Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نحنُ نَدْرُسُ الأصحاحَ الخامِسَ مِنْ إنجيل مَتَّى. ومِنَ الواضِحِ أنَّنا سنأخُذُ بعضَ الوقتِ لدراسة كُلِّ هذا النَّصِّ. فالعظةُ على الجبل تَشْغَلُ الأصحاحَ الخامِسَ، والأصحاحَ السَّادسَ، والأصحاحَ السَّابع. وأنا أُوْمِنُ أنَّ رَبَّنا وَعَظَ هذه العِظَةَ دُفْعَةً واحدةً في وقتٍ مُحَدَّدٍ واحد. ولا شَكَّ أنَّهُ عَلَّمَ هذه الحقائق مِرارًا وتَكرارًا في أوقاتٍ مُختلفة، وفي فترات مُختلفة، وفي مواقع مُختلفة. ولكِنْ هناكَ قُوَّة وقُدرة هائلتين لوَضْعِ كُلِّ هذا الدَّسَمِ في عِظَة واحدة عظيمة. وسوفَ نَحتاجُ إلى وقتٍ طويلٍ لدراسة هذه الحقائق الثَّوريَّة الَّتي صَدَمَتِ العالَمَ كما لو أنَّ قُنْبُلَةً انفجرَتْ في أذهانِ أولئكَ الأشخاصِ الذينَ سَمِعوها.

ولكِنِ اسمحوا لي أنْ أبدأَ دراستي لهذا المقطعِ الرَّائع (وهي دراسة ستستمرُّ، دونَ شَكٍّ، طَوالَ الأشهُر العديدة القادمة) اسمحوا لي أنْ أبدأها بالكلماتِ التَّالية: إنَّ يَسوعَ يَهتمُّ بتوفيرِ السَّعادَةِ للنَّاس. لِذا فقد عَنْوَنَّا هذه الرِّسالة الافتتاحيَّة: "السَّعادةُ هي...". ومِنَ المُحْزِنِ أنَّ كثيرينَ لا يَفهمونَ ذلكَ حقًّا، وأنَّ كثيرينَ لا يُؤمنونَ بذلك حقًّا. والحقيقة هي أنَّ مؤمنينَ كثيرينَ ليسوا واثِقينَ بأنَّهم يَختبرونَ حقًّا واقِعَ السَّعادَةِ الحقيقيَّة. ولكِنَّ يسوعَ يَهتمُّ بِسَعادَتِنا. فالسَّعادَةُ هِيَ شُغْلُهُ الشَّاغِلُ.

وهذهِ النُّقطةُ واضحةٌ تمامًا هُنا في أوَّلِ عِظَةٍ مُدَوَّنَة مِنْ عِظاتِ يسوعَ المسيح. فما إنْ نَبتدئ قراءةَ الأناجيل أوَّلَ مَرَّة، فإنَّنا نَجِدُ أنفسَنا أمامَ عِظَةٍ لِرَبِّنا. وهي عِظَةٌ تَبْتَدِئُ بترديدِ فِكْرَةِ السَّعادة.

وإذا نَظرتُم إلى العدد الأوَّل والأعدادِ الَّتي تَليه، سَتَرَوْنَ أنَّ الكلمة "طُوْبَى" مُستخدَمَة تِسْعَ مَرَّات. وهذه الكلمة تَعني ببساطة: "سَعادَة" أوْ "سَعيد". ويمكننا أنْ نَقرأَ النَّصَّ باستخدامِ هذهِ الكلمة المُرادِفَة:

"وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفتحَ فاهُ وعَلَّمَهُمْ قَائِلاً: يا لسَعادة المَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. يا لسَعادة الحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. يا لسَعادة الوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. يا لسَعادة الجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ.

"يا لسَعادة الرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. يا لسَعادة الأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ. يا لسَعادة صَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ. يا لسَعادة المَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. يا لسَعادَتِكُم إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ".

وتَرِدُ الكلمة "طُوبى" (أيْ: "يا لِسَعادَة") تِسْعَ مَرَّات. وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ الربَّ يَهتمُّ بموضوع السَّعادَة. فالربُّ يَهتمُّ بمُبارَكَةِ الرِّجالِ والنَّساء. والغايةُ الأَسْمى للحياةِ بأسْرِها (بحسب ما جاءَ في العدد 12) هو أنْ تُؤدِّي هذه الأمورُ المَغبوطَةُ إلى الفَرَحِ والتَّهليل. لذا، أقولُ مَرَّةً أُخرى إنَّ اللهَ يَهتمُّ بِجَعْلِ حياتِنا مُفْعَمَةً بالفرح، ومُفعمةً بالتَّهليل، ومُفعمةً بالسَّعادة.

وهذه مُجَرَّد مُقَدِّمة للعِظَة. وبعدَ أنْ ذَكَرْتُ ذلكَ الهَدَفَ الرَّئيسيَّ لتعليمِ الرَّبِّ وَهُوَ أنْ يُعطينا سَعادةً حقيقيَّةً، يجب أنْ أُوَضِّحَ أنَّني لا أتحدَّثُ هُنا عنِ السَّعادةِ بمفهومِ العالمِ لأنَّها سَعادة قائمة على الأحوالِ والظُّروف. وسوفَ نَتَعَمَّقُ في الحديثِ عن هذه النُّقطة أثناءَ دِراسَتِنا. ولكِنَّ السَّعادةَ الحقيقيَّة هي الهدف. وعلى غِرارِ أيِّ واعِظٍ جَيِّدٍ آخر، فإنَّهُ يُوَضِّحْ قَصْدَهُ مُنذُ البداية.

فافتتاحِيَّةُ العِظَة على الجَبَل تُطْلِعُكُمْ على الهَدَفِ الرَّئيسيِّ للعظة وَهُوَ أنَّهُ ينبغي لنا أنْ نَعْرِفَ الغِبْطَة الحقيقيَّة، والسَّعادة الحقيقيَّة، والفرحَ الحقيقيَّ، والبَهْجَةَ الحقيقيَّة، والمُكافأةَ الإلهيَّةَ الحقيقيَّة. ومِنْ تلكَ النُّقطة فصاعِدًا، فإنَّهُ يتحدَّث عن كيفيَّة تحقيق ذلك، وعنْ نَمَطِ الحياةِ الَّذي يُنْشِئُ هذا النَّوعَ مِنَ السَّعادة. وهذه تَصيرُ الفِكرة السَّائدة في كُلِّ الأصحاحِ الخامِس، والأصحاحِ السَّادس، والأصحاحِ السَّابع.

والآنْ، يجب علينا أنْ نَفهمَ النِّقاطَ الجوهريَّة لكي نَفْهَمَ هذه العظة الرَّائعة بِحَقّ إذْ أعتقدُ أنَّها أعظمُ عِظَةٍ على مَرِّ التَّاريخ. فيجب علينا أنْ نَفْهَمَ الأساسات. لِذلك، في هذا المساء سوفَ نَضَعُ بعضَ الأساساتِ، وسوفَ نَشْرَحُ لكم ذلكَ بأسلوبٍ تَعليميٍّ وليسَ بأسلوبٍ وَعْظِيّ. وفي كُلِّ الأحوال، يجب عليكم أنْ تَفهموا هذه الأساسات لكي تكونَ الأجزاءُ الباقية ذاتَ مَعنى بالنِّسبة إليكم.

أوَّلاً، أَوَدُّ أنْ أُبَيِّنَ لكم السِّياق. فأنا أودُّ أنْ أُعطيكم فِكْرَةً عامَّةً عَمَّا كانَ يَجري آنذاك، وأنْ أُوَضِّحَ لكم خَلْفِيَّةَ النَّصِّ، وأنْ أُبَيِّنَ لكم الإطارَ العامَّ [إنِ اسْتَطَعْتُ] لكي تَفهموا أهميَّةَ هذه الكلمات للنَّاسِ في ذلكَ الوقتِ وتلك المرحلة مِنْ زاوية كِتابيَّة. فيجب علينا أنْ نَرْبُطَ كُلَّ الأشياءِ معًا. ويجب علينا أنْ نَفهمَ بعضَ الأمورِ عنِ السِّياق.

أوَّلاً، هُناكَ العديدُ مِنَ السِّياقاتِ الَّتي يمكنُ أنْ نَنظرَ إليها. ولكِنْ أوَّلاً، يجب علينا أنْ نَنظرَ إلى السِّياقِ الكِتابيّ. وما أعنيه بذلك هو الخلفيَّة الكِتابيَّة. فأيْنَ نحنُ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ. وأينَ نحنُ مِنْ مَجْري الإعلانِ الإلهيّ؟ وأينَ نحنُ مِنْ خُطَّةِ اللهِ لإعلانِ حَقِّهِ للإنسان؟ إنَّها نُقطةٌ جديدة. وهذا تَغييرٌ كَبير. وهو تَغييرٌ مُذهل.

ولكي أُوَضِّح لكم قَصْدي، أريد منكم أنْ تنظروا إلى الرِّسالة الأخيرة في العهد القديم. والرِّسالةُ الأخيرةُ موجودة في سِفْر ملاخي 4: 6. فهذه هي الطَّريقة الَّتي ينتهي بها العهدُ القديم. وإليكم ما يقولُهُ هذا العَدَد. مَلاخي، السِّفْرُ الأخيرُ، والعَدَدُ الأخيرُ مِنَ الأصحاحِ الأخير: "فَيَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ، وَقَلْبَ الأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ [ثُمَّ استمعوا إلى ما يقول:] لِئَلاَّ آتِيَ وَأَضْرِبَ الأَرْضَ بِلَعْنٍ". ويا لها مِنْ كلماتٍ مُدهشة! فالعهدُ القديمُ ينتهي بِلَعْنَة. ولكِنَّ العهدَ الجديدَ يبتدئُ بِبَرَكَة. وهذا تَغييرٌ كبير.

فالكلمةُ الأخيرةُ التي قالَها رَجُلُ اللهِ هي: "لَعْنَة". فهذه هي الكلمة الأخيرة: "لَعْنَة". أمَّا الكلمةُ الأولى لابْنِ اللهِ، المسيحِ الحَيِّ، فهي: "طُوْبَى" – طُوْبَى. فهناكَ بَرَكَة وهُناكَ لَعنة. ففي العهدِ القديمِ نقرأُ عنِ الشَّريعةِ، وسيناء، والبَرْقِ، والرَّعْدِ، والدَّينونة، واللَّعنة. وفي العهدِ الجديدِ نقرأُ عن صِهْيَوْن، والنِّعمة، والسَّلام، والبَرَكة. وهذا تَغييرٌ هائِل.

والكلمة "طُوْبَى" هي "مكاريوس" (Makarios). والحقيقة هي أنَّ هذه الكلمة هي اسْمُ عَلَم لأشخاصٍ يونانيِّين. ولعَلَّكُم تَذكرونَ الأُسقُف "مكاريوس" (أسقُف الكنيسة الأرثوذكسيَّة اليونانيَّة). والكلمة "مكاريوس" هي أيضًا صِفَة تَعني ببساطة: "سَعيد" أو "مَغْبوط". فهذا هو مَعناها الأصليّ. ولكنِّي أوَدُّ أنْ أتوسَّعَ قليلاً لكي تَفهموا أهميَّة هذه الرِّسالة الجديدة. فهذه الكلمة مُشتقَّة أصلاً مِنَ الجَذْر "مَكَار" (makar) ومَعناهُ: "يَكونُ سَعيدًا". وهو يُشيرُ إلى السَّعادة الحقيقيَّة، لا إلى شُعورِ العالمِ بالسَّعادة بسبب ظَرْفٍ إيجابيٍّ.

وقد وَصَفَ الشَّاعِران الإغريقيَّان "هوميروس" (Homer) و "هِسيود" (Hesiod) آلهةَ الإغريق بأنَّها (والآنْ لاحظوا ما سأقول لأنَّها نُقطة مُهمَّة جدًّا). فقد وَصَفوا آلِهَةَ الإغريقِ بأنَّها آلِهَة مَغْبوطَة في ذاتِها وقالوا إنَّ هذه الغِبْطَة هي صِفَة لا تتأثَّر بعالَمِ البَشَر الَّذينَ يَتأثَّرونَ بالفقرِ والضَّعْفِ والموت.

بعبارة أخرى، فإنَّ فِكرةَ الإغريقِ القُدماء عنِ الكلمة "مَكار" وَ "مَكاريوس" تَقومُ على نَوْعٍ مِنَ السَّعادة، ونوعٍ مِنَ الغِبْطَة، ونوعٍ مِنَ الرِّضا، ونوعٍ مِنَ البَرَكَة لا يتأثَّر بالظُّروف. فهذا هوَ قَصْدُهُم في الحقيقة.

لِذا فقد صارتْ هذه الكلمة تَنْطَوي على فِكرة الغِبْطَة الدَّاخليَّة، والسَّعادة الداخليَّة الَّتي لا تَنْشَأ عنِ الظُّروف ولا تَخْضَع للتَّغييرِ بسببِ الظُّروف. وهذا هو المَعنى الأساسيُّ في العهدِ الجديد للكلمة "طُوْبَى". فهي تَعْني سلامًا داخليًّا، وغِبْطَةً داخليَّةً، وسعادةً داخليَّةً، وفَرَحًا داخليًّا لا يَنْشَأُ بسببِ الظُّروف ولا يتأثَّرُ بالظُّروف. فهو حالة مِنَ السَّعادة وحالة مِنَ الغِبْطَة الَّتي يُريدُ اللهُ مِنْ أولادِهِ أنْ يَحْيَوْها.

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أَخْطُو خُطوةً أخرى. فهي كلمة تُشيرُ إلى الشَّخصيَّة. فهي كلمة تُشيرُ إلى الشخصيَّة. فهي تُشيرُ إلى الإنسانِ في صَميمِ وُجودِهِ. فهي كلمة تُشيرُ إلى الشَّخصيَّة. والسَّببُ في أنِّي أقولُ ذلك هو أنَّها تُستخدَمُ لِوَصْفِ الله. فمثلاً، نقرأُ مَرَّاتٍ عديدة في الكِتابِ المُقَدَّسِ الجُملة: "مُبارَكٌ اللهُ". فنحنُ نقرأُ في المزمور 68: 35: "مُبَارَكٌ اللهُ!" ونقرأ في المزمور 72: 18: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ اللهُ". ونقرأُ في المزمور 119: 12: "مُبَارَكٌ أَنْتَ يَا رَبُّ". ونقرأُ في رسالة تيموثاوس الأولى 1: 11: "الله المُبَارَك". بعبارة أخرى، أيًّا كانَ مَعنى هذه الكلمة، اسمعوني: أيًّا كان مَعْنى هذه الكلمة فإنَّها تُسْتَخْدَمُ لِوَصْفِ الله. هل تَفهمونَ ما أقول؟ أيًّا كان مَعْنى هذه الكلمة فإنَّها تُسْتَخْدَمُ لِوَصْفِ الله. فأيًّا كانَ مَعنى أنْ تكونَ مُبارَكًا ومُطَوَّبًا، فإنَّها تَصِحُّ على الله.

وحيثُ إنَّ هذه الكلمة تُستخدَمُ لوصفِ اللهِ – وبالمُناسبة، فإنَّها تُستخدَمُ أيضًا لوصفِ رَبِّنا يَسوعَ المسيح. فنحنُ نقرأ في رسالة تيموثاوس الأولى 6: 15 عنِ الربِّ يسوعَ المسيحِ أنَّهُ: "...المُبَارَكُ العَزِيزُ الوَحِيدُ: مَلِكُ المُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَاب". لِذا فإنَّ هذه البَرَكَة هي صِفَةٌ يُوْصَفُ بها اللهُ، وصِفَةٌ تَنْطَبِق على اللهِ وعلى المسيح. وهذا يَجْعَلُها شيئًا يَجِب أنْ نَتَوَسَّعَ في الحديثِ عنه.

وما دامت هذه البَرَكَة تَصِحُّ على اللهِ وَتَصِحُّ على المسيح [اسمعوني]، فإنَّ الشَّعبَ الوحيدَ الَّذي سيَختبرُها هوَ الشَّعبُ الَّذي يَكونُ شَريكًا للهِ وشَريكًا للمسيحَ. هل سَمِعْتُموني؟ فلا توجد سَعادَة خارِجَ هذا النِّطاق. ولكِنَّ بُطْرُسَ يقولُ لنا في رسالة بُطرس الثانية 1: 4 إنَّنا نحنُ الذينَ نؤمنُ بالربِّ يسوعَ المسيحِ، استمعوا إلى هذه الكلمات: "شُرَكَاء الطَّبِيعَة الإِلهِيَّة". أليسَ كذلك؟ فنحنُ شُرَكاءُ الطَّبيعةِ الإلهيَّة.

والنَّتيجة الَّتي تَتَرَتَّبُ على ذلك بحسبِ هذا النَّصِّ هي أنَّنا نَستطيعُ أنْ نَختبرَ نفسَ البَرَكة، ونفسَ حالة الرِّضَا الدَّاخليّ، ونفسَ السَّعادةِ الغامِرَةٍ في أعماقِنا؛ تلك السَّعادة الَّتي يَتَمَتَّعُ بها اللهُ والربُّ يسوعُ المسيحُ شخصيًّا. ويا لهُ مِنْ أمرٍ رائعٍ ينبغي أنْ نُدْرِكَهُ! لِذا فإنَّ الكلمة "مَكاريوس" هي في الأصل صِفَة مِنْ صِفاتِ اللهِ. والإنسانُ لا يستطيعُ أنْ يَختبرَ هذهِ الصِّفة إلَّا إذا كانَ شَريكَ الطَّبيعةِ الإلهيَّة.

لِذلك، اسمعوني: مُنْذُ البِداية، هُناكَ حقيقة راسِخَة وهي أنَّ العِظَة على الجبل لا تَقولُ شيئًا ولا تُقَدِّمُ شيئًا لأيِّ شخصٍ بِمَعْزِلٍ عنِ الإيمانِ بيسوعَ المسيح. وهذا نُقطة أساسيَّة. أمَّا بالنِّسبة إلى الأشخاصِ الذينَ يَعرفونَ الربَّ يسوعَ المسيحِ ويُحِبُّونَهُ، وبالنِّسبة إلى الأشخاصِ الذينَ صارُوا مِنْ خلالِ إيمانهم بالمسيحِ شُرَكاءَ الطَّبيعةِ الإلهيَّة، فإنَّ البَرَكَةَ نفسَها، والرِّضا نَفْسَهُ، والسَّعادة نفسَها، والغِبْطَةُ نَفْسَها الَّتي يَعْرِفُها اللهُ نفسُهُ ويَعرفُها المسيحُ نفسُهُ يُمْكِن أنْ نَعْرِفَها نحنُ أيضًا.

وهذه فكرة عظيمة. فحالَما يَعْرِفُ المرءُ اللهَ مِنْ خلالِ المسيح، فإنَّ السَّعادَةَ تَصيرُ مُتاحَةً لَهُ أوْ لها. لِذا فإنَّ النُّقطة الأولى [وأرجو أنْ تُدَوِّنوا ذلك] هي أنَّهُ عندما نَتحدَّثُ عنِ السَّعادة، أو عندما نَتحدَّثُ عنِ الغِبْطَةِ، فإنَّنا نَتحدَّثُ عنها في السِّياقِ الكِتابِيِّ لأنَّنا لا نتحدَّثُ عنْ سُلوكٍ سَطْحِيٍّ قائمٍ على الظُّروف، بل نتحدَّثُ عن موقفٍ داخليٍّ قائمٍ على سُكْنى شَخْصِ اللهِ نَفْسِهِ.

لِذا فإنَّنا نَرى، إذًا، أنَّ اللهَ يَقولُ شيئًا عظيمًا هُنا. ومعَ أنَّ العهدَ القديمَ يَنتهي بلعنة، فإنَّ العهدَ الجديدَ يُؤكِّدُ إمكانيَّةَ حُلولِ شَخصيَّةِ وطَبيعةِ اللهِ في المؤمنِ لكي يَتمتَّعَ ببركةٍ لا يَتمتَّعُ بها أحدٌ سِوى الله الحقيقيّ. ولا أدري إنْ كُنْتُمْ قد فَهِمْتُم ذلك. فهذه فِكرة مُذهلة تمامًا لأنَّهُ لا يمكننا أنا وأنتَ أنْ نَستوعِبَ أنَّنا نستطيعُ أنْ نكونَ شُرَكاءَ الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ وأنْ نَخْتَبِرَ ذاتَ البَرَكَة الَّتي يَعْرِفُها اللهُ السَّرْمَدِيُّ نفسُهُ. فهذا هو نوعُ الرِّضا الَّذي يُريدُهُ اللهُ لنا.

والعهدُ القديمُ هو سِفْرُ آدَم. وآدَمُ وقِصَّتُهُ هُما قِصَّة العهد القديم. وهي قِصَّة حزينة نوعًا ما. فقد كانَ أوَّلُ مَلِكٍ على الأرض هو آدَم. فقد قالَ اللهُ لآدَمَ إنَّهُ سيكونُ مُتَسَلِّطًا على الأرض. لِذا فقد كانَ أوَّلَ مَلِكٍ؛ ولكنَّهُ سَقَطَ. ولأنَّهُ سَقَطَ، كانَ لا بُدَّ أنْ يَنتهي العهدُ القديمُ بلعنة. ولكِنْ في العهدِ الجديد، هناكَ مَلِكٌ جديدٌ. لذا فإنَّ البَشيرَ مَتَّى يَبتدئُ العهدَ الجديدَ بهذه الحقيقة لأنَّهُ الَّذي يُقَدِّمُ المَلِك.

فالمَلِكُ يُقَدَّمُ حالاً. وآدَمُ الأخير، أيْ: آدَم الثَّاني الَّذي هو أعظمُ مِن آدم، هو مَلِكٌ لا يَسقُط. فالمَلِكُ الأوَّل سَقَطَ وتَرَكَ لَعنةً. أمَّا المَلِكُ الثَّاني فيَسودُ ويَترُك بَرَكَة. وقد عَبَّرَ كاتِبٌ عن ذلك بالقول: "لقد جُرِّبَ آدَمُ الأوَّلُ في جَنَّةٍ بَديعَةٍ وأَخْفَق. أمَّا آدمُ الأخيرُ فَجُرِّبَ في بَرِّيَّةٍ خَطيرةٍ ونَجَح. ولأنَّ آدَمَ الأوَّلَ كانَ لِصًّا، فقد طُرِدَ مِنَ الفِرْدَوْس. أمَّا آدَمُ الأخير فَنَظَرَ إلى لِصٍّ على الصَّليب وقال: ’اليوم تَكونُ مَعي في الفِرْدَوْس‘. وَسِفْرُ أجيال آدَم الأوَّل يَنْتَهي بِلَعْنَة. أمَّا سِفْرُ أجيال يسوعَ المسيح فينتهي بالوعدِ التَّالي: ’وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ‘". فهكذا يَنتهي سِفْرُ الرُّؤيا.

لِذا فإنَّ العهدَ القديمَ أعْطانا شَريعَةً لكي يُظْهِرَ الإنسانَ في بُؤسِهِ. والعهدُ الجديدُ يُعطينا حياةً لكي يُظْهِرُ الإنسانَ في غِبْطَتِه. وهذا فَرْقٌ كبير. لِذا فإنَّ مَتَّى يُقَدِّمُ لنا حالاً (كما نَرى مِنْ خلالِ دراسَتِنا) يُقَدِّمُ لنا حالًا المَلِكَ الجديد. أليسَ كذلك؟ وهذهِ حقيقة رائعة جديدة تُنيرُ التَّاريخِ البشريِّ. فهناكَ مَلِكٌ جديد. وهناكَ شخصٌ قادرٌ أنْ يَعْكِسَ لَعْنَةَ آدَم المُريعَة.

وما أنْ نَفْتَحَ العهدَ الجديدَ حَتَّى نَجِد مَتَّى يُقَدِّمُ المَلِك. وقد دَرَسْنا مِنْ قَبْل سِلْسِلَةَ نَسَبِ الملك. وقد دَرَسْنا مَجيءَ الملك. وقد دَرسنا السُّجودَ للملك. وقد دَرسنا التَّوَقُّعاتِ النبويَّةَ عنِ الملك. وقد دَرسنا عَنِ الشَّخْصِ الَّذي أَعْلَنَ مَجيءَ الملك (أيْ عنْ يوحَنَّا المَعمدان) وعن تأكيدِ هُوِيَّةِ الملك، وعنِ امتيازِ الملكِ حينَ اجْتازَ التَّجربة، وعن نَشاطِ الملك. والآنْ، نأتي إلى خِطابِ الملك، أوْ إلى بَيانِ الملكِ نَفسِهِ. فالعِظَةُ على الجَبَل هي أعظمُ بَيانٍ للملك إذْ إنَّهُ يَفتَحُ فَمَهُ ويُعْطي بَرَكَةً (عِوَضًا عنِ اللَّعنةِ) لأولئكَ الَّذينَ يُريدونَها. وهذا هو السِّياقُ الكِتابِيُّ العامُّ الَّذي وُعظَتْ بِهِ هذهِ العِظَة. فهوَ عَهْدٌ جديدٌ، ومَلِكٌ جديدٌ، ورسالةٌ جديدة.

ولكن هناك أيضًا حقيقة أنَّهُ حينَ تَنظرونَ إلى التَّطويبات حينَ قُدِّمَتْ هذهِ الرِّسالة، فإنَّها تبدو مُتناقِضَةً بعضَ الشَّيء. فَمَتَّى يُقَدِّمُ مَلَكوتًا لا يُلائمٌ حقًّا ما كانَ أغلبيَّةُ النَّاسِ يَتَرَقَّبونَهُ. وكما تَرونَ فإنَّ السَّعادَة، كما يُبَيِّنُها مَتَّى هُنا مِنْ خلالِ كَلِماتِ يسوعَ، لا تَتَّفِق تمامًا معَ نَظْرةِ العالم. والحقيقة هي أنَّ النَّصَّ يقولُ هنا إنَّ الأشخاصَ السُّعداءَ هُمُ المَساكينُ بالرُّوحِ، والحَزانى، والوُدَعاءُ، والجِيَاعُ وَالعِطَاشُ إلى البِرِّ، والرُّحَمَاءُ، وأَنْقِيَاءُ القَلْبِ، وَصَانِعو السَّلام، والمُضْطَهَدون، والذينَ يُعَيَّرون.

وقد تقول: "لحظةً مِنْ فَضْلِك! لا أَظُنُّ أنِّي أريدُ هذا النَّوعَ مِنَ السَّعادة. فهي تَبدو تَعاسَةً ولكِنَّها تَحْمِلُ اسمًا آخَر". والحقيقة هي أنَّ هذا هو المَعنى المقصود. فهناكَ مُفارَقَةٌ لأنَّ كُلَّ الطَّريقِ المُؤدِّيَةِ إلى السَّعادةِ هي بُؤْسٌ. وسوفَ أقولُ ذلكَ هُنا وتُلاحِظونَ ذلكَ في أثناءِ دراسَتِنا: البُؤسُ هُوَ مِفْتاحُ السَّعادة".

وقد تقول: "مهلًا مِنْ فَضْلِك! البُؤسُ هُوِ مِفْتاحُ السَّعادة؟" أجل! وسوفَ نَرى ذلكَ بالتَّفصيل في أثناءِ دراسَتِنا. ولكِنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يَرَوْنَ ذلكَ أمرًا غَريبًا حَقًّا تمامًا. وقد كَتَبَ كَاتِبٌ: "وكأنَّ يسوعَ جَاءَ إلى الواجِهَةِ الزُّجاجيَّةِ للحياةِ وَغَيَّرَ كُلَّ بِطاقاتِ الأسعار". فكُلُّ شيءٍ مَعكوس. وما الَّذي نَعنيهِ بالقول إنَّ السَّعادة تَأتي مِنَ البُؤس؟ ما مَعنى ذلك؟ إنَّ العالمَ يقول: "اسمَع أيُّها الإنسان: إنَّ السَّعادة هي كذا". فهناكَ كُتُبٌ تقولُ إنَّ السَّعادة هي كذا وكذا وكذا. وكما تَعلمون، فقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ كثيرًا. فالسَّعادةُ في نَظَرِ العالمِ تَعني حُصول المَرْءِ على ما يَتَمَنَّاه. وهي تَعني أنْ يَتَمَكَّنَ الشَّخصُ مِنْ إبْعادِ الآخرينَ عَنْ طَريقِهِ، وأنْ يَتَمَكَّنَ الشَّخصُ مِنَ الحُصولِ على ما يَتَمَنَّاه في الوقتِ الَّذي يَتَمَنَّاهُ، والمكانِ الَّذي يَتَمَنَّاهُ، وبالطَّريقةِ الَّتي يَتَمَنَّاها. فهذه هي السَّعادة.

فالسَّعادة هي اسْتِعْراضٌ للعَضَلات. والسَّعادةُ هي القيامُ بِما تُريد. والسَّعادةُ هي الحصولُ على كُلِّ المُتْعَةِ الَّتي يمكنك الحُصولُ عليها. فهذه هي السَّعادة. إنَّ السَّعادة هي الحُصولُ على أشياء عالميَّة. والسَّعادة تَعني الغِنَى. والسَّعادة تَعني النَّسَب الكَريم، والسَّعادة تَعني الشُّهرة. والسَّعادة تَعني الشَّعبيَّة. ولكِنَّ السَّعادة ليست هذه الأشياء. فالرِّسالة الَّتي يُقَدِّمُها هذا الملك لا تُوافِق الصُّورة حقًّا. ومَتَّى يُظْهِرُ حماسةً عظيمةً في تقديمِ هذه العِظَة لأنَّ هذه الرِّسالة تَهْدِمُ المواقفَ العالميَّةَ، وَحَتَّى مواقِفَ الشَّعبِ اليهوديِّ نفسِهِ الَّذينَ قَرَأوا إنجيلَ مَتَّى قَبْلَ غَيْرِهِ.

وَحَتَّى إنَّ "سينيكا" (Seneca)، الفيلسوفُ الرُّومانِيُّ الَّذي كانَ مُعَلِّمًا لنيرون (Nero) في القرنِ الميلاديِّ الأوَّل قال: "هَلْ مِنْ عَارٍ أكبَر مِنْ أنْ نُساوي بينَ الأشياءِ العَقلانيَّةِ المُفيدة لِنُفوسِ البَشَر والأشياءِ غيرِ العَقلانيَّة؟" وما قَصَدَهُ هو أنَّ أيَّ شخصٍ (حَتَّى لو كانَ أَحمَق) يَعرِف أنَّكَ لا تَستطيع أنْ تَملأ نفسَ الإنسانِ الفارغة بأشياء خارجيَّة. فلا يمكنك أنْ تَملأ حاجةً حقيقيَّةً بشيءٍ غير حقيقيّ. وهذا هو ما يُحاولُ العالمُ أنْ يَفعلَه.

وقد جاءَ يسوعُ إلى العالَمِ ليُعلنَ أنَّ شَجَرَةَ السَّعادة لا تَنمو في الأرضِ المَلعونة. ويجب أنْ أقولَ لكم ذلك، يا أصدقائي. فشجرةُ السَّعادة لا تَنمو في الأرضِ المَلعونة. ولكِنَّ كثيرينَ جِدًّا يَبْحَثونَ عنها. فَكَّروا في سُليمان. فقد كانَ سُليمانُ أعظمَ مَلِكٍ عَاشَ يومًا. وإنْ كانَ هُناكَ شخصُ ينبغي أنْ يكونَ سعيدًا (بحسبِ مَعاييرِ العالَم) فإنَّهُ سُليمان. فقد كانَ مِنْ نَسَبٍ عَظيم. اسمعوني: لقد كانَ يَنتمي إلى سِلسلةِ نَسَبِ داوُدَ المَلِك التي كانَ المَسِيَّا مُزْمِعًا أنْ يَأتي منها. وهي أعْظَمُ سِلسلةِ نَسَبٍ مَلَكِيٍّ وأَعْرَقٍ سِلسلةِ نَسَبٍ في تاريخِ العالَم. فلم يكن هناكَ شَخْصٌ يَنتمي إلى سِلْسِلَةِ نَسَبٍ أَعْرَق مِنْ تلكَ الَّتي جاءَ مِنها سُليمان.

وقد كانَ قَصْرُهُ النَّموذَجَ الأكملَ على الأرض. وقد كانَ يَنْتَصِبُ في مدينةِ الله، في مَدينةِ أورُشَليم. وقد كانت ثَروَتُهُ عظيمةً جدًّا وكُنوزُهُ عُظيمةً جَدًّا حَتَّى إنَّ العهدَ القديمَ يقولُ إنَّ الفِضَّةَ كانت وَفيرةً كَالحِجارة. وقد كانَ يَتَلَذَّذُ بأصنافِ الطَّعامِ ويمتلك مَذاوِدَ خَيْلٍ عَظيمَة. وقد زُرْتُ مَذاوِدَ خَيْلِ سُليمان في مَجِدُّو. وهي عَظيمة! فهي تَضُمُّ حَرفيًّا آلافًا مِنْ أَجْوَدِ أنواعِ الخُيول في العالَم.

وقد كانَ يَمْلِكُ الكَثيرَ مِنَ المَباني، والخَدَم، والكُروم، وبُحيراتِ السَّمَك، والحَدائق. وماذا عنِ النِّساءِ؟ بالمِئات. وماذا عن ذَكائهِ؟ فقد كانَ أذكى رَجُلٍ على وَجْهِ الأرض. وقد كانَ يَمْلِكُ كُلَّ شيء. فبحسبِ تَقديرِ العالَم، لقد كانَ يَمْلِكُ كُلَّ شيء. وقد كان ينبغي أنْ يكونَ الإنسانَ الأوْفَر سَعادَةً؛ ولكنَّهُ قالَ عن ذلك: "بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الكُلُّ بَاطِلٌ". والكلمة "باطِل" تُشيرُ إلى الفَراغ. والعهدُ الجَديدُ يُعَبِّرُ عن ذلكَ قائلاً إنَّ حَياةَ الإنسانِ لا تُقَدَّرُ بِكَثْرَةِ مُمتلكاتِه.

اسمَعوني: إذا كنتُم تبحثونَ عنِ السَّعادةِ في الأشياءِ الَّتي يُقَدِّمُها العالَم فإنَّكم تَبحثونَ في المكانِ الخاطئ. فَشَجَرَةُ السَّعادة لا تَنمو في الأرضِ المَلعونة. فهي لا تنمو هناك. فالأشياءُ الماديَّةُ لا تُلامِسُ الرُّوح. هل تَفهمونَ ذلك؟ فهذه نُقطة بسيطة، ولكنِّي أريدُ منكم أنْ تُفَكِّروا فيها مَلِيًّا. فالأشياءُ الماديَّةُ لا تُلامِسُ الرُّوح. فلا يمكنكَ أنْ تَسُدَّ حاجةً روحيَّةً لديكَ مِنْ خلالِ شيءٍ ماديٍّ. فهذا غيرُ مُمكِن. ولكِنَّ النَّاسَ يحاولونَ أنْ يَفعلوا ذلك.

وكما تَعلمونَ، فإنَّ ما أعنيهِ هو أنَّكَ إذا كنتَ تَعِسًا في زَواجِك، اذهب واشترِ سَيَّارةً جديدة. أو إذا تَخاصَمْتَ معَ زوجتِك، اذهب واشترِ بَذلةً جديدة. فسوفَ تَشْعُرُ بمشاعِر أفضل. ولكِنَّكَ لا تستطيعُ أنْ تَسُدَّ حاجةً روحيَّةً مِن خلالِ شيءٍ ماديٍّ. فهذه حماقة.

ولا يمكنكَ أنْ تَفعلَ العكسَ أيضًا. فعندما تَجوعُ فإنَّك لا تريدُ أنْ تَسمعَ مُحاضرةً عنِ النِّعمة، بل تُريدُ طَعامًا. وعندما تَتوهُ في الصَّحراءِ وتُوْشِكُ على الموتِ عَطَشًا فإنَّكَ لا تُريدُ شخصًا يَتَحَدَّثُ إليكَ عنْ رَحْمَةِ اللهِ الرَّائعة، بل تُريدُ ماءً. فلا يمكنكَ أنْ تُشْبِعَ حاجةً جسديَّةً بشيءٍ رُوْحِيٍّ. وَهُوَ أمرٌ سَخيفٌ على غِرارِ الظَّنِّ بأنَّكَ قادرٌ أنْ تَسُدَّ حاجةً روحيَّةً مِنْ خلالِ شيءٍ مادِّيٍّ. ولكِنَّ هذا مُستحيل.

فالأشياءُ الَّتي لا تستطيع أنْ تُسَكِّن القلب في العاصفة لا تستطيع أنْ تُعطي أيَّ بَرَكة. فلا يمكنك أنْ تَسكب زيتًا على رُوْحٍ مجروحة. وهذا يُذَكِّرُني بشاوُل عندما كانَ مُكتئبًا إذْ إنَّ كُلَّ الأحجارِ الكَريمةِ الَّتي كانت موجودة في تَاجِهِ لم تتمكَّن مِنَ القيامِ بأيِّ شيءٍ لتعزيته. وهذا يُذكِّرُني أيضًا بالملك "بَيْلْشَاصَّر" في سفر دانيال إذْ إنَّهُ كانَ يَلْهو، ويَشْرَبُ الخَمْرَ، ويَتَمَتَّعُ بحَياتِهِ. وكانوا يُقيمونَ وَليمةً صاخِبَةً لم يُقم الكثيرُ مِثْلُها في تاريخِ أيِّ أُمَّة. وفجأةً، بينما كانَ هُناكَ، نَقرأُ في سفر دانيال 5: 3 أنَّهُ كانَ يَشْرَبُ الخَمْرَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ الخاصَّةِ بالهيكل، وأنَّهُ كانَ يَستمتعُ بوقتِهِ، وكانَتْ كُؤوسُ الجَميعِ مِنْ ذهب. وفجأةً، ظَهَرَتْ أَصَابعُ يَدِ إِنْسَانٍ وَكَتَبَتْ على الحائط: "مَنَا مَنَا تَقَيْلُ وَفَرْسِينُ" ومَعناها: "وُزِنْتَ بِالمَوَازِينِ فَوُجِدْتَ نَاقِصًا". والكتابُ المُقَدَّسُ يقولُ إنَّ هَيْئَتَهُ تَغَيَّرَتْ فجأةً. وهل تَعلمونَ ما حَدَث؟ لقد صارَ طَعْمُ الخَمْرِ كالخَلِّ وتَحَجَّرَ الطَّعامُ في مَعِدَتِهِ.

إنَّ واحدًا مِنْ أعظمِ القِدِّيسينَ الطَّهورِيِّينَ الذينَ كَتَبوا أمورًا رائعةً بِحَقّ وتَلْمَسُ قلبَ أيِّ شخصٍ يَدرسُ الكتابَ المقدَّسَ هو رَجُلٌ اسْمُهُ "توماس واطسون" (Thomas Watson). وقد قالَ "توماس واطسون" هذه الكلمات: "إنَّ قُدرةَ أشياءِ هذا العالَمِ على حَلِّ مَشاكِلَ الرُّوحِ لا تَزيدُ عَنْ قُدرةِ قُصاصَة مِنَ الوَرَق على إيقافِ طَلْقَة. فَمَباهِجُ العَالَمِ لَها أجْنِحَة". وهو يقول: "ويمكننا أنْ نُشَبِّهَها بِسِرْبٍ مِنَ الطُّيورِ في حَديقة. فهي تبقى في مكانها قليلاً، ولكِنْ عندما تَقترب مِنها فإنَّها تَطير". فَالغِنى "يَصْنَعُ لِنَفْسِهِ أَجْنِحَةً. كَالنَّسْرِ يَطِيرُ نَحْوَ السَّمَاءِ" (كما جاءَ في سِفْرِ الأمثال 23: 5). والثَّروةُ تُشبِهُ النَّيْزَكَ الَّذي يَتَوَهَّجُ؛ ولكنَّهُ يَضْمَحِلُّ ويُفني نَفْسَهُ بنفسه. وهي تُشبهُ قَلْعَةً مِصنوعةً مِنَ الثَّلْجِ وتَقْبَعُ تحتَ أشِعَّةِ الشَّمسِ الحارقة". فالأشياءُ الخارجيَّةُ تُتْعِبُ الرُّوحَ أكثر مِمَّا تُبارِكَها.

ونقرأ في سِفْر الجامعة 5: 13 أنَّ الثَّرْوَةَ المَصُونَةَ تَضُرُّ صَاحِبَها. هل فَهِمْتُم ذلك؟ فالثَّرْوَةُ المَصُونَةُ تَضُرُّ صَاحِبَها. فلا يوجد شُعورٌ بالاكتفاءِ مِنَ الأشياءِ الَّتي يُقدِّمُها العالم. وعندما جاءَ يسوعُ إلى العالم [اسمعوني يا أصدقائي]: لم يأتِ لِيُقَدِّم للعالم أشياء. وهناكَ أشخاصٌ يُقَدِّمونَ أنفُسَهُم اليوم بوصفهم مؤمنينَ يُرَوِّجونَ للأشياءِ الموجودة في العالم. فَهُمْ يَعِدونَ النَّاسَ بالرَّخاءِ الماديِّ، والمالِ، والنَّجاح. ولكِنَّ يسوعَ لم يُقَدِّم ذلكَ يومًا. ولم يكن ذلكَ الهَدَف مِنَ العظة على الجبل. بل إنَّنا نَجِدُ العَكْسَ هنا.

والحقيقة هي أنَّ أشياءَ العالمِ تَصيرُ وَقودًا للكبرياء، وَوقودًا للشَّهوة، وتَصيرُ شَرَكًا. وقد قالَ يسوعُ نفسُهُ إنَّ أمورَ العالم، وهُمومَ العالم، وغِنى العالم سَتطْلَعُ وتَخْنُقُ الكلمة. فهي أشواكٌ. وهي سَتَفْعَلُ بِروحِكَ ما تَفْعَلُهُ بِقَميصِكَ أوْ ما تَفْعَلُهُ بِفُسْتانِكِ.

اسمعوني: إنَّ ما يَقوله الربُّ في كُلّ هذه العظة الرائعة الَّتي لا مَثيلَ لها، وفي هذه التَّطويباتِ، هو ببساطة، الآتي يا أصدقائي: "لن تَجِدَ السَّعادةَ في هذا العالم". البَتَّة! ورُبَّما تَعلمونَ أنَّ هذا يُشْبِه البحثَ عنِ الحَيِّ بينَ الأموات. ولكِنَّ الملاكَ قال: "لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ".

وأوَدُّ أنْ أَستخدِمَ هذا المفهوم وأنْ أقولَ إنَّكَ إذا كنتَ تبحث عن البَرَكَة الحقيقة على الأرض، فإنَّكَ إنَّما تَبحثُ بينَ الأمواتِ عنِ الحَيِّ. فهي ليسَتْ موجودةً هناك. فيجب عليكَ أنْ تَصْعَدَ إلى مُستوىً أعلى. وقد عَبَّرَ بولسُ عن ذلك بالقول: "فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ المَسِيحِ فَاطْلُبُوا [ماذا؟] مَا فَوْقُ". فلا تَتَشَبَّثوا بالأرضيَّات.

وقد عَبَّرَ يوحنَّا عن ذلك بهذه الكلمات: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ [ماذا؟] الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ". فلا يوجد شَبَع هناك. فالسَّعادة ليست هنا. والبَرَكَة ليست موجودة على الأرضِ المَلعونة، بل هي موجودة في مُستوىً آخر. والعِظَة على الجبل ستأخذكم إلى ذلك المستوى. فهل أنتم مُستعِدُّون؟ فهي ستأخذكم خَارِجَ نِطاقِ العالَم. وسوفَ تَجِدونَ أنَّها مُختلفة عَنْ كُلِّ ما تَسمعونَهُ مِنْ مَنْدوبي المَبيعات.

وهي ستكونُ مُختلفةً عن كُلِّ ما تَرَونَهُ على اللافِتاتِ الإعلانيَّة، وكُلِّ ما تَقرأونَهُ في المجلَّات. فهي ستُقَدِّمُ لكم مِعيارًا مُختلفًا تمامًا للحياة. وَهُوَ مِعيارٌ مُعارِضٌ تمامًا لِما يَقولُهُ العالَمُ لَكُم. لِذلك، سوفَ تُواجِهونَ وقتًا عصيبًا حقًّا في تَطبيقِ ذلكَ المِعيار إنْ لم تَتَعَلَّموهُ جَيَّدًا لأنَّهُ سيَصْطَدِمُ بكُلِّ شخصٍ تَلتقونَ بِهِ في هذا النِّظامِ العالَميِّ.

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أُطْلِعَكُمْ على فِكرةٍ أُخرى تَختصُّ بالسِّياق. فهناكَ سِياقٌ سِياسِيٌّ هُنا أيضًا. وهذا أمرٌ رائع. فاليهودَ كانوا يَتَرَقَّبونَ المَسِيَّا، ولكِنَّهم كانوا يَعتقدونَ أنَّهُ سيأتي حاكِمًا سياسيًّا. أليسَ كذلك؟ فقد كانوا يَترقَّبونَ شخصًا يَدْخُلُ أورُشليم على حِصانٍ أبيض، ويُلْحِقُ الهَزيمَةَ بالرُّومان فيَسقُطونَ جَميعًا قَتْلى، وأنَّهُ سيَقودُ ثَوْرَةً عظيمةً تَفوقُ كُلَّ شيءٍ آخر سَمِعُوا عنه، بما في ذلك ثورة "يَهوذا المَكابِيّ" وأولادِه الَّتي أَطاحَتْ باليونانِ إلى حِيْن.

والحقيقة هي أنَّهم كانوا يتوقَّعونَ حُدوثَ ثورةٍ عظيمة عندما يأتي المَسِيَّا. وقد كانوا يَترقَّبونَ أمورًا سياسيَّة. وقد حاولوا أنْ يَجعلوا يسوعَ مَلِكًا في الجليل عندما ابتدأَ خِدمَتَهُ (بحسب ما يَقولُهُ لنا يُوحَنَّا) لأنَّهُم كانوا يترقَّبونَ دولةً تُوَفِّرُ الرَّفاهِيَة لِشَعبِها. فقد أَطْعَمَ يسوعُ العِشرينَ ألفَ شَخْصٍ فجاءوا في صَباحِ اليومِ التَّالي للحُصولِ على وَجْبَةِ الإفْطار. وقد كانوا يَعتقدونَ أنَّ هذا هو أعظم شيءٍ رَأَوْهُ في حَياتهم. فهذا الشَّخصُ سيُطعمُهم. وسوفَ تكونُ هناكَ رَفاهِيةٌ دائمة. ولن يُضْطَرُّوا إلى العملِ ثانيةً. فهو يُوَفِّرُ الطَّعام.

فقد كانوا يَنظرونَ إلى البُعْدِ السِّياسيِّ. وقد كانوا يَنظرونَ إلى رَاحَتِهِم ورفاهيَّتِهم الجسديَّة. وقد تَجاهَلَهُم يسوعُ وتَرَكَهُم ولم يُبْدِ أيَّةَ رَغبة في أنْ يكونَ مَلِكًا مِن ذلكَ النَّوع. اسمعوني: لقد كانَ اليهودُ يَتطلَّعونَ إلى مَلَكوتٍ سياسيٍّ، ولكِنَّ يسوعَ لم يُقَدِّم يومًا ملكوتًا كهذا. فقد نَظَرَ إلى بيلاطُس في أثناءِ تلكَ المُحاكمةِ المُلَفَّقَةِ وقالَ لَهُ – أوْ بالأحرى، قالَ بيلاطُس لَهُ: "أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟" أَجَابَ يَسُوعُ: "أَنْتَ تَقُولُ إِنِّي مَلِكٌ". وكأنَّ بيلاطُس قالَ في الحقيقة: "حسنًا، ما نَوْعُ هذه المملكة الَّتي تَتَحَدَّثُ عنها؟" فأجابَهُ: "[سأقولُ لكَ شيئًا]: مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ [ماذا؟] مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُون... وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا". فيسوعُ لم يتحدَّث يومًا عنِ السِّياسة. وَهُوَ لم يكن مُهتمًّا يومًا بتغييرِ البُنية الخارجيَّة لأنَّهُ كانَ يَعملُ على تَغييرِ الدَّاخل. وهذا هو ما يقولُهُ في عِظَتِهِ الأولى.

فليست هناكَ سياسَة في العِظَة على الجَبَل. البَتَّة. فليست هناكَ آية واحدة عن الجانبِ الاجتماعيِّ أوِ السِّياسيِّ مِنَ الملكوت. البَتَّة. صَحيحٌ أنَّ اليهودَ كانوا مُهتمِّينَ جدًّا بالجانبِ السياسيِّ والحياةِ الاجتماعيَّة. ولكِنَّ يسوعَ لم يُشِر البَتَّة إلى ذلك. فالتَّركيزُ [وأريدُكُم أن تَفهموا هذهِ النُّقطة]، إنَّ التَّركيزَ هو على المواقِف. فهذه هي الكلمة الَّتي ستُلاحِظونها. فالتَّركيزُ يَنْصَبُّ على المواقِف. فهو لا يَنْصَبُّ على الحُكْمِ أوِ التَّمَلُّكِ، بل على المواقِف.

بعبارة أخرى، فهو لا يُبالي بما يَفْعَلُهُ البشر، بل يُبالي بمواقِفِهِم - بمواقفهم. فمواقِفُهم هي الَّتي تُحَدِّد ما سيفعلونَهُ. وكُلُّ المُثُل العُلْيا المُقَدَّمة في العِظَة على الجَبَل تُناقِض الأفكارَ البشريَّة عنِ الحكومة، والأفكارَ البشريَّةَ عنِ المَمالِك. والحقيقة هي أنَّ أَرْفَعَ أُناسٍ وَأعلى أُناسٍ في ملكوتِ المسيحِ هُمْ أَدْنَى وأَحَطُّ النَّاسِ في نَظَرِ العالَم.

وهل تَعلمونَ مَنْ هوَ أعظمُ إنسانٍ عاشَ يومًا حَتَّى زَمَنِ يَسوع؟ مَنْ هو؟ إنَّهُ يوحنَّا المَعمدان. ولكِنَّهُ كانَ مِن وجهة نَظر العالَم مُجَرَّدَ شَخْصٍ مَجنونٍ يَجُولُ في ثِيابٍ شَبيهَةٍ بثيابِ طَرَزان ويأكُلُ الجَراد. وَهُوَ لم يَكُن يَنْتَمي حَتَّى إلى أيِّ نِظامٍ دينيٍّ. وقد قالَ يسوعُ إنَّهُ كانَ أعظم رَجُلٍ عاشَ يومًا. ثُمَّ إنَّهُ يَمضي قائلاً إنَّهُ يوجدُ مَنْ هُوَ أعْظَمُ مِنْه. وهل تُريدونَ أنْ تَعلَموا مَنْ هو؟ الأَصْغَر فِي مَلَكُوتي.

المَسَاكِين بالرُّوح، وَالحَزَانَى، وَالوُدَعَاء، والجِيَاع وَالعِطَاش إلى البِرّ [أيِ الذينَ يَشْعُرونَ بالفَراغِ الدَّاخليّ]، والرُّحَمَاء، وأَنْقِيَاء القَلْب، وصَانِعو السَّلاَم، والمَطْرُودون، والذينَ يُعَيَّرونَ وتُقالُ عليهم كُلُّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَة. وهذهِ تَبدو، في نَظري، أكبرَ لائحةٍ للفاشِلينَ رأيتُها يومًا. فَهُمْ يَبدونَ هكذا بحسبِ مَعاييرِ العالَم. فالعالَمُ يقول: "اجتَهِد. طَالِب بحقوقِك. كُنْ ناجِحًا. اصْعَد السُّلَّم. تَشَبَّثْ بكرامَتِك".

ولكِنَّ هذه المملكة هي مملكة مِن نوعٍ مُختلف حَتَّى إنَّها تُنادي باحْتِمالِ الاضْطِهادِ دُوْنَ السَّعْيِ إلى الانتقام. وهي تُطَوِّبُ الَّذينَ يَعيشونَ هكذا. فهي مملكة رُوحيَّة. لِذا فقد كانَ الجانبُ السِّياسِيُّ مِنْ هذه الرِّسالةِ مَعْدومًا. فكُلُّ شيءٍ فيها يُعارِضُ ما تَوَقَّعوا مِنَ المَسِيَّا أنْ يَقولَهُ.

والآنْ، أَوَدُّ أنْ أتحدَّثَ عن جانبٍ آخر فقط وَهُوَ السِّياقُ الدِّينيُّ لكي تَحصُلوا على نَظرةٍ عامَّةٍ عنْ موضوعِ العظة على الجبل. فقد تَعَلَّمْنا القليلَ عنِ السِّياقِ الكِتابِيِّ العامّ. وقد تَعَلَّمنا القليلَ عن نَظرةِ مَتَّى، والقليلَ عن نَظرةِ العالمِ إليها، والقليلَ عنِ البُعْدِ السِّياسيِّ. أمَّا الآنْ، أوَدُّ مِنكم أنْ تَعْرِفوا البُعْدَ الدِّينيَّ. وهذا مُدهشٌ حقًّا.

فقد كانَ يسوعُ يَتَصَدَّى لمُجتمعٍ مُتَدَيِّنٍ جدًّا. والحقيقة هي أنَّهُ كانَ مُجتمعًا كاملًا مِنَ الأشخاصِ المُتديِّنين. فقد كانوا طَقْسِيِّينَ جِدًّا. وهذه خَلفيَّة مُهمَّة. واسمحوا لي أنْ أُجَزِّئَ هؤلاءِ إلى أربعِ مَجموعاتٍ. فقد كانت هناكَ أربعُ مجموعاتٍ رئيسيَّة في الدِّيانة اليهوديَّة: الفَرِّيسيِّون، والصَّدُّوقيُّون، وَالأَسِينِيُّون، والغَيورون. وقد تَحدَّثنا عَنهم في مَرَّاتٍ سابقة.

المجموعة الأولى هي: الفَرِّيسيُّون. وإليكم مُلَخَّصًا عنهم. فقد كانَ الفَرِّيسيُّون يُؤمنونَ بأنَّ السَّعادة تَكْمُنُ في التَّقليدِ أوِ النَّاموسيَّة. فقد كانوا يَتمسَّكونَ كثيرًا بالماضي، ويُرَكِّزونَ كثيرًا على الماضي – كثيرًا جدًّا. فقد كانوا يؤمنونَ أنَّ السَّعادة الحقيقيَّة تَتَأتَّى مِنْ إطاعةِ تقاليدِ الآباء.

ثُمَّ كانَ هناكَ الصَّدُّوقيُّون. وقد كانَ الصَّدُّوقيُّون يؤمنونَ بأنَّ السَّعادة تَكْمُنُ في الحاضِر، وفي المُعاصَرَة، وفي التَّحَرُّر. فالماضي لا يَهُمُّ في نَظرهم لأنَّهُم يَعيشونَ الحاضِر وينبغي أنْ يَتمتَّعوا بالحاضر. بعبارة أخرى، لقد كانوا ديانةً مُحَدَّثَةً، ونَظرةً مُتحرِّرَةً جديدة لا تُبالي بالأشياءِ القديمة. والحقيقة هي أنَّ كِلْتا هاتين المَجموعتين كانت تَمتلكُ جُزءًا مِنَ الحقيقة. فالفَرِّيسيُّون كانوا على حَقّ. فالدِّيانة الحَقيقيَّة ينبغي أنْ تكونَ قائمة على الماضي. وقد كانَ الصَّدُّوقيُّون على صوابٍ جُزئيًّا لأنَّ الديانةَ الحقيقيَّةَ ينبغي أنْ تَعملَ أيضًا في الحاضِر.

ثُمَّ كان هناك الأسينيُّون. وكانَ الأسينيُّون يقولون: "لا! إنَّ السَّعادة تَكمُن في الانفصالِ عنِ العالَم". وهذا يبدو جَيِّدًا. أليسَ كذلك؟ ولكنَّهم كانوا يتحدَّثونَ عنِ الانفصالِ الجُغرافيِّ وحسب. فقد كانوا يُنادونَ بِمُغادَرَةِ البلدة. وقبلَ سنوات، رأيتُ إعلانًا في مَجلَّة مسيحيَّة [نَشَرَتْهُ كُليَّة مِنَ الكُليَّاتِ المسيحيَّةِ الأُصوليَّة جدًّا جدًّا] يقول إنَّ الكُليَّة تَبْعُدُ خمسةَ عَشَرَ ميلاً عنْ أقربِ خَطيَّة. وهذا كلامٌ غيرُ صحيح. ولا أُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلتُ إنَّهُ أُمنية مُستحيلة. وعلى أيِّ حالٍ، كانَ الأسينيُّون يؤمنونَ بأنَّهُ ينبغي علينا أنْ نَخرجَ مِنَ البلدة بعيدًا عنِ الخطيَّة.

إذًا فقد كانَ هناكَ الفَرِّيسيُّون، والصَّدُّوقيُّون، والأسينيُّون. ثُمَّ كان هناكَ الغَيورون. وكانَ الغَيورون يقولون إنَّ السَّعادة تَكْمُنُ في الانقلابِ السِّياسيِّ. فالسَّعادة تَكمنُ في الثَّورة. والسَّعادة تَكمُنُ في الإطَاحَةِ بِرُوما.

وكما تَرَوْن، فقد كانَ الفَرِّيسيُّون يقولون: "ارجِعوا". وكانَ الصَّدُّوقيُّون يقولون: "تَقَدَّموا". وكانَ الأسينيُّون يقولون: "اخرجوا". وكانَ الغَيورونَ يقولون: "تَمَرَّدوا". وقد كانَ الفَرِّيسيُّون يُمَثِّلونَ الفئةَ الَّتي تَحِنُّ إلى الماضي. وكانَ الصَّدُّوقيُّونَ يُمَثِّلونَ الفئة المُعاصِرَة. فقد كانوا يَشترونَ الأثاثَ الدَّانْمَارْكِيّ. وكانَ الأسينيُّون يُمَثِّلونَ فئةَ الانْفِصالِيِّين. فقد كانوا يَعْتَكِفونَ في أَحَدِ الأدْيِرَةِ في مكانٍ ما. وكانَ الغَيورونَ يُمَثِّلونَ فئةَ النُّشَطاءِ الدِّينيِّينَ والاجتماعيِّين. ويا لها مِنْ فَوْضَى! فهي تبدو مِثْلَ سنة 1978 في نَظري. إذًا، كانَ هناك أشخاصٌ مُتَدَيِّنونَ يَعيشونَ في الماضي. وكانَ هناكَ مُتَحَرِّرونَ يُحاولونَ ابْتِداعَ ديانةٍ جديدةٍ للحاضِر. وكانَ هناكَ أشخاصٌ يَعتقدونَ أنَّ حَياةَ القَدَاسَة تَتَرَكَّزُ على المَكانِ ويُريدونَ فقط أنْ يَحرصوا على عدمِ الاقترابِ مِن أيِّ شيءٍ تَنْبَعِثُ مِنْهُ رائحة خَطيَّة. وكانَ هناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ الدِّينَ يَعني حَمْلَ اللَّافتاتِ والتَّوَجُّه إلى مَكانٍ ما.

وقد كانَ يسوعُ يَتَصَدَّى لمُجتمعٍ كاملٍ مِنَ الأشخاصِ المُتديِّنين. فقد كانَ لِكُلِّ مَجموعة فِكْرُها الخاصُّ بها. وكانت النُّقطة الَّتي يُرَكِّزُ عليها يسوع هي: "اسمعوني. أتَعلمونَ شيئًا؟ أنتم جميعًا على خطأ. كُلُّ واحِدٍ مِنكُم". وفي نَظَرِ الفَرِّيسيِّين، كانَ يسوعُ يقول: "إنَّ الدِّيْنَ ليسَ أمرًا يَختصُّ بالطُّقوس الخارجيَّة". وفي نَظَرِ الصَدُّوقيُّين، كانَ يقول: "إنَّ الدِّيْنَ ليسَ أمرًا يَختصُّ بفلسفة بشريَّة ابْتُدِعَتْ لمواكَبَةِ الحاضِر". وفي نظر الأَسِيْنِيِّين، كانَ يقول: "صَدِّقوني أنَّ الدِّينَ ليسَ أمرًا يَتوقَّفُ على الموقعِ الجُغرافيِّ". وفي نظرِ الغَيورينَ، كانَ يقول: "إنَّ الدِّينَ ليسَ أمرًا يتوقَّفُ على النَّشاطِ الاجتماعيِّ".

وما كانَ يقولُهُ هو: "مَملكتي داخليَّة". أتَفهمونَ ذلك؟ إنَّها داخليَّة. وهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. وهذه هي رسالة يسوع الكاملة للعالَم. وهذا هوَ الأساسُ الكامِل للعِظَة على الجَبَل. فهو ملكوتٌ داخليٌّ وليسَ خارجيًّا. فهو ليسَ طُقوسًا، وليسَ فَلسفةً خارجيَّة، وليسَ موقعًا خارجيًّا أو أَدْيِرَةً أو أيًّا مِنْ هذِهِ الأمور. وهو ليسَ نَشاطًا خارجيًّا، بل هو شيءٌ داخليٌّ.

وما يَقولُهُ يسوعُ هُنا، في نَظَري، يَفْتَحُ البابَ على العهدِ الجديدِ الَّذي قالَ عنهْ إرْميا: "أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ". أَتَرَوْن؟ فهوَ شَيءٌ يَختصُّ بالداخل. لذا فقد لَخَّصَ يسوعُ الأمرَ بأنْ قالَ لهم: "انظروا أيُّها الفَرِّيسيُّونَ، والصَدُّوقيُّونَ، والأَسِينِيُّونَ، والغَيورون، وكُلُّ مِنْ يُؤمنْ بِكُلِّ هذهِ الأفكار أوْ يَنتمي إلى هذهِ المجموعاتِ الأربَع: أريدُ أنْ أقولَ لكم شيئًا. ما لم يَزِدْ بِرُّكُمْ على هذا النَّوعِ مِنَ البِرّ، لن تَدخُلوا، بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ، مَلَكوتي". أَتَرَوْن؟

"فما لم يَحْدُث في حياتِكُم ما يَفوقُ تلكَ الأمور الخارجيَّة، لن يكونَ لَكُمْ دَوْرٌ في مَلَكوتي لأنَّهُ كما قُلتُ لَكُمْ مِنْ قَبْل: لا يوجد مَصْدَرٌ للبركة في الأرضِ المَلعونة". فالأمرُ يَتَخَطَّى ذلك. فكُلُّ تلكَ الأمور الدِّينيَّة تَختصُّ بالأمور الخارجيَّة. وقد تَصَدَّت العِظَةُ على الجَبَل للفِكْرِ اليهوديِّ وَعَلَّمَتْ أنَّ السَّعادة الحقيقيَّة تَنْبُع مِنَ الدَّاخِل، لا مِنَ الخارِج.

والمبدأُ نفسُهُ يَصِحُّ اليوم. لذلك، لا تُعَزُّوا أنفسَكُم بأنَّكُم تَتَمَسَّكونَ باللَّاهوتِ القَويم. ولا يمكن لأنْصارِ اللَّاهوتِ المُتَحَرِّر أنْ يُعَزُّوا أنفُسَهُم بحقيقة أنَّهُم أدركوا هذه النظريَّة الجديدة العظيمة، أو بأنَّ الكتابَ المقدَّسَ ليسَ كلمة الله، وبأنَّهم قد حَدَّثوه، وبأنَّهُم مُعاصِرونَ حقًّا، وَبأنَّهُم يُواكِبونَ التَّيَّارَ الحديث.

ولا يُمكنُ للإنسانِ أنْ يُعَزِّي نفسَهُ بحقيقة أنَّهُ ابتعدَ عنِ العالَمِ، وأنَّهُ اعْتَزَلَ في دَيْرٍ، وأنَّهُ يَجلسُ هناكَ ويَتأمَّلُ في الله دونَ أنْ يَتَلَهَّى بالأمورِ الدُّنيويَّة. ولا يمكنُ للإنسانِ أنْ يُعَزِّي نفسَهُ لأنَّهُ يَظُنُّ أنَّهُ نَاشِطٌ اجتماعيٌّ، وأنَّهُ يَجوبُ البَلَدَ كُلَّهُ في مُحاولةٍ لإصْلاحِ المُجتمَع. فهذهِ ليستِ الأشياءَ الَّتي يُرَكِّزُ عليها يسوع.

وفي نِهايةِ المَطاف، إنَّ هذهِ الأشياءَ كُلَّها تَنْطَوي على بعضِ الحَقِّ. أليسَ كذلك؟ فيجب علينا أنْ نَقومَ بدورٍ في المُجتمع. ويجب علينا أنْ نَنْفَرِزَ للهِ. ويجب علينا أنْ نَكونَ مُعاصِرين. ويجب علينا أنْ نَتَمَسَّكَ بالماضي. ولكِنَّ هذهِ الأشياءَ، في ذاتِها، خارجيَّة. ولكِنَّ اللهَ يَهتمُّ بالأشياءِ الداخليَّة.

وفي سِفْرِ صَموئيل الأوَّل 16: 7، بَيَّنَ الربُّ ذلك حينَ قال: "الرَّبُّ...يَنْظُرُ إِلَى القَلْبِ". ونقرأ في سِفْر الأمثال 4: 23: "احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الحَيَاة". إذًا، يجب عليكَ أنْ تَحفَظَ قلبَك. فهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. ويجب أنْ تَعلموا أنَّكم إذا اعتنيتُم بقلبِكُم الرُّوحيِّ كما تَهتمُّونَ بقلبِكُم الَّذي يَضُخُّ الدَّمَ فإنَّ ذلكَ سيكونُ مُدهشًا. أليسَ كذلك؟

والنَّاسُ اليومَ يَهتمُّونَ كثيرًا بحِمايةِ قُلوبِهِم. فالعَدَّاؤونَ في كُلِّ مكان، والنَّاسَ يَركبونَ الدَّرَّاجاتِ الهوائيَّة، ويَركضونَ صُعودًا ونُزولاً. فيجب عليكَ أنْ تَعتني بقلبِك. ويمكنكَ أنْ تَذهب إلى مَرْكِز التَّسَوُّق وأنْ تَضَعَ ذِراعَكَ في جِهازٍ وتَضَعُ قِطعة نَقديَّة فيها فيُعطيكَ تَقييمًا لحالَةِ قلبِك. هل فَعلتُم ذلكَ يومًا؟ وهُناكَ جِهازٌ صغيرٌ يَقيسُ ضَغْطَ الدَّم. لذلك، يجب عليكَ أنْ تَعتني بقلبك. احْفَظْ قَلبك. وإنْ واجهتَ مُشكلةً صغيرة، تَخَلَّص مِنَ الدُّهونِ والكولسترول، وراقِبْ مُستوى الدُّهونِ الثَّلاثيَّة لديك، إلخ، إلخ.

ولِعِلْمِكُم، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقولُ إنَّهُ ينبغي لكَ أنْ تَحْفَظَ قلبَكَ لأنَّهُ الشَّيءُ الجوهريّ. وهذا يُشيرُ إلى القلبِ الحقيقيِّ. ففي الفِكْرِ العِبْرِيِّ فإنَّ القلبَ هوَ نَبْعُ كُلِّ مَعرفتِك للهِ إلى جانبِ الذِّهْنِ. اسمعوني: إذا اعتنينا بقلوبنا الروحيَّة بقدرِ اهتمامِنا بقلوبنا الَّتي تَضُخُّ الدَّمَ فإنَّنا سنتمتَّعُ بصِحَّةٍ رائعةٍ على الصَّعيدِ الرُّوحِيّ. ولكِنَّنا نَتجاهَلُ أحيانًا هذا الجانبَ. وهذا هوَ ما يَتحدَّثُ عنهَ يسوع. وفي لوقا 11: 39 نَرى أنَّ ترجمة "ويليامز" تُترجمُ هذا العَدَدَ تَرْجَمَةً رائعةً.

استمعوا إلى ما تقولُهُ هذهِ التَّرجمة: فقالَ يسوع: "أَنْتُمُ مُعْتادونَ على تَنْقِيَةِ خَارِجَ الكَأسِ وَالقَصْعَةِ، وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافًا وَخُبْثًا. يَا أَغْبِيَاءُ، أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضًا؟ أَعْطُوا مَرَّةً وإلى الأبد ذاتَكُم الدَّاخليَّةَ فَيَصيرُ كُلُّ شَيْءٍ آخَر نَقِيًّا". أَتَرَوْن؟ فهذه هي رسالة يسوع. وهذا هو لُبُّ العِظَةِ على الجَبَل.

والآن، في ضوءِ ذلك السِّياق وهذه النَّظرة العامَّة، أريدُ منكم أنْ تَعرفوا أهميَّةَ دراسةِ هذه العِظَة. أَتَرَوْن؟ فهذا مُهِمٌّ جدًّا. وأعتقد أنَّ هناكَ ما لا يَقِلُّ عن خمسة أسباب تَجعلُ هذا مُهِمًّا. وسوفَ أذكُرُها لكم بسُرعة: أوَّلاً، لأنَّ العظة على الجبل ستُريكم الحاجة المُلِحَّة للولادة الجديدة. فالعِظَة على الجَبَل ستُريكم أنَّكم لا تستطيعونَ أنْ تُرضوا اللهَ في ذواتِكم وفي أجسادِكم. البَتَّة. وكما قلتُ في البداية، فإنَّ الأشخاصَ الوحيدينَ الذينَ سيَختبرونَ السَّعادةَ هُمُ الأشخاصُ الذينَ يَعرفونَ أنَّ تلكَ السَّعادةَ هي صِفَة مِنْ صِفاتِ اللهِ ويَشتركونَ في الطَّبيعةِ الإلهيَّة. فحينئذٍ فقط، يمكنهم أنْ يَعرفوها وأنْ يَختبروها.

اسمعوني: إنَّ العظة على الجبل، في نَظري، تَفوقُ شريعة مُوسى في تَوضيحِ حاجتنا إلى الخلاص. فلا يمكنك أنْ تَعيشَ يومًا واحدًا في سَعادةٍ بِمَعْزِلٍ عن الولادة الجديدة في يسوعَ المسيح. فأعظمُ شيءٍ في العهدِ الجديد هو أنَّهُ يُبَيِّنُ للإنسان حالَتَهُ المُزْرِيَة مِنْ دونِ الله.

ثانيًا، أعتقد أنَّهُ يجب علينا أنْ نَدرس العِظَة على الجَبَل ليس فقط لأنَّها تُرينا الحاجة المُلِحَّة للولادة الجديدة، بل أيضًا لأنَّها تُشيرُ بوضوح إلى يسوعَ المسيح. ورُبَّما كانت هذه العِظَة أعظمَ تَعبيرٍ عن فِكْرِ رَبِّنا الحبيب يسوعَ المسيح. فهل تريدُ أنْ تَعرِف كيفَ يُفَكِّر؟ أُدْرُس عِظَتَهُ. وهل تريدُ أنْ تَعرفَ نَبْضَ قلبِه حقًّا؟ أُدْرُس عِظَتَه. وهل تريدُ أنْ تَعرف حقيقة مشاعِرِه فيما يَختصُّ بالحياة ومعايير الحياة؟ أُدْرُس العِظَة.

ثالثًا، يجب علينا أنْ نَدرسَ العظة على الجبل لأنَّها الطَّريقُ الوحيدُ لِلسَّعادة بالنِّسبة إلى المؤمنين. فإنْ أردتَ أنْ تكونَ سعيدًا، وإنْ أردتَ أنْ تكونَ مُمتلئًا حقًّا بالرُّوح، لا تُحاول البحث عن خبرة صُوفيَّة ما. ولا تُطارِد حُلْمًا وَهْميًّا ما. ولا تقفز مِنَ اجتماعٍ إلى اجتماعٍ محاولاً إدراكَ السَّعادة. فإنْ أردتَ أنْ تَختبرَ السَّعادة، والغِبطة، والبهجة، والفرح، والسُّرور، ادرس العظة على الجبل وطَبِّقها عَمليًّا.

وسوفَ أُضيفُ شيئًا آخر. فأعتقد أنَّهُ يجب علينا أنْ نَدرسَها لأنَّها أفضل وسيلة أعرفُها للكِرازة. وقد تقول: "ما الَّذي تَعنيهِ بالكِرازة؟" سوفَ أُجيبُكُم عن ذلك: إذا عِشْنا العِظَة على الجَبَل حقًّا، فإنَّها ستَقلبُ العالمَ رأسًا على عَقِب. فهي أعظمُ أداةٍ مُتاحةٍ للكرازة مِنْ خلالِ عَيْشِ هذا النَّوعَ مِنَ الحياة.

وأخيرًا، يجب علينا أن ندرس العِظَة على الجَبَل وأنْ نَحياها لأنَّ ذلك يُرضي الله. وكما تَعلمون، فإنَّ دراسَتَها هي امتيازٌ لنا. فأنْ يَتمكَّنَ شخصٌ خاطئٌ، مِثْلَ "جون ماك آرثر"، وشخصٌ شَقِيٌّ وبائسٌ (كما قالَ بولُس) مِنْ إرضاءِ اللهِ هوَ أمرٌ مُذهل! لِذا، هناكَ أسباب عديدة لدراسة العِظَة على الجَبَل. وهناكَ أسبابٌ عديدة تَدفعُنا إلى تخصيصٍ وقتٍ لدراستها.

واسمحوا لي أنْ أَطلبَ منكم أنْ تَنظروا، في الخِتام، إلى العَدَدَيْن الأوَّل والثَّاني لكي نتقدَّمَ خُطوةً أخرى ونَرى المُناسبة. فقد رأينا السِّياق. وأودُّ فقط أن أشارك بعض النِّقاطِ الأخرى بإيجازٍ شديد. المُناسبة مذكورة في العدد 1: "وَلَمَّا رَأَى الجُمُوعَ". ولنتوقَّف هنا. فقد كانَ يسوعُ يَهتمُّ دائمًا بالجُموع. وكما تَعلمونَ، فإنَّنا نقرأ في إنجيل مَتَّى 9: 36 وإنجيل مَتَّى 14: 14 وإنجيل مَتَّى 15: 32 أنَّهُ عندما رأى الجُموعَ فَعَلَ ماذا؟ "تَحَنَّنَ عَليهِم".

فقد رأى يسوعُ جُموعَ النَّاسِ. ونَجِدُ وَصْفًا للجُموعِ في الأعداد 23-25 مِنَ الأصحاحِ الرَّابع: "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب. فَذَاعَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ سُورِيَّةَ. فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَجَانِينَ وَالْمَصْرُوعِينَ وَالْمَفْلُوجِينَ، فَشَفَاهُمْ. فَـتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْعَشْرِ الْمُدُنِ وَأُورُشَلِيمَ وَالْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ.

نجدُ هنا هذا الجَمْعَ مِنَ النَّاسِ القادِمينَ مِنَ الشَّمالِ، والجنوبِ، والشَّرقِ، والغَرب يَتبعونَهُ. وعندما رآهُم حَدَثَ ما يَحْدُثُ دائمًا إذْ تَحَنَّنَ عليهم. فحينَ رأى أنَّهُم جَوْعَى، أعطاهُم طعامًا. وعندما رأى الجوعَ الرُّوحيَّ في قلوبهم، فإنَّ أعمقَ شيءٍ موجودٍ فيه هو أنَّ اللهَ يَمُدُّ يَدَهُ ويَسُدُّ حاجتهم.

فقد كانَ يسوعُ يتمتَّع بجاذبيَّة رائعة. وقد كان الجُموعُ يَتبعونَهُ: السُّقَماءُ، والمَسكونونَ بالأرواح الشِّرِّيرة، والفَرِّيسيُّون، والصَّدُّوقيُّون، والأسينيُّون، والغَيورون، والطَّقسيُّون، والزُّناة - الفَرِّيسيُّونَ والعَشَّارون؛ العُلَماءُ والأُميُّون، النُّبلاءُ والمُهَمَّشون، الأغنياءُ والمُتسوِّلون – جَمْعٌ مُتَنَوِّع. ولكِنَّ يسوعَ كانَ دائمًا يَجتذبُ النَّاسَ. وهناكَ جاذبيَّة عجيبة في يسوع لا تَعْرِفُ الطَّبقاتِ الاجتماعيَّة، ولا تَعرفُ المستوى الماديَّ.

وأعتقد أنَّنا نَجِدُ مُلَخَّصًا جميلاً لذلك في كلماتِ الرَّسولِ بولُس إذْ يقول: "في يسوعَ المسيحِ لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى. لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ أُمَمِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ يونانيٌّ وَلا بَرْبَرِيٌّ". لِذا فقد كانَ هناكَ انجذابٌ عامٌّ تُجاهَ المسيحِ مِنْ قِبَلِ الجُموع.

"وَلَمَّا رَأَى الجُمُوعَ ... فَتَحَ فَاهُ". وأودُّ أنْ أَقولَ الآتي: لم تكن رِسالَتُهُ مُوجَّهة إليهم في الحقيقة. ولكنَّهُ أرادَ منهم أن يَسمعوها. فَقد كانوا عاجِزينَ عَنْ تطبيقِها. وقد كانوا عاجِزينَ عنِ اختبارِ هذه السَّعادة. ولكِنْ كانَ بمقدورهم، على أقَلِّ تقدير، أنْ يَعرفوا أنَّها مُتاحَة. لِذلك، كانَ هؤلاءِ هُمُ الجُمهورُ الثَّانويُّ. ولكنَّهمُ الأشخاصُ الذينَ دَفَعوهُ إلى تَقديمِ تلكَ الرِّسالة لأنَّهُ أرادَ مِنهم أنْ يَسمعوها وأنْ يَنجذبوا إليها. لِذا فإنَّنا نَرى السِّياقَ والمُناسَبة.

ثُمَّ لنتحدَّث عنِ الواعِظ: فَمَنْ هوَ الواعِظ؟ إنَّهُ هُوَ الَّذي "صَعِدَ إِلَى الجَبَلِ". وَهُوَ ذاكَ الَّذي "جَلَسَ" وَ "تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ" وَ "فَتَحَ فاهُ وعَلَّمَهُم". إنَّهُ، يا أصدقائي، أعْظَمُ واعِظٍ عاشَ يومًا. فهذا هوَ الواعِظ. فهو ذاكَ الَّذي قالوا عنهُ: "لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الإِنْسَانِ". وَهُوَ الَّذي قالوا عنهُ إنَّهُ: "كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّين". وهل تَعلمونَ ما قَصَدوهُ بذلك؟ أنَّهُ لم يكن يَقتبِس مِنْ أيَّة مَصادِر. فهو لم يَقتبس مِن أقوالِ أيِّ مُعَلِّمينَ قَدامَى. بل إنَّهُ كانَ يتكلَّم كَمَنْ لهُ سُلطانٌ مِنْ ذاتِهِ. وَهُوَ الَّذي قالت عنهُ المرأة السَّامريَّة: "هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ". ويا لَهُ مِنْ واعِظ!

وهذه العِظَة هي واحدة مِن أعظمِ الأمثلةِ على فَنِّ الوعظِ رأيتُها يومًا. وهي تَضُمُّ ثلاثَ نِقاطٍ. فلا يمكن أنْ تَجِدوا فَنَّ وَعْظٍ أَفْضَلَ مِنها. فهي تَحوي مُقدِّمة رائعة. وبعدَ المُقدِّمة تأتي النُّقطة الأولى عَنْ مُواطِني المَلَكوت. ثُمَّ تأتي النُّقطة الثَّانية عن بِرِّ المَلكوت. ثُمَّ تأتي النُّقطة الثَّالثة عنِ الحَضِّ على دُخولِ الملكوت. وفي الجُزءِ الأخيرِ مِنَ الأصحاح 7، نقرأُ عن تأثيرِ تلك العِظَة. فهي أُنْموذَجٌ رائعٌ عَنْ فَنِّ الوَعْظ. وهي تَنْسابُ انسيابًا جميلاً. وهي تتحرَّكُ مِنْ نُقطةِ إلى أُخرى. والعباراتُ الانتقاليَّة رائعة. فهوُ أعظمُ وَاعِظٍ.

فقد كانَت لديهِ بُنْيَة لِعِظَتِه. وكانَ يُعَلِّمُ بِسُلْطان. وكانت لديهِ مأموريَّة إلهيَّة. وقد قالَ اللهُ لواحدٍ مِنْ أنبياءِ العهدِ القديم: "وَأُلْصِقُ لِسَانَكَ بِحَنَكِكَ فَتَبْكَمُ، وَلاَ تَكُونُ لَهُمْ رَجُلاً مُوَبِّخًا" (حِزْقيال والأصحاح الثَّالث). ولكنَّ اللهَ عادَ ثانيةً إلى ذلكَ النبيِّ نفسِهِ في الأصحاح 33 فنقرأ: "وَكَانَتْ يَدُ الرَّبِّ عَلَيَّ مَسَاءً ... فَانْفَتَحَ فَمِي وَلَمْ أَكُنْ بَعْدُ أَبْكَمَ. فَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ". وكما تَعلمون، فقد كانَ رَبُّنا يسوعُ المسيحُ صاحِبَ كُلِّ سُلطان، ويَمتلكُ ذكاءً لا يمتلكهُ أحدٌ سِوى الله حَتَّى يَعِظَ عِظَةً فَريدَةً كهذه. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّهُ لم يَفتَحْ فَمَهُ إلَّا عندما فَتَحَهُ اللهُ بمشيئَتِهِ وتوقيتِهِ. فقد كانَ يَمتلكُ لا سُلطانا فحسب، بل إنَّهُ جاءَ في مأموريَّة إلهيَّة.

إذًا، لقد رأينا السِّياقَ، والمُناسبةَ، والواعِظ. وماذا عنِ المكان؟ انظروا إلى العدد الأوَّل مَرَّةً أخرى: فقد "صَعِدَ إِلَى الجَبَل". فقد وَجَدَ مِنْبَرًا. وبالمناسبة، مِنَ الرَّائعِ أنْ نُلاحِظَ أنَّ النَّصَّ اليونانيَّ يقول: "الجَبَل" – "الجَبَل". أيُّ جَبَل؟ إنَّهُ ليسَ جَبَلاً مُعَيَّنًا. وقد قالَ "جيري" (Jerry) إنَّهُ مُجَرَّدُ تَلَّة تَنْحَدِرُ باتِّجاهِ الشَّاطئِ الشَّماليِّ لبحرِ الجليل بالقُربِ مِنَ المياه. وهو مكانٌ رائعٌ وجميلٌ وأخضر، ومُشْرِق. فواحدٌ مِن أروعِ المناظر الَّتي يمكن أنْ تَراها في حياتِك هو أنْ تَجلس هناكَ على الجبل الَّذي قَدَّمَ يسوعُ مِنْهُ هذه العِظَة الرَّائعة، وأنْ تَنظر إلى أسفل إلى المياهِ المُتَمَوِّجة لبحرِ الجليل، وأنْ تَجِد نفسَكَ مُحاطًا بِتِلالِ الجَليلِ البديعة عَنْ يَمينِك والمُرتفعاتِ الذَّهبيَّة عن شِمالِك. وفي نُقطةِ البدايةِ تلك، يَتَدَفَّقُ نهرُ الأردنِّ عَبْرِ وادي الأُردنُّ إلى أنْ يَصُبَّ أخيرًا في البحر المَيِّت. ويُمكنكُ أنْ تَرى عَنْ يَمينِكَ فوقَ التِّلالِ الغَربيَّةِ وادي شارون والبحر المُتوسِّط.

وعلى تلك التَّلَّة الصَّغيرة، جَلَسَ يسوعُ وتَكَلَّم. وهو لم يكن سِوى جَبَلاً عاديًّا، ولكِنَّ النَّصَّ اليونانيَّ يقول: "الجَبَل". وهو ليسَ "الجَبَل" بسببِ ضَخامَتِهِ، بل لأنَّ يَسوعَ جَعَلَهُ جَبلاً مَشهورًا. فهو لم يَصِرْ يُعْرَفُ بالجَبَل إلَّا بعدَ أنْ وَعَظَ عليهِ يسوعُ هذه العِظَة، وحينئذٍ فقط صارَ "الجَبَل". فقد صارَ "الجَبَل" حينَ كَتَبَ مَتَّى هذا الإنجيلَ فَصارَ يُعْرَفُ بالجَبَل لأنَّ يسوعَ عَلَّمَ مِنْهُ. لِذا فقد جَعَلَهُ "الجَبَل".

فقد امْتَلَكَ يسوعُ أُسلوبًا فريدًا في تقديسِ ذلكَ المَكانِ وجَعْلِهِ "الجَبَل". وطَوالَ مِئاتِ السِّنينَ مُنْذُ ذلك الحَدَث، فإنَّ المسيحيِّينَ يتذكَّرونَ دائمًا موقِعَ ذلكَ الجبل. فهو مُجَرَّدُ تَلَّة صغيرة، ولكنَّهُ يُدْعى "الجَبَل". لماذا؟ لأنَّ يَسوعَ جَعَلَهُ "الجَبَل".

وماذا عنِ الأسلوب؟ ماذا عنِ الأسلوب؟ فنحنُ لن نتحدَّثَ فقط عنِ السِّياق، والمُناسَبَة، والواعِظ، والمكان، بل أيضًا عنِ الأسلوب. فقد كان يسوعُ جالِسًا: "فَلَمَّا جَلَسَ...فَتَحَ فَاهُ وعَلَّمَهُمْ قَائِلاً". وقد جَلَسَ لأنَّ هذا الأسلوبَ كانَ الطَّريقة التَّقليديَّة الَّتي يُعَلِّمُ بها مُعَلِّمو اليهود. فعندما كانَ مُعَلِّمو اليهودِ يتكلَّمونَ وَهُمْ يَقِفونَ وَيَمْشون، لم يَكُن الحَديثُ رَسميًّا. أمَّا عندما يَجلسون، كانَ ذلكَ تَعليمًا رسميًّا. كانَ رَسميًّا.

ونحنُ نَفعل ذلكَ حَتَّى في يومِنا هذا. فعندما يُعْطَى الأستاذُ مُهِمَّةً في إحدى الجامعاتِ فإنَّنا نقولُ إنَّهُ تَسَلَّمَ الكُرْسِيَّ. وَهُوَ يُعَلِّمُ مِنَ الكُرْسِيِّ. والكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ تقولُ لنا إنَّ البابا يَتكلَّمُ بمُقْتَضى السُّلطة البابويَّة. وهل تَعلمونَ مَعنى ذلك؟ أيْ مِنْ مِقْعَدِهِ، أوْ مِنْ كُرْسِيِّهِ. وعندما كانَ الرَّجُلُ يَجلسُ ليُعَلِّم، كانَ ذلكَ تَعليمًا ذا سُلْطان. وكانَ ذلكَ تَعليمًا رسميًّا. وما كانَ يسوعُ يَقولُهُ لم يكن أفكارًا عشوائيَّة، بل كانَ إعلانًا رسميًّا صَادِرًا عنِ الملك. إعلانًا مِنَ الملك.

"فَفتحَ فاهُ". وهذا تَعْبيرٌ عامِّيٌّ في اللُّغة اليونانيَّة – تَعبيرٌ عامِيٌّ جميل. وَهُوَ يُستخَدمُ لِوَصْفِ الكلامِ الرَّصين، والرَّزين، والمُهِمّ، والجادّ، والعظيمِ الشَّأن. فهو ليسَ مُجَرَّد كلام وحسب. بل إنَّهُ تَعليمٌ مُهِمٌّ، وجادٌّ، ورَزين. كذلكَ، فإنَّ هذه العبارة (أيْ: "فَتحَ فاهُ") تُستخدَم في بعض المراجِع غير الكِتابيَّة للإشارة إلى شخصٍ يُشارِك ما في قلبِهِ بطريقة حَميمة. لِذا، فقد كانَ التَّعليمُ رَسميًّا، وكانَ رَزينًا، وكانَ جَادًّا، وكانَ عَظيمَ الشَّأنِ. وكانَ أيضًا نابِعًا مِنْ قَلْبِهِ.

ومَنْ هُمُ المُتَلَقُّون؟ إنَّ هذا مَذكورٌ هُنا في العدد الأوَّل: "تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ". أَتَرَوْن. فقد كانوا المُتَلَقُّونَ الرَّئيسيُّونَ لأنَّهُمُ الوحيدونَ الذينَ كانَ بمقدورِهم أنْ يَختبروا السَّعادة الحقيقيَّة الَّتي سيتحدَّثُ عنها. وَهُمُ الوحيدونَ الذينَ يستطيعونَ أنْ يَحْيَوْا العِظَةَ على الجبل. وَهُمُ الوحيدونَ الذينَ يمكنهم أنْ يُطَبِّقوها بِحذافيرِها. وَهُمُ الوحيدونَ الذينَ يمكنهم أنْ يُنَفِّذوها لأنَّهُم الوحيدونَ الذينَ كانوا شَرَكاءَ في قُدرةِ اللهِ وحُضورِهِ في حياتِهم. فقد كانَ ذلكَ مُتاحًا لهم دونَ غيرِهِم.

وبالمناسبة، يا أحبَّائي، اسمحوا لي أن أُضيفَ الآتي: إنَّها ليست مُتاحة لكَ إلَّا إذا عَرَفْتَ يسوعَ المسيح. وهي لا تصيرُ مُتاحةً لكَ إلَّا إذا صِرْتَ شَريكًا في الطبيعةِ الإلهيَّة. وقد قالَ الأُسْقُفُ الرَّاحِل "ماغي" (Magee) مِن إنجلترا ذاتَ مَرَّة إنَّهُ مِنَ المُستحيلِ أنْ تُدارَ شُؤونُ أُمَّة إنجلترا على أساسِ العِظَة على الجبل لأنَّ الأُمَّة لم تكن مُخْلِصَة للمَلِك. وقد كانَ مُحِقًّا. فلا يمكنك أنْ تَحيا العِظَة على الجَبَل إلَّا إذا كنتَ تَعرفُ الملك.

وقد حاولَ كثيرونَ أنْ يأخذوا العِظَة على الجَبَل وأنْ يَجعلوها إنجيلاً اجتماعيًّا – حاولوا أنْ يَجعلوها إنجيلاً اجتماعيًّا. ولكِنَّ هذا غير مُمكن. وبالمناسبة، إنَّ هذا الجُهْدَ لم يَعُد يُمارَس كثيرا الآن لأنَّ الحَرْبَيْنَ العالميَّتَيْن هَدَمَتا ذلكَ الشُّعور. فالرَّغبة في جَعْلِ العِظَة على الجَبَل إنجيلاً اجتماعيًّا لاقَتْ ضَرْبَةً قويَّةً بسببِ الحربَيْنِ العَالَمِيَّتَيْن. ويقول المُؤرِّخُ العالَمِيُّ المَعروف "ويل دورانت" (Will Durant): "في أيِّ جيل، قد يكونُ هناكَ ثُمانية أوْ عَشْرَةُ أشخاصٍ سيبقونَ أحياء مِنْ جِهَة استمرار تأثيرهم بعدَ ثلاثمئة سنة.

"فمثلاً، ما يزالُ أفلاطون حَيًّا. وما يزالُ سُقراط حَيًّا. ولكِنْ في كُلِّ الحضارة الغربيَّة (كما يقول "دوران" الذي هو مُؤرِّخُ غير مسيحيّ) فإنَّ الشَّخصَ الَّذي يَبْرُزُ أكثرَ مِنَ الجميعِ هو المسيح. فهو، دونَ شَكٍّ، الشَّخصُ الَّذي تَرَكَ أعظمَ تأثيرٍ دائمٍ على أفكارِنا، ولكِنْ ليسَ على أفعالِنا. وهذا فَرْقٌ مُهِمٌّ. فأفعالُنا نادرًا ما تكونُ مَسيحيَّةً، ولكِنَّ لاهُوتَنا كذلكَ غالبًا. ونحنُ نَتَمَنَّى لو كان بمقدورِنا أنْ نَتصرَّف مِثْلَ المسيح".

وما قَصَدَهُ "ويل دورانت" (بحسب ما جاءَ في مجلَّة "شيكاغو تريبيون" (Chicago Tribune) قبلَ شَهرٍ تقريبًا، إنَّ ما قَصَدَهُ هو أنَّكَ لا تستطيع أنْ تَحيا العِظَة على الجَبَل. صحيحٌ أنَّ تَعاليمَ المسيحِ عظيمة، ولكنَّنا عاجِزونَ عن تَطْبيقِها. والسببُ في ذلك هو أنَّهُ ليسَ شَريك الطَّبيعة الإلهيَّة. فلا يوجد مَصْدَر. لذلك فقد عَلَّمَ يسوعُ تلاميذَهُ لأنَّهم الوحيدونَ القادرونَ أنْ يَحْيَوْها. ولأنَّهم الوحيدونَ القادرونَ أنْ يُنَفِّذوها. ولأنَّهم الوحيدونَ القادرونَ أنْ يُطَبِّقوها. وأنا وأنتُم الَّذينَ نَعرف المسيحَ نفسَهُ نستطيعُ أنْ نَختبرَ السَّعادة نفسَها.

وأخيرًا، فإنَّ التَّعليمَ نفسَهُ يأتي في الأعداد 3-12: طُوْبَى، طُوْبَى، طُوْبَى، طُوْبَى. وهذا درسٌ رائعٌ، يا أصدقائي. فما سيقولُهُ لنا هُنا عميقٌ ومُغَيِّرٌ للحياة. وأنا أُوْمِنُ أنَّ كنيستَنا ستكونُ مُختلفة حينَ نُنْهي هذه الدِّراسة. فأنا لا أعتقد أنَّكَ تستطيعُ أنْ تَدرُسَ العِظَة على الجَبَل وأنْ تبقى على حَالِك. فأنا لا أستطيع. فاللهُ ابتدأ للتوّ يَصنَعُ أُمورًا في قلبي. فلنُكَرِّس أنفسَنا لأن نكونَ الأُناسَ الَّذينَ يُريدُ مِنَّا اللهُ أنْ نكون. ويجب عليكم أنْ تَتذكَّروا أنَّنا إنْ كُنَّا نَعرفُ الربَّ يسوعَ المسيحَ فإنَّنا نَملكُ القدرة على جَعْلِ ذلكَ حَقيقة في حياتِنا لِمَجْدِهِ ولِسَعادَتِنا. لِنَحْنِ رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا! نَنطلقُ بِفَرَحٍ عَظيمٍ في هذه المُغامَرَةِ المُتَمَثِّلَةِ في دِراسة هذا الحَقِّ العظيم. ونحنُ نَشكركَ، يا رَبُّ، لأنَّكَ قُدْتَنا حَتَّى الآن، وَفَتَحْتَ قُلوبَنا، وجَعَلْتَها جاهزةً لاستقبالِ هذا الحَقّ. ونحنُ نَعلم، يا أبانا، أنَّ اختبارَ الفَرَحِ الَّذي يُعطيهِ اللهُ يَقْتَصِرُ على أولئكَ الَّذينَ يُحِبُّونَ الربَّ يسوعَ المسيح، ويَقتصرُ على أولئكَ الَّذينَ يَمتلكونَ في دَواخِلِهِم ذاتَ حَياةِ اللهِ لكي يَختبروا فَرَحَ الله. عَلِّمْنا، يا أبانا، قُوَّةَ هذه الرِّسالة في حياتِنا وفي عَالَمِنا. نُبارِكُكَ في اسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize

Currently Playing

Today's Radio Broadcast

Playlist

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize