Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افتَحوا كِتابَكُم المقدَّس معي، إذا سَمَحْتُم، على إنجيل مَتَّى والأصحاح الأوَّل. إنجيل مَتَّى والأصحاح الأوَّل. وسوفَ نَتأمَّلُ في هذا المساء في الأعداد 18-25 مِنَ الأصحاحِ الأوَّل. وكُنَّا قَدِ ابتدأنا في الأسبوع الماضي بدراسةِ الإنجيلِ بِحَسَبِ مَتَّى، وَهُوَ سِجِلٌّ حقيقيٌّ عن حياةِ يسوعَ المسيح كما دَوَّنها البَشيرُ مَتَّى. وَهُوَ ما يُعْرَفُ عادةً بإنجيل مَتَّى. وسوفَ تجدونَ أنَّ كُلَّ عُنصرٍ في الحياة مَذكورٌ في هذا السِّفْر. فهو سِفْرٌ رائعٌ وعظيمٌ عن شخصِ يسوعَ المسيحِ والمبادئَ الَّتي وَضَعَها اللهُ للوجودِ البشريّ. ولكِنْ في دَرْسِنا في هذا المساء، نأتي إلى الأعداد 18-25. وهذه الأعداد تتحدَّثُ عنِ الحَبَلِ العَذراويِّ ليسوعَ المسيح. فَمَتَّى يَبتدئُ إنجيلَهُ بالحديثِ عنِ المسيح. وَهُوَ مَقطَعٌ مُهمٌّ جدًّا. واسمحوا لي أنْ أقرأَهُ على مَسامِعِكُم. وأرجو أنْ تُتابِعوا النَّصَّ أثناءَ قِراتَي لَهُ:

"أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا. وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: «يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ».

"وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِــيِّ الْقَائِلِ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ، وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ. وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ".

 

والآن، في إنجيل مَتَّى 22: 42، طَرَحَ يسوعُ على الفَرِّيسيِّينَ سؤالً تَرَدَّدَ صَداهُ عَبْرُ الأجيالِ منذُ ذلك الحين. فقد قالَ يسوع: "مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟" ... "مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟" هذا هو السؤال الَّذي طَرَحَهُ يسوعُ في إنجيل مَتَّى 22: 42. وَهُوَ سؤالٌ ينبغي أنْ يُطرَحَ في كُلِّ عَصْرٍ على كُلِّ شخص. ابْنُ مَنْ هُوَ؟

وقد كانَ قادةُ اليهودِ يُؤمِنونَ بأنَّ المسيَّا الموعود سيكونُ ابْنَ داود. فقد كانوا يؤمنونَ بأنَّهُ مِنَ الجانبِ البشريِّ، فإنَّهُ سيكونُ مِنْ نَسْلِ داودَ المَلَكِيّ ... مِنَ العائلة المَلكيَّة ... مِنَ النَّسلِ المَلَكِيّ. وبصراحة، فإنَّهم لم يكونوا يَعرفونَ يَقينًا ما هو أكثر مِن ذلك. فقد كانوا غالبًا يَرفضونَ فِكرةَ أنْ يكونَ المسيَّا الله الآتي في جَسَدٍ بشريّ؛ معَ أنَّهُ توجد بعض الأدلَّة على أنَّ بعضًا منهم كانوا يُؤمِنونَ بذلك.

وكان أغلبيَّةُ الشعب اليهوديّ في ذلك الوقت يؤمنونَ بأنَّ المَلِك الَّذي سيَملِك عليهم سيكونُ مِنْ نَسْلِ داوُد، وأنَّهُ سيكونُ إنسانًا بكل معنى الكلمة مِنَ النَّسلِ المَلَكِيّ. والحقيقة هي أنَّه عندما ادَّعى يسوعُ أنَّهُ ابنُ داود وابنُ اللهِ في الوقتِ نفسه، اتَّهموهُ بالتَّجديف. فقد تَوقَّعوا أن يكونَ مِنْ نَسلِ داودَ المَلَكِيّ، ولكِنْ مِنَ الواضحِ أنَّهم لم يتوقَّعوا أن يكونَ الله المُتَجَسِّد في هيئة بشريَّة.

وأعتقد أنَّ النَّاسَ اليوم ما زالوا يَرفضونَ ذلك. وأعتقد أنَّ النَّاسَ اليوم لا يُمانعونَ في قَبولِ فِكرةِ أنَّ يسوعَ جاءَ مِنْ نَسْلٍ مَلَكِيٍّ. وَهُم لا يُمانعونَ في قَبولِ فِكرةِ أنَّهُ مِنْ نَسْلِ داود. وَهُم لا يُمانعونَ حَتَّى في أنْ يكونَ مِنَ العائلة المَلكيَّة. ولكنَّهم ليسوا مُستعدِّينَ لقبولِهِ إلَهًا: اللهَ الظَّاهِرَ في الجسد. فلا بأسَ في أن يكونَ ابْنَ داود، ولكِنْ ليسَ ابْنَ الله.

وَحَتَّى إنَّني تَذَكَّرْتُ تَرنيمةً تُرَنَّمُ في فترةِ عيدِ الميلادِ المجيد، وهي تَقول: "المَسيحُ المَعبودُ في أعالي السَّماواتِ. المسيحُ الربُّ السَّرمديُّ. جاءَ في مِلْءِ الزَّمانِ، مَولودًا مِنْ عذراء. فقد جاءَ اللهُ في هيئة بشريَّة. سَبِّحوا اللهَ المُتَجَسِّد الَّذي سُرَّ بأنْ يَأتي كإنسانٍ ويَسْكُنَ معَ البَشَر. يَسوعُ: اللهُ مَعَنا. والملائكةُ تُسَبِّحُ: المجدُ للمَلِكِ المولود".

إنَّ هذا المَقطَع في ترتيلةِ عيدِ الميلادِ هذه هو مَقطعٌ قائمٌ على فكرةِ أنَّهُ هو الله. ومعَ أنَّ النَّاسَ قد يُرَنِّمُونَ هذه التَّرنيمة، فإنَّهم ليسوا مُستعدِّينَ حقًّا لقَبولِ حقيقَتِها. ولكي أُبَيِّنَ لكم ذلك، قامت مَجَلَّة "ريدبوك ماجازين" (Redbook magazine) قبلَ عَشْرِ سنواتٍ باستطلاعِ آراءِ الطَّلَبة في كُلِّيَّاتِ اللَّاهوتِ البروتستنتيَّة. وقد رَفَضَ سِتَّة وخمسونَ بالمئة مِنَ الطلبة، الَّذينَ يَدرسونَ في كليَّات اللَّاهوت البروتستنتيَّة لكي يَصيروا خُدَّامًا، رَفَضوا فِكرةَ الحَبَلِ العَذراويّ. سِتَّة وخمسونَ بالمئة. وقد كانَ أمثالُ هؤلاءِ قبلَ عشرِ سنوات هُمُ الَّذينَ قادوا الحَركةَ التَّحَرُّريَّة المُعاصِرة.

وقد أَجْرَى مَركز الدِّراسات المَسْحِيَّة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي (The University of California at Berkeley) دِراسةً استطلاعيَّةً على الطَّوائفِ لمعرفة رأيهم في الحَبَلِ العَذراويّ. وقد قالَ تِسعة وسِتُّونَ مِنَ المَعمدانِيِّينَ الأمريكيِّينَ إنَّهم يُؤمِنونَ بالحَبَلِ العذراويّ. وقالَ سِتَّة وسِتُّونَ بالمئة مِنَ اللُّوثَريِّين إنَّهم يؤمنونَ بالحَبَلِ العَذراويّ. وسبعة وخمسون بالمئة مِنَ المَشيخيِّين المُتَّحِدينَ. وتسعة وثلاثون بالمئة مِنَ الأُسقُفِيِّين. وأربعة وثلاثونَ بالمئة مِنَ المَنْهَجِيِّين، وقالَ واحدٌ وعشرونَ بالمئة مِنْ أعضاءِ الكنائسِ المُستقلِّة إنَّهم يؤمنونَ بالحَبَلِ العَذراويّ ليسوعَ المسيح.

والكنيسةُ الَّتي هي في أغلَبِها وفي مُجْمَلِها ليست كنيسةً إنجيليَّةً، بل كنيسة مُتَحَرِّرة، ليست مُستعدَّةً حَتَّى لقبولِ لاهوتِ يسوعَ المسيح والحَبَلِ العذراويّ. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ العالمَ لا يَقبلُ هذه الفكرةَ الرائعة كحقيقة. ولكِنْ لا ينبغي أنْ تُدْهَشوا. فقد قالَ الرَّسولُ بولس في رسالة رومية والأصحاح الثالث الكلمات التالية: "فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ؟ أَفَلَعَلَّ عَدَمَ أَمَانَتِهِمْ يُبْطِلُ أَمَانَةَ اللهِ؟ حَاشَا! بَلْ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ [ماذا؟] كَاذِبًا". فهذا هو ما جاءَ في رسالة رُومية 3: 3-4.

فلا يَجوزُ البَتَّة أنْ تُؤسِّسَ لاهوتَكَ على رأيِ الأغلبيَّة. فقد يكونُ هناكَ أشخاصٌ يَرفضونَ الحَبَلَ العذراويّ. وقد يكونُ هناكَ أشخاصٌ يُقاومونَ مُقاومةً شديدةً وصارِخَةً لاهوتَ يسوعَ المسيح. ولكِنَّ الأَدْهى مِن ذلك هو أنَّ هناكَ أشخاصًا يَرفضونَ الحَبَلَ العذراويَّ بِه. وسوفَ أقرأُ لكم شيئًا قالَهُ شخصٌ تَعرفونَهُ جميعًا هو: "روبرت شولر" (Robert Schuller) مِن كنيسة "غاردن غروث كوميونيتي تشيرش" (Garden Growth Community Church). وهذا اقتباسٌ مِن مَجَلَّة "ويتينبيرغ دور" (Wittenberg Door) في عدد شهر كانون الثَّاني/يَناير الصَّادِر في سنة 1976. فقد قال: "لا يُمكنني أنْ أَجْزِم أو أُنْكِرَ عَلَنًا الحَبَلَ العذراويَّ بالمسيح. ولكِنْ عندما يكونُ هناكَ شيءٌ أَعْجَزُ عنِ استيعابِه، فإنَّني لا أَتَطَرَّقُ إليه" [نهاية الاقتباس].

والحقيقة هي أنَّ هذا رُبَّما كانَ أكبرَ خطأ بالمُطْلَق. فيا لَها مِن فِكرة أنْ نَتجاهَلَ الحَبَلَ العَذراويّ. فلا يَجوزُ لنا أنْ نَشُكَّ فيه، ولا أنْ نُنكِرَه، ولا أنْ نَتجاهَلَه إنْ فَتَحْنا أعيُنَنا ونَظرنا، ببساطة، إلى إنجيل إنجيل مَتَّى 1: 18-25. فهو مذكورٌ هنا. ويَقولُ د. والفورد" (Walvoord)، رئيسُ كُلِّيَّة دالاس للَّاهوت، وأنا أَقتبسُ كلامَهُ: "إنَّ تَجَسُّدَ الربِّ يسوعَ المسيحِ هو الحقيقة الجوهريَّة للمسيحيَّة. فعليها يَقومُ الأساسُ المَتينُ للَّاهوتِ المسيحيِّ بِرُمَّتِه". فَجوهرُ المسيحيَّةِ بأسرِها، يا أحبَّائي، يَقومُ على حقيقةِ أنَّ يسوعَ هوَ اللهُ الظَّاهر في هيئة بشريَّة. وهذهِ حقيقة مُوَضَّحة مِنْ خلالِ ولادةِ المسيح. فهي عقيدة جوهريَّة.

وكما تَرَوْن، لو كانَ ليسوعَ أبٌ بَشَريٌّ، لكانَ الكتابُ المقدَّسُ غيرَ جَديرٍ بالتَّصديق لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّهُ لا يوجد لَهُ أَبٌ بَشريٌّ. فلو وُلِدَ يسوعُ وَحَسْب مِنْ أَبٍ وأُمٍّ بَشَرِيَّيْن، لما كانت هناكَ طريقة لِوَصْفِ سببِ حَياتِهِ الخارقة للطَّبيعة. فولادَتُهُ العَذراويَّة، وموتُهُ البَدَلِيُّ، وقيامَتُهُ الجَسديَّة، ومَجيئُهُ الثَّاني هي عَناصِرَ شامِلَة تَدُلُّ على لاهُوتِه. فلا يُمكنُكَ أنْ تَعْزِلَ أيَّ عُنصرٌ مِن هذه العناصِر وأنْ تَقبلَ العُنْصُرَ الَّذي تَشاء، وأنْ تَتْرُكَ البقيَّة؛ أوِ العَكس بأنْ تَقبَلَ جميعَ العناصِر باستثناءِ عُنصرٍ واحد.

فَإمَّا أنَّكَ تُؤمِنَ بِكُلِّ هذه الحقائقِ الدَّالَّة على لاهوتِهِ، وإمَّا أنَّكَ لا تُؤمِن بها. لِذا، يجب علينا أنْ نُواجِهَ السُّؤالَ الَّذي طَرَحَهُ يسوعُ على الفَرِّيسيِّينَ: ابْنُ مَنْ هُوَ؟ ويُقَدِّم لنا مَتَّى الإجابة البشريَّة عَنِ السُّؤالِ: "ابْنُ مَنْ هُوَ؟" مِن خلالِ سِلسلةِ النَّسَبِ الَّتي دَرسناها في الأسبوعِ الماضي. فمِنْ جهة بَشريَّة، ابْنُ مَنْ هُوَ؟ إنَّهُ ابْنُ داوُد.

وفي هذا الأسبوع، سنَنظرُ إلى المقطعِ الَّذي يَلي ذلك. ونحنُ نَجِدُ الجوابَ الإلهيَّ في الأعداد 18-25. ابْنُ مَنْ هُوَ؟ ابْنُ اللهِ. فَهُوَ ابْنُ داود بَشَريًّا، وابنُ اللهِ مِن ناحية لاهوتيَّة. وكِلتا هَاتَيْنِ الحقيقَتَيْنِ مُهِمَّة لِفَهْمِ التَّجسُّد. فيسوعُ هو اللهُ الظَّاهرُ في هيئة جسديَّة. فَمِنَ النَّاحيةِ البشريَّة، لقد حَصَلَ مِن خلالِ نَسْلِ داود على الحَقِّ في أنْ يَمْلِكَ على العالَم. ومِنَ النَّاحية الإلهيَّة، إنَّهُ يَمْلِك كُلَّ صِفاتِ الطبيعةِ الإلهيَّة لأنَّهُ وُلِدَ مِنْ دونِ أبٍ بشريٍّ مِنْ خلالِ رُوحِ اللهِ نَفسِه.

لِذا، فإنَّ مَتَّى يَكتبُ إنجيلَهُ ويَتَصَدَّى مُباشرةً للقُرَّاءِ اليهودِ وجميعِ القُرَّاءِ في مُختلَفِ العُصورِ مُقَدِّمًا الإجابةَ لهم. فسلسلةُ نَسَبِ يسوع تُجيبُكُم عنِ السُّؤال: "ابْنُ مَنْ هو؟" فهو ابْنُ داود. وولادةُ يسوع تُخبرُكم ابْن مَن هو؟ فَهُوَ ابْنُ اللهِ. والآن، لو كانَ ما جاءَ في إنجيل مَتَّى 1: 1-17 عن سِلسلةِ نَسَبِه هُوَ كُلُّ ما هُنالِك، لكانَ المَسيحُ يَمْلِكُ الحَقَّ في أنْ يكونَ مَلِكًا، ولكنَّهُ لن يكونَ بمقدورِهِ أنْ يَفْدي البَشَر. ولن يكونَ بمقدوره أنْ يَغْلِبَ المَوْتَ. ولن يكونَ بمقدوره أنْ يَغلِبَ الخطيَّة. ولن يكونَ بمقدوره أنْ يَغلبَ الشَّيطانَ وَجَهَنَّم. لذا، كانَ لا بُدَّ أنْ يكونَ الله. لِذا فقد كانَ يسوعُ هو اللهُ-الإنسان. فهو اللهُ مئة بالمئة، وهو إنسانٌ مئة بالمئة. وهذه هي رسالةُ الأصحاح الأوَّل مِن إنجيل مَتَّى. لِذا فإنَّهُ يَقْسِمُ هذا الأصحاح إلى قِسْمَيْن فيُعالج في القسمِ الأوَّلِ الجانبَ البشريَّ، وفي الثَّاني الجانبَ الإلهيَّ.

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أُضيفَ مُلاحظةً رُبَّما خَطَرَتْ بِبَالِكُم. رُبَّما يَكْتُبُ مَتَّى بأسلوبٍ دِفاعِيٍّ. وأنا لا أَعني بذلكَ أنَّهُ كانَ يَعْتَذِرُ عَمَّا يقول. فالكلمة "دِفاعِيَّات" (apologetics) هي ترجمة للكلمة اليونانيَّة "أبولوجيا" (apologia) ومَعناها: "يَتَكَلَّمُ دِفاعًا عن كَذا". وربما كانَ مَتَّى يَكتبُ هنا لا لِمُجَرَّد أنْ يَذكرَ الحقائق، بل إنَّهُ يَكتبُ حَقًّا لكي يُواجِهَ شيئًا حقيقيًّا كانَ يَجري. فهو يَكتُب للرَّدِّ على تُهْمَة مُحَدَّدَة.

فمثلاً، نحنُ نَعلمُ أنَّهُ في زمنِ يسوعَ الميسح، كانَ هناكَ مَنِ اتَّهموه بأنَّهُ كانَ ابنًا غيرَ شَرعيٍّ، وأنَّهُ كانَ ابْنًا وُلِدَ خارِجَ نِطاقِ الزَّواجِ، وأنَّهُ كانَ ابنَ أَحَدِ الجُنودِ الرُّومان الَّذي اضْطَجَعَ مَعَ مَرْيَم، وأنَّ مَريمَ كانت زانية. لِذا، فقدِ اتَّهموا يسوعَ بأنَّهُ ابْنٌ غيرُ شَرعيٍّ. وكانَتْ مِثْلُ تلكَ الافتراءاتُ موجودة في ذلك الوقت. ورُبَّما لم يَكُن مَتَّى يَتَحَذْلَقُ وَحَسْب مُدَوِّنًا الحقائقَ عن ولادةِ يسوع، بل رُبَّما كانَ يَرُدُّ على افتراءٍ موجودٍ ضِدَّ رَبِّهِ الحبيب.

وهذا النَّصُّ يَرُدُّ بطريقة حازمة على هذا الافتراء. والولادة العَذراويَّة مُهمَّة جِدًّا حتَّى إنَّ قانونَ إيمانِ الرُّسُل يقولُ إنَّ يسوعَ: "حُبِلَ بهِ مِنَ الرُّوح القُدُس، وَوُلِدَ مِنَ العَذراءِ مَريم". وهذه دائمًا وأبدًا حقيقة جوهريَّة مِنَ الحقائقِ المسيحيَّة. وهي دائمًا وأبدًا حقيقة تُهاجَم مِنَ العقائدِ الخاطئة.

وقد حَدَثَتْ ولاداتٌ غريبةٌ في العالم. وما أعنيه هو أنَّني أَذْكُرُ أنِّي قرأتُ عن أوَّلِ مَرَّةٍ وُلِدَ فيها خمسة توائم. وأعتقد أنَّهُنَّ خمس فتيات وُلِدْنَ لعائلة "ديون" (Dionne) في سنة 1934 (أيْ قبلَ حَتَّى أنْ أُوْلَدَ أنا). وفي زَمانِنا في الولايات المُتَّحدة، أعتقد أنَّ هناكَ خمسة توائم أيضًا وُلِدوا لعائلة فيشر (Fischer). وبعد ذلك، في نحو سنة 1973، وُلِدَ سِتَّة توائم لعائلة "ستانيك" (Stanek). والمقصودُ هو أنَّنا قد شَهِدْنا بعضَ الولاداتِ غير المألوفة.

وما زلتُ أذكر ما حَدَثَ حينَ وُلِدَ ابنُنا الأوَّل "ماثيو" (Matthew) إذِ اعتقدنا أنَّنا أَنْجَبْنا طِفْلاً ضَخْمًا. كم كانَ وَزْنُهُ، يا عَزيزتي؟ أربعة كيلوغرامات ونصف تقريبًا. فقد كانَ طفلاً يَتمتَّعُ حقًّا بصِحَّة جَيِّدة. وفي اليومِ نفسِه، رُحْنا نُفَكِّرُ قائِلين (وأنتُم تَعرفونَ كيفَ يُفَكِّرُ الآباء) ... لقد رُحْنا نُفَكِّرُ في أنَّنا أَنْجَبْنا أكبرَ طِفْلٍ في الوجود. أليسَ كذلك؟ وقد سارَعْنا واشترينا لَهُ كُرَة. وقد قرأتُ في الصَّحيفة في نفسِ اليوم أنَّهُ وُلِدَ طِفْلٌ وزنُهُ سبعة كيلوغرامات تقريبًا. وهذا طِفلٌ ضَخْمٌ حَقًّا. إنَّهُ طِفلٌ ضَخمٌ حقًّا، يا أحبَّائي!

وما أعنيه هو أنَّهُ قد حَدَثَتْ بعضُ الولاداتِ غير العاديَّة. ونحنُ نَعلم ذلك. ولكِن لا توجد ولادة واحدة في تاريخِ الجنسِ البشريِّ تُشْبِهُ ولادةَ يسوعَ المسيح. وأيُّ رَفْضٍ لأصْلِ المسيحِ الخارق للطبيعة يَتْرُكُ حياتَهُ الخارقة للطبيعة، وموتَهُ الخارق للطبيعة، وقيامَتَهُ الخارقة للطبيعة مِنْ دُوْنِ تَفسير. فيجب أنْ تُصَدِّقَ كُلَّ ذلك لكي يكونَ الأمرُ مَعقولاً. فإنْ لم يولَد يسوعُ مِن عذراء، فإنَّ الادِّعاءَ بأنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يُخَلِّص هو ادِّعاءٌ مَشكوكٌ جدًّا في صِحَّتِه. لِذا، فإنَّ إنجيل مَتَّى يَبتدئُ بتأكيدِ ولادَتِهِ مِنْ عَذراء.

والآن، لِنَنظُر إلى خمسِ سِمات، أو خمسة عناصر فريدة تَظْهَرُ في القصَّة. وإنْ تأمَّلنا في قِصَّةٍ كهذه (بالرَّغمِ مِن أنَّها ليست مُقَسَّمة إلى أفكارٍ منطقيَّة، بل هي قصَّة وحَسْب)، وجَزَّأناها، يمكننا أن ننظرَ إلى جزءٍ محددٍ منها. وهذا هو القصدُ من قيامنا بذلك. وربما تجدونَ مُخَطَّطًا في النَّشرة الَّتي بينَ أيديكم. فإنْ كانَ لديكم مُخَطَّط، يمكنكم أنْ تَتَتَبَّعوه. ولكنَّنا نَرى خمسةَ أشياء. حُدوث الحَبَل العَذراويّ، ومواجهتِه، وتَوضيحه، ورَبْطه، واكتماله. وهذه ليست كلمات عميقة، بل هي مُجَرَّد عناوين سريعة للأفكار الَّتي سنتطرَّق إليها.

فأوَّلاً، هُناكَ حُدوثُ الحَبَلِ العَذراويِّ، ثُمَّ هناك مواجهتُه، ثُمَّ توضيحُه، ثُمَّ رَبْطُه، ثُمَّ اكتمالُه. وبالمناسبة، مِنَ المدهشِ جدًّا أنْ نَرى كيفَ يتعامَلُ بعضُ اللَّاهوتِيِّينَ المُتَحَرِّرينَ معَ هذه المشكلة هنا. فَهُمْ يقولون: "أجل، نحنُ نَتَّفِق، بِكُلِّ تأكيد، على أنَّ هذه القصَّة هي قصَّة ولادة عَذراويَّة. ولكِنْ في نهاية المطاف، لقد كُتِبَ إنجيل مَتَّى مِنْ قِبَلِ شخصٍ حَسَنِ النِّيَّة ولكنَّهُ لم يَكُنْ قد تَلَقَّى وَحْيًا مِنَ الله".

وَهُم يقولونَ لنا إنَّهُ في الوقتِ الَّذي كَتَبَ فيه مَتَّى إنجيلَهُ ... وَهُم لا يَعرِفونَ مَتى كانَ ذلك (كما قلتُ لكم في المَرَّة السَّابقة). فهناكَ نافذة تَصِلُ إلى ثلاثينَ سَنة. ولكِنْ في نحوِ ذلك الوقت (ما بينَ سنة 40 و 70 بعدَ الميلاد)، فإنَّهم يقولونَ إنَّه كانت هناك أساطير كثيرة مُنتشِرَة عنِ الولادة العَذراويَّة، وإنَّ ذلكَ حَدَثَ بهذه الطريقة لأنَّها كانت فكرة شائعة. لِذا، عندما أرادَ مَتَّى أنْ يَكْتُبَ إنجيلَهُ عن يسوع، أَخَذَ قِصَّةً مُنتشرةً أصلاً وأَقْحَمَها هُنا لأنَّهُ كانت هناك أساطير كثيرة عن الولادة العَذراويَّة.

وهل تريدونَ أن تَعلموا شيئًا؟ لقد كانت هناك دائمًا أساطير كثيرة عن الولادة العذراويَّة. واحْزَروا مَنِ الَّذي اختَرَعَها؟ الشَّيطان. لماذا؟ لأنَّهُ المُضِلُّ الأكبر والمُخادِعُ الأكبر. لِذا، فقد كانت هناكَ أساطير كثيرة. واسمحوا لي أنْ أُعطيكُم مَثَلاً على ذلك. وبالمُناسبة، فإنَّ الكُتَّابَ مُنذُ زمن أوريجانوس (الَّذي كَتَبَ منذُ فترة باكرة في عهدِ المسيحيَّة) ... إنَّ الكُتَّابَ منذُ ذلك الوقت إلى الآن بَيَّنوا لنا بكل وضوح الطبيعة الزَّائفة لهذه القصص. فهي قصصٌ مَشكوكٌ جدًّا جدًّا في صِحَّتِها. وما أعنيه هو أنَّهُ لا مَجالَ للمُقارَنة هنا. واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا.

فقد كانت هناك أسطورة بأنَّ الإسكندر الكبير (ولَعَلَّكُم تَذكرونَ الإسكندرَ الكبيرَ، ابْنَ فيلبُّس المقدونيّ). إنَّهُ إسكندر الكبير الَّذي غَزا العالَمَ واحتلَّ العالمَ بعدَ أنْ كانت إمبراطوريَّة مادي وفارِس هي المُسيطِرَة. فقد زَحَفَ شَرقًا بجيشِهِ وغَزا العالمَ وجَعَلَهُ تحتَ هيمنةِ اليونان. ويقالُ إنَّ الإسكندرَ الكبير قد وُلِدَ ولادةً عَذراويَّة. حسنًا؟ وإليكم القصَّة.

يُقالُ إنَّ حَيَّةً أو أَفعى طَارَحَت "أوليمبياس" (Olympias) الغَرامَ ذاتَ مَرَّة. وقد كانت أوليمبياس زوجةَ فيلبُّس المَقدونيّ. لِذا فقد اضْطَجَعَتْ مَعَ حَيَّة. ونَحْنُ جميعًا نَعلم مِنْ خلالِ الأساطيرِ الإغريقيَّة مَنْ تكونُ تلك الحيَّة. فهناكَ إلَهٌ واحدٌ مِنْ آلِهَةِ الإغريق كانَ شَبِقًا جِنسيًّا. فعندما نَقرأُ قِصَّةً غريبةً تَحوي عُنصرًا جنسيًّا، يمكنكم دائمًا أنْ تَعْلَموا أنَّ المُتَوَرِّط فيها هو "زُوس" (Zeus). فقد كانَت لديه مُشكلة!

لِذا، فإنَّنا نَجِدُ دائمًا في الثَّقافةِ الإغريقيَّة أنَّ الإلَهَ "زوس" يأخذُ شكلَ حَيَوانٍ مِنْ أجْلِ مُعاشَرَةٍ غريبة. وهذا هو ما تقولُ الأسطورة أنَّهُ حدثَ في حالة الإسكندر الكبير. فقد جاءَ زوس في هيئة حَيَّة، وَاضْطَجَعَ مَعَ أوليمبياس، فَحَبِلَت. وقد ظَهَرَ زوس أيضًا في هيئة طائر، وأحيانًا في هيئة زَبَد على وَجْهِ البَحْر إذْ كانَ يَقْلِبُ السُّفُنَ والأشياء. فهي أساطير غريبة.

ولكِنْ، على أيِّ حال، فإنَّ الأسطورةَ تقول إنَّه عندما عَلِمَ فيلبُّس المقدونيّ ما فَعَلَتْهُ زوجَتُه، ماتت شَهوَتُهُ الجنسيَّة. لِذا، لا بُدَّ أنَّ الولدَ الَّذي جاءَ مِنْ تلك المُعاشَرَة معَ الحيَّة هو الإسكندر. لِذا، فقد وُلِدَ الإسكندر مِنْ زُوس. وهذه هي قصَّة الولادة العذراويَّة للإسكندر الكبير. ولكنَّها قصَّة قَذِرة، وشرِّيرة، وغير قابلة للتَّصديق، وغبيَّة، وبَلهاء، ولا يمكن أنْ تُقارَن بقصَّة مَذكورة في كلمة الله.

لِذا، فإنَّ القَوْلَ بأنَّ مَتَّى عَثَرَ وَحَسْب على بعضِ تلك القصص السَّائدة، وأَخَذَها، وَأَسْقَطَها على حياةِ يسوع هو قَوْلٌ يَحْمِلُ مَعْنَيَيْن: الأوَّل هو اتِّهام مَتَّى بأنَّهُ كَذَّابٌ أَفَّاق. والاحتمالُ الثَّاني هو أنَّ كلمةَ اللهِ هي ليست في الحقيقة كلمة الله، بل كلمة بَشَر. ولكِنَّ هذه القصَّة، يا أحبَّائي، هي تاريخ، وليست خَيالاً. إنَّها تاريخ.

والحقيقة هي أنَّهُ لم يكن هناكَ حديثٌ طويل حقًّا عن الولادة العذراويَّة للمسيَّا. وما أعنيه هو أنَّهم لم يكونوا يَنظرونَ إلى الأمرِ هكذا حَقًّا؛ معَ أنَّ هذا الأمرَ كانَ مَحجوبًا نوعًا ما في العهدِ القديم، ومعَ أنَّ الآية إشعياء 7: 14 تتحدَّث عن ذلك، ومعَ أنَّ هناكَ آيات أخرى أشارت إلى ذلك. ولكنَّهم لم يَرَوْا تلكَ الحقيقة. ولكِنْ كانت هناكَ أَدِلَّة (وأريدُ أنْ تَضَعُوا ذلكَ في أذهانِكُم) ... لقد كانَت هناكَ أدِلَّة في العهدِ القديم على أنَّ المسيَّا سيكونُ الله.

صحيحٌ أنَّ ذلكَ كانَ مَحجوبًا، وأنَّهُ لم يُذْكَر صَراحَةً؛ ولكِنْ كانت هناك، على الأقلّ، مؤشِّرات في العهد القديم على أنَّ المسيَّا سيكونُ الله. ولن نَصْرِفَ وَقتًا في الحديثِ عن ذلك. ولكِنْ خُذوا هذه المَعلومة واحتفظوا بها في مكانٍ ما في أذهانِكُم. ولكنَّهُ كانَ أَمْرًا مُبْهَمًا جدًّا. والحقيقة هي أنَّ سِرَّ اللَّاهوتِ وأنَّ اللهَ سيأتي في هيئة بشريَّة لم يَتَّضِح تمامًا إلَّا في العهد الجديد. فقد صارَ واضحًا تمامًا في العهد الجديد.

لِذا، ما دامَ مِنَ الواضحِ في العهد الجديد أنَّ يسوعَ هو اللهُ الظَّاهر في جسدٍ بشريّ، ما هي نُقطة الهُجوم الرَّئيسيَّة الَّتي سَيُرَكِّز عليها كُلُّ نِظامٍ دينيٍّ زائِف؟ لاهوت يسوعَ المسيح. فهي جميعُها ستَفعل ذلك بِكُلِّ تأكيد.

ولكِنَّ الحقائقَ واضحة في القصَّة. وهي مذكورة هنا لتدعيمِ حقيقة أنَّ يَسوعَ كانَ مُنذُ البداية ابنَ الله، والله الظَّاهر في الجسد. وأيًّا كانَ ما صَدَّقَهُ اليهودُ أو لم يُصَدِّقوه، وأيًّا كانت الأساطير، وأيًّا كانَ رأيُ النُّقَّاد، وأيًّا كانَت أقوالُ المُفْتَرين، فإنَّ مَتَّى يُدَوِّنُ الحقائق. والآنْ، دَعونا نَرى معًا كيفَ حَدَثَ هذا الأمرُ العَجيب.

أوَّلاً، أوِ النُّقطةُ الأولى: حُدوث الحَبَل العَذراويّ (العدد 18). حُدوث الحَبَل العَذراويّ. فهذه المُعجزة عجيبة جدًّا حَتَّى إنَّني أتَمَنَّى أنَّكم لم تَسمعوها إلى الحَدِّ الَّذي جَعَلَ حَواسَّكُم تَتَبَلَّد ولا تُدرك روعتَها والبُعدَ المُعْجِزِيَّ العَجيبَ لها.

العدد 18: "أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس". وسوفَ نتوقَّفُ هنا. فنحنُ نقرأُ هنا عنْ حدوثِ الحَبَلِ المُعجِزِيِّ. فَرُوحُ اللهِ يُخبرِنا مِن خلالِ البَشيرِ مَتَّى أنَّ مَرْيَمَ وُجِدَتْ حُبْلى مِنَ الرُّوحِ القُدُس.

واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم شيئًا أعتقد أنَّهُ رائع بخصوصِ هذه الآية. أَتَرَوْنَ الكلمة "وِلادَة"؟ الكلمة "وِلادة" في بدايةِ العَدَد؟ إنَّها نفسُ الكلمة اليونانيَّة الَّتي تَرِدُ في العَدَدِ الأوَّل مِنَ الأصحاحِ الأوَّل إذْ نَقرأُ: "كِتَابُ مِيلاَد". فهي نفسُ الكلمة. بعبارة أخرى، فإنَّهُ يُقَدِّمُ لكم سِلسلةَ نَسَبِ يسوعَ مِنَ الجانبِ الإلهيِّ. فنحنُ نقرأ في الأصحاح 1 والعدد 1: "كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ". ونَقرأُ هنا أنَّ سِلسلةَ نَسَبِ يسوعَ المسيح حَدَثَت هكذا. وإليكُم الرِّواية الإلهيَّة. فَقَدْ حُبِلَ بِهِ مِنْ رُوحِ اللهِ القُدُّوس. وكما تَرَوْنَ، إنَّهما جانِبانِ لِسلسلةِ النَّسَبِ نفسِها. فقد تَمَّتْ ولادةُ يسوعَ المسيح بهذه الطريقة.

فلَمَّا كانت أُمُّهُ مَريم ... ونحنُ لا نَعرفُ الكثيرَ عن مَريم. وكم كنتُ أَتمنَّى أنْ نَعرِفَ المزيدَ عنها. ولكنَّنا لا نَعرفُ الكثيرَ عن مريم. وسوفَ أَرى إنْ كنتُ أستطيع أنْ أُوَضِّحَ بعضَ الأمورِ لكم. فربَّما ... وهذا احتمالٌ كبير ... وسوفَ أرى إنْ كانَ باستطاعتي أنْ أَجِدَ تلكَ الآية لكم. أعتقد أنَّها يوحنَّا 19: 25. ولا حاجة إلى أنْ تَفتحوا عليها: "وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ".

 

فنحنُ لا نَعرفُ الكثيرَ عن مَريم، ولكِن مِنَ الواضحِ أنَّهُ كانَ لمَريم أُخْت هي زوجة كِلُوبَا، وأنَّها كانت تُدعى أيضًا: "مَريم"؛ وَهُوَ أمرٌ ليسَ مُستغرَبًا بالضَّرورة. لِذا، نحنُ نَعلمُ على الأقلّ شخصًا واحدًا في العائلة المُباشِرَة. وهذا صحيحٌ أيضًا بحسب ما جاءَ في إنجيل لُوقا 1: 36. استمعوا إلى هذه الكلمات: "وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ". وَمَنْ كانَ ابْنُها؟ يوحنَّا المَعمدان.

إذًا، نحنُ نَعرِف، على أَقَلِّ تقدير، أنَّهُ كانَ لَها أُخْت. ومِنَ المُرجَّحِ جدًّا أنَّ الإشارة هي إلى أُختِها الشَّقيقة في يوحنَّا 19. ونحنُ نَعرِف عن نَسيبَتِها أليصابات. لِذا، فإنَّنا نَعرفُ القليلَ عن عائلتها. وإنْ نَظرنا إلى سِلسلةِ النَّسَبِ في إنجيل لوقا مِنْ جِهَةِ مَريم، فإنَّنا نَعلم أنَّ اسْمَ أبيها كانَ "هَالِي". فقد كانت هناك صِلَةُ قَرابَة بينَها وبينَ أليصابات. لِذا فقد كانَ يسوعُ ويوحنَّا المَعمدان قَريبَيْنِ أيضًا.

ونحنُ لا نَعرفُ عن مَريم ما هو أكثر مِن ذلك. ولكنَّها عاشَت حياتَها الباكرة في النَّاصرة. ومِنَ المُرَجَّح أنَّها كانت فقيرة، وربَّما كانت تَعْمَلُ بِجِدّ. ولا شَكَّ في أنَّها كانت سَيِّدَةً فاضلةً جِدًّا. وأعتقد أنَّكم إذا كنتم تبحثونَ عن دراسة جَيِّدة لشخصيَّة مريم، يمكنكم وَحَسْب أنْ تَستمعوا إلى كلامِها. فنحنُ نَجِد في إنجيل لوقا والأصحاح الأوَّل قصَّة مُوازِيَة عنِ البِشارَة وَكُلِّ ما جَرى.

وكما تَعلمونَ، فقدِ اكتشفَتْ مَريمُ ما فَعَلَهُ رُوحُ اللهِ وما يَجري إذْ نَقرأ: "فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ»" (إنجيل لوقا 1: 35). فسوفَ تَلِدينَ ابْنًا. وَهُوَ سيكونُ ابْنَ اللهِ. إنَّهُ الله.

ونَقرأُ في العدد 38 عن شخصيَّة مَريم بسببِ رَدِّ فِعْلِها: "فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِـي كَقَوْلِكَ»". وما الَّذي تَتَعَلَّمونَهُ عن مَريم هنا؟ لقد خَضَعَتْ لِماذا؟ لكلمةِ مَنْ؟ لكلمةِ الله. ونَقرأُ في العدد 45 عن مَريم: "فَطُوبَى لِلَّتِـي آمَنَتْ" ... فَطُوبَى لِلَّتِـي آمَنَتْ. فقد دارَ حَديثٌ بينَ أليصابات ومَريم. وقد عَرَفنا شيئًا آخرَ عن مَريم.

فهي لم تَخضع فقط لكلمةِ اللهِ، بل كانت ماذا أيضًا؟ امرأةً مُؤمِنَةً. فقد آمَنَت باللهِ. والآن، اسمعوني أيَّتُها السيِّدات: لو إنَّ مَلاكًا جاءَ وقالَ لَكِ ذلك، هل كنتِ ستَقولين وَحَسْب: "لِيَكُنْ لِـي كَقَوْلِ الله؟" وهل كان هناكَ مَنْ يقول: "يا لها مِنِ امرأة عظيمة الإيمان؟" فلا بُدَّ أنَّها كانت تَتَحَلَّى بإيمانٍ عظيم. فقد كانت أغلبيَّةُ النِّساءِ سَيَقُلْنَ: "اسمع يا يوسُف. لقد حَلُمْتُ حُلْمًا غريبًا. يجب عليَّ أنْ أَذهبَ لأرى مُعالِجًا نَفسيًّا". ولكنَّها آمَنَتْ. فهي سَيِّدة تَتَحَلَّى بإيمانٍ عَظيم.

وبالمناسبة، أَوَدُّ أنْ أُذَكِّرَكُم بأنَّ هذا النَّوعَ مِنَ الإيمان هُوَ صِفَة مِن صفاتِ المؤمنِ البارّ. فهو شخصٌ يَخضعُ لِسُلطةِ كلمةِ اللهِ ويَحيا بالإيمان بتلك الكلمة حتَّى عندما تبدو غير معقولة على الإطلاق. وحتَّى لو لم تكن هناكَ سابقة بشريَّة تاريخيَّة تَجْعَلُهُ يَقول إنَّ هذا صحيح. فنحنُ هنا أمامَ امرأةٍ بارَّة. فقد قَبِلَت ذلك. وقد كانت تَسْبِحَتُها رائعة جدًّا (كما يُسَمِّيها الكتابُ المقدَّسُ أوِ التَّاريخ): "فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ [لوقا 1: 46]، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ»". فيا لها مِنِ امرأة تَقِيَّة! فلم تَدُرْ في ذِهنِها أيَّة أفكار غريبة. ولم يُساوِرُها الشَّكُّ. وهي لم تَسْتَسْلِم للظُّنون. وهي لم تَطلب مُهلة للتَّفكير، ولم تَتَعَجَّب، ولم تتساءل. بل إنَّها خَضَعَتْ حالاً وآمَنَتْ حالاً بأنَّ ما سَمِعَتْهُ هُوَ حَقُّ الله. فيا لها مِنِ امرأة بَارَّة!

فقد كانت تتمتَّعُ بعلاقةٍ وثيقة بالله. وقد كانت قِدِّيسة حَقًّا مِنْ قِدِّيساتِ العهدِ القديم لأنَّها كانت تُمَيِّز حَقًّا مَتى يتكلَّمُ اللهُ. وقد سَارَعَتْ إلى تَسبيحِ اللهِ على ما سيَفعل. ورُبَّما مِنَ المُدهشِ أنْ تَعلموا المعلومة التَّالية. فهل تَعلمونَ ما مَعنى الكلمة "مَريم" في اللُّغة اليونانيَّة؟ إنَّ الكلمة "مَريم" في اليونانيَّة هي "ميريام" (Miriam). وهل تَعلمونَ ما هو مَعناها في الأصل؟ "مُتَمَرِّدة". ويا لها مِنْ فتاةٍ مِسكينة أُطْلِقَ عليها هذا الاسمُ ظُلْمًا. فهي لم تَكُنْ مُتَمَرِّدة.

وقد كانت مُتَزَوِّجة، أو مَخطوبة. انظروا إلى العدد 18. فنحنُ نقرأُ أنَّها كانت مَخطوبة ليوسُف. وفيما يَختصُّ بيوسف، لا نَعلمُ شيئًا عن خلفيَّتِه. فنحنُ لا نَعرفُ شيئًا. وهو يُوْصَفُ بكلمة يونانيَّة يُمكِن أنْ تُتَرْجَمَ "نَجَّار" أوْ "عامِل بِناء". ورُبَّما كانَ هذا الاسمُ يُطْلَقُ على الرَّجُلِ الَّذي يَقومُ بِكِلا هَذَيْنِ العَمَلَيْن. فإنْ كانَ يَبني بُيوتًا، لا بُدَّ أنَّهُ كانَ قادرًا على وَضْعِ الطُّوبِ والإطارِ للنَّوافِذ أيضًا والأبواب. لِذا، رُبَّما كانَ يَعملُ في كِلتا المِهْنَتَيْن.

ولكنَّهُ كانَ، دُوْنَ شَكٍّ، فقيرًا، وعاملاً مُجِدًّا. وأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّهُ كانَ رَجُلاً بارًّا. فنحنُ نقرأُ في العدد 18: "فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا". فهو أيضًا كانَ رَجُلاً بارًّا. فقد كانَ قِدِّيسًا حقيقيًّا مِنْ قِدِّيسي العهدِ القديم. لِذا فإنَّنا هنا أمامَ قِدِّيسٍ وقِدِّيسة مِنَ العهدِ القديم. وقد كانا في رَيْعَانِ الشَّباب. ويُرَجِّحُ أغلبيَّةُ عُلماءِ الكتابِ المقدَّس أنَّهُما كانا في مَرحلةِ الشَّبابِ المُبْكِرَة؛ ولا سِيَّما أنَّ الفتياتِ كُنَّ يَتزوَّجْنَ في تلكَ الأيَّامِ [إنْ كُنْتُم تُصَدِّقونَ ذلك] في سِنِّ الثَّانية عشرة. وكانتِ الخِطبةُ تَحدثُ عندما تكونُ الفتياتُ في سِنِّ الثانية عشرة أوِ الثالثة عشرة. لِذا، مِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُما كانا في أواخِرِ سِنِّ المُراهقة لأنَّنا نَشْعُرُ بذلك بسببِ نُضْجِ مَريم الشَّديد.

ونحنُ نَقرأُ في بعضِ التَّرجماتِ الكلمة "إيسباوزد" espoused))؛ وهي نفسُ الكلمة الَّتي جاءت منها الكلمة "زَوْج" أو "زَوْجَة". ولكِنَّ الكلمة المُستخدمة في اللُّغة اليونانيَّة تَعني: "مَخْطوبَة". وما مَعنى ذلك؟ هناكَ الكثيرُ مِنَ النِّقاشِ حولِ ذلك. فما مَعنى أنَّهما كانا مَخْطوبَيْن؟ هل هذا يعني أنَّهُما كانا مُرْتَبِطَيْنِ معًا؟ وهل يعني ذلك أنَّهما كانا جَادَّيْنِ في علاقَتِهِما، وأنَّ مَريمَ كانت تَضَعُ خاتَمًا أَحْضَرَهُ إليها يُوسُف وتَلْبَسهُ في سِلْسِلَةٍ حولَ عُنُقِها؟ فما مَعنى هذه الكلمة؟ هل كانت تَرتدي شيئًا يَدُلُّ على ارتباطِهِما؟ فما المقصودُ بأنَّ مريمَ ويوسُف كانَا مَخْطوبَيْن؟

حسنًا! سوفَ أُعطيكُم خَلفيَّة صغيرة. فقد كانَ العهدُ القديمُ ومُعَلِّمو اليهودِ أيضًا (بحسبِ كِتاباتِ مُعَلِّمي اليهود) كانوا يُمَيِّزونَ بينَ مَرْحَلَتْينِ في إجراءاتِ الزَّواج بِحَسَبِ العاداتِ اليهوديَّة. فهناكَ مَرْحَلتان: الأولى تُدْعى "كيدوشين" (kiddushin)، والثانية تُدعى: "هُباه" (hupah) أو "خُوباه" (chubah) بحسبِ اللَّفْظِ السَّليم. فقد كانت هناكَ "كيدوشين" و "خُوباه". وقد كانت الكيدوشين هي الخِطْبَة.

ويمكننا أنْ نَعرفَ عنها مِنْ خلالِ ما جاءَ في سِفْر التَّثنية 20: 7 إنْ أَرَدْتُمْ تَدوينَ ذلك ... سِفْر التَّثنية 20: 7. وما كانَ يَجري هو أنَّ العائِلَتَيْن كانتا تَتَعاهَدا خَطِّيًّا (أو كانَ بمقدورِ الرَّجُلِ والفتاةِ أنْ يَفعلا ذلكَ أيضًا) ... فقد كانت العائلتانِ تَتعاهدا خَطِّيًّا على الزَّواج. هل هذا واضح؟ وقد كانَ ذلكَ العَقْدُ ... اسمعوني جَيِّدًا: كانَ عَقْدًا مُلْزِمًا. وإنْ حَدَثَ في فترةِ ذلك العَقْد أو في فترة الخِطْبَة أنْ أَخَلَّ طَرَفٌ بَعَهْدِ الزَّواجِ ذاك، كانَ ينبغي أنْ يَتِمَّ الطَّلاقُ بصورة رَسميَّة. فقد كانَ عَقْدُ الزَّواج زَواجًا رَسْمِيًّا بالرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ وُجودِ أيِّ علاقة جَسديَّة بينَ الطَّرَفَيْن.

وقد كانت فترةُ الخِطبة تَدومُ عادةً اثني عشرَ شَهرًا. وقد كانت فترةُ حِماية للزَّوج والزَّوجة لكي تكونَ هناك فترة كافية للتحقُّقِ مِنَ العِفَّة. فإنْ كانتِ الفتاةُ حُبْلَى، سيَظهر ذلك جَلِيًّا في هذه الفترة. وإنْ كانَ أيُّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ غيرَ عَفيفٍ، أو كانت هناك مَشاكل، كانت هذه الفترة كَفيلة بالكَشْفِ عن ذلك.

وبالمُناسبة، في هذه الفترة، لم تكن هناكَ الكثيرُ مِنَ الخُلْطَة الاجتماعيَّة. فقد كانَ الشَّابُّ والفتاة يُحافظان على عِفَّتِهِما. وكانتِ الخِطْبَة مُجَرَّدَ وَعْدٍ يُقْطَع أو عَقْدٍ يُبْرَم. وفي نهاية المُدَّة الَّتي قد تَمتدُّ لغاية اثني عشرَ شهرًا، وأحيانًا ستَّة أشهر، كانت مَرحلةُ "الخوباه" تَبدأ. وقد كانَ هذا هو الزَّواج. وكانَتِ احتفالاتُ الزَّواجِ تَدومُ سبعةَ أيَّامٍ تقريبًا. فهل تَعتقد أيُّها الأبُ أنَّكَ سَتَنْجو إنْ زَوَّجْتَ ابْنَتَك؟ ما رأيُكَ في أنْ تُقيمَ ولائِمَ في الحَيِّ طَوالَ سبعةِ أيَّام؟ فيجب عليكَ أنْ تُطْعِمَ النَّاسَ وتَسْقيهم.

فهكذا كانَتْ حالُ الزَّواجِ في "قَانا". أتَذكرونَ ما حدث؟ فقد استهلَكوا الخَمْرَ. أليسَ كذلك؟ فعندما كانَ المَرءُ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ، كانَ يَطلُبُ شيئًا بالمُقابل بالطَّبع، مِثْلَ سَدِّ بَعْضِ حاجاتِهِ الشَّخصيَّة. لِذا فقد كانَ لديهم ما يُسَمَّى بالمَهْر. وهو ثَمَنٌ يُدْفَع. وقد كانَ مَهْرُ الفَتاةِ يَتَفاوَت بحسب الفتاةِ، كما تَعلمون. فقد كانَ يُمكن أن يكونَ دَزِّينَتَيْنِ مِنَ الغَنَم، أو دَجاجة عَرْجاء. ولكِنْ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال، رُبَّما كانت هناك فتياتٌ يمكنُ للشُّبَّانِ أنْ يَتَزَوَّجوهنَّ دُوْنَ مُقابِل، أو مُقابِلَ نَعْجَتَيْن.

ولكِنْ بصورة رئيسيَّة، كانَ هُناكَ ما يُسَمَّى بالمَهْر. وهذا هو الثَّمَنُ الَّذي كانَ يُدْفَع. وقد كانَ يُدفعُ في فترة الخِطبة. وكانَ (بحسب ما جاءَ في سِفْر التَّكوين 34) سِلَعًا أوْ خَدَمات. وكانَ للمَهْر مقاصِد عديدة: أوَّلاً، أنْ يُعَوِّضَ الأبَ لأنَّهُ كانَ سيُنفِق مبلغًا كبيراً مِنَ المال لِتزويجِ ابْنَتِه. وكانَ يُعَدُّ أيضًا تأمينًا على الحياةِ لِصالِح الزَّوجة.

وعادَةً، كانَ الأبُ اليهوديُّ يَحْتَفِظُ بالمَهْر في مكانٍ آمِن. وفي حالِ مَوْتِ زَوْج ِابْنَتِه، كانَ يَرُدُّ المَهْرَ لابنَتِه. وكانَ المَهْرُ أيضًا تأمينًا في حالةِ الطَّلاق لأنَّهُ كانَ ينبغي للزَّوجِ في حالةٍ كهذه أنْ يَتَنازَلَ عن هذا المبلغ. وقد كانَ هذا المبلغُ، كما تَعلمونَ، مبلغًا كبيرًا ولا أَمَلَ لديهِ في استردادِه إلَّا إذا بَقِيَ مُتَزَوِّجًا مِنْ زوجَتِه وَاسْتَرَدَّهُ كميراثٍ لزوجَتِه بعدَ مَوْتِ أبيها. لِذا، فقد كانَتِ الغايةُ مِنَ المَهْرِ هي الحِفاظُ على الزَّواج. كذلك، لا يمكنكَ أنْ تَلْهو وَتَتَزَّوجَ نِساءً كَثيراتٍ وإلَّا فإنَّكَ ستَخسرُ كُلَّ أموالِك لأنَّكَ ستَدفعُ مَهْرًا كثيرًا.

لِذا، فقد كانت فترةُ الخِطْبة تَسْبِقُ فترةَ "الخُباه" أوِ الزَّواجَ نَفسَهُ حيثُ يَتَّحِدُ الزَّوجان جسديًّا. فقد كانت فترةُ الخِطْبة فَترةَ اختبار، وفترةَ تَجْرِبة للتحقُّق مِنْ عُذريَّةِ العَروس وعِفَّةِ الزَّوج والزَّوجة، وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكِنَّهم كانوا يَستخدمونَ مُصطلح "الزَّوج والزَّوجة" لأنَّهما كانا بمثابة زوج وزوجة مِنْ دُوْنِ اتِّحادٍ جَسَدِيٍّ. ويمكنكم أنْ تُلاحظوا ذلك لأنَّنا نقرأُ في العدد 25: "وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ". ونَقرأُ في العدد 18: "قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا".

بعبارة أخرى، في فترةِ الخِطْبة هذه، وُجِدَتْ مَريمُ حُبْلى مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وقد حَدَثَ ذلك لكي لا يكونَ هُناكَ أيُّ شَكٍّ في أنَّ يوسفَ هُوَ الأب. وقد كانَ يوسفُ رَجُلاً تَقِيًّا، وَرَجُلاً بارًّا لم يَرغب في كَسْرِ وَصِيَّةِ اللهِ. ويجب أنْ تَعلموا أنَّ اللهَ يَنْظُرُ نَظرةً جادَّةً جِدًّا إلى موضوعِ العِفَّة. والعُذريَّة هي شيءٌ مُهِمٌّ جدًّا لدى الله. فهي شيءٌ مُقَدَّسٌ، وليسَتْ شيئًا يمكنُ الاستخفافُ به. وكم أَتذكَّرُ جَمالَ وروعةَ وقداسةَ العُذريَّة حينَ أرى في حالةِ مَريم كيفَ أنَّ اللهَ أَكْرَمَها بسببِ ذلك.

إذًا، فقد وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس. وقد كانت مَريمُ تَعلم ذلك. لقد كانت مَريمُ تَعلم ذلك. ولا نَجِدُ قِصَّةَ لُوقا في هذا النَّصّ. لذا، لِنُلْقِ نَظرة إلى إنجيل لوقا والأصحاح ِالأوَّل لكي نَرى كيفَ عَرَفَتْ مَريم ذلك. إنجيل لوقا 1: 26: "وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ". وبالطَّبع، كانَ هذا بعدَ سِتَّة أشهُر مِنْ حَمْلِ أليصابات. لِذا، فقد حَبِلَتْ مَريم في الشَّهرِ السَّادسِ مِنْ حَبَلِ أليصابات. وهذا يعني أنَّ يوحنَّا المَعمدان كانَ أكبر مِنْ يسوعَ بِسِتَّة أشهر. وقد كانَ هذا يَكفي لِجَعْلِهِ مُمَهِّدًا لَهُ. "وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ". وهي البَلدة الَّتي كانت تَسْكُنُ فيها مَريم. والحقيقة هي أنَّكَ إذا زُرْتَ النَّاصِرَة اليوم، ستَذهبُ إلى مكانٍ فيقولونَ لَكَ: "هذهِ هي البِئرُ الَّتي كانت مَريمُ تَسْتقي مِنْها الماءَ عندما كانت صَبِيَّة". ولكِنْ لا تُصَدِّقوا ذلك.

ثُمَّ نقرأ في العدد 27: "إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُل". وَنَجِد مَرَّةً أخرى الكلمة "مَخطوبة". والكتابُ المقدَّسُ واضحٌ تمامًا بهذا الخُصوص. فالزَّواجُ لم يَكُن قد تَمَّ بَعْد. "مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ. فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ". ويمكنني أنْ أتخيَّلَ ذلك.

فماذا نَتوقَّعُ مِنْ فتاةٍ بسيطة تَسْكُنُ في ذلكَ المكان المغمور مِنَ البَلَد حيثُ كانَ الجميعُ يعملونَ في الزِّراعة، ولم تَكُنْ حَتَّى أورُشَليم. فقد كانت بلدة مغمورة. وفجأةً، ظَهَرَ ملاكٌ ... مَلاكٌ عَظيمٌ ومَجيدٌ. فهو ليسَ ملاكًا وَحَسْب، بل هو جِبرائيل ... جبرائيلُ المُرْسَل مِنْ قِبَلِ يَهوه. فقد جاءَ جبرائيل وقال: "سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا!"

"فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ وَفَكَّرَتْ: «مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ!»" ما الَّذي يَقولُهُ؟ فأنا فتاةُ نَكِرَة. "فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِـيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ».

"فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: «كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟» وكما تَرَوْنَ، فإنَّ مَريمَ تُؤكِّدُ هُنا عِفَّتَها. فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى..." لا ابْنَ داوُد فَحَسْب، بل ماذا؟ "ابْنَ اللهِ".

 

وما أَعنيه هو: يا لهُ مِن إعلانٍ لفتاةٍ نَكِرَة تَعيشُ في بَلدة صغيرة مغمورة تُدعى "ناصِرَة". لِذا، فقد كانت مَريم تَعرف ذلك. وحينَ صارَتْ حُبْلَى، عَرَفَت السَّبب. ولكِنَّ يوسُف المِسْكين لم يَعرِف ذلك. فعندما اكتشفَ ذلك، كانَ الأمرُ صَدْمة. كانَ صَدْمَة. فقد صُدِمَ تمامًا. فقد كانَ يَعْرِفُ مَريم. أَتَرَوْن؟ وما أعنيه هو أنَّهُ كانَ يَعرفُ هذه الفتاة الَّتي خَطَبَها لنفسِه.

وقد كانَ يَعْرِفُ أخلاقَها العالية. وكانَ يَعرفُ مِعيارَ البِرِّ الَّذي تَحْيا بِموجَبِه. وكانَ يَعرفُ مَنْزِلَتَها عندَ اللهِ. فقد كانَ يَعرف مَريم. وقد كانَ ما حَدَث مُنافٍ تمامًا لشخصيَّتِها. وقد بَدا أَمْرًا غيرَ مَعقولٍ على الإطلاق. وقد كانَ يَعرف ما جاءَ في سِفْر التَّثنية والأصحاح 22 مَعرفة جَيِّدة؛ أيْ أنَّهُ كانَ يَعلم أنَّهُ إنْ صارتِ المرأةُ حُبْلَى بطفلٍ خارجَ الزَّواج، فإنَّ العقابَ هو ماذا؟ الموت ... الموت.

ففي سِفْر التثنية والأصحاح 22، هناكَ العديدُ مِنَ الآيات. واسمحوا لي أنْ أُذكِّرَكم فقط ببعضِ الآياتِ الَّتي تتحدَّث عن هذه المسألة. تثنية 22: 13: "إِذَا اتَّخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَحِينَ دَخَلَ عَلَيْهَا أَبْغَضَهَا، وَنَسَبَ إِلَيْهَا أَسْبَابَ كَلاَمٍ، وَأَشَاعَ عَنْهَا اسْمًا رَدِيًّا، وَقَالَ: هذِهِ الْمَرْأَةُ اتَّخَذْتُهَا وَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهَا لَمْ أَجِدْ لَهَا عُذْرَةً".

 

أيْ إنَّهُ إنْ وَجَدَ أنَّ ذلكَ صَحيح: "يُخْرِجُونَ الْفَتَاةَ [في العدد 21] إِلَى بَابِ بَيْتِ أَبِيهَا، وَيَرْجُمُهَا رِجَالُ مَدِينَتِهَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى تَمُوتَ، لأَنَّهَا عَمِلَتْ قَبَاحَةً فِي إِسْرَائِيلَ بِزِنَاهَا". ولا شَكَّ في أنَّ النَّصَّ يَتحدَّثُ عن أمورٍ أخرى. فهذا الأصحاحُ يَتحدَّث عن مُختلفِ حالاتِ الزِّنا.

العدد 22: "إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ مُضْطَجِعًا مَعَ امْرَأَةٍ زَوْجَةِ بَعْل، يُقْتَلُ الاثْنَانِ: الرَّجُلُ الْمُضْطَجِعُ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ.... إِذَا كَانَتْ فَتَاةٌ عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُل، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي الْمَدِينَةِ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، فَأَخْرِجُوهُمَا كِلَيْهِمَا إِلَى بَابِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَارْجُمُوهُمَا".

لِذا فإنَّ النَّصَّ يَتحدَّثُ عن مُختلفِ حالاتِ الزِّنا. وقد كانَ المَوْتُ هو العِقاب. وقد اهْتَزَّ يُوسُفُ في أعماقِ كِيانِه. فقد كانَ يُحِبُّ مَريم. ولكِنْ لم تكن هناكَ طريقة تُتيحُ لمريم أنْ تُبْرِئَ سُمْعَتَها. فسوفَ تَخرُج وتقول: "اسمعوا يا ناس. هذا الجَنينُ حُبِلَ بِهِ مِنَ الله". وسوفَ يقولون: "ماذا؟ هذه كِذبة جديدة يا مَريم. فقد سَمِعنا مُختلفَ أنواعِ الكَذِب. ولكِنَّ هذه الكِذبة جديدة". فلم تكن هناكَ طريقة لإبراءِ سُمْعَتِها. لِذا، فقد حَفِظَها لها رُوحُ اللهِ هُنا في صفحاتِ كلمةِ اللهِ لِئَلَّا تُعَيَّر مَريم يَوْمًا.

فلو كانَ يسوعُ إنسانًا عاديًّا، وإنْ كانَ يسوعُ كباقي البشر الآخرين، لَقُلْنا إنَّهُ وُلِدَ على الأرجح كبقيَّة البشر. ولكنَّهُ ليسَ كبقيَّة البشر. وَهُوَ لم يُولَد كبقيَّة البشر. فلو أنَّهُ كانَ طِفلاً غيرَ شَرعِيٍّ لمريم بسبب زِنا، أو لو كانَ ابنَ يوسُف بسبب علاقة جنسيَّة طبيعيَّة معَ مريم، فإنَّهُ ليسَ الله. وإنْ لم يكن هو الله، فإنَّ ادِّعاءاته هي مُجَرَّد أكاذيب. وإنْ كانت ادِّعاءاته أكاذيب، فإنَّ خَلاصَهُ خُدعة. وإنْ كانَ خلاصُهُ خُدعة، فإنَ مَصيرَنا هوَ الهلاك.

لِذا فإنَّ مَتَّى يُدَوِّن لنا بوضوح أنَّ اللهَ حَلَّ في هيئة بشريَّة مِن خلالِ عَذراء، وأنَّ حَبَلَها هو مِنَ الرُّوح القُدُس. وقد تقول: "وكيفَ يُمكن لذلكَ أنْ يَحدث؟" لا تَسألوني هذا السُّؤال. فالنَّاسُ يَرغبونَ دائمًا في طَرْحِ مِثلِ هذه الأسئلة. والنَّاسُ يَطرحونَ دائمًا أسئلةً لا أستطيعُ أنْ أُجيبَ عنها. ولا يمكنني أنْ أَنسى الأوقاتَ الَّتي كنتُ أُعَلِّمُ فيها سِفْر الرُّؤيا فأقولُ مَثَلاً: "كما تَعلمون، فإنَّ كلمةَ اللهِ تقول إنَّ الربَّ سيُعطيكُم اسمًا جديدًا لا يَعْرِفُه أحد". ولا بُدَّ أنْ يَقِفَ شخصٌ ويقول: "وما هو ذلك الاسم؟"

إنَّني لا أَفْهَمُ حَتَّى كيفَ يَحدُثُ الحَبَلُ الطبيعيُّ. وأنا لا أَعرفُ أيَّ طبيبٍ يَفهم حقًّا هذا السِّرّ. لِذا، لا تسألوني كيفَ يَحدث ذلك. فاللهُ فَعَلَ ذلك. لِذا، فقد كانت هناكَ سَحابةُ شَكٍّ، وسحابةُ عارٍ، وسحابةُ فَضيحة تُرافِقُ مَريم. ففي كُلِّ التاريخِ البشريِّ، لم تحدث ولادة عذراويَّة. فعندما كانَ النَّاسُ يَرَوْنَ امرأةً حُبْلى ولكنَّها غير مُتزوِّجة، كانَ هناكَ استنتاجٌ واحدٌ فقط. استنتاجٌ واحد. إلَّا في هذه الحالة. فقد كانَ هناكَ استنتاجٌ آخر: الرُّوح القُدُس.

ولكِنْ لم يكن يوجد شيء جديد بالنِّسبة إلى الرُّوح القُدُس بهذا المَفهوم. فقد كانَ عَمَلُهُ دائمًا هو عَمَلُ خَلْق. أليسَ كذلك؟ ففي سِفْر التَّكوين والأصحاح الأوَّل، كانَ يَرِفُّ على وَجْهِ الغَمْرِ والخَواءِ فَخَلَقَ كُلَّ شيء. وفي سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح الأوَّل، كانَ يَرِفُّ على جماعةِ النَّاسِ المُجتمعينَ في العِلِّيَّة فَأَوْجَدَ الكنيسة. فما الَّذي سيَمنَعُهُ مِنْ أنْ يكونَ هو الَّذي قامَ بهذه المُعجزة العجيبة الَّتي تَتَلَخَّصُ في الحَبَلِ العَذراويّ؟

لا تُصْدَموا! لا تُصْدَموا! فقد كانَ ينبغي لنا أنْ نتوقَّعَ ذلك. حقًّا. ارجعوا إلى السِّفْرِ الأوَّل في الكتاب المقدَّس؛ وتحديدًا إلى الأصحاحِ الثالث مِن سِفْر التَّكوين. سِفْر التَّكوين 3: 15. ونحنُ مُتأخِّرونَ، يا أحبَّائي. ولكِنَّ الربَّ هو الَّذي كانَ يَتحدَّث هنا إلى الشَّيطان بعدَ أنْ تَسَبَّبَ الشَّيطانُ في سُقوطِ آدَمَ وحَوَّاء. لِذا فقد قالَ اللهُ للحيَّة في سفر التَّكوين 3: 15: "وَأَضَعُ عَدَاوَةً..." أيْ: "بُغْضَةً"، أو "عِداءً"، أو "كَراهِيَةً". فالكلمة المُستخدمة هنا هي نفسُ الكلمة الَّتي تَعني "عَدُوّ". "وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ [والآن، لاحِظوا:]، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَ[ماذا؟] وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ»".

 

فقد قال: "انظر أيُّها الشَّيطان: ذاتَ يومٍ، ستأتي امرأة. وهذه المرأة ستَلِدُ وَلَدًا. وقد تَسْحَقُ عَقِبَهُ". وقد حَدَثَ ذلكَ في الجُلْجُثَة. "ولكنَّهُ يَسْحَقُ [ماذا؟] رأسَك". ولَعَلَّكُم لاحظتُم أنَّ النَّصَّ يقول إنَّ يسوعَ سيكونُ نَسْلَ المرأة ... نَسْلَها. فمَرَّةً واحدةً فقط في تَاريخِ العالَم كانَ للمرأة نَسْل. فالنَّسْلُ هو للرَّجُل. ولكِنَّهُ كانَ مَرَّة للمرأة. وهذا هو ما جاءَ في سِفْر التَّكوين 3: 15.

وبولس يقول في رسالة غلاطيَّة 4: 4: "وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ"، جاءَ المسيح. ثُمَّ لاحِظوا ما يَقول: "مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوس". مولودًا مِنِ امرأة. فقد تَخَطَّى لَعنةَ يَكُنْيا (كما رأينا في درسِنا السَّابق). والآن، اسمعوني وافهموا ما سأقول: لو أنَّ يسوعَ جاءَ مِنْ دونِ أَبَوَيْنِ بَشَرِيَّيْنِ، لما كانَ إنسانًا أصلاً. ولما كانَ مُشتركًا في جَسَدِنا. مِن جهة أخرى، لو كانَ ليسوعَ أَبٌ وأُمٌّ بَشَرِيَّيْن، لما تَمَكَّنَ مِنْ تَجَنُّبِ تَلَوُّث البشريَّة بالخطيَّة.

لِذا، كانَ لا بُدَّ أنْ يكونَ ابْنَ الإنسانِ، وأيضًا ابْنَ اللهِ. وقد كانَ هكذا تمامًا. فقد وُلِدَ مِنْ إنسانة خاطئة؛ ولكنَّهُ كانَ بلا خَطيَّة لأنَّهُ وُلِدَ أيضًا مِنَ الله. فاللَّاهوتُ أَلْغَى اللَّعنة البَشريَّة. وَمِياهُ الطبيعةِ الإلهيَّة أَطْفَأَتْ نيرانَ الطبيعة البشريَّة. لِذا، فقد حَدَثَ الحَبَلُ العَذراويُّ.

النُّقطةُ الثَّانية: مُواجهَةَ الحَبَل العَذراويّ. فماذا عن يوسُف المِسْكين؟ فهو لا يَدري ما الَّذي يَجري. فقد انتهى عالَمَهُ الصَّغير. فقد كانَ يوسفُ رَجُلاً تَقِيًّا وبَارًّا. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كانَ مُلْتَزِمًا بِشِدَّة تُجاهَ مَريم ويَنتظرُ بِتَرَقُّب اليومَ الَّذي تَكْتَمِلُ فيهِ فَترةُ الخِطبةِ بِسلام لكي يَتَّحِدا معًا وَيُتَمِّما الزَّواج. فماذا عن يوسُف؟

العدد 19: "فَيُوسُفُ رَجُلُهَا" – ولاحِظوا أنَّهُ يُدْعى "رَجُلَها" معَ أنَّهما كانا ما يَزالانِ في فترةِ الخِطبة. "إِذْ كَانَ بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا". ففجأةً، نَرى مُواجَهَةً في الحَبَلِ العَذراويِّ. فقد كانَ لا بُدَّ ليوسُف أنْ يُواجِهَ هذا الأمر. كانَ ينبغي أنْ يُواجِهَهُ. فالمُعجزةُ كانت مَحجوبة تمامًا بالنِّسبة إليه. وَهُوَ لم يكن يَفهمُ ما يَجري. فقد كانَ مَصْدومًا.

وقد كانَ رَجُلاً بارًّا ولم يَشَأ أنْ يَتْرُكَها وَلا أنْ يَفْضَحَها أمامَ النَّاسِ. والحقيقةُ هي أنَّنا هُنا أمامَ صِفَتَيْنِ ... أمامَ صِفَتَيْنِ تَصِفان شخصيَّةَ يوسُف. فقد كانَ رَجُلاً بارًّا. وَهُوَ لم يَشَأ أنْ يُشْهِرَها.

وما المقصودُ بأنَّهُ كانَ رَجُلاً بارًّا؟ هذا يعني أنَّهُ كانَ يَهوديًّا بارًّا. ونقولُ مَرَّةً أُخرى إنَّهُ كانَ قَدِّيسًا منْ قِدِّيسي العهدِ القديم؛ أيْ رَجُلاً تَقِيًّا. وهل تَعلمونَ ما الَّذي قد يَقولُهُ الرَّجُلُ البارُّ لنفسِه؟ "لا يمكنني أنْ أَتَزَوَّجَ هذه الفتاة في موقفٍ كهذا! فقد تَعَدَّتْ على مَبادئَ اللهِ. ومع أنَّني أُحِبُّها، ولا أَفهَمُ ما يَجري، ومعَ أنَّ كُلَّ شيءٍ يَبدو غامِضًا بالنِّسبةِ إليَّ، ولكنَّني مُطالَبٌ بِصِفَتي رَجُلاً بارًّا أنْ أفعلَ ما تُطالِبُني بهِ الشَّريعَة".

إنَّ وَصْفَهُ بالرَّجُلِ البارِّ يَضَعُهُ في مَرتبةِ زَكَرِيَّا وأليصابات لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقول إنَّهما كانا "بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلاَ لَوْمٍ". وهذا يَضَعُهُ في مَرتبةِ سِمْعان الَّذي يقولُ عنهُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّهُ كانَ رَجُلاً بارًّا وتَقِيًّا. فقد كانَ يَهوديًّا حقيقيًّا يَخافُ اللهَ. وقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ مُطالَبٌ بإطاعةِ شَرائعِ اللهِ. وشرائعُ اللهِ تقولُ إنَّهُ حينَ يَفعلُ شخصٌ ما شيئًا كهذا، لا بُدَّ مِنْ وجودِ عَواقِب.

فقد كانَ يوسفُ قِدِّيسًا حَقيقيًّا. لِذا فإنَّ رَدَّ فِعْلِهِ الأوَّل جاءَ مِنْ بِرِّه؛ ولكِنَّ رَدَّ فِعلِهِ الثَّاني جاءَ مِنْ قَلَقِه إذْ نَقرأُ إنَّهُ لم يَشَأ أنْ يَفْضَحَها أمامَ النَّاسِ. وقد كانَ لديهِ هذا الخِيار. فقد كانَ يوجدُ أمامَ يوسُف خِياران في ذلك الوقتِ وذلك العصر. فلو أنَّهُ كانَ يَعيشُ في زَمَنِ كِتابةِ سِفْر التَّثنية، لَكانُ مُطالَبًا بالقيامِ بشيءٍ واحد.

ولكِنَّ تَراخي النَّظرة اليهوديَّة إلى الحُكومة الدِّينيَّة، والتَّراخي الَّذي أَظْهَروهُ في حِفْظِ ناموسِ اللهِ قد جَعَلَ الأُمورَ تَصِلُ إلى هذهِ النُّقطةِ إذْ إنَّهم استعاضوا عنِ النَّاموسِ بشرائعَ أَقَلّ تَشَدُّدًا مِنْ تلكَ الَّتي أَوصى بها اللهُ. وهذا هو ما جَعَلَ بَلَدَهُم تَغرقُ في مشاكِل كثيرة لأنَّهم كَسَروا شرائعَ اللهِ الَّتي كانت وقائيَّة.

وفي ذلكَ الوقتِ المُتراخي، كانَ هناكَ خِيارانِ أمامَ يوسُف: الأوَّلُ هو أنْ يُشْهِرَها على المَلأ. وإليكُم كيفَ كانوا يَفعلونَ ذلك: فقد كانَ بإمكانِهِ أنْ يَتَّهِمَها عَلَنًا في مَيْدانٍ عامٍّ بأنَّها زَنَتْ. وقد كانَ هذا كَفيلاً بِإلحاقِ الخِزْيِ بها. وقد كانت تُحاكَمُ وَيُحْكَمُ عليها أمامَ الجميع فَيَلْحَقُ العارُ بِسُمْعَتِها.

أمَّا الخِيارُ الثَّاني فهو أنْ يُطَلِّقَها دُوْنَ إثارَةِ ضَجَّة. فقد كانَ الرَّجُلُ والمرأة يذهبان بِرِفْقَة شاهِدَيْنِ أو ثلاثة شُهود وَيُوَقِّعان وثيقة طلاق سِرًّا (كما جاءَ في سِفْر التَّثنية والأصحاح 24). فقد كانا يُوَقِّعان وثيقة طلاق سِرًّا.

وفي هذه الحالة، لم تكن هناكَ إجراءاتٌ قَضائيَّة، ولا فَضيحَة عَلنيَّة، ولا جَعْجَعَة. فلا حاجةَ إلى أنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ أيَّ شيء. ويُقالُ إنَّهُ في ذلك الوقت، لم يكن المرءُ بحاجة إلى كِتابة سَبَب الطَّلاق لكي يَحصل على وثيقة طلاق. والسَّببُ في ذلك هو أنْ تَمْضي الفتاةُ مِنْ دُوْنِ أنْ يَعرفَ أيُّ شخصٍ ما جَرى. فقد كانَ الطَّلاقُ يَتِمُّ سِرًّا.

ولم تكن هذه بالضَّرورة هي طريقةُ اللهِ. ولكنَّ الطَّلاقَ كانَ مَسموحًا بإحْدى هاتينِ الطَّريقَتَيْن في ظِلِّ تلك الرَّخاوة الَّتي كانت سائدةً في زَمَنِ يوسُف. وقد كانَ يَمْتَلِكُ هذَيْنِ الخِيارَيْن. وبالمُناسبة، لاحِظوا الكلمة "تَخْلِيَتَها" إذْ نَقرأُ إنَّهُ "أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا". والكلمة "تَخْلِيَتَها" هي "أبولُؤو" (apolouo). وهي الكلمة المُستخدمة في العهد الجديد للإشارة إلى الطَّلاق. فقد كانَ ينبغي لهُ أنْ يُطَلِّقَها لأنَّ الخِطْبة كانت تُعَدُّ زَواجًا. لِذا فقد فَكَّرَ قائلاً: "حسنًا، سوفَ أُطَلِّقُها سِرًّا".

فهو لم يَشَأ أنْ يَفْضَحَ مَريمَ على المَلأ. وهو لم يَشأ أنْ يُعَرِّضَ نَفسَهُ للفضيحة أمامَ النَّاسِ والعارِ أمامَ النَّاس. لِذا قد أرادَ تَخْلِيَتَها سِرًّا. ولكنَّهُ واجَهُ صُعوبةً بالغةً في القيامِ بذلك. فقد عَجِزَ عن تنفيذِ ذلك عَمليًّا. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العدد 20: "وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ". تَوَقَّفوا هُنا. فَمِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ ذَهَبَ لينام في بيتِهِ في النَّاصرة. فقد كانَا ما يَزالانِ في النَّاصرة في ذلك الوقت. وقد كانَ يَتَفَكَّرُ في الأمر ويُقَلِّب الأمرَ في ذِهنه بخصوصِ ما سيَفعل. وبينما هو مُتَفَكِّرُ في الأمر، نامَ. فقد نام.

ثُمَّ إنَّنا نَجِدُ توضيحَ الحَبَلِ العَذراويِّ. نَجِدُ توضيحَهُ. فالحَبَلُ العَذراويُّ مُوَضَّحٌ في العدد 20. انظروا كيفَ حَدَثَ ذلك: فقد نام. فقد وَاجَهَ الأمرَ. وقد كانَ الأمرُ مُرْبِكًا لَهُ. وقد نام. ثُمَّ "إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ". والآن، أريدُ منكم أنْ تَفهموا شيئًا. فهذا ليسَ حُلْمًا كالأحلامِ الَّتي تَحْلُمونَها. فهذا ليسَ حُلْمًا يكونُ فيهِ ما تَراهُ غيرَ حَقيقيٍّ، بل خَياليًّا. فبطريقةٍ ما، تَحَوَّلَ الحُلْمُ إلى إعلانٍ، وصارَ الحُلْمُ شيئًا حقيقيًّا. فقد كانَ مَلاكًا حقيقيًّا. وقد رأى حقًّا ذلكَ المَلاك.

وبالمناسبة، فإنَّ ما حَدَثَ ليسَ أمرًا مُسْتَهْجَنًا بالنِّسبةِ إلى إنْجيلِ مَتَّى. فهناكَ ما لا يَقِلُّ عن سِتِّ مُناسباتٍ أُخرى [أو هي سِتُّ مَرَّاتٍ مُحَدَّدة] نَجِدُ فيها هذا النَّوعَ مِنَ التَّواصُل. فالأصحاحُ الثَّاني مِنْ إنجيل مَتَّى يَذْكُرُ العديدَ مِنها. فنحنُ نَجِد حادثة مُشابهة في إنجيلِ مَتَّى والأصحاح الأوَّل، وفي الأصحاحِ الثَّاني، والأصحاح 27، ونَجِدُ حادثة مُشابهة أيضًا في سِفْر أعمال الرُّسُل 2: 17 بطريقة نَبَوِيَّة. لِذا، فإنَّ هذه ليست حادِثَة مُنْفَرِدَة لم تَتكرَّر. فاللهُ يَستخدمُ أحيانًا ملاكًا في حُلُم.

ويوسفُ لم يَكُن يَحْلُمُ بالطريقةِ الَّتي قد تَتَخَيَّلونَها. فقد نامَ، وابتدأَ يَحْلُم، ثُمَّ تَحَوَّلَ حُلْمُهُ إلى حقيقة. فقالَ الملاكُ لَهُ: "يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ". وأنا أَعلَمُ لماذا قالَ هذا الجُزءَ الثَّاني: فقط للتَّأكيدِ على ... فقط للتَّأكيدِ على سلسلةِ نَسَبِ داوُد. ولا شَكَّ في أنَّ ما كانَ مُزْمِعًا أنْ يَقولَهُ لَهُ كانَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْمَع: فقد قالَ لَهُ: "يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ!" وقد قالَ لَهُ الآتي: "لاَ تَخَفْ أَنْ تَأخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". لا تَخَف يا يوسُف، لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.

وهذه هي الحقيقة العظيمة، يا أحبَّائي، عنِ الحَبَلِ العَذراويّ. فلم يكن هناكَ أبٌ بَشريّ. فهذه هي وِلادة الله في جَسَدٍ بَشريّ. فقد كانَ إنسانًا وإلهًا. وهذا هو السَّبب في أنَّهُ كانَ يُدعى، على سبيلِ المِثالِ، في العهد القديم: "زيماخ" (tsemach)؛ وهي كلمة تَعني: "الغُصْن". وهل لاحظتم أنه يُدعى "غُصْن داوُد" في أحد المقاطِع، وأنَّهُ يُدعى في مَقطعٍ آخر: "غُصْنُ يَهْوَه"؟ أَتَرَوْن؟ فهو ابْنُ داود، وَهُوَ ابْنُ الله.

 

وهل تَعلمونَ أنَّهُ يُدعَى في سِفْر إشعياء 9: 6: "عَجِيبًا، مُشِيرًا، [وماذا أيضًا؟] إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا"؟ لِذا، كانَ ينبغي ليوسُف أنْ يَعلمَ أنَّهُ لا مُبَرِّرَ لخوفِهِ مِنَ الزَّواجِ مِنْ مَريم لأنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. والعددُ 21 يُعطيهِ مَزيدًا مِنَ التَّعليمات: "فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ". وبالعِبريَّة: هوشَع، أو يَشوع، أو يَهوشُوع، ومَعْناهُ: "يَهْوَه يُخَلِّص". "لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ".

والآن، أريدُ منكم أنْ تَعلموا شيئًا بخصوص العدد 21: "فَسَتَلِدُ ابْنًا". ولعلَّكُم تُلاحظونَ أنَّهُ لم يَقُل لَهُ: "وأنتَ يا يوسُف سَتُنْجِب ابنًا"، أو "وسيولَد لَكَ ابْنٌ". فهي الَّتي وَلَدَتْ ذلكَ الصَّبِيّ. "وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ".

وكما تَعلمونَ، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ دَقيقٌ جِدًّا في عَدَمِ تَسميةِ يوسُف "أبَ يَسوع". ولا أدري إنْ كُنتم تَعلمونَ ذلك. فعلى سبيلِ المِثال، نقرأُ في إنجيل مَتَّى 2: 13: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ". فهو يَذكرُ دائمًا أُمَّهُ. فلماذا لم يقل لَهُ: "خُذِ ابْنَكَ وزوجَتَكَ"؟ فلماذا قالَ لَهُ: "خُذِ الصَّبيَّ وأُمَّهُ"؟ ولماذا لَمْ يُشَرْ قَطّ إلى يوسُفَ بأنَّهُ الأبُ الحقيقيُّ؟ فنحنُ نقرأ في العدد 2: 20: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيل". فالحديثُ دائمًا هو عنِ الطفلِ وأُمِّه، وليسَ عن يوسُف بوصفِهِ أبًا. إنَّها الولادةُ العَذراويَّة.

واسْمُهُ هو هُوشَع، أو يَهُوشوع، أو يَسوع لأنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ. وهذا هو، يا أحبَّائي، سببَ مجيئِه. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ سِفْرَ أعمال الرُّسل 4: 12 يقول: "وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ". فقط اسم "يسوع"، الله-الإنسان الواحد. فاللهُ وحدُهُ هو الَّذي يُخَلِّص.

كذلك، نَقرأ في المزمور 20 أنَّ هناكَ أشخاصًا يَتَّكِلونَ على المَركباتِ، وأنَّ هناكَ أشخاصًا يَتَّكِلونَ على القوَّة الجسديَّة، وأنَّ هناكَ أشخاصًا يَتَّكِلونَ على مَعرفتِهِم، وحَدْسِهِم، وسُمعتهِم، ومكانَتِهم، ومَقامِهم، وأسلحتهِم، وأصدقائهم، وأيِّ شيءٍ آخر مِثْلَ تَعليمهم؛ ولكِنَّ يسوعَ وحدَهُ هو الَّذي يُخَلِّص. وَهُوَ سيُخَلِّص شَعبَهُ مِن خطاياهُم. فهو الوحيدُ الَّذي يَمْلِكُ القُدرة على أنْ يُخَلِّص.

لِذا، فقد تَمَّ الحَبَلُ العَذراويُّ، وكانت هناكَ مُواجهة بخصوصِه، ثُمَّ كانَ هناكَ توضيح. رابعًا، وسوفَ نُعَجِّل لكي نَخْتُم درسَنا: رَبْطُ الميلادِ العَذراويِّ. رَبْطُ الميلادِ العَذراويِّ. وقد حَدَثَ ذلك لِئَلَّا يَظُنَّ أَحَدٌ أنَّ ما حَدَثَ كانَ خُطَّةً لِتَدارُكِ شيءٍ حَدَثَ أصلا، أوْ أنَّها خُطَّة وُضِعَتْ في تلك اللَّحظة (كما يَقولُ النُّقَّاد)، أو أنَّها أُسطورة نُسِبَتْ إلى يَسوع.

فمَتَّى يُوَضِّحُ شيئًا في العددَيْن 22 و 23. والقصَّة تَنْقَطِعُ هُنا. فالملاكُ ليسَ هو الَّذي يَتحدَّث هنا. بل إنَّ مَتَّى هو الَّذي يتحدَّث. وإليكم ما يقول. وَهُوَ يَفعل الشيءَ نفسَهُ في كُلِّ إنجيل مَتَّى. والحقيقة هي أنَّه يَقتبس خمسينَ مَرَّة مِنَ العهد القديم، وَيُلَمِّحُ إليه 76 مَرَّة أخرى. فهو يَستخدِمُ هذا الأسلوب.

"وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِــيِّ الْقَائِلِ...". وكُلُّ ما يَقولُهُ النبيُّ يُعَبِّر عَمَّا يَقولُهُ الربُّ. وَهُوَ يَقتبِس مِنْ إشعياء 7: 14: "«هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا". وهُنا، يَتِمُّ رَبْطُ الحَبَلِ العَذراويِّ بالعهدِ القديم. فهو ليسَ خُطَّة لِتَدارُكِ شيءٍ حَدَثَ أصلاً. وَهُوَ ليسَ استخدامًا عشوائيًّا لأُسطورةٍ ما. بل إنَّهُ وَعْدٌ قَطَعَهُ اللهُ وَتَحَقَّق. وهذا أمرٌ عظيم! وكانَ ينبغي لليهودِ أنْ يَعلموا ذلك.

وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ، ولكي يَتحقَّق، ولكي يَتِمَّ تمامًا كما قالَ إشعياء. ويمكننا أنْ نَتحدَّثَ مُطَوَّلاً عَمَّا قالَهُ إشعياء، وعن سبب استخدامِهِ للكلمة "أَلْمَا" (almah) عوضًا عنِ الكلمة "بيثولا" (bethulah) بمعنى: "عذراء"، إلخ، إلخ، إلخ. وَهَلُمَّ جَرَّا.

ولكِنْ لا مُبَرِّرَ البَتَّة للجَدَل حولَ ذلك. فيكفي أن نقول إنَّ أفضلَ تَرجمة للكلمة "أَلْمَا" الواردة في إشعياء 7: 14 هي: "عذراء" ... إنَّ أفضلَ تَرجمة لها هي: "عذراء". وقد يأتي أُناسٌ (ولا سِيَّما النُّقَّادُ وَمَنْ يَطْعَنونَ في الكتابِ المقدَّس) ويحاولونَ أنْ يَمْحوا هذه الكلمة. ولكنَّهم لا يقدرونَ أنْ يَمْحوا تَعليقَ مَتَّى عليها إذْ إنَّهُ استخدمَ الكلمة "بارثينوس" (Parthenos) والتي تَعني: "عذراء". فقد كانَ مَتَّى يَعرفُ معناها، حتَّى لو لم يكونوا يَعلمون. ومِنَ الصَّعبِ أنْ تَتجاهلَ الولادةَ العذراويَّة في حين أنَّ الكتابَ المقدّسَ يقول مِرارًا وتَكرارًا إنَّ السيِّدة مَريم لم تَعْرِف رَجُلاً. فلماذا يريدونَ أنْ يُجادلوا بشأنِ الكلمة "أَلْما" في إشعياء 7: 14؟ لِمَ لا يُصْغونَ إلى تعليقِ اللهِ عليها؟

إنَّ خَلفيَّةَ نُبوءة إشعياء بسيطة جدًّا. فقد كانَ الملكُ آحاز خائفًا مِنْ أنْ تُدَمَّرَ مملكة يهوذا على يَدِ أشور وإسرائيل. وكانَ آحاز يَجلسُ في المملكة الجنوبيَّة ويَشعر بالقلق مِنَ المملكة الشماليَّة بسببِ إسرائيلَ مِنْ جِهَة، وبسببِ أشور مِنْ جِهَة أخرى. فقد كانَ خائفًا مِنْ زَحْفِهِم عليه وَقَتْلِ النَّسْلِ المَلَكِيّ. لِذا فقد كانَ خائفًا حقًّا على فُقْدانِ النَّسْلِ المَلَكِيّ.

لِذا فقد قالَ لَهُ الله: "دَعْني أُعطيكَ وَعْدًا. لن يحدث أيّ شيء للنَّسْلِ المَلكيِّ. ولن يتمكَّنَ أحدٌ مِنَ القضاءِ على النسلِ المَلكيّ. وإليكَ علامة: "هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا". فهو يقولُ لَهُ: "إذا نَظَرْتَ إلى المُستقبَل، ستَرى أنَّ فَتاةً عَذراءَ ستَحبل وتَلِد ابنًا، وأنَّ هذا الابْنَ سيَحفظُ نَسْلَ داود إلى الأبد".

وقد جاءَ يسوعُ إلى العالمِ تَحقيقًا للنُّبوءةِ الَّتي أعطاها إشعياءُ لآحاز لكي يُبَيِّنَ أنَّ اللهَ سيَحفظ وَعْدَهُ، وأنَّ عَرْشَ داود لن يَسقُط يومًا إلى أبدِ الآبِدين وَدَهْرِ الدَّاهِرين. لِذا، فقد تَمَّ توضيحُ الحَبَلِ العَذراويّ.

وبالمُناسبة، "وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" الَّذِي تَفْسِيرُهُ [ماذا؟]: "اَللهُ مَعَنَا". والحَرْفان الأخيران مِنَ الكلمة "عِمَّانوئيل" يُلْفَظان "إيل" (El)؛ وَهُوَ اسْم مِنْ أسماءِ اللهِ: "إيْل". فهناكَ "إيل شَدَّاي" (El Shaddai)، وإيل إيليون" (El Elyon) و "إيل مِقدِّشكيم" (El Meqoddeshkim)، وغيرُها مِنَ أسماءِ اللهِ الَّتي تبتدئ بالكلمة "إيلْ". والكلمة "عِمَّانو" (Immanu) تَعني: "مَعَنا". اللهُ مَعَنا.

والآن، قد تقول: "ولكِنَّهم لم يَدْعوهُ يومًا "عِمَّانوئيل". لا. فهذا ليسَ لَقَبًا لَهُ ولا اسْمًا، بل هُوَ وَصْفٌ لَهُ. وغالبًا، لا يكونُ اللَّقَبُ هو الاسمُ بالضَّرورة. فقد كانَ يُلَقَّبُ بألقابٍ كثيرة. وهو يُدعى أيضًا: "عِمَّانوئيل". لِذا، فقد رأينا توضيحَ الحَبَلِ العَذراويِّ ورَبْطَهُ بالتَّاريخِ الماضي.

خامسًا، اكْتِمال الحَبَل العَذراويّ. فنحنُ نقرأ في العدد 24: "فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ، وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ". ألا تَعتقدونَ أنَّ هذا الأمرَ كانَ رائعًا؟ وألا تَعتقدونَ أنَّ تلكَ الغَفْوة كانت أفضلَ غَفْوة حَصَلَ عليها يوسُف؟

فعندما استيقظَ، كانَ الضَّبابُ كُلُّهُ قدِ انْقَشَع. "لن أحصل فقط على مَريم. فالأمرُ لن يتوقَّفَ فقط على زَواجي مِنْ مَريم، بل إنَّني سأحصل أيضًا على ابنِ الله". ولا شَكَّ في أنَّهُ كانَ رَجُلاً صالحًا. فهل تَتخيَّلونَ أنَّ اللهَ القَديرَ خَالِقَ الكَوْنِ يَضَعُ ابْنَهُ في بيتِ رَجُلٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لن يكونَ أبًا صالحًا؟ هل تَتخيَّلونَ ذلك؟ وأنا حزينٌ لأنَّ الكِتابَ المقدَّسَ لا يُخبرُنا المزيدَ عن يوسُف. ولا بُدَّ أنَّهُ ماتَ قبلَ أنْ يَموتَ يَسوع لأنَّهُ لا يَظهر في أيِّ مكان.

وعلى الصَّليب، هل تَذكرونَ ما الَّذي قالَهُ يسوع؟ لقد نَظَرَ إلى يُوحَنَّا الحبيب، ونَظَرَ إلى مَريم، وقال: "يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ". وقالَ ليوحنَّا: "هُوَذَا أُمُّكَ". وكما تَرَوْنَ، فقد أَوْكَلَ إلى شخصٍ ما مُهِمَّةَ الاعتناءِ بها. فهو ذاهبٌ. ولا شَكَّ في أنَّ يوسُفَ كانَ قد ماتَ منذُ وقتٍ طويل.

فنحنُ لا نَعرِف الكثير عن يوسُف، ولكن يمكنني أن أتخيَّل أنَّهُ كانَ رَجُلاً رائعًا لأنَّني أَعلمُ أنَّ اللهَ لا يمكن أنْ يَضَعَ ابْنَهُ الوحيدَ في بيتِ رَجُلٍ لن يكونَ أبًا صَالِحًا ومُحِبًّا. لِذا، لا بُدَّ أنَّهُ كانَ رَجُلاً رائعًا لكي يتعاملَ معَ ابْنٍ رائع. وهل تَتخيَّلونَ، أيُّها الآباءُ، الإحباطَ النَّاجِمَ عن ذلك؟ "لا يا أبي، يجب أن تقومَ بهذا الأمر هكذا".

وعندما أَذهبُ إلى السَّماء، هناكَ شخصان أَوَدُّ أنْ ألتقيهما: يوسُف ومَريم. ألا تَرغبونَ في ذلك؟ فليُباركِ اللهُ قلبَ يوسُف. ويا لهُ مِن فَرَحٍ حينَ استيقَظَ. فقد أَخَذَ مَريم، وتَزَوَّجا رَسميًّا، وأقامَا حَفْلَ الزِّفاف. ولكنَّ الاتِّحادَ بينهما لم يحدث إلَّا بعدَ أنْ وُلِدَ يَسوع. فهو "لَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ". ثُمَّ إنَّهُ فَعَلَ ما أَوْصَاهُ بهِ الملاك. فما الَّذي قالَهُ لهُ الملاك؟ "وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوع".

إذًا، فقد اكتَمَلَ الحَبَلُ العَذراويُّ. فقد تَمَّ الزَّواجُ، ولكنَّهُ لم يَلْمَسَ مَريم جسديًّا إلَّا بعدَ أنْ وُلِدَ ذلكَ الطِّفل. وهناكَ ملاحظة مُهمَّة. فالناسُ يقولون: "هل تعتقد أنَّهما أَنْجَبا أبناء آخرين؟" أنا أَعلمُ أنَّهما أَنْجَبا أبناء آخرين. والكتابُ المقدَّسُ يَذكرُ لنا أسماءَ الأبناءِ الآخرين. وإنجيل يوحنَّا والأصحاح السَّابع يتحدَّث عن إخوةِ يسوع.

ولكن هناك ملاحظة صغيرة مُهمَّة هنا. ففي العدد 25، يَقولُ النَّصُّ اليونانيُّ حَرفيًّا: "وَلَمْ يَدْخُلْ بِها حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ". والمعنى المقصود هو أنَّهُ بعدَ أنْ أَنْجَبَت ابنها البِكْرَ، اتَّحَدَ بها جسديًّا. فهذا هو معنى النَّصِّ اليونانيّ. فقد كانا يتمتَّعان بعلاقة طبيعيَّة جَسديًّا. وقد وأنْجَبا أبناء آخرين.

إنَّ الحَبَلَ الخارقَ للطبيعة ليسوعَ هو الطريقة الوحيدة لتفسيرِ الحياةِ الَّتي عاشَها. وقد سألَ شخصٌ أحدَ المؤمنينَ المسيحيِّين: "لو قلتُ لكَ إنَّ طفلاً قد وُلِدَ اليومَ في المدينة هُناك في ذلكَ المستشفى مِن دونِ أبٍ بَشريٍّ، هل ستُصدِّقُني؟" فأجابَ المُؤمِنُ: "أجل، إنْ عاشَ كما عاشَ يسوع". وهذه هي الحقيقة.

ففي بداية حياته، قالَ اليهودُ إنَّ يَسوعَ هو ابنُ رَجُلٍ أَغْوى مَريم. وفي نهاية حياتِهِ، قالوا إنَّ التَّلاميذَ سَرقوا جُثَّةَ يسوع وزَوَّروا قيامَتَهُ. ومَتَّى يَبتدئُ بالرَّدّ على التُّهمة الأولى، ويَخْتِمُ إنجيلَهُ بالرَدِّ على التُّهمة الثانية. وَهُوَ يَرُدُّ في الأجزاءِ المُتَبَقِّية على التُّهَمِ الأخرى الَّتي وُجِّهَتْ إلى رَبِّنا الحَبيب يسوعَ المسيح.

فهو ليسَ سِوى الله الظَّاهِر في جسدٍ بشريٍّ. ومَتَّى يُخبرُنا أنَّهُ جاءَ ليَسْكُنَ بينَ المَرضي ويَشفيهم. وقد جاءَ ليسكنَ بينَ المُتَسَلِّط عليهم إبليس ويُحرِّرَهُم. وقد جاءَ ليسكنَ بينَ المساكينِ بالرُّوح ويُبارِكَهُم، وبينَ المَهمومينَ ليُحَرِّرَهُم مِنَ الهَمِّ، ومعَ البُرْصِ لِيُطَهِّرَهُم، وبينَ أصْحابِ العِلَلِ لِيَشفيهم، وبينَ الجائعينَ ليُطعِمَهُم، وبينَ المَشلولينَ لِيَرُدَّ إليهم عَافِيَتَهُم. ولكِنْ فوقَ الكُلِّ، فإنَّهُ يقولُ إنَّهُ جاءَ ليَسكنَ بينَ الضَّالينَ لكي يَرُدَّهُم وماذا؟ يُخَلِّصَهُم.

عِمَّانوئيل، اللهُ مَعَنا. فاللهُ الغَنِيُّ بلا حدودٍ افْتَقَرَ لأجلِنا، وأخذَ طبيعتَنا البشريَّة، وجاءَ إلى أرضِنا المُلَوَّثَةِ دُوْنَ أنْ يَتَلَوَّثَ بِها، وحَمَلَ خَطايانا، وحَمَلَ هُمومَنا، وحَمَلَ أحزانَنا، وَجُرِحَ لأجلِ آثامِنا، وَسُحِقَ لأجلِ تَعَدِّياتِنا، ومَضى إلى السَّماءِ لكي يُعِدَّ لنا مَنْزِلاً، وأَرسلَ رُوْحَهُ لِيَسْكُن في قُلوبِنا. وَهُوَ الآنَ يَشْفَع فينا. وَهُوَ سيعودُ ذاتَ يومٍ لكي يأخُذَنا مَعَهُ. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ الرَّسولَ بولسَ يقول: "لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بماذا؟ بِفَقْرِهِ". دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، ما أعجبَ وما أَغربَ أنَّ يسوعَ وُلِدَ وصارَ اللهَ الإنسان. إنَّها مُعجزةُ المُعجِزات. فقد وُلِدَ ليصيرَ إنسانًا معَ أنَّهُ الله. نَشكركَ على هذا الدَّرسِ أيضًا، يا أبانا، لأنَّكَ حينَ تريدُ أنْ تَعْمَلَ عَمَلَكَ الخاصَّ، وعَملكَ العظيمَ، وعملكَ الخارق للطبيعة، وعملكَ المُعجِزيَّ، فإنَّكَ تَختارُ دائمًا أُناسًا مُتواضعينَ، وأمناء، ويَثِقونَ بِكَ، وأتقياء مِثْلَ مَريم ويوسُف. ونحنُ نَشكركَ لا فقط على لاهوتِ الحَبَلِ العَذراويِّ، بل أيضًا على المَثَلِ الَّذي قَدَّمْتَهُ لنا عَمَّا يَحدثُ حينَ استَخدمَ اللهُ شَخْصَيْنِ بَسيطَيْن. وليتَنا نكونُ أبرارًا مِثْلَهُما، ونافِعيْنَ مِثْلَهُما في ما تريدُ أنْ تَفعلَهُ اليومَ في عالَمِنا في الإعلانِ عن نفسِك.

ونحنُ نَشكركَ لأنَّكَ اختَرْتَ الضُّعَفاءَ لِتُخْزي الأقوياء. ونَشكركَ لأنَّهُ بالرَّغمِ مِنْ أنَّنا لا نَمْلِكُ شيئًا نُقَدِّمَهُ، فإنَّكَ تَستخدِمُنا. ويا لَهُ مِنْ سِرّ! وليتَ كُلَّ الأشخاصِ الحاضِرينَ هنا يُدركونَ أنَّ الربَّ الحبيب يسوعَ جاءَ ليُخَلِّص النَّاس مِن خطاياهم. وَلَيْتَهُمْ مِن خلالِ مَعرفتهم هذه يَصيرونَ مُتواضِعينَ، وخاضِعينَ، وأُناسًا مُتَّكِلينَ عليكَ، وأُناسًا مُتَاحِيْنَ يُمكنُكَ أنْ تَستخدِمَهُم المَرَّة تِلْوَ الأخرى للقيام بعملِك في هذا العالم. نُعْطيكَ كُلَّ المَجْد. باسْمِ يسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize