. فَسَيْفُنا رُوْحِيٌّ لأنَّهُ أُعْطِيَ لَنا مِنَ الرُّوحِ القُدُس.

فحينَ آمَنْتَ بالمسيح، أُعْطِيْتَ السَّيْفَ بأيِّ مَعْنىً؟ بِمَعنى حُصولِكَ على الكِتابِ المقدَّس. وقد تقول: "أجل، ولكِنْ حَتَّى غير المُؤمِن قد يكونُ لديهِ كِتابٌ مُقَدَّس". هذا صَحيح. فغيرُ المؤمن قد يَمْلِكُ كِتابًا مُقَدَّسًا، ولكنَّهُ لا يَمْلِكُ سُكْنى مُعَلِّمِ الحَقِّ، أيِ الرُّوح القُدُس الَّذي يَقْدِرُ أنْ يَجعَلَ الكتابَ المقدَّسَ ذا مَعْنى. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ الإنسانَ غيرَ الرُّوحِيَّ لا يَفهمُ الأمورَ المُختصَّةَ بالله. ولِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّاني أنَّ لَنا مَسْحَة مِنَ اللهِ وأنَّنا نَعْلَمُ كُلَّ شيء! فنحنُ لَدينا سُكْنَى مُعَلِّمِ الحَقِّ. فَروحُ اللهِ الَّذي يَسكُنُ في حياةِ المؤمنِ هو الَّذي يَجعلُ كلمةَ اللهِ مُتاحة لَهُ. لِذا، حينَ تَصيرُ مُؤمِنًا فإنَّكَ تَحصُلُ على كلمةِ اللهِ ورُوحِ اللهِ، وكذلكَ تَحْصُلُ على السَّيْف. لِذا فإنَّ السَّيفَ يَصيرُ لنا بِوَصْفِنا مُؤمِنين. ولكِنَّ الأمرَ يَتوقَّف على كيفيَّة تَعَلُّمِ استخدامِ السَّيْف. وأنتُم تَعلمونَ أنَّ جميعَ المؤمنينَ لديهم هذا السَّيف. فهو يَتَمَثَّلُ في الكِتابِ المقدَّس. ونحنُ لدينا سُكْنى رُوحِ الله. لِذا فإنَّهُ سَيفٌ رُوْحِيٌّ. وَهو يَصيرُ سِلاحًا.

اسمعوني، يا أحبَّائي: إنَّ الكتابَ المقدَّسَ في حَياتِكُم هُوَ سِلاح. ولا شَكَّ في ذلك. فهو سِلاح. والأمرُ يَتوقَّف فقط على مَعرفةِ كيفيَّةِ استخدامِه. ومَعرفةُ كيفيَّةِ استخدامِه تتوقَّفُ على مَدى اجتهادِكَ في دِراسةِ كلمةِ الله. لِذا فقد أقامَ بولُسُ ثَلاثَ سَنواتٍ في أفسُس وقال: "لأَنِّي لَمْ أُؤَخِّرْ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِكُلِّ مَشُورَةِ الله". لماذا؟ لأنَّهُ أرادَ أنْ يُعَلِّمَهُم كيفَ يَستخدمونَ السَّيف. وقد أرادَ أنْ يُعطِيَهُم الطَّريقةَ الكاملةَ لكي يَتمكَّنوا مِنَ استخدامِهِ بفاعليَّة.

لِذا فإنَّ لدينا سَيْفًا رُوحيًّا - سيفًا ليسَ مَطْروقًا على سَنْدانٍ بَشَرِيٍّ، ولا مُطَوَّعًا في نِيْرانٍ أرْضِيَّة. بل هو سَيْفٌ مِنْ مَصْدَرٍ إلهيٍّ. وَهُوَ سِلاحٌ قويٌّ، وفَعَّالٌ، ومُدهش يَجْمَعُ جَميعَ تلكَ الأشياءِ الَّتي ذَكَرْتُها قبلَ قليل عنِ الكتابِ المقدَّسِ إذْ إنَّهُ لا يُضاهَى، ولا مَثيلَ لَهُ بِيَدِ المُؤمِن. وَهُوَ قَوِيٌّ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُمكنُ لأيِّ شيءٍ أنْ يُقاوِمَهُ أوْ أنْ يَتفوَّقَ عليه. ولا يمكنني أنْ أنْسَى أنَّني قَرأتُ عَنِ المَلِك "آرثر" والسَّيفِ المَنيع. فهو يَتَوَهَّجُ بِوَهْجِ مَناعَةِ كلمةِ اللهِ بِيَدِ القِدِّيسِ البَارِّ الَّذي يَعرفُ كيفَ يَستخدِمُه. لِذا فإنَّ الكلمة هي سِلاحُنا. وهي قَوِيَّة. فهي قَوِيَّة في رسالة رُومية 1: 16، بل قويَّة جدًّا إذْ نَقرأُ: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَص". فإنْ أَحْسَنْتَ استخدامَ هذا السَّيفِ فإنَّ النَّاسَ سيَخْلُصون. وأنتَ تَستخدِم حَرفيًّا السَّيفَ لِتَخليصِ النُّفوسِ مِنْ مَملكةِ الظُّلمة. وباستخدامِ السَّيفِ، يمكنكَ أنْ تُحْرِزَ انتصاراتٍ ساحِقَة في مَملكةِ الشَّيطان. فهو سِلاحٌ قَوِيٌّ.

وهو قد يُستخدَمَ في إعلانِ الدَّينونة. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ مِنَ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين: "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ". والكلمة "مُمَيِّزة" هُنا مُتَرجمة عنِ الكلمة "كرينو" (krino) ومَعناها: يَحْكُمُ مِنْ خِلالِ تَفَحُّصِ الأدلَّة. فكلمةُ اللهِ تَصيرُ المِعيارَ الَّذي تَسْتَخْدِمْهُ لإعلانِ الدَّينونة على غيرِ المؤمنين. فأنتَ تَكْرِزُ بالكلمة. وهي تُعْلِنُ دَينونةَ اللهِ على حَياتِهِم. وهي تَفْحَصُ وتَزِنُ حَياتَهُمْ بِميزانِ سُلْطَةِ كلمةِ اللهِ لِتُبَيِّنَ لهم حقيقةَ أوْ واقِعَ خَطيئَتِهم.

وهو يَقولُ في الآيةِ الَّتي تَلي ذلك (في عِبرانيِّين 4: 13): "وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ" أَمامَ كَلِمَةِ الله. فقد جاءت كلمةُ اللهِ كَسَيْفٍ يُخَلِّصُ النَّفسَ مِنْ مَلكوتِ الظُّلمة. وقد جاءت كلمةُ اللهِ كَسَيْفٍ يَخْتَرِقُ قُلوبَ البشر، ويَفْتَحُها، ويُظْهِرُ حَقيقَتَها، ويُبَيِّنُ لَهُم خَطاياهُم وآثامَهُم أمامَ اللهِ القُدُّوس. فالكتابُ المقدَّسُ سِلاحٌ قَوِيّ. وَهُوَ قَويٌّ جدًّا حَتَّى إنَّهُ قادرٌ أنْ يُمَيِّزَ الحَقَّ مِنَ الباطِل. وَهُوَ قَويٌّ جدًّا حَتَّى إنَّهُ قادرٌ أنْ يُحَوِّلَ التَّعاسة إلى سَعادة. وَهُوَ قَويٌّ جدًّا حَتَّى إنَّهُ قادرٌ أنْ يُظْهِرَ النُّورَ في وَسْطِ الظُّلمةِ ويُبَيِّنَ لكَ الطَّريق. وَهُوَ قَويٌّ جدًّا حَتَّى إنَّهُ قادرٌ أنْ يُحَوِّلَ الحُزْنَ إلى فَرَح. وَهُوَ قَويٌّ جدًّا حَتَّى إنَّهُ قادرٌ أنْ يُحَوِّلَ الرُّكودَ إلى نُمُوٍّ. وَهُوَ قَويٌّ جدًّا حَتَّى إنَّهُ قادرٌ أنْ يأخُذَ أشخاصًا غيرَ ناضِجينَ في الإيمان وَيَجْعَلَهُم أشخاصًا ناضِجين. فهذا الكِتابُ قَوِيٌّ. هذا الكِتابُ الَّذي نَحْمِلُهُ بينَ أيدينا هُوَ سَيْفُ الرُّوح.

والآنْ، اسْمَحوا لي أنْ أُضيفَ الآتي: إنَّ السَّيفَ سِلاحٌ دِفاعِيٌّ وَهُجومِيٌّ في آنٍ واحد. ولنتحدَّثُ عن قُدرَتِهِ الدِّفاعيَّة. فإنْ رأيتُم يومًا شخصًا يَستخدمُ سَيفًا، لا بُدَّ أنَّكم تَعلمونَ أنَّ السَّيفَ يُستخدمُ لِصَدِّ الضَّرَباتِ وَلتوجيهِها أيضًا. والشَّخصُ الَّذي يَستخدمُ السَّيف يَستخدِمُهُ مَعَ ذلكَ الجُزءِ الَّذي يُغَطِّي يَدَهُ لكي يَحمي نَفسَهُ مِنْ ضَرَباتِ عَدُوِّهِ. والطريقةُ الَّتي تَستخدِمُ فيها كلمةَ اللهِ دِفاعيًّا مُهِمَّة جِدًّا حَقًّا. فالشيطانُ يأتي لمهاجمتِكَ بتجارِبِه. وهو يأتي لمُهاجمتكَ بأساليبِه. ويُمكِنُكَ حَرفيًّا أنْ تَصُدَّ ضَرَباتِهِ مِن خلالِ الاستخدامِ الصَّحيحِ لكلمةِ الله.

فمثلاً، نَرى رَبَّنا في إنجيل مَتَّى والأصحاح 4، وفي إنجيل لوقا والأصحاح 4، عندما جاءَ الشَّيطانُ إليهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ وهاجَمَهُ ثلاثَ مَرَّاتٍ بثلاثِ تَجاربَ مُباشِرَة: الأولى هي ألَّا يَثِقَ بالله: "قُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا. لا تَنتظر أنْ يَسُدَّ اللهُ احتياجاتِكَ، بل افعل ذلكَ بنفسك". وقدِ اقتبسَ يَسوعُ آيةً تَرتبطُ ارتباطًا مُباشرًا بتلكَ التَّجربة مِنْ سِفْرِ التَّثنية. ثُمَّ جاءَ الشَّيطانُ مَرَّة ثانية وقال: "فَضْلاً عن ذلك، سوفَ أُجَرِّبُكَ الآنَ بأنْ تَثِقَ باللهِ بطريقةٍ خاطئة. اطْرَحْ نَفْسَكَ مِنْ فَوْقِ الهَيكل وَدَعْهُ يُنَجِّيك". وقدِ استخدَمَ يَسوعُ آيةً أخرى مِنْ سِفْر التَّثنية تُلائِمُ تمامًا تلكَ التَّجربة. وفي المَرَّة الثالثة: "اسْجُد لي". وقدِ استخدَمَ يَسوعُ آيةً أخرى تُلائِمُ تمامًا تلكَ التَّجربة. بعبارة أخرى، فقدِ استخدَمَ سَيْفَ ("مَكايرا" – “machaira”) الكلمة. فهو لم يُلَوِّح بالسَّيفِ عَشوائيًّا، بلِ استخدَمَهُ بِدِقَّة للتَّعامُلِ معَ التَّجربة المُحَدَّدة الَّتي جَرَّبَهُ الشَّيطانُ بها. اسمعوني: يجب عليكم أن تكونوا قادرينَ على حِمايةِ أنفُسِكُم مِنْ أيِّ زاوية تأتي التَّجربة مِنها.

فهناكَ مؤمِنونَ لديهم كُتُبٌ مُقَدَّسة، ويَجلسونَ في الكنائِسِ، ويَحضرونَ الدُّروسَ، وحَتَّى إنَّهُم يَقرأونَ الكِتابَ المقدَّسَ؛ ولكنَّهم لا يَعرفونَ حقًّا المبادئَ ولا يَعرفونَ كيفَ يُوْقِفونَ الهُجومَ الَّذي يأتي مِنْ هذه الزَّاويةِ أوْ تِلْك. وقدِ اكتشفتُ دائمًا أنَّ الشَّيطانَ سَيُباغِتُكَ في المَوْضِعِ الَّذي لا تَمْلِكُ فيهِ مَعلومات، وَيُهاجِمُكَ مِنْهُ. وقد سَمِعتُ أُناسًا كثيرينَ جدًّا يقولون الشَّيءَ نَفْسَهُ: "لم أَكُن أعلمُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُ ذلك، وإلَّا لما فَعلتُ ذلك". وَهُمْ يُوْقِعونَ أنفُسَهم في مَتاعِب لم يَكونوا لِيَقَعوا فيها لو أنَّهم كانوا يَعرفونَ الحَقَّ. لِذا، استخدم الكِتابَ المقدَّسَ كَسِلاحٍ دِفاعِيّ. وَتَعَلَّم كيفَ تُطَبِّق كُلَّ جُزْءٍ مُحَدَّدٍ مِنْ كلمةِ اللهِ في كُلِّ تَجْرِبَة مُحَدَّدة.

واسمحوا لي أنْ أُخْطُو خُطوةً أخرى. لاحِظوا في نهاية العدد 17 أنَّهُ يقول: "وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ". والكلمة "كَلِمَة" هُنا هي ليست "لوغوس" (logos). فالكلمة "لوغوس" مُصطلح يَعني الكلمة الَّتي تُستخَدمُ بالمَعنى الشَّامِل أوِ العامّ. فكلمةُ اللهِ هِيَ المَعنى العامّ. ولكِنَّ الكلمة المستخدمة هنا هي "ريما" (rhema)، وهي تَعني جُملة مُحَدَّدة. وهي ليست حَديثًا عن مَعرفة عامَّة، بل هي حَديثٌ عن جُملة مُحَدَّدة. فَسَيْفُ الرُّوحِ هو جُمُلة مُحَدَّدة قالَها اللهُ. وإنْ لم تَكُن تَعرِفُ ما يَقولُهُ اللهُ تَحديدًا عنْ تلكَ التَّجرِبة، لا يمكنكَ أنْ تَتعامَلَ مَعَها. لِذا، يجب عليكَ أنْ تَتعلَّمَ أنْ تَعرفَ كلمةَ اللهِ بِمُجْمَلِها لكي تَعْرِفَ التَّفاصيلَ الدَّقيقة. لِذا، عندما أُعَلِّمُكم الكتابَ المقدَّسَ، لا أريدُ فقط أنْ أقرأَ لكم مَقْطَعًا مِنَ الكتابِ المقدَّسِ وأنْ أَحْكي لكم ثَلاثَ حِكاياتٍ، ثُمَّ أَصْرِفَكُم. فما أحاولُ أنْ أفعلَهُ هو أنْ أُعَلِّمَكُم المبادئَ الموجودة في النَّصِّ لأنَّ المبادئَ هي الجُملة المُحَدَّدة الَّتي يُريدُ اللهُ مِنكم أنْ تَفهموها لكي تَضَعوها في تَرْسَانَتِكُم لاستخدامِها ضِدَّ الشَّيطان.

اسمعوني، يا أحبَّائي: يجب عليكم أنْ تَتعلَّموا مبادئَ كلمةِ اللهِ. لِذا، يجب عليكم أنْ تَدرِسُوا لكي تُزَكُّوا أنفُسَكُم أمامَ اللهِ. وهل تَذكرونَ أولئكَ الأشخاصَ المذكورينَ في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 12 الَّذينَ غَلَبوا بِدَمِ بِدَمِ الخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِم؟ فأنتُم ستَغلِبونَ الشَّيطانَ حينَ تَعرفونَ الكلمة. أَتَرَوْن؟ ويمكنكم أنْ تَشْهَدوا عن ذلك. لِذا، مِنْ جِهَةِ الدِّفاعِ عن أنفُسِنا، فإنَّنا نَتَّكِلُ على مَعرفتِنا بكلمةِ اللهِ. والسَّببُ في أنَّ مؤمنينَ كثيرينَ جدًّا يَقَعونَ في التَّجرِبة هو أنَّهم لا يَعرفونَ كيفَ تتعامَل كلمةُ اللهِ معَ الأشياء. فَهُمْ ليسوا مُؤهَّلينَ لاستخدامِ السَّيف. والآنْ، أنتُم تَمْلِكونَ السَّيفَ. ولكِنْ يجب عليكم أنْ تَتأهَّلوا لاستخدامِهِ بالطَّريقةِ الصَّحيحة.

ثانيًا، إنَّهُ سِلاحٌ هُجومِيٌّ. وأنا أُحِبُّ أنْ أُفَكِّرُ فيهِ بهذه الطَّريقة. وأنا أَستخدِمُ كلمةَ اللهِ في حياتي للدِّفاعِ عن نفسي مِنْ هَجَماتِ الشَّيطان. وعندما يُحاولُ الشَّيطانُ أنْ يُهاجِمَني بالإحباطِ فإنَّني أُفَكِّرُ في آياتٍ تَتحدَّثُ عن ذلك. وقد جاءَ إليَّ رَجُلٌ بعدَ الخِدمةِ الأولى في هذا الصَّباحِ وقال: "ما الآياتُ الكِتابيَّةُ الَّتي تَستخدِمُها حينَ تَحْزَن؟" وقد أَجَبْتُهُ عن ذلكَ السُّؤال. فقال: "حسنًا. وما الآياتُ الكِتابيَّةُ الَّتي تَستخدِمُها حينَ تُريدُ أنْ تُجَدِّدَ تَكريسَكَ؟" وقد كانَ يَسألُني الأسئلة الصَّحيحة. فهل تَعرِف أينَ تَذْهَب للدِّفاعِ عن نفسِك في وَجْهِ الحُزْنِ، وللدِّفاعِ عن نفسِكَ في وجهِ الإحباطِ، وللدِّفاعِ عن نفسِكَ في وجهِ ضُعْفِ التَّكريس، وفي وَجْهِ التَّجربة المُختصَّة بشهوةِ العُيونِ، وشَهوةِ الجَسَدِ، وَتَعَظُّمِ المعيشة؟ فهل تَعرفُ كيفَ تُدافِعُ عن نفسِكَ في وجهِ هذه الأشياء؟ فهكذا تَستخدِمُ سَيْفَ كلمةِ اللهِ دِفاعيًّا. ولكِنْ ماذا عنِ الهُجوم؟ هذا هوَ الجُزْءُ المُمْتِع. وأنا مَسرورٌ لأنَّ السَّيفَ يُستخدَمُ بالطَّريقَتَيْن لأنِّي أَكْرَهُ أنْ أعيشَ حياتِي بأسْرِها مُحاوِلاً أنْ أُدافِعَ عن نفسي. فهذا أُسلوبٌ قديم. لِذا فإنَّني أكونُ هُجوميًّا بينَ الحينِ والآخر. ولِذا فإنَّني أُحِبُّ أنْ أَعِظ، لأنَّني حينَ أَعِظ فإنِّي لا أَمْلِكُ وقتًا لأيِّ تَجربة. فأنا لا أَلْهُو هُنا. بل أنا أَحْمِلُ سَيفي الهُجوميِّ وأحاولُ أنْ أَتَوَغَّلَ أكثرَ وأُسيطرَ على مَناطِقَ أوسَع في مَملكةِ الشَّيطان. وهذا أمرٌ مُدهش.

ففي كُلِّ مَرَّةٍ أُقَدِّمُ فيها الإنجيلَ لشخصٍ غير مُخَلَّص، أَرى نفسي حامِلًا السَّيفَ وَمُلوِّحًا بِهِ في مَملكةِ الشَّيطان. وفي كُلِّ مَرَّة يَخْلَصُ فيها شخصٌ، أَرى جُرْحًا في مَملكةِ الظُّلمةِ الخاصَّة بإبليس. وعندما تَقفونَ وتُعلِنونَ كلمةَ اللهِ، أو تُعَلِّمونها لأبنائكم، أوْ تُكَلِّمونَ بها أصدقاءَكُم، أو تَتحدَّثونَ بها في مَكانِ عَمَلِكُم، أو تَتحدَّثونَ معَ التَّلاميذِ الآخرينَ في المدرسة عنها، أو تَقِفونَ على مِنْبَرٍ كهذا وَتَعِظونَ بها، فإنَّكُم تَحْمِلونَ بينَ أيدكم كلمةَ اللهِ كَسِلاحٍ هُجومِيٍّ وتَقْطَعونَ بها الأشجارَ وتَتَوَغَّلونَ أكثر في مَملكةِ الشَّيطان. وأنا أُحِبُّ أنْ يُقابِلَني شخصٌ مُشَوَّشٌ بخصوصِ شيءٍ ما في المُجتمع فأقولُ لَهُ: "إليكَ ما يَقولُهُ اللهُ" ثُمَّ أُهاجِمُ النِّظامَ بسيفِ الكلمة. وأنا أُحِبُّ أنْ أكونَ قادرًا على الوقوفِ ضِدَّ العَدُوِّ لأقول: "هذا هُوَ مَا يُعْلِنُهُ حَقُّ اللهِ".

والشَّيطانُ يَعلمُ أنَّ الكلمة فَعَّالة. لِذا فإنَّهُ يُحاولُ أنْ يُوقِفَها. انظروا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 13. فالشَّيطانُ مُستعدٌّ لِعَمَلِ أيِّ شيءٍ لإسْكاتِ هؤلاءِ الَّذينَ يَكْرِزونَ بالكلمة. وهو مُستعدٌّ لِعَمَلِ أيِّ شيءٍ لِهَدْمِ ما يَفعلونَهُ. وهل تَذكرونَ المَثَلَ الَّذي قالَهُ يسوعُ عنِ الزَّارِعِ والزَّرْع؟ ونحنُ لا نَمْلِكُ الوقتَ الكافي للتحدُّثِ عنهُ بالتَّفصيل الآن، ولكنَّنا سنَفعلُ ذلكَ لاحِقًا في سِلْسِلَتِنا الدِّراسيَّة عن إنجيلِ مَتَّى. ولكنِّي أريدُ أنْ تَرَوْا شيئًا يَختصُّ بالموضوعِ الَّذي نَتحدَّثُ عنهُ في هذا الصَّباح: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ الْبَيْتِ وَجَلَسَ عِنْدَ الْبَحْرِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ السَّفِينَةَ وَجَلَسَ. وَالْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى الشَّاطِئِ. فَكَلَّمَهُمْ كَثِيرًا بِأَمْثَال قَائِلاً: «هُوَذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ، وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ، فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَــنَبَتَ حَالاً إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ. وَلكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الشَّوْكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ»".

والآنْ، في وقتٍ لاحِق، في العَدَد 19 وما يَليه، يُبَيِّن يَسوعُ مَعنى هذا المَثَل. ولكِنْ ابْقوا حيثُ أنتُم قليلاً لكي أُبَيِّنَ لكُم ذلك. فالزَّارعُ هو الواعِظُ أوْ أيّ شخصٍ لَديهِ كلمةُ الله. والزَّرْعُ هو كلمةُ الله. فأنتَ تَخرجُ وَتَزْرَعُ الكلمة. وبِمَعْنى مِنَ المَعاني فإنَّكَ تَستخدِمُ سَيْفَكَ. وما النَّتيجة؟ إنَّكَ تَسْتَخْدِمُ سَيفَكَ استخدامًا صحيحًا فَتَحْدُثُ أُمورٌ. ونَقرأُ في العدد 8: "وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِين". لِذا فإنَّ الشَّيطانَ يَعلمُ أنَّ الكلمة قادرة أنْ تَفعلَ ذلك. والشَّيطانُ مُنْهَمِكٌ في مُحاولةِ تَعطيلِ ذلك. لِذا، عندما تَزْرَعُ البُذورَ وَتَسْقُطُ مَثَلاً (كما جاءَ في العدد 4) على الطَّرِيق، فإنَّ الطُّيورَ تأتي مُباشرةً وتأكُلُها. ويبدو لي أنَّ هذهِ الطُّيورَ تُشيرُ إلى الأرواحِ الشَّيطانيَّةِ الشِّرِّيرة. فهي تأتي وَتَخْطَفُ الكلمة بعيدًا لكي يَنْسى المَرْءُ ما سَمِعَهُ. فقد يأتي شخصٌ ويَسمعُ الكلمة. فرُبَّما تَحَدَّثْتَ أنتَ إلى ذلكَ الشَّخص، أوْ وَعَظْتُ أنا، أوْ أيًّا كانَتِ الحال؛ ولكِنَّهُ يَمْضي ويَنْسى ما سَمِعَهُ. فالشَّيطانُ يَخْطَفُ الكلمةَ مِنْ أذهانِهِم.

مِنْ جهة أخرى، فإنَّ العدد 5 يقول: "وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَمَاكِنِ المُحْجِرَة". وماذا حَدث؟ "حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَنَبَتَ حَالاً إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ. وَلكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ". وفي مَقطعٍ لاحقٍ مِنَ الأصحاح، يَقولُ رَبُّنا إنَّ هذا يَرْمِزُ إلى الاضطهاد. وهناكَ مَنْ يأتي ويقول: "إنَّ الدِّيانة المسيحيَّة مُدهشة. فأنا أسمعُ ما تَقولُهُ عَنِ الحَقِّ الكِتابِيِّ". ولكِنْ عندما يَجْلِبُ الشَّيطانُ مَتاعِبَ في حياتِهم فإنَّهم يقولون: "أنتَ يا الله لستَ إلهًا صَالِحًا في نِهايةِ المَطاف". وهكذا فإنَّهم يَعْثُرونَ وَيَبتعدونَ تحتَ الضَّغْطِ أوِ الاضطهادِ أوِ الضِّيقةِ أوْ مَا شَابَهَ ذلك.

وأخيرًا "سَقَطَ آخَرُ عَلَى الشَّوْكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ". ويَقولُ رَبُّنا إنَّ هذا النَّوعَ مِنَ النَّاسِ يأتونَ ويُؤمِنونَ قليلاً، ولكِنَّ غُرُورُ الغِنَى يُعْثِرْهُم. فَهُم لا يُبْدونَ أيَّ استعدادٍ لِرَفْضِ النِّظامِ الشِّرِّير. فَهُمْ يُريدونَ العالم. لِذا فإنَّهم يَتركونَ الكلمة. ولكِنَّ النُّقطةَ الَّتي أُريدُ أنْ أُبَيِّنَها لكم هي أنَّ الشَّيطانَ مُنْهَمِكٌ في عَمَلِه. فَسَواءٌ التْجأَ إلى أُسلوبِ تَوجيهِ أنْظارِ النَّاسِ إلى العالمِ، أوْ إلى أُسلوبِ الاضطهادِ في حياةِ النَّاسِ، أو إلى أُسلوبِ خَطْفِ الكلمة لكي لا يَتذكَّروها، فإنَّهُ يريدُ أنْ يُوْقِفَ زَرْعَ البُذور. لماذا؟ لأنَّهُ يَعلمُ أنَّهُ إنْ وَجَدَتْ هذه البُذورُ أرضًا جَيِّدَةً فإنَّها ستُثْمِر. وإليكُم النُّقطة المُدهشة: إنْ لم أَكُنْ أُوْمِنُ بأنَّ كلمةَ اللهِ تُثْمِر، فإنَّني سأتوقَّف عنِ الوعظِ وأفعلُ شيئًا آخر. ولكِنَّ الشَّيءَ الرَّائعَ جِدًّا هو أنَّكَ تُدْركُ أنَّ هذا هو ما يَحدث حينَ تَكْرِزُ بها لأنَّ كلمةَ اللهِ لا تَرْجِعُ إليهِ فارغة، "بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ".

فهذه الكلمة فَعَّالة، يا أحبَّائي، بل هي فَعَّالة جِدًّا حتَّى إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّها تَرُدُّ النَّفسَ. فلا يوجد كَلامٌ بَشَرِيٌّ يَقدر أنْ يَتصدَّى لِقُوى الشَّرِّ الروحيَّة؛ ولكِنَّ كلمةَ اللهِ هي الوحيدة القادرة على القيامِ بذلك. لِذا فإنَّ السَّيفَ دِفاعِيٌّ، كما نَعلم، للدِّفاعِ عن أنفُسِنا. وَهُوَ هُجومِيٌّ حينَ نَخرجُ ونُهاجِمُ سُلطانَ الظُّلمةِ الخاصّ بالشَّيطان. ومَرَّةً أخرى، أودُّ أنْ أُذكِّرَكم بأنَّه حينَ تَستخدمونَ كلمةَ اللهِ بطريقة هُجوميَّة، يجب أنْ تكونَ مُحَدَّدة. فهل دَخَلْتُم يومًا في نِقاشٍ مع شَخصٍ ولم تتمكَّنوا مِنَ الإجابةِ عن أسئلته لأنَّكم لا تَعلمونَ ما الَّذي يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن بعضِ الأمور؟ فهناكَ أشخاصٌ يقولون: "أنا أرغبُ في أنْ أَشْهَدَ، ولكنِّي أخْشى ألَّا أتمكَّنَ مِنَ الرَّدِّ على الأسئلة. فقد يسألني شخصٌ سؤالًا وأقولُ له: ’لا أدري‘". ولكِنْ لا بأسَ في أنْ تقولَ ذلك إنْ لم تَكُن تَعرفُ الإجابة. ولكن اذهب وابحث عنها. وإنْ أردتُم أنْ تكونوا فَعَّالينَ في التَّواصُلِ معَ الآخرين، يجب عليكم أنْ تَعرفوا الكلمةَ وأنْ تَعْكِفوا على الكِرازةِ بها في وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. أليسَ كذلك؟ "مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ". أيْ لكي يكونَ لديكم جَواب (كما يَقولُ بُطرس). فيجب علينا أنْ نَعرفَ كلمةَ الله.

ويقول "وولتر مارتن" (Walter Martin): "إنَّ مأساةَ المسيحيَّة هي أنَّ الشَّخصَ الَّذي يَتدرَّبُ تِسعينَ يومًا على أيدي شُهودِ يَهْوَه قد يَنْجَحُ في زَعْزَعَةِ إيمانِ مُؤمنٍ مَسيحيٍّ في ثلاثينَ دقيقة". وفي حالاتٍ كثيرة، قد يكونُ هذا صحيحًا. فنحنُ لا نَعرفُ الكلمة كما ينبغي. ولأنَّنا لا نَعرفُها كما ينبغي، فإنَّنا نَعْجَزُ عنِ الدِّفاعِ عن أنفسِنا ونَعجزُ عنِ استخدامِها كَسِلاحٍ هُجومِيّ. ولكِنْ كُلَّما عَرَفتَ الكلمة أكثر، زادَتْ مِساحةُ الأرضِ الَّتي تَحْتَلُّها في مَملكةِ الشَّيطانِ لأنَّ كلمةَ اللهِ تُقَدِّمُ الإجاباتِ الحاسمة في وَجْهِ أكاذيبِ الشَّيطان. لِذا فإنَّنا بحاجة إلى مَعرفةِ الكلمة. وإليكم هذا التَّوضيح: نحنُ نَقتبِسُ غالبًا رُومية 10: 17 بالطَّريقة التَّالية: "إِذًا الإِيمَانُ بالسَّماع، والسَّماعُ بِكَلِمَةِ الله". وهذه هي إحدى الطُّرُق الشَّائعة لاقتباسِ هذه الآية لأنَّها تَرِدُ هكذا في بعضِ التَّرجمات. ولكِنَّ النَّصَّ اليُونانِيَّ لا يَذْكُرُها هكذا. "الإِيمَانُ بالسَّماع، والسَّماعُ بِكَلِمَةِ الله". فهذه الجُملة عامَّة جدًّا. فهل تَعني أنَّ الإيمانَ المُخَلِّص يمكن أنْ يأتي نَتيجة سَماعِ أيِّ جُزءٍ مِنْ كلمةِ الله؟ وهل تَعني أنَّكَ قد تَقرأ أيَّ آيةٍ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ (أيَّ آية وَحَسب) وأنَّ الإيمانَ قد يأتي نَتيجَة سَماعِها؟ لا. فالنَّصُّ اليونانيُّ يقول: "الإِيمَانُ بِسَماعِ جُملة مُحَدَّدة" ["ريما" – “rhema”]. فهي جُملة مُحَدَّدة عنِ المسيح ["كريستوس" – “Christos”].

فالإيمانُ لا يأتي نَتيجةَ شيءٍ عَامّ، بل يأتي مِن خلالِ جُملة مُحَدَّدة عنِ المسيح. فلا يُمكن أنْ يَخلصَ النَّاسُ إلَّا إذا سَمِعوا أنَّ يسوعَ المسيحَ ماتَ وقامَ ثانيةً في اليومِ الثالثِ لأجلِ تَبريرِهم. فيجب أن تكونَ هناكَ دِقَّةٌ في الاستخدامِ الهُجومِيِّ للكلمة، ودِقَّةٌ في استخدامها دِفاعِيًّا. ولا مُبَرِّرَ البَتَّة في أنْ نكونَ ضَحايا لإبليس. ومأساةُ المآسي هي أنْ يكونَ قد مَضى على إيمانِ شخصٍ ما وقتٌ طويلٌ دونَ أن يكونَ قادرًا على استخدامِ هذا المصدرِ العَظيمِ الَّذي أعطانا اللهُ إيَّاه بِنِعْمَتِه. وقد تقول: "ولكِنِّي أريدُ أن أقولَ لكَ إنِّي حاولتُ أنْ أَفهمَ الكِتابَ المقدَّسَ ولم أستطِع". اسمعوني: لا أريدُ أنْ أَسمعَ أيًّا مِنْ هذا الكلامِ الفارِغ. لا تَقُل لي إنَّكَ لا تَفْهَمُ الكِتابَ المقدَّس. فاللهُ لم يُعْطِكَ فقط الكتابَ المقدَّسَ، بل وَضَعَ أيضًا في قلبِكَ سُكْنى المُعَلِّمِ الحَقيقيِّ. وهو سيُعلِّمُكَ إيَّاه إنْ خَضَعْتَ لتَعاليمِه.

فلا أحدَ يستطيعُ أنْ يَتَذَرَّعَ بِجَهْلِه: "أنا لا أفهمُ تلكَ الكلماتِ الكبيرة". بَلى، يمكنكَ أنْ تَفهَمَها. فاللهُ سَيُمَكِّنُكَ مِنْ فَهْمِها بالقدرِ الَّذي تحتاجُ إلى فهمِه لكي تُحَقِّق النُّصرة. فالأمرُ ليسَ صَعبًا كما تتخيَّل. فأنا أَفهمُها. وأنا أعملُ جاهدًا لأجلِ ذلك. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. هذا هو كُلُّ ما في الأمر. وإنْ كانَتْ هناكَ نتيجة جَيِّدة فإنَّ هذا مُؤشِّرٌ على أنَّ الشَّخصَ قد بَذَلَ جُهدًا كبيرًا فيه. وهكذا هي الحالُ في حياتِك. فَمُجَرَّدُ امتلاكِكَ لِكِتابٍ مُقَدَّسٍ لا يَعني أنَّكَ تَمتلكُ سَيفًا. فقد تَمتلكُ مُستودَعًا مِنَ الكُتُبِ المُقدَّسَةِ ولكِنَّكَ لا تَمْلِكُ سيفًا – إنْ لم تَكُن تَعرفُ كيفَ تَستخدم الكتابَ المقدَّسَ دِفاعيًّا وهُجوميًّا. وقد أعطانا يسوعُ نَموذَجًا إذْ قال: "ما الَّذي يقولُهُ الكتابُ المقدَّس؟" فهكذا ينبغي أنْ تَعيشوا حياتَكُم. وهكذا ينبغي أنْ تُواجِهوا التَّجارِب. وهكذا ينبغي أنْ تَخدِموا. فنحنُ نقرأ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 17 أنَّ أَهْلَ بِيريَّة كانوا أَشْرَفَ مِنَ الآخرينَ لأنَّهم كانوا يَفْحَصونَ الأسفارَ المُقَدَّسَة. وهذا شَرَفٌ حَقيقيّ.

وقد كَتَبَ كاتِبُ السِّيرةِ الذَّاتيَّة لمارتِن لوثر: "كانَ لوثر مُحْتَجَزًا في الظُّلمة مِنْ قِبَلِ الشَّيطان مَعَ أنَّهُ كانَ كاهِنًا. وكانَ يُحاولُ أنْ يُخَلِّصَ نَفسَهُ بالأعمال. فقد كانَ يَصومُ ويَعْرَقُ ويُصَلِّي؛ ولكنَّهُ كانَ في حالٍ يُرْثَى لها، ولم يكن سعيدًا، وكانَ يَعيشُ في عُبوديَّة دائمة. فقد كانَ أَسيرَ التَّعاليم الخُرافِيَّة لكنيسةِ رُوما الكاثوليكيَّة. ولكنَّهُ تَحَرَّرَ مِن خلالِ كلماتِ الكتابِ المقدَّسِ الَّتي تقول: ’أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا‘. ومِنْ تلك اللَّحظة فصاعدًا، ابتدأَ يَفهمُ هذه الكلمة كما لم يَفهمها مِنْ قَبل. وكُلَّما زادَ فَهْمُهُ لها، زادت قُدرَتُهُ على رُؤيةِ الأخطاءِ الَّتي تُعَلِّمُها كنيسةُ رُوما. وقد رأى خَطَأَ مُمارَساتِ تلكَ الكنيسة وصارَ أكثرَ إصْرارًا على إصْلاحِها. وقد راحَ يَعْمَلُ كُلَّ ما في وُسْعِهِ لتفسيرِ الكتابِ المقدَّس. وقد وَقَفَ كِبارُ اللَّاهوتيِّينَ في كنيسةِ رُوما ضِدَّهُ. وقد اضْطُرَّ أحيانًا إلى الوقوفِ أمامَهُم وحدَهُ وإلى مواجَهَتِهِم بِشِدَّة، ولكنَّهُ بَقِيَ صامِدًا في دِفاعِهِ عنِ الكتابِ المقدَّس. وقد استمرَّ في القولِ إنَّ الكنيسة ليست أعلى مِنَ الكتابِ المقدَّس. وقد قالَ إنَّ المِعيارَ الَّذي تَقيسُ بِهِ حَتَّى الكنيسة هُوَ الكِتابُ المقدَّس. ومعَ أنَّهُ كانَ رَجُلاً واحدًّا في البداية، ويَقِفُ وحيدًا، فإنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ مُقاومةِ النِّظامِ البَابويِّ واثْنَي عَشَرَ قَرْنًا مِنَ التَّقليد. وقد فَعَلَ ذلكَ مِنْ خلالِ حَمْلِ سَيْفِ الرُّوحِ الَّذي هُوَ كَلِمَةُ الله".

اسمعوني: لم يكن الإصلاحُ سيَحدُث لو أنَّ هذا الرَّجُلَ الواحِدَ لم يقف في وجهِ اللَّاهوتِيِّينَ المُثَقَّفينَ التَّابعينَ للنِّظامِ البابويِّ بِكُلِّ أخطاءِ هذا النِّظامِ، ولو لم يَتَصَدَّى لِحُجَجِهِم باستخدامِ كلمةِ الله. وقد فَعَلَ آباؤُنا البروتستنت في هذا البلد الشَّيءَ نَفْسَهُ. وقدِ استخدموا السِّلاحَ نَفسَهُ مِرارًا وتَكرارًا. وقد فَعَلَ الطَّهورِيُّونَ ذلك. وكما تَعلمون، فقد قَرَّروا في بدايةِ الحركةِ البروتستنتيَّة أنَّهُ يجب على كُلِّ مُؤمِنٍ أنْ يَمْلِكَ كِتابًا مُقَدَّسًا. لماذا؟ لأنَّكَ إنْ لم تكن تَملِكُ كِتابًا مُقدَّسًا فإنَّكَ لا تَمْلِكُ سَيفًا. وقد تَعَهَّدَ "تينديل" (Tyndale) بأنْ يَجْعَلَ كُلَّ حَرَّاثٍ وكُلَّ صَبِيٍّ يَجُرُّ مِحْراثًا قادرًا على قراءةِ الكتابِ المقدَّسِ وفَهْمِه لحمايتهم مِنَ انتهاكاتِ فَترةٍ أُخرى مِنَ العُصورِ المُظْلِمَة. وقد قال: "إنَّ الطَّريقةَ الَّتي تَجعلُ النَّاسَ أقوياء هي بأنْ نُزَوِّدَهُمْ بمعرفةِ كلمةِ اللهِ". وقد كان ذلكَ الحَرْصُ العَظيمُ على المَعرفة الصَّحيحة للكتابِ المقدَّسِ هو الَّذي أَدَّى إلى إصْدارِ تَرجمة مَوثوقة للكتاب المقدَّسِ بِلُغَتِكَ وَلُغَتي. ولا يَسَعُنا إلَّا أنْ نَشْكُرَ اللهَ على هؤلاءِ الأشخاص. فَمِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ نَعرفَ كَلِمَةَ الله. ومِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ نَفعلَ ذلك إنْ أرَدْنا أنْ نَنتصرَ في المعركة.

وقد كانَ "إتش.بي. باركر" (H. P. Barker) بارِعًا جِدًّا في استخدامِ الأمثلة التَّوضيحيَّة. وذاتَ يومٍ، وَصَفَ نَفسَهُ يَنظرُ مِنَ النَّافذةِ ويُشاهِدُ حَديقةً تَكْثُرُ فيها النَّباتاتُ والأزهار. وقد قال: "لقد رأيتُ ثلاثةَ أشياء في الحديقة. أوَّلاً، رأيتُ فَراشَةً. وكانتِ الفَراشةُ جميلة. وكانتِ الفَراشةُ تُلازِمُ إحْدى الأزهارِ قليلاً، ثُمَّ تَطيرُ إلى زَهرةٍ أخرى، ثُمَّ تَطيرُ إلى زَهرةٍ أخرى. فقد كانت تَقِفُ ثانية أو ثانيتين فقط على الزَّهرة قبلَ أنْ تَطيرَ إلى غَيْرِها وَتُلامِسَ أكبرَ عَدَدٍ مُمكنٍ مِنَ الرَّحيق؛ ولكنَّها بِكُلِّ تأكيد لم تَكُن تَحْصُلُ على أيِّ فائدة منها". وهو يُتابعُ قائلاً: "ثُمَّ إنَّني بَقيتُ أتأمَّلُ فَترةً أطول مِنْ وراءِ نافذتي فرأيتُ عَالِمًا نَباتيًّا قد جاء. وكانَ العالِمُ النَّباتِيُّ يَحملُ دَفترًا كبيرًا تحتَ إبْطِهِ وَعَدَسَةً مُكَبِّرَةً كبيرة. وكانَ العَالِمُ يَنْحَني فوقَ نَبْتَة مُعَيَّنة ويَتأمَّلُ فيها مُطُوَّلاً، ثُمَّ كانَ يُدَوِّنُ مُلاحظاتِهِ في دَفتَرِه. وقد بَقِيَ هُناكَ ساعاتٍ عديدة يَكتُب المُلاحظات، ثُمَّ أَغْلَقَ الدَّفتر، وَوَضَعَهُ تحتَ إبْطِهِ، وَوَضَعَ العَدَسَةَ المُكَبِّرَةَ في جَيبِهِ، وَمَضى". ثُمَّ إنَّهُ قال: "أمَّا الشَّيءُ الثَّالثُ الَّذي رأيتُهُ فهو نَحْلَة، نَحلة صغيرة وحَسْب. ولكِنَّ النَّحلة كانت تَنْزِلُ على زَهْرَة، وَتَغوصُ عَميقًا في الزَّهرة، وتَأخُذُ أكبرَ كَميَّةٍ مِنَ الرَّحيق. وقد كانت تأتي جائعةً في كُلِّ مَرَّة وتُغادِرُ شَبْعانَةً.

وقد قالَ "إتش. بي. باركر": "وهكذا هي حالُ النَّاسِ مِنْ جِهَةِ تَعامُلِهِمْ مَعَ الكتابِ المقدَّس. فهناكَ أُناسٌ يَقْفِزونَ مِنْ عِظَةٍ رائعةٍ إلى عِظَةٍ رائعةٍ أخرى، وَمِنْ صَفٍّ إلى صَفّ، وَيُرَفْرِفونَ هُنا قليلاً، وهُناكَ قليلاً دونَ أنْ يَحصُلوا على شيء، ودونَ أنْ يَستفيدوا شيئًا. ويا لَهُ مِنْ شُعورٍ جَميل. ثُمَّ هُناكَ عُلَماءُ النَّباتاتِ بالمَفهومِ الرُّوحيِّ للكلمة. فهؤلاءِ يُدَوِّنونَ مُلاحظاتٍ كثيرة، ويَحرصونَ على صِحَّةِ الإملاء؛ ولكنَّهم لا يستطيعونَ أنْ يَستخلِصوا أيَّ شيءٍ مِنَ الأزهار لأنَّهُم يُرَكِّزونَ فقط على دِراسَتِها دِراسةً أكاديميَّةً بَحْتَة. ثُمَّ هناكَ النَّحلاتُ الرُّوحيَّة الَّتي تَستخلِصُ مِنْ كُلِّ زَهرة ثَمينة كُلَّ رَحيقٍ مُمْكِن لِتَصْنَعَ ذلكَ العَسَلَ الَّذي يَجْعَلُها بَرَكَةً لِكُلِّ مَنْ حَوْلِها". فإلى أيِّ فِئَة تَنْتَمي أنتَ؟ فقد تأتي إلى كنيسةِ "غريس" (Grace Church) وتكونَ فَراشَة. وقد تَقْفِز مِنْ صَفٍّ إلى صَفٍّ، ومِنْ دَرْسِ كِتابٍ مُقَدَّس إلى آخَر، ومِنْ حَلْقَةٍ دراسيَّةٍ إلى أخرى، ومِنْ كِتابٍ إلى آخر، وقد تُرَفْرِفُ بِجَناحيكَ الصَّغيريَن دونَ أنْ تَتغيَّر. أوْ رُبَّما تكونُ عَالِمَ نَبات. فالبعضُ مِنكُم لديهِ دَفاتِر كثيرة جِدًّا تَكفي لإغراقِ سَفينة حربيَّة صغيرة. أو رُبَّما تكونَ نَحلة تأتي فارغةً وتَمْضي مُمتلئةً لِتُحَوِّلَ ذلكَ الرَّحيق إلى عَسَلٍ يَجْعَلُ الحَياةَ حُلوة. فَمِنْ أيِّ نَوْعٍ أنت؟ فالسَّيفُ موجودٌ هُنا. وهو مُتاح. فهل تَسْتَخْدِمُهُ؟

إنَّ صَديقي "رودني" (Rodney) يَجْلِسُ هُنا. وهو لا يَعرفُ أنِّي سأتحدَّثُ عنه قليلاً. ولكنَّهُ يَجلسُ هنا دائمًا يومَ الأحد. و "رودني" يَحْضُرُ صَفَّ الاحتياجاتِ الخاصَّة. وعندما التقيتُ "رودني" أوَّلَ مَرَّة، كانَ قد تَعَمَّدَ مُنذُ وقتٍ قصير. ولكِنَّ رودني كانَ يَمْلِكُ كِتابًا مُقَدَّسًا قديمًا مُهْتَرِئًا. ولا أدري إنْ كانَ قد أَحْضَرَهُ مَعَهُ في هذا الصَّباح. يبدو أنَّهُ أَحْضَرَ كِتابَهُ المُقَدَّسَ الجديد اليوم. أليسَ كذلك؟ حسنًا. لقد أحضرَ كِتابَهُ الجديد. ولكِنَّهُ كانَ يَمْلِكُ كِتابًا مُقَدَّسًا قديمًا مُهترئًا، ويَقرأُ فيهِ قليلاً فقط ... بِضْعَ كلماتٍ فقط. لِذا فقد كانَ يَحْمِلُ كِتابَهُ المُقَدَّسَ الَّذي يَبدو في حالة مُزرية جدًّا. فقد كانَ يَرْكَبُ دَرَّاجَتَهُ الهَوائيَّة، كما تَعلمون، وكانَ كِتابُهُ المُقَدَّسُ يَتَمَزَّقُ تدريجيًّا في أثناءِ ذلك. لِذا فقد قُلتُ لهُ ذاتَ يوم: "رودني، أنتَ بحاجة إلى كِتابٍ مُقَدَّس". فقال: "أجل أنا بحاجة إلى كِتابٍ مقدَّس. هذا صحيح". لِذا فقد قلتُ له أنْ يذهبَ معي إلى المكتبة لكي أشتري لهُ كِتابًا مُقَدَّسًا. وقد ذهبنا إلى المكتبة وقلتُ لَهُ: "والآن، أنا أَعلمُ أنَّكَ لا تَقرأ يا رُودني. أنتَ تَقرأ قليلاً فقط. ولكِنْ ما نوعُ الكتابِ المقدَّسِ الَّذي تُحِبُّ أنْ تحصُلَ عليه؟" فقال: "أريدُ واحدًا بأرقامٍ كبيرة الحجم لكي أتمكَّن مِن مَعرفةِ الآياتِ الَّتي تتحدَّث عنها، ولكي أقرأها حينَ تتحدَّث عنها". وقد لَمَسَ ذلكَ قلبي حقًّا. لِذا، فقد اشتريتُ لهُ كِتابًا مُقَدَّسًا بأرقامٍ كبيرة لكي يَتَمَكَّنَ مِنْ رُؤيةِ الأرقام. وقد فَكَّرْتُ في بَعْضٍ منكم. فأنتم قادرونَ على فَهْمِ كُلِّ فِكرة هنا. ويمكنكم أنْ تَستوعبوا كُلَّ مبدأٍ هنا. فالمشكلة لديكم ليست مُشكلةَ أرقام. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّني أتساءلُ إنْ كُنْتَ نَحْلَة تَستخلِص مِنْهُ كُلَّ ما فيه وتَستخدِمُهُ كَسِلاحٍ لإحرازِ النَّصْرِ الَّذي هُوَ لَكَ أصلاً في يسوعَ المسيح. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

نَشكُرُكَ، يا أبانا، على كَلِمَتِك. لا يَسَعُني إلَّا أنْ أُفَكِّرَ بأنَّ سِلاحَ اللهِ بِمُجْمَلِه هو صُورة عن يسوعَ المسيح. فالمسيحُ هُوَ الحَقُّ [مِثْلَ مِنْطَقَةِ الحَقِّ]. وهو بِرُّنا [دِرْعُنا]. وهو سَلامُنا. وأمانَتُهُ تَجْعَلُ إيمانَنا حَقيقة. وهو خَلاصُنا. وهو كَلِمَةُ اللهِ الحَيَّة. ونحنُ نَعلم، يا أبانا، أنَّ هذا يَعني أنَّهُ في اللَّحظةِ الَّتي نُؤمِنُ فيها بالمسيح، فإنَّنا نَحْصُلُ على السِّلاح. وهذا يُذَكِّرُني بكلماتِ الرَّسولِ بولُس الَّذي قال: "لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْم ... لِنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّور". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ المَسِيح". لِذا، أنا أَعلمُ، يا أبانا، في قلبي أنَّهُ لكي نَلْبَسَ هذا السِّلاحَ، ولكي نَنْتَصِرَ في المعركة، يجب علينا أنْ نَلْبَسَ يسوعَ المسيح. ويجب علينا أنْ نَكْتَسي بِحَقِّهِ، وأمانَتِهِ، وَبِرِّهِ، وَسلامِهِ، وثِقَتِهِ المُطْلَقَةِ بالآب، وبِخلاصِهِ الكامِل، وبِحياتِهِ بِصِفَتِهِ الكلمة الحَيَّة. لِذا، ساعِدنا، يا أبانا، على أنْ نُحْسِنَ استخدامَ هذه المَوارِد.

ويا رَبّ، هناكَ أشخاصٌ هنا اليوم لا يَستطيعونَ الدِّفاعَ عن أنفسهم، ولا حَوْلَ لَهُم ولا قُوَّة في وَجْهِ العَدُوِّ لأنَّهم لم يَلبَسوا الربَّ يسوعَ المسيح وليسَ لديهم سِلاح. وأنا أُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ يكونَ هذا هو اليوم الَّذي يَقبلونَ فيهِ المسيح، وأنْ يَلْبَسوهُ ويكونوا مُستعدِّينَ للمعركة. وأنا أُصَلِّي أيضًا لأجلِ المؤمنينَ الذينَ يَمتلكونَ كُلَّ هذه الموارد ولكنَّهم لم يُحْسِنوا يومًا استخدامَها، والذين يَشعرونَ بالجُوْعِ للكلمة، ويشعرونَ بالعَطَشِ والتَّوْقِ إليها. وأُصَلِّي لأجلِ هؤلاءِ الذينَ لم يُكَرِّسوا أنفسَهُم لكَ تمامًا أنْ يَتَعَلَّموا الحقائقَ العظيمةَ في كَلِمَتِك. وليتَكَ تَحْمينا، يا رَبّ، مِنْ أنْ نكونَ غَيْرَ مُبالينَ بكِتابِك. حَرِّرْنا مِنْ عَدَمِ المُبالاةِ الَّتي تَقْضي على فائِدَتِنا وفَرَحِنا. واجْعَلْنا أُناسًا ثابتينَ في الكلمة لأجْلِ مَجْدِكَ أنت. باسْمِ المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize