Grace to You Resources
Grace to You - Resource

"طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ" (مَتَّى 5: 5). أعتقد دائمًا أنَّ السِّفْرَ الَّذي أدرُسُهُ الآنَ هو أروعُ شيءٍ دَرَسْتُهُ في حياتي. وأنا أشعُرُ بذلكَ، دونَ أدنى شَكٍّ، فيما يَختصُّ بإنجيلِ مَتَّى. ولا أدري عددَ العظاتِ الَّتي قَدَّمْتُها عن إنجيل مَتَّى (رُبَّما 25 أو مَا شابَهَ ذلك). وقد كانت تلكَ العِظاتُ رائعة جدًّا ومُدهشة جدًّا في نَظري. والآنْ، إذْ نَتأمَّلُ في الأصحاحِ الخامسِ مِنْ تلكَ العِظَةِ الرَّائعةِ الَّتي وَعَظَها رَبُّنا يَسوعُ المسيحُ والتي تُعْرَفُ بالعِظَة على الجَبَل، أَجِدُ نفسي مَشْدُوهًا بالحَقِّ الكامِنِ فيها.

وأشعرُ أنَّني حينَ أقِفُ هُنا، فإنَّكُم تَرَوْنَ جُزءًا صَغيرًا جِدًّا مِنْ قِمَّةِ الجَبَل لأنِّي لا أستطيعُ أنْ أَسْبُرَ غَوْرَ كُلِّ الأشياءِ الَّتي تَحْدُثُ في قلبي وتَدورُ في عَقلي يومًا تلو الآخر تلو الآخر فيما أَلْهَجُ بالحَقِّ الكامِنِ في هذا المَقْطَعِ العَظيم. وإنْ كنتُ مُطيعًا للهِ، وإنْ تَجاوَبْتُ معَ الرُّوحِ القُدُسِ كما يُريدُ مِنِّي أنْ أتجاوبَ في هذه الدِّراسة، سَأكونُ شخصًا مُختلفًا، وسيكونُ ذلكَ الأمرُ مُنْعِشًا لي. وأنا على يَقينٍ أنَّهُ سيكونُ مُنْعِشًا لكم أنتم أيضًا.

إنَّ الجُملةَ الَّتي يَذكُرُها رَبُّنا في هذه الآية (أيْ: "طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ") هي جُملة صَاعِقَة للجُمهورِ الَّذي سَمِعَهُ يَقولُها. والحقيقة هي أنَّ جَميعَ هذه التَّطويباتِ الثَّلاث (وَهُوَ الاسْمُ الَّذي تُعْرَفُ بِهِ) هي تَطويباتٌ صَادِمَةٌ. فالتَّطويبتانِ الأولى والثَّانية كانتا صَادِمَتَيْنِ للجُمهورِ الَّذي جَلَسَ على سَفْحِ الجَبَلِ في اليومِ الَّذي تَكَلَّمَ فيهِ يسوع. فقد دَعا يَسوعُ إلى أمورٍ غَريبةٍ تمامًا عن تفكيرهم. فقد كانوا يَعرفونَ كيفيَّةَ مُمارَسَةِ الكِبرياءِ الرُّوحيَّة. وكانوا يَعرفونَ كيفيَّةَ مُمارسةِ الاكتفاءِ الذَّاتيِّ. وكانوا يَعرفونَ كيفَ يُحابون. وكانوا يَعرفونَ عنِ الدِّين. وكانوا ماهِرينَ حَقًّا في المَظاهرِ الخارجيَّة. وكانوا يَظُنُّونَ أنَّهُمْ في الدَّائرةِ "الدَّاخليَّة". وكانوا يَظُنُّونَ أنَّهُ يمكنهم أنْ يَنْجُوا بقُوَّتهم الذاتيَّة، وحِكمتهم الشخصيَّة، وقُدرتهم، ومَوارِدِهم.

وقد كانوا يَتَوَقَّعونَ أنْ يقولَ لهمُ المسيَّا عندَ مَجيئِهِ: "لقد جِئْتُ إلى هُنا لكي أُثْنِي عليكم بسبب رُوْحِ التَّدَيُّنِ الَّتي لديكم. وقد جئتُ لكي أُثْنِي عليكم بسبب رُوحانِيَّتِكُم الرَّائعة. وقد جئتُ لكي أُعلنَ لكم أنَّ اللهَ قد نَظَرَ إلى الأسفل مِنَ السَّماءِ وأنَّهُ مَسرورٌ جِدًّا بكم. والحقيقة هي أنَّنا نستطيعُ أنْ نَدْخُلَ حالًا إلى الملكوتِ. وإنْ كانت هُناكَ تَغييراتٌ لازمة فإنَّها طَفيفَة جِدًّا". ولكِنَّ رَبَّنا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ خِدْمَتِهِ وقالَ لهم الآتي في العدد الثَّالث: "طُوبَـى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ". فهو ليسَ لأولئكَ الذينَ يَظُنُّونَ أنَّهُم مُتديِّنون، بل لأولئكَ الذينَ يَعلمونَ أنَّهُم خُطاة.

"طُوبَـى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ". لا طُوبَى للأشخاصِ الفَرِحينَ بأنفسهم، بل لأولئكَ الذينَ يَحْزَنونَ على أنفسهم. "طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ". لا طُوبى للمُتَفاخِرين، بل للمُتواضِعين. فَلَمْ يَكُنْ هؤلاءِ يَفهمونَ ذلك. ولم يكن هذا هو ما تَوَقَّعوه. فقد كانوا يَتَّكِلونَ في كُلِّ شيءٍ على رُوحانيَّتِهم، وعلى كِبريائهم. ولكِنَّ يَسوعَ هَدَمَ كُلَّ ذلك في المَرَّةِ الأولى الَّتي تَكَلَّمَ بها. فما أرادَهُ هُوَ رُوحٌ مُنْكَسِرة. وقد أرادَ قَلْبًا نائِحًا. وقد أرادَ تَواضُعًا. فقد كانت هذهِ هي الشُّروطُ اللَّازِمَةُ لِدُخولِ مَلكوتِه.

فهو لم يَطْلُب بِرًّا ذاتيًّا ولا كِبرياءَ رُوحيَّة. وعندما قالَ يسوعُ: "طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ"، مِنَ المؤكَّدِ أنَّ الأشخاصَ الذينَ لم يُصْدَموا حَتَّى ذلكَ الحين قد صُدِموا حينَ قالَ ذلك. "طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ". وما أعنيه هو أنَّهُ مِنَ المؤكَّدِ أنَّ ذلكَ سيكونُ صادِمًا لمُجتمعِنا أيضًا لأنَّنا لا نَختلفُ عنهم في شيء. فنحنُ نُفَكِّرُ أنَّ النُّصرَة والغَنائِم هي مِنْ نَصيبِ الأقوياء. أليسَ كذلك؟ اذهبوا واحصلوا عليها. استمتعوا. اسْتَعْرِضُوا عَضلاتِكم. ويا لها مِنْ صَدْمَة لهم!

واسمحوا لي أنْ أُوَضِّحَ لكم ما كانَ يَجري آنذاك. فقبلَ أكثرِ مِنْ نِصْفِ قَرْن مِنْ وِلادة المسيح (وتَحديدًا في سنة 63 قبلَ الميلاد)، كانَ "بومبي" (Pompey) قد ضَمَّ فِلَسطين إلى رُوما. لِذا فقدِ انْتَهى استقلالُ اليهود. وبالمناسبة، كانَ ذلكَ الاستقلالُ الَّذي تَمَتَّعوا بهِ قد جاءَ بعدَ ثَوْرَةٍ دَمَوِيَّةٍ تُعْرَفُ باسم "ثَوْرَة المَكَابِيِّين". فقد حَارَبوا لكي يتحرَّروا مِنَ اليونان. وبعدَ وَقْتٍ قَصيرٍ مِنْ تلكَ الحُرِّيَّة، وَقَعوا ثانيةً تحتَ هيمنةِ رُوما الإمبرياليَّة.

ومنذُ ذلكَ الحين فصاعِدًا (أيْ مِنْ سنة 63 قبلَ الميلاد فصاعِدًا) كانتِ الأرضُ خاضِعَةً جُزئيًّا لِحُكْمِ المُلوكِ الهيرودُسِيِّين. وقد كانَ الهيرودُسِيُّونَ عائلةَ. فالاسمُ "هيرودُس" هو اسمُ العائلة. وقد كانوا عائلةَ مُلوكٍ عَيَّنَهُمْ قيصر. وفَضْلاً عنِ المُلوكِ الهيرودُسِيِّين، كانَ قَيْصَر قد عَيَّنَ مُلوكًا على النَّاسِ في فلسطين لأنَّهم كانوا مُوْلَعينَ بالمُلوك. ولكِنْ فضلاً عنْ ذلك، فقد عَيَّنَ وُلاةً أوْ حُكَّامًا. وأشهرُ مَنْ نَعْرِفُهُمْ مِنْ هؤلاءِ الوُلاةِ هُوَ بيلاطُس.

لِذا فقد كانوا طَوالَ هذا الوقتِ تحتَ هيمنةِ رُوما مِنْ خلالِ الخُضوعِ لهؤلاءِ المُلوكِ التَّابِعينَ، وعائلةِ هيرودس، وهؤلاءِ الوُلاةِ والحُكَّام. وفي الوقتِ نفسه، كانت كُلُّ الأراضي الأخرى الَّتي يَتحدَّثُ عنها العهدُ الجديدُ خاضِعَةً لِروما.

وقد كانَ ذلكَ اليومُ يومَ ذُلٍّ، ويومًا حَزينًا للشَّعبِ اليهوديِّ. وكانوا يَحتقِرونَ حَرفيًّا هذا القَمْعَ الرُّومانيَّ. ولكنَّهم لم يكونوا يُقِرُّونَ بذلك. فعندما كانَ يسوعُ يَتحدَّثُ إليهم في يوحنَّا 8، أيْ عندما كانَ يَتحدَّثُ إلى قادةِ اليهود، كانَ ذلكَ مُدْهِشًا لأنَّهُ قالَ لهم: "وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ". وقد أَجَابوهُ: "إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ!" وهي جُملة غَبِيَّة جِدًّا. ولكنَّهُمْ لم يَعترِفوا يومًا أنَّهُمْ عَبيدٌ لِروما: فقد قالوا: "نحنُ لَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ!" فَهُمْ لم يكونوا يُقِرُّونَ بذلك. فقد كانوا مُتَكَبِّرين. ولكنَّهم كانوا يَحتقرونَ النِّيرَ الرُّومانِيَّ.

وكَما تَرَوْنَ، فإنَّ قِصَّةَ يسوعَ كُلَّها تَقَعُ في إطارِ أُمَّةٍ مُستَعبدَةٍ لروما. وقد كانَ ظِلُّ قيصَر مُخَيِّمًا حَرفيًّا على كُلِّ نُوْرٍ يَسْطَعُ فوقَ العهدِ الجديد. فيمكنكم أنْ تَرَوْا قيصَرَ في كُلِّ صفحة. وفي الوقتِ نفسِه (لاحظوا ما سأقول) كانَ هناك نَبْضٌ في قُلوبِ اليهودِ يَدْفَعُهُم إلى الإيمانِ بأنَّ المسيَّا سيأتي. وقد كانَ هناكَ أُناسٌ لن يَذوقوا الموتَ إلَّا بعدَ مَجيئِهِ. أتَذكرونَ سِمْعان وحَنَّة؟ فقد كانَ هناكَ شُعورٌ بأنَّ هناكَ شيئًا سيحدُث. فقد كانَ المَسِيَّا مُزْمِعًا أنْ يأتي. وكانَ ملكوتُ اللهِ على وَشْكِ التَّأسيس. وكانَ العهدُ القديمُ واضِحًا في الإشارة إلى ذلك. وكانَ هناكَ هذا الشُّعورُ بأنَّ ذلكَ سيحدُث. ثُمَّ إنَّ هذا الشَّخصَ الَّذي يُدْعى "يَسوعَ المسيح" جاءَ وفَتَحَ فَمَهُ في إنجيل مَرقُس والأصحاح الأوَّل. وانظروا إلى ما يُخْبِرُنا مَرْقُس أنَّهُ قال:

مَرْقُس 1: 14: "وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ وَيَقُولُ [راقِبوا]: «قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ»". وقد تَحَمَّسوا جِدًّا. فقد كانوا يَعرفونَ هذا الطُّغيانَ الرُّومانيَّ وهذا الاضطهادَ الرُّومانيّ. وفجأةً، ها هُوَ مُجْتَرِحُ العَجائِب، ومُجْري المُعْجِزات، الرَّجُلُ الَّذي قالَ أمورًا لم يَقُلْها أحدٌ غَيْرُه، والذي فَعَلَ أمورًا لم يَفعلها أَحَدٌ سِواه. لَعَلَّهُ المَسيَّا! وعندما أَطْعَمَ الجُموعَ على سَفْحِ ذلكَ الجبل، كانوا جاهزينَ للإيمانِ بِهِ، والتَّشَبُّثِ بِهِ، وتَنْصيبِهِ مَلِكًا لكي يَبتدئوا ثَورةً سياسيَّةً وعَسكريَّةً تُطيحُ بِنِيْرِ رُوْما.

فقد كانوا يَشعرونَ بحماسَةٍ شديدةٍ بهذا الخُصوص. وكانوا يَترَقَّبونَ مَسِيَّا يُطيحُ بِروما. وكانوا يَترقَّبونَ قائدًا عسكريًّا عظيمًا يَستطيعُ أنْ يَقودَ ثورةً يهوديَّةً تَمْنَحُهُمُ الاستقلالً مِنْ خلالِ عَمَلٍ عَسكريٍّ. والآنْ، اسمَعوني جَيِّدًا: في الأصل، كانت الثَّورة العسكريَّة والنَّظرة العسكريَّة لمَجيءِ المسيَّا شيئًا نَادتْ بهِ جَماعَةٌ مِنَ اليهودِ الذينَ يُعْرَفونَ بالغَيورين. فقد كانت هناكَ أرْبَعُ فِرَقٍ رئيسيَّة في اليهوديَّة: الفَرِّيسيُّون، والصَّدُّوقيُّون، والغَيورون، والأَسينِيُّون. وكانَ الأسينيُّونَ جَماعة مُتَصَوِّفة عَاشَتْ في "قُمْران"، وهي المِنطقة الَّتي عَثَروا فيها على مَخطوطاتِ البحرِ المَيِّت. فقد كانوا الجَماعَةَ الَّتي نَسَخَتْ تلكَ المَخطوطات.

أمَّا الغَيورون فَهُمْ جَماعَةُ النَّاشِطينَ السِّياسِيِّينَ الذينَ لم يكونوا يهتمُّونَ كثيرًا بالدِّين، بل كانوا يَهتمُّونَ حقًّا بالسِّياسَة. وكانَ الفَرِّيسيُّونَ جَماعة المُتَدَيِّنينَ المُحافِظين. وكانَ الصَّدُّوقِيُّونَ جَماعَةُ المُتَدَيِّنينَ المُتَحَرِّرين. ولكِنَّ الغَيورينَ كَانوا يَتوقونَ حَقًّا أنْ يأتي المَسِيَّا. وكانوا يُؤمنونَ بأنَّهُ سيكونُ قائدًا عسكريًّا عظيمًا سيأتي ويَبْني قُوَّةً عسكريَّةً تُطيحُ بِروما. لذا فقد كانوا يَتَرَقَّبونَ مَملكةً عسكريَّة.

مِن جهة أخرى، كانَ الفَرِّيسيُّونَ يَرغبونَ أيضًا بالإطاحَةِ بروما، ولكنَّهم لم يكونوا يَترقَّبونَ مَملكةً عسكريَّة، بل كانوا يَرْغَبونَ في إنشاءِ دَوْلَة مُقَدَّسَة. وكانوا يَتَطَلَّعونَ إلى استرجاعِ الحُكومة الدِّينيَّة الَّتي كانت قائمةً في العهدِ القديم. وكانوا يَترقَّبونَ أنْ يَحْكُمَ المسيَّا حُكْمًا دينيًّا. لذلك، يمكنكم أنْ تَنظروا إلى الأمرِ على النَّحوِ التَّالي: كانَ الغَيورونَ يَترقَّبونَ مَسِيَّا عَسْكَرِيّ. وكانَ الفَرِّيسيُّون يَترقَّبونَ مَسِيَّا مُعْجِزِيّ.

ورُبَّما كانَ الغَيورونَ يؤمنونَ أنَّ المسيَّا سيقومُ بعملٍ عسكريٍّ؛ في حين كانَ الفَرِّيسيُّون يؤمنونَ أنَّ المسيَّا سيقومُ بعملٍ مُعجزيٍّ يُطيحُ بروما مِن خلالِ ِمُعجزة إلهيَّة خارقة للطَّبيعة. ففي حين أنَّ كُلَّ فَريقٍ كانَ يَترقَّبُ أنْ يَتدخَّلَ اللهُ بطريقة قويَّة جدًّا وأنْ يأتي المسيَّا، فإنَّهم كانوا يَعلمونَ ما جاءَ في سفر دانيال 17: 13 و 14. فقد كانوا يَعلمونَ أنَّ المسيَّا سيأتي على السَّحابِ بِمَجْدٍ عظيم، صَحيحٌ أنَّهم لم يكونوا يَعلمونَ كيفَ سيحدث ذلك، ولكنَّ كُلَّ فَريقٍ كانت لديهِ أفكارُهُ الخاصَّة به.

وحَتَّى إنَّ الرُّسُلَ، أيِ الرُّسُلَ الاثني عشر، كانوا يَتَرَقَّبونَ ذلك. فقد قالوا في سِفْر أعمال الرُّسُل 1: 6: "يَا رَبُّ، هَلْ فِي هذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟" مَتَى ستفعل ذلك؟ مَتَى سَنرى قُوَّتَكَ العسكريَّة أو المُعجِزيَّة؟ ولكِنَّ هذا لم يكن قَصْدَ يَسوع. لِذا فإنَّنا نَقرأ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 18 أنَّهُ عندما كانَ يسوعُ يَتحدَّث إلى بيلاطُس، كانَ بيلاطُسُ يُحاولُ أنْ يَفْهَمَ كيفَ يُعْقَلُ أنْ يكونَ هناكَ مَلِكٌ مِنْ دُوْنِ مَملكة، وكيفَ يُعْقَلُ أنْ يكونَ هناكَ مَلِكٌ مِنْ دُوْنِ عَرْش، وكيفَ يُعْقَلُ أنْ يكونَ هناكَ مَلِكٌ مِنْ دُوْنِ تَاج. لِذا، عندما كانَ يَتحدَّثُ إلى يسوعَ عَمَّا إذا كانَ مَلِكًا أَمْ لا، قالَ ليسوع: "أنتَ مَلِكٌ؟" أَجابَهُ يَسوعُ: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ".

"أنتَ لا تَفْهَمْ أيَّ نَوْعٍ مِنَ المُلوكِ أنا. إنَّني لا أعملُ عَسكريًّا. وأنا لن أقومَ بانقلابٍ مُعجِزيٍّ للإطاحَةِ بِروما. فهذا ليسَ هَدَفي". وقد قالَ إنَّهُ لو أرادَ لاستَدعى جُيوشًا مِنَ الملائكة، جُيوشًا منهم...آلافًا مِنهُم. وبالمناسبة، إنْ كانَ ملاكًا واحدًا قد قَتَلَ 185 ألفًا مِنَ الأشورِيِّينَ في ضَربةٍ واحدة، كم بالحَرِيِّ يَقدرُ أنْ يَفعلَ جيشًا منهم!

وكما تَرَوْن، فإنَّ الرَّجاءَ بحدوثِ رَدٍّ دينيٍّ سياسيٍّ كانَ مُجَرَّدَ وَهْم. فقد كانت إسرائيلُ واقعةً في قبضةِ روما القويَّة، ولم يكن قيصر ليَسمحَ لهم أنْ يَنالوا أيَّ استقلال. وبالرَّغمِ مِن ذلك، كانَ هذا الرَّجاءُ يَضْطَرِمُ في قُلوبِهم، ويَضْطَرِم، ويَضْطَرِم على أَمَلِ أنَّ المسيَّا سيأتي. وبصراحة، يا أحبَّائي، فإنَّ الرَّجاءَ كانَ يَضْطَرِمُ بِشِدَّة في قلوبهم حَتَّى إنَّهُ أَدَّى إلى انتشارِ عَدَدٍ كبيرٍ مِنَ المُسَحاءِ الزَّائِفينَ كانتشارِ البُثورِ في الجسد. فقد كانوا يَظهرونَ في كل مكان. لقد كانَ المُسَحاءُ الكَذبة بالجُمْلَة.

ولأنَّ الغَيورينَ كانوا يَتَرَقَّبونَ حُدوثَ ما يَوَدُّونَ أنْ يَحدث، كانوا يَقولون: "لا يمكننا أنْ نَنتظرَ مَجيءَ المَسِيَّا". وإلى جانبِ هؤلاء، كانَ هُناكَ "حَامِلو الخَناجِر" الَّذينَ كانوا يُشْبِهونَ القَتَلَةَ المَأجورينَ ويَعملونَ على تَصْفِيَةِ الرُّومان. فقد كانوا يَغتالونَ بعضَ الشَّخصيَّاتِ المُهِمَّة، أو يَقومونَ بأعمالٍ ثَوريَّة. ولكِنَّ كُلَّ ذلك كانَ يُؤدِّي إلى ثَأرِ الرُّومانِ منهم. وأخيرًا، في سنة 70 ميلاديَّة، سَئِمَ الرُّومانُ مِنْ رُدودِ فِعلِ الغَيورينَ، وَسَئِموا مِن هذا النَّوعِ مِنَ الأعمالِ، فأرسَلوا "تيطُس فيسباسيان" (Titus Vespasian) في سنة 70 ميلاديَّة على رأسِ جيشٍ رُومانيٍّ فَجاءوا ودَمَّروا أورُشليمَ حَرفيًّا. فقد دَمَّروا المدينة، وسَحَقوا الشَّعبَ، وقَتلوا مليونَ شخصٍ.

ولكِنَّ هذا لم يكن الحَدَثَ الأسوأ. ففي الفترة الواقعة بين سنة 132 و 135 ميلاديَّة، أيْ بعدَ نحوِ سِتِّينَ سنة، جاءَ رَجُلٌ يُدْعى "هيدريان" (Hadrian) مِنْ روما، وَاجْتاحَ كُلَّ أرضِ إسرائيل، وذَبَحَ كُلَّ الشَّعبِ، ودَمَّرَ كُلَّ المُدُنِ، ومَسَحَ أُمَّةَ إسرائيل حَرفيًّا ولم يُبْقِ لَهُمْ أيَّ وُجودٍ كأُمَّة. وأنا أقولُ لكم ذلك لكي أُعطيكم صورة عَمَّا أرادوه. فقد أرادوا شخصًا يَدْحَر رُوما. وكانَ الغَيورونَ يُؤمنونَ أنَّ ذلكَ يُمكن أنْ يَتَحَقَّق عَسكريًّا. وكانَ الفَرِّيسيُّونَ والقادة الدينيُّونَ الآخرونَ يَظُنُّونَ أنَّ ذلكَ يُمكن أنْ يَتحقَّق مِن خلالِ عَمَلٍ مُعجزيٍّ يقومُ به المسيَّا. ولكنَّهم كانوا مُخطئين.

فكما تَرَوْن، لقد كانوا مُخطئين. فيسوعُ لم يأتِ لتحقيقِ هذا الهدف. فقبلَ أنْ يَنالَ اليَهودُ الاستقلالَ، يجب أنْ يَنالوا الخلاصَ. فيجب أنْ يَحدُثَ ذلكَ أوَّلاً، ويجب أنْ يَخْضَعُوا. لِذا فقد كانت خُطَّةُ اللهِ مُختلفة عَمَّا تَوَقَّعوه. وعندما ابتدأَ يَسوعُ يَتحدَّث بالطَّريقةِ الَّتي تَكَلَّمَ بها في العِظَة على الجَبَل، يمكنكم أنْ تَتخيَّلوا رَدَّهَ فِعلهم. فقد كانوا يَتوقَّعونَ أنْ يأتي المسيَّا على فَرَسٍ أبيض. وكانوا يتوقَّعونَ أنْ يأتي المسيَّا على فَرَسٍ وَهُوَ يَحْمِلُ سَيْفًا مَسلولًا فَيَقْضي فَجأةً على العَدُوِّ. ولكِنْ ها هو يأتي ويقولُ: "طُوبَـى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ...طُوبَـى لِلْحَزَانَى...طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ". وقد رَاحُوا يُناجُونَ أنفُسَهُم قائلين: "ما هذا المَسِيَّا؟ وما هذا الجَمْعُ الَّذي سيَجْمَعُهُ مِنْ حَوْلِه؟ فَمَنْ يُريدُ مَجموعَةً مِنَ الأشخاصِ المَساكين؟ ومَنْ يُريدُ مَجموعَةً مِنَ الوُدَعاءِ؟ فهؤلاءِ لن يتمكَّنوا مِنْ دَحْرِ رُوما".

لِذا فقد خَيَّبَ رَجاءَ النُّشَطاءِ الدِّينِيِّينَ لأنَّهُ لم يُشْعِلْ ثَورَةً. وقد خَيَّبَ رَجاءَ المُتديِّنينَ لأنَّهُ كانَ يَشفي النَّاسَ وَحَسْب. فهو لم يُدَمِّر روما بمُعجزاتٍ قويَّة. فهو لم يَفعل ذلك. وكما تَرَوْنَ، هذا هو السَّبب في أنَّهم حينَ رَأوا في نهايةِ المطافِ أنَّ الرُّومانَ قَبَضوا على يَسوعَ، وحينَ رأوا يَسوعَ أخيرًا في قبضتهم، ونَظروا إليهِ واقفًا إلى جانبِ باراباس، ورأوا حالَتَهُ المُزرية بعدَ أنْ أَمَرَ بيلاطُسُ بِضَرْبِهِ، وسَحْقِهِ، وتَعذيبِه، وجَلْدِهِ، وَوَضْعِ تاجٍ مِنَ الشَّوكِ على رأسه، وبعدَ أنْ رَأَوْا أنَّهُ لا صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فينظروا إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ يَجْعَلُهُ جَذَّابًا (كما جاءَ في إشعياء 53): "لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ"، بعدَ أنْ رَأَوْا ذلكَ قالوا: "انسوا الأمرَ. إنَّهُ ليسَ المَسِيَّا الَّذي نُريد".

لذا فقد صَرَخوا قَائِلِينَ: "اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ! أَطْلِقْ لَنَا بَارَابَاسَ! أَطْلِقْ لَنَا بَارَابَاسَ! فهو أقربُ إلى المَسِيَّا مِن هذا الشَّخص". وقد كَرِهوهُ بسببِ ذلك. وكما تَعلمونَ، فقد كَرِهوهَ لأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَهُم. وقد كَرِهوهُ لأنَّهُ لم يُحَقِّق أُمنياتِهم. وعندما ماتَ، انْتَهَوْا مِنْهُ. وكانت تلك هي القَشَّة الأخيرة. فعندما جاءَ بَقِيَّةُ الشَّعبِ وقالوا: "لقد كانَ هذا المَسِيَّا"، قالوا لهم: "اسمعوا. لقد ماتَ على صَليب. والعهدُ القديمُ يقول: ’مَلعونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ على خَشَبَة‘. لذلك، لا تقولوا لنا أنَّ مَسيحَنا شَخصٌ مَصلوبٌ مَلعون. ولا تقولوا لنا أنَّ المسيَّا جاءَ ومَضى دونَ أنْ يَدْحَرَ رُوما. ولا تقولوا لنا أنَّ المسيَّا جاءَ ومَضى دونَ أنْ يُغَيِّرَ أحوالَنا في العالَم. فهذا ليسَ المسيَّا". وقد رَفَضُوا حَتَّى أنْ يُصَدِّقوا قيامَتَهُ، مَعَ أنَّها كانت حقيقيَّة. فمعَ أنَّ 500 شخصٍ رأوا ذلكَ، فقد رَفَضوا أنْ يُصَدِّقوها.

وحينَ وَقَفَ الرُّسُلُ لكي يَعِظوا، كانوا يَعِظونَ دائمًا عنِ القيامة. وكانوا يقولونَ دائمًا: "أَتَرَوْن! كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ المَسِيحَ يَتَأَلَّمُ. كانَ لا بُدَّ أنْ يتألَّم. وكانَ لا بُدَّ أنْ يَموت. فهذا هو ما يُعَلِّمُهُ العهدُ القديم. فلا بُدَّ أنْ يَحْدُثَ ذلك". وقد قالَ يَسوعُ لِتِلْميذَيْ عِمْواس: "لو كنتما تَعرفانِ الكُتُبَ المُقَدَّسَةَ لَعَرَفْتُمْ أنَّ هذا لا بُدَّ أنْ يَحْدُثَ هكذا". ولكنَّهم كانوا مُحْبَطينَ. لقد كانوا يَشعرونَ حَقًّا بخيبةِ أملٍ بسببِ يَسوع.

وقد ابتدأَ الأمرُ بِرُمَّتِه مِن هُنا لأنَّهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ سمعوهُ فيها يتكلَّم، قال: "طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ". ولكِنْ ما هذهِ الصَّفْقَة؟ فالغَنائِمُ هِيَ مِنْ نَصيبِ الأقوياءِ لا الودعاء. فقد كانَ ذلكَ مُناقِضًا لفلسفتهم بأسْرِها عنِ الحياة. ولكنَّهُ جاءَ كَعَبْدٍ. وكما تَرَوْنَ، فإنَّهم كانوا يَجهلونَ ما جاءَ في سِفْر إشعياء والأصحاحات 40-66. فقد كانوا يَجهلونَ هذا المقطعَ كامِلاً مِنْ سِفرِ إشعياء والذي يَمتدُّ مِنَ الأصحاح 44 إلى نهاية الأصحاح 66 ويتحدَّثُ عنِ المسيَّا بوصفِهِ العَبْدَ المُتألِّم. فقد كانوا يَجهلونَ عَهْدَهُم القَديمَ ويَجهلونَ ذلكَ المَقطع بِمُجمله. والحقيقة هي أنَّهُ عندما أَعلنَ هُوِيَّتَهُ فإنَّهُ اقتبسَ مِنْ إشعياء 61. وكما تَعلمونَ، فإنَّهُ قَرَنَ نَفْسَهُ بِمَجموعَةِ أُناسٍ أَدْنياء.

فهو يقول في إنجيل لوقا 4: 18: "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ". ويا لها مِنْ فِئاتٍ بائسة! فَهُوَ يَذْكُرُ العُمْيَ، والمُنْسَحِقينَ، والمَساكين، والمَشلولين. ويا لها مِنْ زُمْرَة!

وقد قالَ الرسولُ بولس في رسالة كورِنثوس الأولى: "لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفاء...لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَماء...لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ". فقدِ اختارَ اللهُ جُهَلاءَ العَالَمِ. وقد جاءَ يَسوعُ كَخادِمٍ. فهو لم يأتِ للإطاحَةِ بِرُوما، بل جاءَ ليَغْسِلَ أَرْجُلَ تلاميذِهِ غيرِ المُحِبِّين. وقد كانت حياتُهُ بأسرِها نَموذَجًا على التَّواضُع والخِدمة. وقد قال: "كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ". ولكنَّهُم أخفقوا في رُؤيةِ النُّقطة الجوهريَّة. وَهُمْ لم يَكونوا يَعلمونَ حَتَّى سَبَبَ مَجيئِهِ. إنَّهُ التَّواضُعُ وَإنكارُ الذَّاتِ.

وهذا يُعطينا فِكرةً عَمَّا قالَهُ في هذه العِظَة. وإليكُم ما قالَهُ هُنا – لاحِظوا ما قال: "لن يَدْخُلَ المَلكوتُ المُكْتَفونَ ذاتيًّا، ولا الأبرارُ ذاتيًّا، ولا المُتفاخِرون، ولا الأقوياء، ولا المُتَعَجْرِفون، ولا الواثِقونَ بأنفسهم، ولا المُكْتَفون. وحَتَّى إنَّ المُتديِّنينَ لن يَدخلوا مَلكوتي. بل مَنْ سَيَدْخُلُهُ هُمُ المُنْكَسِرونَ، والنَّائِحونَ، والوُدعاءُ، والجِياعُ، والعِطاشُ، والرُّحَماءُ، والأنقياءُ القَلْبِ، وصانِعو السَّلامِ، والمُضطهَدون، والمَطرودون، والمُفْتَرى عليهم الذينَ لا يَنتقمونَ لأنفسهم. فهؤلاءِ هُمْ مُواطِنو مَلكوتي". وقد كانَ ذلكَ كَافِيًا لإثارةِ غَضَبِ قادَةِ اليهود.

فَقَدْ عَجِزوا عن تَصديقِ ذلك. فلا يُعْقَل أنْ يكونَ هذا هو المَسِيَّا: فقد قالَ إنَّ المُواطِنينَ الحَقيقيِّينَ للملكوتِ هُمْ هؤلاء". ويا لها مِنْ رِسالة ثَوريَّة! وقد نَسَيْنا ذلك. لقد نَسَيْنا ذلكَ حَقًّا. فنحنُ نَظُنُّ أنَّ اللهَ بحاجة إلى مَشاهير. ونحنُ نَظُنُّ أنَّ اللهَ بحاجة إلى أصحابِ المَكانَةِ والقُوَّة. ولكِنَّ الحالَ لم تَكُنْ كذلكَ يومًا. لم تَكُنْ كذلكَ قَطّ. فالأغنياءُ والمشاهيرُ لم يكونوا يومًا جُزْءًا مِنَ الملكوت. وقد جاءَ رَبُّنا وضَرَبَهُمْ في الصَّميم. فقد قال: "انظروا. هل تريدونَ أنْ تَدخُلوا ملكوتي؟ إنَّ الأشخاصَ الذينَ يَدخلونَ ملكوتي هُمُ المُفلسونَ روحيًّا (في العدد الثَّالث)، والحَزانى (في العدد الرَّابع)، والوُدَعاء (في العدد الخامِس)".

والآنْ، لنتحدَّث عن ذلك - عنِ الوُدَعاء. فَهُمْ مُختلفونَ عنِ المَساكين بالرُّوح. واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم ذلك. فجَذْرُ الكلمة يُشيرُ إلى الفِكرة نفسِها. فهي كلمة مُختلفة، ولكنَّ الفِكرة هي نفسُها. ولكِن اسمَحوا لي أنْ أُريكم شيئًا. في الحقيقة، هناكَ مَواضِع في الكتاب المقدَّس تُستخدَم فيها هاتانِ الكلمتانِ بالتَّبادُل. ولكِنْ يوجد فَرْقٌ جَميلٌ بينهما هُنا. لاحِظوا الآتي: إنَّ العِبارة "المساكين بالرُّوح" تُرَكِّزُ على حالتي الخاطئة. حسنًا؟ في العدد 3: "المساكين بالرُّوح" تُرَكِّز على حالتي الخاطئة. أمَّا الكلمة "وُدَعاء" فتُرَكِّز على قداسَة الله. فَهُما وُجْهانِ للشَّيءِ نفسِهِ. فأنا أكونُ مِسْكينًا بالرُّوح لأنِّي خاطئ، وأكونُ وَديعًا لأنَّ اللهَ قُدُّوسٌ جِدًّا في المُقابِل. فَهُما وَجْهانِ لِعِملَة واحِدَة.

ويمكننا أنْ نَنظُرَ إلى الأمر بطريقة أخرى. فالانكسارُ بالرُّوح هوَ الجانبُ السَّلبيُّ؛ وَهُوَ يُؤدِّي إلى الحُزْن. أمَّا الوَداعة فهي الجانبُ الإيجابيُّ؛ وَهي تُؤدِّي إلى الجَدِّ في طَلَبِ البِرّ. أَتَرَوْن؟ إنَّها الوَجْهُ الآخَرُ لهذا الشَّيء. وهذا هُوَ جَمالُ التَّتابُع. فَنَحْنُ نَجِدُ تَسَلْسُلاً هُنا. فأوَّلاً، هناكَ شُعورٌ بالانكسار، وإحْساسٌ هائلٌ بالخطيئةِ وبتأثيرِها السَّلبيِّ؛ وَهُوَ أمرٌ يُؤدِّي إلى الحُزْن. ثُمَّ فجأةً، تَبتدِئونَ في رُؤية الوَجْهِ الآخَرِ لهذا الأمر. فأنتُم تَبتدئونَ في رُؤية الله القُدُّوس. وهذهِ وَداعَة. ثُمَّ إنَّكُم تَبتدئونَ في التَّمَثُّلِ بقداسَتِه. هل تَرَوْنَ التَّتابُع والتَّسلسُل؟

"طُوبى!" فيسوعُ يَقول: "يا لِسَعادَة"، أوْ: "يا لِغِبْطَة". ويا للرَّوعة! فهذهِ التَّطويباتُ هي لأشخاصٍ كهؤلاء؛ أيْ لأشخاصٍ (لاحظوا ما سأقول) لأشخاصٍ واقِعِيِّينَ بخصوصِ خطيئتهم، ولأشخاصٍ يَتوبونَ عن خطاياهم، ويَتجاوبونَ معَ الله. أمَّا غيرُ المُطَوَّبينَ، وغيرُ المَغبوطينَ، والذينَ لا يَدخلونَ المَلكوتَ فَهُمُ المُتَكَبِّرونَ، والمُكْتَفونَ ذاتيًّا، والأبرارُ في أعْيُنِ أنفسهم، وغيرُ التَّائبين، وقُساةُ الرِّقابِ، والمُتفاخِرون. وقد كانَ ما قالَهُ يسوعُ مُدَمِّرًا. يا للهَوْل!

وكما تَرَوْن، فقد كانَ الغَيورونَ يقولون: "نحنُ نُريدُ مَسِيَّا عَسْكَرِيّ. ونحنُ نُريدُ مَلكوتًا عَسكريًّا". أمَّا الفَرِّيسيُّونَ فكانوا يقولون: "نحنُ نُريدُ مَسيَّا مُعْجِزيّ. ونحنُ نُريدُ مَلكوتًا مُعْجِزِيًّا". وبالمناسبة، كانَ الصَّدُّوقيُّونَ يقولون: "نحنُ نُريدُ مَلكوتًا مادِّيًّا". فقد كانوا جَماعَةَ المادِّيِّين. وأعتقد أنَّ الأَسينيِّينَ كانوا يَجلسونَ في صَوْمَعَتِهِمْ ويَقولون: "نحنُ نُريدُ مَلَكوتًا رَهْبانِيًّا". ولكِنَّ يسوعَ قال: "سوفَ أُعطيكم مَلوكتًا وَديعًا". فالملكوتُ لن يكونَ ماديًّا. ولن يكونَ رَهْبانيًّا. ولن يكونَ عسكريًّا. ولم يكونَ مُعجزيًّا. بل سيكونُ مُتاحًا للوُدَعاء.

ولِعِلْمِكُم، فإنَّ عالَمَنا ما زالَ يُواجِهُ صُعوبَةً في قَبولِ ذلك. فعالَمُنا يَقْرِنُ السَّعادَةَ والنَّجاحَ بالقُوَّة، والثِّقة، والاعْتِدادِ بالنَّفْسِ، وبَقاءِ الأصْلَح، والفُتوحاتِ، والقُدرة. ولكِنَّ يسوعَ لم يكن مِنْ هذا النَّوع. فملكوتُهُ هُوَ مِنْ نَصيبِ الوُدَعاء.

وفي أفسُس 4، أتَذكرونَ ما الَّذي دَرَسْناهُ هُناك؟ فسوفَ نُسَلِّطُ الضَّوْءَ على العَديدِ مِنْ أَوْجُهِ التَّشابُهِ في هذا المساء. أفسُس 4: 1: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا". وكيفَ أَسْلُكُ يا بولُس؟ "بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَوَدَاعَةٍ". فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. فملكوتُ اللهِ هُوَ مِنْ نَصيبِ الوُدَعاء. كذلك، نقرأ في رِسالة تيطُس 3: 2: "وَلاَ يَطْعَنُوا فِي أَحَدٍ، وَيَكُونُوا غَيْرَ مُخَاصِمِينَ، حُلَمَاءَ، مُظْهِرِينَ كُلَّ وَدَاعَةٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ". فالأمرُ بَسيطٌ جِدًّا. أَظْهِروا كُلَّ وَداعَةٍ لِجَميعِ النَّاسِ. ونقرأ في رسالة كولوسي 3: 12: "فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً".

وكما تَرَوْنَ فإنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَقولُ المَرَّة تلو الأخرى أنَّ الأشخاصَ الذينَ يَدخلونَ ملكوتَ اللهِ هُمُ الوُدعاء. وبالمُناسبة، يا أحبَّائي، لا يوجد ما هُوَ جَديدٌ في ذلك. فمِعيارُ اللهِ كانَ وما يَزالُ كَما هُوَ. فإذا رَجَعتُم إلى العهدِ القديم، سَتَجدونَ أنَّهُ يتحدَّثُ بالطَّريقةِ نفسِها. فيمكنكم أنْ تَرَوْا أنَّ الوَداعةَ هُناكَ هِيَ مِعيارُ اللهِ.

وأعتقد أنَّ المزمورَ 22: 26 يَقول (اسمَعوا): "يَأْكُلُ الْوُدَعَاءُ وَيَشْبَعُونَ. يُسَبِّحُ الرَّبَّ طَالِبُوهُ. تَحْيَا قُلُوبُكُمْ إِلَى الأَبَد". فالحياةُ الأبديَّة، كَمَا تَرَوْنَ، هي مِنْ نَصيبِ الوُدعاء...مِنْ نَصيبِ الوُدعاءِ، لا المُتَكَبِّرين. ونقرأ في المزمور 25: 9: "يُدَرِّبُ الْوُدَعَاءَ فِي الْحَقِّ [ثُمَّ استمعوا إلى هذهِ الكلمات]، وَيُعَلِّمُ الْوُدَعَاءَ طُرُقَهُ". فاللهُ يَخُصُّ الوُدَعاءَ. ونَقرأُ في نهايةِ سِفْرِ المَزامير (وتَحديدًا في المزمور 147: 6): "الرَّبُّ يَرْفَعُ الْوُدَعَاءَ".

وكما تَرَوْن، فإنَّ اللهَ يَتحدَّثُ دائمًا عن ذلك. فهي أولويَّة لديه. وهؤلاءِ هُمْ أولادُهُ. فنحنُ نقرأ في إشعياء 29: 19: "وَيَزْدَادُ الْبَائِسُونَ فَرَحًا بِالرَّبِّ". وكَما تَرَوْنَ، فإنَّ الخَلاصَ والتَّعليمَ والبَرَكة والفَرَح هي مِنْ نَصيبِ الوُدَعاء.

حسنًا! لقد رَكَّزْتُ لكم على إنَّ يَسوعَ جاءَ وكَرَزَ بأنَّ ملكوتهُ هو مِنْ نَصيبِ الأشخاصِ الذينَ يَتَّصِفونَ بالوَداعَة. والآنْ، سوفَ أَطرَحُ خمسةَ أسئلة في هذا المساء وأرى إنْ كانَ بمقدورنا أنْ نُجيبَ عنها على أَمَلِ أنْ يُساعِدَنا ذلك في فَهْمِ مَعنى هذا النَّصِّ. السُّؤالُ الأوَّل: ما مَعنى الوَداعة؟ ما مَعنى أنْ تكونَ وَديعًا؟ ما هي الوداعة؟ ويجب علينا أنْ نُجيبَ عن هذا السؤال. فإنْ كانَ الأشخاصُ الوحيدونَ الذينَ يمتلكونَ السَّعادة هُمُ الوُدعاءُ، ويجب علينا أنْ نكونَ فَرِحين، مِنَ الأفضَل أنْ نَعْرِفَ مَعنى الوداعة. فما هي الوداعة؟

حسنًا! لاحِظوا في العددِ الخامِسِ أنَّ الوَداعَة تَنْبُعُ مِنْ صِفاتٍ أخرى كالمَسْكَنَة بالرُّوح، والحُزْن. لذا، أيَّا كانَ مَعنى الوداعة، فإنَّها تَنْبُعُ مِنْ هاتينِ الصِّفَتَيْن. فالوداعةُ تَنْبُعُ مِنْ تلكَ القلوبِ المَسْحوقة بالرُّوح والحَزينة. ونَجِدُ في المُعْجَمِ تَعريفًا غَريبًا. فقد بَحَثْتُ عنْ مَعنى الكلمة "وَداعَة" في المُعجَمِ فوجدتُ أنَّهُ يقول: "انْعِدامُ الشَّجاعَة". "طُوْبَى للجُبَناء؟" إنَّ هذا خَطَأ. فهذا التَّعريفُ مُغايِرٌ لتعريفِ الكتابِ المقدَّسِ للوَداعة. فالوداعةُ ليست هكذا.

وبعدَ أنْ بَحَثْتُ أكثر، وَجَدْتُ أنَّ الكلمة "وَديع" مُشتقَّة مِنْ كلمة يونانيَّة. فالجَذْرُ هو "براس" (praus)، ومَعْناهُ في الأصل: "لَطيف وَرَقيق وَمُتَرَفِّق"...لَطيف وَرَقيق وَمُتَرَفِّق. لِذا فإنَّ الفِكرة هي أنْ يكونَ المرءُ لَطيفًا ومُتَرَفِّقًا ورَقيقَ القَلْبِ. فهو شخصٌ طَويلُ الأناة. وهو شخصٌ لَيِّنُ العَريكَة، وَهَلُمَّ جَرَّا. وهذا هو مَعنى الجَذْر: لَطيفٌ، وَرَقيقٌ، وَمُتَرَفِّقٌ، وطَويلُ الأناةِ، ورَؤوفٌ، وهادئٌ، ومُذْعِنٌ، ولَيِّنُ العَريكَة.

واسمحوا لي أنْ أُوَضِّحَ المَعنى مِن خلالِ بعض استخداماتِ الكلمة. فقد كانت تُستخدَمُ غالبًا لِوَصْفِ الدَّواءِ المُسَكِّن. وقد استُخدمَتْ أحيانًا لوصفِ الهواءِ العَليل. وقد استُخدمت أحيانًا لوصفِ مُهْرٍ (أيْ حِصانٍ صَغيرٍ) أُصيبَ بِكَسْرٍ فَصارَ يُستخدَمُ في المَنزل لغاياتٍ مُفيدة. لِذا فقد كانت هذه الكلمة تُستخدمُ لوصفِ شيءٍ مُسَكِّنٍ، أو شيءٍ لَطيفٍ، أو شيءٍ مُهَدِّئٍ جِدًّا. فَضْلاً عن ذلك، يُقالُ إنَّها كانت صِفَةً مِنْ صفاتِ يسوع. ففي 2كورنثوس 10: 1، نَقرأُ عن وَداعةِ المسيح... عن وداعةِ المسيح. وفي مَتَّى 21: 5، نَقرأُ عن وداعةِ المسيح. فالآيةُ تقول: "هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعًا، رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ".

فعندما دَخَلَ يسوعُ المدينة، فإنَّهُ لم يَدخُل على حِصانٍ أبيض فاتِحًا وَغازِيًا. بل إنَّهُ جاءَ راكبًا على أتانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتان. وقد كانت تلك وَاسِطَةُ النَّقْلِ الَّتي تَستخدمها الطَّبقةُ الفقيرة. فقد كانَ وَديعًا. كذلك، اسمحوا لي أن أقول لكم شيئًا عن هذه الكلمة. فهي تُشير إلى الشخصيَّةِ اللَّطيفة، والوديعة، والخاضِعَة. ولكِنْ لاحِظوا أنَّها لا تُشيرُ إلى الضُّعْف. بل إنَّها قُوَّة تحتَ السَّيطرة. افهموا هذا التَّعريف. وقد شاركنا هذا معكم في دراستنا لرسالة أفسُس. فهي قُوَّة تحت السَّيطرة. حسنًا؟ قُوَّة تحت السَّيطرة.

وهي تَنْشَأُ عَنْ إخْلاءِ الذَّاتِ، وعنِ الاتِّضاع. وهي الانكسارُ أمامَ اللهِ. وهي تَرويضُ الأسد. أتذكرونَ حينَ قلتُ لكم ذلك؟ فهي ليست قَتْل الأسد، بل هي قُوَّة تحتَ السَّيطرة. وهي ما نقرأ عنهُ في رسالة أفسُس 4: 26. فَلا بأسَ أنْ تَغْضَب. ولكنْ لا تُخطئ. بعبارة أخرى، اسْمَحْ لذلكَ أنْ يكونَ غَضَبًا مُقَدَّسًا، وغضبًا تَحْتَ السَّيطرة لتحقيقِ مقاصِدِ الله. لذلك، لا تَغضبْ إنْ أساءَ أحدُهُم إليكَ شَخصيًّا، بلِ اغضبْ إنْ أَساءَ إلى اللهَ. أَتَرَوْن؟ إنَّهُ غَضَبٌ للأسباب الصحيحة وفي الوقت الصَّحيح.

فالوداعةُ لا تَعني العَجْزَ، بل هي قُوَّة تحت السَّيطرة. وإذا تأمَّلتُم في سِفْرِ الأمثال 25: 28 ستُلاحظونَ أنَّها تقول: "مَدِينَةٌ مُنْهَدِمَةٌ بِلاَ سُورٍ، الرَّجُلُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى رُوحِهِ". فهذه قُوَّة خارِجَة عنِ السَّيطرة. فأنتَ لديكَ قُوَّة، ولكنَّكَ لا تستطيع أنْ تُسيطر عليها. لِذا فإنَّها مِثلَ مدينة مُنهَدِمَة. مِن جهة أخرى، نقرأ في أمثال 16: 32: "اَلْبَطِيءُ الْغَضَبِ خَيْرٌ مِنَ الْجَبَّارِ، وَمَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً". بعبارة أخرى، إنَّ ضَبْطَ النَّفْسِ هُوَ وَداعَة. أمَّا عَدَمُ ضَبْطِ النفسِ فهو قِلَّة وداعة. فالوداعة هي قُوَّة تحت السَّيطرة.

ولننظر إلى الوداعة مِن زاويةِ استخدامِ الإغريقِ لها. فقد قُلتُ لكم إنَّهم كانوا يَستخدمونَها للإشارة إلى الدَّواءِ المُسَكِّن. فالدَّواءُ الَّذي يُسْتَخْدَم بمعايير صحيحة يكونُ مُفيدًا. أمَّا إذا لم يُستخدَم كما يجب فإنَّهُ قد يَكونُ مُميتًا. وقد كانوا يَستخدمونَ هذه الكلمة للإشارة إلى حَيَوانٍ أُصيبَ بِكَسْرٍ ولكنَّهُ ما يَزالُ مُفيدًا. فالمُهْرُ غيرُ المَكسور والحِصانُ غيرُ المَكسور قد يكونُ مُدَمِّرًا. ولكِنَّ الحِصانَ المَكسورَ يكونُ مُفيدًا. وقد كانوا يَستخدمونَها لوصفِ النَّسيمِ العَليل. فالنَّسيمُ العَليلُ يُهَدِّئ ويُلَطِّف. أمَّا الإعصارُ فيَقتُل لأنَّهُ خارِجٌ عنِ السَّيطرة. ولكنَّ القُوَّةَ الَّتي تحتَ السَّيطرة هي وَداعة.

وقد عَبَّرَ كاتِبٌ عن هذه الكلمة تَعبيرًا جميلاً فقال: "الوَداعةُ هي ثَمَرُ الرُّوح" (وهذا مذكورٌ في غلاطيَّة 5). "الوداعة هي ثَمَرُ الرُّوحِ الموجود في تُربة المَسْكَنَة الرُّوحيَّة، والتَّوبة، والنَّوْح. إنَّها زَهْرَة بَديعَة تَتَغَذَّى على رَمادِ مَحَبَّةِ الذَّاتِ، وعلى قَبْرِ الكِبرياء. فَمِنْ جهة، فإنَّ الإنسانَ يَرى فَسادَهُ التَّامَّ، وعَدَمَ استحقاقِهِ، وبُؤسَهُ. ومِن جهة أخرى، فإنَّهُ يَتأمَّلُ في لُطْفِ ورَحمةِ اللهِ والمسيحِ يسوع. وهذه الصِّفَةُ الداخليَّةُ تَعني تَفريغَ القَلْبِ؛ وهو أَمْرٌ يُؤدِّي مِنْ خلالِ قَبولِ حَالَتِهِ المُزْرِيَة وَقَبولِ رَحمةِ اللهِ الكثيرة إلى جَعْلِهِ رَقيقًا جِدًّا، ولطيفًا، ورقيقًا، ولَيِّنًا، وطَيِّعًا إلى أنْ يَزولُ مِنْهُ كُلُّ أثرٍ سابقٍ للخشونة والطَّبيعة القاسية وغير المُهَذَّبة".

فالوداعةُ هي عكسُ العُنفِ، وعكسُ الانتقام. فالإنسانُ الوَديعُ هو الَّذي تَعَلَّمَ ما جاءَ في عبرانِيِّين 10: 34: "وَقَبِلْتُمْ سَلْبَ أَمْوَالِكُمْ بِفَرَحٍ، عَالِمِينَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنَّ لَكُمْ مَالاً أَفْضَلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَبَاقِيًا". فالشخصُ الوديعُ هو شخصٌ ماتَ عن ذاته. وسوفَ يَتَّضِحُ ذلكَ لكم بعد قليل. فالشخصُ الوديعُ هو شخصٌ ماتَ عن ذاته. وَهُوَ لا يَقلَق على جِراحِهِ الشَّخصيَّة. وَهُوَ لا يَحْمِل في قلبِهِ أيَّة ضَغينَة. وهل تَذكرونَ ما أخبرتُكم بهِ عَمَّا قالَهُ "جون بَنْيان" (John Bunyan)؟ "الشَّخصُ المَطروح أصلاً في الأسفل لا يمكن أنْ يَسقط". فلا يوجد لديه ما يَخسرُه. والشَّخصُ الوديع لا يُدافع عن نفسه لأنَّهُ يَعلمُ أنَّهُ لا يَستحقُّ أيَّ شيء. وهو لا يَغضب بسبب ما يَحْدُث لهُ لأنَّهُ لا يَستحقُّ أيَّ شيء.

الوَداعة. هذا هو الوَصْفُ الَّذي أَطْلَقَهُ يسوعُ على الأشخاصِ الَّذينَ يَدخُلونَ ملكوتَه. فَهُمْ لا يُدافعونَ عن أنفسهم. وَهُمْ لا يَركضونَ مِنْ مكانٍ إلى آخر للمُطالبة بحقوقهم. فَهُمْ يَعلمونَ أنَّهم لا يَملكونَ شيئًا. وَهُمْ يَشعرونَ بالانكسارِ في الرُّوحِ على الخطيَّة. وَهُمْ يَنوحونَ ويَبكونَ على عواقِبِها. وَهُمْ يَقفونَ باتِّضاعٍ أمامَ اللهِ القُدُّوس ولا يَشعرونَ أنَّهُ يوجد فيهم ما يَستحقُّ المَدْحَ.

إنَّها قُوَّة تحتَ السَّيطرة. وَهُمْ يَتَّكلونَ على اللهِ. وهُمْ يَفرحونَ به. واللهُ يَعِدُ بأنْ يُعطيهم الأرضَ. فالوداعةُ ليست جُبْنًا. وهي ليست رَخاوَةً. وهي ليست ضَعْفَ قَناعاتٍ. وهي ليست لُطفًا بشريًّا وحسب. فَلِسانُ حَالِ الوداعة هو: "مِنْ جِهَتي، ليسَ شَيءٌ مُستطاع. أمَّا في اللهِ فإنَّ كُلَّ شيءٍ مُستطاع". ولسانُ حَالِ الوداعة هو: "لأجلِ نَفسي، لن أُدافِعَ عن ذاتي. ولأجْلِ اللهِ، سأبْذلُ حياتي. ولأجلِ اللهِ، أنا مُستعدٌّ للموت". وهي ليست قبولاً سلبيًّا للخطيَّة، بل هي غَضَبٌ تحتَ السَّيطرة. فهي غَضَبٌ مُقَدَّس.

وإليكم هذا المَثَل التَّوضيحيّ: "لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ". وهذه هي الوداعة الحقيقيَّة. فهو "لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ". والآن، ابتدئوا مِن هُناك. فهو لم يَفعل خطيَّة. لِذا، أيًّا كانَتِ التُّهمةُ المُوَجَّهة إليهِ مِنْ أيِّ شخصٍ فإنَّها تُهمة زائفة. وأيًّا كانَ العِقابُ الَّذي قد يُعاقب به فإنَّهُ عِقابٌ خاطئ. وحينَ أساءوا إليهِ، كانوا على خطأ. وحينَ قالوا عنهُ كلامًا سَيِّئًا، كانوا مُخطئين. وحينَ سَخِروا منه، كانوا يَكذبون لأنَّهُ لم يَفعل شيئًا خاطئًا. فهو لم يَفعل خطيَّة. وَهُوَ لم يكن ماكِرًا. فهو لم يَفعل أيَّ شيءٍ خاطئ.

ومعَ أنَّهُ لم يكن يومًا مُستحقًّا لأيِّ نَقْدٍ، إليكم ما فَعَلَهُ حينَ تَعَرَّضَ للإساءة (كما هُوَ مَذكورٌ في العدد 23: "بل إنَّهُ إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ؛ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْل".

تَوَقَّفوا هنا. فهذه هي الوَداعة. فيسوعُ لم يُدافِع قَطّ عن نفسه. قَطّ. ولكِنْ حينَ نَجَّسوا هَيْكَلَ أبيه، صَنَعَ سَوْطًا وابتدأَ يَطْرُدهم. أليسَ كذلك؟ فَلِسانُ حَالِ الوداعة هو: "أنا لن أُدافعَ عَنْ نفسي، ولكنِّي مُستعدٌّ للموتِ دِفاعًا عنِ اللهِ". هذه هي الوداعة: "أنا لن أُدافعَ عَنْ نفسي، ولكنِّي مُستعدٌّ للموتِ دِفاعًا عنِ اللهِ".

لقد طَهَّرَ يسوعُ الهيكلَ مَرَّتين. وقد غَضِبَ على المُرائين. وقد أَدانَ قادةَ إسرائيل الزَّائفين. وقد نَطَقَ دونَ خَوْفٍ بالدَّينونة الإلهيَّة على الشَّعب. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقول إنَّهُ كانَ وديعًا. فالوداعةُ ليست عَجْزًا. بل إنَّ الوداعةَ هي قُوَّة أَسْتَخْدِمُها فقط للدِّفاعِ عنِ اللهِ، لا للدِّفاعِ عن نفسي.

فهو لم يَستخدمها قَطّ للدفاع عن نفسه. فقد كان بمقدوره أنْ يَستدعي جَيشًا مِنَ الملائكة، ولكنَّهُ لم يَفعل لأنَّهُ لم يَفعل قَطّ شيئًا للدفاع عن نفسه. وقد كان بمقدوره أنْ يَستدعي اثني عشرَ جيشًا مِنَ الملائكة. إذًا، ما معنى أنْ تكونَ وَديعًا؟ ما مَعنى هذا المفهوم؟ إنَّهُ يَعني: قُوَّة تحتَ السَّيطرة. فإذا نَظرتَ إلى نفسِك ووجدتَ أنَّكَ مِسْكينٌ بالرُّوح لأنَّكَ تُدركَ خطيئتك، ثُمَّ حزِنْتَ على خَطيئتك وأدركتَ أنَّكَ لا تَستحقُّ شيئًا، فإنَّكَ لن تَجِد ما تُدافِع عنه. ولكنَّكَ تَرى قَداسةَ اللهِ. وحينَ تَرى قَداسةَ اللهِ، فإنَّكَ تُبْدي استعدادَكَ للموتِ دِفاعًا عنِ اسْمِه القُدُّوس. أَتَرَوْن؟

ويا للهَوْل! لقد كانت تلك صَدمة قويَّة لهؤلاءِ اليهود. فقد صَرَفَ هؤلاءِ اليهود كُلَّ وقتهم في الدفاع عن قداستهم. وكانوا مُرائين. وَهُمْ لم يَدخلوا يومًا مَلكوتَهُ لأنَّهم لم يَعرفوا يومًا مَعنى الوَداعة. فقد كانت قُوَّتُهم خارِجَ السَّيطرة. وقد كانوا يَقْمَعونَ وَيُحَطِّمونَ كُلَّ مَنْ يُسيء إليهم. وهذه ليست وَداعة.

السُّؤالُ الثَّاني: كيفَ تُعْلِنُ الوَداعَةُ عن نَفسِها؟ يمكننا أنْ نَفهمَ الوداعةَ على نحوٍ أفضل إنْ رَأيناها تَعمَل. لذلك، اسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم بعضَ الأمثلة التوضيحيَّة. وقد شارَكْتُ بعضًا مِن هذه الأمثلة معكم حينَ دَرَسنا رسالة أفسُس. وسوفَ أُقَدِّمُ لكم تلكَ الأمثلة مَرَّة أخرى. والآنِ اسمعوني: كيفَ تَعْمَلُ الوَداعة؟ لكي تَعلموا أينَ أنْتُمْ مِنْها.

أوَّلاً، أرجو أنْ تَنظروا إلى تكوين 13. لِنَرجِع إلى سِفْر التَّكوين. وهي قِصَّة رائعة جِدًّا. والقصَّة هي عن إبراهيم. وأنا أُحِبُّ هذه القِصَّة. فقد كانَ إبراهيمُ يَعيشُ في أُوْرِ الكَلْدانِيِّين. وكانت أُوْر مَدينة عِلمانيَّة. وقالَ اللهُ لإبراهيم: "إبراهيم. لقد اخْتَرْتُكَ. انهَض يا إبراهيم، واذهب مِن هذه المدينة إلى الأرضِ الَّتي أُرِيك".

وفي الأصحاح 12، قَطَعَ اللهُ مَعَ إبراهيمَ عَهْدًا عظيمًا. فقد قَالَ الرَّبُّ: "سوفَ أَقْطَعُ مَعَكَ عَهْدًا لن تُصَدِّقَهُ لِرَوعَتِه. فسوفَ يكونُ لَكَ نَسْلٌ كَنُجومِ السَّماءِ وَرَمْلِ البَحْرِ. إبراهيم! سوفَ أُعطيكَ أرضًا. إبراهيم! سوفَ أُعطيكَ عَهْدًا لا مَثيلَ لَهُ. فقد اخْتَرْتُكَ يا إبراهيم! وَمِنْ صُلْبِكَ ستَخْرُجُ أُمَّة". وهذا هوَ العَهْدُ الإبراهيميُّ الرَّائع. فقد كانَ إبراهيمُ رَجُلاً اخْتارَهُ اللهُ.

وكانَ إبراهيمُ قد أَخَذَ مَعَهُ ابْنَ أَخيه. وكانَ اسْمُ ابْنِ أخيه: "لُوْط". انظروا إلى العدد 7: "فَحَدَثَتْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنَ رُعَاةِ مَوَاشِي أَبْرَامَ وَرُعَاةِ مَوَاشِي لُوطٍ". توقَّفوا هُنا. فقد حَدَثَتْ مُخاصَمَة كبيرة بينَهُم بخصوصِ مَنْ سيَحصل على المَرْعَى الأفضَل. أَتَرَوْن؟ وكما تَعلمونَ، إذا فَكَّرنا في الأمر بطريقة عاديَّة، رُبَّما نَظُنُّ أنَّ إبراهيمَ سيقول: "اسمَعني يا صَديقي! مَنِ الَّذي حَصَلَ على العهد – أنتَ أَمْ أنا؟" "أنتَ يا عَمّ إبراهيم". "إذًا لا تَنسى ذلكَ البَتَّة يا بُنَيّ. أنا مَنْ حَصلتُ على العهد". أَتَرَوْن؟ فقد كانَ بِمَقدورِهِ أنْ يَحْسِمَ الأمر. أليسَ كذلك؟ بسهولة. فقد كانَ إبراهيمُ صَاحِبَ الحَقِّ. فقد كانَ رَجُلَ الله. وكانَ لَدَيْهِ الخِيار. وكانَ قد حَصَلَ على العهد. أمَّا لُوْط فلم يكن سِوى قَريبَ إبراهيمَ الَّذي جاءَ بِرِفْقَتِه. وقد تَقول: "وكيفَ تَعامَلَ إبراهيمُ معَ الموقِف؟"

انظروا إلى العدد 8: "فَقَالَ أَبْرَامُ لِلُوطٍ: «لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ. أَلَيْسَتْ كُلُّ الأَرْضِ أَمَامَكَ؟ اعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالاً فَأَنَا يَمِينًا، وَإِنْ يَمِينًا فَأَنَا شِمَالاً".

ويا للعَجَب! فهو يقول: "لا أريدُ، يا لوط، أنْ تكونَ بيننا هذه المُخاصَمة. خُذِ الأرضَ الَّتي تَشاء. وأنا سآخُذُ الأرضَ الأخرى". هل جُنِنْتَ يا إبراهيم؟ هل ستتَخَلَّى عنْ أفضلِ أرض؟ إنَّها الوداعة. وهل كانَ إبراهيم يَملك القوَّة لأخذِ الأرضِ الَّتي يُريد؟ لقد كانَ إبراهيم يَملك القدرة على التَصَرُّفِ كَما يَشاء مَعَ لُوْط. لقد كانَ يملكُ القُوَّة، ولكنَّهُ لم يَستخدم قُوَّتَهُ يومًا للدِّفاعِ عن نفسه. وهذا خُضوعٌ جميلٌ لله.

وقد كانَ يَعلمُ في قلبه أنَّ اللهَ مُسيطِر، وأنَّهُ إنْ ذَهَبَ لوطٌ شِمالاً فإنَّ اللهَ سيَجعلُ ذلكَ لِخَيْرِه، وأنَّهُ إنْ ذَهَبَ لوطٌ يَمينًا فإنَّ اللهَ سيجعلُ ذلكَ لخيرِهِ أيضًا. إنَّها الوَداعة. وقد كانَ يملكُ الحَقَّ والقُوَّة، ولكنَّه لم يستخدمهما يومًا لمصلحته الشَّخصيَّة. ويجب علينا، يا أحبَّائي، أنْ نَتعلَّمَ ذلكَ الدَّرس. فهذه وَداعة. وفي نهايةِ المَطاف، حينَ تُدرك أنَّكَ لستَ سِوى شخصًا خاطئًا، فإنَّكَ سَتَتَعَلَّمُ مَا جاءَ في رسالة رُومية 12: 10: "مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الكَرَامَة". تَمامًا كما فَعَلَ إبراهيم.

ثُمَّ هناكَ يوسُف. وكما تَعلمونَ، فقد باعوا يوسُف. فقد باعَهُ إخْوَتُهُ عَبْدًا. أتَذكرون؟ وقد أَخَذَهُ التُّجَّارُ مِنْ هناكَ إلى مِصْر. وقد قالَ إخوَتُهُ: "لقد تَخَلَّصْنا مِن ذلكَ الصَّبِيّ". فقد كانَ الابنَ المُفَضَّلَ لَدى أبيه. ولم يَكُنْ إخوَتُهُ يُطيقوه. فهوَ الابْنُ المُفَضَّل. فقد كانَ أبوهُم يُفَضِّلُهُ عليهم. لذا فقد تَخَلَّصوا منه. وبعدَ سنواتٍ، حَدَثَتْ مَجاعة. وكانوا يائِسينَ. وقد اضْطُرُّوا إلى الذَّهابِ إلى مِصْرَ لشراءِ الحُبوب. واحزَروا مَنْ كانَ الشَّخصُ المَسؤولُ عن ذلك في مِصْر؟ يوسُف. فقدِ ارْتَقى إلى أعلى المَناصِبِ في مِصْر حَتَّى إنَّهُ كانَ رَئيسَ وُزَراءِ مِصْر والرَّجُلَ الأوَّلَ بعدَ فِرعون.

وها هُمْ إخوَتُهُ يَرْجُونَهُ أنْ يَبيعَهُمْ حُبوبًا. وقد كانَ بمقدورِهِ أنْ يقول: "دَعوني أُخبركم قِصَّةً قبلَ أنْ أقولَ لا". ولكنَّهُ لم يفعل ذلك. فقد كانَ يَملكُ القُوَّة، ولكنَّها كانت تحتَ السَّيطرة. وهل تَعلمونَ ماذا فعل؟ لم تكن هناكَ رَغبة لديه في الانتقام. ولم يَكُنْ يُضْمِرُ لهم أيَّة عَداوة أو مَرارة أو ضَغينة. بل إنَّهُ نَظَرَ إليهم وشعر بالمحبَّة مِنْ نَحوهم. وقد أعطاهُم كُلَّ ما يَحتاجونَهُ. والحقيقة هي أنَّهُ لاحَظَ أنَّ بَنْيامين لم يكن معهم. وقد كانَ يَتوقُ إلى رُؤية بَنيامين. إنَّها الوَداعة. ولم يكن يوسُفُ جَبانًا. فقد كانَ يوسُفُ رجُلاً عظيمًا. لِذا فإنَّ الوداعةَ، يا أصدقائي، ليست جُبْنًا. إنَّها قُوَّة تحتَ السَّيطرة. ولِسانُ حَالِها هو: "لن أفعلَ شيئًا للدِّفاعِ عن نفسي، ولكنِّي سأفعلُ أيَّ شيءٍ للدفاع عن الله".

وهناكَ أيضًا داوُد. ففي 1صموئيل 24، وَجَدَ داوُد شاوُل، إنْ كُنتم تَذكرونَ ذلك. وقد كانَ شاوُلُ يُلاحِقُهُ. وكانَ شاوُلُ يحاولُ أنْ يَقتلَه. وكانَ شاوُل قد رَماهُ بِرُمْحٍ مِنْ قَبْل. لقد كانَ شاوُل يَسعى إلى القبضِ على داود. وكانَ شاوُل يَعلم أنَّ داود سيكونُ الملكَ التَّالي وأنَّ اللهَ قد مَسَحَهُ. لذا فقد كانَ شاوُلُ يُبْغِضَهُ ويَحْتَقِرَهُ. وما زَادَ الطِّينَ بِلَّةً هو أنَّ ابْنَ شاوُل (يوناثان) كانَ يُحِبُّ داوُدَ بِشِدَّة.

وقد طارَدَ شاوُلُ داوُدَ في كُلِّ مكان. وكانَ صَديقُ داوُد القَديم (يوناثان) يُطْلِقُ السِّهامَ لكي يُحَذِّرَهُ مِنْ خُروجِ أبيهِ وَراءَهُ. وأخيرًا، عَثَرَ داوُد فجأةً على شاوُل نائمًا. وقد كانت تلكَ فُرصةً مُواتِيَةً لداوُد. فقد كانَ بمقدوره أنْ يَسْتَلَّ خِنْجَرَهُ ويَقْتُلَ شاوُلَ ويَحْسِمَ المسألة. فبضربة واحدة، كان بمقدوره أنْ يُنهي الحَرْبَ الدَّائرة بينَهُ وبينَ شاوُل. وكانَ بمقدورِه أنْ يأخُذَ عَرْشَهُ. وهل تَعلمونَ ما الَّذي قالَهُ رِجالُ داوُد لَهُ: "افعَل ذلك يا داود. افعل ذلك. اقْتُلْهُ. فها هو أمامَك. هذه هي فُرصَتُك. إنَّها فُرصة رائعة". أَتَرَوْن؟ "افعل ذلك. لا تُضَيِّع الوقت يا داوُد. فإذا تَرَكْتَهُ يَعيش سَتَنْدَم".

وهل تَعلمونَ ماذا فَعَلَ داوُد؟ لقد اسْتَلَّ خِنْجَرَهُ وذهبَ إلى هُناك، ورَفَعَ سِكِّينَهُ، وقَطَعَ طَرَفَ ثَوْبِ شاوُل وأخذَ تلكَ القِطعة مَعَهُ لكي يُبَيِّنَ لشاوُل أنَّهُ كانَ هُناكَ وأنَّهُ لم يَقْتُلْهُ. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ داوُد لم يَستخدِم قُوَّتَهُ. فقد كانَ قويًّا. وقد كانَ على حَقّ. فقد كانَ المَلِكَ المَمْسُوح. وقد كانَ يَمْلِكُ القُدرة. وقد كانَ مَعَهُ خِنْجَرٌ، وكانَ شاوُل نائمًا. ولكنَّهُ لم يَفعل ذلك. فهو لم يكن ليتصرَّف مِنْ تِلقاءِ نفسِه، بل كانَ يتصرَّف بحسب مَشيئةِ الله.

وفي 2صموئيل 16، نَشَبَ خِلافٌ بينَ داوُدَ وابْنِهِ أبشالوم. وقد أَشْعَلَ أبشالوم ثَورةً، وانقلابًا، وراحَ يُطارِدُ داوُد إلى أنْ هَرَبَ داوُد خارجَ المدينة إلى البَرِّيَّة. وقد جاءَ واحدٌ مِنْ عَشيرَةِ بيتِ شاوُل، واحِدٌ مِن أقرباءِ شاوُل اسْمُهُ "شِمْعي" وابتدأَ يَسُبُّ داوُد: "داوُد! أنتَ رَجُلٌ فاشِل يا داوُد. ها ها! لقدَ هَرَبْتَ وَتَغَلَّبَ عليكَ ابْنُكَ يا داوُد. يا لَكَ مِنْ رَجُل. أليسَ كذلك؟ يا لَكَ مِنْ شخصٍ عظيمٍ، ومَلِكٍ عظيمٍ على إسرائيل! اخْرُج يا داوُد مِنْ مَخْبَئِك!"

"فَقَالَ أَبِيشَايُ ابْنُ صَرُويَةَ؟ لِلْمَلِكِ: «دَعْنِي أَعْبُرْ فَأَقْطَعَ رَأْسَهُ. لِمَاذَا يَسُبُّ هذَا الْكَلْبُ الْمَيْتُ سَيِّدِي الْمَلِكَ؟»" فقد قال في سِفْر صَموئيل الثَّاني 16: 9: "دَعْنِي أَعْبُرْ فَأَقْطَعَ رَأْسَهُ". ولكِنَّ داود نَظَرَ إلى أبيشاي وقالَ لَهُ: "لا! دَعوهُ يَسُبّ! دَعوهُ يَسُبّ". فلم يكن داوُد يَنتقم لنفسِهِ. فقد كانَ يُظْهِرُ تَواضُعًا رائعًا، ويَتَّكِلُ على اللهِ، ويَخْضَعُ لمشيئةِ اللهِ.

وكما تَرَوْنَ فإنَّ اللهَ قادِرٌ أنْ يَفعلَ أيَّ شيءٍ في العالَم إنْ كانَ شَعْبُهُ خاضِعًا لَهُ. ولكنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يَعْمَلَ مَعَ أُناسٍ يَفعلونَ مَشيئَتَهُم. لِذا، لا بُدَّ أنَّ مَلَكوتَهُ هو مِنْ نَصيبِ الأشخاصِ الخاضِعين. فهذا هو ما يَقوله. واليهودُ لم يكونوا يَقبلونَ كَلامَهُ.

كذلك، فَكِّروا في مُوسى. سِفْرِ العَدَد 12: 3. استمعوا إلى هذه الجُملة: "وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى" (ضَعُوا خَطًّا تحتَ هذا السَّطْر) " وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ". فنحنُ نَقرأُ في سفرِ العَدَد 12: 3 أنَّ مُوسَى كانَ رَجُلًا حَليمًا أكثرَ مِنْ جميعِ النَّاسِ الذينَ على وَجْهِ الأرض. وقد تَقولُ: "حَليمًا؟" هل كانَ حَليمًا؟ ولكنَّهُ كانَ رَجُلاً قويًّا جِدًّا. فعندما رأى رَجُلاً مِصْريًّا يَضْرِبُ رَجُلاً إسرائيليًّا قَتَلَ المِصْرِيَّ وَدَفَنَهُ في الأرض. وما أعنيه هو أنَّهُ كانَ رَجُلاً قَويًّا.

ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ وقالَ لِفِرعون: "أَطْلِقْ شَعْبِي يا فِرْعَوْن". وقدِ ابتدأَ فِرْعَوْنَ يَستدعي سَحَرَتَهُ الذينَ قاموا ببعضِ الخُدَع السِّحريَّة. ولكِنَّ مُوْسَى فَعَلَ ما هو أكثر مِن ذلك وتَفَوَّقَ عليهم. ثُمَّ إنَّهُ قالَ مَرَّةً أخرى لفرعون: "أقولُ لكَ ثانيةً، يا فِرعون: أَطْلِقْ شَعبي". وهذه لا تَبدو وَداعَةً كبيرةً في نَظَري. وعندما نَزَلَ مُوسى مِنْ على جَبَلِ سِيْناء ورأى أخاهُ هارون يَقودُ الشَّعبَ وراءَ عبادةِ العِجْلِ الذَّهبيِّ والعَرْبَدَة، غَضِبَ جِدًّا وحَطَّمَ لَوْحَي الشَّهادَة وعَقَدَ العَزْمَ على أنْ يَقْتُلَ الشَّعْبَ كُلَّهُ. وهذهِ لا تَبدو وَداعةً كبيرةً في نَظري.

ولكِنْ إنْ نَظرتُم إلى الأمرِ بهذه الطريقة فإنَّكم لا تَعرفونَ المَعنى الحَقيقيَّ للوداعة. فأنتم تَقرأونَ عنهُ في سفر الخروج 32: 19 و 20 أنَّهُ كانَ غاضبًا. فقد كانَ غاضبًا جدًّا. فنحنُ نقرأ في الأصحاح 32 والعدد 19: "وَكَانَ عِنْدَمَا اقْتَرَبَ إِلَى الْمَحَلَّةِ أَنَّهُ أَبْصَرَ الْعِجْلَ وَالرَّقْصَ، فَحَمِيَ غَضَبُ مُوسَى، وَطَرَحَ اللَّوْحَيْنِ مِنْ يَدَيْهِ وَكَسَّرَهُمَا فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ. ثُمَّ أَخَذَ الْعِجْلَ الَّذِي صَنَعُوا وَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ، وَطَحَنَهُ حَتَّى صَارَ نَاعِمًا، وَذَرَّاهُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، وَسَقَى بَنِي إِسْرَائِيلَ". فقد كانَ غاضبًا جدًّا. ولماذا أنتَ غاضِبٌ يا مُوسى؟ "أنا غاضبٌ بسببِ ما فَعَلْتُموه بالله. وأنا غاضبٌ لأنَّكم كَسَرْتُم ما قالَهُ اللهُ لي حينَ كنتُ على ذلكَ الجبل: ’لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا‘". فهو لم يكن يُدافع عن نفسه، بل كانَ يُدافعُ عنِ الله.

والحقيقة هي أنَّهُ عندما قالَ اللهُ لِمُوسَى في خُروج 3: "مُوسى. لقدِ اختَرْتُكَ للقيامِ بهذا العمل" قالَ مُوسى: "أنتَ لا تُريدُ شَخصًا مِثلي، يا رَبّ. فأنا عَديمُ الفائدة. وأنا غَيْرُ كُفْءٍ. وأنا لديَّ مُشكلة في النُّطْق. فأنا عاجزٌ عنِ التكلُّم. لا بُدَّ أنَّكَ تَمْزَح. هل تريدني أنْ أقودَ كُلَّ بني إسرائيل خارِجَ مِصْر. بِمُفردي؟ لقد قَتلتُ مِصريًّا واحدًا وَعِشْتُ في البَرِّيَّةِ أربَعينَ سنة. ولكِنْ كيفَ سأتمكَّنُ مِن إخراجِ مَلْيونَيْ يَهوديٌّ مِنْ ذلك البلد دونَ مشاكل؟ لا يمكنني أن أفعلَ ذلك. فأنا لستُ كُفْئا". وكما تَرَوْن، لم يكن مُوسى واثقًا مِن نفسه. ولم يكن قادرًا على الدِّفاعِ عن نفسه أمامَ الله، ولكنَّهُ كانَ مُستعدًّا للدفاع عن الله أمامَ الجميع. وهذه هي الوَداعة.

وقد كانَ بولُس هكذا أيضًا. فهو يقول في رسالة فيلبِّي 3: 3: "لا يمكنني أنْ أتَّكِلَ على الجسد". وَهُوَ يقول في رسالة فيلبِّي 4: 13: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي". واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم التَّبايُنَ التَّالي. ففي سِفْر أخبار الأيَّام الثَّاني والأصحاح 26 (سِفْر أخبار الأيَّام الثَّاني والأصحاح 26)، نجد هذه القصَّة الرَّائعة. فقد كانَ هُناكَ مَلِكٌ يُدعى "عُزِّيَّا". ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ إشعياء قال: "فِي سَنَةِ وَفَاةِ عُزِّيَّا الْمَلِكِ، رَأَيْتُ السَّيِّدَ". وقد بَكى إشعياء حينَ ماتَ الملكُ عُزِّيَّا لأنَّ نِهايَتَهُ كانت حَزينَة.

وقد كانَ عُزِّيَّا قائدًا عسكريًّا عظيمًا. فنحنُ نقرأُ في سِفْر أخبار الأيَّام الثَّاني 26: 6: "وَخَرَجَ وَحَارَبَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ [والحَديثُ هُنا هو عن عُزِّيَّا. فقد قَادَ الجُيوشَ لمحاربة الفِلِسطينيِّين] وَهَدَمَ سُورَ جَتَّ" [وهذه مُدُنٌ فِلِسطينيَّة] وَسُورَ يَبْنَةَ وَسُورَ أَشْدُودَ، وَبَنَى مُدُنًا فِي أَرْضِ أَشْدُودَ وَالْفِلِسْطِينِيِّينَ". فقد دَمَّرَ هذا الملكُ الأُمَّةَ بأسْرِها وَهَدَمَ مُدُنَهُم وأعادَ بِناءَ مُدُنِهِ في بلدهم.

والحقيقة هي أنَّ الكلمة "فِلِسطينيِّين" هي الاسمُ القديمُ لفِلِسطين. وقد طَرَدَهُم حِرفيًّا وَقَضى عليهم. ونقرأُ في العدد 7: "وَسَاعَدَهُ اللهُ عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَعَلَى الْعَرَبِ السَّاكِنِينَ فِي جُورِ بَعْلَ وَالْمَعُونِيِّينَ" وَهَلُمَّ جَرَّا. فقد قامَ بأعمالٍ عظيمة. وقد انتصرَ في كُلِّ تلكَ المَعارك. وكانَ لديهِ جَيشٌ عظيم. فنحنُ نقرأ في العدد 12: "كُلُّ عَدَدِ رُؤُوسِ الآبَاءِ مِنْ جَبَابِرَةِ الْبَأْسِ أَلْفَانِ وَسِتُّ مِئَةٍ. وَتَحْتَ يَدِهِمْ جَيْشُ جُنُودٍ ثَلاَثُ مِئَةِ أَلْفٍ وَسَبْعَةُ آلاَفٍ وَخَمْسُ مِئَةٍ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ". ثَلاَثُ مِئَةِ أَلْفٍ وَسَبْعَةُ آلاَفٍ وَخَمْسُ مِئَةٍ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ، أيْ نَحْوَ ثُلْث مَليون مُقاتِل. فهو جيشٌ عَظيم.

وقد حاربوا بِقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ. ونقرأ في العدد 14: وَهَيَّأَ لَهُمْ عُزِّيَّا، لِكُلِّ الْجَيْشِ، أَتْرَاسًا وَرِمَاحًا وَخُوَذًا وَدُرُوعًا وَقِسِيًّا وَحِجَارَةَ مَقَالِيعَ" (وهي آلات حَربيَّة ضَخمة). ونقرأ في العدد 15 أنَّهُ "عَمِلَ فِي أُورُشَلِيمَ مَنْجَنِيقَاتٍ [أيْ آلاتٍ حَربيَّة] اخْتِرَاعَ مُخْتَرِعِينَ". فقد كانَ لديهِ مُهندسون. وكانت لديه آلات حربيَّة عظيمة حقًّا. "وَامْتَدَّ اسْمُهُ إِلَى بَعِيدٍ إِذْ عَجِبَتْ مُسَاعَدَتُهُ حَتَّى تَشَدَّدَ". وقد كانَ اللهُ هُوَ الَّذي يُعطيهم النُّصرة في الحقيقة. ولكِنْ ما الَّذي حدث؟ نقرأ في العدد 16: "وَلَمَّا تَشَدَّدَ ارْتَفَعَ قَلْبُهُ إِلَى الْهَلاَكِ وَخَانَ الرَّبَّ إِلهَهُ، وَدَخَلَ هَيْكَلَ الرَّبِّ لِيُوقِدَ عَلَى مَذْبَحِ الْبَخُورِ".

اسمعوني: لقد كانت هناك مجموعة واحدة فقط مِنَ النَّاسِ يُسْمَحُ لها بإيقادِ البَخورِ على المذبح. وَمَنْ كانَ هؤلاء؟ الكَهَنة. ولكنَّ عُزِّيَّا ظَنَّ أنَّهُ عَظيمٌ جدًّا، وأنَّهُ لا يُقْهَر، وأنَّهُ خارِقٌ جدًّا، وأنَّهُ أعلى مِنَ الكهنة. وقد قال: "ما شأني بهؤلاءِ الكَهَنَة الوَضيعين؟ انظروا إليَّ. لقد غَزَوْتُ العالَم". لذا فقد دَخَلَ هيكلَ الربِّ وابتدأَ يُقَدِّمُ البَخورَ بطريقته. فقد كانَ مُنهمكًا جدًّا في تَرفيعِ نفسِهِ حَتَّى إنَّهُ أهانَ اللهَ. وهل تَعلمونَ ما الَّذي حدث؟ سوفَ أُخبركم ما حدث. نقرأُ في العدد 21: "وَكَانَ عُزِّيَّا الْمَلِكُ أَبْرَصَ إِلَى يَوْمِ وَفَاتِهِ، وَأَقَامَ فِي بَيْتِ الْمَرَضِ أَبْرَصَ".

فعندما يَتَفاخَرُ الإنسانُ، مِنَ المُحَتَّمِ أنَّهُ سَيُهينُ اللهَ في أثناءِ مُحاوَلَتِهِ الدِّفاعَ عن نفسه. ولكِنْ عندما يكونُ المَرءُ مُتواضِعًا فإنَّهُ سيُدافِعُ عنِ اللهِ لأنَّهُ لا يُبالي بالدِّفاعِ عن نفسه. إنَّها الوَداعة. ومَنْ هو أعظمُ نَموذَجٍ على الوداعة؟ يسوعُ المسيح. لِنَرْجِع إلى مَتَّى 5: 5. وإليكُم السُّؤال الثَّالث. وسوفَ نُعَجِّلُ ونُقَدِّمُ الخُلاصة. ما هي النَّتيجة؟ ما هي نتيجة الوَداعة؟

أوَّلاً، نَقرأُ: "طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ". فهل تريدُ أنْ تَكونَ مَغبوطًا؟ فهذا هوَ مَعنى الكلمة "طُوبى". وأنا لا أتحدَّثُ هنا عنِ السَّعادة بِمَعناها الدُّنيويِّ السَّخيفِ القائمِ على الظُّروف. بل إنَّني أتحدَّثُ عنِ البَرَكَة، وعنِ السَّعادة بمفهومِها الإلهيِّ، وعنِ الفرحِ الحقيقيِّ الدَّائم. وَهُوَ يقول: "طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ". طُوبى.

النَّتيجة الثَّانية، وهي نتيجة رائعة: أنَّهُم "يَرِثُونَ الأَرْضَ". ويمكننا أنْ نَصْرِفَ وقتًا طويلاً في التحدُّثِ عن ذلك. وما أعنيه هو أنَّهُ يمكننا أنْ نَصْرِفَ ساعاتٍ في التحدُّثِ عن مَعنى هذه العبارة: "يَرِثونَ الأرضَ". ففي الأصل، وَعَدَ اللهُ إسرائيلَ بالأرض. ولكِنْ فَضْلاً عن ذلك، فقد وَعَدَ اللهُ الإنسانَ بأنْ يَرِثَ الأرض. أليسَ كذلك؟ ألم يُعْطِ اللهُ الإنسانَ سُلطانًا على الأرض؟ على سَمَكِ البحرِ، وعلى طَيْرِ السَّماءِ، وعلى الحَيَوانات؟ فكما تَرَوْنَ، فإنَّ اللهَ أعطى الإنسانَ سُلطانًا على كُلِّ الأرض. وهو يقول إنَّهُ عندما تَصيرُ مُؤمِنًا ووَديعًا، فإنَّكَ تَدخل الملكوت وتحصل على ذلكَ الميراث الأصليّ. وهذا يعني استعادة الفِرْدَوْس. وفي النهاية، ألسنا، يا أحبَّائي، سَنَرِثُ الأرضَ؟ وفي النهاية، ألسنا سنَرِثُ كُلَّ الأرضِ معَ الربِّ يسوعَ المسيحِ في ملكوتِهِ العَظيمِ الآتي؟ أجل.

وإليكم ما قَصَدَهُ هُنا: أنَّ النَّاسَ الَّذينَ في الملكوتِ سيَرِثونَ الأرضَ. والأشخاصُ الوحيدونَ الَّذينَ سيَدخلونَ ملكوتي هُمُ الوُدعاء، وليسوا المُتَكَبِّرين. إنَّهُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَنكسرونَ على خطاياهُم، وليسوا الأشخاصَ الَّذينَ يَعتقدونَ أنَّهم ليسوا خُطاةً. وَهُمُ الأشخاصُ الذينَ يَحزنونَ على حقيقةِ أنَّهم خُطاة، وليسوا الأشخاصَ الَّذينَ يَضحكونَ على حقيقة أنَّهُم على ما يُرام في نَظَرِ أنفُسِهم.

وكما تَرَوْن، نَقرأُ في سفر إشعياء (وقبلَ ذلك في سفر التَّكوين) أنَّ اللهَ وَعَدَهُمْ بأنْ يُعطيهم الأرضَ. وَهُمْ لم يَحصلوا عليها كُلّها. فَهُمْ لم يحصلوا على الأرض. فقد كانَ امتلاكُهم للأرضِ جُزئيًّا دائمًا. وحتَّى في وقتنا الحاضِر، فإنَّ حِيازَتَهُم للأرضِ جُزئيَّة. فَهُمْ لا يَملكونَ كُلَّ الأرض. لماذا؟ هل تُدركونَ أنَّ الوعدَ الأصليَّ الَّذي أُعطيَ لإبراهيم فيما يَختصُّ بالأرضِ يَمتدُّ إلى نهرِ الفُرات؟ ولكنَّهم ليسوا قَريبينَ حتَّى مِن تلكَ الحُدود. فَهُمْ بالكاد يَستطيعونَ عُبورَ نَهْرِ الأردُنِّ إلى الضِّفَّة الشَّرقيَّة. فَهُمْ لا يملكونَ تلكَ الأرض. وبِمَعنى مِنَ المَعاني فإنَّ هذا الوعدَ لم يتحقَّق.

ونقرأ في الأصحاحَيْن 57 و 60 مِنْ سِفْر إشعياء أنَّهُ سيأتي يومٌ يأتي فيهِ المَسِيَّا ويُعطيهم كُلَّ تلكَ المنطقة وكُلَّ الأرض أيضًا. ولكِنْ هل تَعلمونَ ما الَّذي كانَ يَظُنُّهُ هؤلاء اليهود؟ أنَّ المُلْكَ الألفيَّ سيكونَ فقط مِنْ نَصيبِ الأقوياءِ، ومِنْ نَصيبِ أولئكَ الذينَ يَعتزُّونَ بكرامتهم، والجَريئينَ الَّذينَ لا يَقبلونَ بهذا القَمْع. ولكنَّ يسوعَ قال: "لا! لا! إنَّ الأرضَ ستكونُ مِنْ نَصيبِ الوُدَعاء". وقد تقول: "وكيفَ سيَرِثُ الوُدعاءُ الأرضَ؟ كيفَ سَيَرِثونَها؟" إنَّ المقصودَ هو أنَّ الوُدعاءَ سَيَرِثونَ ملكوتَ المسيحِ وأنَّهُ هو الَّذي سَيُمَكِّنُهُم مِنَ القيامِ بذلك.

وأودُّ أنْ أُضيفَ الآتي: أنَّ الضَّميرَ هُنا يَرِدُ بصيغةِ التَّوكيد مَرَّةً أخرى، كما هي الحالُ في الآياتِ الأخرى. وهذا يُساعِدُنا كثيرًا في فَهْمِ المَعنى. فهو يقولُ في اللُّغة اليونانيَّة: "طُوبَـى لِهؤلاء"..."طُوبى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ [دونَ غيرِهم] يَرِثُونَ الأَرْضَ". فالمُتفاخِرونَ لن يَرِثوها. وهل تَذكرونَ ما قالَهُ يسوع؟ "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ [ماذا؟] الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ". فما لم تَتواضَعوا وتصيروا مِثْلَ الأولاد، لن تَدخلوا الملكوت. فالمُتكبِّرونَ لن يَدخلوا الملكوت.

فإنْ كنتَ مُتكبِّرًا، هناكَ احتمالٌ كبيرٌ بأنَّكَ لستَ في الملكوت – ولا سِيَّما إنْ كانت هذه هي الصِّفة السَّائدة في حياتِك. فالكلمة "يَرِثوا" هي كلمة جميلة "كليرونيميئو" (kleronimeo). وهي تَعني: "الحُصول على النَّصيب المُعَيَّن". فاللهُ وَعَدَ بذلك. واللهُ حَدَّدَ ذلك. وبالمُناسبة، نَجِدُ في المزمور 37 أنَّ هذه التَّطويبة مُقتبسة حرفيًّا تقريبًا منِ المزمور 37: 11. وكما تَرَوْنَ، نَجِدُ في المزمور 37 وَعْدًا مُحَدَّدًا جدًّا بخصوصِ الأرض. وقد كانَ الأتقياءُ في إسرائيل يَقولون: "لماذا يَزْدَهِرُ جَميعُ الأشرار؟ ولماذا يَزدهرُ كُلُّ هؤلاءِ النَّاس؟ ولماذا لا نَحْصُلُ نحنُ سِوى على أسوأِ الأشياء؟" ولعلَّكُم تَذكرونَ ما قالَهُ المُرَنِّمُ؟ "لا تَغَرْ مِنَ الأَشْرَارِ....سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَاتَّكِلْ عَلَيْهِ.... وَتَلَذَّذْ بِالرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ....وانتظرِ الرَّبَّ". فهل تَذكرونَ ذلكَ المَقطع الرَّائع في المزمور 37؟ فقط حافِظ على نَظرتك السَّليمة إلى الرَّبِّ. ولا تَقلق مِمَّ يَجري مِن حولِك. ولا تَقلق بسبب ازدهارِ الأشرار. بل اتَّكِل على الرَّبِّ، وكَرِّس نفسَكَ لهُ، وافرح بهِ، وانتَظَرْهُ. وسوفَ يأتي اليومُ الَّذي يُعطيكَ اللهُ فيهِ الملكوت. فقط حافِظ على ثَباتِك.

ونقرأ في المزمور 37 أنَّ الربَّ سيأتي ذاتَ يومٍ. فهو سيأتي ويَدينُ الشَّرَّ. لذلك، لا تحاول أنْ تُقَرِّر هذه الأشياءَ بنفسك. فالربُّ "يَضْحَكُ بِهِ" (كما يَقول المزمور 37: 13) "لأَنَّهُ رَأَى أَنَّ يَوْمَهُ آتٍ!" وقد يبدو أنَّ الأمرَ مَعكوسٌ الآن، ولكنَّهُ يقول إنَّ هؤلاءِ الأشرار: "مِثْلَ الْحَشِيشِ سَرِيعًا يُقْطَعُونَ، وَمِثْلَ الْعُشْبِ الأَخْضَرِ يَذْبُلُونَ". أمَّا أنتَ فاتَّكِلْ عَلَى الرَّبِّ، وَتَلَذَّذْ بِالرَّبِّ، وَسَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ للرَّبِّ، وانْتَظِرِ الرَّبَّ". وكَمْ أُحِبُّ الكلمات التَّالية: "لأَنَّ عَامِلِي الشَّرِّ يُقْطَعُونَ، وَالَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ هُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ".

لا تقلقوا. فهذا العالم قد يكونُ خاضعًا للأشرارِ والشَّرِّ في وقتنا الحاضر، ولكنَّهُ سيكونُ لنا ذاتَ يوم. ففي يومٍ ما، سيكونُ لنا. وقد تقول: "جون، هل هذا خاصٌّ بالمستقبل فقط؟" بِمَعنى مِنَ المَعاني، إنَّهُ خاصٌّ بالمستقبل. فهو فِعْلٌ يَرِدُ بصيغة المستقبَل. ففي رأيي، بالنِّسبة إلى إسرائيل، أيْ عندما ذُكِرَ ذلك في الأصل في المزمور 37، كانَ يتحدَّث عن أرضٍ مُستقبليَّة. وأعتقد أنَّهُ بالنِّسبة إلينا، بوصفنا مؤمنين، فإنَّنا نَدخُلُ الملكوت. أليسَ كذلك؟ فسوفَ ندخل الملكوت. أجل. فسوفَ نكونُ جُزءًا مِنْ ذلك الملكوت. وسوفَ نَملِكُ معَ يسوعَ المسيح.

فنحنُ نَقرأ في رسالة كورِنثوس الأولى 3: 21: "إِذًا لاَ يَفْتَخِرَنَّ أَحَدٌ بِالنَّاسِ! فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَكُمْ" وكم أُحِبُّ هذا. "أَبُولُسُ، أَمْ أَبُلُّوسُ، أَمْ صَفَا، أَمِ الْعَالَمُ، أَمِ الْحَيَاةُ، أَمِ الْمَوْتُ، أَمِ الأَشْيَاءُ الْحَاضِرَةُ، أَمِ الْمُسْتَقْبَلَةُ. كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلِلْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ لله". فكُلُّ شيءٍ لكم. والملكوتُ لكم. المُستقبَل والحاضِر. وَهُوَ يقول في الأصحاح السَّادِس أنَّكم سَتَدِينُونَ العَالَم. ففي الملكوت، ستَدينونَ حَرفيًّا العالَم. وسوفَ تَدينونَ ملائكة.

فسوفَ يأتي يومٌ يَشترك فيهِ المؤمنُ معَ إسرائيل في الملكوت. وهذا سيَحدث في المستقبل. ولكِنَّ الفِعْلَ هُنا يأتي بصيغة الحاضِر. فكُلُّ الأشياءِ هي لنا الآن. وهذا يعني أنَّ الملكوت هو لنا الآن، ولكنَّهُ مُعَلَّقٌ. فنحن لم نمتلكهُ بعد، ولكنَّهُ لنا. وأنا أترقَّبُ اليومَ الَّذي سيَصيرُ فيهِ الملكوتُ مِنْ نَصيبي بِكُلِّ مَعنى الكلمة. ونَقرأ في المزمور 149: "لأَنَّ الرَّبَّ رَاضٍ عَنْ شَعْبِهِ. يُجَمِّلُ الْوُدَعَاءَ بِالْخَلاَصِ". وما مَعنى ذلك؟ أنَّهُ ذاتَ يومٍ، سيُنْزِلُ نَقْمَتَهُ على الشُّعوب. وَأنَّهُ سيَأسْرُ مُلُوكَهُم بِقُيُودٍ، وَشُرَفَاءَهُم بِكُبُولٍ مِنْ حَدِيد. وما مَعنى ذلك؟ أنَّهُ ذاتَ يومٍ سيَجمعُ الأشرارَ ويأخُذُ كُلَّ ذلكَ مِنهم ويُعطينا إيَّاه. السَّماوات الجديدة والأرض الجديدة. وهل يمكنني أنْ أُضيفَ مُلاحَظةً؟

إنَّ وِراثَةَ الوُدَعاءِ للأرضِ هو أمرٌ مُستقبليٌّ، ولكنِّي أعتقد أنَّهُ يُشيرُ إلى الحاضِرِ أيضًا. ولا أدري كيفَ تَنظرونَ أنتم إلى هذا الأمر، ولكنَّ حَقيقَةَ أنِّي أَعْلَمُ أنَّني سأَرِثُ الأرضَ ذاتَ يومٍ يُعطيني شُعورًا بأنِّي أَرِثُها الآن. هل هذا صحيح؟ ولعَلَّكُم تَذكرونَ التَّرنيمةَ الجميلةَ الَّتي تقول:

يا لروعةِ السَّماءِ الزَّرقاءِ مِن فوقي!

ويا لروعةِ الألوانِ الخَضراءِ مِن حولي!

ويا لروعةِ الكائناتِ الحيَّةِ في كُلِّ مكان!

ولكِنَّ عُيونَ غيرِ المؤمنينَ لا تَقْدِرُ أنْ تَرى:

الطُّيورَ وهي تَشدوا بأصواتِها العَذْبَة،

ولا أنْ تَرى الأزهارَ البَديعَةَ تَتَألَّق.

ولكِنْ لأنِّي أعرِفُ ما أعرِفُهُ الآن،

فإنِّي لَهُ، وَهُوَ [ماذا؟] لي.

فالعالمُ كما أعرفُهُ الآن، والعالمُ كما أراهُ الآن هُوَ حَيٌّ وذو مغزى لأنَّهُ سيكونُ مِنْ نَصيبي في نِهايةِ المَطاف. ولكنَّهُ يَنتظرُ الملكوت.

وقد كَتَبَ "جورج مكدونالد" (George McDonald) بعضَ الأفكارِ الجميلة. وإليكم ما قالَهُ: "لا يمكننا أنْ نَرى العالَمَ كما قَصَدَ اللهُ أنْ يكونَ في المستقبل...آمِنًا كما هي حالُ نُفوسِنا الَّتي تَتَّصِفُ بالوَداعة. فمِن خلالِ الوداعة فقط يمكننا أنْ نَرِثَ الأرضَ. فالوداعةُ وَحْدُها هي التي تَجعلُ العَيْنَ الرُّوحيَّةَ طَاهِرَةً حَتَّى تَرى أُمورَ اللهِ على حَقيقَتِها؛ دونَ أنْ تَشوبَها شائبةٌ أوْ أنْ يُعيبَها عَيْبٌ".

إنَّها كلماتٌ جَميلة! وكما تَرَوْن، فإنَّ هذه الحقيقة بأنَّنا نَعيشُ في ملكوتِه تُساعدُنا على أنْ نَرى العالمَ بطريقة مُختلفة. ولم يَكُنْ بمقدورِنا أنْ نَراهُ بطريقة أخرى غير تلكَ الَّتي يَراهُ بها العالَم لولا المسيح. لِذا فإنَّ الأرضَ لنا – الآن وإلى الأبد.

وأخيرًا، قد تقول: "جون! ما سببُ أهميَّة ذلك؟ ما سبب أهميَّة الوَداعة؟" يجب أنْ أقولَ لكم الآتي: إنَّها مُهِمَّة لأنَّ الوُدعاءَ هُمْ فقط مَنْ يُمكن أنْ يَخلصوا. هذه هي النُّقطة الأولى. فالودعاء هُمُ الأشخاصُ الوحيدونَ الَّذينَ يمكن أنْ يَخلصوا. فنحنُ نقرأ في المزمور 149: 4: "يُجَمِّلُ الوُدَعَاءَ بِالخَلاَص". فمِنْ دونِ وَداعة، لا يوجد خلاص. اسمعوني، يا أصدقائي. إنْ لم تأتوا إلى اللهِ بروحٍ مُنكسرة، وإنْ لم تَنوحوا على خطاياكم وتَتواضَعوا أمامَ قداسَتِه، لا يمكن أنْ تَخلَصوا. لِذا فإنَّها مُهِمَّة.

فَضْلاً عن ذلك، إنَّها وَصِيَّة. فاللهُ يقول: "كونوا وُدَعاء"...كونوا وُدعاء. وهل تريدونَ أنْ تَعلموا شيئًا آخر؟ هل تَعلمونَ لماذا ينبغي للمؤمنينَ أنْ يكونوا وُدعاء؟ لأنَّهُ لا يمكنكم أنْ تَقبلوا كلمةَ اللهِ ما لم تكونوا وُدعاء. فنحنُ نقرأ في رسالة يعقوب 1: 21: "فَاقْبَلُوا الْكَلِمَةَ الْمَغْرُوسَةَ [كيف؟] بِوَدَاعَة". فإنْ لم تكونوا وُدَعاء، وإنْ لم تكونوا مَساكينَ بالرُّوح فإنَّكم لن تُصغوا إلى كلمةِ الله. ولن تَتَمَكَّنوا حَتَّى مِنْ قَبولها.

وكما تَرَوْن، فإنَّنا بحاجة إلى الوداعة لأنَّكم لا يمكن أنْ تَخْلَصُوا مِن دونِها لأنَّها وَصِيَّة مِنَ اللهِ، ولأنَّكم لا يمكن أنْ تَقبلوا كلمةَ اللهِ مِن دونِها. وسوفَ أُخبركم سببًا آخر. يجب عليكم أنْ تكونوا وُدعاءَ لأنَّهُ لا يمكنكم أنْ تَشهدوا مِن دونِها. وقد تقول: "ما الَّذي تَعنيه؟" لا يمكنكم أنْ تَشهدوا بفاعليَّة إنْ كُنتم مُتَكَبِّرين. لِذا فإنَّ بُطرس يقول: "مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَة" (1بُطرس 3: 15). وسوف أُخبركم شيئًا آخر. فيجب عليكم أنْ تكونوا وُدعاء لا فقط لأنَّها وَصِيَّة مِنَ الله، ولا فقط لأنَّها ضَروريَّة للخلاص، ولا فقط لأنَّها ضروريَّة لقَبول كلمة الله، ولا فقط لأنَّها ضروريَّة لتوصيلِ كلمةِ اللهِ إلى الآخرين. بل أنتم، أيُّها الأصدقاء، بحاجة إلى الوداعة لأنَّ الوداعةَ وحدَها تُعطي اللهَ المَجْد.

وقد كَتَبَ بُطرُس في رسالتِه الأولى 3: 4 هذه الكلمات: "إنْ أردتُم أنْ تُمَجِّدوا اللهَ، لا تَهتمُّوا بالخارج، بَلِ زَيُّنوا دَواخِلَكُم بالرُّوحِ الوَدِيعِ الهَادِئِ" - أيْ: زَيِّنوا دَواخِلَكُم بالوداعة. وما مَعنى ذلك؟ قُوَّة تحتَ السَّيطرة. وكيفَ تُعْلِنُ الوَداعةُ عن نَفْسِها؟ مِن خلالِ كُلِّ تَقَلُّباتِ الحياة، وبأنْ لا تُحاوِل الدِّفاعَ عن نفسِك، بل فقط عنِ اللهِ. وما هي نَتائجُها؟ الطُّوبى، ووراثة الملكوت. ولماذا هي مُهمَّة؟ لأنَّها الطَّريقةُ الوحيدةُ لِنَوالِ الخلاص. ولأنَّها وَصيَّة مِنَ الله. ولأنَّها ضَروريَّة لقَبول الكلمة. ولأنَّها مُهمَّة لتوصيلِ الكلمة. ولأنَّها السَّببُ الجوهريُّ للوجود: أيْ تَمجيدُ اللهِ.

وأخيرًا، قد تَقول: "جون! كيفَ أَعلمُ أنِّي وَديع؟ فأنا أريدُ أن أكونَ وديعًا. فهل مِن طريقة لِفَحْصِ قَلبي؟" اسمَحوا لي أنْ أَخْتِمَ بالآتي. اسمعوني الآن. سوفَ أطرحُ عليكم أسئلةً. فهل تريدُ أنْ تَعلم إنْ كنتَ وَديعًا؟ أَجِبْ عنِ الأسئلةِ التَّالية:

السُّؤالُ الأوَّل: هل أُمارِسُ ضَبْطَ النَّفْس؟ هل أغضبُ وَحَسْب؟ هل أُظهِرَ رُدودَ فِعْلٍ وحسب؟ هل أَرُدُّ فقط حينَ يُهينُ أَحَدُهُم اللهَ؟

ثانيًا: هل أتجاوبُ دائمًا بتواضُع وطاعة للكلمة؟ لأنِّي إنْ كنتُ وَديعًا، سأفعل ذلك. فسوفَ أَقبلُ الكلمة بوداعة. اسأل نفسك: هل أُمارِس ضبطَ النَّفسِ؟ وهل أغضب فقط حينَ يُهانُ الله؟ ثانيًا، هل أتجاوب بتواضُع وطاعة للكلمة؟

ثالثاً: هل أَسعى دائمًا إلى السَّلام؟ هل أسعى دائمًا إلى السَّلام؟ هل أنا صَانِعُ سَلام؟ لأنَّهُ كما تَرَوْنَ، فإنَّ هذهِ هي الوداعة. فالوداعة تَغْفِرُ، وَتَسعى إلى استعادةِ العلاقاتِ، وتَصْنَعُ سلامًا. لذا فإنَّنا نَقرأُ في أفسُس 4 أنَّهُ ينبغي لنا أنْ نَتَصَرَّفَ: "بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ...مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَم". فالأشخاصُ الوُدعاءُ هُمْ فقط الذينَ يَحْفَظونَ الوَحدة. والأشخاصُ الوُدعاءُ هُمْ فقط الذينَ يَصنعونَ سلامًا. أَمْ هل أنا شخصٌ يُثيرُ المَتاعِب؟

وهناكَ سؤالٌ آخر (السُّؤالُ الرَّابع): هل أَتَقَبَّلُ النَّقْدَ جَيِّدًا وأُحِبُّ الأشخاصَ الذينَ يُوَجِّهونَ النَّقْدَ إليَّ؟ فالوَداعَةُ تَجْعَلُكَ هكذا. هل أَتَقَبَّلُ النَّقْدَ جَيِّدًا وأُحِبُّ الأشخاصَ الذينَ يُوَجِّهونَ النَّقْدَ إليَّ؟ فنحنُ نَقرأ في 2تيموثاوس 2: 25: "مُؤَدِّبًا بِالْوَدَاعَةِ الْمُقَاوِمِينَ". وأوَدُّ أنْ أُضيفَ هذا السُّؤالَ: هل تَنتقد الآخرينَ بوداعة أَمْ بكبرياء؟ كيفَ تتصرَّف؟ هل تَقْبَل النَّقدَ بوداعة وتُحِبُّ الأشخاصَ الَّذينَ يَنتقدونَك؟ وهل تَنْتَقِد الآخرينَ بوداعة؟ اسأل نفسَكَ هذه الأسئلة. وانظر إذا كنتَ وَديعًا حَقًّا. وسوفَ أُلَخِّصُ ذلكَ بهذه الجُملة: الوَداعةُ تَعني أنْ أَحْسِمَ موضوعَ الأَنا تَمامًا. لِنَحْنِ رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

نَحنُ نَعلم، يا أبانا، أنَّنا إنْ لم نَرَ أنفُسَنا بهذه الطريقة، فإنَّنا أمامَ احْتَمالَيْنِ لا ثالثَ لَهُما: الاحتمالُ الأوَّلُ هو أنَّني إذا نَظرتُ إلى حياتي ولم أنْجَح في الاختبار، ولم أَرَ وَداعةً، هناكَ احتمالٌ بأنِّي لستُ مؤمنًا أصلاً – أيًّا كانَ اختباري في الماضي.

الاحتمالُ الثَّاني هو أنَّني مُؤمِنٌ، ولكنِّي في هذا الوقت أتصرَّفُ بِعِصْيان. لِذا ساعِد، يا رَبّ، كُلَّ شخصٍ حاضِر هُنا على أنْ يَرى ذلك. فحيثُ لا توجد وداعة، قد تكون هناكَ روحٌ في طريقها إلى جَهَنَّم. أو قد يكونُ هناكَ مؤمنٌ سيَختبِر التَّأديب. وفي كِلتا الحالَتَيْن، نحنُ نَعلم، يا رَبّ، أنَّكَ لا تريدُ أنْ يكونَ الأمرُ كذلك.

وفيما تَحْنونَ رُؤوسكم، اسمحوا لي أنْ أقترحَ الآتي عليكم. فقد تقول: "جون! أريدُ أنْ أتعلَّم أن أكونَ وديعًا. فماذا يمكنني أن أفعل؟" اسمحوا لي أنْ أَذكُرَ لكم نُقطتين: فهل تريدُ حقًّا أنْ تكونَ وديعًا؟ وهل تريدُ حقًّا أنْ تَختبر الوداعة في حياتك؟ الشَّيءُ الأوَّلُ هو الآتي: فقد قالَ يسوع: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِــي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ". فإنْ أردتَ أنْ تكونَ وديعًا، فإنَّ أوَّلَ شيءٍ أَقترُحُه عليكَ هو أنْ تَتَمَثَّلَ بيَسوع. ادرُس الأناجيل، وادرس كُلَّ يومٍ حياتَهُ، وروعَةَ شخصيَّتِهِ، وتَعَلَّم الوداعة مِنْ يَسوع.

ثانيًا، نقرأ في غلاطيَّة 5: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: "وَدَاعَة". اسْمَحْ لروحِ اللهِ أنْ يُهَيْمِن على حياتِك. فإنْ تَمَثَّلْتَ بالمسيح وخَضَعْتَ للرُّوح، ستَعرف الوداعة. نُصَلِّي، يا أبانا، أنْ يُعالِج كُلُّ شَخْصٍ مِنَّا في قلبه هذا الأمرَ بحسب تَبْكيتِ الرُّوحِ القُدُس. باسْمِ المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize