Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباح، نأتي إلى الأصحاحِ السَّادسِ مِنْ رسالة أفسُس آخِرَ مَرَّة لأنَّنا سَنُنْهي دراسَتَنا لهذا السِّفْرِ العظيم. وأنا أُدركُ، كما قُلتُ في الأسبوعِ الماضي، أنَّ هذه هي العِظَة 62 أو 63 في دراستِنا لرسالة أفسُس. وأنا أَشعُرُ مَرَّةً أخرى، كما هي الحالُ عندما أَخْتِمُ سِفْرًا، أنَّهُ بالرَّغمِ مِنْ مُرورِ أكثر مِنْ سَنة على دراستنا لهذا السِّفر، فإنَّنا لم نَبْتدئ حَتَّى في اكتشافِ كُلِّ الغِنى الَّذي فيه أو في سَبْرِ أعماقِه.

ولكِنَّ اللهَ قد غَيَّرَ حياتَنا حَقَّا في أثناءِ دِراسَتِنا. وقد صَنَعَ اللهُ أُمورًا رائعة. وإذْ أَنظُرُ إلى الوراء وأتأمَّلُ في الأفكارِ الرئيسيَّةِ في رسالة أفسُس الَّتي عَكَفْنا على دراسَتِها مُدَّة سنة أو أكثر، فإنَّني أُدركُ أنَّ هذا الوقتَ كانَ أروعَ وقتٍ في كنيستِنا. فاللهُ واجَهَنا بِطُرُقٍ عديدة بأفكارٍ جديدة، وفَعَلَ أُمورًا عَجيبةً في وَسطنا. والحقيقة هي أنَّ الأمرَ لم يَنْتَهِ الآنَ لأنَّنا، ببساطة، نأخُذُ كُلَّ ما تَعَلَّمناه، وكُلَّ ما زَرَعَهُ اللهُ في قُلوبِنا، ونَبتدئُ في تَطبيقِهِ في الكنيسةِ وخارِجِها إذْ نَحْيا حَياتَنا لأجْلِ تَمجيدِه.

لِذا فإنَّنا لا نَتْرُكُ رِسالة أفسُس، بل إنَّنا، ببساطة، نأخذُ ما تَعَلَّمناه ونَبتدئ في السَّماحِ لذلك بالعمل مِن خلالِنا لمجدِ اللهِ في أثناءِ حَياتِنا في هذا العالَم. ولكِنَّنا نأتي في هذا الصَّباح إلى المَقطعِ الأخيرِ في الرِّسالة. وسوفَ نَنظرُ إلى هذا المَقطعِ كوَحدة واحدة في هذا الصَّباح. وأرجو أنْ تُصْغوا فيما أقرأُ الآيات 18-24:

"مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، وَلأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ، الَّذِي لأَجْلِهِ أَنَا سَفِيرٌ فِي سَلاَسِلَ، لِكَيْ أُجَاهِرَ فِيهِ كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَ.

"وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ أَيْضًا أَحْوَالِي، مَاذَا أَفْعَلُ، يُعَرِّفُكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ تِيخِيكُسُ الأَخُ الْحَبِيبُ وَالْخَادِمُ الأَمِينُ فِي الرَّبِّ، الَّذِي أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ لِهذَا بِعَيْنِهِ، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَحْوَالَنَا، وَلِكَيْ يُعَزِّيَ قُلُوبَكُمْ.

"سَلاَمٌ عَلَى الإِخْوَةِ، وَمَحَبَّةٌ بِإِيمَانٍ مِنَ اللهِ الآبِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. اَلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. آمِينَ".

في سنة 1671، وُلِدَ في ألمانيا رَجُلٌ يُدعى "يوهان بورشارد فريشتاين" (Johann Burchard Freystein). وقد كَتَبَ الكلماتِ التَّالية الَّتي صَارَتْ تَرنيمةً قديمة:

قُومي، يا نَفسي، لكي تَسهري وتُصَلِّي، قومي مِنْ سُباتِك،

حَتَّى لا تَكوني غافِلَةً في اليومِ الشِّرِّير، وحَتَّى لا تُؤخَذي على حِيْنِ غَرَّة.

لأنَّ العَدُوَّ، كما نَعلمُ جَيِّدًا، يَجْمَعُ حَصادَهُ والمُؤمِنونَ نِيام.

احذري مِنْ فِخاخِ الشَّيطانِ لِئَلَّا يَجِدَكِ نائمة.

لأنَّهُ لن يَتوقَّفُ لَحظةً عنِ خِداعِكِ وَإخفاءِ الحقيقةِ عن عينيكِ.

ففريسةُ الشَّيطانِ تَكونُ عادةً الشَّخصَ الَّذي يَغِطُّ في النَّومِ ولا يُراقِب.

ولكِنْ حَتَّى لو كنتِ تُراقبين، صَلِّ أيضًا إلى الربِّ دونَ تَوَقُّفٍ

فهو سيُحَرِّرُكِ، ويُثَبِّتُكِ، ويُقوِّيكِ، ويَزيدُ إيمانَكِ.

يا رَبّ، بارِكني في الأوقاتِ العصيبة، ولا تَسمح لأيِّ شيءٍ

أنْ يُعَطِّلَ شَوْقَ قلبي في أنْ أَخْدِمَك.

وقبلَ نحوِ مئة سنة، كَتَبَتْ "شارلوت إيليوت" (Charlotte Elliott) كلماتِ ترنيمة أخرى:

أيُّها المؤمِن! لا تَتَراخَى،

بلِ اطْرُد أحلامَ الرَّاحةِ بعيدًا

فأنتَ في وسطِ أعداءٍ،

لِذا، عليكَ أنْ تَسهرَ وتُصَلِّي.

فهناكَ رُّؤَسَاءٌ وسَلاَطِين

يَحْشِدونَ قُوَّاتِهم غير المَنظورة

بانتظارِ اللَّحظةِ الَّتي لا تكونُ فيها مُتيقِّظًا

لِذا، اسهر وَصَلِّ.

اسهر كما لو أنَّ السَّهرَ وَحْدَهُ

هُوَ العامِلُ الفاصِلُ في اليومِ كُلِّه.

وَصَلِّ طَالبًا العَوْنَ مِنْ فَوْق.

اسْهَرْ وَصَلِّ.

إنَّ كِلْتا هَاتينِ التَّرنيمتَيْن تُنَبِّرانِ على حقيقةِ أنَّ النُّصرةَ على الشَّيطان، والنُّصرةَ على أعوانِه، والنُّصرةَ في الحربِ الَّتي نَخوضُها تَتطلَّبُ تَكريسًا عظيمًا للصَّلاة. وهذا هو ما يَقولُهُ كاتِبا كِلتا التَّرنيمَتَيْن. وهذا هو بالضَّبْط ما يقولُهُ الرسولُ بولُس في الأصحاح 6 والعدد 18. وكانَ بولسُ قد تَحدَّثَ عنِ الحربِ في الأصحاحِ السَّادسِ والأعداد 10-13. وقد تَحَدَّثَ بِوُضوحٍ تامٍّ عنِ السِّلاحِ في الأعداد 14-17. والآن، فإنَّهُ يَتحدَّثُ عن موضوعِ الصَّلاة. والعدد 18 يَبتدئ هكذا: "مُصَلِّينَ...كُلَّ وَقْتٍ".

لِذا فإنَّ الصَّلاةَ هي الفِكرة الخِتاميَّة في رسالة أفسُس. فهي لا تُذْكَر كَجُزْءٍ مِنْ سلاحِ المؤمن لأنَّها أكثر مِن ذلك. فالسِّلاحُ يَنتهي في العدد 17؛ ولكِنَّ الصَّلاةَ تأتي بعدَ ذلك، وهي تَنْسَجِمُ تَمامًا معَ ذلك. لِذا فإنَّ الرَّسولَ بولسَ لا يَقولُ: "فَضْلاً عن هذه الأشياء، أَضيفوا الصَّلاة"، بل يقولُ إنَّ هُناكَ عُنْصُرًا يَتَغَلْغَلُ في كُلِّ ذلك هُوَ: الصَّلاة.

ففي كُلِّ وَقْتٍ، نحنُ نَتَمَنْطَقُ بِمِنْطَقَةِ الحَقِّ، ونَلْبَسُ دِرْعَ البِرِّ، ونَحْذي أرْجُلَنا بإنجيلِ السَّلام، ونَلبَسُ خُوذةَ الخلاصِ، ونَحْمِلُ سَيْفَ الرُّوح. ففي كُلِّ وقتٍ، نحنُ نَلْبَسُ ونَحْمِلُ هذه الأشياءِ وَنِحْمِلُ تُرْسَ الإيمان. ونحنُ، في الوقتِ نفسِه، عاكِفونَ على الصَّلاة. فنحنُ نُصَلِّي كُلَّ وَقْتٍ طَوالَ فَترةِ التَّأهُّبِ للحرب، وطَوالَ فَترةِ خَوْضِ المَعركة، وطَوالَ الوَقْتِ سَواءٌ كانتِ المعركة حَامِيَة أَمْ لا. فنحنُ عاكِفونَ على الصَّلاة.

فالصَّلاةُ هي الهَواءُ الَّذي نَتَنَفَّسُه. وأنا أَذكرُ أنِّي قرأتُ عن حَيَوانٍ يَعيشُ في الأماكِنِ المُظلِمَةِ في البحر، أيْ في أعماقِ البحر. وَهُوَ ليسَ سَمَكةً ولا طَيْرًا في الحقيقة، بل إنَّهُ يَعيشُ هُناكَ ويمكنهُ أنْ يَبقى هناكَ في الظَّلام بعضَ الوقت. ولكِنَّهُ يجب أنْ يَصعَدَ إلى سَطْحِ الماء وأنْ يَتَنَفَّسَ الهواء، ثُمَّ يَعودُ ثانيةً.

لِذا يجب على المؤمِنَ، طَوالَ حَياتِه، وفي كُلِّ تَقَلُّباتِ الدَّهْرِ، وفي كُلِّ الأوقاتِ في حياتِه، يجب عليهِ أنْ يَصْعَدَ [إنْ جازَ القَوْل] إلى عَرْشِ اللهِ لكي يَتنفَّسَ الهَواءَ مِنْ خلالِ الصَّلاة. وحينئذٍ، حينئذٍ فقط، سيكونُ قادرًا على العيشِ في ظَلامِ العالَمِ الَّذي يُحيطُ به. وهذا هو تَمامًا ما يَقولُهُ بولسُ هنا. فالصَّلاةُ تُشْبِهُ عَمليَّة التَّنَفُّس لدينا. وقد قُلتُ لكم في السَّابق إنَّها أَشْبَهُ بعمليَّة التَّنَفُّس. فأنتَ لا تُفَكِّر في التَّنَفُّس لأنَّ الهواءَ يَضْغَط على رِئَتَيْكَ ويُرْغِمُكَ على التَّنَفُّس. وكذلكَ الحالُ بالنِّسبة إلى المؤمن. فَعَدَمُ الصَّلاةِ يَعني أنَّكَ تَحْبِسُ نَفَسَكَ رُوحيًّا. وعَواقِبُ ذلكَ سَيِّئة جدًّا.

فأنتَ تَحيا الحياةَ المسيحيَّةَ كُلَّ الوقت. وأنتَ تَلْبَسُ السِّلاحَ طَوالَ الوقت. وأنتَ تُحارِب طَوالَ الوقت. وأنتَ تَتنفَّس، وتَتنفَّس، وتَتنفَّس [إنْ جازَ القَوْلُ] مِنْ خلالِ الصَّلاة. فالصَّلاةُ جُزْءٌ لا يَتجزَّأُ مِنْ هذا كُلِّه.

وهذا يُذَكِّرُني بما قَرأتُهُ في "سِياحَة المَسيحيّ" [Pilgrim’s Progress] (في تلك الرِّواية الرَّمزيَّة الرَّائعة) عن كيفَ أنَّ اللهَ يُعطي المَسيحيّ سِلاحًا يُدْعى "الصَّلاة"، وأنَّهُ يُوصيهِ بأنَّهُ عندما يَفشلُ كُلُّ شيءٍ آخر فإنَّ الصَّلاةَ ستجعلُكَ قادرًا على إلحاقِ الهزيمةِ بكُلِّ أعدائِكَ الَّذينَ يُهاجِمونَكَ في وادي ظِلِّ الموت. ولكِنَّ الصَّلاةَ هي، في الحقيقة، أكثر مِمَّا يُصَوِّرُها "جون بَنْيان" (John Bunyan) هُنا. فهي أكثر مِنْ مُجَرَّدِ سِلاحٍ إضافِيّ. فهي الجُوُّ الَّذي يُغَلِّفُ حَياتَنا بأسْرِها، ويُغَلِّفُ حَرْبَنا، ويُغَلِّفُ تَسْليحَنا لأنفُسِنا. فهي تَتَغَلْغَلُ بذلكَ المَعنى.

وحقيقةُ أنَّ الصَّلاةَ مَذكورة بهذه الصُّورة في رسالة أفسُس هي أمْرٌ قَصَدَهُ رُوْحُ اللهِ القُدُّوس. فهذه ليست صُدْفَةً، بل إنَّ رَبَّنا حَضَّنا قائلاً: "يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ" (في إنجيل لوقا 18: 1). وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ في المعركة، عندما يَشْتَدُّ حِماها، فإنَّ قُواكَ قَدْ تَخُور. فقد تَتعَب، وقد تَستسلِم، وقد تَتوقَّف عنِ القِتالِ إنْ لم تُصَلِّ. ولا يوجد أمامكَ سِوى خِيارَيْن: فإمَّا أنْ تُصَلِّي، وإمَّا أنْ تَخُورَ قُواك. فلا يوجد حَلٌّ وَسَط.

لِذا، في الحربِ الَّتي تَحَدَّثَ عنها للتَّوّ، نَجِدُ أنَّ الصَّلاةَ مُهِمَّة جدًّا. ولكِنَّها أكثر مِن ذلك في ذلكَ السِّياق. فالسَّببُ الَّذي لأجْلِهِ ذُكِرَتْ فيهِ الصَّلاةُ هُنا هو أنَّها تُلائِم خاتِمَةَ السِّفْرِ بِمُجمَلِه. فالرِّسالةُ إلى أفسُس بِمُجملِها تَصِلُ إلى الذُّورة، وتَصِلُ إلى القِمَّة، وتَصِلُ إلى أعلى نُقطة فيها في هذا المَوْضِع. فكأنَّ الصَّلاةَ هِيَ الخاتمة الموسيقيَّة القويَّة في نَشيدِ التَّسبيحِ العَظيمِ في رسالة أفسُس.

والآنْ، اسمُحوا لي أنْ أُريكم لماذا أقولُ ذلك. فإنْ رَجَعتُم إلى رسالة أفسُس، ستَجِدونَ الشَّيءَ نَفسَهُ الَّذي اكتَشفناهُ حينَ دَرسناها معًا إذْ إنَّ هذه الرِّسالة تَسْتَعْرِضُ (رُبَّما بصورة أكبر مِن أيِّ سِفْرِ آخر في الكِتابِ المقدَّسِ بأسْرِه) المَوارِدَ المُتاحَةَ للمؤمِن. فلا أَذْكُرُ أنَّ هناكَ سِفْرًا آخَرَ يُضاهي هذه الرِّسالة في الأهميَّة حينَ يَختصُّ الأمرُ في الحديثِ عنِ المواردِ الَّتي نَمْتَلِكُها بسببِ كَوْنِنا في المسيح. فهي لا تُضاهَى بهذا المَعنى. فهي تَذْكُرُ كُلَّ الموارِدِ المُتاحة لنا بوصفِنا مُؤمِنين.

فما يَقولُهُ بُطرسُ في عِبارة واحدة بسيطة "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى"، وما جاءَ في رسالة كولوسي والأصحاح الثَّاني في تلك الجُملة القصيرة "وَأَنْتُمْ مَمْلُوؤُونَ فِيهِ" يَتِمُّ التَّوَسُّعُ فيه والتَّعَمُّقُ فيه بِكُلِّ مِلْئِهِ في رسالة أفسُس. فَكُلُّ كَمالِنا مُبَيَّنٌ هُنا. وكُلُّ مَوارِدِنا مَذكورة هنا. والمِفتاحُ لهذا كُلِّهِ هو الأصحاح الأوَّل والعدد 3: "الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيح". ثُمَّ إنَّهُ يُفَصِّلُ هذه البَرَكاتِ في سِتَّةِ أصحاحات. فهي تَحوي تَفصيلًا دقيقًا لكُلِّ البَرَكاتِ الَّتي لنا في المسيح. وهذا يَرْفَعُنا إلى مُرتفعاتٍ رائعة.

فهي تَبْتَدِئُ الحَديثَ في السَّماويَّاتِ. فنحنُ نَبتدئُ في اختبارِ الأمْجادِ، ونَبقى هناكَ طَوالَ السِّفْرِ إلى أنْ نَصِلَ أخيرًا إلى الأصحاح 6 والعَدد 18. واللهُ يَقولُ لنا أنْ نَسْجُد. لِذا فإنَّ الصَّلاةَ هيَ المِفتاحُ (والآنْ لاحِظوا ما سأقول): إنَّها المِفْتاحُ للحُصولِ على كُلِّ هذه المَوارِد. فهي كُلُّها موجودة. وهي كُلُّها مُتاحة لنا في المسيح. ولكِنْ لا يمكننا أنْ نَعُومَ بهذه البَساطة في المَجْد، بل يجب علينا أنْ نُقِرَّ بحقيقة أنَّهُ ينبغي لنا أنْ نَسْجُدَ أمامَ اللهِ لكي تَتَحَقَّقَ هذه الأشياء في حياتِنا.

لِذا فإنَّ السِّفْرَ الَّذي يَبتدئُ بالسَّماويَّاتِ يُخْتَمُ وَنَحْنُ سَاجِدينَ إذْ إنَّ بولُسَ يُوْصينا بأنْ نُصَلِّي. والآنْ، رُبَّما تَعتقدونَ أنَّهُ في سِفْرٍ يَزْخُرُ بهذه المَصادرِ العظيمة، فإنَّ الصَّلاةَ ليست مُهمَّة جدًّا. فماذا تَبَقَّى لكي نُصَلِّي لأجلِه؟ فمثلاً، اسمعوا: بحسب ما جاءَ في الأصحاح الأوَّل والعدد الثالث، نحنُ قد تَبارَكْنا جِدًّا. وبحسب ما جاءَ في الأصحاح الأوَّل والأعداد 4-6، نحنُ مَحبوبونَ جِدًّا. وبحسب ما جاءَ في الأصحاح الأوَّل والعدد 7، لقد حَصَلنا على الغُفرانِ والفِداء. ونقرأُ في الأصحاح الأوَّل والعدد 8 أنَّنا أُعْطينا حِكْمَة. ونقرأُ في الأصحاح الأوَّل والعدد 11 أنَّنا جُعِلْنا أغنياء. ونقرأُ في الأصحاح الأوَّل والعدد 13 أنَّنا في مَأمَنٍ وأنَّنا قد خُتِمْنا بالرُّوح. ونقرأُ في الأصحاح الثَّاني والأعداد 4-6 أنَّنا وُهِبْنا حياةً جديدة. ونقرأُ في الأصحاح الثَّاني والعدد 7 أنَّنا تَبارَكْنا بنِعْمَةٍ أبديَّة. ونقرأُ في الأصحاح الثَّاني والعدد 10 أنَّنا نَحْنُ تُحْفَة اللهِ. ونقرأُ أيضًا في الأصحاح الثَّاني والعدد 10 أنَّنا قد دُعِيْنا لأَعْمَال صَالِحَةٍ قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا. ونقرأُ في الأصحاح الثَّاني والأعداد 13-18 أنَّنا واحِدٌ معَ اللهِ ومعَ كُلِّ مُؤمِنٍ آخَر. ونقرأُ في الأصحاح الثَّاني والعدد 19 أنَّنا أفرادٌ في عائلةِ اللهِ الحَميمة. ونقرأُ في الأصحاح الثَّاني والعدد 22 أنَّنا مَسْكَنٌ للرُّوحِ القُدُس. ونقرأُ في الأصحاح الثَّالثِ والعدد 20 أنَّنا أقوى مِمَّا نَتخيَّل. ونقرأُ في الأصحاح الثَّالثِ والعدد 21 أنَّنا قد أُعطينا القُدرةَ على تَمجيدِ الله.

ويا لَهُ مِنْ تَعريفٍ رائعٍ للإنسان. فما فَعَلَهُ اللهُ لأجلِنا مُدهشٌ جدًّا ويَفوقُ أيَّ شيءٍ قد يَخْطُرُ بِبَالِنا. وعندما تَنتقلونَ مِنْ هناكَ إلى الأصحاحِ الرابع، فإنَّ البَركاتِ تَستمرّ. فنحنُ نقرأُ في الأصحاح الرَّابع والعدد 3 أنَّنا نَمْتَلِكُ سُكْنى رُوحِ اللهِ الحَيِّ فينا. وَنقرأُ في الأصحاح الرَّابع والأعداد 4-6 أنَّنا أعْضاء في جسد المسيح. وَنقرأُ في الأصحاح الرَّابع والأعداد 11-13 أنَّنا أُعْطينا مَواهِبَ وأشخاصًا موهوبينَ لِتَكميلِنا لعملِ الخدمة. وَنقرأُ في الأصحاح الرَّابع والأعداد 20-24 أنَّ لدينا يسوعَ المسيحَ ليُعَلِّمَنا أنْ نَسْلُكَ في جِدَّةِ الحَياةِ.

وفي الأصحاحِ الخامسِ والعَدَدَيْن 1 و 2، نَقرأُ أنَّنا حَصَلْنا على مَحَبَّةِ اللهِ لكي نَتَمَكَّنَ مِنَ السُّلوكِ في المحبَّة. ونَقرأُ في الأصحاح الخامس والعدد 8 أنَّنا حَصَلْنا على نُوْرِ اللهِ لكي نَسْكُنَ في نُور. ونَقرأُ في الأصحاح الخامس والأعداد 15-17 أنَّنا حَصَلْنا على حِكمةِ اللهِ وحَقِّه لكي نَتمكَّنَ مِنَ السُّلوكِ بحكمة في العالَم. ونَقرأُ في الأصحاح الخامس والعدد 18 أنَّنا حَصَلنا على قُوَّةِ مِلْءِ رُوْحِ الله. ونَقرأُ في المقطعِ المُمتدِّ مِنَ الأصحاح 5 والعدد 21 إلى الأصحاح 6 والعدد 9 أنَّنا حَصَلنا على المواردِ الَّتي تُتيحُ لنا أنْ نُقيمَ كُلَّ العلاقاتِ البشريَّةِ الَّتي قَصَدَها اللهُ لنا. وأخيرًا، في الأصحاحِ السَّادسِ والأعداد 10-17، نَقرأُ أنَّنا نَمتلك سِلاحًا حَصينًا، ومَنيعًا، ورائعًا، وقويًّا يَجِدُ الشَّيطانُ نَفْسَهُ بِلا حَوْلٍ وَلا قُوَّةٍ إنِ استخدمناه. وَيَصِلُ هذا الأصحاحُ إلى الذُّروة بالحديثِ عن سَيْفِ الرُّوحِ؛ أيْ بالسِّلاحِ الرَّائعِ المُتَمَثِّلِ في كلمةِ اللهِ الَّتي هي بِيَدِ كُلِّ مُؤمِن.

وهذه صُورة رائعة. فهذا هو المَعنى الشَّامل لِكَوْنِكَ مَسيحيًّا. وحينَ تَستوعبونَ هذا كُلَّهُ في أذهانِكُم، وتُدركونَ مَقامَكُم الرَّفيعَ في المسيح، وتَرَوْنَ المواردَ اللَّازمةَ لحياةٍ مَسيحيَّةٍ فَعَّالة، وتُدركونَ أنَّهُ لا يَنْقُصُكُم شَيء، فإنَّكم ستُواجِهونَ مُشكلةً مُباشرةً؛ وهذه المشكلة هي ما يُمكنكم أنْ تُسَمُّوها: "النَّاموسيَّة العقائديَّة". وهي مُشكلة مَذكورة في رسالة كورِنثوس الأولى 10: 12 إذْ نَقرأ: "مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ [ماذا؟] أَنْ لاَ يَسْقُطَ". فقد تَصيرُ في الحقيقة ما أُسَمِّيه "مُلْحِدًا رُوحِيًّا".

بعبارة أخرى، قد يكونُ لديكَ إيمانٌ كاملٌ بالله، ولكنَّكَ لا تَشْعُرُ بالحاجة إليه. وأعتقد أنَّ هذا الأمرَ واحدٌ مِن أعظمِ الأخطارِ في كنيسةٍ كَكنيسَتِنا. فنحنُ مُؤهَّلونَ جِدًّا. ونحنُ لدينا معرفة كَثيرة جدًّا. ونحنُ لدينا مَعلوماتٌ كثيرة جدًّا. ونحنُ لدينا مَوارِد كثيرة جدًّا. ونحنُ نَفهم مَقامَنا. ونحنُ نَعرفُ مواهِبَنا. وقد رأينا بَرَكاتِ اللهِ. وقد حَقَّقْنا نَجاحًا كبيرًا جدًّا ولم نُخْفِق سوى قليلاً جدًّا. لِذا، مِنَ السَّهل علينا أنْ نَمْضي في حياتِنا دُوْنَ أنْ نَشْعُرَ بحاجَتِنا إلى الله البَتَّة. وقد نَسْقُط في خَطيئةٍ مُريعةٍ وهي أنْ نَشعُر بأنَّنا أَكْفاء في أنفُسِنا ونَفقد شُعورَنا بالحاجة إلى الاتِّكالِ على الله.

وأعتقد أنَّهُ يجب علينا أنْ نُصَلِّي تلكَ الصَّلاةَ الَّتي صَلَّاها أحدُ الإخوة حينَ قال: "يا رَبّ، أَعْطِنا نَجاحًا يَكفي لِنَعلم أنَّكَ موجود، وإخفاقًا يَكفي لنَعلم أنَّنا بحاجة مُلِحَّة إليك". فنحنُ لدينا أمورٌ كثيرة جدًّا تحدثُ في مُجتمعِنا، وفي كنيستنا، وفي حياتِنا. وقد رأينا بَرَكَاتٍ رائعةً مِنَ اللهِ حَتَّى إنَّهُ مِنَ السَّهلِ أنْ نَعْتَدَّ بأنفُسِنا وأنْ نُحَوِّلَ كُلَّ شيءٍ إلى دُروسٍ عَمليَّة بَحْتَة، وإلى حِيَل، وبَرامِج، وأساليب. فنحنُ لدينا كُلَّ شيء، وقد فَعلنا كُلَّ شيء، وكُلُّ شيءٍ رائع. وكما تَعلمونَ، قد يكونُ زواجُنا ناجحًا، وقد يكونُ أولادُنا كما نُحِبّ، وقد يكونُ كُلُّ شيءٍ على ما يُرام في الكنيسة. فكُلُّ شيءٍ يَسيرُ حَسَنًا. وحينئذٍ فإنَّنا نَصيرُ مُلْحِدينَ رُوحِيِّين. فنحنُ نُقْصِي اللهَ بَعيدًا فلا يَعودُ هناكَ ذلكَ الشَّغَف، ولا ذلكَ الشَّوق العَميق. وحينئذٍ فإنَّ تلكَ الصَّلواتِ الحَارَّةَ الَّتي يَدْعونا اللهُ إلى أنْ نُصَلِّيها مِنْ قُلوبِنا تَخْتفي.

هناكَ صَديقانِ عَزيزان على قُلوبِنا هُنا "بيدرو وَ ليليان ماريفوس" (Pedro and Lilian Marevus) زُرْناهُما بِضْعَ مَرَّاتٍ حينَ كانا في الولاياتِ المُتَّحِدة، واشتركنا معهما في شَرِكَةٍ رائعةٍ حينَ ذهبنا للخِدمة في نيكاراغوا. وقبل أسبوعٍ تقريبًا، حَدَثَتْ حَرْبٌ وَأعمالُ قَتْلٍ في نيكاراغوا؛ فاضْطُرَّ صَديقانا العَزيزان إلى الفَرارِ مِنَ البلدِ وَأخَذَا مَعَهُما جُزءًا بسيطًا جِدًّا مِنْ أغراضِهِما وَهَرَبا. وقد كانَ لديهِ مَعملٌ صَغير يَصْنَعُ فيهِ مَوادَّ التَجميل. فقد كانَ لديهِ عَمَلُهُ الخاصّ. وقد أَمَرَتْهُ الحُكومَةُ بأنْ يَستخدمَ مَعْمَلَهُ لِتَصنيعِ الذَّخيرة. ولكِنَّ الثُّوَّارَ قالوا لَهُ إنَّهُ إنْ فَعَلَ ذلك فإنَّهُم سيقتلوهُم جميعًا. لِذا فقد وَجَدَ نفسَهُ في مأزِقٍ فاضْطُرَّا إلى الفَرارِ للنَّجاةِ بحياتهما. وأنا أَشُكُّ كثيرًا في أنَّهما لم يَجِدَا شيئًا يُصَلِّيانِ لأجله. فقد فَقَدا كُلَّ شيء...كُلَّ شيء. فقد خِسِرا بيتَهُما وُكلَّ شيء. ويجب عليهما أنْ يَبنِيا حَياتَهُما مِنْ جديد. وقد كانَ أبناؤُهما يَدرسونَ في الولاياتِ المُتَّحدة. وكما عَلِمْتُ، كانَ لا بُدَّ أنْ يُوْقِفا دِراسَةَ أبنائِهِما لأنَّهما لا يملكان المالَ لِتَعليمِهما.

ولكِنَّنا نَعيشُ على خَيْرِ وَجْهٍ أحيانًا حَتَّى إنَّنا لا نَعودُ نَرى الأمورَ كما ينبغي. وأعتقد أنَّنا إنْ فَقَدنا قُدرتنا على رُؤيةِ الأمورِ كما ينبغي، فإنَّ اللهَ يَسْمَحُ بحدوثِ شيءٍ في حياتِنا لكي يُساعِدَنا على استعادةِ نَظرتِنا السَّليمة. وهذا هو ما يَقولُهُ بولُس. فنحنُ لدينا كُلُّ شيء، ولكِنَّ كُلَّ شَيء يَعتمِد عليه. فالأمرُ يُشْبِه مُدَرِّبَ كُرة القدم. فَلاعِبُ كُرَةِ القدم الأمريكيَّة المُحترِف يُتْقِنُ الأساليب. وفي الوقتِ الَّذي يَصيرُ فيهِ لاعِبًا مُحترفًا فإنَّهُ يَعْرِفُ ما يَفعل. فهو يَعلَم تمامًا ما يَفعل. وهو يَفهم كيفَ يَلْعَب بحسب مَوْضِعِهِ في المَلْعَب. وهو يَفهمُ أُصولَ لُعبة كُرَة القدم. وهو مُدَرَّب. وهو يَمتلك المهارات والأدوات، والموهبة، وكُلَّ شيء.

وبالرَّغمِ مِنْ ذلك، يجب على ذلكَ اللَّاعبِ العظيمِ والضَّخْمِ الَّذي يُتْقِنُ حِرْفَتَهُ الَّتي يُقومُ بها، والذي يَعرفُ كُلَّ شيءٍ عنِ اللُّعبة، يجب عليهِ أنْ يُصغي إلى مُدَرِّبٍ صَغيرِ الحَجْمِ يَقِفُ خارِجَ الملعب ويَحْمِلُ لَوْحًا، ويُخبِرُهُ بِكُلِّ حَرَكَة يقومُ بها. وقد سَمِعْتُ مِنْ بعضِ اللَّاعبينَ في فريق "دالاس كاوبويز" (Dallas Cowboys) عنْ خِطابٍ قَصيرٍ ألقاهُ "توم لاندري" (Tom Landry) بعدَ مُباراةٍ خَسِرَ فيها الفريق. فقد جَاءَ إلى غُرفةِ تَبديلِ الملابس وقالَ لهم هذه الكلمات: "يا رِفاق، لقد قُلتُ لكم كيفَ تَفوزونَ بهذه المُباراة. ولكنَّكم لم تَفعلوا ما قُلتُهُ لكم. لِذا فقد خَسِرتُم". وقد استَدارَ وَغادَرَ الغُرفة.

فقد تَمتلكونَ كُلَّ المواهب، وكُلَّ الموارِد، وكُلَّ التَّدريب، وكُلَّ القُدرةِ الدَّاخليَّة؛ ولكِنْ إنْ لم تَفعلوا ذلكَ بالطَّريقةِ الَّتي يُوصيكُمُ اللهُ بها، ستَخسرون. وهذا هو، بصورة جوهريَّة، ما يَقولُهُ بولُس. فلا يَجوزُ أنْ تَظُنُّوا أنَّهُ بسبب امتلاكِكُم كُلَّ هذه الموارِد، وبسبب وُجودِ كُلِّ هذا التَّاريخِ الحافِلِ بالنَّجاح، وبسببِ امتلاكِ كُلِّ هذه الأشياءِ لأنَّكُم في المسيح، فإنَّهُ يُمكنكم أنْ تَصيروا مُلْحِدينَ رُوحيِّينَ وأنْ تَعيشُوا كما لو أنَّكم لستم في حاجة إلى الله. فهذا غير مُمْكِن.

فالسِّلاحُ ليسَ شيئًا تِلقائيًّا. والسِّلاحُ ليسَ شيئًا سِحْرِيًّا. فهو بحاجة إلى الله. فاللهُ يَشْحَنُ السِّلاحَ، وَاللهُ يَشْحَنُ مَوارِدَنا بِقُوَّتِه وقُدرَتِه. لِذا، هناكَ خَطَرٌ جَسيمٌ في أنَّ المؤمنينَ الَّذينَ يَعرِفونَ العقيدةَ، ولديهم تاريخٌ حافِلٌ بالنَّجاح، ويَفهمونَ جَيِّدًا المبادئَ الرُّوحيَّةَ العَمليَّةَ قد يَشعرونَ بالاكتفاءِ ولا يَشعرونَ بالحاجةِ إلى الصَّلواتِ الحارَّةِ والدَّائمةِ النَّابعةِ مِنَ القلب. وهذه مأساة. لِذا فإنَّ الرِّسالةَ الَّتي تَبتدئُ بالسَّماويَّاتِ تَنْتَهي بالسُّجودِ – لأنَّ هذا كُلَّهُ يَتوقَّفُ على الصَّلاة.

فرُبَّما تَنظُرُ إلى حَياتِكَ وتقول: "أنا أعرفُ الكثير". والبعضُ مِنكُم، يا أحبَّائي، البعضُ منكم أيُّها الشَّبابُ، والبعضُ منكم مِمَّنْ يَدرسونَ في كُليَّةِ اللَّاهوتِ، والبعضُ مِنكم مِمَّنْ تَخَرَّجوا مِنْ كُلِّيَّةِ اللَّاهوتِ، قد تَنظرونَ إلى حَياتِكُم وتقولون: "أنا أعرفُ الكثير، ولكنِّي لا أرى الكَثيرَ يَحْدُث". إذا كنتَ تَعتقد أنَّ السِّلاحَ أوْ أنَّ الموارِدَ المُتاحةَ لديكَ سِحريَّة أو تِلقائيَّة، اعْلَمْ أنَّها ليست كذلك. فهي تَتوقَّفُ على الصَّلاة. فَنَفْسُ الإنسانِ تَتحرَّكُ في حَضْرَةِ اللهِ.

والآن، هذا هو ما يُريدُ مِنَّا بولسُ أنْ نَراه. لِذا، لِنَتأمَّل في ذلك. فسوفَ نَتأمَّلُ في كُلِّ هذه الآياتِ، صَدَّقْتُم ذلكَ أَمْ لم تُصَدِّقوه! فقد جاءَ إليَّ بعضُ الأشخاصِ بعدَ أنْ فَعَلْتُ ذلكَ في الخِدمةِ الأولى وَالدَّهشةُ تَعْلُو وُجوهَهُم. وقد قالوا: "لم أَكُنْ أَظُنُّ أنَّكَ ستتمكَّن مِنَ التَّأمُّلِ في كُلِّ هذه الآيات! أنا مَصْدوم!" أجل سَنَفْعَل. ولكِنَّنا سنَتْرُكُ الآياتِ الأربعَ الأخيرة.

قبلَ كُلِّ شيء، أُريدُ مِنْكُم أنْ تَرَوْا الوَصِيَّةَ العَامَّةَ في العدد 18. الوصيَّةَ العَامَّةَ في العدد 18. وسوفَ تُلاحِظونَ أنَّ الكلمة "كُلّ" أو "جَميع" تَتكرَّرُ أربعَ مَرَّاتٍ: "مُصَلِّينَ...كُلَّ وَقْتٍ"، "بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ...فِي الرُّوحِ"، "وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ"، "لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِين". فأنتُم تَجِدونَ هُنا الكلمة "كُلّ" أو "جَميع" تَتَكَرَّرُ أربعَ مَرَّاتٍ فيما يَختصُّ بالصَّلاة. فالكلمة "كُلّ" أو "جَميع" تَتكرَّرُ أربعَ مَرَّات. وهذا أمرٌ رائع. فَكُلُّ واحِدة مِنها تَختصُّ بالصَّلاة. فالصَّلاةُ تَتَغَلْغَلُ في كُلِّ كِيانِنا، وفي كُلِّ ما نَفعل. فهي العُنصُرُ الَّذي يَتَغَلْغَلُ في كُلِّ حَياتِنا. لِذا فإنَّني أقولُ إنَّها الهواءُ الَّذي نَتَنَفَّسُه. فلا يوجد وقتٌ في حياتِنا لا ينبغي أنْ نَكونَ فيهِ مُصَلِّين.

ولننظُر أوَّلاً إلى وَتيرَةِ الصَّلاةِ. وسوفَ نَتأمَّل في كُلِّ كَلِمَة مِنْ هذهِ الكلماتِ على حِدَة. ولننظر إلى وَتيرَةِ الصَّلاةِ بحسب ما جاءَ في العدد 18: "مُصَلِّينَ ... كُلَّ وَقْتٍ". إذًا، مَتى ينبغي لنا أنْ نُصَلِّي؟ كُلَّ وَقْتٍ. والبعضُ مِنْكُم جاءَ مِن خلفيَّةٍ اعْتَدْتُم فيها على الصَّلاةِ باستخدامِ كِتابٍ مُعَيَّنٍ للصَّلاة، أو في أوقاتٍ مُعَيَّنةٍ ومُحَدَّدة. فكما تَعلمون، لقد كانَ اليهودُ يُصَلُّونَ في أوقاتٍ مُحَدَّدة. وَحَتَّى إنَّنا نَقرأُ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل أنَّهُ عندما كانتِ الكنيسةُ الأولى تَجتمع، كانوا يُواظِبونَ على "الصَّلواتِ". فقد كانوا، في الحقيقة، مُتأثِّرينَ بالدِّيانةِ اليهوديَّة وبأوقاتِ الصَّلاةِ المُحَدَّدة في أثناءِ اليوم.

ولكِنَّ العهدَ الجديدَ، وَالمِيثاقَ الجديدَ، وَولِادَةَ الكنيسة جَلَبَتْ مَعَها حِقْبَةً جديدة وهي أنَّ الصَّلاةَ ينبغي أنْ تكونَ "كُلَّ وَقْت". فنحنُ لَمْ نَعُدْ نُصَلِّي الآنَ في أوقاتٍ مُحَدَّدة، بل نُصَلِّي في كُلِّ الأوقاتِ، وفي كُلِّ مُناسبةٍ، وفي كُلِّ حِيْن. وقد أشارَ يَسوعُ إلى أنَّ هذا سيَحدُث حينَ قالَ في إنجيل لوقا 21: 36: "اِسْهَرُوا إِذًا وَتَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ". وقد قالَ الرُّسُلُ الأوائل ذلك في سِفْر أعمال الرُّسُل 6: 4: "وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ" ... نُواظِبُ. لا فقط على الصَّلواتِ المُحَدَّدة، بل على كُلِّ الصَّلواتِ.

ونَقرأُ عن كَرنيليوس في سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاحِ العاشِر: "وَهُوَ تَقِيٌّ ... وَيُصَلِّي إِلَى اللهِ فِي كُلِّ حِينٍ". ونَقرأُ في رسالة رُومية 12: 12: "مُواظِبِينَ عَلَى الصَّلاَةِ". ونَقرأ في رسالة كولوسي 4: 2: ""وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ". ونَقرأُ في رسالة فيلبِّي 4: 6: "فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ". وَنَجِد خُلاصةَ الأمرِ في رسالة تسالونيكي الأولى 5: 17: "صَلُّوا بِلاَ [ماذا؟] انْقِطَاعٍ". ونَقرأُ في رسالة تيموثاوس الثانية 1: 3 أنَّ الرَّسولَ بولُس أَشارَ إلى أنَّهُ فَعَلَ ذلك. فقد كَتَبَ إلى تيموثاوُس: "كَمَا أَذْكُرُكَ بِلاَ انْقِطَاعٍ فِي طَلِبَاتِي لَيْلاً وَنَهَارًا". فيجب علينا أنْ نُصَلِّي دائمًا. وفي سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 12، نَجِد أنَّ الكنيسة كانت تُصَلِّي دائمًا. ومَعَ أنَّ صَلواتِهم كانت ضَعيفةً بعضَ الشَّيءٍ مِنْ جِهَةِ الإيمان، فإنَّ اللهَ اسْتَجابَ لتلكَ الصَّلوات. لِذا فإنَّنا نَجِدُ هذا النَّمَطَ مِنَ الصَّلاةِ في كُلِّ حِيْن.

ولَطَالَما تَساءلتُ عَنْ مَعنى ذلكَ لأنَّ حَياتي مُمتلئة بأشياءٍ كثيرة، ولأنَّهُ مِنَ المُستحيلِ أنْ أُصَلِّي كُلَّ حين. وَمِنَ البَديهيِّ أنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نَسيرَ وَنَحْنُ نَحْمِلُ في أيدينا كِتابَ صَلَواتٍ صَغير طَوالَ اليوم. أليسَ كذلك؟ فإذا ذَهبتُم لزيارةِ إسرائيل، ستَجِدونَ أولئكَ اليهود راكِعينَ أمامَ حائِطِ المَبْكَى ويَمْضونَ ساعةً تلو الأخرى في الصَّلاة. ورُبَّما كُنْتَ مِنْ خلفيَّة كاثوليكيَّة وكُنْتَ تُصَلِّي صَلاةَ المِسْبَحَة مِرارًا وتَكرارًا، والمَرَّةَ تِلوَ الأخرى، تِلو الأخرى، تِلو الأخرى.

ولكِنَّ هذه الأشياء جَميعَها بَعيدة كُلَّ البُعْدِ عَنْ مَعنى الآية "مُصَلِّينَ ... كُلَّ وَقْتٍ". فهي لا تَعني أنْ تَجُوْلَ وأنْتَ تُتَمْتِمُ بِكلماتٍ مُعَيَّنة، ولا أنْ تُرَدِّدَ الكَلامَ باطِلاً. بل هي تَعني، ببساطة، أنْ تَحيا حَياتَكَ في وَعْيٍ تامٍّ لِحُضورِ الله. وهي تَعني أنْ تَحْيا حَياتَكَ بأسْرِها أمامَ اللهِ في شَرِكَة وَتَواصُل. وحينَ أنْظُرُ إلى حياتي، أَجِدُ أنِّي كنتُ أتساءلُ كيفَ يُمْكِنُ للمرءِ أنْ يُصَلِّي كُلَّ وَقْتٍ. ولكنِّي أَجِدُ الآنَ أنَّهُ مِنَ النَّادِرِ جِدًّا في حياتي ألَّا أكونَ مُدركًا لحُضورِ الله. فَكُلُّ شيءٍ أراه، وكُلُّ شيءٍ أختَبِرُهُ في حياتي يَصيرُ، بِبساطَة، صَلاة. فهناكَ دائمًا شيءٌ أُشارِكُهُ مَعَ صَديقي المُفَضَّل. وهُناكَ دائمًا شَيءٌ أَتخاطَبْ بِشأنِهِ مَعَ اللهِ.

وإنْ تَعَرَّضْتُ إلى تَجربة، فإنَّني أَجِدُ حالاً أنَّ تلكَ التَّجربة تَصيرُ صَلاةً: "يا رَبّ، أنتَ تَعلمُ ما أَمُرُّ بِهِ. ساعِدني في هذهِ التَّجربة". وإنْ رأيتُ شيئًا جَيِّدًا، فإنَّ أوَّلَ شَيءٍ أُفَكِّرُ فيه هو: "يا رَبّ، أنتَ مَصْدَرُ كُلِّ عَطِيَّةٍ صَالحةٍ وَكُلِّ موهبةٍ تامَّة. أشكُرُكَ على ذلك". وإنْ رأيتُ شَيئًا شِرِّيرًا فإنَّني أقول: "يا رَبّ، لا تَسْمَح لهذا الشَّرِّ أنْ يَسود"، أو: "يا رَبّ، قَوِّمْ هذا الأمر". وإنْ رأيتُ شخصًا لا يُؤمِنُ بيسوعَ المسيح، وأنا أرى هؤلاءِ دائمًا، فإنَّ رَدَّ فِعلي الأوَّل هو دائمًا: "يا رَبّ، مِنَ المُحْزِن جِدًّا أنَّهم لا يَعرفونَكَ. اجْذِبهم إليكَ". وإنْ رأيتُ مُشكلةً فإنَّني أقول: "يا رَبُّ، أنتَ حَلَّالُ المَشاكِل".

بعبارةٍ أخرى، فإنَّ الحياةَ تَصيرُ صَلاةً دائمةً. فَكُلُّ أفكارِها، وكُلُّ أفعالِها، وكُلُّ ظُروفِها تَصيرُ سَبَبًا أوْ نُقْطَةَ تَواصُلٍ مَعَ الله. وهذه هي الطَّريقةُ الَّتي ينبغي أنْ نَحيا بها. أَتَرَوْن؟ وهذا هو مَعنى أنْ تَهْتَمُّوا بما فَوْق. وهذا هو مَعنى أنْ تُفَكِّروا في المسيح، وأنْ يَكونَ حاضِرًا في أذهانِكُم حَتَّى يَصيرَ كُلُّ شيءٍ صَلاة في كُلِّ حَياتِكُم وكُلِّ أفكارِكُم.

وأعتقد أنَّ هذهِ هي النُّقطة الجوهريَّة في الحياةِ المسيحيَّة. أَتَرَوْن؟ فالسَّببُ الَّذي خَلَّصَكَ اللهُ لأجلِه هو الشَّركة. هل تَعلمونَ ذلك؟ فقد خَلَّصَكَ لأجْلِ الشَّركة. فهذا هو ما تَقولُهُ رسالة يوحنَّا الأولى إذْ نَقرأ: "الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ". فَلِماذا نُنادي بالإنجيل؟ "لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيح".

لقد خَلَّصَكُمُ اللهُ لأجلِ الشَّركة. فهو يُريدُ أنْ يكونَ في شركة مَعَكَ. ولا يوجد شَيءٌ يُعَبِّرُ عنِ الشَّركة أكثر مِنَ الصَّلاة. فهذا هو الوقتُ الَّذي تَتخاطَبُ فيهِ معَ الله. وإذا كُنْتَ قد خَلَصْتَ ولا تَتخاطَبُ مَعَهُ، فإنَّكَ تُنْكِرُ عَليهِ القَصْدَ الَّذي خَلَّصَكَ لأجلِه. وأنتَ تُنْكِرُ عَليهِ القَصْدَ الَّذي فَداكَ لأجلِه. فقد خَلَصْتَ لِتَكونَ في شَرِكَة مَعَهُ. لِذا، يجب علينا أنْ نُصَلِّي كُلَّ وَقْت.

وَجَذْرُ الكلمة المذكورة في رسالة كولوسي 4: 2: "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ" هو الجَذْر: "كارتيريئو" (kartereo). وهو يَعني: "أنْ تَكونوا ثابِتينَ، وأنْ تكونوا راسِخين". وهي كلمة استُخْدِمَتْ في الحديثِ عن مُوسى إذْ نَقرأُ إنَّهُ "تَشَدَّدَ" (في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 11: 27). وهي الكلمة المُستخدَمة بِصيغَتِها الأكثر توكيدًا في رسالة كولوسي مَعَ حَرْفِ جَرٍّ مُلْحَقٍ بها بعدَها. وهي تَعني: "أنْ تُواظِبَ وَتُثابِرَ على الصَّلاة".

والفِكرة هي ليست فقط أنْ تَفعلَ هذا الأمرَ براحَة مُتناهِيَة، وأنْ تَرفعَ بينَ الحينِ والآخر صَلاةً قَصيرةً إلى الرَّبِّ؛ بل إنَّها تُشيرُ إلى حياةٍ بأسرِها مِنَ الصَّراعِ القويِّ والمُثابِرِ على مَسائِلَ عَويصة. وكما تَعلمونَ، فإنَّ الصَّلاةَ هي نَهْجُ حَياةٍ يَكونُ فيهِ قَلْبُكَ مَفتوحًا لله. فهي صَلاةٌ حَارَّة، ومُلتهبة، وجَريئة، ومُثابِرَة. وهي تَعني أنْ تَصْمُدَ فيها وأنْ لا تُطْلِقَ الرَّبَّ إلَّا حينَ يُبارِكك.

وهل تَعلمونَ كيفَ قَدَّمَ رَبُّنا يَسوعُ مَثَلَيْنِ تَوضيحِيَّيْنِ في إنجيل لوقا والأصحاح 11، وإنجيل لوقا والأصحاح 18؟ فهو يَتحدَّث في أحدِ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ عن قاضٍ ظالِمٍ وامرأةٍ استمرَّت في المَجيءِ إليه، والتَّوَسُّل، والتَّوَسُّل، والتَّوَسُّل إلى أنْ فَعَلَ القاضي الظَّالم مَا أرادَتْهُ. وقد قَصَدَ الربُّ أنْ يقول إنَّهُ إنْ كانَ القاضي الظَّالِمُ مُستعِدّا أنْ يُعطي المرأةَ المُثابِرَةَ ما طَلَبَتْهُ، ما الَّذي سَيُعطيهِ اللهُ العادِلُ في رأيِكُم لواحِدٍ مِن أولادِهِ إنْ ثَابَرَ على طِلْبَتِه؟

وفي المَثَلِ الآخَر، رُبَّما تَذكرونَ الشَّخصَ الَّذي جاءَ وَراحَ يَقرعُ ويَقرعُ ويَقرعُ على بابِ صَديقٍ لَهُ فَقالَ لَهُ: "البَابُ مُغْلَقٌ الآنَ. اذْهَبْ وَنَمْ. إنَّ زوجَتي وأَوْلاَدِي مَعِي فِي الفِرَاش. لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَقُومَ وَأُعْطِيَكَ". ولكِنَّهُ يَستمرُّ في القَرْعَ والقَرْعِ إلى أنْ يَقولَ لَهُ ذلكَ الشَّخص: "حسنًا". ثُمَّ إنَّهُ يُعطيهِ خُبْزًا. وما قَصَدَ يسوعُ أنْ يَقولَهُ هو: إنْ كانَ الرَّجُلُ الَّذي نامَ في فِراشِهِ وَغَطَّ في النَّومِ مُستعِدًّا أنْ يَقومَ ويُعطي الخُبْزَ لِشَخْصٍ يَقرعُ على بابِهِ، ماذا سيُعطي الآبُ المُحِبُّ في رأيِكُم لواحدٍ مِن أولادِهِ إنْ كانت لديهِ حاجَة؟

والنُّقطة الجوهريَّة في كِلتا القِصَّتَيْن هي أنَّ الشَّخصَيْنِ ثابَرا إلى أنْ حَصَلا على ما أرادا. واللهُ يَقولُ لَكَ إنَّكَ إنْ ثابَرْتَ وكُنْتَ أمينًا في صَلواتِكَ، وَصَلَّيْتَ بِلَجاجَة، فإنَّهُ سَيَسْمَعُ ويَستجيب. لِذا، يجب أنْ تكونَ الحياةُ صَلاةً مُستمرَّةً. فقد تَمتلكونَ، يا أحبَّائي، قَدْرًا كبيرًا مِنَ المعلوماتِ يَجْعَلُكم لا تُفَكِّرونَ في اللهِ. فَكُلُّ ما تُفَكِّرونَ فيهِ هو الأشياء الَّتي تَعَلَّمتموها. والقَصْدُ كُلُّهُ مِمَّا تَعَلَّمْتَهُ هو أنْ يأتي بِكَ إلى حَضْرَةِ اللهِ. وسوفَ نَعرفُ المَزيدَ عن ذلكَ بعدَ قليل. إذًا نَرى أوَّلاً أنَّ وَتيرَةَ الصَّلاةِ هي: كُلَّ وَقْتٍ – كُلَّ وَقْتٍ. فَكُلُّ ما تَراهُ في الحياةِ يَصْعَدُ إلى اللهِ مِن خلالِ الصَّلاةِ لأنَّ قَناةَ الاتِّصالِ مَفتوحة تمامًا. وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "شَرِكَة" تُشيرُ إلى الصِّلة الحَميمة.

ثانيًا، نحنُ نَرى ليسَ فقط وَتيرَةَ الصَّلاةِ، بل إنَّ المَرَّةَ الثَّانية الَّتي تَرِدُ فيها الكلمة "كُلّ" تُرينا تَنَوُّعَ الصَّلاةِ: "مُصَلِّينَ كُلَّ وَقْتٍ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ" ... "بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ". فالكلمة "صَلاة" هي كلمة بسيطة تَعني بصورة عامَّة: "طِلْبات". فالكلمة "بروسوكي" (proseuche) تَعني "صَلاة" بالمَعنى العامّ. وهي "حَديث". والكلمة "طِلْبَة" ("ديسيس" – “deesis”) تُشيرُ إلى شيءٍ مُحَدَّد. إذًا، هناكَ طِلْباتٌ عامَّة أوْ صَلواتٌ بالمَعنى العامّ إذْ إنَّ أغلبيَّةَ صَلواتِنا هي صلوات عامَّة. ونحنُ نُصَلِّي أيضًا لأجلِ طِلْبات مُحَدَّدة.

ولكِنْ لاحِظوا أنَّهُ يجب علينا أنْ نُصَلِّي "بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ". وما الَّذي يَعنيهِ بالعبارة "بِكُلِّ صَلاةٍ وطِلْبَةٍ"؟ ببساطة: صَلواتٍ مِنْ كُلِّ الأنواع. فهذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. وهناكَ طُرُق مُختلفة للصَّلاة. فهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ الطريقةَ الوحيدةَ للصَّلاة هي أنْ يَرْكَعوا. وهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ الطريقةَ الوحيدةَ للصَّلاة هي أنْ يَرْفَعُوا أيديهم. وهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ الطريقةَ الوحيدةَ للصَّلاة هي أنْ تَضَعَ يَديكَ بهذه الوضعيَّة أو تلكَ الوضعيَّة. وهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ الطريقةَ الوحيدةَ للصَّلاة هي أنْ تَتْلو صَلواتٍ مِنْ كِتابِ صَلاةٍ أوْ أنْ تُصَلِّي الصَّلواتِ الَّتي تَعَلَّمْتَها.

اسمعوني: إنَّهُ يَقولُ: "مُصَلِّينَ كُلَّ وَقْتٍ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ". وبالمناسبة، إنْ كُنتَ سَتُصَلِّي كُلَّ وَقْتٍ، ينبغي أنْ تُصَلِّي كُلَّ أنواعِ الصَّلاةِ لأنَّكَ لن تَبقى على الحالِ نَفْسِها. فيمكنكَ أنْ تُصَلِّي صَلاةً عامَّةً أو خاصَّةً. ويمكنكَ أنْ تُصَلِّي بصوتٍ مَسموعٍ أوْ بِصَمْت، بِصَوتٍ عالٍ أو بهَمَساتٍ خَفيضَة، صَلواتٍ مُحَضَّرة مُسَبَّقًا ومُخَطَّط لها أو صَلواتٍ عَفْويَّة. وقد تُصَلِّي لأجلِ طِلْباتٍ، أو شُكْرٍ، أوِ اعترافٍ، أو إقرارٍ باتِّضاعِكَ، أو صَلواتِ تَسبيح. ويمكنكَ أنْ تَرْكَعَ أوْ تَقِفَ أوْ تَرفَعَ يَديكَ أوْ تُصَلِّي وأنتَ مُسْتَلْقٍ. فهو يَقولُ ببساطة: "صَلُّوا كُلَّ وقتٍ بِكُلِّ الطُّرُق".

وهذه إشارة جَيِّدة إلى أنَّهُ يَعني فقط أنْ نُصَلِّي طَوالَ حَياتِنا. وأنا أحيانًا، أو في الحقيقة كُلَّ ليلة تَقريبًا، أَرْكَعُ وأُصَلِّي معَ أبنائِنا. فنحنُ نَرْكَع. ومعَ أنَّ "ميليندا" (Melinda) تُحِبُّ أنْ تَستلقي، فإنَّ البقيَّة يَرْكَعون. ونحنُ نُصَلِّي. ثُمَّ إنَّني أذهبُ للنَّومِ أحيانًا أو أستلقي في السَّرير وأرفعُ عينيَّ إلى فوق وأُصَلِّي وَحَسْب. وأنا أجِدُ نفسي قد استيقظتُ في الصَّباح مِنْ دونِ أنْ أقولَ "آمين".

وأنا أُصَلِّي في أثناءِ المَشْي. وأنا أذكُرُ أنَّني حينَ كنتُ في الجامعة، وكنتُ أتعلَّمُ كيفَ أَعِظ، أَذكرُ أنَّهم كانوا يأخُذونَنا في سَيَّارة. فقد كانوا يأخذونَ خَمسةً مِنَّا في سَيَّارة ويُنْزِلونَ كُلًّا مِنَّا عندَ مَحَطَّاتٍ مُختلفة للحافِلات في المُدُن لكي نَعِظَ هُناك. وقد كانوا يأخذوني إلى مَحَطَّة "غريهاوند" (Greyhound) ويقولونَ لي: "ها هي مَحَطَّتُك. عِظْ هُنا. سوفَ نَعودُ بعدَ ساعَتَيْن". وكنتُ أَعِظُ عِظَةً ثُمَّ آخُذُ استراحةً لِرُبْعِ ساعة، ثُمَّ أذهبُ لأشْهَد، ثُمَّ أَعِظُ عِظَةً أخرى.

وقد كانَ هذا الأمرُ مُخيفًا لِشابٍّ يَافِع. وأَوَدُّ أنْ أَعترفَ لكم بأنَّهُ ما يَزالُ مُخيفًا. فأنا لن أفعلَ ذلكَ الآن. ولكِنْ على أيِّ حال، كنَّا طَوالَ الطَّريقِ إلى هُناكَ نُصَلِّي. فقد كُنَّا نُصَلِّي ونحنُ في السَّيَّارة. وأَذكرُ أوَّلَ مَرَّة قُمنا فيها بذلك إذْ إنَّ الأمرَ بَدا غَريبًا. فالشَّخصُ الَّذي كانَ يَقودُ السَّيَّارة كانَ يُصَلِّي دُوْنَ أنْ يُغْمِضَ عينيه. وكُلَّما أَطَلْتُ التَّفكيرَ في ذلك أَحْبَبتُ الفِكرةَ أكثر، بِصَراحة. وهذه شَهادة حَيَّة على حقيقةِ أنَّهُ مِنَ الجَيِّدِ أنْ تُصَلِّي هكذا إنْ كُنْتَ تَقودُ السَّيَّارة.

وعلى أيِّ حال، يمكنكَ أنْ تُصَلِّي وأنتَ تَقودُ سَيَّارتك. والحقيقة هي أنَّ "بيل كلاترهام" (Bill Clutterham) أخبرني في هذا الصَّباح أنَّ زوجَتَهُ تَستطيعُ أنْ تَعْرِفَ دائمًا إنْ كانَ يُصَلِّي وَهُوَ يَقودُ السَّيَّارة لأنَّ سُرعَتَهُ تَقِلُّ أكثر فأكثر فأكثر فأكثر. فَكُلَّما زادَ اقترابًا مِنَ اللهِ، زادت حَساسِيَّتُه لِلسُّرعةِ المَسموحِ بها.

وعلى أيِّ حال، يمكنكَ أنْ تُصَلِّي كُلَّ وقتٍ، وفي كُلِّ الظُّروف، وفي أيِّ مَوْقِفٍ تَجِدُ نَفسَكَ فيه. وهذا هُوَ تَمامًا ما يَقولُهُ بولُس. فبعدَ أنْ تَعْلَمَ كُلَّ المواردِ غيرِ المحدودة المُتاحة لكَ في المسيح، لا تَظُنَّ لَحظةً واحدةً أنَّكَ لستَ مُتَّكِلاً كُلَّ حِيْن على قُوَّةِ اللهِ - لأنَّكَ مُتَّكِلٌ عليه. لِذا، اجْعَل كُلَّ شيءٍ صَلاة.

لِذا فإنَّ بولسَ يقولُ لتيموثاوسَ في رسالتهِ الأولى إلى تيموثاوس 2: 8: "فَأُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ الرِّجَالُ فِي كُلِّ مَكَانٍ". وإنْ دَرَسْتَ الصَّلواتِ في الكِتابِ المقدَّس، ستَجِد أنَّ هُناكَ كُلَّ أنواعِ الصَّلواتِ وكُلَّ أنواعِ الوَضْعِيَّاتِ، وكُلَّ الأوقاتٍ. فالصَّلاةُ نَهْجُ حَياة. والجُنديُّ يُصَلِّي في كُلِّ حين أنَّهُ حينَ تبتدئُ المَعركة، حَتَّى لو كانَ هُجومًا مُباغِتًا، أنْ يكونَ مُستعدًّا. ويجب أنْ يعيشَ حياةً مُنْفَتِحَةً على اللهِ بالكامِل.

اسمعوني: أَذْكُرُ أنِّي ذَهبتُ إلى مُؤتمرٍ للرُّعاةِ معَ بعضِ الخُدَّامِ، وأنَّ شخصًا وَقَفَ وَوَعَظَ عن حقيقةِ أنَّهُ يجب علينا أنْ نُصَلِّي في الصَّباح. وأنا أَعْني أنَّهُ وَعَظَ قائلاً: "يَجِب علينا أنْ نُصَلِّي في الصَّباح". وقد راحَ يَذْكُرُ كُلَّ آيَةٍ، كما فَعَلْتُ أنا في هذا الصَّباح. المزمور 63: "يَا اَللهُ ... إِلَيْكَ أُبَكِّرُ". وقد ذَكَرَ جَميعَ الأشخاصِ الذينَ كانوا يُصَلُّونَ في الصَّباحِ، وَذَكَرَ أنَّهُم كانوا يُصَلُّونَ في الصَّباح، وأنَّهُ يجب علينا أنْ نُصَلِّي في الصَّباح. وقد كانت عِظَةً رائعةً.

وطَوالَ الوقتِ الَّذي كانَ يَعِظُ فيه، كنتُ أنظرُ إلى جميعِ الآياتِ الكِتابيَّة الَّتي تتحدَّثُ عنِ الصَّلاةِ في المساء، وفي الظَّهيرة، وَهَلُمَّ جَرَّا. وما أعنيه هو أنَّهُ كانَ مُحِقًّا. فيجب علينا أنْ نُصَلِّي في الصَّباح، ولكِنَّ هذا لا يَعني أنْ نَسْتَثْني الأوقات الأخرى. فالمزمور 55: 17 يقول: "مَسَاءً وَصَبَاحًا وَظُهْرًا أَشْكُو وَأَنُوحُ". وقد صَلَّى دانيالُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في اليوم. ونَقرأُ عن يسوعَ في إنجيل لوقا 6: 12: "وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَة". ونقرأُ في رسالة تيموثاوس الأولى 5: 5 إنَّ الأرامِلَ كُنَّ يُواظِبْنَ على الصَّلاةِ "لَيْلاً وَنَهَارًا". فالصَّلاةُ هي نَهْجُ حَياة.

والصَّلاةُ، مِنْ جِهَة، يا أحبَّائي، هِيَ أَهَمُّ مِنَ المعرفة. وينبغي لنا أنْ نَعرفَ ذلك. فمِنْ جِهَة، فإنَّها أكثرُ أهميَّةً مِنَ المَعرفة. وقد قالَ "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Jones): "إنَّ مَقامَنا النِّهائيَّ بوصفِنا مَسيحيِّينَ يَتوقَّفُ على حَياةِ الصَّلاةِ لدينا". فقد تمتلك مَعرفة واسعة. وقد تكونُ طَالبًا في كُليَّةِ اللَّاهوت، أوْ خِرِّيجَ كُليَّةِ لاهوت، أو خادمًا، أو راعيًا، أو مُرْسَلاً، أو مُعَلِّمًا للكتابِ المقدَّسِ. ولكِنَّ حياةَ الصَّلاةِ لديكَ هي المِحَكُّ الحَقيقيُّ لِعُمْقِ مَعرفتكَ للهِ وعلاقَتِكَ به.

وما السَّببُ الَّذي يَدفعُني إلى قَوْلِ ذلك؟ للسَّبَبِ التَّالي: اسمعوني: إنَّ اللَّاهوتَ ... اسمعوني ... هو في النِّهاية مَعرفةُ اللهِ. أليسَ كذلك؟ فاللَّاهوتُ هو مَعرفةُ اللهِ. لِذا، كُلَّما زادَتْ مَعرفتي عنِ اللَّاهوتِ، زادَتْ مَعرفَتي عنِ الله. وكُلَّما زادت مَعرفتي عنِ اللهِ، زادَتْ رَغْبتي، كما يَقولُ المُرَنِّمُ، في الالتصاقِ به. وإنْ كنتُ أقولُ إنِّي أمتلكُ كُلَّ هذه المعرفة، ولكنِّي لا أَمْلِكُ الدَّافعَ لأنْ أكونَ في حَضْرَتِهِ طَوالَ سَاعاتِ يَقَظَتِي، هُناكَ شَكٌّ في التَّأثيرِ الَّذي تَرَكَتْهُ تلك المعرفة في حياتي.

فأنا أَدْرُسُ لكي: " يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ". وأنا أَتَعَلَّمُ الكلمة لكي أَعرفَ اللهَ. فكُلَّما عَرَفْتُهُ أكثر، زادَتْ رَغبتي في أنْ أكونَ في حَضرتِه. وإنْ عَرَفْتَ هذا كُلَّهُ ولم تَشْعُر بالجُوعِ والعَطَشِ إلى أنْ تكونَ في حَضرَتِه، ولم تَكُنْ خُطوطُ الاتِّصالِ مَفتوحة مَعَهُ طَوالَ لَحَظاتِ يَقَظَتِك، هُناكَ شَكٌّ في أنَّ لاهُوتكَ قد تَرَكَ التَّأثيرَ الصَّحيحَ فيك. وهذا يُرينا إذًا أنَّهُ يجب علينا أنْ نُصَلِّي في كُلِّ الأوقات، وأنْ نُصَلِّي جَميعَ أنواعِ الصَّلواتِ إذْ نَجْعَلُ حَياتَنا مَفتوحَةً لله.

وكما قُلتُ، فهو يُريدُ مِنَّا أنْ نَعرِفَهُ لأنَّ الشَّرِكَة هي النَّتيجة النِّهائيَّة. فهل تتمتَّع بهذه الشَّركة مَعَهُ؟ وهل حَياتُكَ صَلاةً دائمةً؟ فيا لها مِنْ شَيءٍ مُطَهِّرٍ. ثالثًا، نَرى هُنا لا فقط وَتيرةَ الصَّلاةِ، وَأنواعَ الصَّلاةِ (أوْ تَنَوُّعَ الصَّلاةِ)، بل أيضًا كَيفيَّةَ الصَّلاةِ، ثالثاً. فهو يقول: "وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ".

بعبارة أخرى، يجب علينا أنْ نَسْهَرَ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ. وتَرَوْنَ مَرَّةً أخرى فِكرةَ المواظَبَة بِمَعنى الاستمرارِ في القيامِ بذلك، والثَّباتِ على ذلك، والدَّأبِ على ذلك، وعدمِ التوقُّف، والمُواظَبَة. فيجب علينا أنْ نُصَلِّي باستمرار وأنْ نَكونَ سَاهِرين. فالصَّلاةُ تَعني أنْ نكونَ مُتَيَقِّظينَ لما يَجري، وأنْ نُراقِبَ ما يَحْدُث. فقد قالَ يسوع: "اِسْهَرُوا إِذًا وَتَضَرَّعُوا" عِدَّةَ مَرَّاتٍ. ونَقرأ في رسالة بُطرس الأولى 4: 7: "وَاصْحُوا لِلصَّلَوَاتِ". فلا يُمكنكَ أنْ تُصَلِّي على نَحْوٍ صَحيحٍ ما لم تَكُنْ مُدركًا لِمَا يَجري. وحينَ تَصِلُ إلى الموضعِ الَّذي يَمتلئُ فيهِ قَلبُكَ بالصَّلاةِ، فإنَّ السَّببَ في ذلك هو أنَّكَ تُدركُ أنَّ هناكَ أُمورًا كثيرةً تَجري.

وقد كنتُ أُصَلِّي معَ زَوجتي في اللَّيلة الماضية. فقد كُنَّا نتحدَّثُ عن حقيقة أنَّهُ مِنَ الصَّعبِ على المرءِ في هذه الأيَّامِ أنْ يُصَلِّي – لا لأنَّكَ لا تَعلمُ ما تُصَلِّي لأجله، بل لأنَّ هناكَ أُمورًا كثيرةً تَجري أكثرَ مِنْ قُدرتكِ على الاستيعاب. فكما تَعلمونَ، نحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ يَكْثُرُ فيهِ التَّواصُل. فأنا أتلقَّى رَسائلَ مِنْ مُسْتَمِعي المحطَّة الإذاعيَّة، وَمِنْ مُستمِعي العِظاتِ المُسَجَّلة، ومِنَ النَّاسِ في العَمَلِ الإرساليّ مِنْ كُلِّ مكان. والكنيسة كبيرة جدًّا. وهناكَ حاجاتٌ كثيرة جدًّا. ونَشْرَةُ الصَّلاةِ الَّتي تَصْدُرُ مساءَ يومِ الأربعاء طَويلة جِدًّا!

فهناكَ أمورٌ كثيرة جدًّا حَتَّى إنِّي أقولُ أحيانًا: "يا رَبّ، لا أدري ما أقولُهُ لَكَ سِوى أنْ تَقرأَ نَشْرَةَ طِلْباتِ الصَّلاة!" وما أعنيهِ هو أنَّني أُصْدَمُ حَقًّا. فقدِ اعْتَدْتُ على الاحتفاظِ بلائحةٍ بطِلباتِ الصَّلاةِ، وعلى تَدوينِ طِلْباتِ الصَّلاةِ؛ ولكِنَّ اللَّائحةَ صارت كَبيرة جِدًّا! وأنا ما زِلْتُ أفعل ذلك، ولكنَّها ضَخمة جدًّا حَتَّى إنَّني أَعْجَزُ عنِ البَدء. اسمعوني: لو صَلَّيْتُ دُونَ تَوَقُّفٍ، لن أتمكَّنَ مِنَ الصَّلاةِ لأجلِ كُلِّ الأشياءِ الَّتي أريدُ مِنْ قلبي أنْ أُصَلِّي لأجلِها.

ولكِنْ يجب عليَّ أنْ أستمرَّ في المُراقبة، وأنْ أكونَ مُتَيَقِّظًا لكي أتمكَّنَ مِنْ رُؤيةِ الحاجاتِ المُلِحَّة. فأنا أريدُ أنْ أُصَلِّي لأجلِ الحاجاتِ المُحَدَّدة لأنَّ اللهَ يُجيبُ الصَّلواتِ المُحَدَّدة، وأُريدُ حينئذٍ أنْ أُمَجِّدَهُ لأجلِ ذلكَ تَحديدًا. فنحنُ نقرأ في إنجيل يوحنَّا 14: 13 و 14: "وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ". وكما تَرَوْنَ، فإنَّ اللهَ يُجيبُ الصَّلاةَ لكي يُظْهِرَ قُدرَتَهُ. وإنْ لم تُصَلُّوا صَلواتٍ مُحَدَّدة، فإنَّهُ لن يَتمكَّنَ مِنْ إظهارِ نفسِه.

وقد أخبرتُكم ذاتَ مَرَّة عن "مارسي" (Marcy). فقد كانت تُصَلِّي حينَ كانت صغيرة وتقول: "يا رَبّ، بارِك العالَم كُلَّهُ بِمُجمَلِه". وكنتُ أقولُ لها دائمًا: "مارسي! لا يمكنكِ أنْ تُصَلِّي هكذا. فاللهُ لا يستطيعُ أنْ يَفعلَ ذلك. فهو لا يَستطيعُ أنْ يقولُ للعالم: ’تَبارَك! هل تَشعرُ أنَّكَ بِحالٍ أفضل الآن؟‘ فالعالمُ كبيرٌ جِدًّا! لذلك، يجب أنْ تُصَلِّي صَلواتٍ مُحَدَّدة". وقدِ اعتادَ أبناؤنا جَيِّدًا على ذلك. والآنْ، نحنُ نُصَلِّي لأجلِ أُمورٍ مُحَدَّدة. واللهُ يَستجيبُ لأمورٍ مُحَدَّدة فَنُمَجِّدُهُ.

اسهروا، وَتَيَقَّظوا. فهل تَعلمُ ما يَحدُثُ في حياةِ النَّاسِ المُحيطينَ بك؟ وبالمناسبة، فإنَّ الكلمة "سَاهِرينَ" تُعطينا فِكرةً صغيرةً أيضًا بأنَّهُ يجب علينا أنْ نَنظرَ إلى الخارج، لا إلى الدَّاخل. فنحنُ نَعرفُ مَشاكِلَنا الشخصيَّة. لِذا، لا يجوزُ لنا أنْ نَصْرِفَ وقتًا طويلاً في الصَّلاةِ لأجلِ أنفُسِنا. بل يجب علينا أنْ نَصرفَ وقتَنا في الصَّلاةِ معَ الأشخاصِ الآخرين. انظروا حولَكُم، وراقِبوا، وانظروا حاجاتِهم. وأودُّ أنْ أُخبركم عنِ الشَّيءِ الَّذي يَقْتُلُ ذلك: الأنانيَّة.

وبصراحة، أَوَدُّ أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا: فالأغلبيَّة مِنَّا لا يُصَلُّونَ حَقًّا إلَّا عندَ حُدوثِ مُشكلة في حياتِنا. فنحنُ مُنْهَمِكونَ في مَشاكِلِنا عَشْرَ أضْعافِ انْهِماكِنا في مَشاكِلِ الآخرين. وهذا يُرينا الأنانيَّةَ الَّتي نَعيشُ فيها.

فهل يُمكنُ أنْ تَنْسَى أنْ تُصَلِّي لأجْلِ نفسِك لأنَّكَ مُنْهَمِكٌ في الصَّلاةِ لأجلِ الآخرينَ، كما فَعَلَ الرَّسولُ الحَبيبُ بولُس؟ وهل يمكنكَ أنْ تقول: "كَمَا أَذْكُرُكَ بِلاَ انْقِطَاعٍ فِي طَلِبَاتِي لَيْلاً وَنَهَارًا"؟ وهل صَلَّيْتَ يومًا لأجلِ أيِّ شخصٍ ليلاً ونَهارًا بِدُموع؟ فَرُبَّما ذَرَفْتَ الدُّموعَ على مَشاكِلِكَ الشخصيَّة، ولكنِّي أتساءَلُ عَنْ عَدَدِ المَرَّاتِ الَّتي فَعَلْنا فيها ذلك لأجلِ مشاكِلِ شخصٍ آخر. وهذا يُرينا مِقدارَ أنانيَّةِ القلبِ البشريِّ، حَتَّى قلبِ الإنسانِ المؤمن. ولكِنْ يجب علينا أنْ نَكونَ ساهرين "بروسكارتيريسيز" (proskarteresis)؛ أيْ أنْ نكونَ مُواظِبينَ، وجادِّينَ، وثابتينِ باستمرار، وساهِرينَ، ومُصَلِّينَ، ومُتَيَقِّظينَ لحاجاتِ الآخرين.

وبالمناسبة، يمكنني أنْ أُضيفَ هُنا: "لا تَهتمُّوا كثيرًا بالحاجاتِ الجسديَّة". فكما تَعلمون، نحنُ نُصَلِّي لأجلِ التهابِ المَفاصِلِ عندَ العَمَّة "مارثا"، ومُشكلةِ القلبِ عندَ فُلان، وقَدَمِ فُلان المكسورة، والعمليَّةِ الجِراحيَّةِ الَّتي سيَخضَعُ لها فُلان. وأنا لا أُمانِعُ في الصَّلاةِ لأجلِ هذه الأمور. ولكِنْ بصراحة، يا أحبَّائي، فإنَّ هذه الأشياءَ تأتي في نِهايةِ لائِحَةِ صَّلاتي. فما يَهُمُّني أكثر هو المعركة الرُّوحيَّة، والحرب، وما إذا كانَ المؤمنونَ سيَنتصرونَ في المعركة. فمعَ أنَّ الأمورَ المُختصَّةَ بالجسد هي ماديَّة، فإنَّها ليست ماديَّة. وما يُقْلِقُني حَقًّا هو أنْ يكونَ هناكَ أشخاصٌ لا يُدركونَ أنَّهُ توجد نُصرة في حياتِهم، وأنْ يكونَ هناكَ أشخاصٌ لا يَرَوْنَ اللهَ يَقومُ بِعَمَلِهِ العظيم، وأنْ يكونَ هناكَ شخصٌ لا يَعلم أنَّهُ يَمتلك كُلَّ ما يَحتاجُ إليهِ لإطلاقِ قُوَّةِ رُوْحِ الله. فهذا هو ما يُقْلِقُني.

وأنا أُصَلِّي لأجلِ امتدادِ مَلكوتِ اللهِ ولأجلِ حَياةِ شَعْبِه. وأنا أُصَلِّي لأجلِ النُّفوسِ الَّتي سَتُرْبَح ليسوعَ المسيح. فَمِنَ الصَّعبِ جِدًّا عَلَيَّ أنْ أَضَعَ في رأسِ لائِحَةِ الصَّلاةِ لديَّ المشاكلَ الجسديَّة، معَ أنَّني أُدركُ أنَّ هذه حاجة، وأنَّ لها تأثيرٌ هائلٌ في حياتِنا الروحيَّة. ولكِنَّ هذا يأتي في المَرتبة الثَّانية.

وإليكُم ما يَقولُهُ بولُس: "انظروا! نحنُ نَخوضُ حَرْبًا. ويجب عليكم أنْ تُصَلُّوا لأجلِ الحرب. فليسَ مِنَ السَّهلِ عليكم أنْ تَخوضوا مَعركةً. لِذا فإنَّني أُصَلِّي لأجلكم". فأنا أُصَلِّي لأجلِ ذلكَ أوَّلاً، ثُمَّ لأجلِ الأشياءِ الماديَّة. ولكِنِّي أُصَلِّي في المقامِ الأوَّل أنْ يُعطيكُم اللهُ نُصرةً. وأنا أُصَلِّي أنْ تَنتصروا في معركتكم معَ الشَّيطان. وأنا لا أُبالي حَقًّا بما يجري لجسدي أو لأجسادِكم ما دُمْنا نُحْرِزُ النَّصْرَ لِمَجْدِ الله. آمين؟ فهذه هي المعركة. وهذه هي المسألة الجوهريَّة. لِذا فإنَّنا نُرَكِّزُ على الشيءِ الَّذي تَدعو إليهِ الحاجةُ الماسَّة. لِذا، عندما يُقَدِّمُ بولسُ هُنا طِلْبَةَ صَلاة، فإنَّهُ لا يَقول: "صَلُّوا لأجلي. فأنا مَسجونٌ. أرجوكم أنْ تُصَلُّوا لأجلي. فأنا مُقَيَّدٌ بهذه السَّلاسِلِ الَّتي تَحْتَكُّ بِعَظمي. صَلُّوا لأجلِ ساقي اليُمنى". لا!

بل إنَّهُ يقول: "صَلُّوا لأَجْلِي لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيل". بعبارة أخرى: "صَلُّوا لأجلي حَتَّى عندما يُجَرِّبُني الشَّيطانُ بأنْ أُغْلِقَ فمي، أَنتَصِر على التَّجربة وأُنادي بالإنجيل. صَلُّوا لكي أَنتصرَ في المعركة".

فيجب علينا، يا أحبَّائي، أنْ نَنهمكَ في التَّضَرُّعِ بعضُنا لأجلِ بعض بمواظبة فيما نُراقبُ وَنَرى الحاجاتِ الموجودة. فهل تَعرفونَ حَقًّا حاجاتِ النَّاسِ مِنْ حَولِكُم؟ وهل تَعرفونَ الحاجاتِ الروحيَّة لشريكِ حياتِكُم، ولأبنائكم، ولأصدقائكم، ولجيرانِكم، وللنَّاسِ في درسِ الكتابِ المقدَّس الَّذي تذهبونَ إليه، ولِمَعارِفِكُم؟ وهل تُصَلُّونَ حَقًّا لأجلهم وَهُمْ يَخوضونَ المعركة؟ فأحيانًا، قد يكونُ كُلُّ ما يمكننا فِعْلُه هو الصَّلاة حينَ تَحِلُّ الكارثة. ولكِنَّ الصَّلاةَ الوِقائيَّة قد تُساعِد أيضًا.

إذًا، نَرى وَتيرةَ الصَّلاةِ إذْ هي: "كُلَّ وَقْتٍ". ونَرى تَنَوُّعَ الصَّلاةِ: "مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ". ونَرى طَريقةَ الصَّلاةِ: "سَاهِرِينَ ... بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ". وأخيرًا، نَرى الهَدَفَ غيرَ المُباشِرَ للصَّلاةِ: "مُصَلِّينَ كُلَّ وَقْتٍ لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ" كما جاءَ في نهايةِ العدد 18.

وهذه هي النُّقطةُ الأخيرةُ الَّتي ذَكَرناها. فيجب علينا أنْ نُصَلِّي بعضُنا لأجلِ بعض. وهل تَعلمونَ أنَّ النَّصَّ لا يُخبرُنا أنْ نُصَلِّي لأجلِ أنفُسِنا. فهذه ليست الأولويَّة. فأنا لديَّ تَعَهُّدٌ شَخصيٌّ في حياتي الشخصيَّة، ولا أريدُ أنْ أَفْرِضَهُ على أيِّ شخص. ولكنِّي لا أُصَلِّي لأجلِ نفسي. فأنا لستُ قادرًا على استيعابِ كُلِّ الحاجات. وأنا لم أشعر يومًا بالحاجةِ المُلِحَّةِ للصَّلاةِ لأجلِ نفسي. فأنا أُدركُ أنَّ لديَّ حاجات. وأنا أسالُ الربَّ أنْ يُسامِحَني على الأمورِ الخاطئةِ، وأنا أعترفُ بالأخطاءِ الَّتي أقومُ بها في حياتي؛ ولكنِّي لا أُرَكِّزُ على نفسي. فأنا مُطيعٌ في هذا الأمر. فأنا أَثِقُ في الكِتابِ المقدَّسِ وأُصَلِّي لأجلِ الآخرينَ، لا لأجلِ نفسي. وأنا مُغَطَّى لأنَّ الآخرينَ يُصَلُّونَ لأجلي.

ويا لَهُ مِنْ أمرٍ رائعٍ أنْ نُصَلِّي لأجلِ الآخرين. وقدِ التقيتُ شخصًا ذاتَ مَرَّة فقالَ لي: "أتَدري أنَّ خِدْمَتَكَ بارَكَتْني. سوفَ أَضَعُكَ على لائِحَةِ صَلاتي سِتَّةَ أشهُر". وقد فَكَّرْتُ في أنَّ هذا مُضْحِك. فماذا ينبغي أنْ أفعلَ لأحصلَ على سَنَة كاملة؟ ولكنِّي ابتدأتُ في التَّفكيرِ في ذلك. وقد فَكَّرْتُ في أنَّهُ تَعَهَّدَ أنْ يَفعلَ ذلك. وليُبارك اللهُ قَلبَهُ على ذلكَ التَّعَهُّد. فهو تَعَهَّدَ بأنْ يُصَلِّي لأجلي. وقدِ انْتَهى بي المَطافُ بالصَّلاةِ لأجلِه لأنَّهُ طَوالَ فَترةِ الأشهرِ السِّتَّة الَّتي كُنْتُ مُدركًا فيها أنَّهُ يُصَلِّي لأجلي، شَعرتُ بالمسؤوليَّة في الصَّلاةِ لأجله لأنَّهُ إنْ حَدَثَ لَهُ مَكروهٌ فإنَّهُ سيتوقَّفُ عنِ الصَّلاةِ لأجلي. أَتَرَوْن؟

إذًا، هذه هي الطريقةُ الَّتي يَنمو فيها الجسدُ في المحبَّة. وهذه هي الطريقة الَّتي نَصيرُ فيها واحدًا – حينَ لا ننتظرُ إلى أنْ تأتي المَصائبُ لكي نُصَلِّي، بل أنْ نَنْهَمِكَ في الصَّلاةِ لأجلِ الآخرين. لِذا فإنَّنا نَتعلَّمُ أنْ نُصَلِّي مِن خلالِ الصَّلاةِ لأجلِ الآخرين. وهذه هي حياةُ الصَّلاةِ في جسدِ المؤمنين. وقد كانَ الرَّسولُ بولسُ قُدوةً صَالِحَةً جدًّا. فقد كانَ يُصَلِّي دائمًا لأجلِ الآخرين. ونحنُ نَقرأ في سِفْر صموئيل الأوَّل 12: 23: "وَأَمَّا أَنَا فَحَاشَا لِي أَنْ أُخْطِئَ إِلَى الرَّبِّ فَأَكُفَّ عَنِ الصَّلاَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ".

لا تَقلق على نفسِك. فأنتَ تُصَلِّي لأجلِ شخصٍ آخر، والشَّخصُ الآخر يُصَلِّي لأجلِك، والكُلُّ يَأخُذُ نَصيبَهُ مِنَ الصَّلوات. أليسَ كذلك؟ فعندما يَمرَضُ عُضْوٌ في الجسد، فإنَّ الأعضاءَ الأخرى تُؤازِرُهُ بطريقة مُباشرة وغير مُباشِرة. وكذلك هي الحالُ في الصَّلاة. لِذا، صَلُّوا بَعضُكم لأجل بعض. فالإصبعُ المَريضُ لا يَستطيعُ أنْ يُساعِدَ نفسَهُ. لِذا، يجب على بقيَّةِ الجسد أنْ يَضُخَّ حَياةً جديدةً في ذلك الإصبَعِ المَجروح. فالعُضوُ المُصابُ في جَسَدِكَ، أوِ المَجروح، يَحتاجُ إلى الدَّعْمِ مِنْ جَميعِ الأعضاءِ الأخرى. فهو لا يَستطيعُ أنْ يَدْعَمَ نَفسَهُ في ضُعْفِه. لِذا، يجب علينا أنْ نُصَلِّي بَعْضُنا لأجلِ بعض، وأنْ نَهْتَمَّ بذلك.

ولِعِلْمِكُم، قبلَ انْدِلاعِ الحَربِ الإسبانيَّة المَدنيَّة في بَرشلونة ومَدريد وأجزاءٍ أخرى مِنْ إسبانيا، كانَت هناكَ عِياداتٌ للطِّبِّ النَّفسيِّ في جَميعِ أرجاءِ إسبانيا. وكانت هذه العِياداتُ تَستقبِلُ أعدادً كبيرةً مِنَ المُصابينَ بأمراضِ عَصبيَّة، بحسبِ المُؤرِّخين. وقد كانَ هؤلاءِ المُصابونَ بأمراضٍ عَصبيَّة قد خَضَعُوا لجلساتٍ طويلةٍ مِنَ العِلاجِ لأمراضِهم العَصبيَّة. وكانوا يَعيشونَ تحتَ إشرافٍ مُباشِرٍ مِنَ الأطبَّاءِ النَّفسيِّين، وَهَلُمَّ جَرَّا. وكانَ عَدَدُ المَرضى كَبيرًا. ويقولُ أحدُ المُؤرِّخين شيئًا مُدهشًا. فقد قاموا بدراسةٍ نفسيَّة واجتماعيَّة على تأثيرِ الحربِ المدنيَّة الإسبانيَّة فوجدوا شيئًا عجيبًا يَختصُّ بجميعِ الأشخاصِ الَّذينَ كانت لديهم مشاكل شخصيَّة، وقلق، وهُموم، وتجارب، والَّذينَ كانوا يَخضعونَ للعلاجِ النَّفسيِّ، والتَّحليلِ النَّفسيِّ، وكُلِّ تلك الأشياء.

فحالَ ابتداءِ الحَربِ الأهليَّة، كانَ واحدٌ مِنْ تأثيراتِ الحربِ الأولى والكُبرى هو أنَّها أَفْرَغَتْ تَقريبًا جميعَ عِياداتِ الطِّبِّ النَّفسيِّ والرِّعايةِ النَّفسيَّةِ في إسبانيا. وهذا مُدهشٌ حقًّا. وقد قالَ أحدُ الكُتَّابِ إنَّ هؤلاءِ المَرضى العَصَبِيِّينَ شُفُوا فَجأةً بسببِ وُجودِ مَصْدَرِ قَلَقٍ أعظَم. فالقَلَقُ على حَياتِهِم بأسرِها (سَواءٌ على بُيوتِهِم الَّتي قد تَزول، أو على بَقاءِ شُرَكاءِ حَياتِهِم على قَيْدِ الحياةِ، أو على بَقاءِ أبنائِهم على قَيْدِ الحَياةِ)، هذه الهُمومُ الأكبر حَرَّرَتْهُمْ مِنَ الهُمومِ الأصغَر. ولأنَّهُم اضْطُرُّوا إلى التَّفكيرِ في المُشكلة الأكبر، نَسَوْا مَشاكِلَهُم الشَّخصيَّةَ الأقَلّ شأنًا.

فهل تُريدُ أنْ تكونَ شخصًا مُعافَى؟ إذًا، تَوَقَّف عنِ التَّفكيرِ في ذاتِك وفَكِّر في الأمورِ الأخرى الأكثر أهميَّةً، ولا سِيَّما في المعاركِ الرُّوحيَّةِ الَّتي يَخوضُها الآخرون. فإنْ نَسَيْتَ نَفْسَكَ وَرَكَّزْتَ على الصَّلاةِ لأجلِ ملكوتِ اللهِ، سَتَتلاشى مَشاكِلُكَ الأقَلّ شأنًا.

وأنا أُدركُ أنَّ الشَّيءَ نَفسَهُ حَدَثَ في بريطانيا خِلالَ الحربِ العالميَّة الثَّانية. فالخوفُ الأعظَم طَرَدَ الخوفَ الأقل شأنًا. وأعتقد أنَّهُ يجب علينا أنْ نَتعلَّمَ ذلك. فواحدٌ مِنَ الأسبابِ الَّتي تجْعَلُنا مُجتمعًا مَريضًا، وشَعبًا يُعاني كُلَّ أنواعِ الأوجاعِ والأمراضِ والمشاكلِ النفسيَّة هو أنَّنا، ببساطة، نُرَكِّزُ بالكُلِّيَّةِ على أنفُسِنا.

والحقيقةُ هي أنَّني أرى نَفسي، إلى حَدٍّ ما، صَبورًا. وأنا أقولُ "إلى حَدٍّ ما" لأنَّ البعضَ قد يَختلفونَ مَعي في وُجهةِ النَّظر. ولكِنْ أتَعلمونَ أنَّ الشَّيءَ الَّذي أَجِدُ صُعوبةً حقيقيَّةً في احتمالِهِ هو أولئكَ الأشخاصَ المُنهمكينَ تمامًا في مشاكِلِهم لأنَّ ذلكَ يُظْهِرُ مَدى انغماسهم في التَّركيزِ على ذَواتِهم. ولكِنَّ هذا الأمرَ بَعيدٌ كُلَّ البُعْدِ عنْ مَفهومِ الحياةِ المسيحيَّة. فيجب علينا أنْ نَنْهَمِكَ في حاجاتِ الآخرينَ إلى الحَدِّ الَّذي لا نَعودُ فيهِ نَذْكُرُ أنفسَنا. اسْمَح لمشاكِلِكَ الصَّغيرة أنْ تَتلاشى في خِضَمِّ المشاكلِ الكبيرةِ والمعاركِ الروحيَّةِ الَّتي يَخوضُها الآخرون.

وهناكَ فِكرة أخيرة في هذا العدد الثَّامِن عَشَر، وهي كالآتي: فبعدَ أنْ تَحَدَّثنا عن كُلِّ هذه الجوانِب وَقُلْنا إنَّ وَتيرةَ الصَّلاةِ هي: "كُلَّ وَقْتٍ". وتَنَوُّعَ الصَّلاةِ: "مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ". وطريقةَ الصَّلاةِ: "سَاهِرِينَ لكي تَعلموا الحاجاتِ ... بِكُلِّ مُواظَبَة". والهَدَفَ غيرَ المُباشِرَ للصَّلاةِ: "لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ". ولكِنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ مَذكورةٌ في مُنتصفِ الآية. فيجب علينا أنْ نُصَلِّي: "فِي الرُّوح". في الرُّوح.

والآن، أرجوكم، يا أحبَّائي، أنْ تَعلموا أنَّ هذا الأمرَ لا يَختصُّ البَتَّة بالتَّكَلُّمِ بألْسِنَة. ففي كُلِّ مَرَّة أَسمَعُ فيها ذلك، أشْعُرُ أنَّ بَدَني يَقْشَعِرّ. فهو لا يَتحدَّثُ عن ذلك. ولا يُمْكِنُكَ أنْ تُقْحِمَ التَّكَلُّمَ بألسِنَة في هذه الآية. فنحنُ نَقرأُ في رسالة يهوذا والعدد 20: "مُصَلِّينَ فِي الرُّوحِ الْقُدُس". فالآيةُ لا تَتحدَّثُ عنْ نَشوةٍ ما. وهي لا تتحدَّثُ عنِ التَّكَلُّمِ بألسنة. فالصَّلاةُ في الرُّوحِ تَعني الصَّلاةَ باسْمِ يَسوعَ المسيح. وهي صَلاةٌ تَنْسَجِمُ مَعَ شَخْصِهِ وَمَشيئَتِهِ.

تَعَلَّم أنْ تُصَلِّي بما يَنْسَجِم معَ الرُّوح. واجْعَل صَلاتَكَ ثُنائيَّة معَ ذاكَ الَّذي يَشْفَعُ فيكَ دائمًا. وكما تَعلمونَ فإنَّنا نَقرأ في رسالة رُومية 8: 26: "لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا". وَ "أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ". وَهُوَ يَسْمَعُ ويَستجيب.

اسمعوني: طَوالَ حَياتِكُم المسيحيَّة، فإنَّ رُوحَ اللهِ الَّذي يَسْكُنُ فيكم يُصَلِّي نِيابةً عنكم. وَهُوَ يُصَلِّي دائمًا الصَّلاةَ الصَّحيحة. وَهُوَ يَحصُلُ دائمًا على الاستجابةِ الصَّحيحة. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العدد 28: "أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا [لِماذا؟] لِلْخَيْرِ". وهذه ليست صُدْفَة. بل هذا لأنَّ الرُّوحَ يُصَلِّي. والصَّلاةُ في الرُّوحِ تَعني ببساطة أنْ تَجعلَ صَلاتَكَ مُتوافقةً معَ فِكْرِ ومَشيئةِ الرُّوح.

وقد تَقول: "وكيفَ تَفعلُ ذلك؟" ببساطة: مِنْ خِلالِ السًّلوكِ في مِلْءِ الرُّوح. فحينَ تَمتلئ حياتُكَ بالرُّوح، وحينَ تَسلُكُ في الرُّوح، وفي طاعةِ الرُّوح، وحينَ تَلتصِق بالرَّبّ، وحينَ تكونُ دائمًا في حَضرتِه، فإنَّ رُوحَ اللهِ سيُهيمِن على أفكارِكَ لكي تُصَلِّي صَلواتٍ تَتَّفِقُ معَ رُوحِ الله. وهذه هي الصَّلاةُ في الرُّوح. وما أَروعَ أنْ أَعلمَ أنَّني أستطيعُ أنْ أَضُمَّ صَلَواتي إلى صَلواتِ رُوحِ اللهِ، وأنَّني أستطيعُ أنْ أَصْرُخَ مِنْ أعماقِ قلبي بسببِ سُكْنَى رُوحِ الآبِ قائلاً: "يا أَبَا الآب"، وأنْ أَعلمَ أنَّ اللهَ يَسمعُ ويَستجيب.

لِذا فإنَّ السِّمَة الأكثر أهميَّةً لِصَلواتِنا هي أنْ نُصَلِّي "في الرُّوح". والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في سِفْر زَكَرِيَّا 12: 10 أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ "رُوْحُ التَّضَرُّعَات" - رُوْحُ التَّضَرُّعَات. وَهُوَ لا يَختلِف في شيء عن الصَّلاةِ باسْمِ يَسوع. والحقيقة هي أنَّ الرُّوحَ القُدُس يُدْعى "رُوْحُ ابْنِهِ" ... رُوْحُ ابْنِهِ.

لِذا، يا أحبَّائي، يجب علينا أنْ نُصَلِّي. ويجب علينا أنْ نُبْقي حَياتَنا مُنْفَتِحَة للتَّواصُل. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ إنَّ هذا الأمرَ شَافٍ. فيا لَهُ مِنْ أَمْرٍ شَافٍ! وهكذا فقد رأينا وَتيرةَ الصَّلاةِ، وتَنَوُّعَ الصَّلاةِ، وطريقةَ الصَّلاةِ، والأهدافَ غيرَ المُباشرة للصَّلاةِ؛ وهي جَميعُها تَعْمَلُ على تَمجيدِ اللهِ وتُعْطينا فَرَحًا حينَ نُصَلِّي.

ثُمَّ إنَّ بُولُسَ يَخْتِمُ رِسالَتَهُ بَمَثَلٍ تَوضيحِيٍّ مُحَدَّد. وسوفَ أكتَفي بقراءَتِهِ على مَسامِعِكُم. وَهُوَ نَصٌّ سَهْل. فهل تُريدونَ شَيئًا مُحَدَّدًا تُصَلُّونَ مِنْ أجله؟ نَقرأُ ابتداءً مِنَ العدد 19: "صَلُّوا لأَجْلِي". وما الَّذي يَنبغي أنْ نُصَلِّي بشأنِهِ تَحديدًا، يا بُولُس؟ "لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ، الَّذِي لأَجْلِهِ أَنَا سَفِيرٌ فِي سَلاَسِلَ، لِكَيْ أُجَاهِرَ فِيهِ كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَ". فهو يَقول: "أنا المَثَلُ التَّوضيحِيُّ. صَلُّوا لأجلي. ولكِنْ لا لأجلِ حاجاتي الجسديَّة، بل لأجلِ مَعركتي، ولأجلِ الحَرْبِ الَّتي أَخوضُها. صَلُّوا أنْ يُعْطيني اللهُ نِعمةً لأكونَ جَريئًا، وشُجاعًا، ومُباشِرًا، ولكي يُعطيني كلامًا عندَ افتتاحِ فَمي".

وهذا هُوَ النَّموذَجُ، يا أحبَّائي. فالحربُ مُشتعلة. وقد كانَ بولسُ يُواجِهُ العَدُوَّ مُباشَرَةً، ووجهًا لوجه حينَ كانَ سَجينًا في رُوما. ومعَ أنَّ السُّفَراءَ يَتمتَّعونَ بالحَصانةِ الدِّبلوماسيَّة، فإنَّ هذا السَّفيرَ لم يَكُن يتمتَّعُ بها. فقد كانَ مُقَيَّدًا ومَسجونًا. وَهُوَ يقول: "إنَّ المَعركة صَعبة. وكما تَعلمونَ، فإنَّني أُفَكِّرُ أحيانًا في الاستسلام. وأنا أشعرُ أحيانًا أنَّ شَجاعَتي تَخونُني. لذا، صَلُّوا لأجلي لكي يُعطيني اللهُ كَلامًا".

وأنا سَأحْذُو حَذْوَهُ. فأنا أطلبُ مِنكم أنْ تُصَلُّوا لأجلِ الرَّاعي. فالنَّاسُ يقولون: "لماذا تُريدونَ مِنَّا أنْ نُصَلِّي لأجلكم؟ صَلُّوا لأجلِ بولُس؟ مَنْ بحاجة إلى الصَّلاةِ لأجلِ بولُس؟ وما أعنيهِ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ ما يَحتاج. فيجب علينا أنْ نُصَلِّي للأشخاصِ الَّذينَ هُمْ في حاجة حقيقيَّة للصَّلاة". ولكِنْ تَذَكَّروا أنَّهُ إنْ سَقَطَ القائدُ فإنَّ أُناسًا كثيرين سيَسْقُطونَ مَعَهُ.

وقد كانَ بولسُ يَعْلَمُ تمامًا حقيقةَ أنَّ البقيَّة سيكونونَ أقوياءَ مِثْلَ قائدهم وأنَّهُم سَيَتَمَثَّلونَ بِهِ. لِذا فإنَّهُ يقول: "صَلُّوا لأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي. وإذْ أَتشجَّع، رُبَّما سأجمَعُ مِنْ حَولي مَجموعةً مِنَ الأشخاصِ الشُّجعانِ أيضًا". ورُبَّما تَعلمونَ أنَّهُ حينَ كَتَبَ رسالة فيلبِّي بعدَ هذِهِ الرِّسالة، قالَ فيها: "ما حَدَثَ لي في السِّجْن أَعْطى شَجاعَةً كَبيرةً للآخرين". أَتَرَوْن؟ لِذا، حينَ صَلُّوا لأجلِهِ، صارَ نَموذَجًا أقوى، وقد ساعَدَ ذلكَ آخَرين. لِذا فإنَّهُ يقول: "صَلُّوا لأجلي".

والنُّقطةُ الَّتي أُريدُ منكم أنْ تَفهموها هي أنَّهُ أرادَ مِنْهُم أنْ يُصَلُّوا لأجلِ الانتصارِ في المعركةِ الروحيَّة، ولكي لا يَفْقِدَ شَجاعَتَهُ وجُرأتَهُ. وقد تقول: "الحقيقة هي أنَّني أُحِبُّ أنْ أُصَلِّي لأجلِ الآخرين، ولكنِّي لا أملكُ أيَّة مَعلومات". لِذا فإنَّ بولسَ يُضيفُ الآيتين 21 و 22 فيقول: "وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ أَيْضًا أَحْوَالِي، مَاذَا أَفْعَلُ، يُعَرِّفُكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ تِيخِيكُسُ الأَخُ الْحَبِيبُ وَالْخَادِمُ الأَمِينُ فِي الرَّبِّ".

فأنا لا أتوقَّعُ مِنكم أنْ تُصَلُّوا لأجلي إنْ لم تمتلكوا أيَّ معلومات. لذا، سأُرسل لكم صديقي العزيز "تِيخِيكُس". وبالمُناسبة، فإنَّهُ صَديقٌ حَميمٌ لبولُس إذْ ذُكِرَ اسْمُهُ خمسَ مَرَّاتِ في العهد الجديد. وَهُوَ الَّذي كانَ سَيُسَلِّمُ الرِّسالة إلى أهلِ أفسُس ويُطلعهم على أحوالِ بولس. فقد كانوا قَلِقينَ ومَغْمومينَ. وَهُمْ لم يكونوا يَعلمونَ ما يَجري في حياتِه. ولم يكونوا يَعلمونَ كيفَ هي الأحوالُ في السِّجْن. لذا فقد أرادوا أنْ يَسمعوا أخبارَهُ.

وَهُوَ يقول: "أنا أُرسِلُهُ إليكم لكي يُعطيكم كُلَّ المعلوماتِ اللَّازمةِ حَتَّى تُصَلُّوا صَلواتٍ بحسبِ الحاجة". وَهُوَ يقول في العدد 22: "الَّذِي أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ لِهذَا بِعَيْنِهِ، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَحْوَالَنَا، وَلِكَيْ يُعَزِّيَ قُلُوبَكُمْ". فهو سيُخبركم أنَّني بخير. وَهُوَ سيُخبركم عن أحوالِ المَعركة لكي تتمكَّنوا مِنَ الصَّلاة.

اسمعوني، يا أحبَّائي: إنْ كُنَّا سنُصَلِّي، دَعونا نُصَلِّي لأجلِ الأمورِ الروحيَّة. ودَعونا نَفتَحُ حَياتَنا بعضُنا لبعض لكي يكونَ لدينا ما نُصَلِّي مِنْ أجله. أليسَ كذلك؟ فيجب علينا أنْ نَتواصَل، ويجب علينا أنْ نَشتركَ في الصِّراع، وأنْ نَشتركَ في المعركة، وأنْ نَشتركَ في الانتصارات، وأنْ يَحْملَ بَعْضُنا أَثْقالَ بعض. ويا لَهُ مِنْ دَرْسٍ في الصَّلاة! فيجب علينا أنْ نُدركَ حُضورَ اللهِ، وأنْ نَبتعدَ عنِ الأنانيَّة، وأنْ نكونَ ساهِرينَ، وأنْ نَمتلئَ بالرُّوحِ القُدُس، وأنْ نُواظِبَ على الصَّلاةِ، وأنْ نَكونَ شُجْعانًا، وأنْ نَسْعى فقط إلى تَمجيدِ اللهِ في صَلواتِنا.

وأنا أُوْمِنُ أنَّنا حينَ نَحيا هذه الحياةَ، ونُصَلِّي هذه الصَّلواتِ، فإنَّنا سنَصيرُ مُشابهينَ أكثرَ فأكثرَ لِصُورةِ يسوعَ المسيح. وحينَ نُصَلِّي بعضُنا لأجلِ بعض، فإنَّ الجسدَ سيُبْنَى، وَهُوَ سَيتمجَّد. وهذه هي ذُروةُ الرِّسالة.

ويَخْتِمُ بولسُ الرِّسالة بصلاةٍ لا أُضيفُ عليها شيئًا: "سَلاَمٌ عَلَى الإِخْوَةِ، وَمَحَبَّةٌ بِإِيمَانٍ مِنَ اللهِ الآبِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. اَلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. آمِين". دَعونا نُصَلِّي:

لقد صَلَّى أحدُ قِدِّيسي اللهِ قبلَ سَنواتٍ طويلة هذه الصَّلاة. وأودُّ أنْ نَجْعَلَها صَلاتَنا في هذا الصَّباح:

"يا رَبّ، مِن خلالِ الصَّلاةِ أُبْحِرُ أكثرَ جِدًّا في العالمِ الأبديِّ. وفي ذلكَ المُحيطِ الواسِع، تَرتفعُ نَفسي فوقَ كُلِّ الشُّرورِ بَعيدًا عن شَواطئِ الموت. والزَّمَنُ، بِكُلِّ مَباهِجِهِ وخيباتِ أَمَلِهِ القاسية، لم يَعُد يَتَحَكَّمُ فِيَّ كما كانَ آنَذاك. ومِن خلالِ الصَّلاةِ، يا رَبّ، أرى نَفسي لا شَيء. وأجدُ قلبي يَرُومُ إليكَ بِشَغَفٍ وَيَتوقُ بِكُلِّ عَطَشٍ إلى الحياةِ مَعَك. مُبارَكَةٌ هي رِياحُ الرُّوحِ القويَّةُ الَّتي تَدْفَعُني وتُعَجِّلُ في وُصولي إلى أورُشَليمَ الجديدة. ومِن خلالِ الصَّلاة، تَضْمَحِلُّ كُلُّ الأشياءِ هُنا في الأسفل، ولا يَبدو أنَّ هُناكَ أيَّ شيءٍ مُهِمٍّ سِوى قَداسة القلب وخلاص الآخرين. وفي الصَّلاةِ، تَختفي كُلُّ هُمومي العالميَّة ومخاوفي وأسبابُ قَلقي، ولا أَعودُ أراها سِوى كما لو كانت نَفْخَة.

"ومِنْ خلالِ الصَّلاةِ، تَرتفعُ نَفسي مِنَ الدَّاخِل حينَ أُفَكِّرُ في ما تَفعَلُهُ لأجلِ كنيسَتِك، وأتوقُ إلى أنْ تُمَجِّدَ اسْمَكَ العَظيمَ مِنْ خلالِ الخُطاةِ الَّذينَ يَرْجِعونَ إليكَ. ومِنْ خِلالِ الصَّلاةِ، أرتَفِعُ فوقَ مَشَقَّاتِ الحياةِ وَإغراءاتِها وأذوقُ طَعْمَ الأفراحِ السَّماويَّة. وإذْ أَدخُلُ إلى العالمِ الأبديِّ، يمكنني أنْ أُقَدِّمَ نَفسي لَكَ بِكُلِّ قلبي إلى الأبد. ومِنْ خِلالِ الصَّلاةِ، يمكنني أنْ أَضَعَ كُلَّ هُمومي بينَ يَديكَ لتكونَ تَحْتَ تَصَرُّفِكَ بالكامِل، دُوْنَ أنْ أُبالي بمشيئتي وإرادَتي. ومِنْ خِلالِ الصَّلاةِ، يُمكنني أنْ أَتَشَفَّعَ في أصدقائي، ورفاقي الخُدَّام، والخُطاة، والكنيسة، ومملكتِك بحُريَّة لا مَثيلَ لها، وبرجاءٍ عَظيمٍ كما يَرجو الابْنُ مِنْ أبيه، وكما يَرجو الحَبيب مِنْ حَبيبِه. لِذا، يا رَبُّ، ساعِدني أنْ أُصَلِّي دائمًا بِلا انقطاع".

أبي، أَوَدُّ أنْ أُضيفَ إلى هذه الصَّلاةِ بِضْعَ كَلِماتٍ وهي أنْ نَكونَ شَعْبًا مُصَلِّيًا، وأنْ لا نَعْتَدَّ بأنفُسِنا، وألَّا نَرْضى بحالَتِنا الرَّاهنة، وألَّا نَتَّكِل على أنفُسِنا، وأنْ نَعلمَ أنَّ كُلَّ مَعرفَتِنا وكُلَّ سِجِلِّنا القديم ِالحافِلِ ببركاتِك ينبغي فقط أن يَقودنا إلى مِلْءِ الشَّركة الَّتي يُمْكِنُنا أنْ نَتمتَّعَ بها حينَ تَصيرُ حَياتُنا قَناةً مَفتوحةً للتَّواصُلِ مَعَك. ليتَنا نَتْبَعُكَ عَنْ كَثَب، وليتَنا نَحْيا كما لو كانت حياتُنا كُلُّها مُقَدَّمَة إليكَ كَصَلاة. نَشكُرُكَ باسْمِ المسيح على هذا الامتيازِ العظيم. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize