Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افْتَحوا كِتابَكُم المقدَّسَ ولننظُر إلى الأصحاحِ الثَّاني مِن إنجيل مَتَّى. إنجيل مَتَّى والأصحاح الثَّاني. ويا لَهُ مِن وقتٍ رائع نَصْرِفُهُ في دراسةِ إنجيل مَتَّى. والحقيقة هي أنَّ تَجاوُبَكُم مِنْ خلالِ حُضورِكُم إلى هُنا بهذا التَّرَقُّب هو مَصْدَرُ فَرَحٍ لقلبي. والحقيقة هي أنَّ هذا السِّفْرَ سيَصيرُ أفضلَ وأفضلَ وأفضلَ خِلالَ دراسَتِنا لَهُ لأنَّنا سنَبْني خَلفيَّةً أعمقَ وأعمق في فَهْمِنا لَهُ. وهذا كَفيلٌ بأنْ يَكْشِفَ غِنى هذا النَّصِّ لنا.

إنَّهُ سِفْرٌ رائعٌ بِكُلِّ مَعنى الكلمة. وهو حقًّا البداية القويَّة لِكُلِّ العهد الجديد. وقد قَصَدَ الرُّوحُ القُدُسُ أنْ يَضَعَهُ في مُقدِّمةِ العهد الجديد.

إنَّ الفِكرة الرئيسية للعهد الجديد، كما تَعلمونَ جَيِّدًا، هي: يسوعُ المسيح. فهو الفكرة الرئيسية للعهد الجديد. وبصورة خاصَّة، إنَّهُ موضوعُ الأناجيلِ الأربعة (كما تُسَمَّى) والتي تأتي في مُقدِّمةِ العهد الجديد (أيْ إنجيل مَتَّى، ومَرْقُس، ولوقا، ويوحنَّا). وكُلُّ واحدٍ مِن هذه الأناجيل، أو بالأحرى: كُلُّ واحدٍ مِن هؤلاءِ البَشيرين، يَكْتُبُ وَصْفًا ليسوعَ المسيح بطريقة فريدة. ومعَ أنَّهم الأربعة جميعًا يَتحدَّثونَ عن حياتِه، فإنَّ كُلًّا مِنهم يتحدَّث عنها بأسلوبٍ فريدٍ جدًّا جدًّا، ومِنْ مَنظورٍ فريدٍ جدًّا جدًّا. ففي إنجيل مَتَّى، إنَّهُ صَاحِبُ السِّيادة الَّذي يأتي ليَمْلِك ويَحْكُم. وفي إنجيل مَرقُس، إنَّهُ الخادِمُ الَّذي يأتي ليَخدِمَ ويتألَّم. وفي إنجيل لوقا، إنَّهُ ابنُ الإنسانِ الَّذي يأتي ليُشارِك ويَتعاطَف. وفي إنجيل يوحنَّا، إنَّهُ ابنُ اللهِ الَّذي يأتي ليُعلِن ويَفدي. وكُلُّ واحدٍ مِنَ البَشرينَ يَنْظُرُ إلى شخصِ يسوعَ المسيحِ بطريقة خاصَّة جدًّا. وكما تُلاحظون، هناكَ مَزْجٌ رائعٌ كَما رأينا. ففي إنجيل مَتَّى، إنَّهُ المَلِك. وفي إنجيل مَرقُس، إنَّهُ الخادِم. لاحِظوا التَّبايُنَ الصَّارِخ. فهو المَلِك. وهو الخادِم. إنَّهُما نَقيضان. ثُمَّ نأتي إلى نفسِ هذا النَّوعِ مِنَ التَّبايُنِ الصَّارخِ في الإنجيلَيْنِ الأخيرَيْن. ففي إنجيل لوقا، إنَّهُ ابنُ الإنسانِ. وفي إنجيل يوحنَّا، إنَّهُ ابنُ الله. فَهُما نَقيضان: الإنسانُ والله. المَلِكُ والعَبْد. لِذا فإنَّ أبعادَ شخصيَّة يسوعَ المسيح تَملأُ كُلَّ المِساحة بينَ الاثنين في كِلتا الحالَتَيْن: اللهُ صاحِبُ السِّيادة، والإنسانُ العَبْد، وكُلُّ شيءٍ بينَ الاثنين مَاثِلٌ فيه. وهذا هو المبدأُ الكامِنُ وراءَ التُنَوُّعِ في الأناجيلِ الأربعة.

ونحنُ نَعلمُ أنَّ مَتَّى يُقَدِّمُ يسوعَ بوصفِهِ مَلِكًا وبوصفِهِ صاحبِ السِّيادة. فَكُلُّ شيءٍ في إنجيل مَتَّى يُركِّز على جَلالِهِ، وعلى سِيادَتِه، وعلى شَخصيَّتِه العظيمة بوصفِهِ مَلِكًا، وبوصفِهِ صاحِبَ الحَقِّ في المُلْك، وبوصفِهِ المسيَّا، أيِ المَمسوح، وبوصفِهِ المَلِكَ الَّذي وَعَدَ اللهُ بمجيئه. والحقيقة هي أنَّ الجُملة الافتتاحيَّة في إنجيل مَتَّى تُقَدِّمُ لكم المِفتاح. ولعلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في الأصحاحِ الأوَّل والعدد الأوَّل: "كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ". كِتَابُ سِلْسِلَة نَسَب يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيم. وبطبيعةِ الحال، كانَ داودُ المَلِكَ العَظيم. وكانَ داودُ هوَ الَّذي ابتدأَ النَّسْلَ المَلَكِيَّ. لِذا فإنَّ مَتَّى يُرَكِّزُ منذُ البداية على أنَّ يسوعَ المسيحَ جاءَ مِنْ نَسْلِ داوُد. فقد جاءَ في الأصل مِنْ إبراهيم مِنْ جِهَةِ العِرْقِ اليهوديِّ، وجاءَ مِنْ نَسْلِ داود؛ الأمر الَّذي أعطاهُ الحَقَّ في أنْ يَمْلِكَ ويَحْكُم. لِذا فإنَّ بدايةَ إنجيل مَتَّى هي بداية فريدة. فلا يوجد إنجيلٌ آخر يَبدأ بهذه الطريقة. ولكِنَّ مَتَّى يَبدأ بهذه الطريقة لأنَّهُ يُقَدِّمُ يَسوعَ بوصفِهِ مَلِكًا. لِذا فإنَّ مَتَّى يَتَتَبَّعُ نَسْلَ الربِّ مِنْ إبراهيم مِنْ خِلالِ النَّسْلِ المَلَكِيِّ لداود.

والآن، لقد أخبرتُكُم للتوّ أنَّ مَرقُس يُقَدِّمُ يَسوعَ بوصفِهِ خادِمًا. ولأنَّ مَرقُسَ يُقَدِّمُهُ بوصفِهِ خادمًا، فإنَّهُ لا يَذكرُ سِلسلةَ نَسَبِهِ قَطّ لأنَّ نَسْلَ الخادِمِ ليسَ مُهِمًّا. لِذا فإنَّنا لا نَجِدُ أيَّ سِلسلةِ نَسَبٍ البَتَّة في إنجيل مَرقُس.

ولوقا يُقَدِّمُهُ بوصفِهِ ابنَ الإنسان. وحيثُ إنَّ لوقا يُقدِّمُهُ بوصفِهِ ابنَ الإنسان، فإنَّهُ يُرْجِعُ سِلسلةَ نَسَبِهِ إلى الوراءِ مُبْتَدِئًا بآدَم لأنَّ لوقا يُريدُ مِنَّا أنْ نَعلمَ أنَّهُ إنسانٌ مِنْ صُلْبِ أوَّلِ إنسان؛ أيْ: آدَم.

ويوحنَّا، الإنجيلُ الرَّابعُ الَّذي يُقَدِّمُ المسيحَ بوصفِهِ ابنَ اللهِ، يَتَخَطَّى كُلَّ سَلسلةِ النَّسَبِ البشريَّةِ ويقولُ ببساطة: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ". لِذا فإنَّهُ يَرْجِعُ مُباشرةً إلى الأزَلِ ويؤكِّدُ أنَّ المسيحَ موجودٌ مِنَ الأزَل.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّنا نَجِدُ في كُلِّ واحدٍ مِنَ الأناجيل انْسجامًا بينَ الجانبِ الَّذي يُرَكِّزُ عليهِ وسِلسلةِ النَّسَب. لِذا فإنَّنا نَرى في إنجيل مَتَّى أنَّ يسوعَ هُوَ المَسِيَّا المَلِك. فهو المَلِكُ المَمْسوح. لِذا فقد جاءَ إلينا مِنْ نَسْلِ داوُد.

وقد تَتَبَّعْنا الأصحاحَ الأوَّلَ ورأينا أنَّ النَّسلَ المَلَكِيَّ يأتي مِن خلالِ داود، ومِن خلالِ يوسُف ومَريم، وأنَّ يسوعَ وُلِدَ، وأنَّهُ وُلِدَ وكانَ يَمْلِكُ الحَقَّ في المُلْك. ولو كانَ هناكَ مَلِكٌ لليهودِ في تلك الأيَّام، لكانَ يسوعُ المسيحُ مَلِكًا على إسرائيل بالولادة. فقد جاءَ مِن ذلكَ النَّسْل. وهذا هو التَّرْكيزُ في الأصحاحِ الأوَّل إذْ إنَّ مَتَّى يؤكِّدُ حقيقةَ أنَّهُ مَلِك. وقد أَشَرْنا إلى كُلِّ تَفْصيلٍ يَختصُّ بولادَتِهِ مِنْ عذراء. ففي كُلِّ تَفصيلٍ دقيق، هناكَ تَركيزٌ على أنَّهُ يَمْلِكُ الحَقَّ في التَّرَبُّعِ على عَرْشِ داوُد.

وبعدَ أنْ بَيَّنَ مَتَّى أنَّ المسيحَ هُوَ المَلِك مِنْ خلالِ نَسَبِه، فإنَّهُ يُعيدُ في الأصحاحِ الثَّاني التَّأكيدَ على أنَّهُ مَلِكٌ مِنْ خلالِ حقيقة أنَّ أُناسًا مُعَيَّنينَ جاءوا لزيارَتِهِ بوصفِهِ مَلِكًا. ومَتَّى يقولُ لنا: "إنْ كانَ يسوعُ مَلِكًا، يجب أنْ يكونَ ذلكَ واضحًا مِنْ خلالِ نَسَبِه. فيجب أنْ يكونَ ابْنَ مُلوك. وإنْ كانَ مَلِكًا، ينبغي أنْ يكونَ ذلكَ واضحًا مِنْ خلالِ تجاوبِ النَّاسِ مَعَهُ. لِذا فإنَّ مَتَّى يُخبرُنا في الأصحاحِ الثاني قِصَّةَ رِجالٍ حُكَماء مُعَيَّنين جاءوا لكي يُنادُوا بأنَّ يسوعَ هُوَ مَلِكٌ حَقًّا، ولكي يَسْجُدوا عندَ قَدَمَيْه ويَعبُدوهُ بوصفِهِ مَلِكًا. وهذا أيضًا جُزءٌ مِنَ الشَّيءِ الَّذي يُرَكِّزُ عليهِ مَتَّى. فهو مَلِكٌ بسببِ سِلسلةِ نَسَبِه. وَهُوَ مَلِكٌ بسببِ جَلالِهِ المُلوكيِّ الظَّاهِر. وقد حَصَلَ على القَبولِ والتَّكريمِ والإعلانِ مِنْ خلالِ عَمَلِ وجُهْدِ هؤلاءِ المَجوسِ الَّذينَ جاءوا وجَلَبوا لَهُ هدايا مُعَيَّنة.

والآن، ما الَّذي نَتعلَّمُهُ مِن هؤلاءِ الرِّجالِ الحُكَماء؟ هناكَ أمورٌ مُدهشة ينبغي أنْ نَعرفها عنهم. وقد تحدَّثنا عنها. ولن نَفعلَ ذلكَ مَرَّةً أخرى. وسوفَ أكتفي بتذكيركم بإيجازٍ شديد ببعضِ الأشياء. فسوفَ تُلاحظونَ أنَّ العددَ الأوَّلَ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني يقول: "إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا". والكلمة "مَجوس" هُنا هي كلمة لا يُمْكِنُ أنْ تُتَرْجَم. فهي الكلمة "ماجاي" (Magi). وهي ببساطة لَقَبٌ كانَ يُطْلَقُ على قبيلةٍ كَهَنوتيَّة بالوِراثة مِنْ بينِ الشَّعبِ الَّذي كانَ يُعْرَفُ باسم المَادِيِّين. وقد كانَ المادِيُّونَ شَعبًا كبيرًا. وكانوا يَتألَّفونَ مِن مجموعات عديدة. وواحدة مِنَ المجموعات هي جماعةُ المَجوس. وقد كانوا كَهَنَة بالوِراثة. وقد كانوا كَهَنَة رَفيعي المُستوى بينَ المادِيِّينَ؛ على غِرارِ الكَهَنة اللَّاوِيِّينَ بينَ اليهود. وقد وَصَلوا إلى المَناصِبِ العالية بِسببِ حِكمتِهم، وبسببِ قُدراتهم السِّحريَّة الخارقة، وبسبب مَعرفتهم بالتَّنْجيمِ وعِلْمِ الفَلَك. وقد ارْتَقَوْا وَصاروا مُستشارينَ للمُلوكِ في قُصورِ بابِل، وفارِس، ومَادي. لِذا فقد كانوا يَعملونَ في أعلى المَناصِب.

وقد بَلَغوا مَكانَةً عاليةً جدًّا في الحقيقة حَتَّى إنَّهُ لم يَكُن هناكَ مَلِكٌ يَتَرَبَّعُ على العَرْشِ في إمبراطوريَّة فارِس أو في الأمبراطوريَّة البَارْثِيَّة ما لم يَكُنْ مُتَبَحِّرًا في شَريعتِهم الَّتي كانت تُعْرَفُ بشريعةِ مادي وَفارِس. ولم يكن أيُّ مَلِكٍ يَتربَّعُ على العَرْشِ ما لم يُوافِقوا عليه. لِذا، فقد كانوا، كما رأينا، صُنَّاع المُلوكِ الرَّسْمِيِّينَ في الإمبراطوريَّة العظيمة الواقعة إلى الشَّرقِ مِن إسرائيل. وقد كانَ عَمَلُهُم يَقتضي أنْ يُمَيِّزوا المُلوكَ وَيُتَوِّجوهُم. وقد عَمِلوا في قُصورِ المُلوكِ سنواتٍ وسنواتٍ وسنوات، بل مِئاتِ السِّنين. وقد كانوا صُنَّاعَ المُلوكِ الرَّسْمِيِّينَ في الشَّرْق. وكَمْ هُوَ مُدهشٌ أنَّ صُنَّاعَ المُلوكِ الشَّرقيِّينَ الرَّسميِّينَ هؤلاء وَجَدوا طَريقهم إلى بيتِ لحم لِتَكريمِ ذاكَ الَّذي وُلِدَ؛ أيِ الربَّ يسوعَ المسيح؛ أيْ لِتَكريمِهِ بوصفِهِ مَلِكًا.

لِذا فإنَّ مَتَّى يُوَضِّحُ هذه النُّقطة مَرَّةً أخرى. فهو مَلِكٌ مِن خلالِ نَسَبِه. وَهُوَ مَلِكٌ مِنْ خلالِ الاعترافِ بِهِ. ومِنَ العَجيبِ أنَّهُ اعْتِرافٌ مِنْ قِبَلِ الأُمَمِ، لا مِنَ اليهود. فهو اعترافٌ مِنْ قِبَلِ صُنَّاعِ المُلوكِ الرَّسميِّينَ القادِمينَ مِنَ الشَّرْق. وأودُّ أنْ أُضيفَ هذه المُلاحظة لِتَذكيرِكُم بما قُلناه. فقد تقول: "مِنْ أينَ حَصلوا على المَعلوماتِ عنه؟" وقد قلتُ لكم إنَّهُ في سنة 586 قبلَ الميلاد، أيْ قبلَ أكثر مِنْ 500 سنة مِن ولادة المسيح، تَمَّ سَبْيُ بني إسرائيل إلى بابل. أتَذكرون؟ فقد تَمَّ سَبْيُ بني إسرائيل إلى بابل، إلى ذلكَ الجُزءِ مِنَ العالَم. وعندما كانوا هناك، أَخبروا هؤلاء النَّاس، أيْ أخبروا هؤلاءِ البابليِّين، وهؤلاءِ الماديِّين، وهؤلاءِ الفُرْس الَّذينَ كانوا يَتعايشونَ معًا في تلك المنطقة، أخبروهم عنِ المَلِكِ الَّذي سيولَد. والحقيقة هي أنَّ واحدًا مِن هؤلاءِ اليهود ارْتَقى إلى أعلى المَناصِب. وَمَنْ هُوَ؟ دانيال.

ونَقرأُ في سِفْر دانيال 5: 11 أنَّ دانيالَ صارَ كَبيرَ المَجوس. ولا شَكَّ في أنَّ نَبِيَّ اللهِ العظيم هذا قد أخبرَهم عن الملكِ الآتي. لِذا فقد كانوا مُستعدِّينَ لهذا. وقد كانوا يَترقَّبون ويَنتظرونَ عَبْرَ السِّنين مَجيءَ هذا الشَّخصِ العظيم إلى السَّاحة. وقد قاموا بتوصيلِ هذه المعلومات. وعندما جاءَ مِلْءُ الزَّمان، كانوا جَاهِزينَ لرؤيتِه بوصفِهِ مَلِكًا والاعترافِ بِه.

وقد أَضَفْنا مُلاحظةً أخرى أَوَدُّ أنْ أُذَكِّرَكُم بها. فقد كانت هناكَ قُوَّتان عظيمتان في العالَمِ آنذاك. فقد كانت القُوَّةُ الجديدة في الشَّرق هي إمبراطوريَّة فارِس الَّتي كانت تُسَمَّى آنذاك "الإمبراطوريَّة البَارْثِيَّة". وقد كانت تلك قُوَّة جديدة بِمَعنى مِنَ المَعاني. فمعَ أنَّهُمْ كانوا ذاتَ يومٍ قُوَّةً عُظمى في العالم، كانوا يُحاولونَ أنْ يُعيدوا تأكيدَ مَكانَتِهم. وقد كانتِ القوَّة العُظمى في الغَرْب هي مَنْ؟ رُوما. وقد كانت رُوما تُهَيْمِنُ حَقًّا على كُلِّ شيء.

لِذا، في الغَّرب (أي إلى الغَربِ مِن أرضِ إسرائيل)، في تلك القارَّة الأوروبيَّة العظيمة وكُلِّ مكانٍ آخر، بما في ذلكَ إسرائيل والأراضي الشَّرقيَّة مِنها، كانت رُوما هي المُسيطرة. ولكِنَّ الشَّرقَ كانَ دائمًا في حالةِ هَيَجان، ويريدُ دائمًا أنْ يُشْعِلَ ثَوراتٍ، وأنْ يُشْعِلُ دائمًا حُروبًا صغيرةً هُنا وهناك. لِذا فقد كانَتْ هناكَ هذه العداوة الشَّديدة بينَ الغَربِ والشَّرق.

ونتيجة لذلك، كانت إمبراطوريَّة الشَّرق تَبحثُ عن مَلِك. فقد كان لديهم مَلِك يُدعى "فريتيس الرَّابع" (Phraates IV)، ولكِنَّهُ خُلِعَ لأنَّهُ لم يكن مُحَنَّكًا. وقد كانوا يَبحثونَ عن مَلِك. لقد كانوا يبحثونَ عن مَلِك. وعندما جاءَ هؤلاءِ المجوس، عندما جاءوا، أوِ الحقيقة هي أنَّ هؤلاءِ المجوس شَعَروا أنَّ هذا هو المَلِك الحقيقيّ الَّذي كُنَّا نبحثُ عنه. أو رُبَّما كانَ هذا هو المَلِك الَّذي يُمْسِكُ زِمامَ الأمور ويكونُ المَلِكَ الذي لا يُقْهَر الَّذي نَحْنُ بحاجة إليه، ولَعَلَّهُ يَقودُنا ضِدَّ العَدُوِّ الرُّومانيِّ فنتمكَّنُ مِنَ استعادةِ العالَمِ الَّذي كُنَّا نُحْكِمُ السَّيطرةَ عليهِ في وقتٍ مِنَ الأوقات. فقد جاءَ وقتٌ حَكَمَ فيهِ البابليُّونَ والماديُّونَ والفُرسُ العالَمَ. لِذا فقد كانوا يَبحثونَ عن مَلِك. فَضْلاً عن ذلك، أعتقد أنَّ هؤلاءِ المجوس كانوا يَبحثونَ عَمَّا هو أكثر مِنْ مَلِك. فأنا أعتقد أنَّهم كانوا يَخافونَ اللهَ حَقًّا. وأعتقد أنَّهم رَأَوْا لا فقط البُعْدَ السِّياسيَّ، بل أعتقد أنَّهم رأَوْا البُعْدَ الدِّينيَّ أيضًا. فأعتقد أنَّهم كانوا يُدركونَ أنَّ هذا العَمَلَ الإلهيَّ خارقٌ للطبيعة في أنْ يأتي بهذا المَلِكِ المَمْسوحِ الَّذي تَنَبَّأَ عنهُ العهدُ القديم.

لِذا، أعتقدُ أيضًا أنَّهُ كانت لَهُم مَطامِحُ سياسيَّة ومَطامِحُ رُوحيَّة في أذهانِهم أيضًا. لِذا فقد جاءوا عندما عَلِموا أنَّ المَلِكَ سيُولَد عندما أَعلنَ اللهُ لهم ذلك مِن خلالِ الإشعاعِ البَديعِ لِمَجْدِ الشَّكينة في السَّماءِ في الشَّرق. وَمِنَ الواضِحِ أنَّهُم رَبَطوا ذلكَ الأمرَ بالأسفارِ المقدَّسَةِ الَّتي تَعَلَّموها مِنْ دانيال ويهود آخرين، فما كانَ مِنهم إلَّا أنْ انطلقوا حالاً وذهبوا إلى أورُشليمَ مِنْ مُنطلقِ إيمانهم بأنَّهم سيجدونَ هنا المَلِكَ السِّياسيَّ الَّذي كانوا يَترقَّبونَهُ، وأيضًا القائدَ الرُّوحيَّ الَّذي تَحَدَّثَ عنهُ دانيال واليهودُ الآخرون على مَدى مِئاتِ السِّنين.

لِذا فقد أَتَوْا إلى أورُشليم. وَهُمْ مَجموعة مِنْ صُنَّاعِ المُلوكِ الفُرسِ الرَّسْمِيِّينَ الَّذينَ جاءوا يَبحثونَ عن مَلِكٍ جديد. وهذا هو حقًّا ما يُريدُ مَتَّى منكم أنْ تَرَوْه. فيسوعُ المسيحُ هو مَلِك. وقد كانَ صُنَّاعُ المُلوكِ الشَّرقيِّينَ البَارِعينَ في تَمْييزِ المُلوكِ يَعْلَمونَ ذلك. والحقيقة هي أنَّ هؤلاءِ الأشخاصِ كانوا باكورةَ الأُمَمِ الَّذينَ جاءوا إلى المسيح. وبالمناسبة، فإنَّ العالَمَ اليهوديَّ لم يَكُنْ يَعْلَمُ ما يَجري على ما يَبدو. وهذا يَتَّفِقُ معَ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس إذْ نَقرأُ: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ [ماذا؟] لَمْ تَقْبَلْهُ".

في ضَوْءِ هذه الخَلفيَّة، نَأتي إلى خمسة أحداثٍ في المَسرحيَّة المذكورة في الأعداد 1-12. ولننظر إليها. فقد رأينا أوَّلاً: "الوُصول". وسوفَ نُراجِع ذلكَ بسرعة. فقد رأينا الوُصولَ في العَدَدَيْن 1 و 2 إذْ نَقرأ: "وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ...". ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّني قُلتُ لكم إنَّ هذه الكلمة تَعني "إشْرَاقَهُ" أوْ "شَكينَتَهُ"، أوْ "مَجْدَهُ". "...فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ»". فقد كانوا يَعلمونَ أنَّهُ مَلِكٌ فجاءوا ليسجدوا لَهُ بوصفِهِ مَلِكًا. وهذه هي شَهادةُ مَتَّى العظيمة. فَها هُوَ العالَمُ غيرُ اليهوديِّ مُمَثَّلاً في أعْظَمِ وَفْدٍ رَسْمِيٍّ مِنَ الشَّرْقِ إذْ كانوا صُنَّاعَ المُلوكِ في العالَم، ها هُمْ يُدركونَ أنَّهُ مَلِك.

وهل تَتَخَيَّلونَ الدَّمارَ الَّذي سَبَّبَهُ إنجيلُ مَتَّى في العالَمِ اليهوديِّ حينَ انْتَشَرَ أخيرًا في نحوِ سنة 50 ميلاديَّة وابتدأوا يَقرأونَ ما كَتَب؟ ولا سِيَّما حينَ قَرأوا أنَّ ذاكَ الَّذي صَلَبوهُ كانَ في الحقيقةِ قد حَصَلَ على القَبولِ مِنْ صُنَّاعِ المُلوكِ الرَّسميِّينَ في الشَّرْقِ بوصفِهِ مَلِكًا ... بوصفِهِ المَلِكَ الَّذي وَعَدَ اللهُ به. فَمَتَّى يَكْتُبُ حَقًّا كلماتٍ في الصَّميم لبقيَّةِ النَّاسِ الذينَ كانوا قد رَفَضوا يسوعَ المسيحَ حَتَّى الوقتَ الَّذي كَتَبَ فيهِ إنجيلَهُ فيقولُ لهم: "لقد كانَ مَلِكًا. لقد كانَ المَلِك".

ويُخْبِرُنا المُؤرِّخونَ أنَّهُ عندما وَصَلَ المَجوسُ فإنَّهم لم يكونوا ثلاثة أشخاص دَخَلوا المدينةَ على بعضِ الجِمالِ الهَرِمَة كما يَظْهَرُ في بطاقاتِ عيدِ الميلادِ المَجيد. فنحنُ لا نَعلمُ كم كانَ عَدَدُهم. فالبعضُ يقولُ إنَّهم كانوا اثني عَشَر، أو حتَّى أكثر. ولكنِّي لا أُبالي حَتَّى بتَخمينِ ذلك لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يُخبرنا عن ذلك. ولكِنْ كانت هناكَ مجموعة مِن صُنَّاعِ المُلوكِ الرَّسميِّينَ الَّذينَ دَخَلوا المدينةَ وَهُمْ يَرْتَدونَ قُبَّعاتٍ هَرَمِيَّة تَرتفعُ في الهواءِ وأشياء كبيرة تَتَدَلَّى إلى أسفلِ ذُقونِهم، وكانوا يَرْتَدونَ ثِيابًا فَضفاضَةً ويَمْتَطونَ خُيولاً فارسيَّة. ويُخبرُنا المُؤرِّخونَ أنَّهم جاءوا برفقةِ نُخْبَةٍ مِنَ الجَيْشِ الفارسيِّ. وعندما وَصَلوا إلى مدينةِ أورُشليم الصَّغيرة، كانوا الخَبَرَ الرَّئيسيَّ. صَدِّقوني! فقد كانوا الخَبَرَ الرَّئيسيَّ. فقد كانوا مجموعةً لها وَزْنُها.

وقد رأَوْا علامَةَ ابنِ الإنسانِ وجاءوا لكي يَسجُدوا لَهُ. والكلمة "يَسْجُد" هي حَرفيًّا: "بروسكونيئو" (proskuneo) ومَعناها: "يَجْثو لِيُقَبِّل". وقد كانت كلمة تُستخدم لوصفِ الطريقةِ الَّتي تَتَصَرَّف فيها أمامَ مَلِك. فأنتَ تَسْجُدُ وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْه. وقد صارت الكلمة "بروسكونيئو" في النِّهاية تَعني أيَّ مَوقِفٍ داخليٍّ يُعَبِّرُ عنِ التَّعظيمِ والتَّقديرِ لشخصٍ يَفوقُكَ مَكانَةً. فقد جاءوا لكي يَسْجُدوا لَهُ.

وبالمُناسبة، هناكَ نُقطة مُدهشة. فالكلمة "بروسكونيئو" تَعني: "يُقَبِّل قَدَمَيْ فُلان" أوْ "يَسْجُد لِيُقَبِّل" أو "يُقَبِّل بطريقة تَنُمُّ عنِ الإجلال". وعندما يَستخدِمُ العهدُ الجديدُ هذه الكلمة، فإنَّهُ يَستخدِمُها دائمًا للتَّعبيرِ عن شيءٍ إلهيٍّ حَقًّا أوْ يُفْتَرَض أنْ يكونَ إلهيًّا. وهي كلمة لا تَليقُ إلَّا بالله. فهي لا تَليقُ إلَّا بالله. ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ عندما هَمَّ يُوحَنَّا بالسُّجودِ للملاكِ في سِفْرِ الرُّؤيا، فإنَّ الملاكَ قالَ لَهُ: "انْهَضْ! لاَ تَسْجُد لي. اسْجُدْ لله. فَهُوَ الوَحيدُ الَّذي يَستحقُّ هذا السُّجود". ويقولُ "كيتيل" (Kittel) الَّذي كَتَبَ سِلسلةً رائعةً جدًّا لا مَثيلَ لَها مِنَ الدِّراساتِ المُختصَّة بالكلماتِ اليونانيَّة: "لقد كانَ سُجودُ المَجوسِ تَقْدِمَةً حقيقيَّةً لِمَلِكِ الكَوْن". فهي كلمة تُسْتَخْدَمُ فقط للحديثِ عنِ السُّجودِ لله. وعندما جاءوا، أعتقد أنَّهُمْ رَأَوْهُ في العدد الثَّاني لا فقط بِوَصْفِهِ مَلِكَ اليهودِ مِنَ النَّاحية السياسية، بل رَأَوْهُ أيضًا بوصفِهِ حَاكِمَ العالَم. وهذا يعني أنَّهُم رَأَوْا ما هو أكثر مِنْ بَشريَّتِه. فقد رَأَوْا لاهوتَهُ. وهذا لَفْظٌ يَستخدِمُهُ مَتَّى هُنا. وَهُوَ لا يُستخدَمُ في الكتابِ المقدَّسِ إلَّا عندَ الحديثِ عنِ السُّجودِ للهِ، سَواءٌ بصورة مُتَعَمَّدَة أو غير مُتَعَمَّدة. فهي كَلِمَة لا تُسْتَخْدَمُ إلَّا للإشارة إلى السُّجودِ لله.

والحقيقة هي أنَّ مَتَّى يُعَزِّزُ استخدامَ هذه الكلمة لاحقًا كَما سَنَرى في إنجيل مَتَّى والأصحاح الرابع في التَّعبيرِ عنِ الشَّيطان لأنَّ الشَّيطانَ سَألَ المسيحَ إنْ كانَ يُمْكِنُ أنْ يَسْجُدَ لَهُ وأنْ يَعْبُدَهُ. ولكِنَّ المسيحَ رَفَضَ قائلاً إنَّ هذا الأمرَ لا يَليقُ إلَّا باللهِ وَحْدِهِ لا سِواه.

وأنا أعتقدُ أنَّ المَجوسَ عَرَفوا المَلِكَ مَعرِفةً تَفوقُ السِّياسة. ولا أَظُنُّ أنَّني أُجَانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلت إنَّهُم عَرَفوا اللهَ وجاءوا لكي يَسْجُدوا لِما هُوَ أكثر مِنْ مَلِك. فقد جاءوا ليسجدوا للمَمْسوحِ الَّذي أَرْسَلَهُ اللهُ، ذاكَ الَّذي حَقَّقَ نُبوءاتِ العهدِ القديم؛ أيِ الربَّ يسوعَ المسيح الخارق للطبيعة.

إذًا، هناكَ الوُصول. ثُمَّ رأينا "الاضطرابَ" في العدد الثالث: "فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ". ونحنُ نَفهمُ ذلك. "وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ". فقد كانَ هيرودُسُ المَلِكَ آنذاك. وكانَ المَجوسُ قد جاءوا إلى المدينةِ وقالوا: "أينَ هوَ مَلِكُ اليهودِ الجديد". وقد كانَ رَدُّ فِعْلِهِ الأوَّل هو: "ماذا؟ أيُّ مَلِكٍ جَديد؟" وعندما جاءوا بِكُلِّ أُبَّهَتِهِم وعَرَفَ أنَّهُمْ صُنَّاعُ المُلوكِ الفُرس الرَّسميِّين، لم يُفَكِّر سِوى في أنَّهم سيَعثُرونَ على هذا الشَّخصِ ويُتَوِّجونَهُ مَلِكًا، وأنَّ هذا الشَّخصَ سيَتَرَبَّعُ على عَرْشِ الإمبراطوريَّة البَارثيَّة، ثُمَّ إنَّهُ سيَجتاحُ الغَربَ ويَخوضُ حَرْبًا على حدودِ إسرائيل، وأنَّهُم سيصيرونَ ضَحايا. وهيرودسُ الَّذي كانَ أَدومِيًّا، أيْ مِنْ أَدوم، والذي أُعْطِيَ سُلْطَتَهُ مِنَ الحُكومةِ الرُّومانيَّةِ لأنَّهُ تَوَدَّدَ إليهم، وَتَذَلَّلَ إليهم، وحَاكَ المُؤامراتِ، وَقَتَلَ أُناسًا، وارتكبَ جَرائمَ، وذَبَحَ أشخاصًا لكي يَشُقَّ طَريقَهُ إلى السُّلطة السياسيَّة، شَعَرَ بالذُّعرِ لأنَّهُ أَحَسَّ أنَّهُ سيَخسرُ عَمَلَهُ معَ أنَّهُ كانَ في عُمْرِ السَّبْعين، ومَريضًا، وعلى وَشْكِ الموت.

ولكِنَّهُ كانَ خائفًا. وقد أدَّتْ غَيْرَتُهُ وشَكوكُهُ ومَخاوِفُهُ إلى اضْطرابِه. فقد اضْطَرَب. والكلمة تَعْني: "اهْتَزَّ". فقد اهتزَّ حَقًّا. وقد اضطرَبَت كُلُّ أورُشليم مَعَه. وقد قلتُ لكم في المرَّة السابقة إنَّ السَّببَ في اضطرابِ أورُشليم معه هو أنَّهم كانوا يَعلَمونَ أنَّهُ مَجنون وأنَّهُم سيُعانون. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّني قلتُ لكم إنَّهُ وَضَعَ خُطَّةً جُهَنَّميَّةً قبلَ موتِه. فقد قال: "لن يَنوحَ عليَّ أحدٌ حينَ أموت. لذا، اجمعوا خِيْرَةَ الرِّجالِ في أرضِ إسرائيل، وأشرفَ القَوْمِ في مدينةِ أورُشليم واحبسوهم جميعًا. وعندما أموت، اقتلوهم جميعًا لكي يكونَ هُناكَ نَوْحٌ في المدينة حينَ أموت". فقد كانَ رَجُلاً مِنْ هذه النَّوعيَّة.

لِذا فقد اضطرَبوا لأنَّهم كانوا يَعلمونَ أنَّهُ إذا اضطربَ فإنَّهم سيَدفعونَ الثَّمن. والحقيقةُ هي أنَّهم دَفَعوه لأنَّهُ بعدَ وقتٍ قصير مِنْ هذه الأحداث، أَمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ الأطفالِ مِنْ عُمْرِ سَنَتَيْنِ فَما دُوْن في بيتِ لحم والمنطقة المُجاورة لها فَقَتَلَهُم جميعًا. لِذا، كانَ مِنْ حَقِّهم أنْ يَضطربوا. وهكذا فقد اضطربَ هيرودس.

والآنْ، لنُتابِعْ مِنْ حيث تَوَقَّفْنا في المَرَّة السَّابقة عند الآية الرابعة. وقد صَرَفْنا أُسبوعَيْن في دراسةِ ثلاثِ آياتٍ فقط! ويجب علينا أنْ نُعَجِّل. فهناكَ ثمانية وعِشرونَ أصحاحًا في هذا السِّفْر. العدد 4. فقد كانَ لا بُدَّ أنْ يَفعل هيرودُس شيئًا. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العدد 4: "فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ: «أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟»" أليسَ هذا الأمرُ مُدهشًا؟ إنَّهُ مُدهشٌ حقًّا. فقد سألهم أينَ سيولدُ مَنْ؟ المَسيح. ولِعِلْمِكُم، فقد كانَ هيرودسُ يَعلمُ أنَّ هذا المولودَ ليسَ مَلِكًا بشريًّا وَحَسْب. فقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ المَسِيَّا، أيِ المَمْسوح. وقد رَبَطَ الأمورَ في ذِهْنِهِ. فقد كانَ يَعيشُ في وَقْتٍ كانَ فيهِ الرَّجاءُ بالتَّحرير مِنْ خِلالِ مَجيءِ وَعَمَلِ المَسِيَّا الموعود قد بَلَغَ الذُّروة في قلوبِ البعضِ، وأنَّهُم لا يَتَوَقَّفونَ عنِ التحدُّثِ عن ذلك. وقد كانَ يَعْلَمُ أنَّ مَلِكَ اليهودِ ومَسِيَّا إسرائيل هُمَا الشَّخصُ نفسُه. فقد كانَ يَعلمُ ذلك.

وقد كانَ يَعلمُ أنَّ هذا المَلِكَ ليسَ بَشَرًا وَحَسْب. فقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ الله. فعلى غِرارِ المَجوس، كانَ يَعلمُ ذلك. ومِنَ المُدهشِ أنَّ رَدَّ فِعْلِهِ كانَ مُختلِفًا جدًّا. أليسَ كذلك؟ فهؤلاءِ قَرَّروا أنْ يَعْبُدوا المسيح، وهذا قَرَّرَ أنْ يَقْتُل. فقد أُصيبَ بالذُّعرِ وَاعْتَراهُ الغَضَب. وقد كانَ داهِيَةً في التَّآمُر وَأَذْكى مِنْ أنْ يَقْتُلَ المَجوس. ورُبَّما كانَ عاجِزًا تمامًا عنِ القيامِ بذلك لأنَّهُ كانَ هناكَ نحوُ ألفِ جُنديٍّ فارسيٍّ على الأرجح، وكانَ جيشُهُ غائبًا للقيامِ بمهمَّة صغيرة. لِذا، لم يكن لديه خِيارٌ آخر. وَهُوَ لم يَشَأ أنْ يَقتلهم بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال لأنَّهُ إنْ قَتَلَ المَجوس فإنَّهُ سَيَقتُلُ مَصدرَ مَعلوماتِهِ عنِ الطِّفْل. وحينئذٍ لن يَعْرِفَ شيئًا عنِ الطِّفْلِ الَّذي قد يكونُ المَلِكَ المُرْتَقَب فَيَنْجو مِنَ الموت. وهو لم يكن يُبالي بالمجوس بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. فَكُلُّ ما كانَ يُريدُه هو أنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ الطِّفْل. لِذا فقد راحَ يُدَبِّرُ وَيَتآمَرُ في العدد 4. والشَّيءُ الأوَّلُ الَّذي فَعَلَهُ هو أنَّهُ جَمَعَ كُلَّ رُؤساءِ الكَهَنَة وكَتَبَةِ الشَّعْبِ مَعًا.

وقد صَرَفْنا وقتًا طويلاً جدًّا في الحديثِ عنِ المَجوس. وقد صَرَفنا وقتًا طويلاً في المرَّة السابقة في الحديثِ عن هيرودس. والآن، أريدُ منكم أنْ تَلتقوا أشخاصًا آخرين: رُؤساء الكَهَنَة، والكَتَبَة. وسوفَ تَتَعَرَّفونَ إليهم جَيِّدًا الآن لأنَّهم سيَظهرونَ بينَ الحينِ والآخر في كُلِّ إنجيلِ مَتَّى.

وقبلَ كُلِّ شيء، لننظر إلى رؤساءِ الكهنة. وسوفَ نَرْجِعُ إلى الوراء قليلاً وأعطيكم فِكرة شاملة لكي تَعرفوا مَنْ هُم. ففي الأناجيل، كانت الكلمة "كَاهِن" أوْ كانَ اللَّفْظُ "كَاهِن" يُستخدَمُ بالمَعنى الضَّيِّق للإشارة (اسمعوني جَيِّدًا) إلى مجموعةِ اليهودِ الَّذينَ كانوا يَخْدِمونَ في الهيكل. فقد كانَ لدى اليهود مجموعة مِنَ الخُدَّامِ يُعْرَفونَ باسْمِ اللَّاوِيِّين. فقد كانَ هُناكَ سِبْطٌ مِن بني إسرائيل لهم رُتْبَة خاصَّة. وهؤلاءِ هُمُ اللَّاويُّون. وكانَ هؤلاءِ يُشَكِّلونَ الكَهَنوت. والحقيقة هي إنَّكَ إنْ لم تكن فَرْدًا في تلك العائلة وراثيًّا، ولم تكن فَردًا منهم مِنْ جِهَةِ النَّسْل، لم يكن يَحِقُّ لكَ أنْ تَخدِمَ في الهيكل. وقد كانوا يُديرونَ البَلَدَ حَرفيًّا لأنَّ السِّياسة والدِّين كانا شيئًا واحدًا في الحُكومةِ الثيوقراطيَّة الَّتي يَحْكُمُ فيها الله. والثيوقراطيَّة تعني أنْ يكونَ اللهُ هو الحاكِم؛ على عَكْسِ الدِّيمقراطيَّة الَّتي تَعْني حُكْم الشَّعب.

لِذا فقد كانَ يوجد هؤلاء الكهنة الَّذينَ كانوا يُديرونَ البَلَدَ حَرفيًّا. ولكِنْ في إطارِ الكهنة، كانت هناكَ مجموعات عديدة. وأودُّ منكم أنْ تَفهموا ذلك. أوَّلاً، كان هناكَ رُؤساءُ الكهنة ... رؤساءُ الكهنة. وهذه هي المجموعة الأولى. وبالمناسبة، كانَ ينبغي أنْ يكونَ هناكَ رئيسُ كَهَنَة واحد؛ ولكِنْ كانَ يوجد منهم غالبًا مجموعة كبيرة في نفسِ الوقت. وقد كانَ رئيسُ الكهنة هو الشخصُ الوحيدُ المُخَوَّل بأن يَفعل ماذا؟ بأنْ يَدخل إلى قُدْس الأقداس. ففي يومٍ واحدٍ في السَّنة وهو "يوم كيبور" (Yom Kippur) أيْ: "يوم الكَفَّارة" الَّذي ما زالَ اليهودُ يُمارِسونَهُ، كانَ رئيسُ الكهنة يَدخُل إلى القُدْسِ في الهيكل، ثُمَّ إلى قُدسِ الأقداس، ويَرُشُّ الدَّمَ على غِطاءِ تَابوتِ العهد للتَّكفير عن خطايا الشَّعبِ كُلِّه في تلك السَّنة. وكانَ رئيسُ الكهنة هو الوحيدُ الَّذي يَقدر أنْ يَفعلَ ذلك. وكانَ بمقدورهِ أنْ يَفعلَ ذلكَ مَرَّةً في السنة. وكانوا يُعَلِّقونَ أجراسًا بِثَوْبِهِ لكي يَسمعوا أنَّهُ ما زالَ يَتحرَّك في الدَّاخل. فإنْ دَخَلَ إلى هناك وكانت هناكَ خطيَّة لم يَعترف بها ما الَّذي سيحدث؟ كانَ يموتُ حالاً. فإنْ توقَّفَ صوتُ الأجراسِ، كانَ الَّذينَ في الخارج يَعلمونَ أنَّ هُناكَ خَطْبًا ما. لِذا، كانوا يُعَلِّقونَ أجراسًا صغيرة في ثوبِه لكي يَسمعوهُ وهو يتحرَّك في الدَّاخل إلى أنْ يَخْرُج. ولم يكن يَبقى هناكَ وقتًا طويلاً. وكانَ يَدخل إلى هناكَ مَرَّة في السَّنة فقط. فهذا هو عمل رئيسُ الكهنة.

وبِحُكْمِ هذه الصَّلاحيَّة، كانَ يَتمتَّعُ بمكانة عالية جدًّا في إسرائيل. وما أعنيه هو أنَّهُ كانَ شخصًا رَفيعَ المُستوى. وكانَ هُوَ رَئيسُ السِّنهدريم. والسِّنهدريم كلمة تَعني "سَبْعون". فقد كان هناكَ سبعونَ شيخًا يُشْبِهونَ الكونغرس أو بالأحرى: مَجْلِسَ الشُّيوخ. فقد كانوا يُشبهونَ مَجلسَ الشُّيوخ. وكانَ هناكَ سبعونَ شيخًا يَرأسُهُم رَئيس. وكانَ هذا هو مَجلسُ الشُّيوخ. وكان هذا المَجلِسُ هو المَحكمة العُليا اليهوديَّة أيضًا. فقد كانوا يُسِنُّونَ القوانين ويُطَبِّقونَ القوانين. وكانوا يُصدرونَ كُلَّ الأحكام وَيُسِنُّونَ القوانين. فقد كانت الهيئة القضائيَّة ومجلس الشُّيوخ هيئة واحدة تُعرفُ باسم السِّنهدريم. وكانَ رئيسُ الكهنة رئيس السِّنهدريم.

لِذا فقد كانَ رئيسُ الكهنة يتمتَّع بسُلطة سياسيَّة ودينيَّة هائلة. فعلى سبيلِ المثال، كانَ هُوَ الَّذي تَرَأسَ المَحكمة عند مُحاكمةِ يسوع. وكانَ هو الَّذي تَرَأسَ المَحكمة في مُحاكماتِ الرُّسُل الأوائل، وفي محاكمة استفانوس وبولس. فقد كانَ رؤساء الكهنة يملكونَ سُلطةً هائلة. وبالمناسبة، مِنَ المُدهشِ أنَّ رؤساءَ الكهنة خُلِعُوا أحيانًا مِنْ مَنصبهم لأسبابٍ سياسيَّة. حسنًا؟ فقد كانتِ الأمورُ تَتَقَهْقَر. ورُبَّما كانَ الرُّومانُ يُريدونَ رَئيسَ كَهَنَة آخر. وأيًّا كانتِ الأسباب، فإنَّ التَّاريخَ يُخْبِرُنا أنَّ رئيسَ الكَهَنَة في زمنِ يسوع أُعْفِيَ مِنْ مَهامِّهِ وتَمَّ تَعيينُ شخصٍ آخر. وهذا حَدَثَ في زمن يسوع. ففي زمن يسوع، كانَ هناكَ شخصان في العهد الجديد أُشيرَ إلى كُلٍّ منهما بأنَّهُ رئيسُ الكَهَنة. الأوَّلُ هو حَنَّان، والثَّاني هو قَيافا. فقد كانَ كُلٌّ منهما رئيسًا للكهنة. أوَّلاً حَنَّان، ثُمَّ قَيافا. فقد تَمَّتْ تَنْحِيَةُ حَنَّان، وأَخَذَ قَيافا مَحَلَّهُ. ولكِنَّ حَنَّان كانَ ما يزال موجودًا وما يزال يُدعى رئيس الكهنة.

ورُبَّما كانَ يوجد العديدُ مِنْ رُؤساء الكَهَنة أنذاك. والحقيقة هي أنَّهُ رُبَّما جاءَتْ أوقاتٌ كثيرة في تاريخِ بني إسرائيل كانَ يوجد فيها العديدُ مِن رؤساء الكهنة. وقد كانت هناك الكثيرُ مِنَ الامتيازات والسُّلطة والمَكانة الرَّفيعة المُرتبطة بتلك الوظيفة. لِذا، فقد كانوا أصحابَ سُلْطَة عُليا حقًّا. وسوفَ تَرَوْنَ أنَّ رؤساءَ الكهنة (مِثْلَ قيافا حِيْنًا، وحَنَّان حِيْنًا آخر). فهناكَ حَنَّان الَّذي يَعْمَل في الكواليس. وقد كانَ هو السُّلطة الرَّئيسيَّة الَّتي تُحَرِّكُ قَيافا.

ثانيًا، كان هناكَ كاهنٌ مِنْ نوعٍ آخر وهو يَعْرَفُ برئيسِ الهيكل ... رئيسِ الهيكل. وقد كانَ يأتي في المرتبة الثانية بعدَ رئيسِ الكهنة. وقد كانَ رئيسًا لحَرَسِ الهيكل. فقد كانَ يوجد لدى بَنِي إسرائيل حَرَسهُم الخاصّ. وبالمُناسبة، كانَ هؤلاءِ مِنَ الكهنة. فقد كانَ الكهنة هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يُنَفِّذونَ الأوامرَ والتَّعليمات المُختصَّة بالبلد. لِذا فقد كانَ رئيسُ الهيكلِ هو رئيسُ حَرَسِ الهيكل. وكانَ يَمْلِكُ السُّلْطةَ في إلقاءِ القبضِ على النَّاس. وبالمناسبة، كانَ هذا الشَّخصُ يُعَيَّنُ مِنْ قِبَلِ رئيسِ الكَهنة ويكونُ واحدًا مِنْ عائلةِ رئيسِ الكهنة؛ مِنْ عائِلَتِهِ شخصيًّا أوْ مِنْ إحدى العائلاتِ المَرموقة. بعبارة أخرى، لقد كانَ رئيسُ الهيكلِ دُمْيَةً بِيَدِ رئيسِ الكهنة. وقد كانَ يَمْلِكُ السُّلطةَ في إلقاءِ القبضِ على النَّاس. لِذا، إنْ أرادَ رئيسُ الكهنة أنْ يُلقي القبضَ على شخصٍ ما، يَكفي أنْ يقول لرئيسِ الهيكلِ: "اعتَقِلْه، وإلَّا ستَخسر وظيفَتَك". وكانَ يَفعلُ ذلك.

ثُمَّ كانت هناكَ فئة ثالثة مِنَ الكهنة وَهُمْ: كِبار الكَهَنَة. والآن، اسمعوني: لم يَكُن مَنْصِبُ كِبارِ الكَهنة مَنْصِبًا رَسميًّا. فقد كانَ كِبارُ الكهنة يُعَيَّنونَ مِنْ قِبَلِ رئيسِ الكَهَنَة الذي يتولَّى زِمامَ الأمورِ بمساعدةِ جميعِ كِبارِ الكهنة السَّابقين. هل هذا مَفهوم؟ فقد كانَ هناكَ رئيسُ الهيكلِ وبعضُ الكهنة الآخرين الَّذي يُشَكِّلونَ ما يُمْكِنُنا أنْ نُسَمِّيها: "الطَبَقَةَ الأرستقراطيَّة". فقد كانَتْ توجد نُخْبَةُ مِنْ مُدَبِّري الهيكل، وَأمينُ صُنْدوقِ الهيكلِ (ورُبَّما كانَ يوجد أكثر مِنْ أمينِ للصُّندوق)، ثُمَّ إدارِيُّو الهيكل، وكُلِّ الأشخاصِ العاملينَ في السِّنهدريم (وَهُمْ سبعونَ شخصًا). إذًا، هؤلاءِ هُمْ كِبارُ الكهنة: أعضاء السِّنهدريم، وأُمناء الصُّندوق؛ أيِ الأشخاص الَّذينَ يَجْمعونَ التَّقدماتِ الماليَّة مِنَ الصَّناديق الثلاثةَ عَشَرَ الَّتي كانت على شكلِ أجراس في ساحةِ النِّساء؛ وهي الصَّناديقُ الَّتي كان النَّاسُ يَضَعونَ تَقْدماتِهِم فيها. وكانَ هناكَ المُدَبِّرون، ورؤساء الكهنة، ورئيسُ الهيكل. إذًا، كانَ هناكَ كِبار الكهنة الَّذينَ يُشَكِّلونَ الطَّبقة الأرستقراطيَّة، وأُمناء الصُّندوق، والقوَّة السياسيَّة، ونُخبة إسرائيل. فقد كانوا جميعًا هناك.

وبالمُناسبة، تَحْتَ يَدِ هؤلاء، كانَت توجد مجموعة كبيرة مِنَ الأشخاصِ العاديِّينَ الَّذي يقومونَ بالأعمالِ العاديَّة وَهُم "الكَهَنَة". فَهُمْ يُعْرَفونَ وَحَسْب بالكَهَنة. وبالمناسبة، كانَ هؤلاء يَختلفونَ عنِ الطَّبقة الأرستقراطيَّة. فَهُمْ لم يَكُنْ لَهُمْ شأنٌ بالخططِ السياسيَّةِ والأمورِ الأخرى. وقد كان يوجد منهم أربعٌ وعشرون زُمرة، أو أربعٌ وعشرونَ مجموعة، أو أربعٌ وعشرونَ فئة مِنَ الكهنة. لِذا، كانَ هؤلاء يَخدِمون وقتًا قصيرًا أو فترات قصيرة فقط خلالَ السَّنة في الهيكل. فقد كانوا يأتونَ إلى الهيكل مُدَّةَ أسبوعٍ فقط مَرَّتينِ في السَّنة. فإذا كنتَ كاهنًا، ستكونُ غالبًا مِنَ الكهنة العاديِّين. ورُبَّما ستعيشُ في مكانٍ ما أو رُبَّما في أورُشليم. وسيكونُ لديك عمل. فربما تكونُ نَجَّارًا، أو تكونُ عامِلَ بِناء. فربما تَعْمَلُ في البِناء. أو رُبَّما تكونُ راعيًا. وربما تَقومُ بعملٍ آخر لا أَدري ما هو، ولكنَّكَ تَعملُ في مهنة ما. ثُمَّ أنَّكَ تأتي إلى الهيكل مُدَّة أسبوعٍ مَرَّتينِ في السَّنة وتَخْدِم ككاهِن. فهذا هو عمل الكهنة العاديِّين. وبالمناسبة، يُقَدِّرُ المُؤرِّخونَ أنَّ عدد الكهنة العاديِّين كانَ نحو ثمانية عشرَ ألفَ كاهِنٍ في زمن يسوع، وأنَّهم كانوا يَعملونَ تحتَ يَدِ الطَّبقةِ الأرستقراطيَّة.

ونقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 6: 7: "وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا فِي أُورُشَلِيمَ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ". وأنا على يَقينٍ بأنَّ هؤلاءِ الَّذينَ خَلَصوا كانوا مِنَ الكهنة العاديِّينَ البالغ عددهم نحو ثمانيةِ عَشَرَ ألفَ كاهِنٍ عاديٍّ. فَهُمْ لم يكونوا يُعْرَفونَ بِكِبارِ الكهنة أو أيَّ لَقَبٍ آخر، بل "كَهَنَة" وَحَسْب. لِذا، كانَ هناكَ أشخاصٌ صالحونَ مِنَ الكهنة.

وفي أسفلِ عَشيرةِ الكهنة، وحتَّى مِنْ بينِ الكَهَنة العاديِّينَ، كانَ هناكَ بَقيَّةُ اللَّاويِّينَ الَّذينَ وَرَثُوا تُراثَهُمْ مِنْ لاوي. وَهُمْ في أسفلِ ذلكَ الهَرَم. وكانت توجد أربعٌ وعِشرونَ فِرْقَةً مِنهم أيضًا. ولَكِنَّهم لم يكونوا خُدَّامًا رَسميِّينَ في الهيكل. اسمعوني جَيِّدًا: لقد كانوا يَخْدِمونَ في مَجالِ المُوسيقا ... في مجالِ الموسيقا. وقد كانت تلك تُدعى "خِدْمَة". وما نوعُ الخدمة؟ إليكم هذا المَثَل التَّوضيحيّ: تُخْبِرُنا "المِشْنَا" اليهوديَّة (الَّتي تُطْلِعُنا على الكَثيرِ مِنَ الأمورِ المُختصَّةِ بالتاريخِ اليهوديِّ) أنَّ هؤلاءِ كانوا حَرَسَ الهيكل. حسنًا؟ لِذا، فإنَّهم لم يكونوا يَعملونَ في خِدمة رُوحيَّة. فقد كانوا حُرَّاسًا. ولكنَّهم كانوا يقومونَ بخدمة روحيَّة رائعة في مجالِ المُوسيقا. ولكنَّها كانت خِدمة ثانويَّة إلى جانبِ الخدمةِ الكهنوتيَّة الحقيقيَّة الَّتي تَشتمل على تقديمِ الذبائحِ على المذابِحِ وما شَابَهَ ذلك.

إذًا، كانَ الأمرُ على النَّحْوِ التَّالي: فقد كانتْ هناكَ مجموعة كبيرة مِنَ الكهنة. ففي أعلى الهَرَم، كانَ هناكَ رَئيسُ الكهنة، ورئيسُ الهيكل، ثُمَّ كِبارُ الكهنة الَّذينَ يُشَكِّلونَ الطَّبقة الأرستقراطيَّة، ثُمَّ الكهنة العاديُّون. وفي أسفلِ الهَرَم، كانَ هناكَ اللَّاويُّونَ الَّذينَ يُساعدونَ في الهيكلِ كَحُرَّاسٍ للهيكل. وقد تَمَّتِ الإشارةُ إليهم مَرَّاتٍ عديدة في العهد الجديد في سِفْرِ أعمال الرُّسُل وفي الأناجيل (كما سنَرى أثناءَ دراسَتِنا).

وقد كانَ الكَهَنَةُ مِنَ الأرستقراطيِّينَ والأشخاصِ العاديِّين. وَهُمْ الموظَّفونَ الرَّسميُّونَ للبلدِ اليهوديِّ بأسْرِه. ولا شَكَّ أنَّ الحكومةَ الرومانيَّة كانت تتحكَّمُ بهذه المجموعة كُلِّها لأنَّ الرُّومانَ جَعَلوا إسرائيلَ أُمَّةً مُستعبدةً. وفي الوقتِ الَّذي نَقرأُ فيهِ عنْ زَمَنِ يسوع (وهذا شيءٌ أريدُ منكم أن تتذكَّروه): في الوقتِ الَّذي نَقرأُ فيهِ عن زَمَنِ يسوع، كانَ كِبارُ الكهنة مُجَرَّدَ مجموعة مِنَ السِّياسيِّينَ الفاسِدين الَّذينَ يَسْعَوْنَ إلى مَنفعتهِم الشخصيَّة. حسنًا؟ فقد كانتِ المؤامراتُ في الهيكل مُريعَة. فقد كانوا سِياسيِّينَ فاسِدين. ومنذُ البداية، اسمعوني يا أحبَّائي: منذُ البداية، نَجِدُ أنَّهم مَذكورونَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح الثاني في العهد الجديد. ومنذُ البداية، نَرى أنَّهم في صِدَامٍ معَ يسوعَ المسيح. وسوفَ يَسْتَمِرُّونَ في مُقاومة معَ يسوعَ المسيحِ إلى أنْ يَموتَ أخيرًا على الصَّليب نَتيجةَ أكاذيبهم، ومؤامراتهم، ومكائِدهم، ومَطامِعِهم السِّياسيَّة.

والحقيقة هي أنَّ أوَّلَ شيءٍ فَعَلَهُ يسوعُ حينَ ابتدأَ خِدمَتَهُ هي أنَّهُ ذَهَبَ حالاً إلى أورُشليم، ودَخَلَ إلى الهيكل، وصَنَعَ سَوْطًا، وطَهَّرَ المَكان. وقد كانَ هذا الحَدَثُ هو الَّذي أَشْعَلَ الأحداثَ اللَّاحقة. وما أعنيه هو أنَّهُ كانَ يُهاجِمُ بُؤرةَ الفَسادِ في إسرائيل والتي كانت سَبَبًا في تَعْويجِ حَقِّ الله. فقد طَهَّرَ الهَيْكَلَ مِنْ فَسادِهِم.

ولكِنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ (أيْ كِبارَ الكَهَنةِ) كانوا صُنَّاعَ قَرارٍ في البلد. والآن، لاحِظوا ما جاءَ في العدد 4: "فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب". وَمَنْ هُمُ الكَتَبَة؟ لقد كانَ الكَتَبَةُ أُناسًا مِنَ الأسباطِ الأخرى، وليسوا مِنْ سِبْطٍ مُحَدَّدٍ، مُتَبَحِّرينَ ومُتَضَلِّعينَ في الشَّريعة. فقد صَرَفَ هؤلاءِ الكَتَبَة حياتَهُم في دراسةِ الشريعة. فَهُمْ عُلماءُ الكتابِ المقدَّس. ومِنَ البَديهيِّ أنَّني أَعني بذلك أنَّهُم كانوا عُلماء في العهد القديم لأنَّ العهدَ الجديدَ لم يكن قد كُتِبَ بعد. لِذا فقد كانوا عُلماءَ العهد القديم. وقد كانوا يَعرفونَ التَّفاصيلَ الدَّقيقة للعهدِ القديم. ولعلَّكُم تَعلمونَ أنَّ "عَزْرا" كانَ واحِدًا مِنَ الكَتَبة. وقد قيلَ عن عَزْرا إنَّهُ كانَ يَحفظُ كُلَّ العهدِ القديم. لِذا فقد كانَ بمقدورِ عَزْرا أنْ يَجلسَ وأنْ يَكْتُبَ مَخطوطةً أوْ أنْ يُدَوِّنَ العهدَ القديمَ مِنْ سِفْرِ التَّكوين إلى النِّهاية مِنْ ذاكِرَتِه. فقد كانَ هؤلاءِ الكَتَبة مُتَبَحِّرينَ في الشريعة. وكانوا يَحفظونَ العهدَ القديمَ حَرْفًا حَرْفًا. فقد كانوا الكَتَبَة والعُلماء.

والآن لاحِظوا أنَّ بعضهم انْضَمَّ إلى حِزْبِ الفَرِّيسيِّينَ لأنهم كانوا حَرْفِيِّين. فقد كانوا أُصُولِيِّين. وقد كانوا نَاموسِيِّين. وقد كانوا يُؤمِنونَ بِكُلِّ شيءٍ كَما قيلَ حَرفيًّا. مِن جهة أخرى، فقد انْضَمَّ بعضٌ منهم إلى الصَّدُّوقِيِّينَ لأنَّهم كانوا مُتَحَرِّرينَ وأرادوا أنْ يَتَخَلَّوْا عنْ أجزاء كثيرة مِنَ الكتاب المقدَّس. فقد أَنكروا أمورًا مُعَيَّنَةً في الكتاب المقدَّس مِثْلَ القيامةِ والملائكة.

لِذا فقد كان يوجدُ حِزْبانِ لاهوتِيَّان: الأُصوليُّونَ والمُتَحَرِّرون في تلك الأيَّام. ولكِنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ الحِزْبَيْنِ كانَ لديهِ كَتَبَة وعُلَماء. وسواءٌ كُنَّا نَتَحَدَّثُ عنِ الكَتَبةِ الَّذينَ انْضَمُّوا إلى الفَرِّيسيِّينَ أوِ الكَتَبَة الَّذينَ انضمُّوا إلى الصَدُّوقيِّينَ، فإنَّهم كانوا دائمًا وأبدًا يَتَحَدَّوْنَ يسوع. أليسَ كذلك؟ فقد كانوا يحاولونَ دائمًا أنْ يُوْقِعوهُ في كَلامِه. لِذا فإنَّنا نَرى هُنا العَجَلاتِ السِّياسيَّة والعُقول المُدَبِّرَة في إسرائيل تَجتمع هُنا في الأصحاحِ الثَّاني مِنْ إنجيل مَتَّى لمُعاداةِ المسيح. وبالمناسبة، لقد صارَ الكَتَبَةُ يُعرَفونَ فيما بعد بِمُعَلِّمي الشَّريعة. وهذه هي جُذورٌ ما يُعْرَفُ اليومَ باسْم "الحَاخامات". فقد كانوا عُلماء الشَّريعة. والحاخامُ اليومَ ليس شخصًا مِنَ النَّسْلِ الكَهَنوتيِّ اللَّاويّ. وَحَتَّى إنَّنا لا نَعْلَمُ مَنْ هُمُ هؤلاء. فالحاخامُ اليومَ هُوَ المُسَمَّى الحَديثُ للكَتَبَة آنذاك.

لِذا، فقدِ استدعى هيرودسُ السِّياسيِّينَ واللَّاهوتيِّينَ معًا. ولا بُدَّ أنَّ ذلكَ كانَ أمرًا أَزْعَجَهُم جدًّا. فها هُمُ السِّياسيُّونَ البارِزونَ لا يَعرفونَ شيئًا عنِ الملكِ الجديد. وها هُمُ اللَّاهوتيُّونَ البارِزونَ لا يَعرفونَ شيئًا عنهُ أيضًا. وهذا غَريب! فَهُمْ لم يكونوا يُواكِبونَ الأحداث. والحقيقة هي أنَّهم كانوا مُتَخَلِّفينَ كثيرًا عَنْ مَجموعةِ الفُرْسِ الَّذينَ جاءوا مِنْ مكانٍ يَبْعُدُ مِئاتِ ومئاتِ الأميال، وكَشَفوا جَهْلَهُم، وأَعلنوا لهم أنَّ مَلِكًا قد وُلِدَ، وأنَّهُ المَسِيَّا الَّذي يَنتظرونَه. "لدينا خَبَرٌ لَكُمْ أيُّها القادةُ الَّذينَ كانَ ينبغي أنْ تَعلموا ذلكَ جَيِّدًا". فقد تَفَوَّقَ عليهم هؤلاء الوَثَنِيُّون. فقد كانوا في وَسْطِ الحَدَث ولم يَعلموا عَنْهُ شيئًا.

لِذا فقد سَألَ هيرودسُ هؤلاء الأرستقراطِيِّين، وهؤلاء اللَّاهوتيِّينَ اللَّامِعين قائلاً: "أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟" أيْنَ يُوْلَد؟ وهناكَ مُلاحظة مُدهشة هُنا؛ وهي غير مَذكورة حَقًّا في النَّصّ. ولكنِّي لم أتمكَّن منْ تَجَنُّبِ التَّفكيرِ فيها. فَما يُدهشُني هو أنَّ هيرودسَ طَرَحَ هذا السؤالَ لا لأنَّهُ يُريدُ حقًّا أنْ يَعرفَ أينَ يولدُ المسيح لكي يَقبل ذلكَ الحَقَّ ويُطَبِّقَهُ تَطبيقًا سليمًا، بل لكي يَعرفَ كيفَ يَستخدِم تلك المعلومة لتحقيق غاياتِه الشخصيَّة. ولا يَسَعُني إلَّا أنْ أَنْدَهِش مِنْ عَدَدِ الأشخاصِ الَّذينَ يبحثونَ عن معلومات مُعَيَّنة في الكتاب المقدَّس لكي يَستخدموها لمنفعتهم الشخصيَّة عوضًا عن استخدامها بالطريقة الَّتي وَضَعَها الله. وهذا لا يَجوز. فقد استفسرَ هيرودسُ عن كلمةِ اللهِ لكي يَستخدمَها بطريقة خاطئة ضِدَّ مشيئةِ الله. ولكِنْ لا يجوزُ أنْ يُستخدمَ الكتابُ المقدَّسُ هكذا. بل ينبغي أنْ يُستخدَمَ بقداسة، وبإجلال، وبطاعة. ومعَ أنَّهُ أرادَ أنْ يَعرِف، فإنَّهُ لم يُرِدْ أنْ يَعرِف للأسباب الصحيحة.

وقد كانَ ينبغي لَهُ أنْ يَعرفَ مِنْ دونِ أنْ يَسأل. فهل تَعلمونَ أنَّهُ كانَ مِنَ المَعلومِ تمامًا أيْنَ سيولدُ المسيح؟ فَكُلُّ شخصٍ كانَ يَعلمُ ذلك. وحَتَّى إنَّهُ لم يكن هناكَ أيُّ شَكٍّ في ذلك. فنحنُ نقرأُ في إنجيل يوحنَّا 7: 40: "فَكَثِيرُونَ مِنَ الْجَمْعِ لَمَّا سَمِعُوا هذَا الْكَلاَمَ قَالُوا: «هذَا بِالْحَقِيقَةِ هُوَ النَّبِيُّ». آخَرُونَ قَالُوا: «هذَا هُوَ الْمَسِيحُ!». وَآخَرُونَ قَالُوا: «أَلَعَلَّ الْمَسِيحَ مِنَ الْجَلِيلِ يَأتِي؟ أَلَمْ يَقُلِ الْكِتَابُ إِنَّهُ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ، وَمِنْ بَيْتِ لَحْمٍ، الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ دَاوُدُ فِيهَا، يَأتِي الْمَسِيحُ؟" فها هو يسوعُ قد جاء. وَقد قالَ بضعةَ أشياء في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 7، فابتدأَ النَّاسُ يَصْرُخون: "أَلَعَلَّ هذا هو المسيح!" وقالَ بعضٌ: "لا يُعْقَل أنْ يكونَ المسيح لأنَّنا نَعلم جميعًا أنَّ المسيحَ لن يأتي مِنَ الجليل، بل سيأتي مِن بيتِ لحم". فقد كانَ الأمرُ مَعلومًا للجميع. وكانَ ينبغي لهيرودس أنْ يَعلمَ ذلك. ورُبَّما كانَ يَعلم ذلك، ولكنَّهُ أرادَ أنْ يتأكَّد. فهو لم يَشَأ أنْ يُهْدِرَ أيَّ وقت. فهو لم يكن مُتأكِّدًا حقًّا. وقد أرادَ إعلانًا رَسميًّا مِنْ أشخاصٍ ثِقَة. وهذا أمرٌ عَجيبٌ جدًّا! فَمِنَ العجيبِ جدًّا أنَّهم أَجابوهُ عَنْ سُؤالِه.

فنحنُ نقرأُ في العدد الخامس أنَّهم قالوا له: "فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيل". فقد اقتبسوا لَهُ ما يقولُهُ الكتابُ المقدَّس. فقد اقتبسوا ما جاءَ في سِفْر ميخا 5: 2. وقد أَخبروهُ إنَّهُ سيولدُ في بيتِ لحم. وهذا هو الكلامُ الرَّسميُّ للنبيِّ ميخا. وهذا مُدهش. فقد كانوا يَعلمونَ ذلك. وبالرَّغمِ مِن ذلك، لم يُعيروا انتباهًا لِما حَدَثَ في بيتِ لحم؛ مَعَ أنَّهُ كانَ قد حدثَ قبلَ بضعة أشهر، ومعَ أنَّ الرُّعاةَ لا بُدَّ أنْ يكونوا قد نَشَروا الخَبَرَ بأنَّ ذلكَ قد حدث. وَمَنْ هوَ ميخا؟ لقد كانَ ميخا نَبِيًّا. اقرأوا ذلك السِّفْر الصَّغير ذاتَ يوم. فهو سِفْرٌ رائع.

ميخا – اسمحوا لي أنْ أُحَدِّثَكُمْ عنه. لقد كانَ ميخا نَبِيًّا أَعلنَ الدَّينونةَ الرَّهيبة. وقد قالَ أمورًا كثيرةً جدًّا. فميخا لم يكن واحدًا مِن هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذي يَأتي ليقولَ للجميع كَمْ هُمْ رائعون. فميخا لم يكن شخصًا مَشهورًا بِمَدْحِ الآخرين، بل كانَ مَعروفًا بإعلانِ الدَّينونة. وقد قالَ كلامًا شديدَ اللَّهْجَة للحُكَّامِ الزَّائفينَ في زمانِه. وبعدَ أنِ قالَ كُلَّ ذلك للحُكَّام الزَّائفين، نَظَرَ عَبْرَ الأجيال وقال: "في يومٍ ما، سيأتي حاكِمٌ حقيقيٌّ. وفي يومٍ ما، سيأتي حاكِمٌ عظيم. وذاتَ يومٍ سيأتي المَلِك، المَسِيَّا. وستَعلمونَ ذلك لأنَّهُ سيولدُ في بلدةٍ صغيرة، بلدةَ بيتِ لَحْم الَّتي دُعِيَتْ يومًا أَفْرَاتَة، البلدة الَّتي كانت مَوْطِنًا لداود". فصوتُ ميخا هو صوتُ نَبِيٍّ. فهو صوتُ نَبِيٍّ أَعلنَ بُكاءَ أُمَّة ... أُمَّةٍ بَكَتْ وَناحَتْ على مَلِكِها. وقد قالَ ميخا: "سوفَ يأتي. سوفَ يأتي فَيَقِفُ جميعُ الحُكَّام الزَّائفينَ مَكْتوفي الأيدي ويكونُ هُوَ الحاكمُ الحقيقيُّ. وهو سيأتي في بيتِ لحم".

وَمَتَّى يقولُ إنَّ رؤساءَ الكهنة والكَتَبَة قالوا: "فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ". وقد اقتبسوا ما قالَهُ. وكم أُحِبُّ ما فَعَلَهُ مَتَّى. فهو يُضيفُ لَمْسَةً صغيرةً في العدد السَّادس: "وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ". ورُبَّما ... وأنا لستُ واثقًا مِن ذلك. لِذا، لن أقولَ إنَّني جازِمٌ في ذلك؛ ولكن ربَّما كانَ الكَتَبَة، أو رُؤساء الكَهَنَة والكتبة قد قالوا فقط ما جاءَ في العدد الخامس، ورُبَّما أضافَ مَتَّى العدد السَّادس. فربما كانَ مَتَّى هو الَّذي أَعادَ صِياغَة ما جاءَ في سِفْرِ ميخا والأصحاح الخامس. والسَّببُ الَّذي يَدفعُني إلى قولِ ذلك هو أنَّهُ توجد إضافة في نهاية العدد ليست موجودة في الأصحاحِ الخامِس مِنْ سِفْرِ ميخا، وأنَّهُ لا يُعْقَلُ أنَّ رُؤساءَ الكَهَنَة والكتبة قالوا ذلك، ولكِنْ مِنَ المَعقول أنْ يكونَ مَتَّى قد قالَ ذلك: "وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ..." ثُمَّ إنَّ مَتَّى يُضيفُ هذه الكلماتِ الرِّائعة: "...مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ". والكلمة "يَرْعَى" هُنا هي كلمة تَعني حَرْفِيًّا في اليونانيَّة: "يَرْعَى". وهذه الكلماتُ لم تَرِد في سِفْر ميخا.

وهل تَعلمونَ أنَّ هناكَ شيئًا رائعًا وهو أنَّ كُتَّابَ العهدِ الجديد ... والآن، اسمعوني جَيِّدًا: عندما كانَ كُتَّابُ العهدِ الجديد يَقتبسونَ مِنَ العهدِ القديم، لم يكونوا يَقتبسونَ دائمًا أقوالَ العهدِ القديمِ حَرْفِيًّا. هل تَعلمونَ لماذا؟ لأنَّ كُتَّابَ العهدِ الجديد كانوا هُمْ أيضًا يَتَلَقَّوْنَ الوَحْيَ مِنَ اللهِ، وكانوا يَمْلِكونَ الحَقَّ في تَغييرِ تلكَ الأشياءِ بما يَتَّفِقُ معَ ما أَعْلَنَهُ رُوْحُ اللهِ لَهُمْ حَديثًا في ذلكَ الوقت. لِذا فقد كانوا يأخذونَ جُزءًا مِنَ الحَقِّ المُعلنِ في العهدِ القديم ويُضيفونَ إليهِ ذلكَ الشَّيء الخاصّ الَّذي أرادَ رُوحُ اللهِ أنْ يُعْلِنَهُ آنَذاك في العهدِ الجديد. وهناكَ رسالة رائعة فيما قالَهُ مَتَّى. فما يُشيرُ إليهِ مَتَّى حَقًّا هُنا هو مَا يَلي: "سوفَ يأتي حاكِمٌ أوْ مُدَبِّرٌ يَرْعى شَعبي إسرائيل". وقد كانَ يقولُ لَهُم في الحقيقة: "ما رأيُكُمْ في أنْ تُقايِضُوا هيرودس بِراعٍ؟ وما رأيُكُم في أنْ تَحصلوا على شخصٍ أفضل مِنْ هذا الشَّخصِ الغَوْغائِيّ؟ وما رأيُكم في أنْ تَحصلوا على شخصٍ أفضل مِنْ هذا القاتِل؟ وما رأيُكُم في أنْ تَحصلوا على شخصٍ أفضل مِنْ هذا المُتآمِر؟ وما رأيُكُم في أنْ تُقايِضُوا هذا الشَّخصَ الحَقودَ والقاتِلَ بِراعٍ مُحِبٍّ يَعتني بِرَعِيَّتِه؟ أَتَرَوْن؟ فهو شيءٌ جَميل.

وقد كانوا يَعرفونَ الفَرْق. لِذا فإنَّ مَتَّى يَقْتَبِس في إنجيل مَتَّى 2: 6، أو بالحَرِيِّ أعتقد أنَّ رُؤساءَ الكهنة والكَتَبَة قالوا: "فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ". ثُمَّ إنَّ مَتَّى أَضافَ القولَ الَّذي يَلي ذلك. وهذا رائع. هذا رائع. وقد تقول: "ما الَّذي تَعنيه؟" اسمعوني: إنَّ كُلَّ عِبْرانِيٍّ في العالم ... كُلَّ يَهوديٍّ في العالم ... واسمحوا لي أنْ أُوَضِّحَ نُقطةً في البداية. أنا أُكِنُّ مَحَبَّةً عظيمةً لإسرائيل. صَدِّقوني. فقد ذهبتُ إلى هناكَ بِضْعَ مَرَّاتٍ، وهناكَ شيءٌ في ذلك المكان يَأسُرُ قلبي حَتَّى عندما لا أكونُ هناك. وأنا أُكِنُّ مَحَبَّةً عظيمةً للشَّعبِ اليهوديّ. ولِعِلْمِكُم، فإنَّ جَميعَ أصدقائي المُقَرَّبينَ في العالَم هُمْ مِنَ اليهود. أجل. فهناكَ يَسوع، وبولُس، وبُطرس، وداود، ومُوسَى، وجميعُ الأشخاصِ الآخرين ... جميعُ الأشخاصِ الآخرين. وأنا أَصْرِفُ وقتًا معَ اليهودِ أكثرَ مِنَ الآخرين. فأنا أذهبُ إلى مَكتبي سِتَّ ساعاتٍ في اليوم وأقرأُ ما كَتَبَهُ هؤلاءِ اليهود مِرارًا وتَكرارًا. وَمَتَّى يَهوديٌّ أيضًا. ولا شَكَّ في أنَّني أُحِبُّهُ أيضًا.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّني لا أُعاني مُشكلةً في هذا الأمر. ولكنِّي أحاولُ أنْ أقولَ لكم ما تَقولُهُ كلمةُ الله. وكُلُّ يَهوديٍّ في التَّاريخ يَعْرِفُ ما جاءَ في ميخا 5: 2. فقد قالَ النبيُّ إنَّهُ سيولدُ في بيتِ لحم. وقد وُلِدَ يسوعُ في بيتِ لحم. فما الَّذي ستفعلونَهُ بهذا الخُصوص؟ وهل تريدونَ أنْ تَسمعوا شيئًا آخر؟ فحَتَّى إنَّ رُؤساءَ الكهنة والكَتَبَة (أيْ: أَبْرَزَ السِّياسِيِّينَ وأَبرزَ اللَّاهوتيِّينَ) قالوا إنَّهُ سيولدُ في بيتِ لحم كما قالَ مِيْخا. والآن، اسمعوني: عندما يأتي بعضُ اليهودِ اليوم ويقولون إنَّ المسيَّا ليسَ شخصًا، بل مَوْقِفًا، اسمحوا لي أنْ أقولَ لكم إنَّهم لم يَكونوا يَعتقدونَ ذلكَ في زمنِ يسوع. فَمُعَلِّمو الشَّريعةِ القُدماء لم يكونوا يَظُنُّونَ ذلك. فقد قالوا إنَّهُ شخصٌ لأنَّ "مَوْقِفًا" لا يمكن أنْ يُوْلَدَ في بيتِ لحم، ولكِنَّ "شَخْصًا" يُمْكِن أنْ يُولَدَ هناك. أو إنَّهم يقولونَ إنَّ فِكرةَ المسيَّا هي فِكرةُ كَمالِ مَملكةٍ يهوديَّة. ولكِنْ لا يمكنكم أنْ تَحصلوا على كَمالِ مَملكةٍ يهوديَّة تُوْلَد ذاتَ يومٍ في بيتِ لحمٍ أيضًا. فالمسيَّا شخصٌ أو فَرْدٌ، وليسَ أُمَّةً، وليسَ مَوقِفًا. ولا بُدَّ أنْ يُوْلَدَ في بيتِ لحم.

اسمعوني: لو لم يكن يسوعُ ذلكَ المَسِيَّا، فما الَّذي يتحدَّثُ عنهُ مِيْخا؟ وما الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ الكَتَبَةُ ورؤساءُ الكهنة؟ وما الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ مَتَّى الَّذي كانَ يَهوديًّا تَقِيًّا؟ فقد قالَ السِّنهدريم إنَّها بيتُ لحم. وقد قالَ النبيُّ ميخا إنَّها بيتُ لحم. وقد قالَ مَتَّى إنَّها بيتُ لحم. إنَّها بيتُ لحم. والتَّاريخُ كُلُّهُ شَهِدَ بأنَّ المسيَّا سيولدُ في بيتِ لحم. وهذا هو المكانُ الَّذي وُلِدَ فيهِ يسوع. ومِنَ المُدهشِ جدًّا أنَّ اللهَ كانَ مُزْمِعًا أنْ يُرْغِمَ الرُّومانَ على إصْدارِ مَرْسومٍ يَجْعَل يوسُفَ ومَريمَ يَذهبان إلى هناك لكي يُوْلَد هُناك. فقد كانَ مُزْمِعًا أنْ يَجعلَ الجميعَ يَعملونَ على تحقيقِ مَشيئتِه. وهذا مُدهش. فهؤلاءِ النَّاموسيُّونَ الحَرْفِيُّونَ الَّذينَ كانوا يَعرفونَ الكثير لم يُلْمَسوا في أرواحِهِم. وليتَني أستطيعُ أنْ أُحَدِّثَكُم عنِ الضَّربةِ القاضيةِ للنَّاموسيَّة. لِذا، فقد كانَ رؤساءُ الكهنةِ والكَتَبَةُ غيرَ مُبالين. وبالمُناسبة، فإنَّهم لم يَبْقَوْا غيرَ مُبالينَ وقتًا طويلاً. ففيما بعد، صاروا مُبْغِضينَ، وحاقِدينَ، ومُتآمِرينَ، وقَتَلَة. وَطَوالَ الوقتِ المُمْتَدِّ مِنْ عَدَمِ مُبالاتِهم في الأصحاحِ الثَّاني مِنْ إنجيل مَتَّى إلى التَّخطيطِ والقتلِ في نهايةِ إنجيل مَتَّى، كانوا يَعرفونَ تمامًا أنَّ كُلَّ النُّبوءاتِ قد تَحَقَّقَتْ في يسوعَ المسيح؛ ولكنَّهم رَفَضوهُ بالرَّغْمِ مِنْ مَعرفتهم التَّامَّة.

وحَتَّى إنَّ يسوعَ ذَكَّرَهُم بأنَّ كُلَّ ما يَحتاجونَ إلى القيامِ بهِ هو فَحْصُ الأسفارِ المقدَّسةِ الَّتي كانَ ينبغي أنْ يكونوا خُبراءَ فيها. فهو يقولُ في إنجيل يوحنَّا 5: 39: "فَتِّشُوا الْكُتُبَ ... هِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي". فأنتُمُ الخُبراء.

لِذا فإنَّنا نَرى حالاً [والآنْ، لاحِظوا ما يلي] نحنُ نَرى حالاً أنَّهُم كانوا مُنقسِمينَ إلى ثلاثِ مجموعات: المجموعة الأولى مِنْ جِهَةِ التَّجاوبِ مع يسوعَ هي المجموعة الَّتي كانت تَتَّسِمُ بالكراهِيَةِ والعَداوة ... بالكَراهِيَةِ والعَداوة. فقد كان هيرودس خائفًا مِنْ أنْ يَقْتَحِمَ هذا الطفلُ الصغيرُ حياتَهُ. وقد كانَ غيورًا وخائفًا. وهو لم يَشأ أنْ يَقْتَحِمَ هذا الطفلُ الصغيرُ حياتَهُ، وأنْ يُدَمِّرَ ما بَناه، وأنْ يُغَيِّرَ الأشياء. لِذا فقد سَعَى إلى التَّخَلُّصِ مِنه. وقد كانَ ما يزال هناك أشخاصٌ يَشعرونَ هكذا بعدَ ثلاثٍ وثلاثينَ سنة. وقد فَعلوا ذلك. وهل تريدونَ أنْ تَعلموا شيئًا؟ ما زالَ هناكَ أُناسٌ يَشعرونَ هكذا اليوم. فيسوعُ هُوَ مُتَطَفِّلٌ على حياتِهم. وهو يُزعجُهم. وهو يُعَرْقِلُ خُطَطَهُم. ولو كانَ الخِيارُ بِيَدِهم، لَتَخَلَّصوا منه. وقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 15 لتلاميذِه: "إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ. وعندما تَكرِزونَ في وسطهم سيُبغضونَكُم، ويَزُجُّونَ بِكُم في السُّجون، ويَقتلونَكم، ويَظُنُّونَ أنَّهم يَخْدِمونَ اللهَ بهذه الطريقة". لِذا فقد كانت هناكَ مَجموعة حَقودَة وعِدائيَّة.

وقد كانتِ المجموعةُ الحَاقِدَةُ والعِدائيَّةُ تَتَمَثَّلُ في هيرودُس. أمَّا المجموعة الثانية فإنَّها ما أُسَمِّيها "مجموعةُ غيرِ المُبالين" ... غير المُبالين. وقد كانتْ صِفَةُ عَدَمِ المُبالاةُ هي الصِّفة الغالبة على رؤساءِ الكهنة والكَتَبَة. فقد كانوا مُنْهَمِكينَ جدًّا في المُجادلاتِ اللَّاهوتيَّةِ، ومُنْهَمِكينَ جدًّا في دَسَائِسِهِم السِّياسيَّة ومُؤامراتِهم للحصولِ على السُّلْطَة. وكانوا مُنهمِكينَ جدًّا في كَسْبِ المالِ في الهيكل وفي جَمْعِ المالِ بأسرع وقتٍ ممكن على حِسابِ الشَّعب. وقد كانوا ضَالِّينَ ِجِدًّا في تَدَيُّنِهِم حَتَّى إنَّهم لم يكونوا يُبالونَ بأنَّهُ وُلِد. فقد كانوا غيرَ مُبالين وَحَسْب. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يُشبهونَهُم اليوم. وأنا أُفَكِّرُ دائمًا في سِفْرِ مَراثي إرْميا حيثُ يَصْرُخُ النبيُّ المُبارَكُ إرْميا ويقولُ لبني إسرائيل: "أَلا يَعْنيكُم هذا يَا جَمِيعَ عَابِرِي الطَّرِيق؟" بعبارة أخرى: "ألا تُبالونَ بما يَجْري؟ ورُبَّما كانَ هذا الموقفُ هو أَسْوَأُ الكُلِّ. وهذا يُذَكِّرُني دائمًا بالمقطوعة الشِّعريَّة الَّتي كَتَبَها "ستَدَرْت كينيدي" (Studdert Kennedy):

عندما جاءَ يسوعُ إلى الجُلجُثة، عَلَّقوهُ على شَجَرة،

ودَقُّوا مَساميرَ كبيرة ... ودَقُّوا مَساميرَ كبيرة في يَدَيْهِ وَقَدَمَيْه، وَصَنَعوا جُلْجُثَةً،

وتَوَّجوهُ بتاجٍ مِنْ شَوْك فَسالتِ الدِّماءُ القَانِيَةُ مِنْ جُروحِهِ العميقة،

لأنَّ تلكَ الأيَّام كانت قاسية وشرِّيرة، وكانَ لحمُ البَشَرِ رَخيصًا.

وعندما جاءَ يسوعُ ليعيشَ مَعَنا، لم نُعِرْهُ انتباهًا،

صحيحٌ أنَّنا لم نَمَسَّ شَعْرَةً فيه، ولكنَّنا تَرَكْناهُ يموت،

لأنَّ قُلوبَنا أكثرُ رِقَّةً، ولا يمكن أنْ نَجْعَلَهُ يتألَّم،

ولكنَّنا مَرَرْنا مِنَ الشَّارِعِ وَتَرَكْناهُ تحتَ المَطَر.

وما زالَ يسوعُ يَصْرُخُ: "اغْفِرْ لَهُم لأنَّهُمْ لا يَعلمونَ ماذا يَفعلون"،

ولكِنَّها ما زالت تُمْطِرُ وتُمْطِرُ حَتَّى تَبَلَّلَ وازْدادَ بَلَلًا،

ولكِنَّ النَّاسَ يَذهبُونَ إلى بُيوتِهم ويَتركونَ الشَّوارِعِ فارِغَةً مِنْ أيِّ إنسان،

ويسوعُ يَجْثو عندَ حائِطٍ ويَصْرُخُ لأجلِ الجُلجُثة.

وما يُريدُ "ستَدَرْت كينيدي" أنْ يقولَهُ هو أنَّهُ يُفَضِّلُ الكَراهِيَةَ على عَدَمِ المُبالاة.

أمَّا الفئة الثالثة فهي فئةُ العابِدين. وَهُمْ مَنْ؟ المَجوس. وهكذا هي الحالُ دائمًا معَ يسوع. فالبعضُ يُظْهِرُ العِداءَ لَهُ، والبعضُ يُظْهِرُ عَدَمَ مُبالاةٍ، والبعضُ يَعْبُدُهُ ويَسْجُدُ لَهُ.

لِذا، فقد رأينا الوُصولَ، والاضطرابَ. ولننظر إلى "التَّظاهُر" في العدد السَّابع: "حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ سِرًّا". ففي هذه المَرَّة، فَكَّرَ في عَقْدِ اجتماعٍ سِرِّيٍّ. فإنْ عَقَدَ اجتماعًا عَلَنِيًّا معَ هؤلاءِ الأشخاص، سيَعلمُ الجميعُ أنَّ هناكَ شيئًا يَجري. لِذا فقد عَقَدَ اجتماعًا سِرِّيًّا. "وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ". وأنا أُسَمِي هذا "تَظاهُرًا" لأنَّهُ مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كانَ أكبرُ شكلٍ مِنْ أشكالِ الرِّياءِ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. فهذا الشَّخصٌ زائفٌ جدًّا. ولم يَكُنِ المَجوسُ يَعلمونَ ذلك. فَهُمْ مِنَ الشَّرْق. وَهُمْ لم يكونوا يَعلمونَ ما يَجري. فقد كانَ الاجتماعُ الأوَّلُ عَلَنِيًّا، ولكِنَّ هذا الاجتماعَ جَرى في السِّرِّ لأنَّ هيرودس كانَ يُخَطِّطُ لشيءٍ في ذهنه، وكان يُدَبِّرُ بِخُبْث. وقد كانت هذه كِذبة كبيرة. وكانَ رؤساءُ الكهنة والكَتَبة يَعلمونَ ذلك. ولكِنَّ المَجوسَ لم يكونوا يَعلمونَ ذلك. فقد تَصَرَّفَ بِدَهاءٍ شديد.

فهو لم يَسأل عن عُمْرِ الطِّفْل، بل سألَهم: "مَتَى ظَهَرَ ذلكَ النَّجْم؟" وأعتقد أنَّهُ فَعَلَ ذلكَ لكي يَتظاهَرَ بأنَّهُ مُهْتَمٌّ بِالتَّنْجيمِ وعِلْمِ الفَلَك. "أَخْبروني عنْ ذلكَ النَّجْم. فأنتُم بارِعونَ في مَعرفةِ النُّجوم. أخبروني عن ذلك. مَتى ظَهَر؟" فقد تَظاهَرَ بأنَّهُ مُوْلَعٌ بِعِلْمِ الفَلَك. ولكِنَّ اهتمامَهُ الحقيقيَّ كانَ مُنْصَبًّا على قَتْلِ الصَّبيِّ الصغير. وبالمناسبة، مِنَ المدهشِ أنَّ النَّجْمَ لم يكن مَنظورًا آنذاك. فقد رَأَوْهُ في الشَّرْق ثُمَّ اخْتَفى. وقد غادروا وجاءوا إلى أورُشليم ولم يَرَوْهُ منذُ ذلكَ الحين. "مَتى ظَهَرَ النَّجْم؟"

فنحنُ نَقرأُ أنَّهُ تَحَقَّقَ مِنْهُم. والكلمة اليونانيَّة تَعْني أنَّهُ أرادَ جَوابًا دقيقًا: "أَعْطوني يَومًا مُحَدَّدًا يا رِفاق، إنْ سَمَحْتُم. أريدُ أنْ أَعرفَ متى وُلِدَ ذلك الطِّفْل". ولا نَدري ماذا أَجابَهُ المَجوس. ولكنْ مِنَ الواضح أنَّ هيرودس عَلِمَ أنَّهُ إنْ قَتَلَ كُلَّ طِفْلٍ (مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ) فإنَّهُ سيَقْتُلُهُ بِكُلِّ تأكيد. ورُبَّما أخبروهُ أنَّ ذلكَ حدث قبلَ سِتَّة أشهر. ولكنَّهُ أرادَ أنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ نَجاحِ خُطَّتِه فَقَرَّرَ أنْ يَقْتُلَ كُلَّ الأطفالِ مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ لكي يَضْمَنَ النَّتيجة في حالِ تأخُّرِ ظُهورِ النَّجْمِ قليلاً.

وفي الأصحاحِ الثَّاني والعدد 16، نَقرأُ أنَّهُ قَتَلَهُم جميعًا. ولكِنْ على أيِّ أساسٍ قَتَلَهُمْ "مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ"؟ نَقرأُ في العدد 16: "بِحَسَب الزَّمَانِ الَّذِي تَحَقَّقَهُ مِنَ الْمَجُوس". فقد أرادَ أنْ يَعرِف. ويا لَهُ مِنْ مُنافِق! ثُمَّ نقرأُ في العدد 8: "ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ...". فبَعْدَ أنْ حَصَلَ على المَعلومات أَرْسَلَهُمْ قائلاً: "اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ. وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِــي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضًا وَأَسْجُدَ لَهُ". إنَّهُ نِفاقٌ بَشِعٌ جدًّا. أليسَ كذلك؟ فَمِنْ جِهَة، فإنَّنا نَرى ابْنَ اللهِ المُبارَك، والمَجيد، وصَاحِب الجَلال. وَمِنْ جهة أخرى، نَرى أَغْبى الأغبياء. فعوضًا عنِ السُّجودِ أمامَ قَدَمَيْه، فإنَّهُ يُخَطِّطُ لِقَتْلِه. فيا لَهُ مِنْ أَحْمَق! فقد أرادَ أنْ يَقتُلَ المُخَلِّص ... المُخَلِّصَ الوحيد. لِذا فقد صارَ المَجوسُ أَدَواتٍ ضِدَّ المسيح دُوْنَ قَصْدٍ مِنْهُم لأنَّهم كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُمْ يُقَدِّمونَ يَدَ العَوْن.

وكم أُحِبُّ بَراعَةَ مَتَّى! وقد خَطَرَ هذا الأمرُ ببالي للتَّوّ. وَهُوَ يَدُلُّ على بَراعَةِ مَتَّى. فهو يُرَكِّزُ ثانيةً على أنَّ المسيحَ هو المَلِك – لا فقط مِنْ خلالِ النَّسْلِ الَّذي جاءَ مِنْه، ولا فقط مِنْ خلالِ طَاعَتِه، بل أيضًا مِنْ خلالِ رَفْضِه. فلو أنَّهُ لم يكن مَلِكًا، هل تَظُنُّونَ أنَّ هيرودسَ سيَضطرِب بسببِ ولادَتِه؟ لا. ولكنَّهُ مَلِك. ومَتَّى يُنَبِّرُ على ذلك بِكُلِّ طريقة مُمْكِنَة. إذًا، فقد رأينا الوُصول، والاضطراب، والتَّظاهُر. والآن: "العِبادَة". فقد اكتملَت الرِّحلة بالنِّسبة إلى المَجوس في العدد 9. وسوفَ نَتَحَدَّثُ عن هذه النُّقطة بسُرعة كبيرة. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ الشَّيءَ الرَّائعَ الَّذي حَدَث: "فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ الْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ". فَها هُوَ رَفيقُهُمُ النَّجْمُ. ويا لَهُ مِنْ يَوْم! يا لَهُ مِنْ يَوْمٍ مُبْهِج! "وإذا النَّجْمُ". ثُمَّ في العدد 10: "فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ" ماذا حَدَثَ لَهُم؟ "فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا". فقد رَأَوْا ذلكَ الشَّيءَ في الشَّرْق. وقدِ اخْتَفى. وقد جاءوا مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ إلى أورُشليم. ولكنَّهم لم يكونوا يَعلمونَ تحديدًا أينَ ينبغي أنْ يَذهبوا أوْ ما ينبغي أنْ يَفعلوهُ بعدَ ذلك. وقد رَأَوْا مَجْدَ اللهِ مَرَّةً أخرى فَعَلِموا أنَّهُمْ في المَسارِ الصَّحيح.

وَبالمُناسَبَة، فإنَّنا نَجِدُ مُلاحظةً جَديرةً بالانتباه في العدد 9 إذْ نَقرأُ: "وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ". والنَّصُّ اليونانيُّ يقولُ حَرفيًّا: "وإذا النَّجْمُ الَّذي رَأَوْهُ طَالِعًا" ... "وإذا النَّجْمُ الَّذي رَأَوْهُ طَالِعًا". بعبارة أخرى، أعتقدُ أنَّ النَّجْمَ لم يَكُنْ موجودًا، وأنَّهُمْ رَأَوْهُ يَتَشَكَّل. فالآيةُ تَعني ما هو أكثر بكثير مِنْ مُجَرَّدِ الظُّهورِ في منطقة مُعَيَّنة. فهو النَّجْمُ الَّذي ظَهَرَ في طُلوعِهِ. والآنْ، لقد ظَهَرَ مَجْدُ اللهِ مَرَّةً أخرى. وقد فَهِموا الآنَ ما يَجري. فقد حَصَلوا على عَلامَةِ إعلانٍ مِنَ الله، وقد حَصَلوا على كلمةِ الله (مِيخا 5: 2). وقدِ تَحَقَّقَ هذانِ الشَّيئان في بيتِ لَحْم وَاجتمعَا فوقَ بَيْتٍ مُحَدَّد. لِهذا فإنَّني أقولُ إنَّهُ لم يكن نَجْمًا حَقيقيًّا لأنَّهُ مِنَ الصَّعبِ على نَجْمٍ حقيقيٍّ أنْ يَنْزِلَ فوقَ بيتٍ مِنْ دونِ أنْ يَحْرِقَ الأرضَ كُلَّها. ولكِنَّ مَجْدَ اللهِ نَزَلَ في العهدِ القديم عِدَّةَ مَرَّات. وقد ظَهَرَ ببساطة فوقَ ذلكَ البيت. وقد فَرِحوا جِدًّا.

العدد 11: "وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ". وفي هذا الوقت جاءوا إلى بيتٍ، لا إلى حَظيرَة. فقد كانَ عُمْرُ الطِّفْلَ بِضعةَ أشهر الآن. وقد وَجَدوا مَكانًا يَنْزِلونَ فيه إلى أنْ يَسْتَجْمِعوا قُوَّتَهُم للذَّهابِ إلى حيث يُريدُ منهم اللهُ أنْ يَذهبوا لأنَّهم كانوا يَعلمونَ أنَّها حياة جديدة بالنِّسبة إليهم. فَهُمْ سَيَلْتَقونَ ابْنَ اللهِ الآن. وَلم يكن بمقدورهم أنْ يَعودوا إلى مُمارسةِ ما كانوا يَفعلونه ما لم يَقُل لَهُمُ اللهُ ذلك. وقد كانوا يَنتظرونَ وَحَسْب. لِذا فقد أَتَوْا إلى البيت. وعندما أَتَوْا إلى البيت "رَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ". وبالمُناسبة، عندما يَرِدُ الحديثُ عن مَريم والصَّبيّ في العدد 11، والعدد 13، والعدد 14، والعدد 20، والعدد 21، فإنَّ الصَّبيَّ يُذْكَر أوَّلاً دائمًا. فالتَّركيزُ يَنْصَبُّ على الصَّبِيّ. وقد عَبَّرَ "تشارلز ويسلي" (Charles Wesley) عن ذلك بالكلماتِ التَّالية: "لقد جاءَ اللهُ في جَسَدٍ بَشريٍّ، سَبِّحوا اللهَ المُتَجَسِّد". أجل! لِذا، فقد أَتَوْا "وَرَأوا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ". لا لَها. وأرجو مِنْكُمْ أنْ تُلاحِظوا ذلك. فَهُمْ لم يَسْجُدوا لَهُما، بل ماذا؟ لَهُ. فقد سَجَدوا لَهُ. وقد أَكْرَموهُ بوصفِهِ مَلِكًا. وقد فَعَلوا شيئًا لا يَليقُ سِوى بالله. فقد خَرُّوا وَسَجَدوا لَهُ. والسُّجودُ، يا أحبَّائي، لا يَليقُ إلَّا بيسوعَ المسيح. فهو لا يَليقُ إلَّا باللهِ ولا أَحَدَ سِواه لأنَّهُ لا يوجدُ أحدٌ غَيرُهُ مُستَحِقٌّ.

ولعَلَّكُم تَذكرونَ هؤلاءِ الأشخاصَ الَّذينَ حاولوا أنْ يَسْجُدوا للرُّسُل. وقد قالَ لهم بولس: "لا، لا تَسْجُدوا لي". وقد حاولوا أنْ يَسْجُدوا لبطرس في قيصريَّة، ولكنَّهُ قالَ لهم: "لا، لا تَسْجُدوا لي". وقد حاولَ يُوحَنَّا أنْ يَسْجُدَ للملاك في سِفْر الرُّؤيا، ولكنَّهُ قالَ لَهُ: "لا، لا تَفعل ذلك". ولكنَّهُمْ قَدَّموا السُّجودَ اللَّائق هنا ولم يَكُنْ هناكَ أيُّ تَوبيخٍ على الإطلاق. فقد فَعلوا ما ينبغي أنْ يَفعلوه. ولم يَقُل لهم أحدٌ أنْ يَقِفوا وأنْ يَنهضوا. لا. فقد كانَ هذا هو الله. وكانَ هذا هو المَلِك. وقد فَعَلوا الصَّواب.

وأودُّ أنْ أقولَ لكم شيئًا. ففي نُقطةٍ ما، أعتقد أنَّنا فَقَدْنا أُصولَ العِبادة في الكنيسةِ الأمريكيَّة. هل تَعرفونَ هؤلاء الرُّعاة الَّذينَ قَدَّمتُهُم إليكم في هذا الصَّباح مِنْ جنوب إفريقيا؟ إنَّ هذا مُدهش. فقد أَبْدَوْا بِضْعَ مُلاحظاتٍ مُدهشة بخصوصِ الكنيسة الأمريكيَّة. فهذه هي زيارَتُهم الأولى إلى هنا. وقد كُنَّا نَتناولُ الطَّعامَ ذاتَ يوم فقالوا لي: "أَتَعلمُ يا جون، يبدو لنا أنَّ هناكَ مُشكلتَيْن في الكنيسة الأمريكيَّة منْ وُجْهَةِ نَظَرِنا". فقلتُ: "وما هُما؟" وقد حَدَثَ هذا قبلَ أنْ يأتوا إلى خَدَماتِنا. ولكنَّهم أرادوا أنْ يُعَبِّروا عَمَّا في قَلبهم. قلت: "ما هُما؟" قالوا: المشكلة الأولى: يبدو أنَّهُ لا يوجد لديها لاهوت. فَهُمْ لا يَعلمونَ ما الَّذي يؤمنونَ به. فَهُمْ يَفعلونَ أُمورًا. وَهُمْ لديهم برامج ومشاعر وعواطف. ولكنَّهم لا يَعلمونَ ما الَّذي يؤمنونَ به. والمشكلة الثانية هي أنَّهم لا يَعرفونَ مَعنى العِبادة". وأعتقد أنَّ هذه مُلاحظة مُدهشة جدًّا. فهل تَعلمونَ أنَّنا مُجَرَّدُ أشخاصٍ مُنْهَمِكينَ جِدًّا. فعندما يَخْلَص شخصٌ فإنَّنا نُسارِع إلى إلْحاقِهِ بالخِدمة. ونحنُ نَسمعُ كثيرينَ يقولون: "اخْلَصوا لِكَي تَخْدِموا". وكم أَكْرَهُ ذلك! اخْلَصوا لِكَي تَخْدِموا". وأنتم تذهبونَ إلى اجتماعٍ للرُّعاةِ فتسمعونَ أَحَدُهم يقولُ لِخُدِّامِ الكنيسة: "أريدُ أن أقولَ لكم إنَّهُ حَالَما يَخْلَص شخصٌ ما، دَعوهُ يَنْضَمُّ إلى الكنيسة. وحالَ انْضِمامِهِ إلى الكنيسة أَعْطوهُ عَمَلاً. دَعوهُ يَخْدِمُ الرَّبّ".

وهذا سَخيفٌ حقًّا. فالسببُ الوحيدُ لخدمةِ الربِّ هو أنْ يَفيضَ قلبُكَ بالعبادة. وأودُّ أنْ أقولَ لكم شيئُا بصراحة: إنَّني لا أفعلُ ذلك. فهذا يُزْعِجُني. لِهذا، قد تأتي إلى كنيسة "غريس" (Grace Church) وتبقى فيها وقتًا طويلاً. ولكنَّكَ لن تَجِدَ شخصًا يأتي ويقول لك: "هلِ انْضَمَمْتَ إلى الكنيسة؟ وإنْ كنتَ قدِ انْضَمَمْتَ إليها، هل لديك وظيفة؟" وهذا يُعطيكُم فِكرة عن نَظرتي إلى هذا الأمر. فأنا أحاولُ أنْ أَعْبُدَ اللهَ وَحَسْب. أَتَرَوْن؟ وَلِعِلْمِكُم، فإنَّني لا أنظرُ حَتَّى إلى خِدمتي كما لو كانت "لقد خَلَصْتُ لِكَيْ أَخْدِم". فأنا لا أَخْدِمُ مِنْ هذا المُنْطَلَق. فأنا خَلَصْتُ لكي أَعْبُدَ اللهَ. وَمِنْ فَيْضِ عِبادَتي للرَّبِّ، أنا أَثِقُ بأنَّني سأكونُ بَرَكَةً لآخرين. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ وهذا قد يَصْدِمُكم. أنا لا أُحَضِّرُ العِظاتِ لكم. أنا لا أفعلُ ذلك. فأنا لا أكْتُبُ العِظَةَ على ورق وأقول: "ها هُوَ النَّصُّ، وسوفَ أُحَضِّرُ عِظَةً". لا! فأنا آخُذُ النَّصَّ وأَدْرُسُهُ لأرى ما يُمكنني أنْ أَتَعَلَّمَهُ مِنْهُ عن مَجْدِ الله. وبعدَ أنْ أصْرِفَ أسبوعًا كاملاً في دراسَتِهِ ورُؤيةِ مَجْدِ اللهِ فيه، وأَسْجُدُ عند قَدَمَيْه وأُقَدِّمُ لهُ التَّسبيحَ اللَّائق، والعبادة اللَّائقة، فإنَّ العِظَةَ تَنْبُعُ مِنْ تلكَ العِبادة ببساطة مُتناهِيَة. فنحنُ نَخْلَصُ لكي نَعْبُدَ اللهَ في المَقامِ الأوَّل. ولكنَّنا فَقَدْنا ذلك. وقد عَلَّقَ هؤلاء الرُّعاة قائلينَ إنَّ بعضَ الكنائسِ الَّتي تُعَلِّمُ الكتابَ المقدَّسَ هي كنائسُ تَعْبُدُ التَّعْليمَ أكْثَرَ مِنَ المسيح. وهذا أمرٌ مُحْزِن.

والآنْ، يجب أنْ أُعَجِّلَ هُنا. فأنا أتحدَّثُ منذُ ساعة. ولكِنَّهُ شُعورٌ جَيِّد. على أيِّ حال، سوفَ أُنْهي خلالَ دَقائق.

إذًا، فقد سَجَدَ المَجوسُ لَهُ. وهُناكَ أمرٌ مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ يُزْعِجُكُم. فهل تَعلمونَ أنَّ اللهَ لا يريدُ مُرَنِّمينَ مَشهورين، وخُدَّامًا مَشهورين، وأشخاصًا مَشهورينَ في كُلِّ مجال. بل يُريدُ أشخاصًا يَعْبُدونَهُ ويُسَبِّحونَهُ ويَسْجُدونَ لَهُ. وما زلتُ أَذْكُرُ أنَّ "فريد بارشو" (Fred Barshaw) كَتَبَ في دَليلِنا الصَّغير إنَّنا نُسيءُ إلى اللهِ عندما نُحاوِل ... والحقيقة هي أنَّني لا أَدري مَنِ الَّذي قالَ ذلكَ في الأصل. رُبَّما هُوَ. "نحنُ نُسيءُ إلى اللهِ عندما نُحاولُ أنْ نَخْدِمَهُ مِنْ دُوْنِ أنْ نَعْرِفَهُ حَقًّا". والسَّبَبُ في ذلك هو أنَّ خِدْمَتَنا تَصيرُ مُصْطَنَعَة جدًّا. ولكِنْ عندما نَخْدِم مِنْ فَيْضِ عِبادَتِنا لَهُ، فإنَّهُ هُوَ الَّذي يكونُ مُهَيْمِنًا على الخِدمة لِمَجْدِهِ هُوَ.

لذا فقد عَبَدوهُ. وقد عَبَدوهُ مِنْ خلالِ تَقديمِ الهَدايا لَهُ. وهذه طريقة رائعة للعبادة. وقد تقول: "هل سَنَقْطَعُ رُوْحَ العبادة لكي نَجْمَعَ العَطاء؟" إنَّ هذا لا يَقْطَعُ رُوْحَ العِبادة. فقد كنتُ أُفَكِّرُ بهذه الطريقة قبلَ وقتٍ طويل. فقد كنتُ أقول: "كيفَ يُعْقَلُ أنْ نَجْمَعَ العَطاءَ في أثناءِ الخِدمة. إنَّ هذا الأمرَ غيرُ لائقٍ البَتَّة". وذاتَ يومٍ، أَدركتُ أنَّ المَجوسَ جاءوا لكي يَعْبُدوه. وكيفَ عَبَدوه؟ إنَّهم لم يُحْضِروا آلاتٍ موسيقيَّةً ضَخْمَةً ويُرَنِّموا ويَفعلوا أمورًا كهذه. وَهُمْ لم يُحْضِروا نافِذَةً مُلَوَّنَةً ويَنظروا إليها. وَهُمْ لم يَتَسَلَّقوا جَبَلاً ويقوموا ببعضِ الحَرَكات. فكيفَ عَبَدوه؟ بطريقة واحدة مَلموسة. لقد عَبَدوهُ مِنْ خلال ماذا؟ العَطاء ... العَطاء. فهذا تَعبيرٌ عنِ العبادة. وما الَّذي قَدَّموهُ لَهُ؟ لقد قَدَّموا بعضَ الهدايا الثَّمينة: "ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا". وهي هدايا مُدهشة. "ذهَبًا". ولا حاجة إلى التحدُّثِ عنِ الذَّهب. فأنتم تَعلمونَ ما هو الذَّهب. فقد كانَ الذَّهَبُ شيئًا ثمينًا جدًّا جدًّا. وهو ما يَزالُ كذلك. وبالمناسبة، لقد كانَ الذَّهبُ يُستخدمُ لأفضلِ الأشياء. فقد تَمَّ استخدامُهُ بِكَثرة في بناءِ الهيكل وفي صُنْعِ كُلِّ مُحتوياتِه. اقرأوا سِفْر المُلوك الأوَّل والأصحاحات مِنْ 5 إلى 7، وسِفْر أخبار الأيَّام الثَّاني والأصحاحات مِنْ 2 إلى 5. فقد استخدموا الذَّهب. وكانوا يَلْبَسونَهُ كَحُلِيٍّ. وإنْ كُنْتَ غَنِيًّا حقًّا، رُبَّما تَسْتَخْدِمُ آنِيَةً مِنَ الذَّهب. فَهُوَ مَعْدِنٌ قَيِّم.

وماذا عنِ اللُّبان؟ إنَّهُ بَخُورٌ خَالِصٌ. ويبدو أنَّهُ تَمَّ اكتشافُ هذا اللُّبانِ صُدْفَةً مِنْ خلالِ شَقٍّ حَدَثَ في لِحاءِ شَجَرة مُعَيَّنة تَنمو في الجزيرة العربيَّة فَسَالَتْ مِنْها عُصَارَة مُعَيَّنة بيضاء اللَّوْن. وكانوا يَستخدمونَ هذه العُصارة كَبَخُور. والحقيقة هي أنَّني أعتقد أنَّ الكلمة العِبريَّة الأصليَّة في العهدِ القديم تُشيرُ إلى هذه العُصارة البيضاء. وقد كانت لها استخداماتٌ عديدة. وَمِنَ الواضحِ أنَّها كانت تُستخدمُ كَبَخُور. فقد كانت تُطْلِقُ مادَّةً عِطْرِيَّة. وكانَ اللُّبانُ يُستخدمُ عندَ تَقديمِ المُحْرَقاتِ (بحسب ما جاءَ في سِفْرِ اللَّاوِيِّين والأصحاحِ الثَّاني) كَرائحة تَصْعَدُ رَمْزِيًّا إلى الله. وقد استخدمَ اللُّبانُ في نَشيدِ الأنشادِ في الزَّواج. فعندما تَكونُ مُستعدًّا للزَّواج فإنَّكَ تَضَعُ لُبانًا فيُطْلِقُ رائحةً طَيِّبة حقًّا. فالعُطورُ شيءٌ قديمٌ، يا أحبَّائي. وهذا هو اللُّبان.

ثُمَّ إنَّهُمْ قَدَّمُوا "مُرًّا". وهو يُستَخلصُ مِن شجرة صغيرة في الجزيرة العَربيَّة ... شجرة صغيرة جدًّا. وقد كانَ المُرُّ يُطْلِقُ رائحةً طَيِّبةً أيضًا. وهذا هو المُرّ. وقد جاءَ في سِفْرِ الأمثال أنَّهُ كانَ يُستخدَمُ لتَعْطيرِ الفِراشِ والملابس. فقد كانَ شَهيرًا مِثْل عِطْر "برادا" (prada) أو "باكورابان" (Paco Rabanne) أو "غوشي" (Gucci) أو "فيرزاتشي" (Versace). وعلى أيِّ حال، بحسب ما جاءَ في سِفْرِ أسْتير والأصحاحِ الثَّاني، عندما تَمَّ تَجْهيزُ أسْتير للدُّخولِ إلى المَلِك، استخدَمَتْ مُرًّا كَعِطْرٍ طَيِّبِ الرَّائحة. كذلك، كانَ المُرُّ يُستخدمُ بذاتِ الطريقةِ الَّتي يُستخدمُ فيها اللُّبانُ في استعداداتِ الزِّفاف. وقد كانَ يُمْزَجُ بالخَمْر (بحسب ما جاءَ في إنجيل مَرقُس والأصحاح 15) كَمُهِدِّئٍ للألم. وقد اسْتُخْدِمَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 19 في تَحْضيرِ جَسَدِ يَسوعَ للدَّفْن.

إذًا، فقد قَدَّمُوا لَهُ "ذَهَبًا" (وَهُوَ مَعْدِنٌ ثَمينٌ جِدًّا). وقَدَّموا لَهُ "لُبانًا" (وَهُوَ بَخورٌ طَيِّبُ الرَّائحة). وقَدَّموا لَهُ "مُرًّا" (وَهُوَ عِطْرٌ زَيْتِيٌّ رائع). وقد كانت قيمةُ هذهِ الهدايا تَفوقُ استخداماتِها المألوفة. فقد كانت عطايا رائعة وقَيِّمة جدًّا جدًّا. والحقيقة هي أنَّني أعتقد شخصيًّا أنَّ هذه العائلة الفقيرة، أيْ يوسُف ومَريم، لم يكن لديها شيء. وكانَ يُوسفُ آنذاكَ قد تَرَكَ عَمَلَهُ لأنَّهُما اضْطُرُّوا إلى الذَّهابِ إلى مِصْر بِحَسَبِ أمْرِ الله. ولم يكن بمقدورِهِ أنْ يُعيلَ العائلة في مِصْر. فقد كانَ سيواجِهُ وقتًا عصيبًا في تلك الثَّقافة الأجنبيَّة في تأسيسِ نفسِه. وأنا واثقٌ جدًّا أنَّ الذَّهبَ واللُّبانَ والمُرَّ كانت ذات قيمة ماليَّة، أو أنَّها كانت أَشْبَه بحسابٍ مَصْرِفِيٍّ استخدموهُ لإعالةِ العائلةِ الصَّغيرة في البداية قبلَ أنْ يَعودوا أخيرًا إلى النَّاصرة وقبلَ أنْ يَعودَ يوسُفُ إلى مِهْنَتِهِ القديمة. فقد كانَ هذا هو مَصْدَرُ رِزْقِهِم. وقد كانَ هذا هُوَ مَصْدَرُ دَخْلِهِم. فهي أشياء ثمينة.

ولكن اسمحوا لي أنْ أَذكرَ شيئًا آخرَ في الخِتام. فالذَّهبُ هو الهَدِيَّةُ الَّتي تَليقُ بالمُلوك. فقد كانَ الذَّهَبُ مُرْتَبِطًا بالملوك. فنحنُ نَقرأُ عن يُوسُف عندما كانَ في مِصْر، وعندما صَارَ في المَرتبةِ الثَّانيةِ في مِصْر بعدَ فِرْعَوْن، نَقرأُ أنَّهُ أُعْطِيَ قِلادَةً ذَهبيَّة. ونَقرُأ الشَّيءَ نَفسَهُ عن دانيال إذْ إنَّهُ أُعْطِيَ ذَهَبًا عندما رَفَّعَ المَلِكُ مِنْ شأنِه. والمُلوكُ في الكِتابِ المقدَّسِ كانوا يَلْبَسونَ تيجانًا مِنْ ذَهَب ويَحْمِلونَ صَوْلَجانًا مِنْ ذَهَب. وقد استخدَمَ سُليمانُ الذَّهبَ في كُلِّ مَكانٍ في قَصْرِه. وفي وَصْفِ سُليمان في سِفْرِ الملوك الأوَّل والأصحاح 10، يَرِدُ ذِكْرُ الذَّهَب عَشْرَ مَرَّات. فقد كانَ الذَّهبُ هَدِيَّةً تَليقُ بِمَلِك. وما الَّذي يُريدُ مَتَّى أنْ يَقولَهُ لنا؟ أنَّ يسوعَ هُوَ ماذا؟ مَلِك. إنَّهُ مَلِك. فهو مَلِك. ونحنُ نَلْتَقى يسوعَ بوصفِهِ مَلِكًا.

فعندما تأتي إلى يسوع، اسمعوني يا أحبَّائي: عندما تأتي إلى يسوعَ [كما قُلتُ في الأسبوعِ السَّابق]، يجبْ أنْ تُؤمِنَ بالخَلاصِ الرُّبوبِيّ. أَتَذكرونَ تلك العِبارة؟ فأنتَ تأتي بوصفِكَ شخصًا خاضِعًا للمَلِك، أيْ للرَّبّ. وقد كانَ "نيلسون" (Nelson) القائد البَحريّ العَظيم، كانَ دائمًا يُعامِلُ الخُصومَ المَهزومينَ بِلُطْفٍ وكِياسَةٍ شَديدَيْن. وبعدَ واحدٍ مِنَ انتصاراتِهِ البَحريَّة، تَمَّ أَسْرُ القائدِ البحريِّ المَهزوم وَجَلْبِهِ إلى سفينةِ نيلسون إلى المكانِ الَّذي كانَ يَقِفُ فيهِ على ظَهْرِ السَّفينة. وبسببِ سُمْعَةِ نيلسون الشَّهيرة في الكِياسة، أرادَ هذا القائدُ المَهزومُ أنْ يَسْتَغِلَّ كِياستَهُ. لِذا فقد تَقَدَّمَ إلى الأمامَ وَهُوَ يَمُدُّ يَدَهُ لِمُصافَحَتِه بوصفِهِ قائِدًا بَحريًّا مُساويًا لَهُ في المَكانَة. ولكِنَّ نيلسونَ لم يُحَرِّكْ يَدَهُ، بل أبقاها إلى جانِبِهِ قائلاً: "سَيْفَكَ أوَّلاً، يا سَيِّدي، ثُمَّ يَدَك". فقبلَ أنْ نَصيرَ مُقَرَّبينَ مِنْ يسوع، يجب علينا أنْ نَخْضَعَ أوَّلاً لِرُبوبيَّتِه. لِذا فقد جاءَ المَجوسُ وأَقَرُّوا بأنَّهُ مَلِك. وقد عَبَّروا عن ذلكَ مِنْ خلالِ هَداياهُم.

ثُمَّ إنَّهُمْ قَدَّمُوا مُرًّا. وما هُوَ المُرّ؟ إنَّهُ هَدِيَّةٌ تُقَدَّمُ للأموات. فهو طِيْبٌ يُستخدَمُ لِلْحَدِّ مِنَ الرَّائحة، أيْ للحَدِّ مِنْ عُفونَةِ الجُثَّة. فقد كانَ المُرُّ هدِيَّةً تُقَدَّمُ للشَّخصِ المَيِّت. وقد كانَ يسوعُ إنسانًا. والحقيقة هي أنَّ المُرَّ كانَ الهَدِيَّة المُحَدَّدة الَّتي تُقَدَّم للشَّخص المَيِّت. فقد كانَ إنسانًا. وقد كانَ مُزْمِعًا أنْ يَموت. فمنذُ البداية، كانَ مِنَ الواضحِ أنَّهُ سيموت. وهذا يُذَكِّرُني بالرُّسوماتِ التي رَسَمها "هولمان هَنْت" (Holman Hunt) الَّذي رَسَمَ بعضَ أجْمَلِ اللَّوْحاتِ الَّتي تُصَوِّر يسوع. فهناكَ لَوْحَةٌ رَسَمَها ليسوعَ وَهُوَ صَبِيٌّ يَعْمَلُ في مَحَلِّ النِّجارة. والشَّمسُ على وَشْكِ المَغيبِ، والبيتُ في الغَرب. والصَّبيُّ يسوعُ واقفًا في الباب. ومِنْ خلالِ أشِعَّةِ الشَّمسِ الَّتي تَمُرُّ عبرَ الباب، يمكنكَ أنْ تَراهُ يَمُطُّ ذراعَيْه بعدَ يومٍ شاقٍّ بوصفِهِ صَبِيًّا صَغيرًا يُساعِدُ أباهُ. والشَّمْسُ تَعْكِسُ على ظَهْرِ حائطِ المنزل صُورةَ صَليبٍ كبير. وقد كانت هذه هي طريقة "هولمان هنت" في التَّعبيرِ عن أنَّ يَسوعَ وُلِدَ لكي يَموت. فقد كانَ سيموت. وقد كانَ هذا الأمرُ واضحًا منذُ البداية. لِذا، فقد قَدَّموا لَهُ هَدِيَّةً تَليقُ بِمَلِك، وهَدِيَّةً تَليقُ بإنسان. فقد كانَ مَلِكًا وإنسانًا.

وقد قَدَّموا لهُ أيضًا لُبانًا. وقد قالَ العالِمُ الكَبيرُ الَّذي كانَ واحدًا مِنْ آباءِ الكنيسةِ الباكرة ويُدعى "أوريجانوس" (Origin): هذه هي الهَدِيَّة الَّتي تَليقُ بالله". فاللُّبانُ يَرْمِزُ إلى اللَّاهوت. فقد كانَ البَخورُ يُقَدَّم دائمًا لله. فقد كانَ رائحةً تَصْعَدُ إلى الله. وفي العهدِ القديم، كانَ البَخورُ يُحْفَظُ في مقَدِّمَةِ الهيكلِ في غُرفةٍ خاصَّة. وكانَ يُؤخَذُ ويُضافُ إلى المُحْرَقات. فقد كانَ يُرَشُّ ليكونَ رائحةً طَيِّبَةً تَصْعَدُ إلى الله. ونقرأُ في سِفْر الخُروج والأصحاح 30 أنَّ البَخورَ كانَ للهِ، لا للشَّعب. والحقيقة هي أنَّني أُحِبُّ ما جاءَ في سِفْرِ حِزْقيال 16: 18 إذْ نَقرأُ إنَّهُ: "بَخُورِي" ... بَخُورِي. وحَتَّى إنَّهُ كانَ يُستخدَمُ في قُدْسِ الأقْداس. لِذا فقد جاءَ المَجوسُ وقَدَّموا ذَهَبًا (للتَّعبيرِ عن أنَّهُ مَلِك)، ومُرًّا (للتَّعبيرِ عن أنَّهُ إنسان)، ولُبانًا (للتَّعبيرِ عن أنَّهُ الله). ورُبَّما لم يكونوا يَعلمونَ أنَّهُمْ عَبَّروا عن هذا كُلِّه. ولكِنْ هذا هُوَ جَمالُ هذِهِ الرَّموز.

إذًا، فقد رأينا الوُصولَ، والاضطرابَ، والتَّظاهُرَ، والعِبادَةَ. وأخيرًا، في العدد 12: "التَّجَنُّب". فقد تَوَلَّى اللهُ أَمْرَ هؤلاءِ المجوسِ الرَّائعين. فقد أرادَ مِنْهُم أنْ يَحْمِلوا رسالةَ المَلِكِ وأنْ يَعودوا بها إلى بلادِ فارِس، رِسالةَ المَلِكِ الجَديد، المَسِيَّا، المَمْسوح. لِذا، فقد "أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ [ليُخبروهُ عنِ الصَّبِيِّ]، انْصَرَفُوا فِي طَرِيق أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ". لِذا فقد اعْتَنى اللهُ بهؤلاءِ المَجوس. وقدِ اعْتَنى اللهُ بالمُخَلِّص. وسوفَ نَرى في المَرَّة القادمة كيفَ أنَّ اللهَ اعْتَنى بالعائلة الصَّغيرة حينَ ذهبت إلى مِصْر.

واسمحوا لي أنْ أَخْتم بهذه الكلمات. أَلا سَمِعْتُموني مِنْ فَضْلِكُم؟ لا أَدْري ما المَجموعة الَّتي تَنتمي إليها اللَّيلة. فلا بُدَّ أنَّكَ تَنتمي إلى واحدة. فهل تَنتمي إلى جماعةِ هيرودس المُمتلئة عَداوةً ومَرارةً وكَراهِيَةً للمسيح؟ أَمْ هل تَنتمي إلى جماعةِ رؤساءِ الكَهنة والكَتَبة غير المُكَرَّسين وغير المُبالين؟ أَمْ هل تَنتمي إلى جماعةِ المجوس إذْ تَقِفُ مُستعدًّا للسُّجودِ لَهُ؟ وهل تَحْمِلُ في يَدَيْكَ ذَهَبًا يَليقُ بِمَلِك، ومُرًّا يَليقُ بإنسانٍ سيموت، ولُبانًا يَليقُ بالله؟ وهل تَراهُ بوصفِهِ "الله-الإنسان-المَلِك"؟

دَعونا نُصَلِّي: نَشكُرُكَ، يا أبانا في هذا المساء. فقد صَرَفْنا وقتًا طويلاً، ولكِنَّ الوقتَ مَضى بسُرعة شديدة بسبب رَوْعَةِ وبَهاءِ يسوعَ المسيح. ويا لَيْتَنا، يا أبانا، نَصْرِفُ بِضْعَ ساعاتٍ في يومِ الرَّبِّ للغَوْصِ عَميقًا في غِنى كَلِمَتِك والانتعاشِ بها. وفي وَسْطِ كُلِّ الأفكارِ الدُّنيويَّة، أُصَلِّي، يا رَبّ، لأجْلِ كُلِّ شخصٍ حاضِرٍ هُنا ويَنتمي إلى جماعةِ هيرودس الكارِهَة والمُعادِيَة. وأنا أَحْزَنُ رُبَّما أكثر لأجلِ الأشخاصِ غيرِ المُبالين لأنَّهم لا يُبالونَ بِهِ، ولا يُفَكِّرونَ فيه. وهذا هو أسوأُ موقفٍ على الإطلاق. وكم أَفْرَحُ جدًّا لأجلِ هؤلاءِ الأشخاصِ الحُكماء سواء كانوا رِجالًا أو نِساءً أو شُبَّانًا، لأنَّهم يَسْجُدونَ عندَ قَدَمَيْهِ؛ لا عندَ قَدَمَيِّ طِفْلٍ، بل عندَ قَدَمَيْهِ المَثقوبَتَيْن. وَهُمْ يَحْمِلونَ في أيديهم الهدايا الَّتي تُشيرُ إلى أنَّهُ اللهُ-الإنسانُ-المَلِك. وَهُمْ يُقَدِّمونَ هذه الهدايا لَهُ. وليتَنا، يا أبانا، نأتي إليكَ في المقامِ الأوَّلِ بِروحِ العِبادَةِ، وأنْ تَكونَ خِدمَتُنا نابِعَةً مِنْ تلك العِبادة. باسْمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize