Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أرجو أنْ تَفتحوا كِتابَكُم المقدَّسَ، مِنْ فَضْلِكُم، وانظروا معي إلى إنجيل مَتَّى (الأصحاح الخامِس والعَدَد السَّادس). إنجيل مَتَّى (الأصحاح الخامِس والعدد السَّادس). وكما تَعلمون، نحنُ نَدرس التَّطويبات، ونَدرس العِظَة على الجَبَل. واسمحوا لي أن أقرأ الأعداد مِن 1 إلى 6 لكي أُمَهِّد لما جاءَ في العدد السَّادِس: "وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفتحَ فَاهُ وعَلَّمَهُمْ قَائِلاً: ’طُوبَـى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَـى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. طُوبَـى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ‘". دَعونا نُصَلِّي معًا قبلَ أنْ نَبدأَ دراسَتنا في هذا المساء:

نَشكرُك، يا أبانا، على هذا الحَقِّ العظيم الَّذي سنَدرسُهُ في هذه المساء. ونَحنُ نُصَلِّي، يا أبانا، في المَقامِ الأوَّل، أنْ يكونَ الرُّوحُ القُدُسُ مُعَلِّمَنا. ساعِدنا، يا رَبّ، أنْ نَفهمَ حقًّا ما جاءَ في هذا النَّصِّ. وساعِدنا على أنْ نَتَعَمَّقَ في البحثِ في حَقِّكَ، وأنْ يَتَرَسَّخَ هذا الحَقُّ عميقًا في حياتِنا، وأنْ يَفْحَصَنا حَتَّى يَرى إنْ كُنَّا نَتجاوبُ كما يَنبغي. كَلِّمْنا، يا رَبُّ، فيما نتأمَّلُ في كلماتِ يسوعَ المسيحِ الَّذي باسْمِهِ نُصَلِّي. آمين.

في مَعْرِضِ دراسَتِنا لهذه العِظَة على الجَبَل (المُدَوَّنة في إنجيل مَتَّى والأصحاحات 5-7)، فإنَّنا نَدرسُ تَعليمَ يسوعَ المسيح. وهي أوَّلُ عِظَة عظيمة قَدَّمَها رَبُّنا في العهدِ الجديد. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ الفِكرةَ الرئيسيَّةَ لِمَتَّى هي أنْ يُقَدِّمَ المسيحَ بوصفِهِ المَلِك. وأوَدُّ فقط أنْ أُذَكِّرَكُم بذلك. فمَتَّى يُقَدِّمُ المسيحَ بوصفِهِ المَلِك. لذا فإنَّهُ يُرَكِّزُ مِرارًا وتَكرارًا في كُلِّ الجُزءِ الأوَّلِ مِن إنجيل مَتَّى (كما هي الحَالُ في كُلِّ الأجزاءِ الباقية) على بعضِ جَوانِبِ مُلْكِ المَسيح. فسواءٌ كانَ تَركيزُهُ مُنْصَبًّا على النَّسْلِ المَلَكِيِّ في سِلْسِلَةِ نَسَبِه، أوْ كانَ تَركيزُهُ مُنصبًّا على عبادَةِ المَجوسِ الذينَ كانوا يُتَوِّجونَ المُلوكَ رَسْمِيًّا، أوْ كانَ تَركيزُهُ مُنصبًّا على تَتْميمِ النُّبوءاتِ المُختصَّةَ بالمُلْكِ في العهدِ القديم، أو كانَ تَركيزُهُ مُنصبًّا على سُلطانِ يسوعَ على الشَّيطانِ وعلى أنَّهُ كانَ رَئيسًا أَعْظَمَ حَتَّى مِنَ الشَّيطان؛ أيَّا كانَ الجانِبُ الَّذي يُرَكِّزُ عليهِ مَتَّى، فإنَّ قَصْدَهُ هُوَ أنْ يُقَدِّمَ المَسيحَ بوصفِهِ مَلِكًا.

وحينَ يَصِلُ إلى الأصحاحِ الخامِس، فإنَّهُ يُقَدِّمُ كلماتِ الملك، أوْ إعلانَ المَلَكوتِ، أوِ الحقائقَ المُختصَّةَ بملكوتِ هذا الملك. فإنْ كانَ في الحقيقة مَلِكًا، ما هي طبيعةُ مَمْلَكَتِه؟ إنَّهُ يَصِفُ مَمْلَكَتَهُ في إنجيل مَتَّى والأصحاحات 5 و 6 و 7. ونُلاحِظ أنَّها مملكة رُوحيَّة وأنَّ سِماتِها رُوحِيَّة. لِذا فهو وَصْفٌ رُوحيٌّ لمملكة المَلِك. وهي طريقة أخرى وَحَسْب لتقديمِ حقيقةِ أنَّ يسوعَ هوَ بِحَقّ: المَلِك.

ولَعَلَّكُم لاحظتُم في نهايةِ العِظَة على الجَبَل (في إنجيل مَتَّى 7: 28) أنَّ النَصَّ يَقول: "فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ". لِماذا؟ "لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَة". فكلماتُهُ لم تكن كلماتِ مَلِكٍ وحسب، بل إنَّ طريقتَهُ أيضًا كانت طَريقةَ مَلِك. وقد كانَ أُسلوبُهُ أُسلوبَ مَلِك. وقد كانت الطَّريقة الَّتي يَتحَدَّثُ بها هي طريقة مَلِك. فقد كانَ يُعَلِّمُ بِسُلْطان. وَهُوَ لم يكن بحاجة إلى اقتباسِ أقوالِ أيِّ شخصٍ. وَهُوَ لم يكن بحاجة إلى القول: "أريدُ أنْ تَعلموا أنَّ هذا حَقّ لأنَّ فُلانًا قالَ إنَّهُ حَقّ". فقد كانَ مُعَلِّمو اليهودِ والكَتَبَة يُعَلِّمونَ دائمًا مِنْ خلالِ اقتباسِ أقوالِ شخصٍ آخَر مَشهور. ولكِنَّ يسوعَ كانَ يَقولُ ما يُريدُ وَحَسْب. ولم يكن الأمرُ يَقْتَصِرُ على أنَّهُ يَقولُ كَلِماتٍ لا يَنْطِقُ بها سِوى المُلوك، بل إنَّ أُسلوبَهُ في الحديثِ كانَ أُسلوبَ مَلِكٍ مِنْ جِهَة السُّلْطان.

والآنْ، إذْ نَتأمَّلُ في العِظَة على الجَبَل، نَجِدُ أنَّها عَرْضٌ بَديعٌ لِشُروطِ دُخولِ مَلَكوتِهِ وَسِماتِ الأشخاصِ الموجودينَ في مَلكوتِه. فهو إعلانٌ خاصٌّ بالملكوت. وَهُوَ تَعليمٌ يَختصُّ بالحياةِ في مَملكةِ الملك. وَهُوَ يَبتدئ بالمُقَدِّمة هنا في الآياتِ الاثنتا عَشْرَةَ الأولى. ويسوعُ يُمَهِّدُ لِعِظَتِهِ بأنْ يَقولَ لنا إنَّهُ يَرْمي إلى تَقديمِ السَّعادَة، ويَرْمي إلى تَقديمِ الغِبْطَة. والحقيقة هي أنَّ كُلَّ واعِظٍ جَيِّدٍ يَعلمُ أنَّهُ يجبُ عليهِ في البداية أنْ يَحْفِزَ النَّاسَ على الاستماع. فيجب عليكَ أنْ تقولَ شيئًا يَجْذِبُ انتباهَهُم. ويسوعُ يَعلَمُ أنَّ العالَمَ يَبحثُ عنِ السَّعادة، وأنَّ النَّاسَ يريدونَ أنْ يَختبروا الغِبْطَة، وأنَّهم يُريدونَ أنْ يَعرفوا البَهْجَة، وأنَّهم يريدونَ أنْ يكونوا فَرِحينَ وأنْ تَكونَ حَياتُهُم ذاتَ مَعنى، وأنْ يَكونوا مُبْتَهِجين. لِذا فإنَّهُ يَبتدئُ بالقول: "أنا أُقَدِّمُ لكم السَّعادَة".

ولكِنَّ ما قَالَهُ لم يكن ما يَتوقَّعونَهُ. فقد كانَ يُقَدِّمُ لهم السَّعادَةَ بطريقةٍ لم يَسمعوها قَطّ في حياتِهم. لِذا فقد تَعَجَّبوا. وحينَ انْتَهى، كانوا أكثرَ مِنْ مَدهوشين. فقد كانوا مَصْدومينَ تمامًا مِمَّا قالَهُ. لِذا فإنَّ رَبَّنا يُقَدِّمُ سَعادَةً حَقيقيَّةً، وغِبْطَةً حَقيقيَّةً. ولكِنَّها غِبْطَةٌ لا تَتَحَقَّقُ إلَّا إذا كُنْتَ جُزءًا مِن مَلكوتِهِ. فهذه هي الحقائِقُ المُختصَّة بملكوتِه. لِذا، كما قُلْتُ سابقًا، فإنَّها تُعَبِّرُ عنْ شَرْطٍ لا بُدَّ مِنْ تَحقيقِهِ لِدُخولِ الملكوتِ، وعَنْ صِفَةٍ مُتوفِّرة في الأشخاصِ الذينَ يَنتمونَ إلى مَلكوتِه. والنَّاسُ يَقولون: "هلِ الحقائق المذكورة هُنا في التَّطويباتِ تَختصُّ بكيفيَّة دُخولِ الملكوتِ أَمْ بكيفيَّةِ العَيْشِ في الملكوت؟" والجَوابُ هُوَ: "أَجَل".

فهي تَختصُّ بالشُّروطِ الَّتي ينبغي أنْ تَتوافَرَ فيكَ لِدخولِ الملكوت، وبكيفيَّةِ السُّلوكِ حينَ تَحيا في الملكوت. بعبارة أخرى، لكي تَدْخُل الملكوت، يجب أنْ تكونَ مِسكينًا بالرُّوح. وحينَ تَحيا في الملكوت، فإنَّكَ تَستمرُّ في إدراكِ مَسْكَنَتِكَ الرُّوحيَّة. ولكي تَدخل الملكوت، يجب عليكَ أنْ تَحْزَنَ على خَطاياك. وحينَ تَستمرُّ في العيشِ في الملكوتِ بوصفِكَ ابْنًا للهِ، فإنَّكَ ستستمرُّ في الحُزْنِ على خطاياك. ولكي تَدخُل الملكوت، يجب عليكَ أنْ تأتي بوداعة، لا بكبرياء. فالإنسانُ المُتَكَبِّر لا يستطيعُ أنْ يَدْخُل. وحالما تَصيرُ في الملكوت، فإنَّ الوداعةَ تَبقى صِفَةً مِنْ صِفاتِكَ فيما تَتأمَّلُ في اللهِ وفيما تَزْدادُ رَوْعَةُ اللهِ في نَظَرِكَ كُلَّما دَرَسْتَ أكثر وتَعَلَّمْتَ أكثر. ولكي تَدخُل الملكوت، يجب عليكَ أنْ تَجوعَ وَتَعْطَشَ إلى البِرِّ. وحالما تَصيرُ في الملكوت، فإنَّكَ تَستمرُّ في الشُّعورِ بالجوعِ والعَطَشِ إلى المَزيدِ مِن ذلكَ البِرِّ نَفْسِهِ. لِذا، فإنَّهُ شَرْطٌ للدُّخول وسِمَةٌ للعَيْشِ في الملكوت. فهذا وَصْفٌ لِدُخولِ مَلكوتِهِ والعيشِ في ملكوتِه.

والآنْ، اسمَحوا لي أنْ أَتأمَّلَ في العدد السَّادِس – في هذا الجانِبِ تَحْديدًا: "طُوبَـى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ". وهذهِ التَّطويبة تَتحدَّثُ عنِ التَّوْقِ الشَّديد. وهي تَتحدَّثُ عنِ السَّعْيِ الدَّؤوب. وهي تَتحدَّثُ عنْ شَغَفٍ قَوِيٍّ في داخِلِنا، وعَنْ طُموحٍ (إنْ شِئْتُم). والطُّموحُ كَلِمَة يمكن أنْ تُستخدَم بالمَعنى الإيجابيِّ. وهي يمكن أنْ تُستخدَم أيضًا بالمَعنى السَّلبيِّ. فهناكَ أشياءٌ كثيرةٌ يَسعى النَّاسُ إليها، ويَتوقونَ إليها، ويَرغبونَ فيها، ويَطْمَحونَ في تَحقيقِها. وهُناكَ الكثيرُ مِنَ الرَّغباتِ القويَّة المُنْحَرِفَة الَّتي تَسيرُ في الاتِّجاهِ الخَاطِئ.

فمثلاً، أنا أُفَكِّرُ في "لوسيفر". فقد كانَ لوسيفر أَسْمَى خَليقَةِ اللهِ. وكانَ أَرْوَعَ شَيءٍ خَلَقَهُ اللهُ. ولكِنَّ لوسيفر كانَ يَمْلِكُ طُموحًا قَوِيًّا نِهِمًا. وقد كانَ شَغَفُهُ يَحْفِزُ إرادَتَهُ بِشِدَّة. وما هو ذلكَ الشَّغَف؟ نَقرأُ في سِفْر إشعياء 14: 13 عَنْ شَغَفِ لوسيفَر: "أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ، وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ". فقد كانَ طُموحُهُ هو أنْ يَصيرَ مَثْلَ اللهِ. فقد كانَ لَدَيْهِ جُوْعٌ، ولكنَّهُ كانَ...لاحظوا ذلك... كانَ جائعًا إلى السُّلْطَة. فقد كانَ جائعًا إلى السُّلْطَة. وقد كانَ يَمتلك طُموحًا قويًّا وشَغَفًا قويًّا، ولكنَّهُ طُموحٌ للسُّلْطَة. فقد كانَ جَائِعًا إلى السُّلْطَة. وفي رَدِّ اللهِ عليهِ، نَقرأُ أنَّ اللهَ يَقولُ لَهُ: "لكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ، إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ". بعبارة أخرى: "لن تُحَقِّقَ طُموحَكَ".

ثُمَّ هناكَ نَبوخَذنَصَّر. فقد كانَ نبوخذنصَّر مَلِكًا على بابل الَّتي كانت أعظمَ مَمالِكِ العَالَم. وكانَ نبوخذنصَّر مَلِكًا لا مَثيلَ لَهُ. وكانَ نبوخذنصَّر مُتَسَلِّطًا في مملكةِ النَّاس. وكانَ نبوخذنصَّر أعظمَ مَلِكٍ في التَّاريخ. وكان نبوخذنصَّر يمتلك طُموحًا قويًّا. ونحنُ نَقرأ في سِفْرِ دانيال والأصحاحِ الرَّابعِ عَنْ طُموحِهِ إذْ نَقرأ في العدد 30: "وَأَجَابَ الْمَلِكُ فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ هذِهِ بَابِلَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا لِبَيْتِ الْمُلْكِ بِقُوَّةِ اقْتِدَارِي، وَلِجَلاَلِ مَجْدِي؟»". فإنْ كانَ لوسيفر جائعًا إلى السُّلْطَة، فإنَّ نبوخذنصَّر كانَ جائعًا إلى العَظَمَة. وقد كانَ جُوْعُهُ إلى العَظَمَة قَوِيًّا جِدًّا حَتَّى إنَّهُ عَظَّمَ نَفْسَهُ وَجَلَبَ على نَفْسِهِ قَصَاصَ اللهِ: "لَكَ يَقُولُونَ يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ: إِنَّ الْمُلْكَ قَدْ زَالَ عَنْكَ. وَيَطْرُدُونَكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَكُونُ سُكْنَاكَ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّ، وَيُطْعِمُونَكَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، فَتَمْضِي عَلَيْكَ سَبْعَةُ أَزْمِنَةٍ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ". فقد كانَ لوسيفَر جائعًا إلى السُّلطة، وكانَ نبوخذنصَّر جائعًا إلى العَظَمَة. ولم يَتَمَكَّنْ أيٌّ منهما مِنْ تحقيقِ طُموحِهِ.

وهناكَ شَخصٌ آخر أَوَدُّ أنْ أَلْفِتَ أنظارَكُم إليهِ لأنَّهُ كانَ صَاحِبَ طُموحٍ. وهناكَ أشخاصٌ كثيرون، ولكنِّي أُقَدِّمُ لكم مَثَلاً توضيحيًّا وحَسْب. ففي لوقا 12: 17، نَقرأُ عن رَجُلٍ غَنِيٍّ غَبِيّ: "فَفَكَّرَ [الغَنِيُّ الغَبِيُّ] فِي نَفْسِهِ قَائِلاً: مَاذَا أَعْمَلُ، لأَنْ لَيْسَ لِي مَوْضِعٌ أَجْمَعُ فِيهِ أَثْمَارِي؟ وَقَالَ: أَعْمَلُ هذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَلاَّتِي وَخَيْرَاتِي". فهو لم يكن مُستعدًّا لمشاركة ما لديهِ مَعَ أيِّ شخصٍ آخر، بل كان يَرْغَبُ فقط في تَكْديسِ ثَرْوَتِه. "وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي!" فقد كانَ صَاحِبَ طُموحٍ. فقد كانَ لديهِ جُوْعٌ للمُمتلكات...جُوْعٌ للمُمتلكات. وهل تَعلمونَ ماذا قالَ لَهُ اللهُ؟ "يَا غَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟"

وهناكَ أُناسٌ كثيرون لديهم طُموح. جُوعٌ للسُّلْطَة، أوْ جُوعٌ للعَظَمَة، أوْ جُوعٌ للمُمتلكات. وحَتَّى إنَّهُ بمقدورِنا أنْ نقول إنَّ هذا الرَّجُلَ كانَ لديهِ جُوعٌ للمُتعة: "كُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي". ولكنَّهم جميعًا كانوا حَمْقَى. فقد كانوا جِياعًا للشَّيءِ الخاطئ. فلا خَطَأَ في الطُّموح. ولا خَطَأَ في الشَّغَف. ولا خَطأَ في الدَّوافِع القويَّة. ولا خَطأَ في الرَّغبة الشَّديدة إنْ كانت رَغبةً في الشَّيء الصَّحيح. وقد تَقول: "وما الشَّيءُ الصَّحيح؟" ارجِعوا إلى العدد السَّادِس. فهذا هو الشَّيءُ الصَّحيح: "طُوبَـى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ". وهذهِ جُملة قويَّة. فالطَّعامُ والماءُ حاجاتٌ أساسيَّة، يا أحبَّائي. هل تَذكرونَ ذلك؟ أجل! إنَّها حاجاتٌ أساسيَّة. وهذهِ هي أيضًا حَالُ البِرّ. وهذه هي الإشارة الأولى لهذه التَّطويبة. فأنتَ تَحتاجُ إلى البِرِّ كما تَحتاجُ إلى الطَّعامِ والماء. فلا خَطَأَ في أنْ تَجوع. ولا خَطَأَ في أنْ تَعطَش. فهذا هو أكثرُ شيءٍ طَبيعيّ. وَهُوَ أكثرُ دَافِعٍ عَاديّ. وَهُوَ دافعٌ نابعٌ مِنْ حاجَة ماسَّة. وهذه هي أيضًا حَالُ البِرّ.

فحياتُنا الجسديَّة تَعتمد على الطَّعامِ والماء. وحياتُنا الرُّوحيَّةُ تَعتمد على البِرّ. فلا يمكنكَ أنْ تَعيشَ جسديًّا مِن دونِ طَعامٍ وماء. ولا يمكنكَ أنْ تَحيا روحيًّا مِن دونِ بِرّ. فَكِّروا في الجانبِ الجسديِّ لَعَلَّ ذلكَ يُعطيكُم فِكرةً عن المَعنى القَوِيِّ لكلماتِ يسوعَ هُنا. فمنذُ أنِ التقى يوسُفُ إخوَتَهُ في مِصْر في سِفْر التَّكوين، كانَ العالَمُ مَلعونًا بالمَجاعة؛ أوْ رُبَّما حَتَّى قبلَ ذلك. فالمجاعةُ حَدَثَت في رُوما في سنة 436 قبلَ الميلاد. وقد دَفَعَتْ تلكَ المَجاعةُ آلافَ النَّاسِ إلى طَرْحِ أنفُسِهِم حَرفيًّا في نهرِ التِّيبْر" (Tiber River) لأنَّهم فَضَّلوا الموتَ غَرَقًا على الموتِ جُوْعًا. وقد ضَرَبَتِ المجاعةُ إنجلترا في سنة 1005 ميلاديَّة وعانَتْ أوروبَّا كُلُّها المجاعةَ في السَّنوات 879، و 1016، و 1162. وحَتَّى في القرن التَّاسع عشر، أيْ في القرنِ الماضي، على الرَّغمِ مِنَ التَّقَدُّمِ الَّذي تَمَّ إحرازُهُ في التِّكنولوجيا والتِّجارة، فإنَّ المَجاعةَ ضَرَبَت روسيا، والصِّين، والهند، وإيرلندا حَتَّى إنَّ أُناسًا كثيرينَ جِدًّا ماتوا. والحالُ مُستمرَّة حتَّى يومِنا هذا. ففي وقتِنا الحاضِر، في أجزاءٍ مِنْ إفريقيا وأجزاءٍ مِنَ الهند، يَموتُ الآلافُ بسببِ سوءِ التَّغذية والأمراضِ النَّاجمة عن ذلك. وهناكَ مِئاتٌ يَموتونَ في أجزاءٍ مِن أمريكا اللَّاتينيَّة. فالجُوْعُ يُشْبِهُ الحَرْب. وهو يُشبهُ الوَبَأ. فهو يَفْتِكُ بالنُّفوس.

لِذا فإنَّ الطَّعامَ والماءَ حاجاتٌ أساسيَّةٌ جِدًّا. ولكِنَّ كُلَّ الأهوالِ الَّتي قد نَتخيَّلُها فيما يَختصُّ بالجُوعِ الجسديِّ تَتلاشَى أمامَ هَوْلِ الجوعِ الرُّوحِيِّ الَّذي لا يُسَدُّ، والعَطَشِ الرُّوحِيِّ الَّذي لا يُرْوَى. فالجُوعُ الجسديُّ هو جُزءٌ صَغيرٌ جِدًّا مِنْ جُوعٍ أَشَدُّ وأخْطَر يُواجِهُ البشريَّةَ وَهُوَ: الجُوْعُ الرُّوحيُّ. ويسوعُ يَقولُ هُنا إنَّ الشَّيءَ الحقيقيَّ الَّذي يَحتاجُ إليهِ الإنسانُ هُوَ: البِرّ. "كُلُّ شخصٍ يَدْخُلُ مَلكوتي، وكُلُّ شخصٍ يَحيا في ملكوتي يَمتلك شَهِيَّةً أعظَم وعَطَشًا أعظَمَ مِنَ الجوعِ والعَطَشِ الَّذي يَشعُرُ بِهِ المَرْءُ للطَّعامِ والماء".

صَحيحٌ أنَّ الأشخاصَ غيرَ المُخَلَّصين لديهم طُموح، وَلَديهم جوعٌ، ولديهم عَطَشٌ بالمَعنى المادِّيِّ. وأعتقد أنَّهم يَشعرونَ بِعَطَشٍ للسَّعادة وجوعٍ للاكتفاء. ولكِنْ يبدو أنَّهم يَبحثونَ عنهما في المكانِ الخاطِئ. والحقيقة هي أنَّ بُطْرُس يُشَبِّهُ الشَّخصَ غيرَ المُخَلَّصَ بِكَلْبٍ يَعودُ وَيَلْعَقُ الطَّعامَ الَّذي تَقَيَّأَهُ. وبُطرُس يُشَبِّهُ الشَّخصَ غيرَ المُخَلَّصَ بِخِنزيرٍ يَعودُ وَيَتَمَرَّغُ في قَذارَتِهِ. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ العالَمَ يُحاولُ أنْ يَتَغَذَّى على طَعامٍ غيرِ مُغَذٍّ. والعالَمُ يُحاولُ أنْ يَتَغَذَّى على أشياء لا تَسُدُّ حاجَتَهُ. وقلبُ كُلِّ إنسانٍ في العالَم، مُؤمِنًا كانَ أَمْ غيرَ مُؤمِنٍ...إنَّ قلبَ كُلِّ إنسانٍ عاشَ يومًا على الأرضِ مَخلوقٌ على نَحْوٍ يَجْعَلُهُ جائِعًا للهِ. ولكِنَّ الإنسانَ يُحاولُ أنْ يَسُدَّ جُوعَهُ إلى اللهِ بكُلِّ الأشياءِ الزَّائفة، وبالنُّفاية، وبِخُرْنوبِ الخَنازيرِ (كالابْنِ الضَّالّ). وها هِيَ حَالُهُ. فَقَلْبُهُ يَجوعُ إلى الطَّعامِ، ولكنَّهُ يَتَغَذَّى على خُرْنوبِ الخَنازير. فالكَلْبُ يَعودُ إلى قَيْئِهِ. فَهُمْ لا يَبْحَثونَ عَنْ خُبْزِ الحياةِ، بل يَبْحَثونَ عَمَّا يَصِفُهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ بأنَّهُ ليسَ خُبْزًا.

وقد قَدَّمَ يسوعُ نفسَهُ بوصفِهِ ذاكَ الخُبْز. فقد كانَ يَعلمُ أنَّ النَّاسَ جِياعٌ. وقد قَدَّمَ نفسَهُ بوصفِهِ ذاكَ الماء. فقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ عِطاشٌ. وقد قالَ إرْميا هذه الكلماتِ النَّابضة بالحياة. استمعوا إلى ما جاءَ في سِفْرِ إرْميا 2: 13: "تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا..." [مِنْ أيِّ نَوْعٍ؟] "...أبارًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً". بعبارةٍ أخرى، فقد خَلَقَ اللهُ الإنسانَ بطريقةٍ تَجْعَلُهُ يَعْطَشُ وَيَجوعُ إليه، ولكنَّ الإنسانَ يَرفُضُ بِئرَ الماءِ الحَيِّ ويَنْقُرُ لنفسِهِ آبارًا مُشَقَّقَةً لا تَضْبُطُ مَاءً. ومِنَ المُحزِنِ جِدًّا أنْ نَرى النَّاسَ يَجوعونَ ويَعطشونَ إلى الأشياءِ الخاطئة. فَهُمْ يَجوعونَ ويَعطشونَ إلى السَّعادةِ، ومَغزى الحياةِ، والشُّعورِ بالإنجازِ، ويحاولونَ جاهِدينَ أنْ يُشْبِعوا أنفسَهُم بالمُتَعِ الدُّنيويَّة، والمُمتلكاتِ، والسُّلطة، وتَمْجيدِ الذَّات.

لقد كانَ الابنُ الضَّالُّ يَتوقُ إلى المُتعَة. وكانَ يَتوقُ إلى الامتلاكِ. وكانَ يَتوقُ إلى شَعبيَّةِ الحياةِ الصَّاخبةِ. ولكنَّهُ جاعَ في رُوحِهِ ورَجَعَ في نهايةِ المَطافِ إلى نَفسِهِ وقال: "كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ؟ لماذا أَفْعَلُ هذا؟" وقد رَجَعَ إلى بيتِ أبيهِ فَعَمِلَ لَهُ أَبوهُ وَليمَةً. وتلكَ الوَليمةُ هي صُورة عنْ وَليمةٍ رُوحيَّة. فالعالَمُ، بحَياتِهِ الرَّعْناء، يُحاولُ أنْ يُشْبِعَ ذاتَهُ بِخُرْنوبِ الخَنازير. وَهُوَ يُحاولُ أنْ يُشبِعَ ذاتَهُ بِمُتَعِ الخطيَّة. ولكنَّهُ يَرْجِعُ فارِغًا تمامًا. أمَّا الأشخاصُ الذينَ يَتجاوبونَ معَ رُوحِ اللهِ فَيُسْرِعونَ في العودةِ إلى الآبِ ليَجِدوا وَليمةً تَمْلأُ قَلْبَهُم الفَارِغ، وتَملأُ نَفْسَهُم الجائعة، وروحَهُم العَطْشَى.

ونَجِدُ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّاني تَحذيرًا بأنَّكَ لا يمكن أنْ تَشْبَعَ في العالَم: "لاَ تُحِبُّوا العَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي العَالَم". وما الأشياءُ الموجودة في العالَم؟ شَهْوَةُ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةُ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمُ الْمَعِيشَةِ. وَهَذِهِ كُلُّها لا تَثْبُتُ إلى الأبَد. فهي مُجَرَّدُ رِيْح. لِذا، اسأل نَفسكَ مُنذُ البداية، أيْ في بدايةِ دراسَتِنا: ما الشَّيءُ الَّذي تَشْعُرُ بالجُوْعِ إليه؟ السُّلْطَة، المَديح، المُمتلكات، المُتعة؟ وهل تُغَذِّي نفسَكَ على خُرْنوبِ الخَنازير؟ وهل أنتَ تُشْبِهُ كَلْبًا يَعودُ إلى قَيْئِهِ؟ أوْ تُشْبِهُ خِنزيرًا يَتَمَرَّغُ في قَذارَتِهِ؟ أَمْ أنَّكَ تَنظرُ إلى المَصدرِ الحقيقيِّ الوحيد؟ لأنَّ الجوابَ الَّذي سَتُقَدِّمُه عنْ ذلكَ السُّؤال سيُحَدِّد إنْ كنتَ في المَلكوتِ أَمْ لا. فما الَّذي تَجوعُ إليه؟ فالمُطَوَّبونَ يَجوعونَ ويَعطشونَ إلى البِرّ. فأولادُ المَلكوتِ يَجوعونَ ويَعطشونَ إلى البِرّ.

والآنْ، اسمَحوا لي أنْ أَطْرَحَ بعضَ الأسئلة المُهمَّة كما فَعَلْنا في كُلِّ واحدة مِنَ التَّطويبات. السُّؤالُ الأوَّل: كيفَ تَرتبط هذهِ التَّطويبةُ بالتَّطويباتِ الأُخرى؟ كيفَ تَرْتَبِط بالتَّطويباتِ الأخرى؟ لاحِظوا، قبلَ كُلِّ شيءٍ، أنَّ العددَ الثَّالثَ يَقول: "طُوبَـى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ". وقد تَحَدَّثنا عن حقيقة أنَّ تلكَ الكلماتِ تَعني في الحَقيقة: الإفلاسَ الأدَبِيَّ. وهي تَعْني أنْ تُقِرَّ بأنَّكَ لا تَمْلِكُ أيَّ صَلاحٍ فيك. وهي تَعني أنْ تُقِرَّ بأنَّكَ تَقِفُ أمامَ اللهِ عارِيًا وفارِغًا. وهي تَعني أنْ تُقِرَّ بأنَّكَ حينَ تَجْمَعُ كُلَّ الأشياءِ الإيجابيَّة في حياتِكَ فإنَّ حَاصِلَ جَمْعِها هُوَ: "صِفْر". وهي تَعني أنْ تُقِرَّ بأنَّكَ عاجِزٌ عن مُساعدة نفسِك، وبأنَّهُ لا حَوْلَ لَكَ ولا قُوَّة، وبأنَّكَ خاطئ.

ثُمَّ تأتي التَّطويبة الثَّانية: "طُوبَـى لِلْحَزَانَى". وَهذا حُزْنُ نَابِعٌ مِنْ ذلكَ الإقرار. فحينَ تَرى نفسَكَ وتُدرك أنَّكَ مُفْلِسٌ رُوحيًّا، فإنَّكَ تَحْزَن. فهو حُزْنٌ يَنبعُ مِنَ الإفلاسِ الأدبيِّ. ثُمَّ تأتي الوَداعَة. ولِسانُ حَالِ الوَداعة هو: "انظروا إليَّ بالمُفارَقة معَ اللهِ. فأنا لا شيء". والوداعةُ هي التَّواضُع. وحينَ تَرى خطيئتكَ، وتَشْعُر بالانكسارِ والحُزْنِ، فإنَّكَ ستَصيرُ وَديعًا أمامَ اللهِ. وفي وَداعَتِكَ أمامَ اللهِ، ستُدرك أنَّ رَجَاءَكَ الوحيدَ مِن خلالِ مَعرفةِ البِرِّ هوَ أنْ تَطْلُبَهُ مِنْهُ. لِذا فإنَّكَ تأتي إلى التَّطويبة الرَّابعة وتَجوعُ وَتَعْطَشُ إلى ذلك البِرِّ الَّذي تَعلم أنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تَحْصُلَ عليهِ بقُدرتِك.

لِذا فإنَّ التَّتابُعَ بَسيطٌ. وقد كَتَبَ "مارتن لويد-جونز": "إنَّ هذه التَّطويبة تَنْبُعُ منطقيًّا مِنَ التَّطويبة الَّتي قَبْلَها. فهي جُمْلَة تُفْضي إليها كُلُّ الجُمَلِ الأخرى. وهي النَّتيجة المنطقيَّة الَّتي تُفْضي إليها. وهي شَيءٌ يَنبغي لنا جميعًا أنْ نَشْكُرَ اللهَ عليهِ كَثيرًا. وأنا لا عِلْمَ لي بأيِّ فَحْصٍ يُمكنُ للمَرْءِ أنْ يُخْضِعَ نَفْسَهُ إليهِ في هذا الجانِبِ المُحَدَّدِ مِنَ الإقرارِ المَسيحيِّ أَفْضَلَ مِن هذه الآية. فإنْ كانت هذه الآية بالنِّسبة إليكَ واحدة مِن أكْثَرِ الجُمَلِ المُبارَكَةِ في كُلِّ الكِتابِ المقدَّس، يمكنكَ أنْ تَكونَ واثقًا مِنْ أنَّكَ مُؤمِن. أمَّا إنْ لم تَكُنْ هذه الآية كذلك، يجبُ عليكَ أنْ تَفحصَ أَسَاسَاتَكَ مَرَّةً أُخرى".

لأنَّكَ إذا كُنْتَ حَزينًا بالرُّوحِ، ومَسْحوقًا بسببِ خَطاياك، وحَزينًا على خطاياك، وتَنظر إلى أعلى مُقِرًّا بقداسةِ اللهِ، لا بُدَّ أنْ يكونَ تَجاوُبُكَ هو أنَّكَ جائِعٌ وَعَطِشٌ إلى الحُصولِ على ما لَدَيْهِ لأنَّكَ بحاجة إليه. أمَّا إنْ لم تَكُنْ جائعًا وعَطِشًا إلى البِرِّ، فإنَّكَ لستَ مُواطِنًا في مَلَكوتِ اللهِ. فمُجْتَمَعُنا يَسْعَى وَراءَ الأشياءِ الخاطئة. أَتَرَوْن؟ فَهُمْ يَبحثونَ عنِ المالِ، والأشياءِ الماديَّة، والشُّهرة، والشَّعبيَّة، والمُتعة. وهذا كُلُّهُ نابِعٌ عادَةً مِنَ الجَشَع لا الحاجة. ولكنَّ كُلَّ هذه الأشياء خاطئة. وهل تَعلمونَ ما الجانبُ المُحْزِن؟ مَعَ أنَّ الولاياتِ المُتَّحدة تُعطينا الضَّوْءَ الأخْضَرَ في البَحْثِ عنِ السَّعادة، فإنَّ النَّاسَ لا يَجِدونَها لأنَّهم يُعَرِّفونَ السَّعادة تَعريفًا خاطئًا. فالسَّعادة في نَظَرِهِم هي المال. والسَّعادة هي المُتعة. والسَّعادة هي الحُصولُ على الأشياءِ الماديَّة. ولكنَّنا نَقرأُ هُنا أنَّ السَّعادة هي الانكسار. والسَّعادة هي الحُزْن. والسَّعادة هي الوَداعة. والسَّعادة هي الجُوعُ والعَطَشُ إلى البِرّ.

ولكنَّكُم ستُلاحِظونَ الرَّدَّ على كُلِّ واحدةٍ مِن تلك. انظروا إلى العدد الثَّالِث مَرَّةً أخرى: "لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" ... "لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ" ... "لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ" ... "لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ". أليسَ الأمرُ رائعًا؟ فإنْ لَخَّصْتُمْ كُلَّ ذلك أَتَعلمونَ ما الَّذي ستَحصلونَ عليه؟ ستَحصلونَ على كُلِّ شيء. فسوفَ تُشْبَعون. وسوفَ تَرِثونَ الأرضَ. وسوفَ تَتَعَزَّوْنَ. وسوفَ تَرِثونَ مَلكوتَ السَّماواتِ. وهذا رائعٌ. بعبارةٍ أخرى، وَفْقًا لِشَرْطِ اللهِ، سيكونُ كُلُّ شيءٍ مِنْ نَصيبِكُم. وإليكُم النُّقطة الجوهريَّة: إنَّ العالَمَ يَسْعَى بِجُنونٍ للحُصولِ على الأشياءِ الماديَّة، وللحصولِ على المال، وللحصولِ على كُلِّ هذه الأشياء. ولكِنْ إنْ جاءوا إلى ملكوتِ اللهِ بشروطِه، فإنَّهم سيَحصلونَ على كُلِّ شيءٍ في النِّهاية. أليسَ كذلك؟ فهذه هي النُّقطة الجوهريَّة.

أنتم، أيُّها النَّاسُ، تَتَكَبَّدونَ عَناءً شَديدًا مِن أجلِ الحُصولِ على ما يريدُ اللهُ أنْ يُعطيكم إيَّاه. أَتَرَوْن؟ وما دُمتمُ تحاولونَ القيامَ بذلك بطريقتكم الخاصَّة، لن تَحصلوا عليه البَتَّة. أمَّا إذا قَبِلْتُم شُروطَ اللهِ دونَ أنْ تُحاولوا الحُصولَ عليهِ بأنفسكم، فإنَّكم ستَحصلونَ عليه. بعبارة أخرى، إنَّهُ مُتاحٌ كَعَطِيَّة. وهذا يَعني أنَّه لا يمكنكم الحُصولُ على ذلك بِجدارَتِكُم. لِذا فإنَّ يسوعَ يقول: "لماذا تَعْمَلونَ بِجِدٍّ كبير للحُصول على هذا كُلِّه؟" فقد كانَ اليهودُ يحاولونَ جاهِدينَ أنْ يُؤسِّسوا المَلَكوت. وكانوا يُحاولونَ جاهِدينَ أنْ يَتَعَزَّوْا في موقفٍ صَعْبٍ جِدًّا. وكانوا يَرْغَبونَ جِدًّا في أنْ يَرِثوا الأرضَ. فقد كانوا يَذوقونَ طَعْمَ ذلكَ الميراث. وكانوا يحاولونَ أنْ يَمْلأوا حَياتَهُم بالمَغزى. ولكنَّهم كانوا يَسْعَوْنَ إلى ذلكَ كُلِّهِ بالطَّريقة الخاطئة. والربُّ يَقولُ لهم ببساطة: "سوفَ أُعطيكُم كُلَّ ما تُريدون. فسوفَ أُعطيكم المَلكوت. وسوفَ أُعطيكم التَّعزية في هذا الدَّهر. وسوفَ أُشْبِعُ حياتَكم بكُلِّ شيءٍ تَحتاجونَ إليه للشُّعورِ بالشَّبع. وسوفَ أُعطيكم الأرضَ كُلَّها. فيمكنكم الحصول على كُلِّ شيء إنْ جِئْتُم بشروطي: مُنْكَسِرينَ، ونائِحينَ، ووُدعاءَ، وجائِعينَ وعِطَاشَ إلى البِرّ". وأعتقد أنَّ المِفْتاحَ لهذا كُلِّهِ هو هذه الوَداعة لأنَّ الشَّخصَ الوَديعَ هو الشَّخصُ المُنكسِر على الخطيَّة والذي يَطلُب هِبَةَ اللهِ. فلا وُجودَ للكبرياءِ لديه، بل إنَّهُ يَطْلُبُ وَحَسْب هِبَةَ اللهِ.

وفي كُلِّ نَموذَجٍ على الوَداعة...اسمَعوني جَيِّدًا: في كُلِّ نَموذجٍ على الوداعة في الكتاب المقدَّس، نَرى أنَّ الدَّافِعِ الحَقيقيَّ للشَّخصِ هو أنَّهُ كانَ يَعلمُ دائمًا وَعْدَ اللهِ. وسوفَ أُعيدُ ذلك: في كُلِّ نَموذجٍ على الوداعة في الكتاب المقدَّس، نَرى أنَّ الدَّافِعِ الحَقيقيَّ للشَّخصِ هو أنَّهُ كانَ يَعلمُ دائمًا وَعْدَ اللهِ. فمثلاً، لنأخذ إبراهيم. وقد أخبرتكم في الأسبوعِ الماضي، أو قبلَ أُسبوعين، أخبرتُكم أنَّ إبراهيم كانَ وَديعًا لأنَّ هذا كانَ واضحًا عندما حانَ الوقتُ لكي يُقَرِّر هُوَ وَلوط مَنْ سيأخذُ الأرضَ. أليسَ كذلك؟ فقد قال: "لوط، اخْتَرِ الأرضَ الَّتي تَشاء". فقد كانَ وَديعًا. ولكِنْ أتَعلمونَ ما الَّذي كانَ يَعْلَمُهُ في ذِهْنِهِ؟ أنَّ اللهَ وَعَدَهُ بكُلِّ شيءٍ. وهو لم يُمانِع في أنْ يَحْصَل لوط على جُزْءٍ مِن ذلكَ مُؤقَّتًا. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الوداعة يمكن أنْ تُمارَس دائمًا لأنَّها تَعْلَمُ أنَّ كُلَّ شيءٍ سَيَؤولُ إليها في النِّهاية. وهل تَذكرونَ داوُد؟ فلم يكن داوُد يُفَكِّرُ في رَفْعِ سَيْفِهِ على شَاوُل. ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنِّي قُلتُ لكم إنَّهُ كانَ بمقدورِهِ أنْ يَقتُلَ شاوُل، ولكنَّهُ اكْتَفى بِقَطْعِ جُزْءٍ مِنْ ثَوْبِهِ فقط. لماذا؟ لأنَّ داوُدَ كانَ يَعلم أنَّهُ المَلِك وأنَّهُ سيَحصل على المُلْكِ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. لِذا، ما المُبَرِّرُ للقَلَق؟

بعبارة أخرى، فإنَّ الأساسَ هُوَ وَعْدُ اللهِ. وحالَما نُؤمِنُ بوعدِ اللهِ، لن نكونَ بحاجة إلى بَذْلِ جُهْدٍ كبيرٍ للحُصولِ على كُلِّ هذهِ الأشياء. وأنا أَقرأُ كِتابي المُقَدَّس بهذه الطَّريقة. فاللهُ يَقول: "ماك آرثر، أنْتَ ابْني. وأنتَ سَتَرِثُ الأرضَ". لذلك، لماذا أَصْرِفُ كُلَّ وقتي في المُطالَبَة بحقوقي الآن، وفي محاولةِ الحُصولِ عليها؟ فهذا ليسَ مَنطقيًّا البَتَّة. فهي ستكونُ لي في مُطْلَقِ الأحوال. وأنا لا أُمانِعُ في أنْ يَسْتَعيرَها بعضُ النَّاسِ إلى حِيْن. فهي ستكونُ مِنْ نَصيبي في النَّهاية وَفْقًا لوعدِهِ. وكما تَرَوْنَ، يا أصدقائي، فإنَّ هذه هي النُّقطة الجوهريَّة الَّتي ينبغي أنْ تُدركوها. وهذا هو المُحَرِّكُ الأساسِيُّ في العِظَة على الجبل. فأنتُم تَدخلونَ ملكوتَ اللهِ وتَعلمونَ أنَّهُ لَكُمْ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. فلا يمكنكم الحصولُ عليه إلَّا مِنْ يَدِه. وبعدَ ذلك، يَصيرُ ذلك حافِزًا للحُصولِ على أشياء أخرى. وأرجو أنْ تَنظروا إلى العدد 40 مِنْ مَتَّى 5: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا". لماذا؟ لأنَّكَ ستَحصُل على كُلِّ ما تَحتاجُ إليه في الملكوت. فما الدَّاعي للقَلَق؟ "وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ".

اسمَعوني: لا تَتَشَبَّثوا بالأشياءِ الَّتي في العالَم. ولا تحاولوا أنْ تَستسلموا لِحُبِّ التَّمَلُّك. ولا تحاولوا أنْ تَحصُلوا على كُلِّ شيء. فهو سيكونُ لكم في مُطْلَقِ الأحوال. لذا، شارِكوه. وكما تَرَوْن، إنْ كانَ لديكَ هذا القلب، وكانت لديكَ هذه الرُّوح، سيكونُ لديكَ الطُّموحُ الصَّحيح. فإذا كنتَ تَقول: "كُلُّ ما أُريدُهُ، يا رَبّ، هو بِرُّك. وكُلُّ ما أُريدُهُ هو أنْ أكونَ وَديعًا أمامَكَ. وكُلُّ ما أريدُه هو أنْ أَدْخُلَ مَلكوتَكَ بِشُروطِك"، فإنَّكَ تَعْلَمُ وَعْدَهُ وتُدرك أنَّكَ سَتَرِثُ في النِّهاية كُلَّ شيء... كُلَّ شيء.

والحقيقة هي أنَّ الرَّسولَ بولُسَ قالَ لأهلِ كورِنثوس: "كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ". أليسَ كذلك؟ "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلِلْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ للهِ". فكُلُّ شيءٍ هو لكم في النِّهاية. كُلُّهُ لكم. ونَرى هُنا أنَّ هؤلاءِ اليهودَ كانوا يحاولونَ الحُصولَ على الملكوت، وكانوا يحاولونَ أنْ يَرِثوا الأرضَ، وكانوا يحاولونَ أنْ يَتَعَزَّوْا في وَسْطِ أحوالِهم الصَّعبة، وكانوا يُحاولونَ أنْ يَملأوا حَياتَهُم ويَعملونَ جاهِدينَ لتحقيقِ ذلك. ولكِنَّ الربَّ قالَ لهم: "إنْ جِئْتُم بشروطي، سأعطيكم كُلَّ شيء". وقد قالَ ذلك أيضًا في الأصحاحِ السَّادسِ والعَدَد 33. استمعوا إلى هذه الآية: "لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ..." [وماذا؟] "...وَبِرَّهُ". [وماذا سيَحصُل حينئذٍ؟] "وَهذِهِ كُلُّهَا [ماذا؟] تُزَادُ لَكُمْ". وكما تَرَوْنَ، فإنَّ هذهِ كُلَّها هي لكم في النِّهاية، ولكِنْ بِشُروطِ اللهِ. لِذا فإنَّهُ يَقول: "طُوبَـى لِلْجِيَاع".

وهناكَ ألمٌ في العدد الثَّالِث...انكسارٌ في الرُّوح. وهناكَ ألمٌ في العدد الرَّابع...حُزْنٌ. وهناكَ ألمٌ في العدد الخامِس...وَداعة وموتٌ عنِ الذَّات. فَهُوَ انتحارٌ. وهو مُؤلمٌ. ولكِنْ هناكَ تَعزية في العدد السَّادس. فالجوعُ والعَطَشُ هُما الحَلُّ. فقد تَبْلُغُ نُقطةً تَبتدئُ فيها بالالتجاءِ إلى الله. وهو شيءٌ سَلبيٌّ في البداية. فأنتَ تتألَّمُ كثيرًا. فأنتَ تُدْرِكُ خَطيئَتَكَ وتَبتدئُ بالالتجاءِ إلى الله. وأنتَ تَبتدئُ تَجوعُ وتَعطشُ إلى البِرّ. لِذا فإنَّ هذه التَّطويبة تأتي في موضِعِها الصَّحيحِ هُنا لأنَّها مَنطقيَّة. فنحنُ نَنظرُ هُنا إلى رَجُلٍ يُشْعُرُ بالانكسارِ بسببِ الخطيَّة، ونَنظرُ إلى امرأةٍ تَشْعُرُ بالانكسارِ بسببِ الخطيَّة، وإلى شخصٍ وَديعٍ أمامَ اللهِ القُدُّوس لأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا شيء وأنَّهُ لا يستطيعُ أنْ يَفعلَ شيئًا مِنْ تِلقاءِ نفسه ليَستحقَّ أوْ يَرِثَ أيَّ شيء. لِذا فإنَّهُ يَجوعُ ويَعطشُ إلى البِرِّ الَّذي لا يمكنُ لأحدٍ سوى الله أنْ يُعطيه. أَتَرَوْن؟

ولنَطْرَح سُؤالاً ثَانيًا: ما مَعنى أنْ تَجوعَ وأنْ تَعطَشَ؟ لقد أَشَرْنا إلى ذلكَ للتَّوّ. فهو أمرٌ يَختصُّ بالأشواق. وبالمناسبة، إنَّها أشواقٌ عظيمة وقويَّة. فتأثيرُ كلماتِ المسيح هُنا هائلٌ، ولا سِيَّما في تلك الثَّقافة. ورُبَّما لا نَشعُر بذلك التَّأثير في ثقافتِنا لأنَّنا لا نُدْرِكُ مَعنى الجوع، وَلا نُدركُ مَعنى العَطَش. لِذا فإنَّنا لا نَفهمُ ذلك. فعندما تُفَكِّرُ في العَطَش، فإنَّكَ تُفَكِّرُ في أنَّكَ خَرَجْتَ إلى مكانٍ ما أو رَكضتَ قليلاً وشَعَرْتَ بالعَطَش. ولكنَّكُم لا تُدركونَ مَعنى العَطَش في وَسْطِ الصَّحراءِ حيثُ لا يتوفَّرُ الماءُ لأيَّامٍ عديدة. وعندما تُفَكِّرونَ في الجوعِ فإنَّكم تَقْصدونَ بذلك أنَّ السَّاعة هي الواحدة بعدَ الظُّهر وأنَّكم مُعتادونَ على تَناولِ الطَّعامِ في السَّاعة الثَّانية عشرة والرُّبع. فأنتم لا تُدركونَ معنى الجوع. وأنتم لا تَعرفونَ مَعنى أنْ تُمْضوا أيَّامًا مِنْ دونِ طَعام. ولكِنَّ الفِكرة هُنا هي: اليأس.

وهناكَ كِتابٌ مُدهشٌ كَتَبَهُ الرَّائد "ف. غيلبرت" (Major V. Gilbert) بعُنوان: "الغَزْوُ الأخير" (The Last Crusade). وفي العَدَد الصَّادر في سنة 1966 مِن مجلَّة "ناشيونال كريستيان" (National Christian magazine)، أعادَ "إدوارد. م. بليكلوك" (E. M. Blaiklock) سَرْدَ هذه القصَّة الَّتي قَصَّها الرَّائد "غيلبرت" في هذا الكتاب (الغَزْوُ الأخير). وقد كُتِبَ الكِتابُ عن "تَحرير البريطانيِّينَ لفِلسطين في الحربِ العالميَّة الثَّانية. ولعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ الجِنرال "الينبي" (General Allenby) كانَ واحدًا مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ سَاهَموا في تَحرير فِلَسطين في الحرب العالميَّة الأولى. ويَذْكُر "بليكلوك" قِصَّةَ هذا الجنرال. وإليكم ما سَرَدَهُ: "كان الجَيشُ مُنطلقًا مِنْ بئر السَّبْع، وكانتْ قُوَّةٌ مُؤلَّفَةٌ مِنَ الجُنودِ الأستراليِّينَ-البِريطانيِّينَ والنيوزيلنديِّينَ تَضْغَطُ على الجُزءِ الخَلفيِّ مِنَ الجيشِ التُّركيِّ المُنْدَحِر على وَجْهِ الصَّحراء الجَدْباء. وبسببِ هذا الهُجوم، صارَتْ قافلةُ الجِمالِ الَّتي تَحْمِلُ مياهَ الشُّرْبِ بَعيدة جدًّا". بعبارة أخرى، صاروا بعيدينَ جدًّا عن مَصْدَرِ الماءِ، وصاروا مُنْعَزِلين. "فَرَغَتْ قواريرُ المياهِ، وكانتِ أشِعَّةُ الشَّمسِ تَسْطَعُ دُونَ رَحْمَة في كَبِدِ السَّماءِ والنُّسورُ تُحَوِّمُ بانتظارِ الحُصولِ على فريسة". "آلَمَتْنا رُؤوسُنا [كما يَقولُ الرَّائد غيلبرت]، واحْتَقَنَتْ أعيُنُنا بالدَّمِ ولم نَعُد قادرينَ على فَتْحِها بسببِ الوَهْجِ الشَّديد. وابتدأتْ ألْسِنَتُنا بالتَّوَرُّم. وتحوَّلت شِفاهُنا إلى اللَّونِ الأزرقِ الغامِقِ وابتدأتْ تَتَشَقَّق. والأشخاصُ الَّذينَ سَقَطوا لم نَرَهُمْ ثانيةً. ولكنَّ الجيشَ المُناضِلَ صَبَرَ حَتَّى وَصَلَ إلى الشَّريعة (Sheria).

"كانت هناكَ آبارُ ماءٍ في الشَّريعة. ولأنَّهم عَجِزوا عنِ الاستيلاءِ على المكانِ قَبْلَ حُلولِ اللَّيلِ، ماتَ الآلافُ عَطَشًا. لِذا فقد قاتَلْنا في ذلك اليوم [كما يَقولُ الرَّائد غيلبرت] إذْ كانَ الرِّجالُ يُقاتلونَ مِنْ أجلِ البقاءِ على قَيْدِ الحياة. وقد دَخَلْنا مَحَطَّةَ الشَّريعة في أعْقابِ الأتراكِ المُنْسَحِبين. وكانَ أوَّلُ شيءٍ وَقَعَتْ عليهِ عُيونُنا هو آبارُ الماءِ الحَجَريَّة الكبيرة المُمتلئة بماءِ الشُّرْبِ الباردِ الصَّافي. ومَعَ نَسيمِ الهواءِ العَليلِ في اللَّيل، كانَ صوتُ المياهِ الجارية إلى تلكَ الآبارِ يُسْمَعُ بوضوح، ويَبْعَثُ على الجُنونِ بسببِ قُرْبِهِ. وبالرَّغمِ مِن ذلك، لم يَتَذَمَّر أيُّ رَجُلٍ عندما صَدَرتِ الأوامرُ للكَتائِبِ بالتقدُّمِ نحوَ الآبار بحسبِ الأولويَّة". ثُمَّ إنَّهُ يَصِفُ الأولويَّاتِ الصَّارِمَة: "الجَرْحى أوَّلاً، ثُمَّ الجُنودُ المَسؤولونَ عنِ الحِراسة، ثُمَّ الفِرَقُ الأُخرى فِرْقَةً فِرْقَة. وقد استغرقَ الأمرُ أربَعَ ساعاتٍ إلى أنْ تَمَكَّنَ آخِرُ رَجُلٍ مِنْ شُرْبِ الماء. وطَوالَ ذلكَ الوقت، كانوا يَقِفونَ على بُعْدِ سَبْعَة أمتار فقط مِنْ جِدارٍ حَجَرِيٍّ خَفيضٍ توجد على الجِهَة الأُخرى منه آلافُ اللِّتراتِ مِنَ المياه". ويَخْتِمُ الرَّائدُ غيلبرت حَديثَهُ قائلًا: "أعتقد أنَّنا جميعًا قد تَعَلَّمنا دَرْسَنا الكِتابيَّ الحقيقيَّ الأوَّلَ مِنْ خلالِ تلك المَسيرَة المُمتدَّة مِنْ بئر السَّبْع إلى آبار الشَّريعة. فلو كُنَّا عَطِشينَ هكذا للهِ، وللبِرِّ، ولمشيئتِه في حياتِنا، ولو كانت لدينا هذه الرَّغبة الشَّديدة، وهذا التَّوق الشَّديد، وهذا الشَّغَف القويّ، لَكُنَّا أغنياءَ جِدًّا بِثَمَرِ الرُّوح".

وهذا هو ما يحاولُ يَسوعُ أنْ يَقولَهُ. فهو يَتحدَّثُ عنِ الجوعِ والعَطَشِ على مَسامِعِ أُناسٍ كانوا يَفهمونَ مَعنى ذلك. والأفعالُ اليونانيَّةُ المُستخدمةُ هُنا قويَّة جدًّا. فالفِعْل "بينونتيس" (peinontes) يَعني أنْ تكونَ مُحْتاجًا، وأنْ تُعاني الجوعَ. وهو يَدُلُّ على التَّضَوُّرِ جُوْعًا، لا فقط إلى الجُوعِ السَّطحيّ. والفِعْل "ديبساؤو" (dipsao) يُشيرُ إلى العَطَشِ الشَّديد. وهو يَحْمِلُ أيضًا فِكرةَ العَطَشِ الحَقيقي. وَهُما أقوى حاجَتَيْنِ لدينا. وبالمناسبة، فإنَّ هَذَيْنِ الفِعْلَيْن يَرِدا بصيغة المُضارع المُستمرّ بِمَعنى "الَّذينَ لَدَيْهِم جُوْعٌ دائمٌ" وَ "الَّذينَ لَديهم عَطَشٌ دائمٌ". فهو شيءٌ مُستمرٌّ. لِذا فإنِّي أقولُ لكم، يا أحبَّائي، إنَّ هذه ليست فقط حالَ الشَّخصِ الَّذي يَدْخُلُ الملكوت، بل هي أيضًا حالُ الشَّخصِ الموجود في الملكوت.

وسوفَ أَصيغُ ذلكَ بالطَّريقة التَّالية: عندما جئتُ إلى يسوعَ المسيح، كنتُ جائعًا وعَطِشًا إلى بِرِّه. والآنْ بعدَ أنْ عَرَفْتهُ، أنا عَطِشٌ وجائِعٌ إلى المَزيدِ مِنَ البِرّ. أليسَ كذلك؟ فهذا هو ما يقولُه. والحقيقة هي أنَّ المُفَسِّرَ العَظيمَ "لينسكي" (Lenski) يقول: "إنَّ هذا الجوعَ وهذا العَطَشَ يَزدادُ أكثرَ وأكثرَ كُلَّما زادَ الشِّبَع". ويُضيفُ لوقا مُلاحَظَةً إلى ذلك. فهُناكَ مَقْطَعٌ مُوازٍ كَتَبَهُ لوقا، وَهُوَ يُضيفُ الكلمةَ "الآن": "طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْجِيَاعُ الآنَ". فهو جوعٌ حاضِرٌ ومُستمرٌّ. وَهُوَ نَهْجُ حياةٍ لَحْظَةً تِلْوَ الأخرى. فعندما تَصيرُ مُؤمِنًا فإنَّكَ لا تتوقَّف.

اسمعوني: انظُر إلى حياتِك. إنْ لم تكن جائعًا وعَطِشًا إلى البِرِّ، هُناكَ شَكٌّ في حقيقةِ وُجودِكَ في الملكوت. واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا مِن خلالِ مُوْسَى. فمُوسَى رأى اللهَ. فبعدَ أنْ عَاشَ مُوسَى في البَرِّيَّة أربعينَ سَنة، دَعاهُ اللهُ. وقد جاءَ ورأى اللهَ في العُلَّيْقَةِ المُشْتَعِلَة. فقد رأى اللهَ. وقد رَأى مَجْدَ اللهِ مِنْ خلالِ تلكَ العُلَّيْقَة المُشتعِلَة. وقد قالَ لَهُ اللهُ: "اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ [يا مُوْسَى]، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ". وفي وقتٍ لاحقٍ، حينَ أَخْرَجَ اللهُ بَني إسرائيلَ مِنْ تلكَ الأرضِ، رأى اللهَ. فقد رأى يَدَ اللهِ مِن خلالِ المُعجزاتِ والأوبئةِ. وقد رأى اللهَ حينَ شَقَّ البحرَ الأحْمَرَ وجَعَلَهُم جميعًا يَمْشونَ عَبْرَ البَحْرِ، ثُمَّ أَغْرَقَ كُلَّ جيشِ المِصْرِيِّين. وقد رأى اللهَ حينَ كانوا يَرْتَحِلونَ وكانَ اللهُ يُرْشِدُهُمْ مِنْ خلالِ سَحابَةِ المَجْدِ العَظيمةِ تلكَ في السَّماواتِ. فقد رأى اللهَ. وقد عَرَفَ مَعْنى أنْ تَجوعَ إلى اللهِ وأنْ تَشْبَع.

ولكِنْ هل تَعلمونَ شيئًا؟ بسببِ طاعَتِهِ لوصيَّةِ اللهِ، بَنى خَيْمَةَ اجتماعٍ. وحينَ اكْتَمَلَ بِناءُ خيمةِ الاجتماع، غَطَّى مَجْدُ اللهِ ذلكَ المَكانِ لأنَّ مُوسى قالَ لَهُ: "يا رَبّ، أَرِنِي مَجْدَكَ". وقد تقول: "هذا يَكفي، يا مُوسى. فقد رأيتَ أمورًا كثيرةً". ولكنَّ مُوسى سيُجيبُكَ قائلاً: "ولكنَّهُ لا يَكفي". فقد أَخَذَهُ اللهُ إلى جَبَلٍ عَالٍ وأراهُ إصْبَعَهُ النَّارِيَّ يَكْتُبُ شَريعَةَ اللهِ على لَوْحَيْ حَجَرٍ على ذلكَ الجَبَل. وحينَ نَزَلَ مُوسى إلى أسفل، لم يَكُنْ ذلكَ كَافِيًا بالنِّسبةِ إليهِ فقالَ لَهُ: "أَرِني مَجْدَك". وحينَ نَزَلَ كانَ وَجْهُهُ يَلْمَع. وحينَ ابتدأَ مَجْدُ اللهِ يَتلاشى مِنْ وَجْهِهِ، صَعِدَ مَرَّةً أخرى إلى الجبل ورأى مَرَّةً أخرى مجدَ اللهِ ونَزلَ. ثُمَّ إنَّهُ صَعِدَ مَرَّةً أخرى. فهو لم يَكْتَفِ قَطّ...لم يَكْتَفِ قَطّ. فَهُوَ يَرْجوهُ في سِفْر الخروج 33: 18 قائلاً: "أرجوكَ...أتوسَّلُ إليكَ أنْ تُريني مَجْدَكَ". وكَما تَرَوْن، فإنَّ هذه هي صِفَةُ ابْنِ الملكوت. فهو لا يَكْتَفي. فهناكَ عَدَمُ اكتفاءٍ في الاكتفاءِ نفسِه. وهُناكَ جوعٌ دائمٌ إلى المزيد.

وأنا أُفَكِّرُ في داوُد. داوُدُ، ذلكَ الرَّجُل الَّذي بِحَسَبِ قَلْبِ اللهِ. داودُ الَّذي تَمَتَّعَ بشَرِكَةٍ حميمةٍ معَ اللهِ. داودُ الَّذي كَتَبَ ذلكَ المَزمورَ الَّذي قال فيه: "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ...إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي... فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي...عَصَاهُ وَعُكَّازُهُ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي". فقد عَرَفَ اللهَ. لقد عَرَفَ اللهَ في حياتِه. وقد حَفِظَهُ اللهُ. وقدِ اعتَني اللهُ به. وقد أَرْشَدَهُ اللهُ. وقد وَجَّهَهُ اللهُ. وَهُوَ الَّذي قالَ إنَّ غَيْرَةَ بَيْتِ الرَّبِّ أَكَلَتْهُ، وَإنَّ تَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِي الرَّبِّ وَقَعَتْ عَلَيه. فقد عَرَفَ اللهَ مَعرفةً حَميمةً. فيمكنكَ أنْ تَقول: "آه! هُناكَ رَجُلٌ يَعْرِفُ اللهَ. رَجُلٌ كانتِ المَزاميرُ تَتَدَفَّقُ مِنْهُ كما تَتَدَفَّقُ المياهُ مِنْ جَداوِلِ المياه". وَهُوَ يَقول في المزمور 63: "يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ". ولكنَّهُ لا يتوقَّفُ هُنا، بل يقول: "إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي، يَشْتَاقُ إِلَيْكَ جَسَدِي فِي أَرْضٍ نَاشِفَةٍ وَيَابِسَةٍ بِلاَ مَاءٍ". أَتَرَوْن!

والآنْ، إنَّ ما يَقولَهُ، كما تَرَوْنَ، هو أنَّ الجُوْعَ والعَطَشَ لا يَتَوَقَّفان. فَهُما في حَياةِ ابنْ الملكوتِ الحَقيقيِّ نَهْجُ حَياة. انظروا إلى الرَّسولِ بولُس...إلى الرَّسول بولُس في رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّالث. وقد تقولُ: "لقد عَرَفْتَ، يا بولُس، كُلَّ ما يُمْكِن أنْ يُعْرَف. وقد رأيتَ شخصيًّا في حَياتِكَ رُؤى يَسوعَ المسيح ابتداءً مِمَّا حَدَثَ معكَ في الطَّريقِ إلى دمشق، وما حَدَثَ معكَ في السِّجْنِ في أورُشليم". كذلكَ، فقدِ اخْتُطِفَ بولسُ إلى السَّماءِ الثَّالثةِ ورأى أمورًا رائعةً جِدًّا أيضًا. "آه يا بولُس! ماذا عَسانا أنْ نَقول؟ أنتَ مَنْ كَتَبْتَ كُلَّ اللَّاهوت. وأنتَ مَنْ كَتَبْتَ كُلَّ المُصطلحاتِ العَظيمةِ الَّتي تُعَبِّرُ عنِ الحَقِّ الإلهيِّ في العهدِ الجديد. ما الَّذي تُريدُهُ أكثرَ مِنْ ذلك؟" وَشَوْقُ قَلْبِهِ في رسالة فيلبِّي 3: 10 هو: "لأَعْرِفَهُ". أَتَرَوْن؟ "وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ". فهو شوقٌ لا نِهاية لَهُ...لا نهاية لَهُ.

ومِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ كانَ يَعرفُ الشَّريعة. فَهُوَ يقول في العدد 6: "لقد عَرَفْتُ البِرَّ الَّذي في الشَّريعة، ولكنِّي حَسِبْتُ ذلكَ نُفايَةً ولا شَيء. فكُلُّ ما أُريدُهُ هو أنْ أَعرفَ اللهَ". ويمكنكم أنْ تَسمعوا بُطرسَ يَصْرُخُ قائلاً: "انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ". فَهُوَ جُوْعٌ لا يَعْرِفُ الاكتفاء. أَتَرَوْن؟ وقد قالَ الفَاضِل "داربي"، وَهُوَ رَجُلٌ عَظيمٌ مِنْ رِجالِ اللهِ الذينَ كانوا مَسؤولينَ مُنذُ زَمَنٍ طَويلٍ عن تأسيسِ حَرَكَةِ الإخوة البَلاميس (Plymouth Brethren)، قالَ الآتي: "لا يَكفي أنْ أكونَ جائعًا، بل يجب أنْ أَتَضَوَّر حقًّا لمعرفةِ ما في قلبِ اللهِ مِنْ نَحْوي. فحينَ جاعَ الابْنُ الضَّالُّ ذَهَبَ ليأكُلَ خُرْنوبَ الخَنازير. ولكِنْ حينَ تَضَوَّرَ جوعًا رَجَعَ إلى أبيه". أجل. فهذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ يَسوع. فهو يَتحدَّثُ عنِ التَّضَوُّرِ الَّذي لا يَستطيعُ أحدٌ سِوى الله أنْ يُشْبِعَهُ.

جاءَت سَيِّدة إليَّ في هذا الصَّباح وقالت: "أتَدري أنَّني أحاولُ أنْ أُشاركَ المسيحَ معَ صَديقةٍ لي، وأنَّها جاءت إلى درسِ الكتاب المقدَّس. ولكنَّ صديقتي لا تَرغب الآنَ في المجيءِ إلى درس الكتاب المقدَّس. فهي تُريدُ أنْ تكونَ مُتَدَيِّنة، ولكنَّها لا تريدُ أنْ تكونَ مُكَرَّسة". فقلتُ: "إنَّها ليست جائعة بالقدرِ الكافي". فما لم يَشعرُ النَّاسُ بالجوعِ والعطشِ الحقيقيَّيْنِ إلى البِرِّ، فإنَّهم لن يَطلبوا الشِّبَعَ والارتواءَ مِنَ الله. ونحنُ نقرأ في إنجيل لوقا 1: 53: "أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ". فالأشخاصُ الذينَ لديهم كُلَّ ما يحتاجون مَضَوْا فارِغين. لِذا فإنَّنا نُدْرِكُ سَبَبَ وُجودِ هذه التَّطويبة في هذا الموضِع، ونَفْهَم مَعنى الجوع والعَطَش. فَهُما جوعٌ وعَطَشٌ شَديدَيْنِ لا نهايةَ لهُما. لا نهايةَ لَهُما. وأنا أُوْمِنُ أنِّي أَجوعُ أكثرَ فأكثر إلى بِرِّ اللهِ في الوقتِ الحاضِرِ أكثرَ مِنْ أيِّ وقتٍ مَضَى. وأنا أُوْمِنُ أنِّي سأجوعُ إليهِ يَوْمَ غَدٍ أكثرَ مِنَ اليوم. وإلى أنْ يأتي اليومُ الَّذي سَأَرى فيهِ يسوعَ المسيحَ، سأستمرُّ في الجُوعِ إليه.

السُّؤالُ الثَّالث: ما هو هذا الشَّيءُ الَّذي نَجوعُ إليه؟ ما هو هذا البِرّ؟ لقد قالَ عَاموس إنَّ النَّاسَ في العالَم "يَتَهَمَّمُونَ تُرَابَ الأَرْضِ". وهذهِ حَماقَة، ولكنَّهُم يَفعلونَها. فالعالَمُ يَلْهَثُ وَراءَ تُرابِ الأرضِ. وقد تقول: "وما الَّذي ينبغي أنْ نَجوعَ إليه؟" قد يقولُ بعضُ النَّاسِ: "السَّعادة". وأعتقد أنَّ هذا هو ما يَجوعُ العالمُ إليهِ أكثرَ مِنْ أيِّ شيءٍ آخر. فَالنَّاسُ يُريدونَ السَّعادة. والنَّاسُ يَسْعَوْنَ حَقًّا إلى السَّعادة. وَهُمْ يريدونَ فقط السَّعادة. وإنْ تَمَكَّنْتَ مِنْ جَعْلِهِمْ سُعداء، فإنَّكَ ستكونُ رائعًا. وكما تَعلمونَ، فإنَّ الشَّيءَ الَّذي يُدهشُني دائمًا هو عددُ وسائلِ التَّسلية الموجودة في مُجتمعِنا. وأنا لستُ ضِدَّ "ديزني لاند" (Disneyland) أو "مزرعة نوت بيري" (Knott’s Berry Farm) أو "ماجيك ماونتن" (Magic Mountain). ولا أدري ما الأشياءُ الأخرى والألعابُ الأخرى الَّتي يَتَسَلَّى بها النَّاسُ. ولكِنَّ حياتَنا مُمتلئة جدًّا بوسائلِ التَّسلية الَّتي تَسْعى إلى جَعْلِ النَّاسِ سُعداء مِن خلالِ تَسليتهم. وكما تَعلمون، فإنَّ هذا يُشبهُ شَخصًا يُعاني مَرَضًا مُؤلمًا ويريدُ التخلُّصَ مِنَ الألم، ولكنَّهُ لا يُبالي بالمَرَضِ نفسِهِ. وإنْ ذَهَبَ إلى الطَّبيبِ فإنَّ الطَّبيبَ يقولُ لهُ: "حسنًا، يمكنني أنْ أُخَفِّفَ أَلَمَك بأنْ أُعطيكَ حُقْنَةً أوْ مُسَكِّناتٍ للألم". ويا لَهُ مِنْ طَبيبٍ سَيِّئ. فهو لا يَعرفُ شيئًا عن تَشخيصِ المرضِ وعِلاجِه.

وكما تَرَوْن، فإنَّ العالمَ مَريضٌ، ولكنَّهُ يريدُ أنْ يَتخلَّصَ مِنَ الألم مِن خلال السَّعادة. ولكنَّهُ لا يريدُ البَتَّة أنْ يُعالِجَ المرض. أَتَرَوْن؟ لذا فإنَّ العالمَ جائعٌ وعَطِشٌ إلى السَّعادة. وهل تريدونَ أنْ تَعرفوا شيئًا آخر؟ إنَّ هذا يَصِحُّ أيضًا على الكنيسة. فأنا ألتقي مؤمنينَ كَثيرينَ يبحثونَ عنِ السَّعادة. وهل تَفهمونَ ما أعنيه بذلك؟ إنَّهُمْ يَبحثونَ عنْ نوعٍ مِنَ البَهْجَة. وأعتقد أنَّ هذا يَصِحُّ على الحركة الكارزماتيَّة. فَهُمْ يريدونَ نَشْوَةً رُوحيَّةً (كما أُسَمِّيها). وَهُمْ يُريدونَ أنْ يَخْتَبروا ذلكَ الشُّعور. فَهُمْ يبحثونَ عن نَشوةٍ روحيَّة. وهُمْ يَبحثونَ عنِ المشاعر. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَتَنَقَّلونَ كثيرًا بينَ كُلِّيَّاتِ اللَّاهوتِ والمؤتمراتِ وجلساتِ المَشورةِ في محاولةٍ للحصولِ على النَّشوةِ الرُّوحيَّة. ولكِنَّ ما يَفعلونَهُ بَعيدٌ كُلَّ البُعْدِ عَمَّا ينبغي أنْ يَسْعَوْا إليه. ولكِنْ هذا هو ما يَحدث إنْ كنتَ تَبحثُ فقط عنِ السَّعادة.

والنَّاسُ يَقولون: "أنا بائسٌ جِدًّا في بيتي. يجب أنْ أَجِدَ حَلًّا. كيفَ يمكنني أنْ أكونَ سعيدًا؟" لا، لا! فهذا ليسَ ما ينبغي أنْ تَبحثَ عنهُ. فالسَّعادة نَتيجَة وليست هَدَفًا. والسَّعادة هي مِنْ نصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَجوعونَ ويَعطشونَ إلى ماذا؟ البِرّ. فإنْ أردتَ أنْ تكونَ سعيدًا، اعْلَمْ أنَّ السَّعادة تَنْبُع مِنَ البِرّ. فهي ليست نَشوة روحيَّة تحصل عليها بطريقةٍ ما. وهي ليست اختبارًا وَحَسْب. فالسَّعادة ليست كذلك. فالكلمة "ديكايوسوني" (dikaiosune) تَعني "بِرّ" أو "تَبرير"؛ أي أنْ تكونَ بارًّا أمامَ اللهِ. وما الَّذي أَعنيه؟ اسمعوني: ببساطة، إنَّ السَّعادة الحقيقيَّة الوحيدة في الحياة هي أنْ تكونَ بارًّا أمامَ اللهِ. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. فالسَّعادة الحقيقيَّة الوحيدة في الحياة هي أنْ تكونَ بارًّا أمامَ اللهِ. وأنا أعتقد أنَّ هذا يُشيرُ إلى شَيئَيْن: الأوَّل هو الخلاص، والثَّاني هو التَّقديس. الأوَّل هو الخلاص، والثَّاني هو التَّقديس.

ولنتحدَّث عنِ الخلاصِ قليلاً. فالشَّخصُ الَّذي يَجوعُ ويَعطشُ إلى البِرِّ يَطْلُبُ أوَّلاً: الخَلاص. إنَّهُ الخلاصُ الَّذي تَحْصُلُ عليهِ حينَ تُؤمِن. وَهُوَ التَّبريرُ الَّذي يُحْسَبُ لكَ في المسيح. فَالشَّخصُ يَرى خَطيئتَهُ، ويَرى تَمَرُّدَهُ، ويَرى نفسَهُ مُنفصلاً عنِ اللهِ القُدُّوس. وهو يَشْعُرُ بالانكسارِ، والحُزْنِ. وهو وَديعٌ ويُريدُ أنْ يَرْجِعَ إلى الله. وهو يُريدُ أنْ يَحصُلَ على الغُفران. لذا فإنَّهُ يَجوعُ ويَعطشُ إلى البِرِّ الَّذي يأتي مِن خلالِ الخلاص. فهي رغبة في التحرُّر مِنَ الذَّات. وهي رغبة في التحرُّر مِنَ الخطيَّةِ، وعُبوديَّتِها، ووجودِها، وعِقابِها. وهذا هوَ ما يُفْضي إلى الخَلاص.

ففي العديدِ مِن آياتِ العهدِ القديم (ولن نُخَصِّصَ وقتًا في هذا المساء للدُّخولِ في تفاصيلِ هذا الأمر)، ولكِنْ في العديدِ مِن آياتِ العهدِ القديم، نَجِدُ أنَّ البِرَّ مُرادِفٌ للخلاص. وهناكَ نَبِيٌّ واحدٌ تَحديدًا يُبَيِّنُ ذلك وهو: إشَعْياء. فإشعياءُ يُساوي مِراراً بينَ البِرِّ والخلاص. وهذا صحيح. فإنْ كنتَ جائعًا وعَطِشًا إلى البِرِّ، فإنَّكَ تَحْصُلُ عليهِ في لحظةِ الخلاص. ويُوَضِّحُ إشعياءُ هذه النُّقطة (تحديدًا في الأصحاحات 45، و 46، و 51، و 56، و 61)، أيْ بالقُرْبِ مِنْ نهايةِ السِّفْرِ إذْ يتحدَّثُ عن عُنصرِ الخلاص. وفي هذه الأصحاحات الأخيرة، يَرى إشعياءُ البِرَّ بوصفِهِ عَطِيَّةَ اللهِ المُتَمَثِّلة في الخلاص. إذًا، ماذا عَسانا أنْ نَقول؟ يمكننا أنْ نَضَعَ "الخلاصَ" ككلمة بَديلة. "طُوْبَى للجياعِ والعِطاشِ إلى الخَلاص". فهل تريدُ أنْ تكونَ سعيدًا؟ لِيَكُنْ لديكَ جُوْعٌ إلى الخلاص. لِيَكُنْ لديكَ جوعٌ إلى أنْ تَخْلُص، وجوعٌ إلى أنْ يُطَهِّرَكَ دَمُ المسيحِ مِنْ خطاياك. وليكُن لديكَ جوعٌ إلى أنْ يُحْسَبَ بِرُّ المسيحِ لك. وليكُن لديكَ جوعٌ إلى أنْ تُغْفَرَ خطاياك. وحينَ يَفقدُ الإنسانُ كُلَّ أَمَلٍ في أنْ يُخَلِّصَ نفسَهُ بنفسه، ويَفقد كُلَّ رجاءٍ في تبريرِ ذاته، ويبتدئ بالشُّعور بالجوع إلى الخلاص الَّذي لا يمكن أنْ يَحصلَ عليهِ إلَّا مِنْ يَدِ اللهِ، فإنَّهُ سيَختبرُ حينئذٍ الفَرَح. وهذه هي النُّقطة الَّتي كانَ اليهودُ يَتَعَثَّرونَ فيها. فقد كانوا يحاولونَ أنْ يَكسبوا خلاصَهم بأعمالهم.

وما يَقولُهُ يسوعُ لهم هو شيءٌ مُختلفٌ جدًّا عَمَّا أَلِفوه: "أنتم لا تَمْلِكونَ ذلك". فقد كانوا يقولون: "نحنُ مُمتلئونَ أصلاً بالبِرّ". ولكنَّهُ كانَ يقولُ لهم: "ما لم تَشْعُروا بالانكسارِ، وما لم تَجوعوا وتَعطشوا إلى البِرِّ الَّذي لا يمكنكم الحصولُ عليه بأنفسكم، لن تَعرفوا يومًا مَعنى السَّعادة". والآن، اسمحوا لي أنْ أقولَ لكم ذلك ببساطة: إنَّ السَّعادَة هي مِنْ نَصيبِ القِدِّيسين. فهذا هوَ ما يَقولُهُ النَّصُّ. فإنْ لم تكن سعيدًا في حياتِك، فإنَّكَ تَفْتَقِرُ في حياتِكَ إلى القَداسَة. وقد كانَ يسوعُ يتحدَّث إلى اليهودِ الَّذينَ كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم أبرار. وبالنِّسبة إليهم، كانَتِ القداسةُ تَعني التقيُّد بالقوانين. وكانت شيئًا خارجيًّا. ولكنَّ ذلكَ لم يكن كافيًا. لِذا فقد قالَ لَهُمْ يسوع: "إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ". فلم يكن بِرُّهم كافيًا. وقد عَمِلَتِ التَّطويباتُ على طَرْحِ الأمورِ الخارجيَّةِ بَعيدًا، وأَرْغَمَتْنا على أنْ النَّظَرِ إلى الدَّاخل. وعندما تَجوعُ وتَعطَشُ إلى الخلاصِ، فإنَّكَ سَتُشْبَع.

ولكِنْ يوجد عُنصرٌ آخر. وأعتقد أيضًا أنَّهُ يُشيرُ ضِمنيًّا إلى التَّقديس. وكما ذَكَرْتُ، لا أَعتقد أنَّكَ حالَما تَخْلُص فإنَّكَ تتوقَّف عنِ الشُّعورِ بالجوعِ والعطش. بل إنَّكَ تجوعُ وتَعطشُ إلى التَّقديسِ، أيْ إلى قَداسَةٍ مُتَزايِدَة. ولا أدري، يا أحبَّائي، كيفَ أُعَبِّرُ عن مَشاعري القويَّةِ بخصوصِ هذا الأمر. ولكنِّي أرجو أنْ تَتَّسِم حَياتُكُم بهذا الجوع؛ أيْ بالجوعِ الَّذي لا يتوقَّف، وبالرَّغبة في أنْ تَتَمَثَّلوا أكثرَ فأكثر بالمسيحِ. فهذه دَلالة قويَّة على إيمانكم. فيجب أنْ تَشعروا دائمًا بالجوع، وأنْ تَشعروا دائمًا بالعَطَشِ، وبالرَّغبةِ في اكتسابِ المزيدِ مِنَ الفضيلة، والمزيدِ مِنَ العِفَّة، والتَّمَثُّلِ بالمسيحِ أكثرَ فأكثر. فلا يمكنكم أنْ تَبلُغوا نُقطةً تَشعرونَ فيها أنَّكم قد بَلَغْتُم الهَدَف. فهذا أكثرُ مَوْقِفٍ مُقَزِّزٍ، ومُتَمَرِّدٍ، ومُثيرٍ للغَثَيان. ونحنُ نَجِدُ هذا الموقفَ عِنْدَ الأشخاصِ الذينَ لم يَختبروا الولادةَ الثَّانيةَ إذْ يقولون: "لقد خَلَّصْنا أنْفُسَنا"، ونَجِدُهُ أيضًا لدى المَسيحيِّينَ الذينَ يَظُنُّونَ أنَّهُمْ بَلَغوا الهَدَف.

فأبناءُ الملكوتِ لا يتوقَّفوا عنِ الشُّعورِ بالجوع. وبولُس يقول في رسالة فيلبِّي 1: 9: "وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ". أَتَرَوْن؟ فأنتم لا تَبلغونَ النِّهاية. فأيًّا كانَتْ مَحبَّتُكم، ينبغي أنْ تُحِبُّوا أكثر. ومَهْما كُنتم تُصَلُّون، ينبغي أنْ تُصَلُّوا أكثر. ومهما كُنتم مُطيعين، ينبغي أنْ تُطيعوا أكثر. ومهما كنتم تَفتكرونَ بفكرِ المسيح، ينبغي أنْ تَفتكروا أكثر بفِكْرِ المَسيح. فيجب أنْ تكونَ هذه الرَّغبة شَديدة جِدًّا ولا تتوقَّف: "طُوبَـى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ [دائمًا]". ويُضيفُ لوقا الكلمة "الآن". فأنتُم تَفعلونَ ذلكَ "الآن".

وأودُّ أنْ أُوَضِّحَ لكم حَقًّا أنَّهُ ثَمينٌ حقًّا هُنا، ويُبَيِّنُ لكم مُجْمَلَ ما تَسْعَوْنَ إليه. فنحنُ لا نَسْعى فقط إلى الحُصولِ على أجزاءٍ صَغيرةٍ مِنَ البِرّ. بل إنَّنا نَسعى إلى كُلِّ البِرِّ الموجود. أتَفهمونَ ذلك؟ نحنُ نَسْعى إلى الحُصولِ على البِرِّ بِمُجْمَلِه، وإلى التَّشَبُّهِ بالمسيح. واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم سَبَبَ أهميَّةِ ذلك. في اللُّغة اليونانيَّة، عندما تَرِدُ بَعْضُ الأفعالِ (مِثْلَ "جَاعَ" وَ "عَطِشَ") في حالةِ الإضافَةِ، يَعْقُبُها عادَةً حَرْفُ الجَرِّ "إلى". وهذا هو ما يُعْرَفُ في اللُّغة اليونانيَّة بِحالَةِ الإضافَةِ الجُزئيَّة. وأرجو أنْ تُرَكِّزوا مَعي لأنَّها نُقطة مُدهشة. فالشَّخصُ اليونانيُّ يَستخدِمُ الكلمة "جائعٌ" وَ "عَطِشٌ" وَيَسْتَخْدِمُ بَعْدَها جَرْفَ الجَرِّ "إلى". فَهُم يَستْخدمونَ صِيَغًا نَحْوِيَّةً مُعَيَّنَةً لتوضيحِ المَعنى. وَهُوَ يَعْني بذلك: "أنا جائِعٌ إلى بَعْضِ الطَّعام"، أو: "أنا عَطَشٌ إلى بعضِ الماء". وحالةُ الإضافة الجُزئيَّة تَعني ببساطة أنَّهُ يُريدُ جُزءًا فقط. فعلى سَبيلِ المِثالِ، إنَّ الشَخصَ اليونانيَّ لا يَقول: "أنا جائعٌ إلى طَعام" لأنَّ ذلكَ في مَفهومِه يَعني أنَّهُ جائعٌ إلى كُلِّ الطَّعامِ الَّذي في العالم. لذا فإنَّهُ يَستخدِم حالة الإضافة الجُزئيَّة لتَحديدِ قَصْدِه. وحالة الإضافة الجُزئيَّة تَعني: "أنا جائعٌ إلى بعضِ الطَّعام". بعبارة أخرى، "أنا لا أريدُ كُلَّ الطَّعامِ الَّذي في العالم، بل أريدُ فقط بعضًا منه". وَهُوَ لا يقول: "أنا عَطِشٌ إلى مَاء" لأنَّهُ لا يُريدُ كُلَّ الماءِ الَّذي في العالَم. بل إنَّهُ يقول: "أنا عَطِشٌ إلى بعضِ الماء". أنا عَطِشٌ إلى بعضِ الماء، أو إلى كأسِ ماءٍ يَكْفي لإرواءِ عَطَشي. وهذا أمرٌ طَبيعيٌّ. فهذا هوَ التَّعبيرُ الشَّائعُ لدى الشَّخصِ اليونانيِّ في لُغَتِه.

وما أَدْهَشَني حينَ دَرَسْتُ هذا النَّصَّ هو أنَّ الاستخدامَ الدَّارجَ في اليونانيَّة لم يُسْتَخْدَم هُنا. فقد نَظُنُّ أنَّ النَّصَّ يقول: "طُوْبَى للجِياعِ والعِطاشِ إلى بعضِ البِرِّ". ولكِنَّ النَّصَّ لا يَقولُ ذلك، بل إنَّهُ يُسْقِطُ حَالَةَ الإضافَةِ بِمُجْمَلِها (مَعَ أنَّها الاستخدام اليونانيّ الشَّائع) ويَستخِدم صيغةً نَحويَّةً لا تُقَيِّدُ الكلمة "بِرّ" نهائيًّا فيصيرُ المَعنى: "أنا أجوعُ وأعطشُ إلى البِرِّ"؛ أيْ: "إلى كُلِّ البِرِّ الموجود". وهذا حَقٌّ عظيم. فنحنُ لا نَكْتَفي مِنْهُ لأنَّهُ مهما حَصَلْنا على البِرِّ بنعمةِ اللهِ، فإنَّنا لن نَحصلَ عليهِ كُلَّهُ. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ الجوعَ والعَطَشَ يَستمرَّان. ونحنُ نَصرُخُ قائلينَ مَعَ داوُد: "أَمَّا أَنَا فَبِالْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ. أَشْبَعُ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ". وبالمناسبة، فإنَّ أداةَ التَّعريفِ موجودة هُنا لأنَّ المؤمنينَ يَجوعونَ ويعطشونَ دائمًا والآنْ إلى البِرّ. وما هُوَ البِرّ؟ إنَّهُ بِرُّ اللهِ.

لِذا فإنَّ الأمرَ يَبتدئُ بالخلاصِ ويَستمرُّ بالتَّقديس. ولا يمكنك أنْ تَشبع بِجُزْءٍ مِنْهُ، بل لن تَشْبَعَ إلَّا إذا حَصَلْـتَ عليهِ بِرُمَّتِه ... عليهِ بِرُمَّتِه. وهذا يُدهشُني أيضًا. لِذا فإنَّ النَّصَّ يَحوي أُمورًا كثيرةً ولا يُمْكِنُني حَتَّى أنْ أستوعِبَ كُلَّ ما هوَ موجودٌ هُنا وكُلَّ ما هو مذكور. وما يُدهشُني أيضًا هو أنَّ يَسوعَ يُطَوِّبُ الجوعَ والعَطَشَ إلى البِرِّ ولا يُطَوَّبُ امتلاكَ البِرِّ. ألا تَعتقدونَ أنَّه شَيءٌ رائع؟ فقد كانَ اليهودُ يَظُنُّونَ أنَّهُ سيقول: "طُوبى لِمَنْ يَمْلِكونَ البِرَّ". ولو فَعَلَ ذلكَ لَمَضَوْا قائلين: "آها! إنَّهُ يتحدَّثُ عَنَّا. فنحنُ جميعًا نَمْلِكُ البِرَّ". ولكنَّهُ حَطَّمَهُمْ تَمامًا: "طُوبَـى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ". بعبارةٍ أخرى، فإنَّ النَّاسَ الذينَ يَظُنُّونَ أنَّهم يَمتلكونَ البِرَّ ليسوا مُطَوَّبين. أمَّا الأشخاصُ الذينَ يَعلمونَ أنَّهُمْ لا يَملكونَهُ فإنَّهم مُطَوَّبون. أليسَ هذا رائعًا؟ فحينَ تَظُنُّ أنَّكَ بارٌّ، فإنَّكَ تكونُ أكْثَرَ النَّاسِ بُؤسًا.

ولكِنْ لا! فهو يُطَوِّبُ الأشخاصَ الينَ يجوعونَ ويَعطشونَ إلى البِرّ. وهذه التَّطويبة تَنْطَوي في ذاتِها على فِكرة أنَّكَ لا يمكن أنْ تَشْبَع. وقد قالَ أحدُ الأشخاص: "إنَّهُ عَطَشٌ لا يُمكنُ لكُلِّ آبارِ الأرضِ أنْ تُرويه. وَهُوَ جوعٌ ينبغي أنْ يُشْبَعَ في المسيح، وإلَّا فإنَّ المَرْءَ يَموت". وأنا أَدْعو ذلكَ: "عَدَم الشِّبَع مِنَ الله". لِذا فإنَّنا نرى كيفَ أنَّ هذه التَّطويبة تأتي في مكانِها الصَّحيح، ومَعنى أنْ نَجوعَ وَنَعْطَشَ، وإلى ماذا. والآنْ، ما هي النَّتيجة؟ لنتأمَّل في ذلك.

فقد قالَ يَسوعُ في البداية: "طُوْبَى". وَهُوَ يقولُ في النِّهاية: "لأنَّهُم [ماذا؟] يُشْبَعون. والكلمة "يُشْبَعون" خارقة. ويمكننا أنْ نَصْرِفَ وقتًا طويلًا في التحدُّثِ عنها. وبصورة أساسيَّة، فإنَّها كلمة تُستخدَمُ لإطعامِ الحَيَوانِ. إنَّها كلمة تُستخدَمُ لإطعامِ الحَيَوانِ. وهي تَعني أنْ يَشْبَعَ تَمامًا: "يُشْبَعون". فاللهُ يُريدُ أنْ يَجعلَنا سُعَداءَ وأنْ يُشْبِعَنا. أنْ يُشْبِعَنا بماذا؟ ما الَّذي نَجوعُ إليه؟ ما الَّذي نَجوعُ إليه؟ الَّذينَ يجوعونَ ويَعطشونَ إلى البِرِّ سَيُشْبَعون. أليست هذهِ مُفارقة عَجيبَة؟ فأنتَ تُشْبَعُ، ولكنَّكَ لا تَكْتَفي مِن ذلك. ألا تَجِدونَ هذا الأمرَ رائعًا؟ فأنتَ تَجوعُ وتَعطَشُ وتُشْبَعُ، ولكنَّكَ لا تَكْتَفي حقًّا.

ورُبَّما يمكننا أنْ نُعَبِّرَ عن ذلك كالآتي: هل أكلتَ يومًا تلكَ الفَطيرَة الرَّائعة الَّتي تَصْنَعُها زوجَتُك؟ وأنا أَعني: أفضلَ فَطيرة على الإطلاق! فزوجَتي تَصْنَعُ فَطيرةَ ليمونٍ رائعة...مِنْ نوعٍ خاصّ. وأنا أشعرُ دائمًا بِالاكتفاء حينَ آكُلُ تلكَ الفَطيرة. ولكنِّي أريدُ دائمًا المزيد. فأنا أشعرُ بالشِّبَعِ تمامًا لأنِّي آكُلُها عادَةً بعدَ العَشاءِ، ولكنِّي أريدُ دائمًا المزيدَ مِنها لأنَّ مَذاقَها الرَّائعَ وشُعوري بالرِّضا والاكتفاء مِمَّا أَكَلْتُهُ مِنها يَجْعَلُني أرغبُ في المزيد. لِذا فإنِّي أشبعُ ولكنِّي لا أكتفي. وهكذا هي أيضًا حالُ البِرّ. فنحنُ نَشْعُرُ بالشِّبَع. وَهُوَ شُعورٌ حُلْوٌ ورائع وعَظيمٌ حَتَّى إنَّنا نَرغبُ في المزيدِ منه.

ويمكننا أنْ نَتَتَبَّعَ الكلمة "يُشْبَعون" في العهدِ الجديد. فهي كلمة رائعة. وهي تُستخدَم بطُرُقٍ عديدة. وقد كنتُ أُفَكِّرُ هُنا بيعقوب 2: 16: "فَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ [وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عن أَخٍ وَأُخْتٍ مُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ اليَوْمِيِّ]: امْضِيَا بِسَلاَمٍ، اسْتَدْفِئَا وَاشْبَعَا". ونَجِدُ هُنا فكرةَ الشِّبَع. وهي تَعني الامتلاءَ بالطَّعام. فهي كلمة تُستخدَم عندَ الحديثِ عنِ الطَّعام. ولا شَكَّ أنَّ هذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ يسوعُ: عنِ الطَّعامِ الرُّوحِيِّ. وبالمناسبة، فإنَّ الكلمة "يُشْبَعون" هي كلمة قويَّة. فالكلمة اليونانيَّة "كورتاتزو" (chortazo) هي كلمة قويَّة جدًّا. وهي كلمة تَعني الشِّبَعَ الحَقيقيّ. وهوَ أمرٌ ينبغي أنْ نَعْرِفَهُ، يا أصدقائي، وأعتقد أنَّهُ رائعٌ جدًّا. فعندما نَسْعى، بِوَصْفِنا مؤمنينَ، وراءَ بِرِّ اللهِ، فإنَّهُ يَمْنَحُنا إيَّاه. ويجب أنْ تَعلمَ أنَّكَ عندما طَلَبْتَ بِرَّهُ أوَّلَ مَرَّة مِن خلالِ الخلاصِ فإنَّكَ حَصَلْتَ عليه. وفي كُلِّ يومٍ بعدَ ذلك تَسْعى فيهِ إلى بِرِّهِ، وإلى عَمَلِ إرادَتِهِ، وإلى تَتْميمِ مَسَرَّةِ مَشيئَتِهِ، وإلى إطاعَتِهِ، وإلى مُمارَسَةِ بِرِّهِ، فإنَّهُ يَمْنَحُكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ. وَهُوَ يُشْبِعُكَ.

وكم أُحِبُّ ما جاءَ في المزمور 107: 9 إذْ نَقرأُ: "لأَنَّهُ أَشْبَعَ نَفْسًا مُشْتَهِيَةً وَمَلأَ نَفْسًا جَائِعَةً خُبْزًا". أليسَ هذا رائعًا؟ "لأَنَّهُ أَشْبَعَ نَفْسًا مُشْتَهِيَةً وَمَلأَ نَفْسًا جَائِعَةً خُبْزًا". المزمور 107: 9. ونَقرأُ في المزمور 34: 10: "وَأَمَّا طَالِبُو الرَّبِّ فَلاَ يُعْوِزُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ". وما الَّذي يَقولُهُ المزمور 23: 1؟ "فَلاَ يُعْوِزُنِي [ماذا؟] شَيْءٌ". "كَأسِي [ماذا؟] رَيَّا". ونقرأُ في سِفْر إرْميا 31: 14: "وَيَشْبَعُ شَعْبِي مِنْ جُودِي، يَقُولُ الرَّبُّ". أليسَ هذا رائعًا؟ "وَيَشْبَعُ شَعْبِي مِنْ جُودِي، يَقُولُ الرَّبُّ". وقد قالَ يَسوعُ في الأصحاحِ الرَّابعِ مِن إنجيل يوحنَّا للمرأة عندَ البئر: "مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا [فَماذا؟] فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ". ونقرأ في الأصحاحِ السَّادسِ مِن إنجيل يوحنَّا أنَّهُ قال: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ"..."كُلُوا مَنْ هذا الخُبْزِ فلا تَجوعوا ثانيةً".

اسمعوني: إنَّ يسوعَ يُشْبِع. وبالرَّغمِ مِن ذلك، هناكَ عَدَمُ اكتفاءٍ مُبارَك يَجْعَلُنا نَرغب بالمزيدِ والمزيدِ والمزيد. ونحنُ لن نَشبع حقًّا إلَّا حينَ نَرى يسوعَ المسيح. لِذا فإنَّ يَسوعَ يَقولُ هذهِ الكلمات. ويمكنكَ أنْ تَقولَ لأيِّ شخصٍ مِنْ أبناءِ الملكوت إنَّهُ يَمتلك طُموحًا كبيرًا؛ لا إلى السُّلْطَة، ولا إلى المُتعة، ولا إلى المُمتلكاتِ والمَدْحِ، بل إلى البِرِّ. لِذا فإنَّنا نَرى هُنا مَوْقِعَ هذه التَّطويبة، ومَعناها، وغايَتَها، ونتائِجَها.

وسوفَ أطرحُ عليكم سؤالاً أخيرًا، وُهُوَ سؤالٌ شخصيٌّ: فقد تقول: "كيفَ أَعلمُ، يا جون، إنْ كُنْتُ جائعًا وعَطِشًا حقًّا إلى البِرّ؟" سوفَ أُعطيكُم امتحانًا. والآن اسمَعوني: "كيفَ تَعْلَمون؟" اسمحوا لي أن أطرحَ عليكم بعضَ الأسئلة:

أوَّلاً (إليكم طريقةً تُساعدكم في معرفةِ الإجابة): هل تَشْعُرُ بِعَدَمِ الاكتفاءِ ذاتيًّا؟ هل تَشْعُرُ بعدمِ الاكتفاءِ ذاتيًّا؟ اطرح على نفسك هذا السُّؤال. وقد قالَ الطَّهورِيُّ العَظيم "توماس واطسون" (Thomas Watson): "أكثرُ شَخصٍ يَحتاجُ إلى البِرِّ هُوَ أقَلُّ شَخصٍ يَرغَبُ فيه". فهل تَشْعُرُ بِعُمْقٍ بعدمِ الاكتفاءِ؟ وهل تجد نفسكَ تَقرأُ رومية 7 طَوالَ الوقتِ وتقول: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" أَمْ أنَّكَ تَشْعُرُ بِقُوَّة بِبِرِّكَ الذَّاتيِّ وتَعتقد أنَّ جميعَ الآخرينَ على خطأ وأنَّكَ على صَواب؟ فهل تَشْعُرُ بِعَدَمِ الرِّضا عن نفسِك؟ فإنْ كانَ لديكَ أيُّ شُعورٍ بالاكتفاء، فإنَّني أَشُكُّ في أنَّكَ تَعرِفُ المَعنى المَقصودَ بالجوعِ والعَطَشِ إلى البِرّ.

وهل تَشعر بالألمِ المستمرّ وبالتَّقصيرِ الدَّائم؟ وهل أنتَ تُشْبِهُ عيسو الَّذي يقولُ سِفْرُ التَّكوينِ أنَّهُ عادَ مِنَ الصَّيْدِ وكانَ يَتَضَوَّرُ جوعًا؟ اسأل نفسَك: هل تَشْعُرُ بعدمِ الاكتفاءِ ذاتيًّا؟ فهذه صِفَة مِنْ صِفاتِ الشَّخصِ الَّذي يَجوعُ ويَعطشُ إلى البِرّ. وأيًّا كانَتْ حالَتُهُم جَيِّدة في الظَّاهِر، فإنَّهم يَشعرونَ دائمًا بعدمِ الاكتفاء.

ثانيًا، هل هُناكَ أيُّ شيءٍ خارجيٍّ يُشْبِعُك؟ اطرَح على نفسِكَ هذا السُّؤال. هل تّجِدُ أنَّ الأشياءَ تُؤثِّرُ في مَشاعِرِك؟ فهل تَشعُرُ أنَّ حياتَكَ تَتَحَسَّنُ حينَ تَشتري شيئًا جديدًا؟ وهل تَسُدُّ شَهِيَّتَكَ بالأشياءِ الخاطئة ثُمَّ تَفْقِدُ تلكَ الشَّهيَّة؟ اسمعوني: إنَّ الجوعَ إلى البِرِّ لا يَشْبَعُ بشيءٍ آخر. فيمكنكَ أنْ تُحْضِرَ للإنسانِ الجائِعِ زُهورًا، ويمكنكَ أنْ تُسْمِعَ إنسانًا جائعًا موسيقا جميلة، ويمكنكَ أنْ تُسَلِّي إنسانًا جائعًا بحديثٍ مُمْتِعٍ؛ ولكِنَّ كُلَّ ما يُريدُه هو الطَّعام. ويمكنكَ أنْ تُقَدِّمَ لإنسانٍ عَطِشٍ موسيقا أو وَرْدَةً؛ ولكنَّ ما يُريدُهُ حَقًّا هو الماء. والشَّخصُ الجائعُ والعَطِشُ إلى البِرِّ لا ولَنْ يَشبعَ بأيِّ شيءٍ آخر.

واسمحوا لي أنْ أَطرحَ عليكم سؤالاً ثالثًا: هل لَدَيْكَ شَهِيَّة مَفْتوحة جدًّا إلى كلمةِ الله؟ فكما تَعلمون، لا توجد مُتعة في مُراقبة شخصٍ جائعٍ يأكُلُ حينَ يَحْصُلُ أخيرًا على الطَّعام. أَتَرَوْن؟ وما هو طعامُنا؟ وأينَ نَجِدُ بِرَّ اللهِ؟ نَجِدُ القواعِد الَّتي تُؤدِّي طَاعَتُنا لها إلى البِرِّ في هذه الكلماتِ إذْ يقولُ إرْميا: "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ". فَقَدْ أَكَلْتُهُ بِنَهَمٍ. أَتَرَوْن؟ فإنْ كُنْتَ جائعًا وَعَطِشًا إلى البِرِّ ستَكونَ لديكَ شَهِيَّة كهذه إلى الكلمة حَتَّى إنَّكَ تأكُلُها. فأنا لم أَرَ في حياتي شخصًا يَتَوَسَّلُ إلى شخصٍ جائِعٍ لكي يأكُل. فهل رأيتم شخصًا كهذا؟ وهذا يَصِحُّ على كلمةِ اللهِ: "أرجوكُمْ أنْ تَدْرُسوا الكتابَ المقدَّس...أرجوكم أنْ تَقرأوا الكتابَ المقدَّس... لَيْتَكُم تَقرأونَ الكتاب المقدَّس". فإنْ لم تَشْعُروا بالجُوْعِ والعَطَشِ إلى البِرِّ، لن تَتصرَّفوا كما ينبغي لأولادِ الملكوتِ أنْ يَتصرَّفوا. وقد تكونُ ولدًا مِن أولادِ الملكوتِ ولكنَّكَ أخطأتَ. وقد لا تكونُ ولدًا مِن أولادِ الملكوتِ، ولكنَّكَ تَتَظاهَرُ بالسَّعادة في كِلتا الحالَتَيْن. لِذلك، اسأل نفسك: هل لديكَ شَهِيَّة عظيمة إلى الكلمة؟

السُّؤالُ الرَّابع: هلِ الأشياءُ المُختصَّةُ باللهِ حُلْوَة لديك؟ هلِ الأشياءُ المُختصَّةُ باللهِ حُلْوَة لديك؟ سوفَ يُدْرِكُ بَعْضٌ مِنكم ما أعنيه، ولن يُدركَ البعضُ الآخر ذلك. ولكِنِ استمعوا إلى الكلماتِ التَّالية؛ فهي جميلة جدًّا إذْ نقرأُ في سِفْر الأمثال 27: 7 (فقطِ استمعوا إلى هذه الكلمات): "لِلنَّفْسِ الْجَائِعَةِ كُلُّ مُرّ حُلْوٌ". هل سمعتم ذلك؟ "لِلنَّفْسِ الْجَائِعَةِ كُلُّ مُرّ حُلْوٌ". ويمكنني أنْ أعرفَ إنْ كانَ الشَّخصُ جائعًا وعَطِشًا إلى البِرِّ لأنَّهُ عندما يَسْمَحُ اللهُ بظَرْفٍ عَصيبٍ في حياتهم فإنَّهم يكونونَ مُمتلئينَ ومُكْتَفينَ لأنَّهم يَعلمونَ أنَّ اللهَ سَمَحَ بذلك، حَتَّى لو كانَ ما حَدَثَ مُؤلمًا. هل فَهمتم ذلك؟ فهناكَ أشخاصٌ لا يَفرحونَ إلَّا عندما تَحدثُ أمورٌ جَيِّدَةٌ. أمَّا عندما تَحدثُ أمورٌ صَعبةٌ فإنَّهم لا يُحِبُّونَ ذلك. وهذا يَعني أنَّهم ليسوا جائعينَ وعِطاشَ إلى البِرّ، بل يَبحثونَ عنِ السَّعادة سطحيًّا.

اسمعوني. لقد قالَ "توماس واطسون": "الشَّخصُ الَّذي يَجوعُ ويَعطشُ إلى البِرِّ يستطيعُ أنْ يَتَغَذَّى على مُرِّ الإنجيلِ وعَسَلِه". "لِلنَّفْسِ الْجَائِعَةِ كُلُّ مُرّ حُلْوٌ". والبعضُ مِنَّا يَعرفُ مَعنى أنْ يُؤدِّبَنا اللهُ. والبعضُ مِنَّا يَعرفُ مَعنى أنْ نَخْتَبِرَ ظُروفًا صَعبة. والبعضُ مِنَّا يَعرفُ مَعنى الألم والكَرْب والمَشَقَّات والمتاعب. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ يمكنني أنْ أُخبِرَكُم مِن خلالِ خِبرتي الشَّخصيَّة في وَسْطِ كُلِّ هذه الظُّروف أنَّها حُلوة بِمِقْدارِ حَلاوةِ الأوقاتِ الجِيِّدة. فهي حُلوة بِمِقْدارِ حَلاوةِ الأوقاتِ الجِيِّدة لأنَّهُ "لِلنَّفْسِ الْجَائِعَةِ كُلُّ مُرّ حُلْوٌ" لأنَّ اللهَ موجودٌ في كُلِّ الأحوال، ولأنَّ اللهَ يُجْري مَقاصِدَهُ، ولأنَّ اللهَ يَجْعَلُنا أكثرَ بِرًّا.

وأخيرًا، اسأل نفسَك إنْ كانَ جُوعُكَ أوْ عَطَشُكَ غيرَ مَشروط. فهل هوَ غيرُ مَشروط؟ فإنْ كنتَ تَجوعُ وتَعطشُ حقًّا إلى البِرِّ، فإنَّهُ سيكونُ غيرَ مَشروطٍ. وقد تقول: "ما الَّذي تَعنيه بذلك؟" أتَذكرونَ الحاكِمَ الغَنِيَّ الشَّابَّ الَّذي جاءَ وقال: "أريدُ أنْ أَعلمَ كيفَ أدخُلُ الملكوت". فأجابَهُ الربُّ قائلاً: "حَقًّا؟ هل أنتَ مُستعدٌّ أنْ تَبيعَ كُلِّ ما لديكَ وأنْ تُعطي مالَكَ للفُقراء؟" "لا". فقد كانَ جائعًا، ولكنَّ جوعَهُ كانَ مَشروطًا ولم يُشْبَع قَطّ. وماذا عن جوعِكَ؟ فقد تقول: "أنا أريدُ المسيحَ وَخَطاياي"، أو: "أريدُ المسيحَ وكبريائي" أو "المسيحَ وعلاقاتي الخاطئة" أو "المسيحَ وغِشِّي في الجامعة" أو "المَسيحَ وكَذِبي في عَمَلي" أو "المسيحَ وشَهْوَتي" أو المَسيحَ وماديَّتي"، أو "المسيحَ وكذا"، أو "المَسيَحَ وكذا". ولكِنَّ هذا يَعني أنَّكَ لستَ جائعًا وعَطِشًا إلى البِرّ.

فالإنسانُ الجائِعُ لا يُريدُ طَعامًا وبَذلةً جديدة. والإنسانُ العَطِشُ لا يُريدُ ماءً وحِذاءً جديدًا. فهو لا يُبالي بالبَذلة والحِذاء، بل فقط بالطَّعامِ والماء. والمزمور 119: 20 يَقول: "انْسَحَقَتْ نَفْسِي"..." انْسَحَقَتْ نَفْسِي شَوْقًا إِلَى أَحْكَامِكَ فِي كُلِّ حِينٍ".

كيفَ فَعَلْتَ في الامتحان؟ هل أنتَ شخصٌ لديهِ جُوْعٌ وعَطَشٌ إلى البِرّ؟ فقد قالَ إشعياء في سِفْر إشعياء 26: 9: "بِنَفْسِي اشْتَهَيْتُكَ فِي اللَّيْلِ. أَيْضًا بِرُوحِي فِي دَاخِلِي إِلَيْكَ أَبْتَكِرُ". أَتَرَوْن؟ وقد عَطِشَ داوُدُ إلى اللهِ باكِرًا. والعَذارى الحَكيماتُ حَضَّرْنَ زَيْتَهُنَّ قبلَ أنْ يأتي العَريس. فقد دَفَعَهُنَّ عَطَشُهُنَّ إلى الاستعدادِ باكِرًا. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ هناكَ أشخاصٌ يَعطشونَ بَعْدَ فَواتِ الأوانِ فَيكونُ حالُهُمْ كَحالِ الرَّجُلِ الغنيِّ في إنجيل لوقا 16: 24؛ وحينئذٍ سَيَقولون: "أَرْسِلْ شَخْصًا لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبَعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي، لأَنِّي مُعَذَّبٌ فِي هذَا اللَّهِيب". وَهُمْ سَيَعْطَشونَ بعدَ فواتِ الأوانِ حيثُ لا شِفاء. لذلك، اعْطَش الآنَ لكي تَجِدَ الارتواء. لِنَحْنُ رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

نَشكُركَ، يا أبانا، على شَرِكَتِنا في هذا المساء. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ كَلَّمْتَنا مِن خلالِ كلمتِك. ونَشكركَ لأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يأخذُ هذه الحقائق ويَعْمَلُ على صِياغَتِها لنا بحسبِ احتياجِنا ويُطَبِّقُها على حياتِنا. ونحنُ، يا رَبّ، لا نُريدُ أنْ نُطَبِّقَها على أشخاصٍ آخرين، بل نُريدُ أنْ نُطَبِّقَها على أنفُسِنا. لذلك، اجْعَلْنا أشخاصًا يَجوعُونَ ويَعْطَشونَ إلى البِرّ. وإنْ كانَ يوجد في هذا المساء وفي هذه الشَّرِكَة أشخاصٌ لم يَجوعوا ولم يَعطشوا مِنْ قَبْل إلى الخلاص، ليتَ هذا يَحْدُث الآن. فمِن خلالِ روحِكَ، اكْسِر كُلَّ قيدٍ للخطيَّة. ولَيْتَهُم يَنْسَحِقونَ بالرُّوح، ويَنوحون، ويتواضعونَ، ويَطْلبونَ البِرَّ الَّذي لا يمكنُ لأحدٍ سِواكَ أنْ يَمْنَحَهُ، وأنْ يَعلموا أنَّهُ مِنْ دونِ بِرٍّ، لا يستطيعُ أحدٌ أنْ يَرى اللهَ. وهُناكَ، يا أَبانا، أشخاصٌ يحتاجونَ إلى السَّعْيِ في طَلَبِ البِرِّ مِن خلالِ التَّقديس. وهناكَ أشخاصٌ مِنَّا صاروا مُتَعَجرفينَ جِدًّا ومُتَكَبِّرينَ جِدًّا. فنحنُ نَظُنُّ أنَّنا نَمتلك كُلَّ شيء. ساعِدنا على أنْ نَعرفَ أنَّ ذلكَ الجوعَ وذلكَ العَطَشَ لا يَتوقَّفان. وساعِدنا على أنْ نَحيا بقلوبٍ جائعة لمعرفةِ كُلِّ ما يَنبغي أنْ نَعرف، وأنْ نكونَ كُلَّ ما ينبغي أنْ نكون إلى أنْ نَصيرَ، في النِّهاية، مُشابهينَ للمسيح حينَ نَراهُ وجهًا لوجه. نُسَبِّحُكَ باسْمِ المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize