Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إنْجيلُ مَتَّى والأصْحاحُ الرَّابِع. إنَّهُ واحِدٌ مِنْ أَرْوَعِ النُّصوصِ في كَلِمَةِ اللهِ بِمُجْمَلِها لأنَّهُ يَحْوي تِلْكَ الجُمْلَةَ العَظيمةَ الَّتي قَالَها رَبُّنا: "هَلُمَّ وَرَائِــي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ". قَبْلَ سَنَواتٍ خَلَتْ، كُنْتُ أَقرأُ "المَجَلَّة المَشْيَخِيَّة" (The Presbyterian Journal) فقَرأتُ هذِهِ القِصَّة. وقدِ رأيتُ أنَّها تَصْلُحُ كَتَمْهيدٍ للأفْكارِ الَّتي وَرَدَتْ في مَتَّى 4 في هذا المَساء. أمَّا القِصَّةُ فَتَقول: "على وَاحِدٍ مِنْ شَواطِئِ البَحْرِ الخَطِرَة الَّتي تَتَحَطَّمُ قُبالَتَها السُّفُنُ غَالِبًا، كانَ هُناكَ مَرْكَزُ إنْقاذٍ قَديم. كانَ المَبْنى مُجَرَّدَ كُوْخٍ. وقد كانَ هُناكَ قارِبٌ واحِدٌ فقط. ولكِنَّ العامِلينَ القَليلينَ المُكَرَّسينَ كانُوا يُراقِبونَ البَحْرَ مُراقَبَةً حَثيثَةً. وَهُمْ لم يَكونوا يُفَكِّرونَ في أنْفُسِهِمْ، بَلْ كانُوا يَبْحَثونَ عَنِ المَفْقودينَ نَهارًا وليلًا بِلا كَلَلٍ أوْ مَلَل. وقد أُنْقِذَتْ حياةُ كَثيرينَ بِواسِطَةِ مَرْكَزِ الإنْقاذِ الصَّغيرِ الرَّائِعِ هَذا. لذلكَ فَقَدْ صَارَ مَشْهُورًا.

وَقَدْ أرادَ أُناسٌ مِنَ الَّذينَ تَمَّ إنْقاذُهُمْ وَآخَرونَ في المِنْطَقَةِ المُجاوِرَةِ أنْ يَكونَ لَهُمْ دَوْرٌ في المَرْكَزِ وَأنْ يُخَصِّصُوا جُزْءًا مِنْ وَقْتِهِمْ وَمالِهِمْ وَجُهْدِهِمْ لِدَعْمِ عَمَلِه. لذلكَ فقد تَمَّ شِراءُ قَوارِبَ جَديدَة، وَتَمَّ تَدْريبُ طَواقِمَ جَديدَة على مَهاراتِ إنْقاذِ الحَياةِ. وهكذا فقد نَما مَرْكَزُ الإنْقاذِ الصَّغير. ولكِنَّ بَعْضَ أفرادِ مَرْكَزِ الإنْقاذِ لم يَكونوا رَاضينَ عَنْ مُسْتَوى المَرْكَزِ وَتَجهيزاتِهِ السَّيِّئَة. فقد شَعَروا أنَّهُ يَنبغي تَوفيرُ مَكانٍ أكْثَرَ رَاحَةً كَملاذٍ أوَّلٍ للأشخاصِ الَّذينَ يَتِمُّ إنْقاذُهُمْ مِنَ البَحْر. لذلكَ فقدِ اسْتَبْدَلوا حَمَّالاتِ الطَّوارِئ والأَسِرَّة، وَوَضَعُوا أثاثًا جَديدًا في المَبْنى الَّذي تَمَّتْ تَوْسِعَتُه. والآنْ، صَارَ مَرْكَزُ الإنْقاذِ مَكانًا يَجْتَمِعُ فيهِ الأعْضاءُ عادَةً. وقد صَمَّموهُ وَرَتَّبوهُ بطريقةٍ جَميلَةٍ وَفَرَشوهُ فَرْشًا رائعًا لأنَّهُمْ صَارُوا يَسْتَخْدِمونَهُ كَنادٍ لَهُمْ.

وبِمُرورِ الوَقْتِ، فَقَدَ كَثيرٌ مِنَ الأعْضاءِ رَغْبَتَهُمْ في الخُروجِ إلى البَحْرِ في مَهَمَّاتِ إنْقاذٍ. لذلكَ فقد عَيَّنوا طَواقِمَ لِقَوارِبِ النَّجاةِ للقيامِ بهذا العمل. وَكانَ شِعارُ إنقاذِ الحَياةِ ما يَزالُ ظَاهِرًا للعِيانِ مِنْ خِلالِ أثاثِ النَّادي. وكانَ هُناكَ قارِب نَجاةٍ قَديمٍ في القاعَةِ الَّتي يُجْري فيها النَّادي التَّدريبات. وفي هذا الوقتِ تَقريبًا، تَحَطَّمَتْ سَفينَةٌ ضَخْمَةٌ قُبالَةَ السَّاحِل. وقد أَحْضَرَتْ طَواقِمُ الإنْقاذِ أعدادًا كبيرةً مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ أَوْشَكُوا على الغَرَقِ والذينَ كانُوا مُبْتَلِّينَ وَيَشْعُرونَ بالبَرْدِ الشَّديد. وكانَ هَؤلاءِ مُتَّسِخينَ وَمَرْضَى. وكانَ جِلْدُ بَعْضٍ مِنْهُمْ يَميلُ إلى السَّوادِ أوْ إلى الصَّفارِ.

عَمَّتِ الفَوضَى والقَذارَة في النَّادي الجَديدِ الجَميل. لذلكَ، قامَتْ لَجْنَةُ المَبْنى حَالًا بِبِناءِ حَمَّاماتٍ خَارِجَ النَّادي لكي يَتِمَّ فيها غَسْلُ ضَحايا السُّفُنِ المُحَطَّمَةِ وَتَنْظيفُهُمْ قَبْلَ إحْضارِهِمْ إلى مَبْنى النَّادي. وفي الاجْتِماعِ التَّالي، كانَ هُناكَ اخْتِلافٌ في الرَّأيِ بَيْنَ أعْضاءِ النَّادي. فقد أرادَ أغلبيَّةُ الأعضاءِ أنْ يُوْقِفوا أعْمالَ الإنْقاذِ لأنَّها غَيْرُ مُسِرَّة، وَلأنَّها تُعيقُ الحَياةَ الاجْتماعيَّةَ المُعْتادَة للنَّادي. ولكِنَّ أعْضاءً آخَرينَ أَصَرُّوا على اسْتِمرارِ أعْمالِ الإنْقاذِ لأنَّها العَمَلُ الأساسِيُّ للنَّادي. وقد ذَكَّرُوا الآخَرينَ بأنَّ هذا النَّادي ما زَالَ يُسَمَّى مَرْكَزَ إنْقاذٍ. ولكِنَّ الأغلبيَّةَ صَوَّتُوا لِوَقْفِ أعْمالِ الإنْقاذِ وَقالُوا للفَريقِ الآخَرَ إنَّهُمْ إنْ كانُوا يَرْغَبونَ في مُتابَعَةِ أعْمالِ إنْقاذِ حَياةِ مُختلفِ أنواعِ النَّاسِ الَّذينَ تَتَحَطَّمُ بِهِم السُّفُنُ في تلكَ المِياهِ، يُمْكِنُهُمْ أنْ يُؤسِّسُوا مَرْكِزًا خَاصًّا بِهِمْ في مَكانٍ آخَر على السَّاحِلِ. وَقَدْ كانَ ذلكَ هُوَ ما فَعَلَهُ هَؤلاء.

وبِمُرورِ السِّنين، تَكَرَّرَ الأمْرُ نَفْسُهُ في المَرْكَزِ الجَديدِ. فَقَدْ صَارَ مُجَرَّدَ نَادٍ. ثُمَّ تَمَّ تَأسيسُ مَرْكَزِ إنْقاذٍ آخَر. وَقَدْ بَقِيَ التَّاريخُ يُعيدُ نَفْسَهُ. وَإذا زُرْتَ ذلكَ السَّاحِلَ اليوم، سَتَجِدُ عَدَدًا مِنَ النَّوادي الحَصْرِيَّة على طُوْلِ الشَّاطِئ. وَلَمَّا كانَتْ سُفُنٌ كَثيرَةٌ تَتَحَطَّمٌ في تلكَ المِياهِ، فإنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يَغْرَقون".

يا لَها مِنْ قِصَّةٍ بَسيطَةٍ وَمُؤثِّرَةٍ تُوَضِّحُ لَنا تَاريخَ الكَنيسَة. وبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ، فإنَّ عَمَلَ إنْقاذِ الأرْواحِ وَعَمَلَ التَّبْشيرِ هُوَ أَنْقى، وَأرْوَعُ، وَأنْبَلُ، وَأَهَمُّ عَمَلٍ قَامَتْ بِهِ الكَنيسَةُ وَسَتَقومُ بهِ يَوْمًا. فَعَمَلُ التَّبْشيرِ، أوْ عَمَلُ صَيْدِ النَّاسِ مِنْ بَحْرِ الخَطِيَّةِ، أوْ عَمَلُ إنْقاذِ النَّاسِ مِنْ أَهْوالِ جَهَنَّم هُوَ أعْظَمُ عَمَلٍ قامَتْ بِهِ الكَنيسَةُ وَسَتَقومُ بِهِ يَوْمًا. وَهَذا هُوَ أَهَمُّ عَمَلٍ في نَظَرِ اللهِ. فنحنُ نَقرأُ في رِسالَةِ يُوحَنَّا الأولى 4: "نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً". ونَقرأُ في إنْجيل يُوحَنَّا 3: 16: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ ...". فَأعْظَمُ عَمَلٍ في قَلْبِ اللهِ، وَأعْظَمُ شَيءٍ في ذِهْنِ اللهِ هُوَ التَّبْشير. فَرِبْحُ النُّفوسِ الضَّالَةِ هُوَ أَعْظَمُ اهْتِمامٍ لَدى الله. وَهُوَ أيْضًا أَعْظَمُ اهْتِمامٍ لَدى المَسيح.

ونَقرأُ في إنْجيل لُوقا 19: 10: "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ". فَعَمَلُ رِبْحِ النُّفوسِ هُوَ أعْظَمُ اهْتِمامٍ لَدى اللهِ وأعْظَمُ اهْتِمامٍ لَدى المَسيحِ. وَهُوَ أيضًا أَعْظَمُ اهْتِمامٍ لَدى الرُّوحِ القُدُس. فَبِحَسَبِ مَا جَاءَ في إنْجيل يُوحَنَّا 16، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ جَاءَ لِيُبَكِّتَ العَالَمَ عَلى خَطِيَّةٍ وَعَلى بِرٍّ وَعَلى دَيْنُونَةٍ. والرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي حَلَّ على الكَنيسَةِ. وبعدَ أنْ نِلْنا الرُّوحَ القُدُسَ، صِرْنا، حَسْبَما قَالَ يَسوعُ، شُهُودًا لَهُ "فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ". فَأعْظَمُ اهْتِمامٍ لَدَى اللهِ هُوَ التَّبْشيرُ. وَأعْظَمُ اهْتِمامٍ لَدَى المَسيحِ هُوَ التَّبْشيرُ. وَأعْظَمُ اهْتِمامٍ لَدَى الرُّوحِ القُدُسِ هُوَ التَّبْشيرُ، أيْ إنْقاذُ النُّفوسِ الضَّالَّةِ.

وَعِنْدَما تَصِلونَ إلى العَهْدِ الجَديدِ، تَجِدونَ أنَّ ذلكَ هُوَ أيْضًا أَعْظَمُ اهْتِمامٍ لَدى الرُّسُل. وَلا شَكَّ أنَّهُ كانَ كذلكَ عِنْدَ بولُس. فَبولُسُ يَكْتُبُ بالوَحْيِ في الأصْحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسالَةِ رُومية: "إِنِّي مَدْيُونٌ لِلْيُونَانِيِّينَ وَالْبَرَابِرَةِ، لِلْحُكَمَاءِ وَالْجُهَلاَءِ. فَهكَذَا مَا هُوَ لِي مُسْتَعَدٌّ لِتَبْشِيرِكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا، لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ". وَفي مَقْطَعٍ لاحِقٍ مِنْ رِسالَةِ رُومية الرَّائِعَة تِلْك، يُشارِكُ بولُسُ ما في قَلْبِهِ فَيَقولُ في الأصْحاحِ التَّاسِعِ: "أَقُولُ الصِّدْقَ فِي الْمَسِيحِ، لاَ أَكْذِبُ، وَضَمِيرِي شَاهِدٌ لِي بِالرُّوحِ الْقُدُسِ: إِنَّ لِي حُزْنًا عَظِيمًا وَوَجَعًا فِي قَلْبِي لاَ يَنْقَطِعُ. فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ". فَقَدْ كانَ ذلكَ الأمْرُ أَعْظَمَ اهْتِمامٍ لَديه.

وَهُوَ يَقولُ في الأصْحاحِ العَاشِرِ والعَدَدِ الأوَّل: "إِنَّ مَسَرَّةَ قَلْبِي وَطَلْبَتِي إِلَى اللهِ لأَجْلِ إِسْرَائِيلَ هِيَ لِلْخَلاَصِ". وَهُوَ يَقولُ في 1كورِنثوس 9: 20-22: "صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا". اسْتَمِعُوا إلَيَّ: إنَّ أعْظَمَ اهْتِمامٍ لَدى اللهِ هُوَ أنْ يَرْبَحَ النَّاسَ لِنَفْسِهِ. وَهَذا الأمْرُ هُوَ أعْظَمُ اهْتِمامٍ لَدى المَسيحِ، وَأعْظَمُ اهْتِمامٍ لدى الرُّوحِ القُدُسِ، وَأعْظَمُ اهْتِمامٍ لَدى الرُّسُلِ، وَأعْظَمُ اهْتِمامٍ لدى الكَنيسةِ الباكِرَةِ. وعندما تَشَتَّتوا في الأصْحاحِ الثَّامِنِ مِنْ سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل، ذَهَبوا إلى كُلِّ مَكانٍ يَكْرِزونَ بيسوعَ المسيحِ وَيَسْعَوْنَ إلى رِبْحِ النُّفوس إليهِ.

وَحَتَّى في العهدِ القَديمِ، لَمْ يَكُنِ الأمْرُ مُخْتَلِفًا. فَقَدْ كانَ قَلْبُ اللهِ في العهدِ القَديمِ مُهْتَمًّا بذلك إذْ إنَّهُ كانَ مُهْتَمًّا بالأشخاصِ الضَّالِّين. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ الأمْثال 11: 30 هذهِ الكلماتِ الرَّائعةِ: "رَابحُ النُّفُوسِ" مَاذا؟ "حَكِيمٌ". وَإنْ كُنْتَ تَعْرِفُ أيَّ شَيءٍ عَنِ الكَلِمَة "حَكيم" في سِفْرِ الأمْثال، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ الكَلِمَةَ "حَكيم" مُرادِفَةٌ حَقًّا للحَياةِ التَّقِيَّة. فالإنْسانُ البارُّ حَقًّا، والإنْسانُ الَّذي يَسْلُكُ حَقًّا بالفَهْمِ، والإنْسانُ الَّذي لا يَعْرِفُ ذلكَ نَظَرِيًّا فَقَطْ، بَلْ يَحْيا ذلكَ عَمَلِيًّا، هُوَ الإنْسانُ الَّذي يَرْبَحُ النُّفوس. فَهُوَ حَكيمٌ حَقًّا.

وفي نِهايَةِ سِفْرِ دَانيال (وَتَحْديدًا، في الأصْحاح 12 والعَدَد 3) نَقرأُ: "وَالْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ، وَالَّذِينَ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى الْبِرِّ كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ". فالنَّاسُ الَّذينَ يَرُدُّونَ النَّاسَ إلى البِرِّ حُكَماءٌ. وَهُمْ سَيُضيئونَ كالكَواكِبِ إلى أبدِ الآبِدين. وأعتقدُ أنَّ هَذا هُوَ أَصْلُ الاسْم "ستارلايتر" (Starlighter) (أيْ: "مُنيرُ النُّجوم"). وَهُوَ اسْمُ صَفٍّ يَتِمُّ تَعْليمُهُ في كَنيسَتِنا. فكلمةُ اللهِ واضِحَةٌ. وَالنَّصُّ الَّذي بينَ أيْدينا يَعْكِسُ نَفْسَ الشَّغَفِ. انْظُروا إليهِ. فَنَحْنُ نَقرأُ في إنْجيل مَتَّى 4: 19 هذهِ الكلماتِ العَظيمَةَ الَّتي نَطَقَ بِها رَبُّنا يَسوعُ المَسيحُ: "فَقَالَ لَهُمَا: «هَلُمَّ وَرَائِــي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ»". ويا لَهُ مِنْ وَعْدٍ رائِعٍ! فَهُوَ لا يَقولُ فقط: "أُريدُ مِنْكُما أنْ تَفْعلا ذلك". بَلْ إنَّهُ يَقولُ: "أنا سَأُعْطيكُما القُدْرَةَ على القِيامِ بذلك".

وهذهِ هِيَ مَأموريَّتُنا. فَهَلْ تَعْلَمونَ أنَّ الكَلِمَة اليونانيَّة الَّتي تُتَرْجَم "يَكْرِز" (أوْ: "يُبَشِّر") تُسْتَخْدَمُ أكثَر مِنْ ثلاثةٍ وخَمْسينَ مَرَّةً في العهدِ الجَديد؟ وَهذا كُلُّهُ يَتَلَخَّصُ في المَأموريَّةِ العُظْمى الَّتي جاءَتْ في الأصْحاح 28 مِنْ إنْجيل مَتَّى إذْ يَقولُ الرَّبُّ: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ [أيِ: ارْبَحوهُمْ للمَسيحِ] وَعَمِّدُوهُمْ ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ".

وَقَدْ قَالَ أحَدُ الأشْخاصِ: "إنَّ التَّبْشيرَ هُوَ لَوْعَةُ قَلْبِ اللهِ. والتَّبشيرُ هُوَ بُكاءُ يَسوعَ على مَدينَةٍ حُكِمَ عليها بالدَّينونَة. والتَّبشيرُ هُوَ بُكاءُ بولُس حينَ قال: ’فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ‘. والتَّبشيرُ هُوَ تَضَرُّعُ مُوْسَى الَّذي قالَ: ’آهِ، قَدْ أَخْطَأَ هذَا الشَّعْبُ خَطِيَّةً عَظِيمَةً. ... وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ، وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ‘. والتَّبشيرُ هُوَ صَرْخَةُ جُوْن نوكس الَّذي قال: ’أَعْطِني إسكوتلندا أوْ دَعْني أَموت‘. وَهُوَ صَرْخَةُ وِيسلي الَّذي قال: ’العالَمُ هُوَ رَعِيَّتي‘. والتَّبشيرُ هُوَ لَوْعَةُ قَلْبِ أَبَوَيْنِ يَبْكِيانِ في اللَّيْلِ على ابْنِهما الضَّالّ".

فَهذهِ هِيَ أعْظَمُ مَأموريَّة. ويجبُ علينا أنْ نَعْكُفَ على القِيامِ بهذهِ المَأموريَّةِ. وفي الوقتِ نَفسِهِ، فإنَّ التَّبشيرَ هُوَ أعْظَمُ مُفارَقَة. فَرِبْحُ النَّاسِ إلى يَسوعَ المَسيحِ هُوَ مُفارَقَةٌ بهذا المَعْنى إذْ إنَّ يَسوعَ قَال: "فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا". بِعِبارةٍ أُخرى، عِنْدَما نُخَلِّصُ الآخَرينَ فإنَّنا نَبْذُلُ أنْفُسَنا. أوْ مِنْ خِلالِ بَذْلِ نُفوسِنا في تلكَ المُهِمَّةِ، فإنَّنا نَرْبَحُ آخَرين. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّنا نَسْتَطيعُ أنْ نُعَبِّرَ عَنْ ذلكَ كالآتي: إنَّ الشَّخصَ الَّذي يَرْبَحُ العَالَمَ سَيَصيرُ مَرْفوضًا مِنَ العَالَمِ. فَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَحْصُلَ على الاثْنَيْنِ مَعًا.

وَقَدْ قَالَ يَسوعُ في إنْجيلِ يُوحَنَّا 15: 25: "لكِنْ لِكَيْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ فِي نَامُوسِهِمْ: إِنَّهُمْ أَبْغَضُونِي بِلاَ سَبَبٍ. وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا". بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ يَسوعَ يَقولُ: "سَوْفَ تَكونونَ شُهودًا لي. فسوفَ تَذْهَبونَ إلى العالَمِ وَتَشْهَدون". وما الَّذي سيَحْدُثُ؟ نَقرأُ في العَدَدِ الثَّاني مِنَ الأصْحاح 16: "سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ". فالشَّخْصُ الَّذي يُريدُ أنْ يَرْبَحَ العَالَمَ للمَسيح، والَّذي يُريدُ أنْ يَصِلَ إلى العَالَمِ لا بُدَّ أنْ يُرْفَضَ مِنَ العَالَمِ. فَمَنْ أَرادَ أنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ يَسْتَخْدِمُها لِتَخْليصِ الآخَرين. فهذهِ هِيَ طَريقَةُ يَسوع. فَرَبُّنا الَّذي خَلَّصَنا مِنَ الموتِ مِنْ خِلالِ قَهْرِ المَوْتِ كانَ يَنْبَغي أنْ يَموت.

لِذا فإنَّ التَّبْشيرَ، مِنْ جِهَة، هُوَ ذَبيحَةٌ يُقَدِّمُها الأعْظَمُ مِنْ أجْلِ الأَصْغَر. وَهُوَ ذَبيحَةٌ يُقَدِّمُها مَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ لأجْلِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّين. وَهِوَ يعْني أنْ يَموتَ القَوِيُّ مِنْ أجْلِ أنْ يَحْيا الضَّعيف. فَهِيَ لَيْسَتْ نَظريَّةَ "بَقاءِ الأصْلَح" الخالِيَة مِنَ الحُبِّ، بَلْ هِيَ ذَبيحَةُ الأصْلَحِ مِنْ أجْلِ أنْ يَتَمَكَّنَ الأضْعَفُ مِنَ المَشْيِ. والكِتابُ المُقَدَّسُ وَاضِحٌ في أنَّهُ ينبَغي لنا أنْ نُكَرِّسَ أنْفُسَنا لهذا الأمْر، وَأنْ نُكَرِّسَ أنْفُسَنا لِمُواجَهَةِ عَالَمٍ مِنَ النَّاسِ الذينَ يَعيشونَ بِمَعْزِلٍ عَنْ يَسوعَ المَسيحِ، وَأنْ نَبْذِلَ نُفوسَنا لكي نَرْبَحَهُمْ.

وقد كُنْتُ أَتَصَفَّحُ كِتابًا قَديمًا في هذا الأسْبوع. وأنا أُحِبُّ أنْ أَفعلَ ذلكَ لأنِّي أَجِدُ كُلَّ الأشياءِ الَّتي نَظُنُّ أنَّها جَديدَةٌ جِدًّا، ورائعةٌ جِدًّا، وَأنَّها اكْتُشِفَتْ على يَدِ هذا الجِيْلِ مِنَ المَسيحيِّينَ الوَاعِيْن إنَّما هِيَ في الحَقيقَة كُنوزٌ مَدْفونَةٌ مُنْذُ القَديم. فَرُوْحُ اللهِ كَشَفَ دائمًا عَنْ هذهِ الحَقائِقِ العَظيمَةِ لِجَميعِ النَّاسِ على مَرِّ العُصور. وقد كُنْتُ أَتَصَفَّحُ كِتابًا قديمًا كُتِبَ في سَنَة 1877. وقد وَجَدْتُ فيهِ مُلاحَظَةً صَغيرَةً مُثيرَةً للدَّهْشَةِ. فقد كانَ الكاتِبُ يُحاوِلُ أنْ يَحُضَّ النَّاسَ على التَّبْشير. فَرَجُلُ اللهِ هَذا، أيًّا كانَ اسْمُهُ، وَهُوَ كاتِبٌ مَجْهولٌ، ولَكِنْ مِنَ الواضِحِ أنَّهُ كانَ مُبَشِّرًا، كانَ يُحاوِلُ بِكُلِّ حَماسَةٍ أنْ يُشَجِّعَ النَّاسَ على الذَّهابِ وَرِبْحِ الآخَرينَ للمسيح. وَرُبَّما كانَ يَقولُ للكَنيسَةِ: "كُوْنوا طَاقمَ نَجاةٍ وَلا تَكونوا مُجَرَّدَ نَادٍ". وإليكُمْ مَا كَتَبَ لأنِّي أعتقدُ أنَّ مَا كَتَبَهُ مُدْهِشٌ جِدًّا:

"إذا افْتَرَضْنا أنَّ تَعْدادَ سُكَّانِ الأرْضِ حاليًّا هُوَ مِلْيار وَسِتّمِئَة مِلْيون نَسَمَة في سَنَة 1877، وَهُوَ رَقْمٌ رُبَّما كانَ مُبالَغًا فيهِ، وَأنَّهُ كانَ يُوْجَدُ مِنْ بينِ هَذا العَدَدِ الضَّخْمِ مَسيحيٌّ حَقيقيٌّ واحِدٌ. وَأنَّهُ سَيَكونُ أداةً في يَدِ الرُّوحِ القُدُسِ خِلالَ السَّنَةِ القادِمَةِ لاهتداءِ شَخْصَيْنِ فقط إلى المسيح، وَأنَّ كُلَّ شَخْصٍ مِنْ هَذَيْنِ المُؤمِنَيْنِ حَديثًا سيكونُ أداةً لاهتداءِ شَخْصَيْنِ آخَرَيْنِ إلى المَسيحِ خِلالَ السَّنَةَ الأولى في حَياتِهِما الرُّوحِيَّةِ. وَأنَّ العَمَلَ سَيَستمرُّ في أنْ يَقومَ كُلُّ مُؤمِنٍ جَديدٍ بِرِبْحِ شَخْصَيْنِ آخَرَيْنِ إلى المَسيحِ خَلالَ سَنَةٍ مِنَ اهْتِدائِهِ، كَمْ سَنَةً سَيَستَغْرِقُ الأمْرُ بهذا المُعَدَّلِ ابتداءً مِنْ مُؤمِنٍ واحدٍ لِرِبْحِ المِلْيار والسِّتِّمِئَة مَليون نَسَمَة إلى المسيح؟ مِنَ المؤكَّدِ أنَّ الجَوابَ سَيَصْدُمُ كَثيرينَ مِنَ القُرَّاءِ. ولكِنْ إذا اعْتَمَدْنا على الأرْقامِ، فإنَّ العَالَمَ كُلَّهُ سَيَهْتَدي إلى المسيحِ في أَقَلِّ مِنْ ثَلاثينَ سَنَة وَنِصْف، أيْ في أقَلِّ مِنْ جِيْلٍ واحِد".

"وهل يعْسُرُ على رُوْحِ اللهِ أنْ يَصْنَعَ ذلك، أوْ هَلْ يَعْسُرُ على الكَنيسَةِ أنْ تُحاوِلَ تَحْقيقَ ذلك؟ ولكِنْ لِنُغَيِّرِ الظُّروفَ قليلًا. فبدلًا مِنَ الافْتِراضِ، كَما فَعَلْنا قبلَ قليل، بأنَّهُ يُوْجَدُ مُؤمِنٌ مَسيحيٌّ واحدٌ فقط في العالَمِ كُلِّهِ، لِنَفْتَرِضْ أنَّ عَدَدَ المُؤمِنينَ المَسيحيِّينَ الحَقيقيِّينَ هُوَ 20 مِليونًا على الأقلّ. ورُبَّما كانَ هذا أقَلُّ بِكَثير مِنَ الحَقيقَة. ولكِنْ إذا قامَ كُلُّ مُؤمِنٍ مِنْ هؤلاءِ المُؤمِنينَ البالِغ عَدَدُهُمْ عِشرونَ مِلْيونًا بَرِبْحِ نَفْسٍ واحِدَةٍ فقط إلى المسيحِ في هذهِ السَّنةِ، فإنَّ الرَّقْمَ كُلَّهُ سَيَتَضاعَفُ قبلَ نِهايَةِ هذهِ السَّنَة، أيْ سَنَة 1877. وإذا اسْتَمَرَّتُ النَّتائجُ المُبارَكَةُ مِنْ خِلالِ الصَّلاةِ والتَّعَبِ في سَنَة 1878، واسْتَمَرَّتْ سَنَةً تِلْوَ الأُخرى، وصَارَ كُلُّ مُؤمِنٍ حَقيقيٍّ أداةً فعَّالةً مِنْ خِلالِ الصَّلاةِ والجُهْدِ الشَّخصيِّ في خَلاصِ شَخْصٍ واحِدٍ في السَّنة، فإنَّ جَميعَ سُكَّانِ العَالَمِ سَيَخْلُصونَ قَبْلَ نِهايَةِ سَنَة 1883. وَسَوْفَ تُسْمَعُ الجُوْقَةُ الكَبيرَةُ وَهِيَ تُرَنِّمُ في السَّماءِ بأنَّ مَمالِكَ هذا العَالَمِ قَدْ صَارَتْ مَمالِكَ رَبِّنا وَمَسيحِهِ.

وَهَلْ تَعْلَمونَ شَيئًا؟ إنَّهُمْ لم يَفْعَلوا ذلك. هَلْ تَعْلَمونَ ذلك؟ هذا صَحيح. فَهُمْ لم يَفْعَلوا ذلك. وَهَلْ تُريدونَ أنْ تَسْمَعُوا شَيئًا مُدْهِشًا؟ لو أنَّ كُلَّ شَخْصٍ في "كَنيسَةِ جَماعَةِ النِّعْمَة" (Grace Community Church) دَرَّبَ شَخْصَيْنِ آخَرَيْنِ على كيفيَّةِ تَقْديمِ يَسوعَ المَسيحِ، وَقامَ كُلٌّ مِنْهُما بِرِبْحِ شَخْصٍ واحِدٍ للمسيح، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ العمليَّةُ كُلَّ سِتَّة أشْهُر، بعدَ سِتِّ سِنين ونِصْف، سيكونُ "وادي سان فيرناندو" بِأسْرِه قَدِ اهْتَدى إلى المسيح، وَبَقِيَّة لوس أنْجيليس في الأشْهُر السِّتَّة الأخيرَة. والآنْ، إنَّ السَّبَبَ الَّذي يَجْعَلُني أقولُ هذا هُوَ ليسَ أنْ نَدْخُلَ في جِدالٍ حَوْلَ ما إذا كانَ اللهُ يُريدُ لمدينةِ لوس أنْجيليس بِأسْرِها أنْ تَخْلُصَ أَمْ لا، بل بِبَسَاطَة أنْ أُبَيِّنَ لَكُمْ أنَّ ذلكَ ليسَ مُستحيلًا. فَالمَأموريَّةُ لم تَتغيَّر. ولكِنْ يجب أنْ تَبْتَدِئَ مِنْ مَكانٍ مَا، أيُّها الأحِبَّاء. ويُمْكِنُ أنْ تَبْتَدِئَ بِنا.

فَينبَغي أنْ تَبتدئَ مِنَ المَكانِ الَّذي أنْتُمْ فيه، وليسَ مِنْ على المِنْبَر. فصَافِرَةُ الضَّبابِ الثَّابِتَة لَها قيمَتُها، ولكِنْ لم يَسْبِقْ لأحدٍ أنْ أُنْقِذَ مِنَ البَحْرِ بواسِطَةِ صَفَّارَةِ ضَبابٍ ثَابِتَة. فيُمْكِنُني أنْ أَعْتَلي المِنْبَرِ أُسْبوعًا تِلْوَ الآخَرِ، وَأنْ أَصيحَ، وَأنْ أُشَغِّلَ الصَّفَّارَةَ. ولكِنَّ تَخْليصَ النَّاسِ يَتَطَلَّبُ طَاقِمًا مُدَرَّبًا جَيِّدًا على الإنْقاذِ لكي يَخْرُجَ وَيُنْقذَ النَّاسَ مِنْ عُرْضِ البَحْرِ، إيْ إنَّهُ يَتَطَلَّبُ صَيَّادي نَاسٍ.

وَقَدْ قَالَ الواعِظُ العَظيمُ "هِنري وورد بيشر" (Henry Ward Beecher): "كُلَّما عِشْتُ أكْثَر، زَادَتْ ثِقَتي بأنَّهُ في تِلْكَ العِظاتِ الَّتي يَكونُ فيها الواعِظُ واحدًا والرَّعيَّةُ شَخْصًا واحدًا فقط، فإنَّهُ لَنْ يَكونَ هُناكَ أيُّ سُوْءِ فَهْمٍ عندما يَقولُ الواعِظُ: ’أنْتَ هُوَ الرَّجُل‘". فالتَّبشيرُ هُوَ تَحْقيقُ قَصْدِ اللهِ الأزليِّ في الفِداءِ في الوقتِ المُعَيَّنِ. والتَّبشيرُ الشَّخصيُّ، أوْ رِبْحُ النُّفوسِ لِيَسُوعَ المَسيحِ، يَبْتَدِئُ، يا أحِبَّائي، في إنْجيل مَتَّى 4: 18-22. لِذلكَ، لِنُلْقِ نَظْرَةً على هذا النَّصِّ:

"وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ مَاشِيًا عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ أَخَوَيْنِ: سِمْعَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. فَقَالَ لَهُمَا: «هَلُمَّ وَرَائِــي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ». فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا الشِّـبَاكَ وَتَبِعَاهُ. ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ فَرَأَى أَخَوَيْنِ آخَرَيْنِ: يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، فِي السَّفِينَةِ مَعَ زَبْدِي أَبِيهِمَا يُصْلِحَانِ شِبَاكَهُمَا، فَدَعَاهُمَا. فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ".

كانَ هَذا هُوَ أوَّلُ طَاقمِ إنْقاذٍ تَمَّ تَشكيلُهُ في العهدِ الجَديد. وَهُوَ أوَّلُ فَريقٍ سَيَتِمُّ تَدْريبُهُ للتَّبشيرِ مِنْ أجْلِ البَدْءِ في تَحْقيقِ المَأموريَّةِ العُظْمَى. فالأمْرُ بِرُمَّتِهِ ابْتَدَأَ هُنا. والآنْ، لِنُلْقِ نَظرةً على السِّياقِ مَرَّةً أُخرى. فَمَتَّى يُقَدِّمُ لَنا المَلِك – المَلِكَ يَسوعَ. فَهَذِهِ هِيَ فِكْرَتُهُ الرَّئيسيَّةُ في كُلِّ الأصْحاحاتِ الثَّمانيةِ والعِشرينَ مِنْ إنْجيلِهِ. وفي كُلِّ مَكانٍ في هذا الإنْجيلِ، سَنَلْتَقي بَيَسوعَ المَسيحِ المَلِك. فَنَحْنُ سَنَراهُ بِوَصْفِهِ مَلِكًا. وقد ذَكَرْتُ لَكُمْ سابقًا أنَّ هذا المَقْطَعَ الكَبيرَ بِمُجْمَلِهِ في إنْجيل مَتَّى 4: 12-25 هُوَ وَحْدَة واحِدَة. فَهُوَ يُرَكِّزُ في إنْجيل مَتَّى 4: 12-25 على الخِدْمَةِ الرَّسْمِيَّةِ للمَلِك. وهُنا تَبْتَدِئُ الخِدمةُ المَلَكِيَّةُ الرَّسميَّةُ للمَسيح. وَقَدْ أَسْمَيْناها سَابِقًا: "النُّوْرُ يُشْرِقُ". فَأخيرًا، وَصَلَ المَلِكُ. فَبَعْدُ كُلِّ سَنواتِ الإعْدادِ، وبَعْدَ خِدْمَةِ يُوحَنَّا المَعْمَدان، وبَعْدَ المَعموديَّةِ، وَبَعْدَ التَّجْرِبَةِ، انْطَلَقَ يَسوعُ أخيرًا في خِدْمَتِهِ الرَّسميَّة. وَقَدْ أَشْرَقَ النُّورُ في الجَليل. وَقَدْ كانَ كُلُّ شَيءٍ في مَوْضِعِهِ الصَّحيح. وَكانَ كُلُّ شَيءٍ جَاهِزًا.

وإذِ ابْتَدَأتْ خِدْمَةُ يَسوعَ، رُبَّما تَذْكُرونَ مُخَطَّطَ السِّفْرِ. وَهُوَ مَوْجودٌ في النَّشْرَةِ الَّتي بَيْنَ أيْديكُمْ إنِ احْتَجْتُمْ إلى إنْعاشِ أذْهانِكُمْ. فَقَدِ ابْتَدَأَ خِدْمَتُهُ هُنا في الأعْداد 12-25. وَقَدْ ذَكَرْنا لَكُمْ نُقاطًا عَديدَةً لِتَتَأمَّلوا فيها. أوَّلًا، في العَدَد 12، رَأينا أنَّهُ ابْتَدَأَ خِدْمَتَهُ في الوَقْتِ المُناسِبِ تَمامًا ... في الوقتِ المُناسِبِ تَمامًا. ثانيًا، في الأعْداد 13-16، رَأينا أنَّهُ ابْتَدَأَ خِدْمَتَهُ في المَكانِ المُناسِبِ، في الجَليل. ثالثًا، رَأينا أنَّهُ ابْتَدَأَ خِدْمَتَهُ بالإعلانِ المُناسِبِ. فَهَلْ تَذْكُرونَ ذلكَ في العَدَد 17؟ "مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: «تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ»".

اسْتَمِعُوا إلَيَّ: لقد كانَ يَسوعُ يَسير بِتَوْقيتٍ إلَهِيٍّ، وَبِتَقْويمٍ إلَهِيٍّ. وَكانَ يَعْمَلُ بِحَسَبِ خُطَّةِ اللهِ. وَقَدِ ابْتَدَأَ خِدْمَتَهُ في اللَّحْظَةِ المُناسِبَةِ عِنْدَما سُجِنَ يُوحَنَّا - في المَكانِ المُناسِبِ في جَليلِ الأُمَمِ حيثُ سَيَسْمَعُهُ أكْبَرُ عَدَدِ مِنَ النَّاسِ، وَحَيْثُ سَيَكونُ هُناكَ أَوْسَعُ بَابٍ، وَأكْبَرُ إمْكانِيَّاتٍ، وَأعْظَمُ حَاجَةٍ. وقدِ ابتدأَ خِدْمَتَهُ بالإعلانِ المُناسِبِ بأنَّ هُناكَ مَلَكوتًا يَقْتَرِب. ولكِنْ يَنْبَغي لبعضِ الأشْخاص أنْ يَهْتَدُوا لكي يَشْتَرِكوا فيه.

لقد قالَ يَسوعُ إنَّ لَدى اللهِ مَلَكوتٌ. وَإنْ أَرَدْتَ أنْ تَكونَ جُزْءًا مِنْ هذا المَلكوتِ، يَنْبَغي أنْ تَتوبَ وَأنْ تَهْتَدي. لذلكَ فقدِ ابْتَدَأَ في اللَّحظةِ المُناسِبَةِ، وفي المَكانِ المُناسِبِ، وبالإعلانِ المُناسِبِ. وَنَأتي الآنَ إلى العَدَد 18 حَيْثُ نَجِدُ الشُّرَكاءَ المُناسِبين ... الشُّرَكاءَ المُناسِبين. فيسوعُ لَمْ يَقْصِدْ يَوْمًا أنْ يَفعلَ ذلكَ بِمُفْرَدِهِ. فَهُوَ لم يَقْصِدْ ذلكَ البَتَّة. فَقَدْ كانَ بِمَقْدورِهِ أنْ يَفعلَ ذلك. فَهُوَ قادِرٌ على ذلكَ بِكُلِّ تَأكيد. فَهُوَ يَمْلِكُ القُدرةَ. وَهُوَ يَمْلِكُ الحَقَّ. ولكِنَّ ذلكَ لَمْ يَكُنْ جُزْءًا مِنْ خُطَّتِهِ. فَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ يَوْمًا أنْ يَفعلَ ذلكَ بِمُفرَدِهِ. ولاحِظُوا أيضًا أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أيْضًا أنْ يَفعلَ ذلكَ مِنْ خِلالِ الوَعْظِ فقط. فَيَنْبَغي أنْ يَكونَ هُناكَ صَيْدُ أُناسٍ.

وقد قالَ الدُّكتور "دُوْرِييه" (Dr. Duryea) قَبْلَ سَنواتٍ: "إنَّ الشَّخصَ المَريضَ يَحْتاجُ إلى مَا هُوَ أكْثَر مِنْ مُحاضَرَةٍ عَنِ الطِّبِّ. فَهُوَ يَحْتاجُ إلى وَصْفَةٍ طِبِّيَّةٍ خَاصَّةٍ". وقد كانَ يَسوعُ قَدْ عَقَدَ العَزْمَ على اخْتيارِ أشْخاصٍ للذَّهابِ إلى مَا وَراءِ المُحاضَرَةِ الطِّبِّيَّةِ الَّتي سَيُقَدِّمُها هُوَ، وَأنْ يَحْمِلوا الوَصْفَةَ الطِّبيَّةَ الخَاصَّةَ إلى نُفوسِ الأشْخاصِ الَّذينَ سَيَلْتَقونَ بِهِمْ. وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ كَيْفَ دُعِيَ جَميعُ التَّلاميذِ الاثْنَيْ عَشَرَ أوْ كَيْفَ أَسَّسُوا أوَّلَ طَاقمِ إنْقاذٍ. ولكِنَّنا نَعْرِفُ أنَّهُمْ دُعُوْا شَخْصِيًّا مِنْ قِبَلِ يَسوعَ المَسيحِ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ الظُّروفَ المُحيطَةَ بِسَبْعَةٍ مِنْهُمْ. أمَّا الخَمْسَةُ الآخَرونَ، فإنَّنا لا نَعْلَمُ التَّفاصيلَ، ولكِنَّنا نَعْلَمُ أنَّ يَسوعَ دَعاهُمْ بِنَفْسِهِ. فَقَدِ اخْتارَ طَاقمَهُ. وَقَدِ اخْتارَ الأفْرادَ الَّذينَ أرادَ أنْ يَذْهَبوا ليكونوا جُزْءًا مِنْ هذِهِ الفُرصةِ الرَّائعةِ لِصَيْدِ النَّاسِ. اسْمَعُوا: إنَّ اللهَ يَخْتارُ شُرَكاءَهُ بِعِنايَةٍ دَائِمًا.

يُمْكِنُكُمْ أنْ تَنظُروا إلى كُلِّ العَهْدِ القَديمِ وَأنْ تَقرأوا بِدَهْشَةٍ عَظيمَةٍ كيفَ اخْتارَ اللهُ إسرائيلَ ليكونوا شُرَكاءَهُ في تَبْشيرِ العَالَمِ. فَقَدْ كانَ يَنْبَغي أنْ يَكونوا النَّاطِقينَ باسْمِهِ. وَهُوَ يَقولُ في إشَعْياء 49: "أَنْتَ عَبْدِي إِسْرَائِيلُ الَّذِي بِهِ أَتَمَجَّدُ". فقدِ اخْتارَ الشَّعْبَ اليَهودِيَّ ليكونوا شُرَكاءَهُ في العهدِ القَديمِ. ثُمَّ إنَّهُ اخْتارَ مِنْ بَيْنِهِمْ أشْخاصًا مُعَيَّنينَ مِثْلِ إرْميا وَإشَعْياءَ وَحِزْقيالَ وَآخَرينَ كَثيرين. وعِندما نَصِلُ إلى العهدِ الجديدِ، اخْتارَ يَسوعُ شُرَكاءَهُ بِعِنايَةٍ أيضًا. فَنَحْنُ نَقرأُ في إنْجيل يُوحَنَّا 15: 16 أنَّ يَسوعَ نَظَرَ إلى هَؤلاءِ الاثْنَيْ عَشَرَ مُباشَرَةً وَقال: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ" مَاذا؟ "أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأتُوا بِثَمَرٍ". لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ. فيَسوعُ اخْتارَ شُرَكاءَهُ بِعِنايَةٍ شَديدَة.

ونَقرأُ في إنْجيل يُوحَنَّا 6: 70: "أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، الاثْنَيْ عَشَرَ؟" وَنَقْرَأُ في إنْجيل يُوحَنَّا 13: 18: "أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ". ونَقرأُ في إنْجيل لُوقا 6: 13 الحَقَّ نَفْسَهُ: "وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ دَعَا تَلاَمِيذَهُ، وَاخْتَارَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ". وعندما يَخْتارُ يَسوعُ شُرَكاءَهُ، فإنَّهُ يَخْتارُهُمْ بِعِنايَةٍ فَائِقَةٍ. وَقَدْ تَقولُ: "هَلْ تَعْتَقِدُ أنَّهُ اخْتارَني لأكونَ صَيَّادًا للنَّاسِ؟" أَجل. فَكُلُّ شَخْصٍ في المَسيحِ لَديهِ هَذِهِ المَأمورِيَّة. فَيَنْبَغي لَنا جَميعًا أنْ نَكونَ شُهُودًا. وَيَنْبَغي لنا جَميعًا أنْ نَكْرِزَ بالمَسيح. وَيَنْبَغي لَنا جَميعًا أنْ نُخْبِرَ الآخَرينَ عَنِ المَسيحِ. وَيَنْبَغي لَنا جَميعًا أنْ نَتْعَبَ في الحُقولِ الَّتي ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ ... جَميعُنا. وَيُمْكِنُكُمْ أنْ تَرَوْا ذلكَ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ مِنْ بِدايَتِهِ إلى نِهايَتِهِ إذْ إنَّ الكَنيسَةَ امْتَدَّتْ، وَنَمَتْ، وَصَارَ كُلُّ مُؤمِنٍ جُزْءًا مِنْ طَاقمِ الإنْقاذِ.

لذلكَ، نَجِدُ أنَّهُ إلى جَانِبِ أنْبياءِ العهدِ القَديمِ، وَإلى جَانِبِ الرُّسُلِ والتَّلاميذِ في العَهْدِ الجَديدِ، تَمَّتْ إضافَةُ كُلِّ شَخْصٍ آمَنَ بيسوعَ المَسيحِ. فَهَذِهِ مَهَمَّتُنا. ونحنُ نَقرأُ في إنْجيل لُوقا 24: 46: "وَقَالَ لَهُمْ: «هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ" ثُمَّ لاحِظُوا الكَلِماتِ التَّالية: "وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذلِكَ".

هَلْ تُلاحِظونَ أنَّهُ كانَ يَنْبَغي أنْ يُكْرَزَ بالتَّوبةِ وَمَغْفِرَةِ الخَطايا باسْمِهِ لِجَميعِ الأُمَمِ، وَأنَّ البِدايَةَ فَقَطْ كانَتْ في أورُشَليم؟ فَقَدْ كانَ يَنْبَغي أنْ تَمْتَدَّ الكِرازَةُ إلى مَا وَراءِ ذلِك. وَنَحْنُ جَميعًا جُزْءٌ مِنْ ذلكَ الامْتِداد. لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل 1: 8 أنَّ الكِرازَةَ خَطَتْ خُطْوَةً أُخرى إذْ نَقْرَأُ: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ". لذلكَ فإنَّ بولُسَ يَقولُ في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى أهْلِ كورِنثوس 5: 20: "إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ". وَقَدْ قَالَ بُطْرُسُ أيضًا في رِسالَتِهِ الأولى 2: 9: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ". فَقَدِ ابْتَدَأَ الأمْرُ بالتَّلاميذِ الاثْنَيْ عَشَر. وَقَدِ امْتَدَّ ذلكَ إلى الكَنيسَةِ البَاكِرَةِ في أورُشَليمَ، ثُمَّ إلى اليَهودِيَّةِ، ثُمَّ إلى السَّامِرَةِ، ثُمَّ إلى العَالَمِ وإلينا. وَهَذا هُوَ عَمَلُنا. فَيَنْبَغي لَنا نَحْنُ أيضًا أنْ نَتْبَعَ يَسوعَ وَأنْ نَكونَ صَيَّادي النَّاسِ.

وَأعتقدُ أنَّ هَذِهِ رِسالَة قَوِيَّة لَنا هُنا في "كَنيسَةِ النِّعْمَة" (Grace Church) لأنِّي أعتقدُ أنَّهُ يَنْبَغي لَنا في هَذا الوَقْتِ مِنْ حَياةِ كَنيسَتِنا أنْ نُرَكِّزَ على هذا. وقد قالَ لي أحدُ الأشْخاصِ قَبْلَ أيَّامٍ: "لِماذا يَبْدو أنَّكَ تُرَكِّزُ على التَّبْشيرِ الآن؟ أنْتَ تُرَكِّزُ على ما يَبْدو أنَّهُ عُمْقٌ جَديدٌ وَبُعْدٌ جَديدٌ في الحَياةِ الرُّوحِيَّةِ!" فَقُلْتُ: "الحَقيقَةُ هِيَ أنِّي أُواكِبُ مَا يَفْعَلُهُ المَسيحُ هُنا". فأنا لا أَحْسِبُ كُلَّ هَذِهِ الأشياءِ. وأنا لا أَجْلِسُ وَأقولُ: "حَسَنًا، لِنَرى الآن. يَجِبُ أنْ أَفْعَلَ هَذا وَأنْ أَفْعَلَ ذاكَ. وَيَجِبُ أنْ أُرَكِّزَ على هَذا وَعلى ذَاكَ". فَرُبَّما يَنْبَغي للمَرْءِ أنْ يُخَطِّطَ نَوْعًا مَا، ولكِنِّي أَجِدُ أنَّ هَذِهِ هِيَ كَنيسَةُ المَسيحِ. فَهُوَ الَّذي يَبْنيها. وَأنا أُواكِبُ مَا يَجْري فيها. وَأحْيانًا، لا أَدْري مَا يَجْري فيها إلى أنْ يَقومَ أَحَدُ الأشخاصِ بِتَقْييمِ ذلك. فأحْيانًا يَقولون لي: "هَلْ لاحَظْتَ أنَّكَ تَتَحَدَّثُ كَثيرًا عَنِ التَّبشيرِ مُؤخَّرًا؟" حَقًّا؟ أعتقدُ أنِّي أفعلُ ذلك. فهذِهِ هِيَ مُتْعَةُ أنْ تَكونَ جُزْءًا مِمَّا يَفْعَلُهُ رُوْحُ اللهِ.

لَسْتُ أنا مَنْ يُوَجِّهُ دَفَّةَ هَذِهِ الكَنيسَةِ في اتِّجاهٍ مُعَيَّنٍ. بَلْ أنا أَتَحَرَّكُ مَعَها مِنْ مُنْطَلَقِ يَقيني بأنَّ اللهَ هُوَ الرُّبَّانُ. وَأعتقدُ أنَّ الوَقْتَ قَدْ حَانَ لِكَيْ تَنْظُرَ كَنيسَةُ النِّعْمَةِ إلى مَوْضوعِ الكِرازَةِ. فَقَدْ نَتَمَتَّعُ بِشَرِكَتِنا الرَّائِعَةِ بَعْضُنا مَعَ بَعْضٍ. وَقَدْ نَتَعَلَّمُ حَقائِقَ عَظيمَة. وَلَكِنَّنا قَدْ نَنْهَمِكُ في التَّمَتُّعِ بِالبَرَكاتِ العَظيمَةِ الَّتي يُبارِكُنا الرَّبُّ بِها فَنَنْسَى الأشخاصَ الضَّالِّينَ تَمامًا. وَقَدْ نَنْهَمِكُ في التَّرْنيمِ فَنَنْسَى أنَّ هَؤلاءِ يَحْتاجونَ أيضًا إلى سَماعِ هذهِ التَّرانيمِ. وقَدْ نُحِبُّ كَثيرًا مَا يَحْدُثُ هُنا فَنَنْسَى مَا يَحْدُثُ في الخَارِج.

عَاشَ يَوْمًا شَخْصٌ اسْمُهُ "لُويجي تاريسيو" (Luigi Tarisio). وَذَاتَ صَباحٍ، تَمَّ العُثورُ على "لُويجي تاريسيو" مَيْتًا في بَيْتِهِ دُوْنَ أنْ يَجِدَ أَنِيْسًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ. وَقَدْ عَثَروا في بَيْتِ "لُويجي" على مِئَتَيْنِ وَسِتٍّ وَأرْبَعينَ آلَةِ كَمانٍ (أوْ "كَمَنْجَة") بَديعَةِ الصُّنْعِ قَامَ بِجَمْعِها طَوالَ حَياتِهِ وَوَضَعَها في غُرْفَةٍ في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِنْ مَنْزِلِهِ. وكانَ قَدْ وَضَعَ نُخْبَةَ تِلْكَ الآلاتِ المُوسيقيَّةِ في جَارورٍ سُفْلِيٍّ لِخِزانَةٍ قَديمَةٍ عَفاهَا الزَّمَن. وبِسَبَبِ وَلَعِ "لُويجي" الشَّديد لآلَةِ الكَمانِ المُوسيقيَّةِ، حَرَمَ العَالَمَ مِنْ كُلِّ مُوسيقاها. فَطَوالَ الوَقْتِ الَّذي قامَ فيهِ بِكَنْزِ آلاتِ الكَمانِ تِلْكَ، فإنَّ العَالَمَ لَمْ يَسْمَعْ ألْحانَها العَذْبَة. وَقَدْ فَعَلَ أُناسٌ قَبْلُهُ الشَّيءَ نَفْسَهُ. وَهَلْ تَعْلَمونَ أنَّ أَعْظَمَ آلَةِ كَمانٍ صُنِعَتْ على مَرِّ التَّاريخِ مِنْ نَوْع "ستراديفيريَس" (Stradivarius) لَمْ يُعْزَفْ عَليها إلَّا بَعْدَ أنْ صَارَ عُمْرُها مِئَةً وَسَبْعًا وَأرْبَعينَ سَنَةً لأنَّ أَحَدَ الأشخاصِ كَانَ قَدْ أَخْفاها في مَكانٍ مَا؟

وَأنا أَتَساءَلُ عَنْ عَدَدِ المَسيحيِّينَ الَّذينَ يُشْبِهونَ "لُويجي تاريسيو"! ففي غَمْرَةِ مَحَبَّتِكَ الشَّديدَةِ للكَنيسَةِ، وَفي غَمْرَةِ مَحَبَّتِكَ الشَّديدَةِ لِلكُنوزِ الكَامِنَةِ في كَلِمَةِ اللهِ، فإنَّكَ تَنْسَى الآخَرينَ. وَبِذَلِكَ فإنَّ العَالَمَ لا يَسْمَعُ مُوْسيقاها. وهَذا أَمْرٌ مَأسَاوِيٌّ.

وقد أَطْلَعني أحدُ الأشْخاصِ على إحْصَائِيَّةٍ لا أَرْغَبُ في تَصْديقِها. فَخَمْسَةٌ وَتِسْعونَ بالمِئَة مِنْ إجْمالي عَدَدِ المَسيحيِّينَ لَمْ يَقودوا يَوْمًا شَخْصًا إلى يَسوعَ المَسيح. خَمْسَةٌ وَتِسْعونَ بالمِئَة مِنْ أَعْظَمِ آلاتِ الكَمانِ الرُّوحِيَّةِ في العَالَمِ لَمْ تَعْزِفْ يَوْمًا لَحْنًا. فَلا بَأسَ أنْ تَتَمَسَّكَ بالأشياءِ الَّتي تُحِبُّها في الكَنيسَةِ، ولكِنْ يَجِبُ عليكَ أنْ تَخْرُجَ إلى الخَارِجِ أيضًا.

وَأنا أُحِبُّ القِصَّةَ الَّتي اعْتادَ "مُوْدي" (Moody) أنْ يَسْرُدَها. فَقَدْ رَوى أنَّهُ كانَ يَزورُ مَعْرِضًا للفُنونِ في شِيكاغو وَأنَّهُ وَقَفَ أمامَ لَوْحَةٍ تَحْمِلُ نَفْسَ اسْمِ التَّرنيمةِ الَّتي عَزَفَتْها لَنا "رُوْث" (Ruth) اللَّيلَة، وَهُوَ: "صَخْرُ الدُّهور" (Rock of Ages). وكانتِ اللَّوْحَةُ تُصَوِّرُ شَخْصًا يَتَمَسَّكُ بِيَدَيْهِ الاثْنَتَيْنِ بِصَليبٍ مَغْروسٍ في صَخْرَةٍ. وَبَيْنما كانَ البَحْرُ الهَائِجُ يَرْطِمُ الصَّخْرَةُ، كانَ ذلكَ الشَّخْصُ يَتَمَسَّكُ بالصَّليب. وقد قالَ "مُودي": "لَقَدْ رَأيتُ أنَّها أجْمَلُ صُوْرَةٍ رَأيتُها في حَياتي. وبعدَ سَنواتٍ، رَأيتُ لَوْحَةً مُشابِهَةً تُظْهِرُ شَخْصًا يَقِفُ في وَسَطِ عَاصِفَةٍ وَيَحْمِلُ صَليبًا بِيَدٍ واحِدَةٍ بينَما يَمُدُّ يَدَهُ الأُخرى لإنقاذِ رَجُلٍ يَكادُ أنْ يَغْرَق". وَقَدْ قالَ "مُوْدي": "وَقَدْ كَانَتِ اللَّوْحَةُ الثَّانِيَةُ أجْمَلَ مِنَ الأولى". فَنَحْنُ أَغْنياءٌ في كَنيسَةِ النِّعْمَة. وَمَا أَرْجوهُ هُوَ ألَّا نَنْسَى أولئكَ الَّذينَ هُمْ في حَاجَةٍ مُلِحَّةٍ إلى مَا نَمْلِكُهُ.

وفي كِتابٍ لِـ "إسْ. دي. غوردون" (S. D. Gordon)، يُصَوِّرُ الكاتِبُ المَلاكَ جِبْرائيلَ وَهُوَ يُجْري حِوارًا مَعَ المَسيحِ بَعْدَ وَقْتٍ قَصيرٍ مِنْ صُعُودِهِ إلى السَّماءِ. وَقَدْ سَألَ المَلاكُ المَسيحَ عَنْ خُطَّطِ الكِرازَةِ. فَقالَ يَسوعُ: "الحَقيقَةُ هِيَ أنِّي أَخْبَرْتُ بُطْرُسَ وَيَعْقوبَ وَيُوحَنَّا وَأنْدَرَاوُسَ وَمَجموعَةً قَليلَةً أُخرى أنْ يُكَرِّسُوا حَياتَهُمْ لإخْبارِ النَّاسِ. ثُمَّ إنَّ هَؤلاءِ النَّاسَ سَيُخْبِرونَ آخَرينَ. وَأخيرًا، سَيَسْمَعُ العَالَمُ بِأسْرِهِ القِصَّةَ وَيَشْعُرونَ بِقُوَّتِها". وبحسبِ القِصَّةِ، فإنَّ جِبرائيلَ قالَ: "ولكِنْ لِنَفْتَرِضْ أنَّهُمْ لَمْ يُخْبِروا آخَرينَ. مَاذا سَيَحْدُثُ آنَذاك؟" فَأجابَ يَسوعُ بِهُدوءٍ: "الحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ لا تُوْجَدُ لَدَيَّ خُطَّطٌ بَديلَة. فأنا أَعْتَمِدُ عَليهم. ولا تُوْجَدُ لَدَيَّ خُطَطٌ أُخرى".

وَما الَّذي يَعْنيهِ أنْ تَكونَ صَيَّادَ نَاسٍ؟ لِنَعْرِفِ الإجَابَة. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 18: وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ مَاشِيًا عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ أَخَوَيْنِ: سِمْعَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ". فَقَدْ كانَ يَسوعُ مَاشِيًا عِنْدَ بَحْرِ الجَليل. وقَدْ ذَكَرَ "غَاري" (Gary) شَيئًا عَنْ جَمالِ تِلْكَ المِنْطَقَةِ. وَقَدْ تَذَوَّقْتُ ما يُسَمُّونَهُ الآنَ: "سَمَكُ القِدِّيس بُطْرُس". وَهُوَ سَمَكٌ يَشْتَهِرُ بِهِ بَحْرُ الجَليلِ فَقَط. وَمَعَ أنَّ مَنْظَرَهُ قَبيحٌ، فإنَّ طَعْمَهٌ رَائِعٌ. وَقَدْ زَارَ بَعْضٌ مِنْكُمْ ذلكَ المَكانَ، وَأنْتُمْ تَعْرِفونَ ذلك. فَهِيَ مِنْطَقَةٌ جَميلَة. وَهِيَ واحِدَةٌ مِنْ أجْمَلِ المَناطِقِ في الأرْضِ كُلِّها. وَمَعَ أنَّ هَذا التَّجَمُّعَ المَائِيَّ هُوَ مُجَرَّدُ بُحَيْرَةٍ صَغيرَةٍ عِنْدَ أعْرَضِ نُقْطَةٍ فيها، فإنَّها تُسَمَّى "بَحْرُ الجَليل". وبالمُناسَبَة، فإنَّ البَشيرَ لُوقا الَّذي كَانَ يَجُوبُ العَالَمَ، لم يُسَمِّيها يَوْمًا بَحْرًا، بَلْ إنَّها كَانَتْ بُحَيْرَةً في نَظَرِه إذْ إنَّ أَقْصَى عَرْضٍ لَها هُوَ نَحْو اثْنيْ عَشَرَ كيلومِترًا. أمَّا أَقْصى طُوْلٍ لَها فَيَبْلُغُ نَحْوَ وَاحِدٍ وَعِشْرينَ كيلومِترًا. لِذا، فإنَّ عَرْضَها هُوَ اثْنا عَشَرَ كيلومِترًا، وَطُوْلَها هُوَ واحِدٌ وَعِشْرونَ كيلومِترًا. وهذا يَعني أنَّها ليسَتْ كَبيرةً جِدًّا. وَهِيَ بَيْضَوِيَّةُ الشَّكْلِ لأنَّ عَرْضَها مِنَ الأعلى أكْثَر مِنْ عَرْضِها مِنَ الأسْفَل. وَيَصِلُ ارْتِفاعُ مَنْسوبِ شَاطِئِ بَحْرِ الجَليلِ إلى نَحْوِ مِئَة وَتَسْعينَ مِترًا تَحْتَ سَطْحِ البَحْرِ. وَهُوَ يَقَعُ في الجُزْءِ الأعلى مِنْ ذلكَ الوادي الَّذي يَمْتَدُّ إلى أنْ يَصِلَ إلى البَحْرِ المَيِّتِ على بُعْدِ نَحْوِ سِتمِئَةِ مِتْرٍ. وَهِيَ مِنْ أَخْصَبِ المَناطِقِ في العَالَمِ كُلِّهِ.

وَقَدْ يَهُمُّكُمْ أنْ تَعْلَموا أنَّهُ في زَمَنِ يَسوعَ، أيْ في الزَّمَنِ الَّذي حَدَثَ فيهِ مَا هُوَ مَكْتوبٌ في هذا النَّصِّ، كانَتْ هُناكَ تِسْعُ مُدُنٍ مَأهولَة بالسُّكَّانِ على شَاطِئِ بَحْرِ الجَليل. وَبِحُلولِ سَنَةِ 1930، لَمْ يَبْقَ هُناكَ سِوى قَرْيَة صَغيرَة اسْمُها "طَبَرِيَّة". اليوم، لا تُوْجَدُ سِوى قَرْيَة واحِدَة هِيَ "طَبَرِيَّة". وَقَدْ كانَ بَحْرُ الجَليلِ مُزْدَحِمًا حَرْفِيًّا بِقوارِبِ الصَّيْدِ في زَمَنِ يَسوع. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ المُؤرِّخَ "يُوسيفوس" (Josephus) كَتَبَ عَنْ أُسْطولِ صَيْدٍ وَاحِدٍ يَتَألَّفُ مِنْ مِئَتَيْنِ وَأرْبَعينَ قَارِبًا. وَهَذا عَدَدٌ كَبيرٌ جِدًّا في بُحَيْرَةٍ عَرْضُها 12 كيلومِترًا وَطُوْلُها 21 كيلومِترًا فقط. وهُناكَ، كانَ يَسوعُ مَاشِيًا فَأبْصَرَ أَخَوَيْنِ. وَمَنْ هُما؟ نَقْرَأُ أنَّهُما كانَا "سِمْعَان" (الَّذِي صَارَ يُعْرَفُ لاحِقًا باسْمِ "بُطْرُس")، وَأَخاهُ "أَنْدَرَاوُس".

وَقَدْ كانَتْ هَذِهِ هِيَ دَعْوَتُهُما. ولكِنْ أُريدُ مِنْكُمْ أنْ تُلاحِظُوا أمْرًا مَا. فَهَذِهِ هِيَ المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ دَعْوَتِهِما. وَسَوْفَ أُقَدِّمُ لَكُمْ مَعْلومَةً سَتُساعِدُكُمْ في أثناءِ دِراسَتِكُمْ للأناجيل. فنَحْنُ نَقْرَأُ عَنْ دَعَواتٍ عَديدَةٍ وَمُخْتَلِفَةٍ للتَّلاميذِ في الأناجيل. فَكُلُّ كَاتِبٍ مِنْ كُتَّابِ الإنْجيلِ اخْتارَ دَعْوَةً مَا لِقَصْدٍ لَدَيْه. فَهُناكَ تَسَلْسُلٌ للأحْداثِ. بِعِبارَةٍ أُخرى، كانَ هُناكَ ما لا يَقِلُّ عَنْ خَمْسَةِ أوْقاتٍ مُختلفة دَعاهُمْ فيها يَسوعُ. وَكُلُّ دَعْوَةٍ مِنْها نَقَلَتْهُمْ إلى مُسْتَوىً آخَر – تَمامًا كَما يَحْدُثُ مَعَكُمْ. فَفي وَقْتٍ مِنَ الأوقاتِ دُعيتُمْ للخَلاصِ. أليسَ كذلك؟ ثُمَّ رُبَّما في وَقْتٍ آخَرَ مِنْ حَياتِكُمْ دُعيتُمْ إلى مُستوىً جَديدٍ مِنَ التَّكريس. ثُمَّ رُبَّما حَدَثَ في وَقْتٍ آخَرَ مِنْ حَياتِكُمْ مَا حَدَثَ في حَياتي إذْ دُعيتُمْ إلى خِدْمَةِ يَسوعَ بِطَريقَةٍ مُعَيَّنَةٍ. ثُمَّ رُبَّما جاءَ وَقْتٌ في حَياتِكُمْ دُعيتُمْ فيهِ إلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ – رُبَّما إلى كَنيسَةِ النِّعْمَةِ أوْ إلى خِدْمَةٍ مُعَيَّنَةٍ أُخرى. بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ الطَّريقَةَ الَّتي يُوَجِّهُنا اللهُ فيها قَدْ تَتَألَّفُ مِنْ مَراحِل. وَهَذا يَصحُّ على التَّلاميذ.

وَنَجِدُ أوَّلَ دَعْوَةٍ في إنْجيل يُوحَنَّا والأصْحاحِ الأوَّل. ويُمْكِنُكَ أنْ تَدْرُسَ هَذَا النَّصَّ بِمُفْرَدِك لأنَّنا لَنْ نَصْرِفَ وَقْتًا للتَّأمُّلِ فيهِ الآن. وَقَدْ كانَتْ هذهِ الدَّعوةُ هِيَ مِنْ أجْلِ خَلاصِهِمْ. فَقَدْ دُعِيَ أنْدَرَاوُسُ، ويوحنَّا، وسِمْعانُ، وفيلُبُّسُ، وَنَثَنائيلُ، وَيَعْقوبُ إلى الخَلاصِ. وقد كانَتْ هَذِهِ هِيَ الدَّعْوَةُ الأوَّليَّةُ. وَرُبَّما تَذْكُرونَ أنَّ ذلكَ حَدَثَ عِنْدَما قالَ يُوحَنَّا المَعْمَدانُ: "لا تَتْبَعوني أنا، بَلِ اتْبَعوا ذَاكَ". فَقَدْ تَبِعُوا يَسوعَ المَسيحَ. وَقَدْ كانَتْ تِلْكَ الدَّعْوَةُ هِيَ دَعْوَة للخَلاص.

ثُمَّ نَجِدُ الدَّعْوَةَ الثَّانِيَةَ في إنْجيل مَتَّى 4: 18. وَهِيَ دَعْوَةٌ لِكَيْ يَصيروا صَيَّادي النَّاسِ. فَقَدْ كانُوا قَدْ تَبِعُوا يَسوعَ. ولكِنَّهُ أمْرٌ لَحْظِيٌّ هُنا. فَهِيَ ليسَتْ تَبَعِيَّةً بِمَعْنى تِرْكِ كُلِّ شَيءٍ. فَحَتَّى هذا الوَقْتِ، كانُوا قَدْ تَبِعوهُ فَحَسْب. وفي هذِهِ اللَّحْظَةِ وَهَذا اليومِ وَهَذا الوقتِ دُعُوا إلى رِبْحِ النُّفوس. فَقَدْ دُعُوْا ليَصيروا صَيَّادي النَّاسِ. فَقَدْ دُعُوْا إلى اتِّباعِهِ.

وهُناكَ دَعْوَةٌ ثَالِثَةٌ. وَلُوْقا يُدَوِّنُها في الأصْحاحِ الخَامِسِ. وَقَدْ حَدَثَ ذلكَ بَعْدَ تلكَ الدَّعْوَةِ الَّتي قَرَأنا عَنْها في إنْجيلِ مَتَّى. وَهِيَ دَعْوَةٌ مُختلفةٌ. صَحيحٌ أنَّ هُناكَ بَعْضُ أوْجُهِ التَّشَابُهِ بَيْنَهُما، ولكِنْ هُناكَ فُروقُ تُمَيِّزُ بَيْنَهُما. فإذا نَظَرْتُمْ إلى الأصْحاحِ الخَامِسِ مِنْ إنْجيلِ لُوقا، سَتَرَوْنَ هَذِهِ الفُروق. وسوفَ أُرِيَكُمْ مُسْتَوى الدَّعْوَةِ هُنا. فَفي لُوقا 5، كَانَ يَسوعُ قَدْ جَاءَ. وَكانَ المَوْقِفُ مُختلفًا قَليلًا. فقد كانُوا ما زَالُوا يَعْمَلونَ في مِهْنَةِ صَيْدِ السَّمَكِ. وَهَذا يَدُلُّ على أنَّهُ حَتَّى بعدَ المَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ، فإنَّهُمْ لم يَتْرُكوا حِرْفَتَهُمْ حَالًا. فَقَدْ تَبِعوهُ فقط في تلكَ اللَّحْظَةِ. ولكِنَّ الدَّعْوَةَ ستَكونُ أكْثَرَ رُسُوخًا الآن. فَهُوَ لَنْ يَقولَ لَهُمْ: "أريدُ مِنْكُمْ أنْ تَصيروا صَيَّادي النَّاسِ" بِصُورَةٍ عَامَّةٍ. بل إنَّهُ سَيَقولُ: "أريدُ مِنْكُمْ أنْ تَصيرُوا صَيَّادي النَّاسِ فقط". وهذهِ هِيَ الخُطْوَةُ التَّالِيَةُ. وفي هذا الوقتِ، وَقَفَ يَسوعُ عِنْدَ بُحيرَةِ جَنِّيسَارَت (وَهُوَ اسْمٌ آخَرُ لِبَحْرِ الجَليل). وَكَما ذَكَرْتُ، فإنَّ لُوقا يَدْعوها بُحَيْرَةً لأنَّهُ كانَ قَدْ جَابَ العَالَمَ وَرَأى بِحارًا كَبيرَة. لذلكَ، لم تَكُنْ تِلكَ سِوَى بُحَيْرَة في نَظَرِه.

رَأَى يَسوعُ سَفِينَتَيْنِ وَاقِفَتَيْنِ عِنْدَ الْبُحَيْرَةِ، وَالصَّيَّادُونَ قَدْ خَرَجُوا مِنْهُمَا، وَهَلُمَّ جَرَّا. فَدَخَلَ إِحْدَى السَّفِينَتَيْنِ الَّتِي كَانَتْ لِسِمْعَانَ. وَنَجِدُ هُنا فَرْقًا. فَقَدْ صِرْنا في سَفينَةٍ فَجْأةً. وَهَذا مَوْقِفٌ مُخْتَلِفٌ عَنْ ذاكَ المَذْكورِ في إنْجيلِ مَتَّى. وَقَدْ قَالَ لِسِمْعَانَ: "ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ". وَنَقْرَأُ هُنا عَنْ حُدوثٍ مُعْجِزَةٍ تَخْتَصُّ بِصَيْدِ السَّمَكِ. فهذِهِ قِصَّةٌ مُختلفةٌ تَمامًا. فَقَدْ حَانَ الوَقْتُ لِكَيْ يُكَرِّسُوا أنْفُسَهُمْ تَكْريسًا حَقيقيًّا. وَهَذا هُوَ ما يُبَيِّنُهُ يَسوعُ في العَدَدِ العَاشِرِ. فَقَدْ كانَ هُناكَ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبَدِي اللَّذَانِ كَانَا شَرِيكَيْ سِمْعَانَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ: "لاَ تَخَفْ!" أيْ لا يَهُمُّ إنْ لَمْ تَعُدْ قادِرًا على صَيْدِ السَّمَكِ مِنَ الآنْ فَصاعِدًا. أَتَذْكُرونَ القِصَّةِ؟ فَقَدْ عَجِزُوا عَنْ صَيْدِ أيِّ سَمَكٍ بِمُفْرَدِهِمْ أوْ مِنْ دُوْنِ الرَّبِّ. فَقَدْ كانَ يُسَيْطِرُ على السَّمَكِ.

وَقَدْ قالَ: "أَتُريدُ سَمَكًا؟ أَلْقِ الشِّباكَ حَيْثُ أَقولُ لَكَ فَتَجِدُ سَمَكًا. فِمِنْ دُوْني، لَنْ تَصْطادَ شَيئًا. ولكِنْ لا تَقْلَق لأنَّكَ لَنْ تَتَمَكَّنَ مِنْ صَيْدِ السَّمَكِ مِنْ دُوْني. "مِنَ الآنْ تَكونُ" مَاذا؟ "تَصْطَادُ النَّاسَ!". "وَلَمَّا جَاءُوا بِالسَّفِينَتَيْنِ إِلَى الْبَرِّ تَرَكُوا" مَاذا؟ "كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعُوهُ". وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّنا هُنا أَمامَ مُسْتوىً آخَرَ مِنَ التَّكريسِ.

وَأعتقدُ أنَّ هَذا الأمْرَ جُزْءٌ مِنْ حَياتِنا. أليسَ كذلك؟ ففي وَقْتٍ مِنَ الأوقاتِ، تَأتي إلى المَسيحِ. وَبَعْدَ وَقْتٍ قَصيرٍ نِسْبِيًّا، يَقولُ لَكَ أَحَدُ الأشْخاصِ: "يَنْبغي لَكَ أنْ تَصْطادَ النَّاسَ". وَلَكِنْ رُبَّما يَحْدُثُ ذلكَ بعدَ وَقْتٍ طَويلٍ (أوْ رُبَّما لا يَحْدُثُ ذلكَ قَطّ بالنِّسبةِ إلى أشخاصٍ كَثيريَن)، ولكِنْ قَدْ يَحْدُثُ أنْ تَتْرُكَ كُلَّ شَيءٍ مِنْ أجْلِ صَيْدِ النَّاسِ.

وفي الأصْحاحِ الثَّالِثِ مِنْ إنْجيلِ مَرْقُس، نَجِدُ دَعْوَةً أُخرى. فهُمْ لم يَكونوا سَيَصْطادُونَ أُناسًا فقط. بَلْ إنَّهُمْ سَيَكونُون رُسُلًا بالمَعْنى الرَّسْمِيِّ. فنحنُ نَقرأُ في العدد 14، أيْ في إنْجيل مَرْقُس 3: 14: "وَأَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ، وَلِيُرْسِلَهُمْ لِيَكْرِزُوا، وَيَكُونَ لَهُمْ سُلْطَانٌ عَلَى شِفَاءِ الأَمْرَاضِ وَإِخْرَاجِ الشَّيَاطِينِ". فَقَدْ حَصَلُوا الآنَ على قُوىً خَارِقَةٍ. وَقَدْ أُعْطوا أيضًا سُلْطانًا لِشِفاءِ الأمْراضِ. لذلكَ فَقَدِ انْتَقَلوا مِنَ الخَلاصِ إلى الدَّعوةِ العَامَّةِ، إلى التَّكريسِ الكامِلِ المُحَدَّدِ، وَالآنْ ها هُمْ يَحْصُلونَ على قُوى خَارِقَة.

ثُمَّ أخيرًا، نَجِدُ المَرحلةَ الخامِسَةَ مُدَوَّنَة في إنْجيلِ مَتَّى 10: 1 إذْ نَقرأُ: "ثُمَّ دَعَا تَلاَمِيذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا عَلَى أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ حَتَّى يُخْرِجُوهَا، وَيَشْفُوا كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ". وَقَدْ قالَ لَهُمْ: "اذْهَبوا" في العَدَدِ السَّابِعِ. وَقَدْ أَخْبَرَهُمْ كَيْفَ يَنْبَغي أنْ يَذْهَبوا. وَنَقرأُ في العَدَد 16 أنَّهُ أَرْسَلَهُمْ "كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَاب". فَذَهَبوا للكِرازَةِ.

والآنْ، هَلْ تَرَوْا التَّدريجَ هُنا، يا أحِبَّائي؟ وَيَنْبَغي أنْ تَكونَ هَذِهِ هِيَ حَالُنا نَحْنُ أيضًا. فَالأمْرُ بِرُمَّتِهِ يَبْتَدِئُ في نُقْطَةٍ مَا في الوقتِ الَّذي تَلْتَقي فيهِ بيسوعَ المَسيحِ وَتَقْبَلُهُ مُخَلِّصًا لِحَياتِكَ. ثُمَّ بَعْدَ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ مَا، فإنَّ رُوْحَ اللهَ يُحَفِّزُكَ على أنْ تَصيرَ صَيَّادًا للنَّاسِ. ثُمَّ بعَدَ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ أُخرى، فإنَّكَ تَتْرُكُ كُلَّ شَيءٍ وَتُكَرِّسُ حَياتَكَ لهذهِ الغَايَة. ثُمَّ يَأتي الوقتُ الَّذي تَشْعُرُ فيهِ بِقُوَّةِ اللهِ في وَسَطِ كُلِّ ما يَجْري. وحينئذٍ فإنَّكَ تَنْطَلِقُ بِصِفَتِكَ شَخْصًا مُرْسَلًا رَسْمِيًّا للقيامِ بِعَمَلِهِ.

إذًا، نَحْنُ مَا نَزالُ نَقرأُ عَنِ المَرحلةِ الثَّانيةِ، ولكِنَّها البِدايَة فَقَط. فَقَدِ الْتَقى يَسوعُ اثْنَيْنِ: سِمْعان وَأَنْدَرَاوُس. ومَاذا كانا يَفْعَلان؟ نَقرأُ أنُّهُما كانا "يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ". والآنْ، كانَتْ هُناكَ ثَلاثُ طُرُقٍ لِصَيْدِ السَّمَكِ في تلكَ الأيَّامِ. الأولى هِيَ بِواسِطَةِ الخَيْطِ، والقَصَبَة والبَكَرَة. فَقَدْ كانُوا يَسْتَخْدِمونَ قَصَبَةً وَخَيْطًا فقط. فَقَدْ كانوا يَصْطادُونَ بالخيطِ والصِنَّارَةِ.

الطَّريقَةُ الثَّانِيَةُ تُعْرَفُ بِشَبَكَةِ الجَرِّ (drag net). وقد كانتْ شَبَكَةُ الجَرِّ تُستخدَمُ مِنْ عَلى ظَهْرِ القَارِبِ، أوْ بالأحْرى: مِنْ عَلى ظَهْرِ قَارِبَيْن. فقد كانَتِ الشَّبَكَةُ تُطْرَحُ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ تُرْبَطَ بِحِبالٍ مِنْ زَواياها الأرْبَع. وكانَ يُوْضَعُ فيها ثِقْلٌ لكي تَبْقى تَحْتَ سَطْحِ المَاءِ. وَعِنْدَما كانَ البحَّارَةُ يُجَذِّفونَ كانَتِ القَوارِبُ تَسيرُ في المَاءِ وَتَسْحَبُ الشَّبَكَةَ الَّتي كانَتْ تَجْرِفُ مَعَها السَّمَك. وَكانُوا يَسْحَبونَ الحِبالَ وَيَشُدُّونَها إلى أعلى فَتَبْقى الأسْماكُ عَالِقَةً في الشَّبَكَة. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَتَحَدَّثُ عَنْ شَبَكَةِ الجَرِّ في الأصْحاح 13 مِنْ إنْجيلِ مَتَّى.

إذًا، عِنْدما كانَ البَحَّارَةُ يُجَذِّفونَ، كانتِ الشَّبَكَةُ تَصيرُ وِعاءً كَبيرًا في البَحْرِ. فَبِسَبَبِ الثِّقْلِ الَّذي فيها فإنَّها تَصيرُ على هَيْئَةِ وِعاءٍ فَتَجْرُفُ السَّمَكَ. وكانُوا يَرْبُطونَ الحِبالَ بإحْكامٍ في نِهايَةِ الشَّبَكَةِ فَيَصْطادونَ ذلكَ السَّمَك. وَهُناكَ طَريقَةُ ثالِثَةٌ وَهِيَ شَبَكَةُ الطَّرْحِ. وَهذِهِ هِيَ الشَّبَكَةُ المُسْتَخْدَمَةُ في هذا النَّصِّ. فَقَدْ كانَا "يُلْقِيانِ شَّبَكَةً"، وليسَ "سَاغيني" (sagene) - أيْ لَيْسَ شَبَكَةَ جَرٍّ. فَقَدْ كانا يُلْقِيانِ شَبَكَةً. وهِيَ شَبكَةٌ دائريَّةٌ يَبْلُغُ قُطْرُها نَحْوَ ثَلاثَةِ أمْتارٍ. وقد كانُوا بارِعينَ حَقًّا في ذلك. فَقَدْ كانُوا يَعْرِفونَ كَيْفَ يَطْرَحونَها مِنْ على الشَّاطِئِ، أوْ مِنْ على حَافَةِ البُحَيْرَةِ. فَقَدْ كَانُوا يَسيرونَ في المَاءِ إلى أنْ يَصِلَ إلى رُكَبِهِمْ. وَكانَتْ هُناكَ أثْقالٌ على حَوافِ الشَّبَكَةِ كُلِّها رُبَّما مِنَ الحِجارَةِ أوْ أيِّ مَادَّةٍ أُخرى قَدْ يَسْتَخْدِمونَها. وكانَتِ الشَّبَكَةُ تَغْطُسُ في المَاءِ وَتُحيطُ بالسَّمَك. وَعِنْدَما كانُوا يَسْحَبونَ الحَبْلَ، كانُوا يَسْحَبونَ الشَّبَكَةَ وَما فيها مِنْ أسْماكٍ.

وَقَدْ كانَ هذا هُوَ ما يَفْعَلُهُ سِمْعانُ وَأنْدَراوُسُ. وَقَدْ تَقولُ: "لِماذا تُخْبِرُنا بِكُلِّ هَذِهِ المَعلوماتِ؟" أعتقدُ أنَّهُ أمْرٌ مُدْهِشٌ. فالكَلِمَةُ المُستخدَمَةُ هُنا هِيَ "آمفيبليسترون" (amphiblestron)، وَهِيَ نَفْسُ الكَلِمَةِ الَّتي اشْتُقَّتْ مِنَها الكَلِمَةُ الإنجليزيَّة "آمفيبيوس" (amphibious) وَمَعْناها: "بَرْمائِيٌّ". وَهِيَ تُشيرُ إلى الوُقوفِ على الشَّاطِئِ وَطَرْحِ شَيءٍ مَا في البَحْرِ. فَهِيَ تُشيرُ إلى اليَابِسَةِ والبَحْرِ في آنٍ واحِد. ولَكِنَّ الشَّيءَ الَّذي يُدْهِشُني هُوَ أنَّ يَسوعَ قَالَ: "فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ". فَقَدِ اسْتَخْدَمَ هَذهِ الصُّورَةِ المَجازِيَّةِ. فَقَدْ كَانُوا يَصْطادونَ السَّمَكَ بِطَرْحِ شَبَكَةٍ كَبيرَةٍ يُمْسِكونَ بِواسِطَتِها أعْدادًا كبيرةً مِنَ السَّمَكِ. وَأنا أُحِبُّ تِلْكَ الفِكْرَة. وأنا مَسْرورٌ لأنَّهُمْ لَمْ يَكونوا يَصْطادونَ سَمَكَةً واحِدَةً فقط. فأنا أُحِبُّ حَقيقَةَ أنَّ يَسوعَ قَالَ: "سَوْفَ يَكونُ هُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ تَصْطادونَهُمْ".

فَعِنْدَما كانَ الرَّبُّ يُفَكِّرُ في الكِرازَةِ، كانَ يُفَكِّرُ في أُناسٍ كَثيرينَ. لذلكَ فَقَدْ دَعا هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ (أيْ: سِمْعان وَأنْدَراوُس). ولكِنْ انْظُروا أيضًا إلى ما جاءَ في العَدَد 21: "ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ فَرَأَى أَخَوَيْنِ آخَرَيْنِ: يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، فِي السَّفِينَةِ مَعَ زَبْدِي أَبِيهِمَا يُصْلِحَانِ شِبَاكَهُمَا، فَدَعَاهُمَا". وبِهَذا، صَارَ لَدَيْهِ أرْبَعَةُ تَلاميذ. وَقَدْ كانَتْ لَدَيْهِ خُطَّة لَهُمْ. فَقَدْ كانَ هؤلاءِ الأشْخاصُ يَهودًا خَشِنين. وَأريدُكُمْ أنْ تَعْلَموا ذلكَ. فَقَدْ كانُوا يَهودًا خَشِنين. فَقَدْ كانُوا مُعْتادينَ على الحَياةِ الخَشِنَةِ، وَالقاسِيَةِ في الخَارِجِ. وَهَذا يُفَسِّرُ لَنا سَبَبَ تلكَ الخُشونَةِ. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّكُمْ تَعْرِفونَ ذلكَ في حَالَةِ بُطْرُس. وَقَدْ كانَ ذلِكَ يَصُحُّ على الآخَرينَ أيضًا إلى حَدٍّ مَا. وَقَدْ كانُوا يُعانونَ مَشاكِلَ كَثيرَة. وَلم يَكُنْ لَديهِمْ أيُّ فَهْمٍ رُوْحِيٍّ. لذلكَ فإنَّهُمْ لم يُبالُوا كَثيرًا بما قالَهُ يَسوعُ في الأشْهُرِ القَليلَةِ الأولى مِنْ خِدْمَتِهِ لأنَّهُمْ لَمْ يَفْهَموا ذلك.

فَقَدْ كانَ يُخاطِبُهُمْ بِما يُسَمِّيهِ اليَهودُ بِـ "المَشَال" (mashal)، أيْ بالأمْثالِ. وَكانَ التَّلاميذُ يَحُكُّونَ رُؤوسَهُمْ قَائِلين: "مَا الَّذي تَقْصِدُهُ؟ نَحْنُ لا نَفْهَمُ شَيئًا مِمَّا تَقول!" فقد كانَ لَدَيْهِمْ فَهْمٌ مَحْدودٌ جِدًّا للأمورِ الرُّوحِيَّةِ. وَهَذا هُوَ ما حَدَثَ في الأمْثالِ الوارِدَةِ في مَتَّى 13. فَهُمْ لَمْ يَفْهَموا المَقْصودَ مِنْها. وقدِ اسْتَمَرَّ يَسوعُ في التَّحَدُّثِ إليهِمْ بأمْثالٍ لا يَفْهَمونَها. وَقَدْ كانُوا يَسيرونَ وَيَحُكُّونَ رُؤوسَهُمْ لوقتٍ طَويلٍ في مُحاوَلَةٍ لِفَهْمِ مَعَانيها. وكانَ يَنْبَغي ليسوعَ أنْ يُفَسِّرَ لَهُمْ كُلَّ شَيءٍ. فَقَدْ كانُوا بِحاجَةٍ إلى تَعَلُّمِ الكَثير. وَقَدْ كانُوا يَفْتَقِرونَ جِدًّا إلى التَّعاطُفِ. فَقَدْ كَانُوا زُمْرَةً مِنَ الأشْخاصِ غَيْرِ المُتَعاطِفينَ البَتَّة.

فَعَلى سَبيلِ المِثالِ، نَقرأُ في إنْجيل مِتَّى 14: 15: وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: «الْمَوْضِعُ خَلاَءٌ وَالْوَقْتُ قَدْ مَضَى. اِصْرِفِ الْجُمُوعَ لِكَيْ يَمْضُوا إِلَى الْقُرَى وَيَبْتَاعُوا لَهُمْ طَعَامًا»". بعبارةٍ أُخرى: "تَخَلَّصْ مِنْ هَؤلاءِ الجُموعِ وَإلَّا فَسَوْفَ يَجُوعُونَ. وَحينئذٍ، سَنُضْطَرُّ إلى إطْعامِهِمْ". ولا شَكَّ أنَّ هَذا بَعيدٌ كُلَّ البُعْدِ عَنْ حُسْنِ الضِّيافَةِ. فَقَدْ كانُوا غَيْرَ مُتَعاطِفين.

وَقَدْ كانُوا يَفْتَقِرونَ كَثيرًا إلى الإنسانِيَّةِ. فَقَدْ كانُوا مُجَرَّدَ أشْخاصٍ مُتَكَبِّرينَ. وَيُمْكِنُني أنْ أَتَخَيَّلَ أنَّهُمْ عِنْدَما كانُوا يَسيرونَ مَعَ يَسوعَ، كانُوا يَشْعُرونَ أنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الآخرينَ جَميعًا. فَقَدْ جَاءَ أوْلادٌ إليهِ في إنْجيل مَتَّى 19، فانْتَهَرَهُمُ التَّلاميذُ: "أبْعِدُوا هَؤلاءِ عَنَّا. لا نُريدُ أنْ يُزْعِجَنا الأولادُ". وَهُمْ لم يَكونوا أشْخاصًا مُتَسامِحين. فَقَدْ قالَ بُطْرُسُ: "يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ". وَيَا لَها مِنْ صَدْمَة!

وَقَدْ كانوا مُريعينَ أيْضًا في اجْتِماعِ الصَّلاةِ. فَقَدْ كَانُوا يَنامُونَ دائمًا. وَهُمْ لم يَكونوا يَمْلِكونَ شَجاعَةً كَبيرَةً. فعندما ضُرِبَ الرَّاعِي، تَبِدَّدَتِ الخِرافُ. أليسَ كذلك؟ فيا لَها مِنْ مَجموعَةٍ رائِعَةٍ! بِلا فَهْمٍ رُوْحِيٍّ، وَبلا تَعاطُفٍ، وَبلا إنْسانِيَّةٍ، وَبِلا قَلْبٍ مُسامِحٍ، وبَلا قُدْرَةٍ على المُواظَبَةِ على الصَّلاةِ، وَبِلا شَجاعَة! "هَلُمَّ وَرَائِــي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ". وَهَذا يُريكُمْ ما يُمْكِنُ أنْ يَفْعَلَهُ الرَّبُّ مِنْ خِلالِكَ وَمِنْ خِلالي. فَهُوَ بَارِعٌ في أَخْذِ المَوادِّ الخَامِ الَّتي لا تَصْلُحُ لِشَيءٍ وَتَحْويلِها إلى شَيءٍ نَافِعٍ. وَهَذا دَرْسٌ جَيِّدٌ أيضًا.

وبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ، فَإنِّي أَعْلَمُ شَيئًا يَقينًا. فَقَدْ رَأى يَسوعُ شَيئًا هُناكَ. أليسَ كذلك؟ فَقَدْ رَأى شَيْئًا فيهِم. وَقَدْ كانَ يَعْلَمُ مَا هُوَ صَانِعٌ. فَقَدِ اخْتارَ أشْخاصًا رَأى فيهِمْ إمْكانِيَّاتٍ مُعَيَّنَة. فَقَدْ رَأى ذلكَ فيهم. وقد قُلْتُ في نَفْسي وَأنا أَقْرَأُ هَذِهِ النُّصوصَ إنَّ حَقيقَةَ اخْتيارِهِ لِصَيَّادي سَمَكٍ كانَ تَوْبيخًا للنِّظامِ اليَهودِيِّ بِأسْرِه. أليسَ كذلك؟ وَما أعْنيهِ هُوَ: لِماذا لَمْ يَخْتَرْ أشخاصًا مِنْ مُعَلِّمي اليَهودِ لِتَشْكيلِ فَريقٍ عَظيمٍ، وَلامِعٍ، وَبارِزٍ، وَمُثَقَّفٍ مِنْ مُعَلِّمي اليَهودِ أوْ مِنْ قادَةِ إسرائيلَ العُظَماء؟ صَيَّادي سَمَك؟ فَما الَّذي يَعْرِفونَهُ؟ فَهُمْ لَمْ يَذْهَبوا يَوْمًا إلى المَدْرَسَةِ. وَرُبَّما لا يُحْسِنونَ القِراءَةَ. ولكِنَّهُ كانَ يَعْتَمِدُ على شَيءٍ أفْضَل مِنْ ذلكَ وَأفْضَل مِنَ الحِكْمَةِ البَشَرِيَّةِ. وَرُبَّما على شَيءٍ أَفْضَل مِنَ النُّفوذِ البَشَرِيِّ، وعلى شَيءٍ أفْضَل مِنَ الدِّيانَةِ الرَّسميَّةِ، وَعلى شَيءٍ أفْضَل مِنَ التَّعليمِ، وعلى شَيءٍ أفْضَل مِنَ الطُّقوسِ. فقد قالَ بولُس: "... لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ". فَهُوَ يَخْتارُ الأشياءَ الوَضيعَةَ في العَالَمِ.

وَيَقولُ المُفَسِّرُ العَظيمُ "مَاثيو برودوس" (Matthew Broadus) الَّذي كَتَبَ كِتابًا رَائِعًا عَنْ إنْجيلِ مَتَّى: "رُبَّما كانُوا أَقَلَّ انْهِماكًا بِحَماقاتِ التَّقاليدِ الفَرِّيسيَّةِ. لذلكَ فقد كانُوا أكْثَرَ اسْتِعْدادًا لقبولِ العَقيدَةِ الجَديدَةِ وَتَوصيلِها للآخَرين. فقد كانُوا أوَّلًا وأخيرًا مِنَ الشَّعْبِ. وَمِنَ المُرَجَّحِ أنَّ جَميعَ التَّلاميذِ الاثْنَيْ عَشَرَ كانوا رِجالًا يَعيشونَ حَياةً مُتواضِعَةً بَعيدًا عَنْ تَعليمِ مَدارِسِ مُعَلِّمي اليَهودِ". وَنَحْنُ نَقرأُ في أعْمالِ الرُّسُل 4: 13 أنَّ النَّاسَ تَعَجَّبوا مِنْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وقالوا: "ما الَّذي يَعْرِفُهُ هَذانِ الإنْسانانِ؟ فَهُما مُجَرَّدُ شَخْصَيْنِ مِنَ الجَليل!"

ونَقرأُ في العَدَد 19: "فَقَالَ لَهُمَا: «هَلُمَّ وَرَائِــي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ»". اسْمَعوني، يا أحِبَّائي: نَحْنُ المَسيحيُّونَ نُضَيِّعُ النُّقْطَةَ المُهِمَّةَ. فَنَحْنُ نَقولُ غَالِبًا: "آهِ لَوْ صَارَ فُلانٌ الشَّهيرُ مَسيحيًّا، تَخَيَّلوا عَدَدَ الأشْخاصِ الذينَ يُمْكِنُ أنْ يَرْبَحَهُمْ للمَسيح". وَلَكِنْ هَلْ تَعْلَمونَ أنَّ الرَّبَّ لَمْ يَخْتَرْ أشخاصًا كَهؤلاءِ مُنْذُ البِدايَة؟ "لَوْ أنَّ فُلانًا اهْتَدى إلى المَسيحِ، تَخَيَّلوا التَّأثيرَ الَّذي سَيَتْرُكُهُ!" ولكِنَّ اللهَ لَمْ يَخْتَرْ أيَّ شَخْصٍ مَشْهورٍ. فَهُوَ لَمْ يَخْتَرْ فَريقَ النُّخْبَةِ. وَهذا لا يَعْني أنَّ هَؤلاءِ لَيْسُوا مُناسِبينَ. ولكِنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ العُظَماءَ وَالعَباقِرَةَ. بل إنَّهُ اخْتارَ صَيَّادي سَمَكٍ مُتَواضِعين. فقد كانُوا أشْخاصًا مِنَ عَامَّةِ الشَّعْبِ. واللهُ يَقْرِنُ نَفْسَهُ دائمًا بالنَّاسِ، وبالفُقَراءِ، وأيضًا بالمَساكينِ بالرُّوحِ.

والآنْ، لاحِظُوا العَدَد 19. وَكَمْ أُحِبُّ هَذا! "فَقَالَ لَهُمَا: «هَلُمَّ وَرَائِــي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ»". ألا تَظُنُّونَ أنَّ هَذا الوَعْدَ رائِعٌ حَقًّا؟ سَأجْعَلُكُما صَيَّادَيِّ النَّاسِ. فأنا لا أَطْلُبُ شَيئًا لَسْتَ مُسْتَعِدًّا للقِيامِ بِهِ شَخْصِيًّا. فَقَدْ كانا مُؤمِنَيْنِ آنَذاكَ كَما رَأينا في يُوحَنَّا 1. وَقَدْ كانَتْ هَذِهِ هِيَ المَرْحَلَةُ الثَّانيةُ في حَياتِهِما. لَدَيَّ مَهَمَّةٌ: "سَوْفَ تَكونانِ صَيَّادَيِّ النَّاسِ". وقد فَهِما الرِّسالَة. فهذهِ صُورَةٌ حَيَّةٌ بالنِّسبةِ إليهِم. وَقَدْ فَهِمَا تَمامًا ما يَتَحَدَّثُ عَنْهُ.

هَلْ فَكَّرْتُمْ يَوْمًا في كَيفيَّةِ تَطْبيقِ صَيْدِ السَّمَكِ؟ فأنا لا أَعْرِفُ شَيئًا عَنْ صَيْدِ السَّمَكِ، ولا سِيَّما عَنِ صَيْدِ السَّمَكِ بالشَّبَكَة. ولَكِنْ هَلْ فَكَّرْتُمْ يَوْمًا عَنْ كيفيَّةِ تَطْبيقِ مَهاراتِ صَيْدِ السَّمَكِ على صَيْدِ النَّاسِ؟ فَصَيَّادو السَّمَكِ البَارِعونَ يَمْتَلِكونَ مُؤهِّلاتٍ مُعَيَّنَة. أوَّلًا، الصَّبْر. أليسَ كذلك؟ فَعِنْدَما يَقولُ لي أيُّ شَخْصٍ: "أنا لا أُطيقُ صَيْدَ السَّمَكِ"، أَعْلَمُ أنَّهُ ليسَ شَخْصًا صَبورًا – البَتَّة! فَصَيَّادو السَّمَكِ يَتَعَلَّمونَ الانْتِظارَ. وكذلَك يَنْبَغي أنْ نَفْعَلَ نَحْنُ أيضًا إنْ أَرَدْنا أنْ نَكونَ بارِعينَ في صَيْدِ النَّاسِ. فينبَغي أنْ نَكونَ صَبورينَ. ثانِيًا، صَيَّادُو السَّمَكِ يَتَحَلَّوْنَ بالقُدرةِ على المُواظَبَةِ. وَهِيَ قُدْرَةٌ مُدْهِشَةٌ. فَهُمْ يَفْعَلونَ ذلكَ المَرَّةَ تِلْوَ الأُخرى، تِلْوَ الأُخرى، تِلْوَ الأُخرى. وَهُمْ يَخْرُجونَ للصَّيْدِ، وَيَرْجِعونَ قائِلين: "لَمْ نَصْطَدْ شَيئًا. ولكِنَّنا سَنَعودُ ثانِيَةً". فَهُمْ يَذْهَبونَ المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّةِ. إنَّها القُدرةُ على المُواظَبَةِ.

والصِّفَةُ الثَّالثةُ الَّتي يَتَمَتَّعُ بها الصَّيَّادونَ هِيَ الشَّجَاعَة. وَقَدْ قالَ أَحَدُ الكُتَّابِ: "قَارِبي صَغيرٌ جِدًّا، والبَحْرُ كَبيرٌ جِدًّا". فَهُمْ يُواجِهونَ أهْوالَ البَحْرِ لِكَيْ يَصْطَادُوا سَمَكًا.

كذلكَ، يَبْدو أيضًا أنَّ الصَّيَّادينَ يَمْلِكونَ القُدْرَةَ على تَمْييزِ اللَّحْظَةِ المُناسِبَةِ. فإذا تَحَدَّثْتَ إلى أحدِ صَيَّادي السَّمَكِ الذينَ يَعْرِفونَ هَذِهِ الأُمورَ، فإنَّهُ سَيُخْبِرُكَ مَتى وَأيْن. لذلكَ فإنَّ رَابِحَ النُّفوسِ البَارِع يَخْتارُ اللَّحْظَةَ المُناسِبَةَ، وَيَخْتارُ المَكانَ المُناسِبَ بِعِنايَة. وَهَلْ لاحَظْتَ يَوْمًا أنَّ صَيَّادي السَّمَكِ البَارِعينَ يَقولونَ لَكَ دائِمًا أنْ تَبْقى بَعيدًا عَنِ الأنْظارِ؟ فَما زِلْتُ أَذْكُرُ أَنَّني عِنْدَما كُنْتُ صَبِيًّا يَافِعًا خَرَجْتُ في رِحْلَةِ صَيْدِ سَمَكٍ مَعَ عَمِّي "تشارلي" عِنْدَما كُنَّا في السَّاحِلِ الشَّرْقِيِّ. وعِنْدَما كُنْتُ أَتَدَلَّى مِنَ القَارِبِ، كانَ عَمِّي يَقولُ لي: "لا تَتَدَلَّى مِنَ القَارِبِ". فقد كُنْتُ أَنْظُرُ خَارِجَ القَارِبِ. ولكِنَّهُ كانَ يَخْشى أنْ تَراني الأسْماكُ وَتَخافُ أوْ شَيئًا مِنْ هذا القَبيل. لِذا فقد كانَ يَقولُ لي: "لا تَتَدَلَّى مِنَ القَارِبِ. فلا يَجِبُ أنْ تَكونَ مَرْئِيًّا. فإذا أَرَدْتَ أنْ تَصْطادَ الأسْماكَ، يَنْبَغي أنْ تَبْقى في مَكانٍ لا تَراكَ مِنْهُ". وَلا أدْري إنْ كانَ هَذا صَحيحًا أَمْ لا. ولَكِنَّهُ تَشْبيهٌ جَيِّدٌ.

فَرابِحُ النُّفوسِ البَارِعِ يَبْقى خَارِجَ الصُّورَةِ. فَهُوَ يُخْفي حُضُورَهُ الشَّخْصِيَّ، وَحَتَّى ظِلَّهُ الشَّخْصِيَّ، وَيَحْرِصُ على أنْ تَكونَ الأنْظارُ مُثَبَّتَةً على يَسوعَ المَسيحِ.

لذلكَ فَقَدْ قالَ يَسوعُ لِهؤلاء: "أنْتُمْ تَعْرِفونَ مَعْنى الصَّبْر. وَأنْتُمْ تَعْرِفونَ مَعْنى المُواظَبَة. وَأنْتُمْ تَعْرِفونَ مَعْنى الشَّجاعَة. وأنْتُمْ تَمْلِكونَ القُدْرَةَ على تَمْييزِ اللَّحْظَةِ المُناسِبَةِ، وَأنْتُمْ تَعْرِفونَ كَيْفَ تُخْفونَ أنْفُسَكُمْ مِنْ أجْلِ تَحْقيقِ هَدَفِكُمْ. وقدِ اخْتَرْتُكُمْ لِتَكونُوا صَيَّادي نَاسٍ". ثُمَّ قالَ: "هَلُمَّ وَرَائِــي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ". وَهَلْ تَعْلَمونَ شَيئًا؟ لَقَدْ تَعَهَّدَ يَسوعُ أنْ يُدَرِّبَهُمْ وَأنْ يُعَلِّمَهُمْ.

وَهُناكَ طَريقَةٌ واحِدَةٌ فقط لِتَعليمِ الشَّخْصِ أنْ يَرْبَحَ النُّفوسَ وَهِيَ أنْ تُخْرِجَهُمْ خَارِجًا لِمُمارَسَةِ هَذا الأمْر. لذلكَ، أعتقدُ أنَّ مَا نَفْعَلُهُ هُنا مِنْ خِلالِ خِدْمَةِ الكِرازَةِ هُوَ أمْرٌ عَظيمٌ جِدًّا لأنَّ القائِمينَ على هَذِهِ الخِدْمَةِ هُمُ الذينَ يَجْعَلونَ المُؤمِنينَ صَيَّادي نَاسٍ. فَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَنْهَضَ فقط وتَقول: "حسنًا، لِيَخْرُجِ الجَميعُ مِنْ هُنا وَيَكونوا صَيَّادي نَاسٍ". فينبغي أنْ تُعَلِّمَهُمْ أوَّلًا. وَيَجِبُ أنْ تُدَرِّبَهُمْ. فَالبَعْضُ مِنْهُمْ لا يَعْرِفونَ كَيْفَ يَضَعُونَ الطُّعْمَ في الصِّنَّارَةِ. وَالبَعْضُ مِنْهُمْ لا يَعْرِفونَ كَيْفَ يَسْحَبونَ الخَيْطَ. والبَعْضُ مِنْهُمْ لا يَعْرِفونَ كَيْفَ يُلْقُونَ الشَّبَكَة. وقد قالَ يَسوعُ: "أنا سَأجْعَلُكُمْ صَيَّادي النَّاسِ". أيْ: أنا سَأُعَلِّمُكُمْ كَيْفَ تَفْعَلونَ ذلكَ. وَقَدْ عَلَّمَهُمْ حَقًّا.

أتَعْلَمونَ كَمِ اسْتَغْرَقَ الأمْرُ لِتَدريبِ هؤلاءِ الأشْخاصِ؟ كَمِ المُدَّة؟ لَقَدِ اسْتَغْرَقَ الأمْرُ ثَلاثَ سَنَواتٍ ... ثَلاثَ سَنَواتٍ. أليسَ هَذا مُدْهِشًا؟ أوَّلًا، لَقَدَ فَعَلَ الآتي: لَقَدْ صَرَفَ وَقْتًا مَعَهُمْ وَجَعَلَهُمْ يُراقِبونَ مَا يَفْعَل، ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ – كَما جاءَ في مَتَّى 10. فَقَدْ أَطْلَقَهُمْ لكي يَكْرِزوا ثُمَّ يَعودُوا. ثُمَّ أنْ يَذْهَبوا ثُمَّ يَعودوا. فَقَدْ كانَ يَنْبَغي دائمًا أنْ يَعودُوا لِتَقْديمِ تَقريرٍ. فَقَدْ كَانُوا يَخْرُجُونَ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يَعُودونَ. وَأخيرًا، قالَ لَهُمْ في إنْجيل مَتَّى 28: "أنا ذَاهِبٌ. وَأنْتُمْ سَتَكونونَ بِمُفْرَدِكُمْ الآن. فَقَدْ تَخَرَّجْتُمْ". إذًا، مَا هُوَ أُسْلوبُ يَسوعَ في التَّدريبِ؟ لَقَدْ دَعَاهُمْ لِنَفْسِهِ، وَأَطْلَعَهُمْ على المَأموريَّةِ، وَأَطْلَقَهُمْ للذَّهابِ والعَوْدَةِ لتقديمِ تَقاريرَ. فَقَدْ كانُوا يَعودونَ وَيَقولونَ: "لَقَدْ حَدَثَ كَذا وَكَذا. وَهَلْ تَعْلَمُ مَا حَدَثَ في هَذا المَكانِ؟ وَهَلْ تَعْلَمُ مَا حَدَثَ في ذاكَ المَكانِ؟" ثُمَّ كانَ يُرْسِلُهُمْ في مَأموريَّةٍ أُخرى. وَكانُوا يَرْجِعونَ ثانيةً. وَأخيرًا، بَعْدَ أنْ تَدَرَّبوا، غَادَرَ يَسوعُ.

إذًا كَيْفَ فَعَلَ ذلكَ؟ هَلْ سَبَقَ أنْ حَلَّلْتَ كَيفَ دَرَّبَ يَسوعُ رَابِحي النُّفوسِ؟ اسْمَحُوا لي أنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ أفكارًا مُوْجَزَةً. فَوَقْتُنا قَدِ انْتَهى تَقريبًا. أوَّلًا، استَمِعوا إلى هذا: عندما تَنْظُرونَ إلى العهدِ الجَديدِ، إليكُمْ مَا سَتَجدونَهُ. كَيْفَ رَبِحَ يَسوعُ النَّاسَ؟ لَقَدْ كَانَ يُراقِبُهُم. فَهُوَ لَمْ يُقَدِّمْ لَهُمْ خَمْسَةً وَأرْبَعينَ مُحَاضَرَةً. بَلْ إنَّهُ فَعَلَ ذلكَ. وَقَدْ رَاقَبوهُ وَتَعَلَّموا مِنْهُ.

قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ، إليكُمْ الأساليبَ الَّتي اسْتَخْدَمَها يَسوعُ، باخْتِصارٍ: أوَّلًا، لَقَدْ كانَ مُتاحًا دائمًا. فعندما أَدْرُسُ حَياةَ المَسيحِ، أُلاحِظُ أنَّهُ كانَ دَائِمًا في وَسَطِ الحُشودِ. هَلْ لاحَظْتُمْ ذلكَ يَوْمًا؟ فَقَدْ كانَ حَاضِرًا دائمًا حَيْثُ تَكونُ الجُموعُ. وَقَدْ كانَ دائمًا حَيْثُ يَكونُ الخُطاةُ. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُمْ قالُوا لَهُ: "أنْتَ تُوْجَدُ دَائِمًا حَيْثُ يُوْجَدُ الخُطاة". فَقَدْ كانَ حَاضِرًا دائمًا. وَقَدْ فَهِمَ التَّلاميذُ الرِّسالةَ بأنَّهُمْ يَنْبَغي أنْ يَكونوا حَاضِرينَ في وَسَطِ الحُشودِ دِائِمًا.

ثانيًا، لَمْ يَكُنْ يُفَضِّلُ أَحَدًا على الآخَر. فَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَصْرِفُ وَقْتًا أَطْوَلَ مَعَ الأشخاصِ البَارِزينَ. وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَصْرِفُ وَقْتًا أَطْوَلَ مَعَ الأغْنياءِ. وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَصْرِفُ وَقْتًا أَطْوَلَ مَعَ المَشْهورينَ. وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَصْرِفُ وَقْتًا أَطْوَلَ مَعَ رِجالِ الدِّينِ. وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَهْتَمُّ بِمَكانَةِ النَّاسِ الاجْتِماعيَّةِ. فَقَدْ صَرَفَ وَقْتًا مَعَ "يَايِرُس" الغَنِيِّ، وَلَكِنَّهُ صَرَفَ وَقْتًا أيضًا مَعَ الزَّانِيَةِ. فَهُوَ لَمْ يَكُنْ يُؤْثِرُ أَحَدًا على الآخَرِ. إذًا، أوَّلًا، كانَ مُتاحًا دائمًا. ثانيًا، لَمْ يَكُنْ يُفَضِّلُ أَحَدًا على الآخَر.

أمَّا الشَّيءُ الثَّالِثُ الَّذي أَراهُ في نَهْجِ يَسوعَ في رِبْحِ نُفوسِ النَّاسِ فَهُوَ أنَّهُ كانَ مُرْهَفَ الحِسِّ جِدًّا. فَقَدْ كانَ قَادِرًا على رُؤيَةِ القَلْبِ المَجْروحِ بِلَمْحِ البَصَر. فَهَلْ يُمْكِنُكَ ذلك؟ وَهَلْ تَعَلَّمْتَ أنْ تَرى القَلْبَ الجَريحَ؟ ولَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ مَا حَدَثَ في مَرْقُس 5 عِنْدَما كَانَ يَسوعَ في وَسَطِ الجُموعِ، وَكانَ الجَميعُ يَزْحَمونَهُ. وَيَقولُ البَشيرُ مَرْقُسُ إنَّ يَسوعَ لَمْ يَكُنْ بالكَادِ يَقْدِرُ أنْ يَمْشي بِسَبَبِ الحُشودِ الغَفيرَةِ مِنْ حَوْلِهِ. فَالزَّحْمَةُ لم تَكُنْ عَادِيَّةً، بَلْ كانَتْ زَحْمَةً بِكُلِّ مَعْنى الكَلِمَة. فَقَدْ كانَ بالكِادِ يَقْدِرُ أنْ يَمْشي. فَقَدْ كانَ الجَمْعُ يَزْحَمُهُ. ثُمَّ نَقرأُ في الكِتابِ المقدَّسِ أنَّهُ نَظَرَ حَوْلَهُ وَقال: "مَنْ لَمَسَنِي؟" وَقَدْ تَقولُ: "هَلْ تَمْزَحُ؟ مَنْ لَمَسَكَ؟" "أَجَل، مَنْ لَمَسَني؟" فَقَدْ كانَتْ هُناكَ امْرأةٌ مُصَابَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ. وَقَدْ لَمَسَتْ وَاحِدًا مِنَ الأهْدابِ الأرْبَعَةِ الَّتي كَانَتْ تَتَدَلَّى عَادَةً مِنْ أثْوابِ مُعَلِّمي اليَهودِ. وَقَدْ عَلِمَ يَسوعُ أنَّ هُناكَ قَلْبًا جَريحًا. وَقَدْ دَعَا تلكَ المَرأةِ مِنْ بَيْنِ الجُموعِ. وَقَدْ شَفَى نَزْفَ تلكَ المَرأةِ وَانْتَزَعَ مِنْ قَلْبِها اعْتِرافًا بالإيمانِ بِهِ.

فقد كانَ مُرْهَفَ الحِسِّ. وَقَدْ كانَ قادرًا على تَمْييزِ الشَّخْصِ المَجْروحِ القَلْبِ مِنْ بينِ الحُشودِ. فَقَدْ كانَ مُرْهَفِ الحِسِّ تُجاهَ رُوْحِ اللهِ. وَهَلْ تَعْرِفُ أنَّكَ قادِرٌ أنْ تَفعلَ ذلك؟ إذا كُنْتَ تَسْلُكُ في الرُّوحِ، أنا أُوْمِنُ أنَّ رُوْحَ اللهِ سَيَقودُكَ إلى ذلكَ الشَّخْص.

إذًا فقد كانَ مُتاحًا. وَقَدْ كانَ لا يُفَضِّلُ أَحَدًا على الآخَرِ. وَقَدْ كانَ مُرْهَفَ الحِسِّ. رابِعًا، وَهِيَ نُقْطَةٌ أَشَرْتُ إليها للتَّوِّ، فَقَدْ كانَ يَنْتَزِعُ مِنَ النَّاسِ اعْتِرافًا عَلَنِيًّا. فَهُوَ لم يَكُنْ يَسْمَحُ للنَّاسِ أنْ يَهْرُبوا. وَأنا أَذْكُرُ تلكَ المَرأةِ في مَرْقُس 5. فَقَدِ انْتَزَعَ مِنْها اعْتِرافًا. فَلَمْ يَكُنْ بِمَقْدورِها أنْ تَهْرُبَ. فَقَدْ مَسَّتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ. وَمَعَ أنَّها شُفِيَتْ، فإنَّ ذلكَ لم يَكُنْ كَافِيًا. وبالمُناسَبَة، فإنَّ مَرْقُسَ يَقولُ إنَّها عَانَتْ كَثيرًا بسببِ مَرَضِها، وَإنَّها تَأَلَّمَتْ كَثِيرًا مِنْ أَطِبَّاءَ كَثِيرِينَ. فَمَرْقُسُ يَقولُ ذلكَ. ولِكِنَّ لُوقا لا يُدَوِّنُ هذا الجُزْءَ لِأسْبابٍ وَاضِحَةٍ.

وَقَدْ قالَ لَهُ التَّلاميذُ: "أَنْتَ تَنْظُرُ الْجَمْعَ يَزْحَمُكَ، وَتَقُولُ: مَنْ لَمَسَنِي؟" ولكِنَّ يَسوعَ أَخْرَجَ تِلْكَ المَرأةَ مِنْ بَيْنِ الجُموعِ. وَقَدْ قالَ لَها: "يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اذْهَبِي بِسَلاَمٍ وَكُونِي صَحِيحَةً مِنْ دَائِكِ". وَقَدِ انْتَزَعَ مِنْها اعْتِرافًا بالإيمانِ. وَيجبُ علينا أنْ نَفعلَ ذلك. فَلِكَيْ تَكونُوا فَاعِلينَ مَعَ النَّاسِ، يَجِبُ عَلَيْكُمْ أنْ تَجْعَلوهُمْ يَأتونَ إليهِ وَيَعْتَرِفونَ بأفْواهِهِمْ وَأمامَ النَّاسِ أنَّهُ رَبٌّ.

وَهُناكَ شَيءٌ آخَرُ يَخْتَصُّ بيسوعَ. فَقَدْ كانَ يَسْتَخْدِمُ الحُبَّ واللُّطْفَ. وقد فَكَّرْتُ في ذلكَ بِطُرُقٍ عَديدَةٍ جِدًّا. انْظُروا إلى ما فَعَلَهُ في إنْجيل يُوحَنَّا والأصْحاحِ الثَّامِنِ فيما يَخْتَصُّ بِتَلْكَ الامرأةِ الزَّانِيَةِ الَّتي كانَتْ تُسْتَغَلُّ مِنْ كُلِّ أصْنافِ الرِّجالِ، والتي كانَتْ زانِيَةً مِنْ أَسْوَأِ فِئَةٍ على الإطْلاق. وَماذا عَنْ مَرْيَم المَجْدَلِيَّة؟ وَماذا عَنْ كُلِّ تِلكَ المَرَّاتِ في إنْجيلِ مَتَّى؟ فَمَثَلًا، هَلْ تَعْلَمونَ أنَّ يَسوعَ قَامَ في الأصْحاحِ الثَّامِنِ مِنْ إنْجيلِ مَتَّى بِشِفاءِ رَجُلٍ أَبْرَص؟ فَقَدْ كانَ رَقيقًا تُجاهَ الخُطاةِ.

وهُناكَ أمْرٌ آخَر. فَقَدْ كانَ يَأخُذُ الوَقْتَ اللَّازِمَ دَائِمًا. فَقَدْ كانَ يَأخُذُ الوَقْتَ اللَّازِمَ دَائِمًا. وَقَدْ بَكَّتَني اللهُ على هذا الأمْرِ. فَأنا في عَجَلَةٍ مِنْ أمْري دَائِمًا، وَيَنْبَغي أنْ أذْهَبَ إلى مَكانٍ مَا، وَلَدَيِّ مَشروعٌ كَبيرٌ، وَلَديَّ اجْتِماعٌ دائمًا يَنْبَغي أنْ أَحْضَرَهُ. فَأنا أُخَصِّصُ وَقْتًا كَبيرًا للخِدْمَةِ، ولَكِنِّي لا أُخَصِّصُ وَقْتًا للنَّاسِ. أمَّا يَسوعُ فَكانَ يَأخُذُ الوَقْتَ اللَّازِمَ. فَفي وَسَطِ حُشودِ النَّاسِ في مَرْقُس 5، جَاءَ "يَايِرُس"، فَخَصَّصَ لَهُ يَسوعُ وَقْتًا. وَقَدْ قالَ لَهُ يَايِرُس قِصَّةً طَويلَةً عَنِ ابْنَتِهِ. وَبالرَّغْمِ مِنْ وُجودِ أُناسٍ كَثيرينَ، فَقَدْ خَصَّصَ يَسوعُ وَقْتًا لَهُ.

وَطَوالَ ثَلاثِ سَنَواتٍ، قَامَ يَسوعُ بِتَدريبِ تَلاميذِهِ على كَيفيَّةِ الحُضورِ دائمًا، وَعلى كَيْفِيَّةِ عَدَمِ المُحاباةِ بينَ النَّاسِ، وَعلى رَهافَةِ الحِسِّ، وَعلى نَزْعِ الاعْتِرافِ مِنَ النَّاسِ، وعلى اسْتِخْدامِ الحُبِّ واللُّطْفِ، وعلى كَيفيَّةِ تَخْصيصِ وَقْتٍ، وَعلى تَطْبيقِ كُلِّ ما تَعَلَّموهُ عِنْدَما كَانُوا صَيَّادي سَمَكٍ؛ أيْ على الصَّبْرِ، والمُواظَبَةِ، وَالشَّجاعَةِ، والقُدرةِ على تَمْييزِ اللَّحظَةِ المُناسِبَةِ، وَإخْفاءِ أنْفُسِهِمْ في وَسَطِ هَذا كُلِّهِ. وَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ إنَّ مَهارَةَ الكِرازَةِ لا تُكْتَسَبُ بالتَّعَلُّمِ، بَلْ تُكْتَسَبُ بالمُمارَسَةِ. وَهَذِهِ هِيَ حَالُ كُلِّ شَيءٍ آخَرَ في الحَياةِ المَسيحيَّةِ.

لِذَلِكَ فقد تَعَلَّموا. فَقَدْ دَرَّبَهُمْ. وَهَذا هُوَ شَوْقُ قُلوبِنا، يا أحِبَّائي. فَقَبْلَ سَنَواتٍ خَلَتْ، انْضَمَّ إلينا في الخِدْمَةِ "جيم جورج" (Jim George) الَّذي أعْتَقدُ أنَّكُمْ جَميعًا تَعْرِفونَهُ. فَقَدْ كانَ بِمَقْدورِنا أنْ نُعَيِّنَ شَخْصًا للقيامِ بالزِّياراتِ والكِرازَةِ. ولكِنْ هَلْ تَعْلَمونَ مَا الَّذي فَعَلْناهُ؟ لَقَدْ قَرَّرْنا أنْ نَدْعَمَ رَجُلًا يُدَرِّبُ آخَرينَ على الكِرازَةِ. فَلَوِ اكْتَفَيْنا بِتَعْيينِ شَخْصٍ للكِرازَةِ، هَلْ تَعْلَمونَ مَا الَّذي كُنَّا قَدْ حَقَّقْناهُ خِلالِ السَّنواتِ الخَمْسِ المَاضِيَة؟ لَكانَ لَدَيْنا شَخْصٌ يَقومُ بِعَمَلِ الكِرازَةِ. ولَكِنْ عِوَضًا عَنْ ذلكَ، صَارَ لَدَيْنا نَحْوَ مِئَتَيْن أوْ ثَلاثِمِئَةِ شَخْصٍ مُدَرَّبينَ على صَيْدِ النَّاسِ. وَهَذا هُوَ مَا فَعَلَهُ يَسوعُ.

وَماذا كانَ تَجاوُبُهُمْ؟ هَذِهِ هِيَ الخُلاصَةُ: "فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا الشِّـبَاكَ وَتَبِعَاهُ". وَنَقْرَأُ في العَدَد 22 عَنْ شَخْصَيْنِ آخَرَيْنِ هُما يَعْقوبُ وَيُوحَنَّا: "فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ". وَكَمْ أُحِبُّ ذلك! فَنَحْنُ نَرى هُنا طَاعَةً مُباشِرَةً. وَكما قَالَ "جِيري" (Jerry)، فإنَّ هَذا يُبَيِّنُ لَنا سُلْطانَ يَسوع. فعندمَا تَمْشي على الشَّاطِئِ وَتَقولُ لهؤلاءِ الأشْخاصِ: "اتْبَعوني"، وَيَتْبَعونَكَ، فإنَّ هَذا يَدُلُّ على شَيءٍ في شَخْصِيَّتِكَ. أليسَ كذلك؟ فَفي كُلِّ مَرَّةٍ أَرى فيها صُوْرَةً لِيَسوعَ يَبْدو فيها شَخْصًا هَزيلًا، وَنَحيلًا، وصَغيرًا، وَضَامِرًا، وَشَخْصًا يَبْدو أنَّهُ لا يَسْتَطيعُ أنْ يُخيفَ حَشَرَةً، فإنِّي أَعْلَمُ أنَّهُ ليسَ المَسيحَ الَّذي نَقْرَأُ عَنْهُ هُنا.

فَإنْ مَشَيْتَ باتِّجاهِ هؤلاءِ الأشخاصِ الأقوياءِ وَقُلْتَ لَهُمْ: "اتْبَعوني"، فَتَرَكوا كُلَّ شَيءٍ، وَتَرَكُوا آباءَهُمْ، وَتَبِعُوكَ، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّكَ تَمْتَلِكُ صِفَةً مَا! وَقَدْ تَبِعوهُ. فَقَدْ أَطاعوهُ. وَقَدْ تَقولُ: "هَلْ كانَ لَدَيْهُمْ شَغَفٌ عَظيمٌ لِتَخْليصِ النُّفوسِ؟" أنا أَشُكُّ في ذلك، بَلْ أَشُكُّ جِدًّا في ذلك. وَأنا عَلى يَقينٍ بأنَّهُ لم يَكونوا شَغوفينَ بأيِّ شَيءٍ. إذًا، لِماذا فَعَلوا ذلكَ؟ اسْتَمِعُوا إلَيَّ: أتُريدونَ أنْ تَعْلَموا شَيئًا؟ أتُريدونَ أنْ تَعْرِفُوا كيفَ تَصيرونَ شَغوفينَ بِخَلاصِ النُّفوسِ؟ جَرِّبوا الطَّاعَةَ كَنُقْطَةِ بِدايَة. فَالأمْرُ بِرُمَّتِهِ يَبْتَدِئُ بالطَّاعَةِ. فَقَطْ كُونوا مُطيعينَ. وَيُمْكِنُني أنْ أَصِيغَ ذلكَ بِهذهِ الكَلِماتِ: الطَّاعَةُ هِيَ الشَّرارَةُ الَّتي تُضْرمُ نَارَ الشَّغَفِ. فالطَّريقَةُ الَّتي تَكْتَسِبونَ فيها الشَّغَفَ لِخَلاصِ النُّفوسِ، والطَّريقَةُ الَّتي تَجْعَلونَ فيها قُلوبَكُمْ تَلْتَهِبُ لأجْلِ الضَّالِّينَ هِيَ أنْ تُطيعُوا اللهَ وَتَفْعَلوا مَا يُوْصيكُمْ بِهِ. ثُمَّ رَاقِبُوا كيفَ سيَأخُذُ اللهُ شُعْلَة الطَّاعَةِ تِلْكَ وَيُصَيِّرُها نَارًا عَظيمَةً.

وَقَدْ قالَ "ديفيد برينارد" (David Brainerd)، وَهُوَ مُرْسَلٌ عَظيمٌ إلى الهُنودِ، وَقَدْ مَاتَ شَابًّا قَبْلَ أنْ يَبْلُغُ الثَّلاثينَ مِنَ العُمْرِ: "آهٍ لو كُنْتُ شُعْلَةَ نَارٍ لأجْلِ قَضِيَّةِ سَيِّدي". وَقَدْ قالَ "هِنري مارتين" (Henry Martyn): "والآنْ، اتْرُكوني أُنيرُ حَتَّى النِّهايَةِ لأجْلِ اللهِ". وَقَدْ قالَ المُبَشِّرُ العَظيمُ "إليكساندر ماكلارين" (Alexander MacLaren): "أَخْبِروني عَنْ أَعْماقِ شَغَفِ المُؤمِنِ فَأُخْبِرُكُمْ عَنْ مِقْدارِ نَفْعِهِ". إذًا، أيْنَ يَبْتَدِئُ الأمْرُ؟ وَمِنْ أيْنَ تَحْصُلُ على هذا الشَّغَف؟ وَمِنْ أيْنَ تَحْصُلُ على هَذِهِ الرَّغْبَةِ في أنْ تَحْتَرِقَ لأجْلِ اللهِ؟ وَمِنْ أيْنَ يَأتي هذا كُلُّهُ؟ إنَّهُ يَأتي مِنْ شُعْلَةِ الطَّاعَةِ.

وَقَدْ كَتَبَ الدُّكتور "كورتلاند مَايرز" (Cortland Myers) في كِتابِهِ "كَيْفَ نَعْرِفُ؟" (How Do We Know?)، كَتَبَ عَنْ "روبرت مُوراي مَاكشين" (Robert Murray M’Cheyne)، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ أعْظَمِ وُعَّاظِ إسكُتلندا، وَقَدْ ماتَ وَهُوَ في التَّاسِعَةِ والعِشرينَ مِنَ العُمْر: "في كُلِّ مَكان وَقَفَ فيهِ، كانَتِ إسْكُتلندا تَرْتَعِشُ. وَفي كُلِّ مَرَّةٍ فَتَحَ فيها فَمَهُ، كانَتْ هُناكَ قُوَّةٌ رُوْحِيَّةٌ تُنْطَلِقُ في كُلِّ اتِّجاهِ. وَقَدْ تَبِعَهُ الآلافُ وارْتَموا عِنْدَ قَدَمَي يَسوع".

"وَقَدْ كانَ أَحَدُ الرَّحَّالَةِ مُتَلَهِّفًا لِرُؤيَةِ المَكانِ الَّذي كانَ مَاكشين يَعِظُ فيه فَذَهَبَ إلى البَلْدَةِ الإسكُتلنديَّةٍ وَعَثَرَ على الكَنيسَةِ القَديمَةِ. وَقَدْ وَافَقَ البَوَّابُ العَجوزُ الأشْيَبُ على اصْطِحابِهِ في جَوْلَةٍ في الكَنيسَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى مَكْتَبِ مَاكشين وَقالَ لَهُ: ’اجْلِسْ في هذا الكُرْسِيِّ‘. تَرَدَّدَ الرَّحَّالَةُ قَليلًا ثُمَّ جَلَسَ في الكُرْسِيِّ. وَكانَ على الطَّاوِلَةِ الَّتي أمامَهُ كِتابٌ مُقَدَّسٌ مَفْتوحٌ. ثُمَّ قالَ الرَّجُلُ العَجوزُ لِهُ: ’ادْفِنْ رَأسَكَ في ذلكَ الكِتابِ وابْكِ. فَهَذا هُوَ مَا كانَ خادِمُنا يَفْعَلَهُ قَبْلَ أنْ يَعِظ‘. ثُمَّ إنَّهُ اصْطَحَبَ الزَّائِرَ إلى المِنْبَرِ الَّذي كَانَ يُوْجَدُ عليهِ كِتابٌ مُقَدَّسٌ مَفْتوحٌ، وَقالَ لَهُ: ’قِفْ هُنا، وَضَعْ رَأسَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَاسْمَحْ للدُّموعِ أنْ تَنْهَمِرْ. فَهَذا هُوَ ما كانَ خَادِمُنا يَفْعَلُهُ دائمًا قَبْلَ أنْ يَبْتَدِئَ الوَعْظَ‘".

لِذلكَ فَقَدْ قالَ "كورتلاند مايرز": "بِهَذا الشَّغَفِ للنُّفوسِ الضَّالَّةِ والمُحْتاجَةِ، هَلْ نَتَعَجَّبُ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ أَعْطى مَاكشين شَخْصِيَّةً قادِرَةً عَلى جَذْبِ أشْخاصٍ كَثيرينَ جِدًّا للمُخَلِّصِ؟"

إذًا، أيْنَ يَبْتَدِئُ الأمْرُ؟ قَدْ تَقولُ: "يَبْدو أنَّ هَذا بَعيد المَنالِ بالنِّسْبَةِ إلَيَّ". أيْنَ يَبْتَدِئُ الأمْرُ؟ إنَّهُ يَبْتَدِئُ بِشُعْلَةِ الطَّاعَةِ. فهذهِ هِيَ الشَّرارَةُ الَّتي تُضْرِمُ النَّارَ. لذلكَ فإنَّ الرَّبَّ يُريدُ أُناسًا مُؤهَّلينَ لتَحْقيقِ مَقاصِدِهِ. وَهُوَ يَحْتاجُ إلى طَاقِمٍ مُدَرَّبٍ تَدْريبًا حَسَنًا في كَنيسَةِ جَماعَةِ النِّعْمَةِ (Grace Community Church). فَهُوَ ليسَ بِحاجَةٍ إلى نَادٍ اجْتِماعِيٍّ مُريحٍ. إنَّهُ لا يُريدُ ذلك. فالكَنيسَةُ تَحْوي أُناسًا كَثيرينِ مِنْ هَذِهِ الفِئَةِ. بَلْ إنَّهُ يُريدُ طَاقِمَ نَجاةٍ مُدَرَّبًا وَمُؤَهَّلًا. وَهُوَ يُريدُ صَيَّادي نَاسٍ. وَقَدْ تَقولُ: "هَلْ يُمْكِنُني أنْ أَفْعَلَ ذلك؟" أَجَل. وَقَدْ تَقولُ: "كَيْفَ؟" اسْتَمِعْ إلَيَّ: أوَّلًا، كُنْ مُؤْمِنًا. فَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَنْضَمَّ إلى الفَريقِ إلَّا إذا كُنْتَ مُؤمِنًا.

ثانِيًا، كُنْ مُتاحًا. تَعَلَّمْ كَيْفَ تَرْبَحِ النَّاسَ للمَسيح. وَإنْ كانَ ذلكَ يَعْني أنْ تَنْخَرِطَ في خِدْمَةٍ كِرازِيَّةٍ، انْخَرِطْ في واحِدَةٍ. وَإنْ كانَ ذلكَ يَتَطَلَّبُ أنْ تَقْرَأَ العَهْدَ الجَديدَ وَأنْ تَضَعَ خَطًّا تَحْتَ كُلِّ شَيءٍ يَخْتَصُّ بالكِرازَةِ، وَأنْ تُبَوِّبَها، وَأنْ تَتَعَلَّمَها، افْعَلْ ذلك. إذًا، كُنْ مُؤمِنًا. وَكُنْ مُتاحًا.

ثَالِثًا، كُنْ مُهْتَمًّا ... كُنْ مُهْتَمًّا. وَرُبَّما يَتَطَلَّبُ ذلكَ أنْ تَقرأَ بَعْضَ الكُتُبِ. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ يَتَطَلَّبُ مُقابَلَةَ بَعْضِ الأشْخاصِ غَيْرِ المُخَلَّصِين. وَالأمْرُ كُلُّهُ يَبْتَدِئُ بالطَّاعَةِ. لذلكَ، كُنْ مُطيعًا. اذْهُبْ وافْعَلْ ذلك. وحَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْكَ شَغَفٌ، افْعَلْ ذلك. اذْهَب إلى ذلكَ الجَارِ. وَقُلْ لَهُ الكَلِماتِ الَّتي أَرَدْتَ دائِمًا أنْ تَقولَها لَهُ ولكِنَّكَ لَمْ تَفْعَل. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ يَسوعَ هُوَ قُدْوَتُكَ. لذلكَ، ادْرُس كَيْفَ كانَ يَفْعَلَ ذلك. ثُمَّ اعْثُرْ على شَخْصٍ آخَرَ يُمْكِنُكَ أنْ تَتْبَعَهُ، وَاتَّخِذْهُ نَموذَجًا لَكَ.

كُنْ مُؤمِنًا. وَكُنْ مُتاحًا. وَكُنْ مُهْتَمًّا. وَكُنْ مُطيعًا، وَكُنْ تَابِعًا للمَسيحِ، وَتَعَلَّمْ بالقُدْوَة. إذًا، فَقَدِ ابْتَدَأَ يَسوعُ مِنَ النُّقْطَةِ الصَّحيحَةِ، وفي المَكانِ المُناسِبِ، وبالإعْلانِ المُناسِبِ، وبالاسْتِعانَةِ بالشُّرَكاءِ المُناسِبين. لَقَدْ جَاءَ النُّورُ، يا أحِبَّائي. وَيَنْبَغي لنا أنْ نَحْمِلَ هَذا النُّورَ إلى بَقِيَّةِ العَالَمِ.

وَسَوْفَ أَخْتِمُ بِهذِهِ القِصَّةِ: عِنْدَما كُنْتُ في الجَامِعَةِ، قُمْنا أنا وَ "ديف هوكِنغ" (Dave Hocking) [وَهُوَ راعي كَنيسَةِ الإخوة في لونغ بيتش]، وَ "بروس بيترسون" (Bruce Peterson) [وَهُوَ شَمَّاسٌ في كَنيسَتِنا]، وَ "إد بيرد" (Ed Byrd) [وَهُوَ راعٍ مُساعِد في كَنيسَةِ كالفري المَعمدانيَّة في لوس غاتوس]، وَ "ليني سايديل" (Lenny Seidel) [وَهُوَ، كَما تَذْكُرونَ، يَخْدِمُ الآنَ في السَّاحِلِ الشَّرْقِيِّ]، قُمْنا بِتَشْكيلِ جَوْقَةٍ مُوسيقيَّةٍ. وَكُنَّا نُرَنِّمُ تَرنيمَةً مُعَيَّنَةً. وَرُبَّما يَذْكُرُ بَعْضٌ مِنْكُمْ تلكَ التَّرنيمَةَ الَّتي كانَ عُنْوانُها "اجْعَلِ الأنْوارَ السُّفليَّةَ تُنيرُ" (Let the Lower Lights Be Burning). هَلْ تَذْكُرونَ ذلك؟ وقدِ اعْتَدْنا على تَرْنيمِ تِلْكَ التَّرنيمَةِ طَوالَ الوَقْتِ. والحَقيقَةِ هِيَ أنِّي أَعْرِفُ صَوْتَ الجَهيرِ الأوَّلِ جَيِّدًا جِدًّا، ولكنِيِّ لا أَعْتقِدُ أنِّي أعْرِفُ اللَّحْنَ. وَقَدْ كانَتْ تِلْكَ هِيَ تَرْنيمَتُنا الرَّئيسيَّةُ.

والحَقيقَةُ هِيَ أنِّي لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مَعْنى ذلكَ العُنْوان. فَقَدْ كُنَّا نُرَنِّمُ "اجْعَلِ الأنْوارِ السُّفليَّةَ تُنيرُ". وَإنْ جاءَ أَحَدُ الأشْخاصِ بَعْدَ ذَلِكَ وَسَألَنا: مَا هِيَ الأنْوارُ السُّفْلِيَّةُ؟" كُنَّا نَبْتَسِمُ وَنَقولُ: "إنَّهُ لَحْنٌ جَميلٌ". وَلَكِنْ مَا هِيَ الأنْوارُ السُّفْلِيَّةُ؟ هَلْ تَعْلَمونَ أنَّ تِلْكَ التَّرْنيمَةَ اسْتُوْحِيَتْ مِنْ قِصَّةٍ ذَكَرَها "دي. إلْ. مُودي" (D. L. Moody)؟ وَإليكُمْ القِصَّة:

فَقَدْ قالَ "مُوْدي" إنَّ سَفينَةً كَانَتْ قادِمَةً باتِّجاهِ ميناءِ كليفلاند (Cleveland Harbor) في لَيلَةٍ عَاصِفَةٍ جِدًّا. وَلِكَيْ تَتَمَكَّنَ السَّفينَةُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَكانِها، كانَتْ هُناكَ مَجْموعَتانِ مِنَ الأنْوارِ في الميناءِ: المَجموعَةُ الأولى مَثَبَّتَةٌ في أَعْلى جُرْفٍ عَالٍ جِدًّا، وَالمَجْموعَةٌ الثَّانِيَةُ مَثَبَّتَةٌ على الخَطِّ السَّاحِلِيِّ. لذلكَ، فقد كانَ الميناءُ مَنْظُورًا في وَسَطِ الظَّلامِ. وَكانَ بِمَقدورِ السُّفُنِ أنْ تَعْرِفَ مَوْقِعَها بالاسْتِعانَةِ بالأنْوارِ العُلْوِيَّةِ والأنْوارِ السُّفْلِيَّةِ. ولكِنْ في هذهِ اللَّيْلَةِ، تَمَكَّنَ مَلاَّحُ السَّفينَةِ مِنْ رُؤيَةِ الأنْوارِ العُلْوِيَّةِ تُنيرُ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ رُؤيَةِ الأنْوارِ السُّفْلِيَّةِ. لذلكَ فقَدْ سَألَ المَلاَّحُ القُبْطانَ إنْ كانَ مِنَ الأفْضَلِ أنْ يَعودُوا إلى البَحْرِ مَرَّةً أُخرى لِئَلَّا يَتَقَدَّمُوا أكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغي وَيَرْتَطِموا بالصُّخورِ. ولكِنَّ القُبْطانَ كانَ خَائِفًا جِدًّا مِنَ العَاصِفَةِ في البَحْرِ. لذلكَ فَقَدِ ارْتَأى أنَّهُ مِنَ الأفْضَلِ أنْ يُحاوِلُوا الوُصُولَ إلى المِيناءِ.

وَيَقولُ "مُودي" إنَّهُمْ نَجَحُوا في الوُصولِ، ولكَنَّ السَّفينَةَ تَحَطَّمَتْ وَغَرِقَ كَثيرونَ لأنَّ العَاصِفَةَ أَطْفَأتِ الأنْوارَ السُّفْلِيَّةَ. ثُمَّ قالَ "مودي": "إنَّ الأنْوارَ العُلْوِيَّةَ في السَّماءِ تُنيرُ وَتَسْطَعُ كَما هِيَ حَالُها دَائِمًا. ولَكِنْ مَاذا عَنِ الأنْوارِ السُّفْلِيَّةِ؟"

نَشْكُرُكَ، يا أبانا! نَشْكُرُكَ على الدَّعْوَةِ الَّتي دَعَوْتَنا مِنْ خِلالِها إلى القِيامِ بِهَذا العَمَلِ مِنْ أجْلِكَ. وَنَحْنُ نُسَبِّحُكَ وَنَسْأَلُكَ أنْ تَجْعَلَنا صَيَّادي نَاسٍ. باسْمِ المَسيحِ نُصَلِّي. آمين.

This sermon series includes the following messages:

< !--Study Guide -->

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize