Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد ابتدأتُ يوم الأحد الماضي في التحدُّث إليكم مِنْ أعماق قلبي عن الموضوع الذي أَسْمَيْتُهُ: "تشريح الكنيسة". وقد قلتُ لكم في ذلك الوقت إنني أشعر أنَّ "كنيسة النِّعْمة" (Grace Community Church) تقف عند نقطة حَرِجَة جِدًّا في تاريخها. فقد صَنع الله أمورًا عظيمة. وأعتقد أنَّه ما تزال هناك أمورٌ أعظم أمامَنا. ولم يسبق لي في حياتي أنْ كنت أكثر تكريسًا لهذه الكنيسة وهذه الخِدْمة وما يريده الله مِنِّي هنا. وأنا متحمِّس للمستقبل. وبالرغم مِنْ ذلك فإنني أعلم أنَّ هناك عدوًّا يريد أنْ يُدَمِّر ذلك. وأعلم أنَّنا نُواجِهُ معركةً روحيَّةً ستَزدادُ شَراسَةً في الأيام القادمة. لذلك فقد شعرتُ أنَّ الحاجة تدعو إلى التوقف قليلاً عن دراسة إنجيل مَتَّى، والسماح لكم بدخول قلبي قليلاً لكي أُطْلِعَكُمْ على ما يَجْري في الكنيسة الآن وعلى الأشياءِ الَّتي ينبغي أنْ نُعيدَ تأكيدَها. وأنا مُمْتَنٌّ جدًّا لردود أفعالكم على يوم الأحد الماضي. فقد تَسَلَّمتُ الكثير مِنَ البطاقاتِ، وبعضَ الرسائل والمكالمات الهاتفيَّة والردود المُشجِّعة مِنْ أشخاصٍ جاءوا إليَّ شخصيًّا وقالوا: "أريدُ أنْ أُعيدَ تأكيدِ تكريسي للربِّ، ولهذه الكنيسةِ، ولدعم خدمتكم". وهذا يعني الكثير جدًّا. وأنا مُمْتَنٌّ دائمًا لأنَّكم تتجاوبون، أيها الأحباء، مع كلمة الله ومع قلب القَسّ أوِ الرَّاعي الذي يُقدِّمُها لكم.

وأودُّ أنْ نُتابع ما ابتدأناه في المَرَّة السابقة. وأعتقد أنَّ هذا سيكون درسًا قصيرًا في عِلْمِ الآثار الروحيَّة. فالبعض منكم يأتي إلى هنا دون أنْ يَرى الأساسات. فأنتم لم تكونوا هنا في سنوات البناء. وأنتم لا تفهمون حقًّا الأساسَ الَّذي يقومُ عليهِ كُلُّ شيء. لذلك، سأحاولُ أنْ أحْفُرَ قليلاً وأنْ أَكْشِفَ الأساسات لكي تتمكنوا مِنْ رؤية الأمور الرئيسيَّة التي تقوم عليها هذه الخِدْمة بِحَقّ. ولمساعدتنا على رؤية تلك المبادئ، والحفر قليلاً لرؤية الأساس الذي تقوم عليه كنيسة النِعْمة، ارتأيتُ أنْ أستخدمَ الاستعارةَ الرائعة التي استخدمَها بُولسُ وهي: "الجسد". ونحن نتحدَّث عن تشريح الكنيسة. وقد قلتُ إنَّ هناك أربعة سِمات للجسد أَوَدُّ أنْ ننظر إليها وهي: الهيكل العظمي، والأنظمة الداخليَّة، والعضلات، واللحم. وهذه نظرة مُبسَّطة، ولكنَّني أعتقد أنها تَفِي بالغرض.

وقد قُلنا في المرَّة السابقة إنَّ الكنيسة تحتاج إلى هيكلٍ عظميّ. فهذا يُعطيها الشَّكْل ويُزَوِّدُها بالإطار. وهذا يجعلها تقف في مكانها. وهذا أمرٌ لا نقاش فيه، وجوهريٌّ، وأساسيٌّ لأنَّ كُلَّ شيءٍ آخر يعتمد عليه، ولأنَّ كلَّ شيءٍ يتحرك بموجبه. وقد قُلنا إنَّ المبادئ الأساسيَّة غير القابلة للنقاش هي هذه الخمسة: إجلال الله، والسُّلطة المُطلقة للكتاب المقدس، والوضوح العقائديّ، والقداسة الشخصيَّة، وفَهْم السُّلطة الروحيَّة. فهذه هي الأشياء الرئيسيَّة. فيجب علينا أنْ نستمر في إجلال الله، وفي رفع اسمه القدُّوس المبارك عاليًّا. ويجب علينا أنْ نستمر في إعطاء كلمة الله الأولويَّة الأولى، وجعلِها كُلَّ شيء، ودراستِها، والوعظِ بها، وتعليمِها. ويجب علينا أيضًا أنَّ نُظْهِرَ كُلَّ استعدادٍ لكي نَستخلِصَ مِنْها العقيدةَ الواضحةَ، والدقيقةَ، والقابلةَ للتطبيق في الحياة. ويجب علينا أيضًا أنْ نسعى بكل القدرة الَّتي يُزَوِّدُنا بها الرُّوحُ القُدس إلى القداسة، والفضيلة، والصلاح، والبِرّ. ويجب علينا أنْ نَفْهَمَ السُّلطة الروحيَّة. فهناك مسؤوليَّة عظيمة في أنْ يكون المرءُ قائدًا روحيًّا، وفي أنْ يكون شخصًا يتبع القادة.

لذلك، إذا سمعتموني بين الحين والآخر أتحدث عن اللهِ، والكتابِ المقدسِ، والعقيدةِ، والقداسةِ، والسُّلطةِ، ستفهمون أنَّه لا بُدَّ لي مِنَ الاستمرار في وَضْعِ البُنْيَة أوِ الهيكلِ العظميِّ أوِ الإطار. لذلك فإنَّ هذه المبادئ هي مبادئ ينبغي أنْ نُؤكِّدَها المَرَّة تِلْوَ المَرَّة تِلْوَ المَرَّة. وقد يبدو أحيانًا أنني أعِظُ العظة نفسها أكثر مِنْ مَرَّة، وهذا مُحْتَمَلٌ. ولكنْ في أغلبِ الأوقات فإنَّها لا تكون كذلك. وإنْ حدث ذلك بين الحين والآخر فإنني أحاول أنْ أُرَكِّزَ على جوانب مختلفة. لذلك فإنَّها تبدو مختلفة في الظاهر.

ولكِنْ هناك أُمورٌ ينبغي أنْ نُعيدَ تأكيدها. فكما رأينا في المَرَّة السابقة فقد قال بُطرس: "لِذلِكَ لاَ أُهْمِلُ أَنْ أُذَكِّرَكُمْ دَائِمًا بِهذِهِ الأُمُور [حَتَّى] تَكُونُوا بَعْدَ خُرُوجِي تَتَذَكَّرُونَ كُلَّ حِينٍ بِهذِهِ الأُمُور" – أيْ: "لكي تستمرُّوا في تَذَكُّرِ هذهِ الأمور". وهذا هو الشيءُ نفسُه الَّذي كانَ بولسُ يَفْتَكِرُ فيهِ في قلبه عندما كَتَبَ إلى مؤمِني فيلبِّي هذهِ الكلمات: "أنا أفرحُ بما أراهُ عندما أكونُ في وسطكم، ولكنِّي أفرحُ أكثر بما أراهُ عندما أكونُ غائبًا عنكم لأنَّكُمْ تُتَمِّمونَ خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَة". ولا أدري كَمِ الوقت الذي سيُعطيني اللهُ إيَّاه، أوْ كَمْ سيَسمحُ لي بالبقاءِ في هذا المكان. ولكنَّ أعظمَ سُرورٍ هو أنْ أَمضي (إنْ كان هذا هو قَصْدُ اللهِ) وأنظرَ إلى الوراء (إنْ كان ذلك مُمْكِنًا مِنَ المكان الذي سأكون فيه، لأني لا أدري إنْ كان بمقدوري أنْ أنظر إلى الوراء مِنَ السماء) وأنْ أقول: "إنهم مُستمرُّون. وهم ما يَزالوا مُلْتَزِمينَ بالأشياء التي كانوا مُلْتَزِمينَ بها عندما كنتُ بينَهُم".

ولكيْ نُسَاعِدَكُم على إعادة تأكيد تلك الأشياء الأساسيَّة، فإننا نُعيد التركيز على ذلك. فأنا أُوْمِنُ بأنَّه مِنَ الضروريِّ في حياة الكنيسة أنْ نُعيدَ التركيز على هذه الأمور غير القابلة للنقاش، أيْ أنْ نقول إنَّ هذه الأشياء ستكون جزءًا مِنْ خدمة الوَعْظ المَرَّة تِلْوَ المَرَّة تلو المَرَّة. ثانيًا، يجب أنْ تكون هذه الأشياء جزءًا مِنْ خدمة التعليم. فإنْ كنتم تجتمعون للتعليم (سواء كنتم مجموعة شركة، أو مجموعة تدرسون الكتاب المقدَّس، أو صَفًّا للأطفال، أو درسَ كتابٍ مقدَّسٍ للشبيبة، أو أيًّا كانت خدمتكم في أيِّ مكان - إنْ كنتم تُتَلْمِذون شخصًا ما)، هذه هيَ الأشياء التي ينبغي أنْ ترجعوا إليها لكي تُذَكِّروا أنفُسَكم بالهيكلِ العظميِّ، والأساسِ، والشكلِ اللازم للجسد لكي تكون الخِدمة كما يُريد المسيح أنْ تكون. لذلك ينبغي أنْ نكرِز بها وأنْ نُعَلِّمَها. ثُمَّ تأتي القُدوة كمٍفْتاحٍ أساسيّ. فيجب علينا أنْ نكون مِثالاً يُحْتَذى. فيجب علينا أنْ نكونَ قُدْوَةً وأنْ نُظْهِرَ التزامَنا بهذه الأشياء – لا فقط بالكلام، بل أيضًا مِنْ خلالِ الحياة التي نحياها. فيجب عليَّ أنْ أكون مُكَرَّسًا للقداسةِ الشخصيَّةِ، والوضوحِ العقائديِّ، وسُلطةِ الكتابِ المقدَّسِ، وكلِّ تلك الأشياءِ في حياتي الشخصيَّة كما هي الحال حين أَعِظ؛ وإلَّا فإنَّ كلَّ ذلك سيَضيعُ هَباءً. لذلك فإنَّنا مُكَرَّسون للقيام بكل تلك الأشياء.

وهذا يقودني إلى النُّقطة الثانية وهي: "الأنظمة الداخليَّة". وأودُّ أنْ أتحدث عنها في هذا الصباح وفي الأسبوع القادم. وسوف نَرى إنْ كنا سنتمكن مِنْ تَغْطِيَتِها في أسبوعين فقط. ولكني أُريد أنْ أتحدث عن الأنظمة الداخليَّة. فأنا أُوْمِنُ أنَّهُ يجب على الكنيسة أنْ تعيش وَفْقًا لمواقف روحيَّة مُعَيَّنة. فالجسدُ لديه أعضاء وسوائل تَجري فيه تَجعل ذلك الجسد قادرًا على العيش والعمل. لذلك فإننا لسنا هيكلاً عظميًّا فقط. فالهيكلُ العظميُّ ليس حَيًّا بذاتِه. صَحيحٌ أنهُ يُعطي الشَّكْلَ، ولكنه لا يَحْوي حياةً بذاته، بل يجب أنْ تجري فيه مواقف روحيَّة مُعَيَّنة. وهذا هو ما أرى أنَّه "الأنظمة الداخليَّة للكنيسة".

وَهَدَفُ الرَّاعي، وَهَدَفُ الشيوخِ، وهَدَفُ القادة في الكنيسة هو أنْ يُوَلِّدوا في قلوب الرعيَّة مواقفَ روحيَّة مُعَيَّنة. فنحن لا نريد فقط أنْ نجعلكم تقومون بأشياء مُعَيَّنة. ونحن لا نريد أنْ نقولَ لكم دائمًا: "يجب عليكم أنْ تفعلوا هذا الأمر، ويجب عليكم أنْ تفعلوا ذلك الأمر، وأنْ تفعلوا كذا وكذا". بل نُريد أنْ نُوَلِّدَ فيكم مواقفَ روحيَّة مناسبة تدفعكم إلى السلوكيَّات اللائقة. فكما تعلمون، رُبَّما تفعلون الصوابَ في الظَّاهِرِ ولكنَّ مواقِفَكُم قد تكونُ خاطئة. أمَّا إذا كانت مواقفُكم سليمةً، فإنكم ستفعلون الصواب انطلاقًا مِنْ مواقفكم الصحيحة. لذلك فإنَّنا نُرَكَّزُ على ثَمَرِ الروح (إنْ شِئْتُم)، أيْ على الدافعِ الداخليِّ أوِ الموقفِ الداخليّ.

فأحيانًا، قد يَلتحقُ الشُبَّان بالخدمةِ الرَّعويَّةِ ويأتون إلى كنيسةٍ ما ويَرَوْنَ أنَّ الكنيسةَ تَفْتَقِرُ إلى التَّنظيم. وقد لا يَرَوْنَ كُلَّ الأشياءِ التي يُحِبُّون أنْ يَرَوْها. لذلك فإنَّ أوَّلَ شيءٍ يُفَكِّرونَ فيه هو: إعادة تنظيم الكنيسة. وأحيانًا قد يَتَّصِلونَ بي أو يَتحدثون إليَّ قائلين: "نحن نريد أنْ يكون لدينا شيوخ، ونريد أنْ نُعيدَ تنظيمَ هذا الأمر، وأنْ نُعيد تنظيم ذلك الأمر". وأنا أقول لهم غالبًا: "هل تعرفون ما الذي ستحصلون عليه عندما تُعيدون تنظيم الكنيسة؟ سوف تحصلون على نفس الأشخاص بنفس المواقف، ولِكْن في هَيْكَلٍ مختلف. فهذا هو كُلُّ ما ستَفعلونَهُ. والمشكلة هي أنَّ الرَّعيَّة لن تعرف سبب تغييركم للبُنْية. وقد يكون إجراءُ ذلك التغيير صعبًا جدًّا". وأذكُرُ أنني عندما جئتُ إلى كنيسة النعمة، كانت لديَّ فكرة جديدة تمامًا عن كيفيَّة إدارة مدرسة الأحد. وقد حدث ذلك في الشهر الأول لمجيئي إلى هنا. وقد فَكَّرْتُ مَلِيًّا في هذا الأمر، وكَتبتُ كُلَّ أفكاري وقدَّمْتُها إلى لجنة التعليم فرفضوها بالإجماع قائلين: "مَنْ أنت أيها الشاب؟ نحن هنا منذ وقتٍ طويل. مِنْ أين جئت؟ يجب أنْ تُثْبِتَ نَفسَك". والحقيقة هيَّ أنَّهُمْ طَبَّقوا النِّظامَ نَفسَهُ بعد سنوات. وقد حَدَثَ ذلك مِنْ خلال تَنْمِيَة المواقف الروحيَّة التي أَدَّتْ إلى التَّجاوُب المناسب. مِنْ جهة أُخرى، لا حاجةَ إلى القلق بخُصوص بُنْية الكنيسة. فإذا كُنْتَ تَبني الكنيسة على المواقف الروحيَّة السليمة، فإنَّ البُنْية ستهتمُّ بنفسها لأنَّ الأشخاص المُنقادينَ بالروح سيفعلون أمورًا مُنْقادةً بالروح ويَجِدونَ أنَّهم يتحركون معًا وَفْقًا للنمط الكتابيِّ للكنيسة.

لذلك يجب أنْ نُركِّز في الكنيسة على المواقف. ويجب أنْ نعمل على ما يحدث في داخلِك. فنحن لا نهتم فقط بجعلك تتصرف بطريقة معيَّنة. فنحن لا نقول لك: "عليكَ أنْ تتبرَّع بأموالك. وعليكَ أنْ تأتي إلى الكنيسة كل يوم أحد صباحًا، وكل يوم أحد مساءً، وكل يوم أربعاء مساءً. وعليكَ أنْ تُصَلِّي خمس ساعات في الأسبوع أوْ ما شَابَهَ ذلك. وعليكَ أنْ تَقرأَ الكتابَ المقدسَ كل يوم. وعليكَ أنْ تتأمَّلَ كما هُوَ مَطلوبٌ منك". فالفكرة لا تَكْمُنُ في ذلك. وهذه الأشياء ليست هيَ النَّهْج. ونحن لا نَسْعى إلى تحقيق الأشياء بطريقة ناموسيَّة أو بصورة سطحيَّة، بل إننا نُركِّز في الخِدمة دائمًا على توليد مواقف. ونحن نُعاني أحيانًا لأنَّ بعض الأشخاص لا يملكون مواقف سليمة. وقد يَخْطُر ببالِنا أنْ نقول له: "افعل ذلك بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال حتى لو كان موقفُكَ سيِّئًا". ولكنْ لا يجوزُ لنا أن نفعل ذلك لأننا لا نريد أنْ نَهتمَّ بالرِّضا النابع مِنَ الناموسيَّة. لذا فإنَّنا نُركِّز على المواقف. وعلى مَرِّ السِّنين، إليكُم المواقف التي حَرَصْتُ على أنْ أَرْعَاها في قلوبِ وحياة أحبائي، وفي حياتي الشخصيَّة، وفي حياة جميع أفراد هذه الرعيَّة أيضًا:

الموقف الأوَّل والأهمّ هو: الطَّاعة - موقف الطاعة. وهذا واحدٌ مِنْ أَهَمِّ المواقف على الإطلاق. والمقصود بذلك: إنْ كانَ اللهُ يُوصيني بأنْ أفْعَلَ شيئًا ما، يجبُ عليَّ أنْ أفعله. وهذا يُذكِّرُنا بروح عدم المساومة التي تحدَّثنا عنه عندما تأمَّلنا قليلاً في سِفر دانيال قبل بضعة أشهر في أثناء خِدمة المائدة. فلا مجال للمساومة في هذا الأمر. وما أعنيه هو: إنْ قال اللهُ لنا أنْ نفعل شيئًا ما، فإنَّ هذا يَحْسِمُ الأمر. فهو أَمْرٌ لا نِقاشَ فيه. وهو أمْرٌ لا يجوز أنْ نُجادِلَ بشأنه. فيجب عليكم أنْ تفعلوا ذلك. فالطاعة هي موقفٌ مهمٌّ جدًّا. لذلك فإنَّنا نَحْرِصُ أسبوعًا بعدَ أسبوع، وشهرًا بعدَ شهر، وسنةً بعد سنة على ترديد كلمة الله في أذهانكم وقلوبكم جميعًا إذْ نقولُ لكم: "هذا هو ما يقولُهُ اللهُ، ويجب عليكم أنْ تُطيعوه. فيجب عليكم أنْ تفعلوا ذلك لمجد الله، ولبِركَتِكُم الشخصيَّة، ولِخلاص النفوس، ولكي تكونوا قُدْوَةً للمؤمنينَ الآخرين".

لهذه الأسباب مجتمعةً، فإننا نُطيع لأنَّ هذا حَقّ، ولأنَّه يُمَجِّدُ الله، ولأنَّه يَجْعَلُنا نَتَبارَك، ولأنَّه يَجْعَلُنا مُمْتَلِئينَ بالروح، وقادرين على الوصول إلى الآخرين، وعلى أنْ نكون قُدْوَةً لأولئك الذين يُراقبوننا لِيَرَوْا كيفَ نَحْيا. إنَّها الطَّاعة. وربما تقولون: "إنَّ هذا الأمر واضحٌ دون شَكّ". أجل، إنهُ واضحٌ دونَ شَكٍّ لأنَّكم نِلتُم الخلاص مِنْ خلال قَبول رُبوبيَّةَ يَسوعَ المسيح. أليس كذلك؟ وهذا يعني ببساطة أنَّكَ قُلْتَ للربّ: "أنتَ هو القائد". أليس كذلك؟ "وأنا سأتبعُك لأنَّك أنتَ الربُّ وأنا العَبْد". ولكِنَّ يسوعَ يَقول: "لِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، وَأَنْتُمْ لاَ تَفْعَلُونَ مَا أَقُولُهُ؟" وَلِسانُ حَالِهِ هُوَ: "إنَّ كَلامَكَ هذا لا يعني أيَّ شيء. فلا يجوز أنْ تَدعوني رَبًّا دونَ أنْ تُطيعَني. فإنْ كنتُ رَبًّا، فإنَّ هذا يَعني أنْ تَفعلَ ما أقولُهُ لك". أليس كذلك؟ أجل، إنَّ هذا واضح. وهذا هو ما قَصَدَهُ في الأصحاح السابع مِنْ إنجيل مَتَّى حين قال: "الدَّرْبُ ضَيِّقٌ. والبابُ ضَيِّقٌ. والطَّريقُ ضَيِّق". فالطريقُ ضَيِّق لأنَّه مَحصورٌ في مشيئةِ اللهِ، وناموسِ اللهِ، وكلمةِ الله. لذلك فإنَّنا نُرَكِّزُ على رُبُوبيَّةِ يَسوعَ كما وَرَدَ في رسالة رومية 10: 9 و 10. ونحن نُرَكِّز على إخضاعِ أنفسنا لِرُبوبيَّته، وتحديدًا لحياة الطاعة. لذلك فإنَّ هذا هو الموقفُ الأوَّلُ والأهَمّ.

وقد كانَ "فيل جونسون" (Phil Johnson) مُتحمِّسًا في هذا الأسبوع لشيءٍ حدثَ في الخدمة الإذاعيَّة إذْ إنه تَسَلَّمَ شريطًا مُسَجَّلاً مِنْ واحدٍ مِنْ مُستمعينا كَتَبَ يقول ... أوْ أعتقد أنه أرسلَ رسالةً معَ الشَّريط. ولكنَّ الشَّريطَ كانَ يُعَبِّر عَمَّا في قلبه. وقد تَحَدَّثَ في ذلك الشريط مُدَّةَ عَشْرِ دقائق عن كيفَ أنهُ كانَ يَستمع إلى البرنامج ويُقَدِّر دراسة الكتاب المقدَّس، وَهَلُمَّ جَرَّا. ثم إنهُ مَضى وَتَحَدَّثَ عن مُشكلته. فقد كانت هناك خطايا كثيرة في حياته، وكانَ اللهُ يُبَكِّتُهُ عليها. ولكنَّهُ كانَ يتساءلُ بخصوص شيءٍ مُعَيَّن ويريد أنْ يَعرف رأيَنا في ذلك، وإليكم هذا الشَّيء: فهو لم يَشعُر يومًا أنَّهُ يمتلك مشاعر طبيعيَّة تُجاهَ الجنس الآخر. فهو لم يكن يَشعر بتلك المشاعر الطبيعيَّة الَّتي يَشْعُرُ بها الرِّجالُ تُجاهَ النِّساء، بل إنهُ كانَ يَشعُر بمشاعر قويَّة تُجاه حَيَواناتِ المَزرعة. أجل، حَيَواناتِ المزرعة. وقد كانَ يريدُ أنْ يَعرف رأيَنا في ذلك. وقد قالَ إنهُ لا يَرى مُشكلةً في ذلك. وهو لم يكن يَشعُر بأيِّ ذَنْبٍ عندما كانَ يَفعلُ أمورًا كتلك. وقد كانَ يَظُنُّ أنَّ الربَّ يُطَهِّرُهُ مِنْ جوانِبَ أُخرى، وأنَّ ذلك الأمر لم يكن مُشكلة. لذلك، فقد أرسلنا إليه رسالةٍ مؤلَّفة مِنْ أربعِ صَفْحاتٍ وَضَّحْنا لَهُ فيها أنَّ تلك مُشكلة حقيقيَّة. والحقيقة هي أنهُ لو كانَ يعيشُ في زمن العهد القديم لَتَمَّ إعْدامُه لأنهُ إنِ اضْطَجَعَ إنْسانٌ مَعَ حَيَوانٍ فإنهُ يُقْتَل. وقد وَضَّحْنا لَهُ بعباراتٍ لطيفة أنَّ اللهَ لا يُجَزِّئ الحياةَ إلى أجزاء فيقول: "هذهِ الخطايا تُزْعِجُني، أمَّا تلكَ الخطايا فلا بأسَ بها". فكُلُّ خَطِيَّة تُسيءُ إلى اسمِهِ القُدُّوس. لذلكَ فقد أرسَلنا آياتٍ كثيرةً جدًّا إلى ذلك الشخص. ثم إنَّنا تَسَلَّمْنا شريطًا ثانيًا. وقد قامَ "فيل" بتشغيلِ الشَّريط أمامي. وإليكم جُزْءًا مِمَّا جاءَ فيه: "لا أعتقدُ أنَّ أيَّ شخصٍ يَفْهَمُ الأمر. فالمسيحيُّونَ مُنْهَمِكونَ جِدًّا في الكتاب المقدَّس، وفي الكلمة، وفي ما يقولُهُ الله حَتَّى إنهم لا يفهمونَ كيفَ يَعملُ اللهُ أحيانًا أو كيفَ يَشْعُر". وهذا أمْرٌ لا يُصَدَّق! فالمسيحيُّونَ مُنْهَمِكونَ جِدًّا في الكلمة، وفي الكتاب المقدَّس، وفي ما يقولُهُ الله حَتَّى إنهم لا يفهمونَ كيفَ يَشْعُرُ الله!" ولكِنْ كيف ستعرفُ ما يَشْعُرُ بهِ اللهُ إنْ كنتَ لا تقرأُ الكتابَ المقدَّس؟ وما يقولُهُ هذا الشَّخصُ هُوَ: "لا أريدُ أنْ أسْمَعَ أيَّ آياتٍ مِنَ الكتاب المقدَّس. فأنا لا أشعُرُ بأيِّ ذَنْب. وأنا لن أُبالي بما يقولُهُ الله".

وسؤالي فيما يَختصُّ بذلك الشخص هو: "هل هو مُؤمن؟" أنا لا أُبالي إنْ كان يذهب إلى الكنيسة طوَال الوقت. فنحن نقرأ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاح الثاني: "وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ ..." [أليس كذلك؟] إنْ حَفِظْنا وصاياه". وما أعنيه هو: إنْ كان بمقدورك أنْ تَقبلَ هذا النوع مِنَ الإِثمِ في حياتك، وأنْ تقول إنَّ ذلك لا يُزعِجُكَ البتَّة، ثُمَّ أنْ تقول إنك لا تريد أنْ تَسمعَ ما يقولُهُ الكتابُ المقدَّس، وإنَّك تَعْرِفُ كيفَ يَشعُرُ اللهُ دون أنْ تقرأَ الكتابَ المقدَّسَ، فإنَّ لديك مشكلة حقيقيَّة. وهذه هي طبيعة الخطيَّة. فكما تَرَوْن، فإنَّها تحاول أنْ تُبَرِّرُ أفعالَ الإنسان.

ومِنَ الواضح أنَّ المَثَلَ الَّذي ذَكَرْتُهُ مُتَطَرِّفٌ، ولكنه يُشير ببساطة إلى حقيقة أنَّ اللهَ قد دعانا إلى إطاعة كلمته. فنحن نعرف حقيقة مشاعر الله لأنَّه أخبرنا عن مشاعره في كلمته. أليس كذلك؟ وهذه هي المسألة بِرُمَّتِها. وهذه هي الغايةُ الأسمى والهدفُ الأسمى للخدمة. اسمعوني: إنَّ هذا الأمرَ واضحٌ جدًّا في الكتاب المقدَّس. وما أعنيه هو: ضرورة أنْ نُعِدَّ شعبًا مُطيعًا. فهذا هو ما كان اللهُ يَفْعَلُهُ بشعبه في العهد القديم. وهذا هو ما يُريد أنْ يَفعَلَهُ في العهد الجديد: أنْ يُنْشِئَ شعبًا مُطيعًا. فاللهُ يتكلمُ، ونحنُ نُطيع. ولكِنْ يُؤْسِفُني أنْ أقولَ إنَّه عندما نجد أنفسنَا غالبًا أمامَ الحَقِّ الإلهيِّ الذي يُبَكِّتُنا على شيءٍ ما في حياتنا ويقول لنا إنَّنا قد أخطأنا، فإننا لا نُسارعُ إلى الطاعة، بل إنَّنا نتجاهلُ ذلك ونُسارع إلى العِصْيان. فربما كانت هناك رسالةٌ عنِ الغُفْران ولكنَّكَ لم تغفر لشخصٍ ما. وعِوَضًا عن الاهتمام بذلك فإنَّك تتجاهل تلك الرسالة التي بَكَّتَتْ ضَميرَك، وتسمحُ للمرارة أنْ تتأصَّلَ فيك، وتَرْعى رُوْحَ عَدَمِ الغُفْران، لذلك فإنَّك لا تَغْفِرُ لذلك الشخص. وهذا عِصيان. وهُوَ أمْرٌ مُخالِفٌ تمامًا لِما يُريدُ اللهُ أنْ يُحَقِّقَهُ في حياتك.

وربما تقول: "أنا أذهب إلى الكنيسة وأقوم بواجبي". إذَنْ، عليك أنْ تتذكَّرَ ما جاء في سِفْر صموئيل الأول 15: 22 إذْ إنَّ اللهَ يقول: "هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ" [مِنْ ماذا؟] "مِنَ الذَّبِيحَةِ". فالطُّقوس لا تَحُلُّ أبدًا مَحَلَّ الطَّاعة. لذا فإنَّ بُطرسَ يقول في رسالته الأولى والأصحاح الأوَّل: "لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ". بعبارة أخرى، يجب علينا أنْ نُمَنْطِقَ أَحْقاءَ أذْهانِنا. فيجب عليكم أنْ تُمَنْطِقوا أَحْقاءَ ذِهْنِكُمْ، وأنْ تُصَحِّحوا أولويَّاتِكُم بِصِفَتِكُمْ أولادَ الطَّاعة، وألَّا تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ. فلا تعيشوا كما اعْتَدْتُم أنْ تعيشوا. فيجب أنْ تكونوا أولاد الطاعة. وقد قالَ يسوعُ في إنجيل لوقا 11: 28: "طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهُ". لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهُ. وقد أَوْصى بولسُ المؤمنينَ في رومية 16: 19 قائلاً: "لأَنَّ طَاعَتَكُمْ ذَاعَتْ إِلَى الْجَمِيعِ، فَأَفْرَحُ أَنَا بِكُمْ". وَلا شَكَّ أنَّ قَلْبَ الرَّاعي يَفْرَح حينَ تَصيرُ طَاعَةُ رَعِيَّتِه أمرًا مَعْلومًا لدى الجَميع.

ولعَلَّكُمْ تَعرفون بعض الأشياء إذا كنتم تأتون إلى هذه الكنيسة لأنكم تَعَلَّمتموها. ولكِنْ إنْ لم تُطَبِّقوا هذه الأشياء وتُطيعوها، لنْ تَنْضُجوا. وقد فَتَحْتُ المِذياعَ في هذا الأسبوع أثناء ذهابي إلى مكانٍ ما بسيَّارتي فسمعتُ "هَوارد هيندريكس" (Howard Hendricks) يتكلم ويقول بعض الأشياء. وقد قُلتُ في نفسي إنَّ ما قالَهُ مُدهشٌ جدًّا. فقد قال إنَّ المُؤمنين الذينَ تَجاوزوا عُمْرَ الخمسين ينبغي أنْ يكونوا أكثر الأشخاص استعدادًا، واتِّقادًا، وتكريسًا، وطُهْرًا، وحماسةً، واستعدادًا للخِدمة. لماذا؟ لأنَّهمْ صَرَفوا في سَماعِ كلمةَ اللهِ وقتًا أطْولَ مِنْ غيرهم، ولأنهم صَرَفوا في تطبيقها وقتًا أطولَ مِنْ غيرهم، ولأنهُ مضى على نُضجهم وقتًا أطولَ مِنْ غيرهم، ولأنه ينبغي لهم أنْ يُظْهِروا ثَمَرَ تلك العمليَّة. أليس كذلك؟ وما أعنيه هو أنَّ الأشخاصَ الأكثرَ استعدادًا، وحماسةً، واتِّقادًا، وتوَّفرًا، ونشاطًا، وقُدرةً في الكنيسة، وأنَّ الأشخاصَ الذين يمتلكون أكبرَ طاقةٍ في الكنيسة ينبغي أنْ يكونوا أولئكَ الذين تجاوزوا عُمْرَ الخَمْسين أوِ الخامسةِ والخَمْسين أوِ السِّتِّين. فيجب أنْ يكونوا بَهْجَةَ الكنيسة، وفَرْحَتَها، وحَماسَتَها، وطاقَتَها، وقُوَّتَها. ويجب أنْ يكونوا في طليعة الأشخاص الذين يهتمون بالكِرازة. ويجب أنْ يكونوا في طليعة الأشخاص الذين يهتمون بالصلاة. لماذا؟ لأنَّهم عاشوا مع الله وقتًا أطولَ مِنْ غيرِهِم. ولأنَّهم طبَّقوا الكلمةِ، فقد مَضى على نمط طاعتهم وقتٌ أطول مِنْ غيرهم. لذلك، يجب أنْ يكونوا أكثر نُضْجًا مِنَ الأشخاصِ الذين مَضَى عليهم سنوات أقلّ بسببِ التطبيقِ المستمرِّ للحقّ.

ولكِنْ كَمْ مَرَّةً سَمِعْتُم فيها كلامًا كهذا؟ وأنا أتَّفِقُ معَ "هوارد" تمامًا. ولكِنْ كمْ مَرَّةً سمعتم فيها كلامًا كهذا؟ فهناكَ أُناسٌ يقولون: "إنَّ الشيءَ الرائعَ بخصوص كنيستنا هو أنَّها تَضُمُّ شبابًا كثيرين جدًّا. فكما تَعلمون، فَإنهُمْ طاقةُ الكنيسةِ وقُوَّتُها". وأنا أُحِبُّ الشباب. فأنا واحدٌ منهم. أجل. وأنا أتَّفِقُ مع ذلك. وما أعنيه هو أنَّ هناك قوَّةً مُعَيَّنةً في الشباب. ولطالما قُلتُ إنني أُحِبُّ أنْ أُخاطِبَ الشبابَ لأنَّهم إنْ لم يُبالوا بما تقول فإنَّهم لا يُمانِعونَ في التَّعبيرِ عَنْ رأيهم، بل يقولون لك إنَّهم لا يُبالون. فهُناكَ حَيويَّة في الشباب. ولكنِ اسمعوني: إنَّ هذا تعليقٌ مُحْزِنٌ على الكنيسة. فأنا أَسْمَعُ رُعاةً شَبابًا يقولون هذا الكلام طوَال الوقت: "إنَّها كنيسة مُمتلئة بالأشخاص المُسِنِّين". فأنا أسمعُ ذلك. "أجل، إنَّها كنيسة جيِّدة، ومنطقة جيدة؛ ولكنها مُمتلئة أشخاصًا مُسِنِّين". ولكِنْ ينبغي أنْ يكون هؤلاءِ قُوَّة الكنيسة. ولكنْ هل تعلمون ما هي الحقيقة؟ أنَّك إذا كنت مُؤمنًا، ولم تَحْرص دائمًا على تطبيق ما تعرفه، فإنَّك ستكون مُجرَّد واحدٍ مِنَ الأشخاص المُسِنِّين. فبسبب إهمالِكَ المستمرِّ في تطبيقِ الحَقِّ الإلهيِّ، ستبلغُ سِنَّ الخمسين (أوْ أيَّ عُمْرٍ آخر)، وتَطْوي خَيْمَتَكَ وتَتَوارى عنِ الأنظارِ في عَتْمَةِ الليل. فسوف ترغب في التقاعد روحيًّا. وقد تقول: "لقد خدمتُ سنواتٍ كثيرة ولا أريد أنْ أنخرط في الكِرازة القائمة على التَّلمذة. فأنا أتقدَّم في العُمْر. دَعُوا الشبابَ يقومون بذلك". فهل تعرفونَ ذلك؟

ولكِنْ عندما ننظرُ إلى العهد القديم، نَرى أنَّ القادة في إسرائيل كانوا الأشخاصَ المُتقدِّمينَ في العُمْر. فقد كانوا رجالاً ونساءً أتقياءَ ابْيَضَّتْ شُعُورُ رؤوسِهِم. وإذا نظرنا إلى الكنيسة الباكرة سنجدُ أنَّ الطَّاقةَ والحيويَّةَ كانَتْ تَكْمُنُ في المؤمنينَ الناضجين. أمَّا إذا نَظَرْنا إلى الكنيسة المُعاصِرة، سنجد أنَّ حياتَها تَكْمُنُ في الشباب الصِّغار. وأنا أُحِبُّ الأطفال، ولكني لستُ مُهتمًّا بكنيسةٍ قائمةٍ على المُراهقين. فأنا أعتقد أنَّ الكنيسة تقوم على ما هو أكثر مِنْ ذلك. فنحن بحاجةٍ إلى الحياةِ والطاقةِ النابعة مِنَ الأطفال. ولكننا بحاجة إلى الطاقة التي يمتلكها المُؤمنونَ الناضجون الذين عاشوا حياةً طويلةً في تطبيق الحقّ. ولكنْ إنْ كان بمقدورك أنْ تَسمَعَ الحقَّ وأنْ تعيشَ نَفْسَ نَمَطِ الحياةِ دون أنْ تبذل جهدًا واعيًا للسُّلوكِ في الروحِ وتطبيقِ ذلك الحقّ، فإنَّ هذا يَعني أنَّك قد شِخْت. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. فأنت لا تزدادُ نَشاطًا ولا تَصيرُ أكثرَ حَيويَّةً.

وما أعنيه هو أنَّهُ ينبغي أنْ تكونَ لديك طَاقة هائلة تَجْعَلُكَ تَصِلُ إلى السَّماءِ بِمُجَرَّدِ الإقلاع. أتفهمونَ قصدي؟ فينبغي أنْ تكونَ لديكَ طاقة مُتَفَجِّرة عندما تَبْلُغُ هذهِ المرحلة في الحَياة. وكمْ كنتُ أَتَمَنَّى لو أنَّ ذلك صحيحًا. ولكنَّني أَرَى أُناسًا كثيرينَ جِدًّا يذهبون إلى الكنيسة ويزدادونَ كَسَلاً كُلَّما تَقَدَّمَ بهم العُمْرُ لأنَّهم لا يُطَبِّقونَ الأشياء التي يسمعونها. فَهُمْ يَسمعونها، ويَعرفونَ الكثيرَ مِنَ الأمورِ عنِ العقيدة، ويَتَعَلَّمونَ الكثيرَ مِنَ الأشياء. ولكِنْ لأنَّهم لا يُطَبِّقونها، فإنَّ حياتَهُم لم تتغير. فقد تَقَسَّوْا بسبب فُتورِهِمِ الروحيِّ، وبسبب كثرةِ المعلوماتِ التي تَخْلُو مِنَ القوَّة. وأنا لا أريدُ أنْ يحدثَ ذلك في حياتي. فأنا أريد أنْ أَبقى مُلْتهبًا حَماسَةً. وما أعنيه هو أنني سأستمرٌّ في الوَعْظ إلى أنْ يَبتدئ طَقْمُ أسناني الاصطناعيَّة بالسُّقوط مِنْ فمي وأنا أَعِظُ مِنْ على المِنْبَر. وَإنْ زادَ الأمْرُ عَنِ الحَدِّ فإنَّني سأترك. ولكنِّي لن أفعلَ ذلكَ الآن. فأنا لا أريدُ أنْ أَنظرَ إلى الوراء وأنْ أقول إنَّ كلَّ القُدرةِ والطاقةِ والحيويَّةِ قدِ اختفتْ مِنْ حياتي وأنا في عُمْرِ الخامسةِ والأربعين أوِ الخمسين. فأنا لا أريدُ أنْ أتقاعَدَ عن خِدمة المسيح. وأنا أشعر حقًّا أنَّ الخَطَأَ الَّذي يَقْتَرِفُهُ الناسُ الذينَ يَخْتَفونَ بهذه الطريقةِ هو أنَّهم كانوا يَسمعونَ كلمةَ اللهِ دونَ أنْ يُطَبِّقوها. وفي بعض الحالات فإنَّهم لم يكونوا يسمعونها. فَهُمْ لم يكونوا يَتَغَذُّونَ على كلمة الله. وَهُمْ لم يُعَلِّمْهُمْ أَحَد. ولكِنَّ هذا لا يَصُحُّ على كنيستنا. لذلك يجب علينا أنْ نُكَرِّسَ أنْفُسَنا للطاعة.

وهذه نقطة جوهريَّة جدًّا: طاعة كلمة الله. فإنْ كان هناك حَقّ، وسَمِعْتَهُ بِوَعْيٍ بقوَّة الروح، ابدأ بتطبيقه. وعدما يُبَكِّتُكَ اللهُ، لا تَحْسَبْ أنَّهُ يَتحدَّثْ عنْ أشخاصٍ آخرين. فلا تَمْضي في طَريقِكَ وأنْتَ وتقول: "كنتُ أتمنى لو أنَّ فلانًا سَمِعَ تلك العِظة"، بَلْ طَبِّقْها أنت. طَبِّقها أنت. فأنتَ خاضِعٌ لرُبوبيَّة المسيح. وعندما تُطيعُ فإنَّك تتقدَّمُ في دَرْبِ النُّضْجِ لتكون شخصًا أكْثَرَ نَفْعًا لله. وكَمْ أُحِبُّ أنْ أرى هذه الكنيسةَ مُمتلئة بأشخاصٍ مِنْ جميعِ الأعمار! ولكنَّ القوَّةَ والقُدرةَ تَنْبُعُ مِنْ أولئك الأشخاصِ الذين تَعَلَّموا حقائقَ أكثرَ وطَبَّقوا حقائقَ أكثرَ بسبب طاعَتِهم.

واسمحوا لي أنْ أَذْكُرَ لكم موقفًا ثانٍ وَهُوَ: الاتِّضاع - الاتِّضاع. وهذا شيءٌ آخر نَوَدُّ مِنْ كُلِّ قُلوبِنا أنْ نُوَلِّدَهُ في قلوبِ الرَّعِيَّة. وقد كانَ هذا الأمْرُ مَصْدَرَ قَلَقٍ دائمٍ بالنِّسبةِ إليَّ. وما أعنيه هو أنَّ الكِبرياءَ مُشكلة بالنِّسبةِ إليَّ. وهي مُشكلة بالنِّسبة إليكم. وأنا أعرفُ ذلك. وقد كانتِ الكبرياءُ مُشكلةً كبيرةً بالنسبة إلَيَّ. وأعتقد أنَّها ما تزال كذلك، ولكنَّها كانت ظاهرة أكثر مِنَ الآن. وقد كنت أظُنُّ دائمًا أنَّه عندما أَفْهَمُ الأشياءَ المختصَّةَ بالله فإنَّ اللهَ سيجعلُني شخصًا متواضعًا. ولكِنِّي كُنْتُ وَاهِمًا جِدًّا لأنني عندما أقول لنفسي إنَّني قد صِرْتُ مُتَّضِعًا أخيرًا، فإنَّ كُلَّ التَّواضُعِ يَتلاشى. لذلك، مِنَ الصعبِ جدًّا التغلُّب على ذلك. فهذا وَهْمٌ كبير. ولكنَّني كنتُ (وما زلتُ) أسعى إلى قيادة الرعيَّة إلى فَهْمِ الاتِّضاعِ فَهْمًا صحيحًا.

وما زِلْتُ أَذْكُرُ الوقت الذي بَنَيْنا فيهِ الصَّالةَ أوِ القاعةَ التي جَعَلوا لها مِنَصَّة. وقد طَلَبَ أَحَدُهُمْ خمسة مقاعد كبيرة ذات أَذْرُع كبيرة، ومَسانِد ظَهْرٍ كَبيرة، وأشياء بارِزَة مِنْها تُشبه التِّيجان. وكان الكُرسيُّ الفاخِرُ مُخَصَّصٌ لي أنا لكي أجلسَ عليه؛ وَهُوَ الكُرسِيُّ المتوسط. فقد كان الكُرْسِيُّ الذي في الوسط لي أنا. وهم لم يكونوا يُبالونَ بِمَنْ سيجلس على الكراسي الأُخرى، ولكنَّهم خَصَّصُوا الكُرْسِيَّ المتوسطَ لي أنا. وقد حاولتُ أنْ أجلسَ في ذلك الكرسيِّ الذي لَهُ تاجٌ مُدَّةَ أسبوعين، ولكني شعرتُ بمشاعر مُزْرِيَة. فأنا لم أتمكن مِنَ الجلوس فيه. لذلك فقد نَهَضْتُ وجَلَسْتُ في الأسفل في الصَّفِّ الأوَّل. ولم يكُن ذلك نابعًا مِنْ تواضُعي، ولكنَّ الجلوسَ على المِنصَّةِ في مَقْعَدٍ لَهُ تاجٌ خلف رأسي كان يعني شيئًا لا أريدُ أنْ يَفهَمَهُ الناسُ بتلك الطريقة. لذلك فقد كان هذا هو ما حدث. وهذا هُوَ ما جَعَلَني أرغبُ في أنْ أَعْبُدَ اللهَ مِثْلَكُمْ جميعًا. فالفرقُ الوحيدُ بيني وبينَكُم هو حقيقةُ أنَّ اللهَ دعاني إلى القيامِ بهذا الأمرِ، وأنَّه أعطاني القُدرةَ على القيام بهذا الأمر وذاك. فالأمر لا يختصُّ البتَّة بِرُوحانِيَّتي. ثُمَّ إنَّ "كلايتون" (Clayton) جاءَ وقالَ لي: "لماذا تجلس هنا؟" فقُلت: "لا أدري. ولكني أشعر بالراحة هنا". فقال: "لا! أعتقدُ أنَّه ينبغي أنْ تجلس على المِنَصَّة". قلت: "ولكننا لا نملك أيَّ مقاعد" فنظر مِنْ حوله ووجد بعض المقاعد. ففي أَوَّلِ يومِ أَحَد جاء فيه إلى هذا المكان، كان لدينا جميعًا مقاعد على المِنصَّة. ثم إنهُ قال: "إنَّكَ لا تُحِبُّ ذلك المقعد. إنهُ ليسَ جَيِّدًا؟". فقلت: "لا! لقد أخبرتُكَ مِنْ قَبْل". لذلك فقد قال لي: "يُمكنك أنْ تَعود إلى الجُلوسِ في الأسفل".

إنَّها حادثة صغيرة، ولكنها تُشير إلى موقفٍ مُعيَّنٍ يُريدُ روحُ اللهِ أنْ يُعَلِّمَهُ لنا، وهو أنهُ ينبغي لنا أنْ نكون مُتَّضِعين. وهذا لا يعني أننا نَحْنُ مَنْ أَسَّسَ ذلكَ الحَقّ، ولكنَّنا نَسعى إلى تطبيقه بقوَّة الله. فعندما تصير مُؤمنًا، أرجو ألَّا تَنْخَدِع وتَظُنَّ أنَّ الربَّ بحاجةٍ إليك حقًّا. فهلْ فَكَّرْتَ في ذلك يومًا؟ فأنا أسمعُ أُناسًا يقولون: "ليتَ الربَّ يُخَلِّصْ فُلانًا. فهو غَنِيٌّ جِدًّا، وهو يَمْلِكُ مَواهِب. فَهُوَ سيكونُ قائدًا عظيمًا. أجل! ليتَ الربَّ يُخَلِّصْ ذلك الشخص!" إنَّ هذا سخيف. فالربُّ قادرٌ أنْ يُخَلِّصَ أيَّ شخصٍ يَشاءْ. ولكنَّ هذه ليست النُّقطة الجوهريَّة. فيجب أنْ تَعلمَ (في المقام الأوَّل) أنَّك لا تملِك أيَّ شيءٍ تُقدِّمُهُ لله. فأنا لا أُبالي بِمَنْ تكون لأني أنا أيضًا لا أملك أيَّ شيء. وهذا يُشبه الرجلَ المذكور في الأصحاح الثامن عشر الذي كان مَدينًا بدينٍ كبيرٍ لا يستطيعُ أنْ يُوْفيه. ويقول النَّصُّ إنَّه لم يكنُ لَهُ ما يُوْفي. لا شيء. لا شيء. لم يكن لديه شيءٌ يُقَدِّمُه. أوْ هذا يُشْبِهُ ما وَرَدَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامس إذْ إنهُ عندما ندخل الملكوت، يجب علينا أنْ نكونَ مَساكينَ بالرُّوح. فيجب علينا أنْ نأتي بانسحاقٍ شديد عالِمينَ أننا لا نستطيع حتَّى أنْ نَعْمَلَ ونَكْسَبَ رِزْقَنا. فيجب علينا أنْ نتوسَّلَ. فنحنُ لا نملِكُ شيئًا. والأمرُ لا يَقتصر على أنَّنا لا نملِكُ شيئًا في أيدينا، بل إنَّنا لا نَمْلِكُ أيضًا أيَّ موهبةٍ للحصولِ على ذلك. لذلك، فإنَّ كُلَّ ما يُمكِنُنا أنْ نَفْعَلَهُ هو أنْ نَتَوَسَّلَ. وهذه هي الطريقة الوحيدة للمجيء إلى الربِّ - أيْ أنْ نكونَ مُفْلِسين. وهل تريدون أنْ تعرفوا شيئًا؟ إنْ كُنَّا نَمْلِكُ أيَّ شيءٍ الآن، فإنَّه ليس لنا. بَلْ هُوَ ماذا؟ هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ لنا.

والشيء الوحيد الَّذي يمكنني أنْ أُقَدِّمَهُ لله هوَ ما أعطاني إيَّاه. فقد تَقدَّستُ بخلاصِهِ ورُوحِهِ. ولا يَجوزُ أنْ يَؤولَ الفَضْلُ في ذلك إلَيَّ أنا، بل إلى مَجْدِهِ هُوَ. لذلك، ما الَّذي يمكنني أنْ أفتَخِر به؟ ونحنُ نَسعى دائمًا إلى التَّصَدِّي للبِدَع الَّتي تُرَكِّزُ على تقدير الذَّات، وللأنانيَّة الَّتي يَتَّسِم بها مُجتَمَعُنا المُعاصر، وإلى التَّركيزِ على حقيقة أنَّ اللهَ قد دعانا إلى التَّواضُعِ، وإنكارِ الذَّات، والتَّضحيةِ والاتِّضاع. وهذا شيءٌ رئيسيٌّ نُرَكِّزُ عليه مِنْ أوْجُهٍ عديدة. ونحنُ نتذكَّر، دونَ شَكٍّ، ما جاءَ في الأصحاح العاشر مِنْ إنجيل مَتَّى إذْ يقولُ الربُّ: "لِيُنْكِرِ الإنسانُ نَفسَهُ، ويَحمِل صَليبَهُ، ويَبْذُل حياتَهُ لكي يَنالَ الحياة". وهذا هوَ أيضًا ما جاء في الأصحاح السادس عشر والعَدَدَيْن 24 و 25: احْمِلْ صَليبَكَ، وانْكِر نَفْسَكَ، واتْبَعْني. فينبغي أنْ نَدفعَ الثَّمَنَ مِنْ خلالِ التَّواري عنِ الأنظار، والاتِّضاع، وإنْكارِ الذَّات، وتَقْديمِ الآخَرينَ على أنْفُسِنا. وقدِ اسْتَفَضْنا مَرَّاتٍ عديدة في شَرْح ما جاء في الأصحاح الثاني مِنْ رسالة فيلبِّي الَّتي تقول إنه يجب على كل شخص أنْ يَنْظُرُ إلى ما هوَ للآخرين، لا إلى ما هو لنفسه، حاسِبينَ الآخَرينَ أَفْضَلَ مِنْ أنْفُسِنا. فيجب على كُلِّ شخص أنْ يَتواضَعَ ويقول: "أنتَ أَفْضَلُ مِنِّي. وأنا أَسْعى إلى ما يُكَرِّمُك. وأنا أَسْعى إلى ما يَرْفَعُك. وأنا أسعى إلى ما يَسُدُّ حاجَتَك".

وهذا أمرٌ مهمٌّ جدًّا في الكنيسة. فإنْ كان الناس في الكنيسة يتشاجرون ويَسْعَوْنَ إلى السُّلطة، ستَشهدونَ نفس الاضطرابِ الَّذي حدث بين التلاميذ الذين كانَ كُلٌّ منهم يسعى إلى أنْ يكون الأعظم. وهذا أمرٌ بغيض. فيجب علينا جميعًا أنْ نَسعى إلى أنْ نكون الأدنى. وفي الوقت نفسه، فإنَّ هذا لا يَعني أنْ نُقَلِّلَ مِنْ شأنِ أنفُسِنا لأنَّ قيمَتَنا الأبديَّة لدى المسيح لا تُقدَّرُ بثمن. ولكنَّ ذلك ليس بسبب شيءٍ صالحٍ فينا، بل بسببه هُوَ. والتواضُع يَجْعَلُكَ تقول: "أنتَ تَفوقُني أهميَّةً". فهذا هُوَ كُلُّ ما يقوله. فهو لا يَجْعَلُكَ تَقولُ عنْ نَفسِك: "أنا مُجَرَّد دُودَة"، أو "أنا مجرَّد فأر"، أو "أنا مجرَّد صُعْلوك"، أو "أنا لا شيء"، أو "أنا نُفاية". فالتواضعُ لا يقول ذلك. وهو لا يقول: "أنا لا أَصْلُح لشيء". فأنت تَصْلُح لشيء. فقيمَتُكَ كبيرة لدى الله لأنَّك مَفْدِيٌّ ومُقَدَّسٌ لأنَّه وَهَبَكَ إمكانيَّاتٍ معيَّنةً لكي تخْدِمَهُ بها. ولكنَّ التواضع يقول: "أنتَ مُهِمٌّ في نَظَري أكثرَ مِنْ نفسي".

لذلك فإنَّ كلمة الله تقول إنَّه يجب عليك أنْ تُحب قريبك كمن؟ كنفسك. فيجب عليك أنْ تُقدِّم لقريبك نفس الاهتمام ونفس التكريس الَّذي تُقَدِّمه لنفسك في سَدِّ الحاجات. وربما تَذكرونَ دراسَتَنا لرسالة كورِنثوس الأولى وكيف أنَّ بُولس وَبَّخَ بشدة كنيسة كورنثوس بسبب الطريقة المُتَكَبِّرة والمُنتَفِخَة والأنانيَّة والمَزْهُوَّة التي عَبَّروا فيها عن خِبراتهم الصُّوفيَّة، وكيف أنَّهم راحوا يَمتدحونَ أنْفُسَهُم روحيًّا كما لو كانوا أكثرَ رُوحانِيَّةً مِنْ غيرهم بسبب تلك الخِبراتِ الصُّوفيَّةِ العَميقةِ التي اختبروها.

ولكنَّ التَّواضُعَ هُوَ الشيء الَّذي يسعى اللهُ إلى تحقيقه في كنيسته. وهو الموقف الَّذي ينبغي أنْ نَسْعى إليه. وهذا يعني ألَّا أَنْزَعِجْ عندما يَحْدُثُ شَيءٌ جَيِّدٌ لكَ وليس لي لأنَّك أكثرَ أهميَّةً مِنِّي. أجل. وهذا يعني أنْ أَضَعَ بعض الأولويَّات الشخصيَّة جانبًا لكي أَسُدَّ حاجاتِكَ أنت. وهو يعني أنْ أقول "لا" لِحُرِّيَّاتي الشخصيَّة لكي أقول "نعم" لِحُرِّيَّاتِكَ أنت. وهو يعني ألَّا أفعلَ شيئًا يُعْثِر ضميرَك. فإنْ كان أَكْلُ اللَّحْمِ يُعْثِرَكَ، لن آكُلَ أيَّ لَحْم. وإنْ كان الشُّرْبُ يُعْثِرُك، لن أَشْرَبَ أيَّ شيء قد يُعْثِرُك لأنَّ ملكوتَ اللهِ ليس أكلا وشُرْبا، بل هُوَ بِرٌّ وفَرَحٌ وسلامٌ في الروح القُدس (كما جاء في الأصحاح 14 مِنْ رسالة رومية). فأنا لن أُخالفَ ضميرَك. وأنا لنْ أجعلَكَ تَعْثُرُ، بل إنني سأضعُ حُرِّيتي جانبًا وأحرص على ألَّا أُعْثِرَك. وسوف أحرِص على إنَّه إنْ كانت لديك حاجة فإنَّني سأسُدُّ تلك الحاجة.

وأنا أنظر إلى نفسي كشخصٍ ينبغي له أنْ يعتني بكم وأنْ يُحِبَّكُم. وإنْ ضَلَلْتَ عنِ القَطيع (كما جاء في الأصحاح 18 مِنْ إنجيل متَّى)، يجب عليَّ أنْ أذهبَ وأنْ أبحثَ عنكَ وأنْ أَرُدَّكَ. فهذا هُوَ الاتِّضاع. وهو شيءٌ يُشبه ما جاء في رسالة كورنثوس الثانية 10: 1 عنْ وداعةِ المسيح وحِلْمِه. فيجب أنْ ينعكس ذلك في حياتنا. لذلك فإنَّ شوق قلبي دائمًا مِنْ نحو الكنيسة هُوَ ليس فقط أنْ نكون شعبًا مطيعًا، بل أنْ نكون أيضًا شعبًا يَحْرص على الاتضاع، والوداعة، والقداسة، والتَّواري عن الأنظار عِوَضًا عنِ التركيز على الذَّات. فالكثير مِنْ المشاكل تحدث عندما يسعى الناس إلى فِعْل مشيئتهم، وعندما يَسْعَوْنَ إلى ما يرفع مِنْ شأنهم أو إلى ما يُعَزِّز مكانَتَهُم. فهناك أشخاص يُحبون المديح دائمًا، ويحبون أنْ يَسْمَعوا الناسَ يُحَدِّثونهم دائمًا عَنْ رَوْعَتِهِمْ، وعَنْ عَظَمَتِهِم - عِوَضًا عنْ أنْ يُكَرِّسُوا حياتَهُم لتشجيع الآخرين. ويمكننا أنْ نقول الكثيرَ عنِ الاتِّضاع. وهذا هُوَ ما أقولُهُ دائمًا عندما لا يَعودُ لديَّ ما أقوله. أليس كذلك؟

ثالثًا، أو الموقف الثالث هُوَ المحبة. فلا يمكننا أنْ نتحدَّث عن الاتضاع دون أنْ نتحدَّث عن المحبة لأنَّ المُتواضِعينَ هُمُ الأشخاصُ الوحيدون الذين يُمْكِنُهُمْ أنْ يُحِبُّوا. فلا أحَدَ يَقْدِرُ أنْ يُحِبَّ سوى الأشخاص المتواضعين. وأنا لا أتحدَّث هنا عنْ نوعيَّةِ المحبة الموجودة في العالم (أيِ المحبَّة الزَّائفة). فهي مَحبة تُركِّز على الأشياء. فالناس يَرَوْنَ شيئًا لطيفًا فيشعرون بانجذابٍ عاطفيٍّ نَحْوَهُ. وهذا هُوَ سبب عدم استمرار العلاقات الزوجيَّة لأنَّ ذلك النوعَ مِنْ المحبة قائمٌ على العاطفة. وعندما تَخْبو العاطفة أو يتعلَّقُ المرءُ بشخصٍ آخر، فإنَّ العلاقة الزوجيَّة تنهدم. ولكنَّني لا أتحدَّثُ عنْ محبَّة العالم التي تقومُ على محبة الأشياء. وأنا لا أتحدَّثُ عنِ المحبة النابعة مِنَ الذَّات. ففي نظر العالم، فإنَّ المحبة رائعة بسبب ما أشعر به عندما أُحِبّ. أليس كذلك؟ فهي ليست مُهمَّةً بسبب ما يمكنُ أنْ أُقَدِّمَهُ للآخرين، بل بسبب ما يمكن أنْ أحصل عليه، وبسبب التَّشويق. ولكِنْ عندما يَزولُ التشويق وتَختفي الإثارة فإنَّ العلاقة تنتهي.

لذلك فإنَّ هذه هي نظرة العالم. أمَّا المحبة بمعناها الكتابيّ فهي مختلفة تمامًا عن ذلك. فهي ليست عاطفةً البتَّة. فالمحبة هي ببساطة: عَمَلٌ يقومُ على الخِدمة المُضَحِّية. فالمحبة ليست موقفًا، بل هي عمل. فالمحبة تفعل دائمًا شيئًا ما. فإذا قرأتم رسالة كورنثوس الأُولى ستجدونَ أنَّ كُلَّ الكلمات المستخدمة هي أفعال. فالمحبة تَرْفُق. والمحبة تتأنَّى. وكُلُّ هذه الكلمات تَرِدُ بصيغة الفعل. فالمحبَّة تفعل كذا، وتفعل كذا، وتفعل كذا، وتفعل كذا. فالمحبَّة تَعْمَل. والآن، اسمحوا لي أنْ أقول لكم شيئًا ما: المحبة هي خِدمة مِنْ جانبك تَنبُعْ مِنْ قلبٍ مُتواضع. وهذا القلبُ المتواضع يقول: "أنا أهتمُّ بك أكثرَ مِمَّا أهتمُّ بنفسي". لذلك فإنَّ المحبة هي تجاوب. لذا فإنني أقولُ إنَّ الأشخاصَ المتواضعينَ هُمُ الوحيدونُ الَّذينَ يُمكنهم أنْ يُحِبُّوا. فالأشخاصُ المتكبِّرون لا يستطيعون أنْ يحبوا لأنَّ كل ما يريد الأشخاص المتكبرون أنْ يفعلوه هُوَ إشباع غرورهم. فالمحبة الوحيدة التي يعرفونها هي المحبة الجسديَّة. والمحبة الوحيدة التي يعرفونها هي التعلُّق العاطفيّ بأشخاص مُعَيَّنين. وإنْ لم تكُنْ أنتَ واحدًا مِنْ هؤلاء الأشخاص المُعَيَّنين فإنَّك لنْ تحظى بأيَّة مشاعر منهم. بل إنَّك ربما لن تحصل على أيِّ شيءٍ منهم. فَهُمْ يَملِكون ذلك النوع مِنْ المحبة الَّذي يجعلهم ينجذبون إلى أشخاصٍ على شَاكِلَتِهِمْ لكي يَستمتعوا بوقتهم معهم. ولكنَّهم لا يُبالون بحاجات الآخرين. هل تفهمون الفرق؟

وكما تَعلمون، عندما جئتُ أوَّلَ مَرَّة إلى الكنيسة، كانَ مِنَ الصَّعْبِ أنْ أُحِبَّ (عاطفيًّا) أشخاصًا مُعَيَّنين. وقد ضايَقَني ذلك كثيرًا لأنِّي شعرتُ بالمسؤوليَّة أمام الله بأنْ أُحِبَّ الرعيَّة بأسرها. وبالرغم مِنْ ذلك، هناك أشخاصٌ مُعَيَّنون لم أقدر أنْ أُحِبَّهُم عاطفيًّا بالرغم مِنْ كُلِّ محاولاتي. وما أعنيه هُوَ أنني لم أكُن أُبالي بأنْ أكونَ معهم. فربما كنتُ معهم أحيانًا، ولكنِّي كنتُ أقول: "إنْ لم أَرَهُمْ ثانيةً، لا مشكلة في ذلك". وربما قالوا الشيء نفسه هُمْ أيضًا. وإنْ كنتم تفهمون قصدي، لم تكُن هناك شرارة بيننا. وهذه هي الحقيقة. وما أعنيه هُوَ أنَّ هناك أشخاصًا يمكن أنْ أعيش حياتي بأسرها، وأنْ أموتَ وأذهبَ إلى السماء، وأنْ أمضي الأبديَّة كُلَّها هناك دونَ أنْ أَصْرِفَ ساعةً واحدةً معهم، ودون أنْ أشعر بالحزن. وهناك أشخاص كثيرون يشعرون بالمشاعر نفسها تُجاهي. والحقيقة هي أنني أعلم أنَّ هناك أشخاصًا سيبحثون عن مكانٍ في السماء بعيدًا عن المكان الَّذي سأكون موجودًا فيه. وهناك أشخاصٌ يَتوقونَ حقًّا إلى الذهاب إلى هُناك لأنَّه لا توجد تسجيلات صوتيَّة في السماء. وبالرَّغم من ذلك، مِنَ البديهيِّ أنْ نَفْتَرِضَ في إطار علاقاتنا البشريَّة أننا لنْ ننجذبَ إلى جميع الأشخاصِ الآخرين لأننا لا يُفْتَرَض بنا أنْ ننجذب إلى الجميع. ولكنَّ هذا الأمرَ لا صِلَةَ لهُ بالمحبَّة. وهذه ليست حتَّى النقطة الجوهريَّة. فالمحبة تقول ببساطة: "إنْ كانت لديك حاجة، سوفَ أَسُدُّ تلك الحاجة". وكما تعلمون، عندما قالَ يَسوعُ إنَّه ينبغي لِكُلٍّ مِنَّا أنْ يُحِبَّ قريبَهُ كنفسه، فإنَّ السؤالَ الَّذي طَرَحوه عليه هُوَ: مَنْ هُوَ قريبي؟ بعبارة أُخرى: كيف أعرفُ مَنْ هُوَ الشخص الَّذي تتحدَّث عنه؟ ثُمَّ إنَّه سَرَدَ قِصَّةَ السامريِّ الصالح. وما قَصَدَهُ هُوَ: "بينما كنتَ تمشي في الطريق، وجدتَ شخصًا مضروبًا ومطروحًا أرضًا ولديه حاجة. وأنتَ تَسُدُّ حاجَتَه. فهذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. إذنْ، مَنْ هُوَ قريبك؟ إنَّه أيُّ شخصٍ يَضَعُهُ اللهُ في طريقك ولديه حاجة. فهذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. ومَنْ ينبغي لكَ أنْ تُحِبّ؟ أيَّ شخصٍ في طريقك لديه حاجه. وكيف تُحِبُّهُ؟ بأنْ تَسُدَّ حاجَتَه.

وقد لا تشعُر البتَّة بمشاعر عاطفيَّة. وقد لا تنجذب البَتَّة إلى ذلك الشخص. وقد حاولنا أنْ نُركِّز على ذلك على مَرِّ السِّنين - أيْ أننا مَدعُوُّون إلى أنْ نُحِبَّ الآخرين بتلك المحبة النابعة مِنَ التواضُع لأنَّ التواضع يقول إنَّك تَفوقُني أهميَّةً. وهناك مَثَلٌ توضيحيٌّ ذَكَرْتُهُ حين وَعَظْتُ مِنَ الأصحاحِ الثالث عَشَر مِنْ إنجيل يوحنا. فهناك مَثَلٌ توضيحيٌّ مُهم في ذلك الأصحاح. وما زلت أذكر يوم الأحد ذاك، وأذكُر حالة الطقس، وأذكُر أجواء الكنيسة، وأذكُر كيف كانتْ حالُ الرعيَّة. وقد انطبع ذلك المشهدُ في ذاكرتي مِنْ خلالِ روحِ اللهِ – رُبَّما بسبب أهميَّتِه. فقد كانَ يسوعُ حاضرًا هُناك، وكانَ التلاميذُ جميعًا يَتجادلون مَنْ هُوَ الأعظم بينهم. وقد كان الوقتُ قد حانَ لتناوُل الطعام. وكانوا قد ابتدأوا في تناول الطعام – وتحديدًا: طعام العشاء. وفي تلك الأيَّام كانوا يَتَّكِئونَ على مائدة العشاء. وهذا يعني أنَّ رأسَكَ يكونُ قريبًا جِدًّا مِنْ قَدَمَيِ الشخصِ المُتَّكِئ بجانبك. لذلك، كانتِ الكياسَةُ تَقْتَضي أنْ يَغْسِلوا أقدامهم قبل تناول العشاء. ولا يمكنني أنْ أتخيَّل شيئًا أسوأ مِنْ عدم القيام بذلك. ولكنهم لم يستأجروا شخصًا للقيام بذلك. فلم يَكُنْ يوجدُ خادمٌ بينهم. ولم يَكُنْ أحدٌ مِنَ التلاميذ مُستعدًّا للقيام بذلك لأنَّهم كانوا يتجادلون مَنْ هُوَ الأعظمُ بينهم. ولم يكُنْ أيٌّ منهم يرغب في القيام بذلك (أيْ أنْ يتنازلَ ويكونَ خادِمًا). لذلك فقد خَلَعَ الربُّ رِداءَهُ الخارجيَّ، واتَّزَرَ بمِنْشَفَةٍ، وغَسَلَ أرجُلَهُم. وقد أعطاهم درسًا قَيِّمًا لا يُنْسى. ثُمَّ قالَ لهم: "هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ". وكيف أَحَبَّهُم؟ بأنْ شَعَرَ بمشاعر عاطفيَّة نحوهم؟ لا! فالمشاعرُ الوحيدةُ التي شَعَرَ بها هي مشاعر الامتعاض. فقد كانوا مُثيرينَ للاشمئزاز بسبب كبريائهم وأنانِيَّتِهم. لذلكْ، لم تَكُنْ مَحَبَّتُهُ لهم مُجرَّد عاطفة، بل كانت محبةً قائمةً على حاجتهم. وكان ما قاله لهم هو: "عندما تَرَوْنَ شخصًا لديه حاجة، يجب عليكم أنْ تَسُدُّوها".

فإنْ كان هناك شخصٌ في طريقك لديه حاجة، يجب عليك أنْ تفعل ذلك حالاً، وعفويًّا، ودون تَرَدُّد - كَرَدِّ فِعْلٍ لا إراديٍّ لأنَّ لديك قلبًا متواضعًا - لأنَّ لديك قلبًا متواضعًا. فالقلبُ المُتَّضِع يُعْلِنُ عَنْ نفسه دائمًا. ولكنَّه لنْ يُعْلِنَ عَنْ نفسه مِنْ خلالِ ارْتداءِ مَلابِسَ رَثَّة والقول: "أنا دُوْدَة، أنا دُودَة، أنا دُودَة". فهذا يكونُ غالبًا تَظاهُرًا زائفًا يَدُلُّ على الكبرياء. وهذا يُشْبِهُ ما جاءَ في رسالة كولوسي 2: 18 لأنَّه يُظْهِر أنَّ تَواضُعَكَ هُوَ تواضُعٌ زائف. ولكِنْ لا! فالاتِّضاعُ الحقيقيُّ لا يَعني أنْ نَسيرَ ونفتخرَ باتِّضاعِنا. فالاتِّضاعُ يُلاحَظُ دائمًا لأنَّهُ يَخْدِمُ الآخرينَ الذين هُمْ في حاجة. والاتضاعُ يَجْعَلُنا نُفَكِّرُ في الآخرين أكثرَ مِمَّا نُفكِّرُ في أنْفُسِنا. وهو يَصيرُ مَحَبَّةً حالاً. والمحبَّة عمل. تَذَكَّروا ذلك دائمًا. فنحن نقرأ في رسالة يوحنا الأُولى: "أنت تقولُ إنَّ محبةَ الله انْسَكَبَتْ في قلبك؟ إذنْ، أريد أنْ أطرحَ عليك سؤالاً بسيطًا: "هل تَرى أخًا مُحتاجًا؟ إنْ أغلقتَ أحشاءَكَ عنهُ فكيفَ تَثْبُتْ فيكَ محبَّةُ اللهِ؟ فمحبَّةُ اللهِ تُحَرِّكُكَ لِسَدِّ تلك الحاجة. فالمحبة ليست عاطفةً، بل هي خِدمةُ شخصٍ لديه حاجة. وإنْ كنتَ تقولُ أنَّك مَوْلودٌ مِنَ الله (كما جاء في رسالة يوحنا الأُولى 2: 9–11)، ولا تُحِبُّ أخاكَ، فأنَّكَ كاذبٌ لأنَّ اللهَ يُنْشِئُ في المُؤمنِ مَحَبَّةً حقيقيَّة. لذلك فإنَّ هذا موقف: المحبَّة ... المحبَّة ... المحبَّة. وهذا ليس موقفًا قائمًا على العاطفة تُجاهَ الناسِ الجَذَّابين، بل هو موقفٌ يَقومُ على خِدمةِ الأشخاصِ الذين لديهم حاجة.

وقد تَسَلَّمْتُ رسالةً في هذا الأسبوع تُوَضِّحُ ذلك. وأعتقد أنَّها رسالة رائعة بِحَقّ:

عزيزي الرَّاعي جون،

كنتُ أُفَكِّرُ في كتابة هذه الرسالة منذ وقتٍ طويل. وأخيرًا خَصَّصْتُ وقتًا لكتابتها. في شهر أيَّار/مايو الماضي، جئتُ أنا وزوجي للشَّرِكة في كنيسة النِعْمة (Grace Community Church). وأودُّ أنْ أقول لكَ، مِنْ وجهة نظري كزائرة، ما شعرتُ به تُجاهَ كنيسَتِكُم ورَعِيَّتِكُم. فقد جئنا مِنْ كنيسةٍ كبيرةٍ جدًّا نحن أيضًا. وشِعارُنا هو: "الكنيسة المُفْعَمَة بالمحبَّة". وبالرَّغم مِنْ ذلك، لم أشعُر طَوالَ حياتي بالترحيب الذي شعرتُ به في كنيسة النِّعْمة. فقد كان الناسُ رائعين. وقد عاملونا مُعامَلَة مُلوكيَّة. وفي كُلِّ مكانٍ ذهبنا إليه، كان الناسُ مِنْ حَوْلِنا يُرَحِّبون بنا. وقد التقيتُ رَجُلاً لطيفًا أخذني في جولةٍ مُبَكِّرَةٍ في كنيسة النِّعْمة. وفي الاستراحة الفاصلة بين الخِدْمَتَيْن الأُولى والثانية، التقيتُ رَجُلاً آخرَ وتحدَّثنا معًا بعض الوقت. وقد سألَني إنْ كنتُ أرغبُ في الحصول على شريطٍ مُسَجَّلٍ للعِظة الصباحيَّة. وقد قُلت لَهُ "بكل تأكيد". وبعد بِضعة أسابيع، تَسَلَّمْتُ لا شريطًا واحدًا فقط، بل السِّلسلة الكاملة المُختصَّة بتعليم يسوع عنِ الطَّلاق. وقد اسْتَمَعَتْ مجموعةٌ مِنْ صديقاتي إلى هذه السِّلسلة المُؤلفة مِنْ سِتَّة أشرطة، ووجدنَ فيها إجاباتٍ عنِ العديد مِنَ الأسئلة التي كانت تَدور في أذهانِهِنَّ منذ سنواتٍ عديدة. وسوف نأتي أنا وزوجي مَرَّةً أخرى لزيارة كنيسة النِّعْمة في الثامن عشر مِنْ شهر أيلول/سبتمبر. ونحن مُتَشَوِّقان جدًّا لذلك. وقد فَكَّرتُ فقط في إطْلاعِكَ على مَدى روعة رَعِيَّتِكمْ. لِتَكُن بَرَكَةُ اللهِ مَعَكَ ومعَ رَعِيَّتِك.

أليس هذا رائعًا؟ والحقيقة هي أنِّي أعرفُ الشَّخْصَيْن الَّتي أَشارَتْ إليهِما. فالشخصُ الأوَّلُ الذي صَحِبَهُما في أرجاء المكان لم يكُن لديه الوقتُ للقيام بذلك لأنَّه كانت لديه مسؤوليات كثيرة. والشخصُ الثاني الذي أَرْسَلَ إليهما الأشرطة لم يكُن لديه المالُ للقيام بذلك أيضًا، ولكنَّه فَعَلَ ذلك. وكما تَرَوْن، فإنَّ هذه هي طريقة عمل المحبَّة لأنَّها تَنْبُع مِنْ قَلْبٍ مُتواضع. والمحبة لا تطلب ما لنفسها، بل تطلب ما هُوَ لراحةِ الآخرين ورضاهُم وفَرَحِهِم. وهذا جُزْءٌ لا يَتجزَّأ مِنْ هذه الكنيسة. وأنا أُصَلِّي إلى الله أنْ تكون هذه الكنيسة هكذا دائمًا - أيْ أنْ نكونَ دائمًا أشخاصًا يَنْبُعُ منا موقف المحبَّة؛ أيْ: المحبَّة المِعطاءة التي تَنْبُعُ مِنْ قلبٍ متواضع.

وسوفَ أَذكُرُ نقطةً أخرى وأتركُ النِّقاطَ الاثنتيْ عَشْرَةَ المُتَبَقيَّة إلى الأسبوع القادم أو إلى وقتٍ لاحق: الوَحْدَة. الوَحْدَة. فَهُناك شيءٌ آخر يَعنيني جدًّا في كُلّ الأوقات وَهُوَ: الوَحْدَة. وقد صَلَّى يسوعُ في الأصحاح 17 مِنْ إنجيل يوحنا فقال: "لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي". ولأنَّ يسوعَ يُجيبُ صلواتي، فأنني أُحِبُّ أنْ أُجيبَ صَلواتِهِ. أليس كذلك؟ فقد صَلَّى لأجل الوحدة. وبالمعني الحقيقيّ، فإنَّ تطبيقَ ذلك النَّصَّ يُشير إلى وَحدة المؤمنين المتمثِّلة في الحياة الأبديَّة المُشتركة التي نحصل عليها في الفِداء. ولكنه لا يُشيرُ فقط إلى الوَحدة التي نحصل عليها في الفِداء، بل أيضًا إلى وَحدة الحياة والهدف في الكنيسة. فالمسيحُ يُريد حقًّا أنْ يَرى شعبَهُ مُتَّحِدًا. لذلك فإنَّ الرسول بولس يتحدَّث في رسالته إلى أهل أفسُس 4: 3 ويقولُ لمؤمني أفسُس: "مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَم". أليس كذلك؟ فهو لا يقول: "اعمَلوا على توليد الوَحدة". فالوَحدة موجودة أصلاً. ولكِنْ حافظوا عليها: "افعلوا كُلَّ ما يلزم للحفاظ على الوحدة". وأعتقد أنَّ هذه الوَحدة هي جزءٌ مُهِمٌّ جدًّا مِنْ حياة الكنيسة. وهذا هُوَ السَّبب في أنَّ الشيطانَ يُهاجِمُها باستمرار.

هل لاحظتم يومًا عددَ الكنائس الَّتي تُعاني انقسامًا؟ وعددَ الأشخاص الَّذينَ يَتركون الكنيسة لأنهم لا يَشعرونَ بالسَّعادة فيها؟ وعددَ الانشقاقات الموجودة؟ لقد كنتُ في جبل حَرْمون في هذا الأسبوع. وكانت هناك سَيِّدة تأتي كُلَّ يومٍ (في أوَّل يومَيْن أو ثلاثة أيَّام) وتقول لي: "أرجوك، يجب أنْ أتحدَّثَ إليك. أرجوك، يجب أن أتحدَّثَ إليك". وأخيرًا، جَلَسْنا وتحدَّثنا نحو أربعينَ دقيقة. وقد فَتَحَتْ قلبَها لي وقالت: "أنا في وَسْطِ انقسامٍ في الكنيسة. فالكنيسة بأسْرِها على وَشْكِ الانقسام".

قلت: "لماذا؟ ما السَّبب؟"

فنظرَتْ إليَّ نَظرةً حائرةً وقالت: "لا أدري. فنحن عاجِزونَ حقًّا عن معرفة السَّبب. فنحنُ لا نَدري سَبَب ذلك. وحتَّى إنَّنا لم نَعُد نُبالي بالسَّبب. فهناكَ شِقاقٌ كبيرٌ. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يُعادونَ الآخرين. ولا أَحَدَ مِنَّا يعرفُ سَبَبَ ما يجري". أليسَ هذا أمرًا عجيبًا؟ إنهُ انقسامٌ وَحَسْب!

وقد قالت: ماذا ينبغي أنْ أفعل؟"

قلت: "كوني صَانِعَة سَلام. افعلي كُلَّ ما في وُسْعِك. افعلي كُلَّ ما يُمْكنُ فِعْلُه للحفاظ على الوَحْدَة لأجلِ شَهادة يسوع المسيح".

فقالت: "إنَّ البعضَ يقولُ إنَّ هذه هي مشيئةُ الله".

قُلت: "إنَّها ليست مشيئة الله. وهل أنتم جميعًا تؤمنونَ بالشيء نفسه؟"

قالت: "أجل. نحن جميعًا نؤمن بالشيء نفسه. فالأمرُ مُجَرَّد خِلافٍ شَخصيّ". وهذا أمْرٌ مأساويّ. إنهُ مأساويٌّ جدًّا.

وما زلتُ أذكُرُ أنَّنا كُنَّا أنا وزوجتي "باتريشا" ذات مَرَّة نَحْضُر مؤتمرًا مسيحيًّا معَ ابْنَة د. "كريسويل" (Criswell) في كنيسة "دالاس فيرست بابتيست" (Dallas First Baptist) التي هي صَاحِبَة صوت "سوبرانو" رائع وتُغَنِّي مُنفرِدة. وقد كُنَّا نتحدَّث عنْ حياة الكنيسة. وكانت تَدْعوهُ "دادي". ومِنَ الصَّعبِ عليَّ أنْ أتخيَّل هذا اللَّقَب لشخصٍ بارزٍ جدًّا مثل الدُّكتور "كريسويل". ولكنَّهُ أبوها في نِهاية المَطاف. وقد قالت: "لقد مَرَّ أبي بموقفٍ عَصيبٍ حينَ جاءَ رَجُلٌ وصارَ مُوَظَّفًا في الكنيسة، ثُمَّ حاوَلَ أنْ يُحْدِثَ انقسامًا وانشقاقًا في الكنيسة" (كنيسة رائعة كتلك). وقد قالت: "لقد كانَ يَشْعُرُ بِثِقْلٍ كبيرٍ جدًّا في قلبه. وكانَ يَرى أنَّ مُصيبةً سَتَحْدُث. لذلك، فقد قامَ ذاتَ يومِ أَحَد، بعدَ تَفْكيرٍ طَويلٍ في الأمر، قامَ بالاتصال بشركة مُقاولات على مسؤوليَّته ودون التَّشاوُر معَ مجلس إدارة الكنيسة أو أيِّ شخص، وقالَ للمُقاول: ’أريد مِنْك أنْ تقوم قبل مجيء يوم الأحد القادم بتركيب مَسانِدْ قَدَمَيْن في كُلِّ مَقْعَد في الكنيسة لتكونَ مَسانِدْ خاصَّة للصَّلاة‘. وقد راحَ العُمَّالُ يَعملون. وقبل حلول يوم الأحد، كانوا قدِ انتهوا مِنْ تركيب مساند قدمين قابِلَة للطَّي للصَّلاة (وما تزال تلك المساند موجودة حتَّى هذا اليوم في كنيسة ’دالاس فيرست بابتيست‘). وقد نَهَضَ في ذلك اليوم وقال: ’طَوال السَّنوات الخمس والأربعين الَّتي رَعى فيها الرَّاعي جورج دبليو ترويت‘ (George W. Truett) هذه الكنيسة قَبلي، وطَوال رعايتي أنا لهذه الكنيسة على مَدى خمسٍ وثلاثينَ سَنَة أو أكثر، لم يحدث انقسامٌ في هذه الكنيسة. وبنعمة الله، لن يحدثَ انقسام‘". وقد دَعا الرَّعيَّة إلى سَحْبِ مَساند القَدَمَيْنِ تلك وَجَعَلَ آلافَ النَّاسِ في تلك الكنيسة يَجْثُونَ على رُكَبِهِمْ وَيُصَلُّون. وقد شَفا اللهُ تلكَ الرَّعيَّة.

وهذا أمرٌ يُمَجِّدُ الله. أليس كذلك؟ فهذا أمرٌ يُمَجِّدُ اسمَهُ. وأنا أُوْمِنُ أنَّ العدوَّ يحاولُ دُوْنَ هَوادَة أنْ يُحْدِثَ انشقاقًا في الكنيسة. وأنا أشكرُ اللهَ وأُسبِّحُهُ لأنَّه لم يَسْمَحْ طَوال سنواتِ خِدمتي في هذه الكنيسة (على مدى خمسٍ وعشرين سنة أو أكثر) بحدوثِ انشقاقٍ في هذه الكنيسة. صحيحٌ أنَّه قد تحدُثُ بعضُ الأمورُ الصغيرةُ، وأنَّ بعض الأشخاصِ يَتضايقون، وأنهَّم يريدون أنْ يتركوا الكنيسة لأنَّ لون الستائر لا يُعْجِبُهُم، أو لأنَّ هُناكَ شيئًا لا يَسيرُ بالطريقة الَّتي يريدونها أو الَّتي يُفَكِّرونَ فيها. وقد يكونُ هؤلاء على حَقّ أحيانًا. ولكنَّ التَّواضُعَ والمحبَّةَ لا يَتصرَّفان بهذه الطريقة بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال.

لذلكَ فإننا نَسعى دائمًا إلى ترسيخ موقفٍ مُعَيَّنٍ في قلوب شَعْبِ الله وفي قلبي أنا شخصيًا وَهُوَ: الوَحْدَة. فالشيطان يريد أنْ يُحدِث انقسامًا. وهذا الهجوم لا يتوقف البتَّة. فَهُوَ قَدْ يُقْحِمُ في صُفوفِ الخُدَّامِ شخصًا غير سعيدٍ يريدُ أنْ يُحْدِثَ انشقاقًا. وأنا أُسَبِّحُ اسمَ اللهِ على الوَحْدَة الرائعة الَّتي لدينا طوَال تاريخ هذه الكنيسة بين الخُدَّام. وما أعنيه هُوَ أننا نُسَبِّحُ اللهَ لأجل ذلك ونُبْقي أعيُنَنا مفتوحةً لأننا نعرفُ أنَّ العدوَّ يُريد أنْ يُحْدِثَ انشقاقًا دائمًا. فبينَ الحين والآخر، فإنَّ شخصًا يأتي ويحاولُ أنْ يُحْدِثَ انشقاقًا بسبب هذا الأمر أو ذاك. ولكنَّنا نَتضرَّعُ إلى اللهِ قائلين: "أعطنا رعيَّةً مُمتلئةً بصانعي السلام الذين يَحْرصونَ على الحفاظ على الوَحْدَة - لا على زَرْع الخِصام". وحتَّى لو كنتَ مُحِقًّا؛ أيْ حتَّى لو كنتَ على صواب، لا حاجة دائمًا إلى تَأجيجِ الموقف. أليس كذلك؟ فأحيانًا، يمكنك أنْ تقول: "يا رَبّ، أنتَ وأنا نَعْلَمُ أنني على حَقّ، ولكِنْ لِنَضَعْ ذلكَ جانبًا ونَهْتَمُّ بالحفاظ على الوَحْدَة". فلا أحَدَ مِنَّا كامل. ولا بُدَّ أنْ يكون هناك سببٌ للاختلاف. ولكننا نشكُرُ اللهَ لأنَّه عندما نجثو معًا على رُكَبِنا، يُمكننا أنْ نُصَلِّي مِنْ أجلِ الحِفاظِ على وحدانيَّة الرُّوح برِباطِ السَّلام.

وقد كان هذا هُوَ شَوْقُ قلب كُتَّاب العهد الجديد. فنحن نقرأ في رسالة كولوسي، بل بالحَرِيِّ: في رسالة كورِنثوس الأُولى 1: 10: "وَلكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ [وبولسُ يَسْكُبُ قلبَهُ حَقًّا لمؤمني كورِنثوس]، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ [فأنا لا أطلُبُ ذلكَ لأجلي، ولا لأجلِ مَصلحةٍ شخصيَّة، ولا لأجلِ سُمْعَتي أوْ أيَّ شيءٍ آخر، بل لأجلِ رَبِّنا يسوعَ المسيح]، أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلاً وَاحِدًا، وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ، بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ". وَهُوَ يَقولُ في العددِ الَّذي يَلي ذلك: "لأَنِّي أُخْبِرْتُ عَنْكُمْ ... أَنَّ بَيْنَكُمْ خُصُومَاتٍ". فَلِسانُ حَالِهِ هُوَ: "أنا لا أُطيقُ ذلك ... لا أُطيقُ ذلك". وَهُوَ يقول: "هَلِ انْقَسَمَ الْمَسِيحُ؟" هذا لا يُعْقَل. فالمَسيحُ لا يَنْقَسِم. وَهُوَ يقول في الأصحاح الأوَّل مِنْ رسالته إلى أهلِ فيلبِّي: "فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ". فَهُوَ يَدعو إلى الوَحْدَة.

المواقف. هل تَرَوْنَها في حياتكم؟ وهل تَتَّسِمُ حياتُكم بالطاعة فتُحَقِّقونَ نُضْجًا تدريجيًّا؟ فهُناك مراحل كثيرة في التقديس حين تَسمعونَ الكلمة وتُطبقونها حالاً بالطريقة الصحيحة. فهل تَشْهَدونَ نُمُوًّا. وعندما تَصِلون إلى نهاية سنواتِ حياتكم على الأرض، هل تعتقدون أنَّكم ستكونون قد وَصَلْتُم إلى ذُرْوَةِ حياتكم الروحيَّة مِنْ جِهة التكريس.

وماذا عنِ الاتِّضاع؟ هل تُنْكِر نَفْسَك في سبيل الآخرين فينبُع مِنْ ذلك القلب المتواضع فِعْل محبَّة؟ وهل تَسعى، مَهْما كان الثمن، ومهما كانت التضحيَّة الشخصيَّة، هل تسعى إلى صُنْع السلام مِنْ أجل الحفاظ على وحدانيَّة الروح؟ هذا هُوَ ما نَسعى إليه. هذا هُوَ ما نَسعى إليه. وأنا أُوْمِنُ أنَّ هذه هي مشيئة الله لنا. دَعونا نَحني رؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

أُصَلِّي، يا أبانا، أنْ تَبتدئ العملَ بي أنا شخصيًّا. أَضْرِمْ في قلبي تكريسًا للطاعة. وساعدني على أنْ أختبر بنعمة روح الله ذلكَ التَّواضُعَ الَّذي يجعلُني أُقَدِّمُ الآخرينَ على نَفْسي، وأنْ أرى الآخرين بصورة أفضل مِنْ تلكَ الَّتي أرى بها نَفْسي. وساعدني على التَّضحية وسَدِّ أيَّة حاجات أَراها في طريقي وأنْ أتمَكَّنَ مِنْ سَدِّها دون أنْ أطلبَ شيئًا بالمُقابل. وأيًّا كان الثمن، اجْعَلْني يا رَبّ، أنْ أكونَ مِنْ خِلال أفعالي ولِساني، مَصْدَرَ وَحْدَة لا انقسام. فإنْ لم يكُن هناك اتِّضاع، ولم تَكُنْ هناك محبَّة، ولم يكُن هناك سَعْيٌّ للحِفاظ على الوَحْدَة، لنْ تكون هناك طاعة حقيقيَّة أيضًا. وحينئذٍ سأكون مُذْنِبًا أنا والجميع بأننا سَمِعْنا الحَقَّ ولم نُطَبِّقْهُ، وبأنَّنا صِرْنا قُساةَ القلوبِ وفاترينَ وباردين.

سوف نختم بالصلاة بعد لحظات. وفيما أنتم تَحْنون رؤوسَكُم، أوَدُّ أنْ نُوَحِّدَ جميعُنا قلوبَنا أمام الله. وأرجو أنْ تُصَلُّوا وأنْ تَطلُبوا مِنَ الربِّ أنْ يُنشئَ في قلوبنا هذه المواقف الأربعة الَّتي ذكرناها في هذا الصباح. صَلُّوا بِصَمْتٍ إلى الله لكي يُعطيكم قلبًا مُطيعًا (أيًّا كان الثمن)، وأنْ يَكْسِرَ اللهُ كبرياءَكُم ويجعلَكُم مُتواضِعين، وأنْ يُعطيكم مَحَبَّةً تجعلكم تَسْعَوْنْ إلى تحقيقِ مصلحةِ الأشخاصِ الذين هُمْ في حاجة، وأنْ تكونوا صانعي سلام يَسْعَوْن، مهما كان الثمن، إلى تحقيقِ وَحْدَة الجسد.

إذا وجدتَ صعوبةً في الصلاة لأجل هذه الأشياء، فإنَّ هذا يَعْكِسُ مقدارَ القَسْوَةِ الَّتي صارَ عليها قلبُك. فكُلَّما زادَ رَفْضُكَ، زادت قَسْوَةُ قلبك. فقد سمعتَ ولم تُطِعْ. وقد صِرْتَ الآنَ مُعْتادًا على العِصيان، وصارَ قلبُكَ قاسيًّا جدًّا. لذلك، ربما يجب عليكَ أنْ تَطلُبَ مِنْ خلال الصلاة الشفاعيَّة انكسارَ الرُّوحِ والاعتيادَ مِنْ جديد على الطَّاعة.

This sermon series includes the following messages:

< !--Study Guide -->

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize