Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افتحوا معي على إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامس إذْ نُتابعُ دراسَتَنا للتَّطويبات. ولنقرأ الآياتِ الاثنتا عشرةَ الأولى: "وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفتحَ فاهُ وعَلَّمَهُمْ قَائِلاً: ’طُوبَـى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَـى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. طُوبَـى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. طُوبَـى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. طُوبَـى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ. طُوبَـى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ. طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ‘".

إذا كنتم معنا في دراستنا لإنجيل مَتَّى، فإنَّكم تَعْلَمونَ أنَّ هذا هو بَيان المَلِك. فَمَتَّى يُقَدِّم يَسوعَ المسيحَ بوصفِهِ مَلِكًا. ونحنُ نَسمعُ هُنا المَلِكَ يُقَدِّمُ بيانًا عن مَلكوتِه. وقد قُلنا إنَّنا أمامَ عَرْضٍ مُزْدَوَجٍ. فَرَبُّنا يَقولُ الحَقَّ بخصوصِ كيفيَّة دُخولِ ملكوتِه وكيفيَّةِ العيشِ حينَ تكونُ في مَلكوتِه. فلا أحدَ يَدْخُلُ المَلكوتَ سِوى المَساكين بالرُّوح. ولا أحدَ يَدخُلُهُ سِوى الحَزانى. ولا أحدَ يَدخُلُهُ سِوى الوُدعاء. ولا أحدَ يَدخُلُهُ سِوى الجِياع والعِطاش إلى البِرّ. وحالما يَدخلون، فإنَّهم لا يتوقَّفونَ عنِ المَسْكَنَةِ بالرُّوح، وعنِ الحُزْنِ، وعنِ الوَداعةِ، وعنِ الجوعِ والعَطَشِ إلى مَزيدٍ مِنَ البِرّ.

وها قَدْ وَصَلْنا إلى التَّطويبة الخامِسَة في العدد السَّابع: "طُوبَـى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ". وأودُّ أنْ أقولَ مَرَّةً أُخرى، يا أحبَّائي، إنَّهُ الشَّيءُ المُزْدَوَجُ نَفْسُهُ. فلكي تكونَ في مَلكوتِ اللهِ، يجب عليكَ أنْ تَطْلُبَ الرَّحْمَة. وحينَ تكونُ في ملكوتِ اللهِ، ستكونُ شخصًا يَرْحَمُ الآخرين. بعبارة أخرى، فإنَّ الرَّحمة هي أيضًا صِفَة مِنْ صِفاتِ أولادِ مَلكوتِ اللهِ. فَهُمْ رُحَماء.

وقد كانت الدِّيانةُ الَّتي تَصَدَّى لها يَسوعُ في أيَّامِهِ ضَحْلَةً وسَطحيَّةً وخارجيَّة. وقد عَرَفْنا أنَّ الربَّ كانَ يَنظر إلى دِيانَةٍ يهوديَّةٍ تَتَّسِمُ جدًّا جدًّا بالطَّقسيَّةِ وتُرَكِّزُ على الأمورِ الخارجيَّةِ لا الدَّاخليَّة. فقد كانَ القادةُ اليهودُ يَظُنُّونَ أنَّهم في مَأمَنٍ وأنَّهم سيكونونَ، دونَ أَدْنى شَكٍّ، سُكَّانَ المَلكوت. وقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّهم سيكونونَ، دونَ أدنى شَكٍّ، رُؤساءَ في مملكةِ المسيحِ لأنَّهم يَتْبَعونَ ديانةً رَسميَّةً، وخارجيَّةً، وقائمةً على البِرِّ الذَّاتيِّ. فقد كانوا مُتَفاخِرين، وعَديمي المُبالاةِ، وأنانِيِّين، ويَسْعَوْنَ إلى تحقيقِ مَصالِحِهم الشخصيَّة. وكانوا يُؤمنونَ بأنَّهُ بسبب أعمالِ بِرِّهم السَّطحيَّة، فإنَّهم سيكونونَ، دونَ أدنى شَكٍّ، المُختارين.

والحقيقة هي أنَّهُ لم يكن هناكَ أيُّ شيءٍ يَجري في الدَّاخل. والحقيقة هي أنَّ رَبَّنا قالَ لهذا النَّوعِ مِنَ الأشخاص: "مِنَ الخارِج، أنتُم تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ". وهذا هو السَّببُ في أنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ (إنْ دَقَّقْتُمِ النَّظَرَ قليلاً) أنَّهُ عندما وَصَلَ يُوحَنَّا المَعمدانُ إلى المَشْهَد، فإنَّ رِسالَتَهُ كانت مُوَجَّهة تَحديدًا إلى هذا الأمر. فنحنُ نَقرأُ في العددِ السَّابِعِ مِنَ الأصحاحِ الثَّالث: "فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ: يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ". بعبارة أخرى، لقد كانوا يَتمسَّكونَ بالأمورِ الخارجيَّة، ولكنَّهم لم يكونوا يُظْهِرونَ مِنَ الدَّاخلِ أنَّهم قد تَابوا تَوبةً حقيقيَّة. "وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَــنَا إِبْراهِيمُ أَبًا". بعبارة أخرى: لا تَتَّكِلوا على الهُوِيَّةِ العِرْقِيَّةِ الخارجيَّةِ لِتخليصِكُم.

"لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ. وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأتِــي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى الْمَخْزَنِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَـأُ". وقد كانَ يوحنَّا المَعمدان يتحدَّثُ عنِ الدَّينونة. لقد كانَ يتحدَّثُ عن دينونةٍ ناريَّةٍ مُريعَة ستأتي على أولئكَ الذينَ لا يَتَّكِلونَ سِوى على الدِّيانة الظَّاهريَّة، والذينَ كانوا يَتَّكلونَ على الطُّقوسِ الدِّينيَّة دونَ أنْ يُبالوا بالأبديَّة. وقد كانَ اللهُ مُزْمِعًا أنْ يَدينَ ذلك. فقد كانَتِ الفَأسُ قد نَزَلَتْ. وكانتِ النَّارُ قدِ ابتدأتْ تَشْتَعِل. وقد تَصَدَّى يسوعُ لِهذا الجَمْعِ الأنانِيِّ الَّذي يَتَّكِل على الطُّقوسِ الخارجيَّة والبِرِّ الذَّاتيِّ مِنْ قادَةِ اليهودِ، والشَّعبِ أيضًا، وقالَ لهم إنَّ ما يَهُمُّ حَقًّا هوَ ما يَحْدُثُ في الدَّاخِل: المَساكينُ بالرُّوح، والحَزانى، والوُدعاء، والجِياعُ والعِطاشُ إلى البِرّ، والرُّحماء، وأنقياءُ القلبِ، وصَانِعو السَّلام. فهذه كُلُّها صِفاتٌ دَاخليَّة. وقد تَجَاهَلَ كُلَّ الصِّفاتِ الخارجيَّةِ الَّتي كانوا يُعَلِّقونَ آمالَهُمْ عليها وَرَكَّزَ على لُبِّ الأمر.

إنَّ يسوعَ المسيحَ يُرَكِّزُ دائمًا على الدَّاخل. وهذا لا يَعني أنَّهُ لا يُبالي بالأعمال. فهو يَهتمُّ بالأعمال، ولكِنْ فقط بتلكَ الأعمالِ النَّابعة مِنَ الدَّاخل. فَثَمَرُ البِرِّ في الدَّاخِل سيُثْمِرُ أعمالاً صحيحة. ولكِنَّكَ قد تَتَظاهَرُ بالعَمَلِ دُوْنَ أنْ تُبالي بالحقيقة. وهذه ناموسيَّة. ولكِنَّ المسيحَ يُريدُ أعمالاً نابعةً مِنَ المواقف الصَّحيحة. وَهُوَ يُريدُ أعمالاً نابعةً مِنَ الشَّخصيَّة الصَّحيحة. وبالمُناسبة، إنَّ التَّركيزَ مِنْ بدايةِ الأصحاحِ السَّادِسِ إلى نهايةِ الأصحاحِ السَّابعِ مِنَ العِظَة على الجَبَل يَنْصَبُّ على الأعمال. فهو يَنْصَبُّ على الأشياءِ الَّتي نَقومُ بها، أوِ التي نَقولُها، أوِ الأشياءِ الَّتي نَفْتَكِرُ فيها. ولكِنَّ الأساسَ الَّذي يَقومُ عليهِ ذلكَ كُلُّهُ هو الموقفَ القَلبيُّ السَّليم. وهذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ يَسوعُ هُنا. وقد أَحْسَنَ "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Jones) في التَّعبيرِ عن ذلكَ إذْ قال: "المُؤمِنُ شَيءٌ قبلَ أنْ يَفعلَ شيئًا". "المُؤمِنُ شَيءٌ قبلَ أنْ يَفعلَ شيئًا". فلكي تكونَ ابنًا للملك، ولكي تكونَ مِنْ رَعايا الملكوت، يجب عليكَ أوَّلاً أنْ تَتَحَلَّى بصِفاتٍ شخصيَّةٍ مُعَيَّنة: صِفَة الانْسِحاق، وصِفَة الحُزْن على الخطيَّة، وصِفَة الوَداعة، وصِفة الجُوع والعَطَش إلى البِرّ، وصِفَة الرَّحمة، وصِفَة نَقاوة القلب، وصِفة صُنْع السَّلام.

وكما تَرَوْن، فإنَّنا لم نُخْلق لكي نُهَيْمِنَ على مَسيحيَّتِنا، بل إنَّ مَسيحيَّتَنا وُجِدِتْ لكي تُهَيْمِنَ علينا. والنَّاموسيَّة تَعني أنْ نُهَيْمِنَ نحنُ على مَسيحيَّتِنا. ولكِنَّ الحَياةَ الرُّوحِيَّةَ الحقيقيَّةَ تَعني أنْ تُهيمِنَ مَسيحيَّتُنا علينا. وهذا هو ما يُرَكِّزُ عليهِ يَسوع. فهو لا يُريدُ مِنَّا أنْ نَتَحَكَّمَ ببعضِ الأنشطة الخارجيَّة، بل يُريدُ أنْ يَتَحَكَّمَ اللهُ السَّاكِنُ فينا بتلكَ الأشياء. لِذا فإنَّ المبادئَ الَّتي يُقَدِّمُها يسوعُ هُنا ليست سَطحيَّة، وليست على حَافَةِ الحَياةِ، بل هي عَميقة وداخليَّة. وأنْ تكونَ مَسيحيًّا بِحَقّ يَعني ألَّا تكونَ هناكَ طبقة سطحيَّة، ولا مَظاهر خارجيَّة زائفة. فالمسيحيَّة شيءٌ يَحْدُثُ لنا في صَميمِ كِيانِنا ثُمَّ يُهيمِنُ على قَلْبِنا. وَهُوَ يَجْري مِنْ هُناكَ ويَصُبُّ في الأنْشِطَةِ الحياتيَّة. فاللهُ لم يُبالي يومًا بالأمورِ السَّطحيَّة. واللهُ لم يُبالي يومًا بِدَمِ عُجولٍ وَتيوس. واللهُ لم يُبالي يومًا بكُلِّ الأنشطة الرُّوحيَّة الجوفاء إنْ لم يَكُنِ القلبُ طاهرًا. وأنا أتذكَّرُ دائمًا ما جاءَ في سِفْر عاموس والأصحاح الخامِس إذْ يَقولُ اللهُ: "تَوَقَّفوا عنِ عِبادَتِكُم، وتوقَّفوا عن تقديمِ ذبائِحِكُم، وتوقَّفوا عنِ العَزْفِ. فقُلوبُكم ليست طَاهِرَةً". وهذا هو دائمًا ما يُرَكِّزُ اللهُ عليه. فاللهُ يَهتمُّ بالدَّوافِعِ، وبالأمورِ الدَّاخليَّةِ الَّتي تُثْمِرُ أعمالاً خارجيَّةً صَالحة.

والآنْ، لِنَعُد إلى الأصحاحِ الخامسِ مِن إنجيل مَتَّى لِنُتابِع مِنْ حيث وَصَلْنا. فقد تَصَدَّى يسوعُ لِمَجموعة مِنَ القادةِ الدِّينيِّينَ النَّاموسيِّينَ وقالَ لهم كلماتٍ قَويَّة جدًّا. فقد أَصابَهُمْ في أضعفِ مَوْضِعٍ حينَ قالَ لهم في التَّطويبةِ الأولى: "ما يَنبغي أنْ تَفعلونَهُ هوَ أنْ تكونوا مُفْلِسينَ رُوحيًّا. فيجب أنْ تُدركوا أنَّكُم بائسونَ ويائسونَ ومُتَسَوِّلونَ لا تَملِكونَ أيَّ شيءٍ صالحٍ تُقدِّمونَهُ إلى الله، وأنَّ رَجاءَكُم الوحيدَ هو أنْ تُدركوا بُؤسَ حالَتِكُم وأنْ تَجْلِسوا في زاويةٍ مُعْتِمَةٍ وتَسْتَعْطوا كما يَفعلُ المُتَسَوِّلُ العاجِزُ عنْ مُساعَدَةِ نفسِه". وقد كانت تلكَ الكلماتُ صَادِمَةً حقًّا لهؤلاءِ اليهود. ثُمَّ إنَّهُ قالَ لهم أيضًا: "لا يَجوزُ أنْ تَفرحوا وتَشْعروا بالرِّضا بسببِ بِرِّكُم الذَّاتيّ، بل يجب أنْ تَذْرِفوا دُموعًا غزيرةً على خَطاياكُم. فيجب عليكم أنْ تَنوحُوا. كذلك، لا يجوزُ لكم أنْ تَفتخروا لأنَّكم حَفَظْتُمْ شرائعَ مُعَيَّنة، بل يجب عليكم أنْ تَتواضَعوا أمامَ اللهِ القُدُّوس. وليسَ هذا فحسب، بل لا يجوزُ لكم أنْ تَفْتَخِروا بِبِرِّكُم الذَّاتيِّ، بل يجب عليكم أنْ تُدركوا أنَّكُم تَتَضَوَّرونَ جُوْعًا إلى البِرِّ وأنْ تَجوعوا وتَعطشوا إلى ذلكَ البِرّ".

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أَرْبِطَ ذلك بالتَّطويبة الخامسة. فقد كانت هذه التَّطويباتُ الأربع الأولى مبادئَ داخليَّة بِكُلِّ مَعنى الكلمة. فهي تَتحدَّث بالكامل عن مواقف داخليَّة. وهي تتحدَّثُ بالكامل عمَّا تَفْتَكِرُ بِهِ في نفسِك أمامَ اللهِ. أمَّا الآنْ، إذْ نأتي إلى التَّطويبة الخامسة، مَعَ أنَّها موقفٌ داخليٌّ أيضًا، فإنَّها تَبتدئ بالوُصولِ إلى الخارِج ومُلامَسةِ الآخرين. فهُناكَ شَيءٌ ظاهِرٌ للعِيانِ في هذا الموقِف؛ وَهُوَ ثَمَرٌ ناتِجٌ عنِ المواقفِ الأربعةِ السَّابقة. فمعَ أنَّنا مَساكين بالرُّوح، وحَزانى، ووُدعاء، وجِياع وعِطاش إلى البِرّ، فإنَّنا سَنَجِدُ أنفُسَنا رُحماءَ تُجاهَ الآخرينَ نَتيجة لذلك. وقد قالَ أحدُ الأشخاص: "إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُقِرُّونَ في وَسْطِ مَسْكَنَتِهِمْ بالرُّوحِ بحاجتهم إلى الرَّحمة يَبتدئونَ في إظهارِ الرَّحمةِ للآخرين. والَّذينَ يَحْزَنونَ على خطاياهُم يبتدئونَ في أثناءِ حُزْنِهِمْ بتَطهيرِ قُلوبهم فيصيرونَ أيضًا أنقياء القلب. والوُدعاءُ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَصْنَعونَ سَلامًا دائمًا. والذينَ يَجوعونَ ويَعطشونَ إلى البِرِّ يُبدونَ دائمًا الاستعدادَ لاحتمالِ الاضطهادِ مِنْ أجْلِ البِرّ".

هل تَرَوْنَ كيفَ أنَّ التَّطويباتِ الأربَعَ الأولى تَرتبط ارتباطًا وَثيقًا بالتَّطويباتِ الأربعِ الَّتي تَليها؟ فالتَّطويباتُ الأربعُ الأولى هي مواقِف داخليَّة، والتَّطويباتُ الأربعُ الَّتي تَليها هي الأشياءُ الَّتي تُظْهِرُها. فحينَ تَكونُ مِسْكينًا بالرُّوح وتُدرِكُ أنَّكَ لستَ سِوى شَخصًا مُعْدَمًا، فإنَّكَ ستُبدي استعدادَكَ لإعطاءِ شخصٍ آخرَ مُعْدَمًا؛ فتَصيرُ بذلكَ رَحيمًا. وحينَ تَحْزَنُ على خَطاياكَ فإنَّكَ ستُطَهِّرُ قلبَكَ بِدُموعِ التَّوبة وتَصيرُ نَقِيَّ القلبِ. وحينَ تكونُ مُتواضعًا فإنَّكَ ستكونُ دائمًا صَانِعَ سَلام لأنَّ الوَداعةَ تَصْنَعُ سَلامًا. وحينَ تكونُ جائعًا وعَطِشًا إلى البِرِّ، ستُبدي استعدادَكَ لاحتمالِ الاضطهادِ مِنْ أجلِ البِرّ. لِذا فقد انتقلنا الآنَ إلى هذهِ التَّطويبة الجديدة. وسوفَ نتحدَّثُ الآنَ عنِ الشَّخصيَّةِ الَّتي تَظْهَرُ حينَ يكونُ ذلكَ الموقفُ الدَّاخليُّ موجودًا في التَّطويباتِ الأربعِ الأولى. فعندما تَمتلكُ هذه الصِّفاتِ الأربَعَ الأولى، سَتَظْهَرُ أربَعُ صِفاتٍ شخصيَّة بصورة واضحة في حياتِك. وسوفَ نَرى هذهِ الصِّفاتِ حينَ نَدْرُسُ هذهِ الجوانبَ الأربعَ الأخيرةَ في هذه المُقدِّمَةِ الرَّائعة.

والآنْ، لننظر إلى مَعنى أنْ تكونَ رَحيمًا. ففي العدد 7، قالَ يَسوع: "طُوبَـى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُون". وإذْ نَنظرُ إلى هذهِ الجُملة البسيطة، أوَدُّ أنْ تَعلموا، يا أحبَّائي، أنَّ هذا الحَقَّ عَميقٌ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يمكنني أنْ أَتحدَّثَ عنهُ بجميعِ أبعادِه. وكما تَعلمونَ، مِنَ السَّهلِ جِدًّا أنْ تَعِظَ إنْ كانت لديكَ مادَّة صغيرة لأنَّكَ تَذْكُرُ النُّقطةَ الرَّئيسيَّةَ، وتَعودُ إليها ثانيةً، وتَعودُ إليها مَرَّةً أُخرى، وتَتوسَّعُ فيها قليلاً فتكونُ على ما يُرام. ولكِنْ حينَ يكونُ لديكَ كِتابٌ مُقَدَّسٌ يَزْخُرُ بالآياتِ، مِنَ الصَّعبِ جِدًّا أنْ تَنتقي أَفْضَلَها. ففِكرةُ الرَّحمة هذهِ موجودة في كُلِّ الكتاب المقدَّس مِنَ الغِلافِ إلى الغِلاف. مُنْذُ بَدْءِ التَّاريخِ وسُقوطِ الإنسانِ إلى وقتِ اكْتِمالِ كُلِّ شيء. فهي واقعٌ هائلٌ. ولكِنْ سأرى إنْ كانَ بِمَقدورِنا أنْ نَسْتَخْلِصَ على الأقَلِّ أربَعَةَ جوانِبَ للرَّحْمَة في دراسَتِنا في هذا المساء. أربعةِ جوانِب: الأهميَّة، والمَصْدَر، والجوهَر، والنَّتيجة. الأهميَّة، والمَصْدَر، والجوهَر، والنَّتيجة. فما هي الأهميَّة؟ بعبارة أخرى: ما مَعنى أنْ تكونَ رَحيمًا؟ فنحنُ نَقرأ في العدد 7: "طُوبَـى [أوْ: هَنيئًا] لِلرُّحَمَاءِ". فما مَعنى ذلك؟ سوفَ أَقولُ لكم، في البداية، إنَّ تلكَ الجُملة كانت ضَربةً قويَّةً لليهودِ في ذلكَ اليوم. فقد كانوا عَديمي الرَّحمة، وكانَ الرُّومانُ في تلكَ الأيَّام عديمي الرَّحمة. فقد كانوا مُتَكَبِّرينَ جدًّا، وأنانيِّينَ، وأبرارَ في أَعيُن أنفُسِهم، ودَيَّانين، ويَنظرونَ إلى الآخرينَ نَظرةَ احتقار. وما كانَ يسوعُ يَقولُهُ لَمَسَ حَقًّا الحاجةَ العَميقةَ لقُلوبهم.

وكما تَعلمون، هناكَ أُناسٌ كثيرونَ يحاولونَ أنْ يَستخدموا هذهِ التَّطويبة بطريقة إنسانيَّة نوعًا ما إذْ قد تَسمعونَ أشخاصًا يقولون: "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ". وَهُمْ يَستخدمونَ هذهِ التَّطويبةِ كما لو كانتْ فَضيلَةً إنسانيَّة بِمَعنى: "إذا كُنْتَ طَيِّبًا معَ الآخرين، سيكونُ الآخرونَ طَيِّبينَ مَعَك". وهل تَذكرونَ ما جاءَ في مَسرحيَّة شِكْسبير: "تاجِر البُندقيَّة" (Merchant of Venice) إذْ إنَّ هُناكَ خِطابًا وَرَدَ على لِسان "بورشيا" (Portia). وما زلتُ أذكُرُ مُشاهدة هذا المَقطَع حينَ كنتُ في الجامعة. وتقولُ "بورشيا" الآتي: "إنَّ صِفَةَ الرَّحمةِ ليسَتْ إلْزامًا. فهي تَنْزِلُ كما يَنْزِلُ الرَّذاذُ مِنَ السَّماءِ على الأرضِ مِنْ تَحْتِها. وهي تُبارِكُ الطَّرَفَيْن. فهي تُبارِكُ مَنْ يُقَدِّمَها ومَنْ يأخُذَها. وَهِيَ تَظْهَرُ في أقوى صُوَرِها في أقوى النَّاسِ. فهي تُزَيِّنُ المَلِكَ على عَرْشِهِ أكثرَ مِمَّا يُزَيِّنُهُ تَاجُهُ". وما قَصَدَهُ شكسبير هو أنَّ أَهَمُّ صِفَةٍ يُمْكِنُ أنْ يَتَحَلَّى بها المَلِكُ هي أنْ يكونَ رَحيمًا.

وحَتَّى إنَّ "التَّلْمُودَ" (Talmud) يُقِرُّ بأنَّ هناكَ بَعْضَ الشَّهامَة والفضيلة في الرَّحمة. ويقولُ التَّلمودُ إنَّ المُعَلِّمَ "غَمالائيل" (Gamaliel) قال: "إنْ رَحَمْتَ الآخرينَ فإنَّ اللهَ سَيَرْحَمُكَ. وإنْ لم تَرْحَمِ الآخرينَ فإنَّ اللهَ لن يَرْحَمَك". ويبدو أنَّ ذِهْنَ الإنسانِ يُفَكِّرُ دائمًا بأنَّكَ إنْ عامَلْتَ الآخرينَ بِطيبَة فإنَّ الآخرينَ سيُعامِلونَكَ بطيبة. أوْ إنْ كُنْتَ صَالِحًا مِنْ نحوِ اللهِ فإنَّ اللهَ سيكونُ صالِحًا مِنْ نَحْوِك. والجُملةُ الثَّانيةُ أكثرُ صِحَّةً مِنَ الأولى. ولكنِّي لستُ واثقًا مِنْ صِحَّةِ الأولى. فأنتم تَسمعونَ الأشخاصَ الَّذينَ يَرغبونَ في جَمْعِ التَّبَرُّعاتِ يقولون: "إنْ تَبَرَّعْتَ لنا بالمال، أَعِدُكَ بأنَّكَ سَتَسْتَرِدُّهُ". وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَنظرونَ إلى ذلكَ بِمَفهومِ العَطاءِ والأخْذ. وحَتَّى إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَنظرونَ إلى الأمْرِ مِنْ زاوية لاهوتيَّة، على غِرارِ "غَمالائيل"، (بِمَعْزِلٍ عن شكسبير الَّذي كانَ يَنظرُ إلى الأمرِ مِنْ زاوية إنسانيَّة بَحْتَة) يَقولون: "إنْ فَعَلْتَ كَذا لأجْلِ اللهِ فإنَّ اللهَ سيَفعلُ كذا لأجلي". وكأنَّكَ تَضَعُ اللهَ في مَوْقِفٍ حَرِجٍ.

وقد صَاغَ أَحَدُ الكُتَّابِ هذهِ الآيةِ بالطَّريقة التَّالية: "هذا هُوَ أعظمُ حَقٍّ في الحياة. فإنْ رأى النَّاسُ أنَّنا نُبالي، فإنَّهُمْ سَيُبالون". هل هذا صحيح؟ للأسف، إنَّ الأمرَ ليسَ بهذه البساطة. فهو ليسَ مُجَرَّدَ فَضيلَة إنسانيَّة. فأنا أتَّفِقُ مَعَ "غَمالائيل". فإنْ فَعَلْتَ شيئًا لأجْلِ اللهِ، فإنَّكَ ستَحصل على شيءٍ بالمُقابل. وإنْ أَكْرَمْنا اللهَ فإنَّ اللهَ سَيُكْرِمُنا. ولكِنَّ العالَمَ لا يَعْمَلُ بهذه الطَّريقة؛ صَدِّقوني! والحقيقة هي أنَّ العالَمَ الرُّومانيَّ لم يكن يَعْرِفُ مَعنى الرَّحمة. والحقيقة هي أنَّكمْ إنْ أردتُم أنْ تَسمعوا كيفَ كانوا يُفَكِّرونَ في الرَّحمة، فإنَّ كُلَّ ما ينبغي أنْ تَفعلوه هو أنْ تتَذَكَّروا أنَّ الفلاسفة الرُّومان كانوا يقولونَ إنَّ الرَّحْمَة هي "دَاءُ النَّفْسِ". بعبارة أخرى، إنَّ الرَّحمةَ هي دَلالة على الضَّعْف. فقد كانت الرَّحمة تُشيرُ إلى أنَّكَ لم تكن تمتلك الشَّجاعة اللَّازمة للقيام بما ينبغي أنْ تَقومَ به. وقد كانَ الرُّومانُ يُجِلُّونَ العَدالَةَ، ويُقَدِّرونَ الشَّجاعَةَ، ويُعْجَبونَ بالانضباطِ والقُوَّة. ومِن جِهَة أخرى، كانوا يَحْتَقِرونَ الرَّحمة لأنَّ الرَّحمة في نَظَرِهِم هي دلالة على الضَّعف، ولا سِيَّما حينَ تُظْهِرُ الرَّحمة لشخصٍ آخر. فعندما كانَ الابْنُ يُوْلَد في العالم، كانَ مِنْ حَقِّ الأبِ أنْ يُمارِسَ سُلْطَتَهُ الأبَوِيَّة. فقد كانَ مِنْ حَقِّهِ أنْ يطْلُبَ مِنَ الآخرين أنْ يُمْسِكوا طِفْلَهُ. فإنْ أرادَ أنْ يَعيشَ الطِّفْل، كانَ يُشيرُ بإبهامِهِ إلى أعلى. وإنْ أرادَ أنْ يَموتَ الطِّفْلُ، كانَ يُشيرُ بإبهامِهِ إلى أسفَل. وإنْ أشارَ بإصبعِ الإبهامِ إلى أسفَل، كانوا يُغْرِقونَ الطِّفْلَ حالاً. فلم تكن هناك رحمة. وإنْ لم يكن المواطنُ الرُّومانيُّ يَرْغَبُ في الاحتفاظِ بعبدِهِ، كانَ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَأخُذَ سِكِّينًا وأنْ يَقْتُلَ العبدَ ويَدْفِنَهُ دونَ عِقاب. وكما تَرَوْن، إنْ كُنَّا نتحدَّثُ عنِ المجتمعِ الرُّومانيِّ، فإنَّ تلكَ الفَضيلةَ لم تَكُنْ شَيئًا مَرغوبًا فيه.

فالأمرُ لا يَعني ببساطة أنَّكَ إذا كنتَ تَرْحَمُ الجَميعَ، فإنَّ الجميعَ سيَرْحَمونَك. فقد كانَ ذلكَ مِنْ رابعِ المُستحيلات في المُجتمعِ الرُّومانيِّ. وسوفَ أُخبركم شيئًا آخر: إنَّهُ مِنْ رابعِ المُستحيلاتِ في مُجتمعنِا الأنانيِّ والجَشِعِ الذي يَتَّسِم بالمُنافسة. ففي مجتمعنا، يمكننا أنْ نقول: "إذا كُنْتَ رَحيمًا معَ الآخرينَ فإنَّهُم سيَكْسِرونَ عُنُقَك". فتلك المَقولة لا تَصِحُّ دائمًا. ولكِنَّ أفضلَ مَثَلٍ توضيحيٍّ على أنَّ الرَّحمة ليست فضيلةً بَديهيَّةً لدى البشر هو رَبُّنا يسوعُ المسيح. فقد بَرْهَنَ مَرَّةً وإلى الأبد أنَّها ليست فَضيلةً يَتَحَلَّى بها الإنسان.

فقد جاءَ يسوعُ المسيحُ إلى العالَم وكانَ أَكْثَرَ البَشَرِ الَّذينَ عاشوا على الأرضِ رَحْمَةً. وقد جاءَ يسوعُ المسيحُ إلى العالَمِ ولم يَفعل أيَّ شيءٍ يُؤذي أيَّ شخصٍ قَطّ. فقد جاءَ يسوعُ إلى العالمِ ولَمَسَ المَرْضى وشَفاهُم. وقد لَمَسَ المَشلولينَ وأعطاهُم قُدرةً على المَشْي. وقد لَمَسَ عينيِّ العُمْيَ فأبصروا، ولَمَسَ آذانَ الصُّمِّ فَاستعادوا حاسَّةَ السَّمْعِ، ولَمَسَ أَفْواهَ البُكْمِ فَنَطَقوا. وقد عَثَرَ على الزَّواني والعَشَّارينَ والأشخاصِ البائسينَ واجتذبهم إلى دائرةِ مَحَبَّتِهِ، وفَداهُم، وأَطْلَقَهُمْ في الحُرِّيَّة. وقد عَزَّى الحَزانى وبَكى مَعَهم. وقد لَمَسَ حاجَةَ الأشخاصِ الَّذينَ يَشعرونَ بالوَحْدَة وجَعلهم يَشعرونَ أنَّهم مَحبوبون. وقد جَمَعَ الأطفالَ الصِّغارَ مِنْ حولِهِ، واحتضنهم بذراعيهِ، وأحبَّهم. فلم يَعِشْ يومًا إنسانٌ على وجهِ الأرضِ يَمتلك رَحْمَةَ يَسوع.

فذاتَ يومٍ، كانَ يَسوعُ يَمشي في الشَّارع فَإذا مَيْتٌ مَحْمُولٌ. وقد رأى أُمًّا تَبْكي ابْنَها الَّذي ماتَ. وَمَنْ يُبالي؟ فقد فَقَدَتْ ابنَها، وفقدت زَوْجَها. ولكنَّ يسوعَ تَقَدَّمَ في وَسْطِ الجَنازَة، وَأَوْقَفَ حَامِلي النَّعْشِ، ووَضَعَ يَدَهُ عليهِ، وأقامَ الشَّابَّ مِنَ الموتِ وَدَفَعَهُ إلى أُمِّه. وفي إنجيل يوحنَّا والأصحاح الثَّامِن، أَمْسَكَ رِجالٌ امرأةً تَزْني فأحضروها إلى يسوع. وقد نَظَرَ يسوعُ إلى تلكَ المرأة بعدَ أنْ تَحَدَّثَ إليها، وبعدَ أنْ واجَهَ مَنِ اتَّهموها، وقالَ لها: "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا". ويا لها مِنْ رَحْمَة!

وقد أَكَلَ معَ العَشَّارينَ، وأَكَلَ معَ الخُطاةِ. وعندما رَآهُ الكَتَبَة والفَريسيُّون يأكُل معَ العَشَّارينَ والخُطاة في إنجيل مَرْقُس 2: 16 قالوا لتلاميذِهِ: "لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ وَيَشْرَب مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟ إنَّهُ يَخْتَلِطُ بِحُثالَةِ المُجْتَمَع!" فَمِنَ البداية إلى النِّهاية، كانت حياةُ رِبِّنا يسوعَ المُبارَك حياةَ رَحْمَة دائمة. فقد كانَ رَحيمًا معَ الجميع. اسمعوني واسمحوا لي أنْ أقولَ لكم شيئًا، يا أحبَّائي: إنَّ تَقديمَ الرَّحمةِ لا يَعني الحُصولَ على الرَّحمة. فلا يمكنكم أنْ تُطَبِّقوا تلكَ المقولة البشريَّة في حالة يسوع. أتَعلمونَ شيئًا؟ لقد كانَ أَرْحَمَ شخصٍ عاشَ على الأرض. ولكنَّهم صَرَخوا مُطالبينَ بِقتلِه، وعَلَّقوهُ على صَليبٍ، وسَمَّروهُ هُناك. فهذه ليست فَضيلة بشريَّة. فهي ليست كذلك. وهذهِ ليست الرَّحمة الَّتي يتحدَّثُ النَّصُّ عنها. فلو كانتِ الرَّحمةُ تُكافَأُ بالرَّحمة لما سَمَّروا أَرْحَمَ شَخْصٍ في الوُجود على صَليبٍ، ولَما بَصَقوا في وجْهِهِ وَلَعَنوه. فأَرْحَمُ شخصٍ عاشَ يومًا لم يَحْصُل مِنَ النَّاسِ الَّذينَ رَحَمَهُمْ على أيَّة رحمة على الإطلاق.

فقد اتَّحَدَ نِظامانِ لا رَحْمَةَ فيهما (النِّظامُ الرُّومانيُّ والنِّظامُ اليهوديُّ) وَتآمَروا عليهِ ليَقتلوه. وكُلُّ ما ينبغي أنْ تَفْعَلوه هو أنْ تَنظروا إلى الرُّومانِ لِتَرَوْا عَدَمَ إشفاقِهِم. انظروا إلى القَياصِرَة. فقد اتَّحَدتْ دِكتاتوريَّةُ رُوما الَّتي لا تَرْحَم مَعَ نِظامٍ دينيٍّ عديم التَّسامُحِ وعَديم الرَّحْمَةِ لأنَّهُما شَعَرَا أنَّ يَسوعَ يُهَدِّدُ وُجودَهُما؛ فَما كانَ مِنْهُمْ إلَّا أنْ قَتَلوه. لا! فالرَّحمة الَّتي يَتحدَّثُ عنها النَّصُّ هُنا ليست فَضيلةً بَشريَّةً تُكافَأ بالمِثْل. فهذه ليست الفِكرة هنا. وهي لا تَعني أنَّكَ إذا كنتَ رَحيمًا معَ الآخرين فإنَّهم سيكونونَ رُحَماءَ معك. لا! لا! وقد تقول: إذًا، ما الَّذي قَصَدَهُ الرَّبُّ؟ وما أهميَّة ذلك؟ حسنًا، يا أحبَّائي، دَعوني أُجيبُ عن ذلك ببساطة: ارْحَمِ الآخرينَ واللهُ سَيَرْحَمُكَ. فهذا هو المَعنى المقصود. فاللهُ هوَ الفاعِلُ في نهايةِ الآية. فاللهُ هُوَ مَنْ سَيَرْحَمُك. فنحنُ لا نتحدَّثُ هُنا عن فَضيلة بَشَرِيَّة.

والآن، لنتأمَّل في الكلمة نفسِها لأنَّ هناكَ المَزيدَ لنقولَهُ عنها. فلننظر إلى الكلمة "رُحَماء" ("إيليمونيس" “eleemones”). وهذه الكلمة استُخدمت مَرَّتينِ فقط في العهدِ الجديد كُلِّه. فقد استُخدمت مَرَّة هنا، ومَرَّة ثانية في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 2: 17 إذْ نَقرأ: "مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، ليكونَ هُوَ [ماذا؟] رَئيسَ الكَهَنَةِ الرَّحيم والأمين". فالمسيحُ هو أعظمُ نَموذجٍ على الرَّحمة. وَهُوَ رَئيسُ كَهَنَتِنا الَّذي يَشْفَعُ فينا، والذي تَتَدَفَّقُ مِنْهُ تلكَ الرَّحمة. ومعَ ذلك فإنَّ صيغةَ الفِعْلِ تُستخدَم مَرَّاتٍ كثيرة جدًّا في الكتاب المقدَّس. فهي شائعة جدًّا جدًّا. وهي شائعة في العهدِ القديم (في التَّرجمة اللَّاتينيَّة السَّبعينيَّة). فالمُقابِلُ العِبْرِيُّ هو "كيسيد" (chesed)، وهي كلمة شائعة جدًّا أيضًا. والكلمة تَعني ببساطة: "يَرْحَم". والآنِ اسمعوني. إنَّها تَعني: أنْ تُغيثَ المَكروبين، وتُساعِد اليائسين، وتُنْقِذ البائِسين. فمَعناها واسعٌ جدًّا.

فأيُّ شيءٍ تَفعلُهُ لمنفعة شخصٍ آخر مُحتاج هو رَحْمَة. فنِطاقُها واسعٌ جدًّا. فنحنُ نُفَكِّرُ في الرَّحمة غالبًا بمعنى الغُفرانِ النَّاشئ عنِ الخلاص. ولكنَّ مَعناها واسعٌ جدًّا. فهي تَعني "التَّعاطُفُ العَمَلِيّ". ولكنَّها تَتَخَطَّى التَّعاطُف. وهي تَتَخَطَّى الشَّفَقَة. فهي تَعني: "التَّعاطُفُ العمليُّ والإشفاقُ العَمليُّ على أيِّ شخصٍ لديهِ أيَّة حاجَة". وعندما تَكَلَّمَ رَبُّنا عنها هُنا، أيْ عنِ "الإيليمونيس" الحقيقيَّة (أيِ الرَّحمةِ الحقيقيَّة)، فإنَّها ليست تَعاطُفًا ضعيفًا يَشْعُرُ بهِ الإنسانُ الجسديُّ دونَ أنْ يَفعلَ أيَّ شيءٍ للمُساعدة. فهي ليست تلك الرَّحمة الزَّائفة الَّتي يُحاوِل المَرْءُ مِنْ خلالِها أنْ يُشْبِعَ غُرورَهُ وأنْ يُخَدِّرَ ضَميرَهُ مِنْ خلالِ إعطاءِ شَيءٍ رَمْزِيٍّ. فهي ليست شَفَقَةً صامتةً سَلبيَّةً قد تكونُ حقيقيَّة ولكنَّها لا تُساعِد بطريقة ملموسة. فهي ليست أيًّا مِن هذه الأمور السَّطحيَّة. بل هي تَعاطُفٌ حَقيقيٌّ نابعٌ مِنْ دافِعٍ طاهرٍ وغيرِ أنانيٍّ يَمُدُّ يَدَ المُساعدةِ لشخصٍ مُحْتاج. فهذا هوَ مَعناها.

بعبارة أخرى، كانَ يسوعُ يقولُ لهم: "إنَّ أبناءَ مَلكوتي لا يأخُذونَ، بل يُعْطون. وأبناءُ ملكوتي لا يَدينونَ الآخرينَ، بل يَرْحَمونَهُم. وأبناءُ ملكوتي لا يَرَوْنَ أنَّهُم أفضل مِنَ الآخرين، بل لا يَتَرَدَّدونَ في مُساعدةِ الآخرين". ومِن خلالِ هذه الكلمات، كانَ يَسوعُ يَضْرِبهُم في الصَّميم. فقد كانوا يَرْفَعونَ مِنْ شأنِ أنفسِهم، ويَظُنُّونَ أنَّهم أبرار في ذواتِهم، ولم يكونوا يُبالونَ بإعطاءِ أيِّ شيءٍ لأيِّ شخص. والحقيقة هي أنَّ هناكَ قِصَّة سَرَدَها يَسوعُ عن رَجُلٍ لم يكن يُبالي بتقديمِ المالِ الكافي لإعالَةِ أبيهِ وأُمِّهِ لأنَّهُ قال: "لقد قَدَّمْتُ المالَ للهِ لأنِّي مُلْتَزِمٌ دينيًّا ولا أستطيعُ أنْ أَنْقُضَ تَعَهُّدي معَ الله". ولكِنَّ رَبَّنا قال: "أنتُم واقعونَ في مُشكلة حقيقيَّة. فقد أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ الَّتي تقول: ’أَكْرِم أباكَ وأُمَّكَ‘ وتَمَسَّكْتُمْ بالتَّقليدِ الَّذي ابتَكرتموهُ أنتُم أنفُسُكم". وقد كانوا بارِعينَ في ذلك. وكانوا بلا رَحْمَة، حَتَّى تُجاهَ آبائهم وأُمَّهاتهم.

ولكِنَّ رَبَّنا يقولُ إنَّكَ إذا كنتَ ولدًا في ملكوتِهِ فإنَّك ستكونُ رَحيمًا، بل مُمتلئًا بالرَّحمة. فالرَّحمة لا تَعني الإشفاقَ وحَسْب. وهي لا تَعني التَّعاطُفَ وحَسْب. بل هي تَعني أنْ تَأخُذَ مَكانَ الأشخاصِ الآخَرين بِكُلِّ مَعنى الكلمة، وأنْ تَشارِكْهُمْ بِكُلِّ وُجْدانِكَ، وتَفْتَكِر بأفكارِهِم، وتَشْعُر بمشاعِرِهِم، ثُمَّ أنْ تَعتني بهم بطريقة ملموسة جدًّا. فالرَّحمة تَعني أنْ أَرى شخصًا بحاجة إلى الطَّعامِ فأُعطيهِ طَعامًا. والرَّحمة تعني أنْ أَرى شخصًا بحاجة إلى المحبَّة فأُعطيهِ مَحَبَّةً. والرَّحمة تَعني أنْ أَرى شخصًا وَحيدًا فأُخَفِّف وَحْدَتَه. فالرَّحمةُ تَعني سَدّ الحاجة، لا الشُّعورَ بها وَحَسْب. فهي تَتَخَطَّى ذلك.

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أَعْقِدَ مُقارَنَةً بينَ هذه الكلمة والعديدِ مِنَ الكلماتِ الأخرى لكي تَفهموا أهميَّتَها. أوَّلاً، "الرَّحمة" وَ "الغُفران". فأنا أَوَدُّ أنْ أُقارِنَ بينَ هاتينِ الكلمتين. فَهَلا فَكَّرْتُمْ مَعي بذلك! الرَّحمة والغُفران. هلِ الرَّحمة مَغفرة؟ وهلِ الغُفرانُ رَحْمَة؟ وما الفرقُ بينهما؟ أرجو أنْ تُحافظوا على تركيزِكُم وأنْ تُفَكِّروا معي. حسنًا؟ فنحنُ نَقرأ في رسالة تِيْطُس 3: 5 أنَّ اللهَ بِرَحْمَتِهِ (أوْ بِمُقْتَضى رَحْمَتِهِ) خَلَّصَنا. وما سأقولُهُ الآنَ مُهِمٌّ. فالرَّحمة، إذًا، هي عُنصرٌ موجودٌ في الخلاص. ونَقرأ في رسالة أفسُس والأصحاح الثَّاني: "اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، فَدانا وَأَحْيانا". لِذا فإنَّ الرَّحمة موجودة في الكواليس في الخلاص. فَرَحْمَةُ اللهِ هي الَّتي تَجعَلُهُ يُخَلِّصَنا. ورَحْمَةُ اللهِ هي الَّتي تَسْمَحُ لهُ أنْ يَفدينا. لِذا فإنَّ الرَّحمة هي سَبَبُ الغُفرانِ دونَ أَدنى شَكّ. لذلك، نَوَدُّ أنْ نَتحدَّث عنِ الرَّحمة والمَغْفِرَة معًا لأنَّهما مُتلازمتان.

ففي سِفْر دانيال 9: 9 (وأرجو أنْ يكونَ الشَّاهِدُ صحيحًا لأنِّي أُخَمِّنُ هُنا)، نَقرأُ في سِفْر دانيال 9: 9: "لِلرَّبِّ إِلهِنَا..." [وكَمْ أُحِبُّ هذهِ الكلمات الَّتي أرجو أنْ تَسمعوها] "...الْمَرَاحِمُ وَالْمَغْفِرَةُ". أليسَتْ هذه الكلماتُ رائعة؟ فهي تَقْرِنُهُما معًا. لِذا فإنَّ الرَّحمةَ والمَغفرةَ مُتلازِمتان. وبالمُناسبة، فإنَّ المزمور 130 يَقْرِنُ بطريقة جميلة ورائعة أيضًا هاتَيْنِ الصِّفَتَيْن: "مِنَ الأَعْمَاقِ صَرَخْتُ إِلَيْكَ يَا رَبُّ. يَا رَبُّ، اسْمَعْ صَوْتِي. لِتَكُنْ أُذُنَاكَ مُصْغِيَتَيْنِ إِلَى صَوْتِ تَضَرُّعَاتِي. إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ الآثَامَ يَا رَبُّ، يَا سَيِّدُ، فَمَنْ يَقِفُ؟ [وهذا اعترافٌ بالخطيَّة] لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ. انْتَظَرْتُكَ يَا رَبُّ. انْتَظَرَتْ نَفْسِي، وَبِكَلاَمِهِ رَجَوْتُ. نَفْسِي تَنْتَظِرُ الرَّبَّ أَكْثَرَ مِنَ الْمُرَاقِبِينَ الصُّبْحَ. أَكْثَرَ مِنَ الْمُرَاقِبِينَ الصُّبْحَ. لِيَرْجُ إِسْرَائِيلُ الرَّبَّ، لأَنَّ عِنْدَ الرَّبِّ الرَّحْمَة".

ونحنُ هُنا أمامَ شخصٍ يَعترف بخطاياه، ويَطلبُ الغُفرانَ لأنَّهُ يَعلمُ أنَّ الغُفرانَ يَنْبُعُ مِنْ نَبْعِ الرَّحمة. لِذا فإنَّ الرَّحمة والمَغفرة تَقترنان معًا. فلا يمكننا أنْ نُفَكِّرَ في الرَّحمة مِنْ دونِ التَّعبيرِ عنها مِن خلالِ المَغْفِرَة. ولا يمكننا أنْ نُفَكِّرَ في المَغفرة مِن دونِ مَصْدَرِها: الرَّحمَة. ولكنِ اسمعوني، يا أحبَّائي: إنَّ الغُفرانَ ليسَ التَّعبيرَ الوحيدَ عنِ الرَّحمة. فلا تَحْصُروا الرَّحمة في فِكرة خلاصيَّة أوْ في حَقيقة خَلاصِيَّة. فالرَّحمة أكبر جِدًّا مِنَ المَغفرة. والمَغفرةُ مُجَرَّد جُزءٍ منها. ولكنِ اسمعوا ما جاءَ في المزمور 119: 64 إذْ نَقرأ: "رَحْمَتُكَ يَا رَبُّ قَدْ مَلأَتِ الأَرْضَ". ونَقرأُ في سِفْر التَّكوين 32: 10: "صَغِيرٌ أَنَا عَنْ جَمِيعِ أَلْطَافِكَ". ونقرأ في سِفْر صموئيل الثَّاني 24: 14: "لأَنَّ مَرَاحِمَهُ كَثِيرَةٌ". ونَقرأ في سِفْر نَحَمْيا 9: 19: "أَنْتَ بِرَحْمَتِكَ الْكَثِيرَةِ". ونَقرأُ في المزمور 69: 13: "بِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ". لِذا فإنَّ المَراحِمَ أكبر جِدًّا مِنْ مُجَرّدِ المَغفرة.

إنَّ المَغفرةَ عَمَلٌ مِن أعمال الرَّحمة. أجل! ولكِنْ هُناكَ المَزيد. فقد أكونُ رَحيمًا تُجاهَ شخصٍ ما حينَ أَغْفِر. ولكِنْ توجد طُرُقٌ أُخرى عديدة يمكنني فيها أنْ أكونَ رحيمًا دونَ أنْ يَتَطَلَّبَ ذلكَ غُفرانًا. ولَعَلَّنا نَجِدُ في سِفْرِ المَراثي واحدةً مِن أجملِ الآياتِ إذْ نَقرأ: "إِنَّهُ مِنْ إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَنَّنَا لَمْ نَفْنَ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ لاَ تَزُولُ. هِيَ جَدِيدَةٌ..." [مَتى؟] فِي كُلِّ صَبَاحٍ. كَثِيرَةٌ أَمَانَتُكَ". فمَراحِمُ اللهِ لا نهاية لها. ولكِنْ ماذا عنِ الرَّحمة والمحبَّة؟ وكيفَ نُقارِنُ بينهما؟ نحنُ نَتحدَّثُ الآنَ عنِ التَّعريف. ونحنُ نَتحدَّثُ عن أهميَّةِ الرَّحمة. فهذه هي النُّقطة الأولى. وكيفَ نُقارِنُ الرَّحمة بالمحبَّة؟ حسنًا! لننظر إلى ذلك. فالمَغفرة تَنْبُع مِنَ الرَّحمة. والرَّحمة تَنْبُع مِنْ ماذا؟ المحبَّة. فلماذا يُسْبِغُ اللهُ رَحْمَتَهُ؟ لأنَّها قائمة على المحبَّة. "اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ..." لماذا؟ "...مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا...". أَتَرَوْنَ التَّتابُع؟ فاللهُ يُحِبُّ. والمحبَّة رَحيمة. والرَّحمة مَغْفِرَة (عَدا عن أمورٍ أخرى كثيرة). لِذا فإنَّ المحبَّة تَقِفُ وَراءَ الرَّحمة. ولكِنَّ المحبَّة أكبر مِنَ الرَّحمة، إنْ كانَ بِمَقدوركم أنْ تتخيَّلوا هذا.

وقد تقول: "لحظة مِنْ فَضلِك. فقد قُلْتَ إنَّ الرَّحمة أكبر مِنَ المَغفرة". هذا صحيح. فالرَّحمة أكبر مِنَ المَغفرة. والمحبَّة أكبر مِنَ الرَّحمة. لأنَّ المحبَّة تستطيع أنْ تَفعل أمورًا كثيرةً، أكثر بكثير مِنْ مُجَرَّد إظهار الرَّحمة. لأنَّ الرَّحمة تَفْتَرِض مُسَبَّقًا وُجودَ مُشكلة؛ في حين أنَّ المحبَّة يمكن أنْ تَعمل مِنْ دونِ وُجودِ مُشكلة. أليسَ كذلك؟ فالآبُ يُحِبُّ الابْنَ، والابْنُ ليسَ بحاجة إلى الرَّحمة. والابْنُ يُحِبُّ الآبَ، والآبُ ليسَ بحاجة إلى الرَّحمة. والآبُ يُحِبُّ الملائكةَ، والملائكةُ تُحِبُّ الآبَ، ولا أحدَ مِنْهُم بحاجة إلى الرَّحمة. فالمحبَّة أكبر مِنَ الرَّحمة. فالرَّحمةُ هي الطَّبيب، أمَّا المحبَّة فهي الصَّديق. والمحبَّة تَعمل بدافع العاطفة، أمَّا الرَّحمة فتعمل بدافع الحاجة. والمحبَّة دائمة، أمَّا الرَّحمة فتُحْفَظ للأوقاتِ العَصيبة. ولكِنْ لا توجد رحمة مِن دون محبَّة. ولكِنَّ المحبَّة أكبر مِنَ الرَّحمة.

وهذه فكرة عظيمة. أليسَتْ كذلك؟ وهل تَرَوْنَ كيفَ أنَّ محبَّةَ اللهِ العظيمة تَسُدُّ حاجَتَنا في نِطاقِ الرَّحمة؟ وهناكَ نِطاقٌ آخر أيضًا حينَ نَصيرُ أبرارًا ولا نَعودُ بحاجة إلى الرَّحمة. فمحبَّتُهُ لنا سَتستمرّ. فهو سَيستمرُّ في مَحَبَّتِهِ لنا إلى الأبد. ولكنَّنا لن نعودَ بحاجة إلى الرَّحمة. ولكِنَّ المحبَّة تَصِلُ إلينا في هذه الحياة مِن خلالِ الرَّحمة. والرَّحمة تَنْحَصِرُ في تلكَ الفِكرة المُختصَّة بالمَغفرة. ولكنَّها أَشْمَلُ مِن ذلكَ أيضًا. وهل يمكنني أنْ أُضيفَ فِكرةً أخرى؟ أو رُبَّما فِكرتين؟ ماذا عنِ الرَّحمة والنِّعمة؟ فالنَّاسُ يَقولون: "هلِ الرَّحمة مُشابهة للنِّعمة؟" وَ "هلِ النِّعمة مُشابهة للرَّحمة؟" الجَوابُ هُوَ: "نَعَم" وَ "لا". والآنْ، اسمعوني. فسوفَ تُمارسونَ حَقًّا تَمرينًا لاهوتيًّا. لذلك، رَكِّزوا معي. إنَّ الكلمة "رَحْمَة" وجميعَ مُشتقَّاتِها تَختصُّ دائمًا بعناصرِ الألمِ والبؤسِ والضِّيق. فهي تَختصُّ دائمًا بنتيجة الخطيَّة (سواءٌ كانت خطيَّة الإنسان، أو خطيَّة العالم، أو مُجَرَّد خطيَّة الانتماء إلى عالمٍ خاطئ). فكما تَرَوْن، فإنَّ الرَّحمة تَفترِض دائمًا وجود مَشاكل. وهي تَختصُّ بالألم والبؤس والضِّيق. أمَّا النِّعمة فتختصُّ بالخطيَّة نفسِها. فالرَّحمة تَختصُّ بالأعراض؛ أمَّا النِّعمة فتختصُّ بالمُشكلة.

وكما تَرَوْن، فإنَّ الرَّحمةَ تُوَفِّرُ الرَّاحَةَ مِنَ العُقوبة. أمَّا النِّعمة فتُوَفِّر الصَّفْحَ عنِ الجَريمة. هل تَفهمونَ ذلك؟ فأوَّلاً تأتي النِّعمة. والنِّعمة تُزيلُ الخطيَّة. ثُمَّ إنَّ الرَّحمةَ تُزيلُ العُقوبة. فَهُما مُختلفتان. ولَعَلَّكُم تَعلمونَ أنَّ بولُسَ يقولُ في ثَلاثٍ مِنْ رَسَائِلِهِ (وَهُوَ لم يَفعل ذلك في أيٍّ مِن رسائله إلى الكنائس، بل فقط في رسائلهِ إلى الأفراد – أيْ في رسالَتَيْهِ الأولى والثَّانية إلى تيموثاوُس، ورسالتِهِ إلى تيطُس)، فإنَّهُ يقول: "نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَسَلاَمٌ". فالرَّحمة والنِّعمة مُختلفتان. فالرَّحمة تُزيلُ الألمَ. أمَّا النِّعمةُ فَتُوَفِّرُ حالةً أفضل. واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثلاً توضيحيًّا: السَّامريُّ الصَّالح. أليسَ كذلك؟ فقد كانَ مَطروحًا – كانَ ذلكَ الرَّجُلُ مَطروحًا على قارِعَةِ الطَّريق. فقد ضُرِبَ حَتَّى أوْشَكَ على الموت. وقد سُرِقَ أيضًا. وقد نَزَلَ كَاهِنٌ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ فَرَآهُ وَجَازَ مُقَابِلَهُ دونَ أنْ يَفعلَ شيئًا. وقد نَزَلَ لاوِيٌّ ورآهُ وَجازَ مُقابِلَهُ دونَ أنْ يَفعلَ شيئًا. ثُمَّ إنَّ سامِرِيًّا غَريبَ الجِنْسِ نَزَلَ في تلكَ الطَّريق ورأى هذا اليهوديَّ المِسكين مَضروبًا ومَجروحًا وفي حالة مُزْرِيَة فَمالَ إليهِ واعْتَنى بِهِ. فهل تَعلمونَ ماذا فَعَلَتِ الرَّحمة؟ لقد خَفَّفَت الرَّحمةُ آلامَهُ. وقد سَكَبَت الرَّحمةُ زَيْتًا على جِراحِهِ. وَقَدْ ضَمَّدَت الرَّحمةُ جَراحَهُ. وقد سَكَّنَت الرَّحمةُ مُعاناتِهِ. وهل تَعلمونَ ماذا فَعلت النِّعمة؟ لقد ذَهَبَت النِّعمة واستأجرَتْ لَهُ غُرفةً في فُنْدُقٍ ليُقيمَ فيها.

وكما تَرَوْن، فإنَّ الرَّحمةَ تَختصُّ بِمُعالَجَةِ الجانبِ السَّلبيِّ؛ أمَّا النِّعمةُ فَتَصْنَعُ أُمورًا إيجابيَّة. والرَّحمةُ تُخَفِّفُ الألمَ؛ أمَّا النِّعمةُ فتُعطي حالةً أفضل. والرَّحمةُ تَقولُ "لا" لِجَهَنَّم؛ أمَّا النِّعمةُ فتَقولُ "نَعَم" للسَّماء. والرَّحمةُ تَقولُ: "أنا أُشْفِقُ عليك"؛ أمَّا النِّعمةُ فتقول: "أنا أُسامِحُك". لِذا فإنَّ الرَّحمةَ والنِّعمةَ وَجْهانِ لِعِمْلَةٍ ثَمينةٍ واحدة. واللهُ يُقَدِّمُ الرَّحمة والنِّعمة. ثُمَّ هناكَ مُقارنة أخرى ينبغي أنْ تُجْرُوها وهي بينَ الرَّحمة والعَدالة. فالنَّاسُ يَقولون: "حسنًا! إنْ كانَ اللهُ إلَهَ عَدالَةٍ، كيفَ يَسَعُهُ أنْ يَكونَ رَحيمًا؟" إذا نَظرتُم إلى الأمرِ بهذه الطريقة؛ أيْ إنْ كانَ اللهُ عادِلاً، وقُدُّوسًا، وبارًّا، هل يمكنُهُ أنْ يَنْقُضَ العَدالة؟ فهل يمكنهُ أنْ يقول: "أنا أَعلمُ أنَّكَ خاطئٌ، وأنا أعلمُ أنَّكَ فَعلتَ أُمورًا مُريعةً؛ ولكنِّي أُحِبُّكَ كثيرًا وهُناكَ رَحمة كثيرة جِدًّا أُسْبِغُها عليك. لذا، سوفَ أَغْفِرُ لَك؟" هل يستطيعُ أنْ يَفعلَ ذلك؟ أجل، يَستطيع. أتَعلمونَ لماذا؟ لأنَّهُ جاءَ إلى العالَمِ في جسدٍ بشريٍّ وماتَ على الصَّليب. وعلى الصَّليبِ، عندما ماتَ يَسوعُ (لا تَنْسَوْا ذلك) تَحَقَّقَتِ العَدالة.

هل فَهمتم ذلك؟ فقد قالَ اللهُ إنَّهُ لا توجد مَغفرة للخطيَّة مِن دونِ سَفْكِ دَمٍ. وقد قالَ اللهُ إنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وُجودِ ذبيحة كاملة لكي تَدْفَعَ أُجرةَ خطايا العالَم. وقد كانَ يسوعُ تلكَ الذَّبيحة. وبذلك تَحَقَّقتِ العَدالة. وبهذا فإنَّ الرَّحمة لا تُناقِض العدالة. وعندما أتحدَّثُ عن رَحمةِ اللهِ فإنَّها ليست عاطفة سَاذَجة تَتغاضى عنِ الخطيَّة. اسمعوني: هناكَ الكثيرُ مِنَ الأمورِ المُشابهةِ الَّتي تَحْدُث في مُجتمعِنا، وحتَّى في الكنيسة. والمَرَّةُ الوحيدةُ الَّتي يُقَدِّمُ فيها اللهُ الرَّحمةَ لأيِّ شخصٍ هي عندما يَدفعُ شخصٌ ما أُجرةَ الخَطيَّة الَّتي ارْتُكِبَتْ. فهناكَ نوعٌ مِنَ الرَّحمة الَّتي لا تَعْدو عَنْ كَوْنِها عاطفة زائفة وسَاذَجة تُريدُ أنْ تُبْطِلَ العدالة دونَ أنْ يَدفعَ النَّاسُ أيَّ ثَمَن، ودونَ أنْ تَدْفَعَهُم إلى التَّفكيرِ في أنَّهم غيرُ مَقبولين؛ بل تُريدُ فقط أنْ تُجَمِّلَ الأمور. فقد عَفا الملكُ شاوُل عنِ المَلِك أَجَاج. وقد كانت تلكَ رَحمة عاطفيَّة انْتَهَكَتْ قَداسةَ اللهِ. وقد كانت رَحْمَةُ داوُد تُجاهَ أبشالوم عاطفة زائفة لأنَّها جَعَلَتْهُ يَتهاونُ مَعَهُ إلى أنْ صارَ (أبشالوم) مُتمرِّدًا في قلبِهِ وفاسِدًا. لذلك، لا تَنْسَوْا ذلكَ البَتَّة.

واللهُ لن يُناقِضَ الحَقَّ المُختصَّ بعدالَتِهِ وقداسَتِهِ لكي يكونَ رَحيمًا. فهو سيكونُ رحيمًا، ولكِنْ فقط بعدَ التَّيَقُّنِ مِنْ عَدَمِ المَساسِ بالحَقِّ. فلو أنَّ أبشالوم تابَ وقَبِلَ حَقَّ اللهِ، لكانتِ الرَّحمة حقيقيَّة؛ ولكنَّها لم تكن سِوى عاطفة ساذَجة لأنَّهُ لم يَخْضَعْ يومًا للحَقّ. وهناكَ أُناسٌ في الكنيسة، كما تَعلمون، يُخطئونَ ويَفعلونَ أمورًا شِرِّيرة ضِدَّ اللهِ، ولا يَعترفونَ بخطيئتهم، ولا يُعالجونَ الشَّرَّ في حياتهم؛ ولكنَّهم يُريدونَ الرَّحمة. انظروا إلى رسالة يعقوب والأصحاح الثَّاني قليلاً مِنْ فَضْلِكُم. رسالة يعقوب 2: 10. فنحنُ نَجِدُ هنا كلماتٍ مُهمَّةً جدًّا. يعقوب 2: 10: "لأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُجْرِمًا فِي الْكُلِّ. لأَنَّ الَّذِي قَالَ: «لاَ تَزْنِ»، قَالَ أَيْضًا: «لاَ تَقْتُلْ». فَإِنْ لَمْ تَزْنِ وَلكِنْ قَتَلْتَ، فَقَدْ صِرْتَ مُتَعَدِّيًا النَّامُوسَ". بعبارة أخرى، فإنَّ يَعقوب يقول: "إذا كَسَرْتَ أيًّا مِن شرائعِ اللهِ، فإنَّكَ تَكْسِرُها جميعًا. وأنتَ مُذنبٌ فيها جميعًا. "هكَذَا تَكَلَّمُوا وَهكَذَا افْعَلُوا كَعَتِيدِينَ أَنْ تُحَاكَمُوا بِنَامُوسِ الْحُرِّيَّةِ".

والآن، استمعوا إلى العدد 13: "لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً، وَالرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ". انتبهوا إلى الجُزءِ الأوَّل: "لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَة". اسمعوني: سوفَ تكونُ هناكَ (مِنْ جانِبِ اللهِ) دينونة بلا رَحْمَة على الأشخاصِ الذينَ لم يَقبلوا الحَقَّ. والحَقُّ، دونَ شَكٍّ، هو ذبيحة المسيح. فنحنُ لا نَتحدَّثُ هنا عنِ عاطفةٍ سَاذَجة. وأنا لا أقولُ لكم أنَّكم إذا بَقيتُم خُطاةً طَوالَ حياتِكم ولم تَقبلوا يسوعَ المسيحَ فإنَّ اللهَ سيكونُ رَحيمًا ويَقبلُكم. فهذا غيرُ صحيح. فأنتُم ستُدانونَ بِلا رَحْمَة. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ الوقتَ الوحيدَ الَّذي يُسْبِغُ اللهُ فيهِ رَحْمَتَهُ حَقًّا هو عندما يَقْبَلُ الإنسانُ الحَقَّ. فعندما تَقبلونَ ذبيحةَ المسيحِ، أوْ إنْ كُنَّا مُؤمِنينَ وأخطأنا، وشَاءَ اللهُ أنْ يَرْحَمَنا، يجب علينا أنْ نَعترف بخطايانا وأنْ نَتوبَ عنها ونَتْرُكها. وحينئذٍ سنَختبر رَحْمَتَهُ.

لِذا فإنَّ الرَّحمة مُمَيَّزة. فهي تَفوقُ المَغفرة. وهي أقَلُّ مِنَ المحبَّة. وهي مُختلفة عنِ النِّعمة. وهي مُماثِلَة للعدالة. فهي أكثرُ مِنَ المَغفرة، وأقَلُّ مِنَ المحبَّة، ومُختلفة عنِ النِّعمة، ومُماثلة للعَدالة. ولِتَلخيصِ أهميَّةِ أنْ يكونَ المَرءُ رَحيمًا، اسمعوا ما سأقول: إنَّ الشَّخصَ الرَّحيمَ لا يَسمعُ فقط الإهاناتِ مِنَ الأشرار، بل إنَّ قَلْبَهُ يُشْفِقُ على نُفوسِ هؤلاءِ الأشخاصِ ويَتعاطَفُ مَعَهُم. فالشَّخصُ الرَّحيمُ هو شخصٌ مُتعاطِفٌ. وهوَ غَفورٌ. وَهُوَ مُتسامِحٌ. وَهُوَ مُحِبٌّ. وَهُوَ ليسَ مُتعاطِفًا إلى حَدٍّ يَجْعَلُهُ يَتغاضى عنِ الشَّرِّ. وَهُوَ ليسَ مُتعاطِفًا إلى حَدٍّ يَجْعَلُهُ يَسْمَحُ بِفِعْلِ الخطيَّة دونَ عِقابٍ أوْ دونَ مُواجَهة لأنَّ الشَّخصَ الآخَرَ لَطيفٌ أوْ حَزينٌ أو يَمُرُّ بأزمة. لا! فالرَّحمة تَعني أنْ تَمُدَّ يَدَ التَّعاطُفِ، وأنْ تَغْفِرَ تمامًا، وأنْ تُحِبَّ، وأنْ تكونَ مُتسامِحًا عندَ قَبولِ الحَقِّ. والمزمور 37: 21 يَقول: "الشِّرِّيرُ يَسْتَقْرِضُ وَلاَ يَفِي، أَمَّا الصِّدِّيقُ فَيَتَرَأَّفُ". لذا، يجب علينا أنْ نَكونَ رُحَماءَ مَعَ مَنْ يَقبلونَ الحَقَّ.

وهل تَعلمونَ أنَّهُ لو قامَ ابْني (وقد حَدَثَ ذلكَ مِنْ قَبْل في عائِلَتِنا)، لو أنَّهُ جاءَ إليَّ وقال: "أبي، لقد فعلتُ شيئًا خاطئًا وأنا آسِفٌ"، فإنَّني سأكونُ رَحيمًا. ولكنِّي قُلتُ لأبنائي منذُ طُفولتهم: "إذا اكتشفتُ أنَّكم لم تُخبروني الحقيقة أو لم تَعترفوا بما فَعَلتموه، لن تكونَ هناكَ رَحمة؛ بل عقاب". فأنتُم تتعاملونَ معَ موقفٍ يَختصُّ بالحَقِّ، وليسَ بطريقة عاطفيَّة. ولكِنْ عندما يكونُ هناكَ قَبولٌ للحَقِّ، يجب علينا أن نكونَ رُحماءَ، وشَفوقينَ، ومُحِبِّينَ، وغَفورين.

فقد كانتِ الرَّحمة في قلبِ إبراهيمَ (بعدَ أنْ أخطأَ إليهِ ابْنُ أخيهِ لوط) هي الَّتي دَفَعَتْهُ إلى المُخاطَرَةِ وإنقاذِ لوط. وقد كانتِ الرَّحمة في قلبِ يوسُف (بعدَ أنْ أساءَ إليهِ إخوَتُهُ) هي الَّتي دَفَعَتْهُ إلى قَبولِهم وسَدِّ حاجاتِهم. وقد كانتِ الرَّحمة في قلبِ مُوْسَى (بعدَ أنْ تَمَرَّدت مَريَمُ عليه وضَرَبَها الرَّبُّ بالبَرَص) هي الَّتي دَفَعَت مُوسَى إلى الصُّراخِ إلى الربِّ قائلاً: "اللّهُمَّ اشْفِهَا". وقد كانتِ الرَّحمةُ هي الَّتي دَفعت داوُد إلى الإبقاءِ على حياةِ شاوُل. الرَّحمة. فهي تلكَ الصِّفة الرَّائعة الَّتي تَجْعَلُنا نُسارِع إلى مُسامحةِ الآخرين، والعناية بهم، ومُساعدتهم، ورَفْعِهم. فنحنُ لا نَتَسَلَّطُ عليهم. ونحنُ لا نُحاولُ أنْ نَدوسَ عليهم. ونحنُ لا نُحْبِطُهُم. ونحنُ لا نَظُنُّ أنَّنا أفضل مِنهم.

وعلى النَّقيضِ مِن ذلك، نَقرأ في المزمور 109 عنِ الشَّخصِ الخالي مِنَ الرَّحمة. فهو يتحدَّث عنِ الشِّرِّير الذي ليست لديهِ رَحمة. وَهُوَ يَقولُ أخيرًا (في العدد 14 مِنَ المزمور 109): "لِيُذْكَرْ إِثْمُ آبَائِهِ لَدَى الرَّبِّ، وَلاَ تُمْحَ خَطِيَّةُ أُمِّهِ. لِتَكُنْ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا، وَلْيَقْرِضْ مِنَ الأَرْضِ ذِكْرَهُمْ". لماذا؟ لماذا أنتَ، يا رَبُّ، دَيَّانٌ جِدًّا هكذا؟ ولماذا تُحاكِمنا بشِدَّة هكذا؟ "مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنْ يَصْنَعَ رَحْمَةً، بَلْ طَرَدَ إِنْسَانًا مِسْكِينًا وَفَقِيرًا وَالْمُنْسَحِقَ الْقَلْبِ لِيُمِيتَهُ".

وقد أخبرتُكم قبلَ بضعة أشهر أنَّ اللهَ يَتَرَأَّفُ دائمًا معَ المساكين والمُحتاجين. والحقيقة هي أنَّ يسوعَ قالَ في تلكَ العِظَة الرَّائعة على جبلِ الزَّيتون: "ذاتَ يومٍ، حينَ تأتي الدَّينونة، سوفَ أقولُ لكم: "أتَعلمونَ لماذا لن تَدخُلوا مَلكوتي؟ أتَعلمونَ لماذا لن تَكونوا جُزءًا منه؟ لأنِّي حينَ جئتُ إليكم، لم تَسُدُّوا احتياجي. ولأنِّي عندما كنتُ عُرْيانًا لم تَكْسوني. لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِـي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِـي". وسوفَ يَقولُ هؤلاء: "مَهْلاً. نحنُ لم نَرَكَ هَكَذا مِنْ قَبْل!" وسوفَ يقولُ الربُّ لهم: "إنَّ كُلَّ أفرادَ رَعِيَّتي الَّذينَ رأيتموهم يُمَثِّلونَني. وحينَ جاءوا إليكم فإنَّكم لم تُطعموهم، ولم تَسقوهُم ماءً، ولم تَكْسوهُم. وبِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ ذلكَ بِأَحَدِ هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَقَدْ فَعَلْتُمْ ذلكَ بي".

اسمعوني: إنَّ اللهَ يَتَرَأَّفُ على البائسين. والرُّحماءُ هُمُ الأشخاصُ الذينَ يَتَرَأَّفونَ على الآخرين، لا الأشخاصَ الَّذينَ يَطْمَعونَ وَيأخذون. وليتَ اللهَ يُساعِدُنا بطريقةٍ ما على أنْ نَرْفُضَ الإصغاءَ إلى صَوْتِ مُجتمعِنا الفاسدِ الَّذي يَنْصَحُنا بأنْ نَأخُذَ قَدْرَ استطاعَتِنا، وعلى أنْ نَسمعَ صوتَ اللهِ الَّذي يُوصينا بأنْ نُعطي قدرَ استطاعَتِنا. فيجب علينا أنْ نكونَ رُحماء. وإنْ أساءَ إليكَ أحدُ الأشخاصِ، كُنْ رَحيمًا. وإنْ فَعَلَ أحدُ الأشخاصِ شيئًا ضِدَّكَ، كُنْ رحيمًا. وكُنْ مُتعاطفًا، ومُتسامِحًا، ومُتَرَفِّقًا. وإنْ فَعَلَ أحدُ الأشخاصِ شيئًا خاطئًا، أوْ أساءَ الحُكْمَ، أوْ إنْ أَخْفَقَ أحدُ الأشخاصِ في سَدادِ دَيْنٍ عليه، أوْ في إعادةِ شيءٍ استَعارَهُ مِنْكَ، أو فَعَلَ أيَّ شَيءٍ آخر مُشابِه، كُنْ رَحيمًا. فهذه هي سِمَةُ المَلكوت.

وبالمُناسبة، نَقرأُ في سفر الأمثال 11: 17: "اَلرَّجُلُ الرَّحِيمُ يُحْسِنُ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْقَاسِي يُكَدِّرُ لَحْمَهُ". فإنْ أردتَ حقًّا أنْ تكونَ تَعِسًا، كُنْ بلا رَحمة. وإنْ أردتَ أنْ تكونَ سعيدًا، كُنْ رَحيمًا. ونقرأُ في سِفْر الأمثال 12: 10: "الصِّدِّيقُ يُرَاعِي نَفْسَ بَهِيمَتِهِ، أَمَّا مَرَاحِمُ الأَشْرَارِ فَقَاسِيَةٌ". وما يَعنيه هُنا هو أنَّ الأبرار يَتَعامَلونَ بِرَحْمَةٍ حَتَّى مَعَ الحَيَواناتِ، وأنَّ الأشرارَ يَتَعامَلونَ بقسوةٍ مَعَ كُلِّ شيء.

وهناكَ ما جاءَ في رسالة رُومية 1: 31. فأنا أريدُ مِنكم أنْ تَرَوْا سِمَةَ المُجتمعِ الأثيم. وإليكُمْ وَصْفًا لَهُ: فنحنُ نَقرأ في العدد 29: "مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلاً وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا، نَمَّامِينَ مُفْتَرِينَ، مُبْغِضِينَ ِللهِ، ثَالِبِينَ مُتَعَظِّمِينَ مُدَّعِينَ، مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا، غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ، بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رِضىً..." [وكيفَ تَنتهي هذه اللَّائحة؟] "وَلاَ رَحْمَةٍ". وقد تَقولُ: "هل تَعني أنَّ هذه هي السِّمةُ الأكثر أهميَّةً؟" أجل. بلا رَحْمَة. ولكنِ اسمَعوني، يا أحبَّائي: فبالنِّسبة لنا نحنُ الذينَ حَصَلنا على الرَّحمة، كيفَ يُمكننا ألَّا نَكونَ رُحَماء؟ فما الشَّيءُ الَّذي كنتَ تَستحقُّه؟ وكيفَ يمكنكَ أنْ تكونَ قاسيًا معَ شخصٍ آخر في حين أنَّكَ كنتَ بحاجة ماسَّة إلى الرَّحمة مِنَ الله؟ وهذا يَقودُنا إلى النُّقطة الثَّانية الَّتي سأعرِضُها بسرعة كبيرة وهي: مَصْدَر الرَّحمة. فَمَنْ هو المَصْدَر؟ أنتُم تَعلمونَ مَن هو. إنَّهُ اللهُ. إنَّهُ الله. فاللهُ هو مَصدر الرَّحمة. فهي هِبَة مِنَ الله. والآنْ، اسمحوا لي أنْ أقولَ لكم شيئًا. إنَّها فقط مِنْ نَصيبِ الأشخاصِ الذينَ يَختبرونَ التَّطويبات الأربَع السَّابقة. فهي للمساكينِ بالرُّوحِ الذينَ يَنوحونَ على خطاياهُم، ويتواضَعونَ أمامَ اللهِ القُدُّوسِ، ويَجوعونَ ويَعطشونَ إلى بِرِّهِ، وعندما يَحصلونَ على بِرِّهِ ويَحصُلونَ على هِبَةِ الرَّحمة لهم، سيكونُ بمقدورهم أنْ يكونوا رُحماء.

اسمعوني، يا أحبَّائي: إنَّ الرَّحمة ليست صِفَةً عاديَّة يَتَّصِفُ بها البشر. فلا يمكنكَ أنْ تَفعلَ ذلكَ بنفسك. فهذا لا يَنجح. فلا يمكنكَ أنْ تكونَ رَحيمًا معَ الآخرينَ لكي يكونوا رُحماءَ معك. لا تُصَدِّقوا ذلك. صحيحٌ أنَّ ذلكَ قد يحدث أحيانًا، ولكنَّها ليست صِفَةً يَتَّصِفُ بها البشرُ عادَةً. فالطَّريقةُ الوحيدةُ التي يمكنك مِن خلالها أنْ تكونَ شخصًا رَحيمًا هي أنْ تَختبر بذاتِك رَحمةَ اللهِ. والطَّريقة الوحيدة الَّتي يمكنكَ مِن خلالها أنْ تَختبر رحمةَ اللهِ هي أنْ تَحصُل على بِرِّ اللهِ الَّذي يأتي مِن خلالِ المسيح. وهذا هو ما يَقولُهُ يسوع. فما لم تَسلُك في هذا الطَّريق وتَختبر الجوعَ والعطشَ إلى البِرِّ، وما لم يُشْبِعُكَ اللهُ، لن تَعرف الرَّحمة لأنَّ الرَّحمة هي جُزءٌ مِنْ إشباعِهِ لَكَ.

وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يريدونَ البَرَكة، ولكنَّهم لا يريدونَ الانتماء. أَتَعلمونَ ذلك؟ وَهُمْ يريدونَ العَطِيَّة، لا المُعْطي. وَهُمْ يُشبهونَ بَلْعام. وكما تَعلمون، فقد كانَ بَلعامُ نَبيًّا زائفًا. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ صلاتَهُ إذْ قال: "لِتَمُتْ نَفْسِي مَوْتَ الأَبْرَارِ". وقد قالَ أيضًا: "وَلْتَكُنْ آخِرَتِي كَآخِرَتِهِمْ". وقد قالَ واحدٌ مِنَ الطَّهورِيِّينَ القَدامى إنَّ بَلْعام كانَ يَوَدُّ أنْ يَموتَ موتَ الأبرار، ولكنَّهُ لم يَرغب في أنْ يَحيا مِثلَ الأبرار. وهناكَ أشخاصٌ يُريدونَ الرَّحمة، ولكنَّهم لا يريدونها بشروطِ اللهِ. والأشخاصُ الوحيدونَ الذينَ يَتَّصِفونَ بالرَّحمة هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ نالوا التَّطويباتِ الأربعَ الأولى فجاءوا بروحٍ مُنكسرة ومُنسحقَة أمامَ اللهِ القُدُّوسِ، وَطَلبوا بِرَّهُ الَّذي لا يمكنُ الحصولُ عليه إلَّا مِن خلالِ المسيح. وعندما يُعطينا اللهُ بِرَّهُ فإنَّهُ يُعطينا معهُ القُدرة على إظْهارِ الرَّحمة.

اسمعوني: إنَّ اللهَ رَحيمٌ. ونحنُ نَتَمَثَّلُ باللهِ. فنحنُ نقرأ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِنْ رسالة أفسُس أنَّنا نَمتلئُ بكُلِّ مِلْءِ اللهِ وأنَّ رَحْمَةَ اللهِ تَظْهَرُ مِنْ خِلالِنا. واللهُ يَمتلكُ نوعينِ مِنَ الصِّفاتِ. هل تَعلمونَ ذلك؟ ونحنُ نُسَمِّي ذلكَ: "صِفات مُطْلَقة" وَ "صِفات نِسْبِيَّة". فِهناكَ نوعانِ منها. فمثلاً، قد تقول: "ما هي صِفاتُ اللهِ المُطلقَة؟" اللهُ مَحَبَّة، واللهُ حَقّ، واللهُ قَداسة. وحتَّى لو لم يكن هناكَ أيُّ كائنٍ حَيٍّ، فإنَّهُ سيبقى يمتلك صِفاتِ المحبَّة والحَقّ والقداسة. ولكِن عندما جِئْنا أنا وأنتَ إلى العالم، صَارتْ هذه الصِّفاتُ نِسبيَّةً. وحينئذٍ صارَ حَقُّهُ أمانَةً بالنِّسبة إلينا. وصارت قداسَتُهُ عَدالةً. وصارت محبَّتُهُ نِعمةً ورَحمة. فهذه هي الصِّفات النِّسبيَّة الَّتي تَنبُع مِن طبيعته المُطلَقة. فمحبَّتُهُ صارت رَحمةً ونِعمة. واللهُ، يا أحبَّائي، غَنِيٌّ بالرَّحمة. وهوَ الَّذي يُسْبِغُ النِّعمةَ؛ ولا أحدَ سِواه. وقد قالَ المُرَنِّمُ في المزمور 103: 11: "لأَنَّهُ مِثْلُ ارْتِفَاعِ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ". فنحنُ نَخشى اللهَ. ونحنُ نأتي إلى المسيحِ فيُسْبِغُ اللهُ علينا رَحمتَهُ. لِذا فإنَّ رَبَّنا يقولُ في إنجيل لوقا 6: 36: "كُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ".

لِذا فإنَّ اللهَ هوَ المَصْدَر. واللهُ هوَ الوحيدُ الَّذي يَستطيعُ أنْ يُسْبِغُ علينا رَحْمَةً. ومِنَ الواضِحِ أنَّ أعظمَ عَمَلٍ يَدُلُّ على رَحمةِ اللهِ هوَ الصَّليب. فلا يوجد عَمَل يستطيع أنْ يَتفوَّق على ذلك مِن جِهَة الرَّحمة. فقد جاءَ يَسوعُ لكي يُصْلَب. وقد أخذَ هَيئةً بشريَّة. وَهُوَ رَحيمٌ. وهذا هو ما جَعَلَهُ رَئيسَ كَهَنَة رَحيمًا. وقد عَبَّرَ د. "بارنهاوس" (Dr. Barnhouse) عن ذلكَ بالقول: عندما ماتَ يسوعُ المسيحُ على الصَّليب، انتقلَ كُلُّ عملِ اللهِ المُختصّ بخلاصِ الإنسان مِن نِطاقِ النُّبوءةِ وصارَ حقيقةً تاريخيَّة. لذا فإنَّ اللهَ يُسبِغُ رَحمتَهُ علينا الآن. وحينَ يُصَلِّي شخصٌ قائلًا: ’يا رَبُّ ارْحَمْني‘ كأنَّهُ يَطلبُ منهُ أنْ يُعيدَ ذَبيحةَ المسيح. ولكِنَّ كُلَّ الرَّحمةِ الَّتي يُمْكِنُ أنْ يُسْبِغَها اللهُ على الإنسان قد أسْبَغَها عندما ماتَ المسيح. فهذه هي كُلُّ الرَّحمة الموجودة. فلا توجد رحمة أكثر مِنْ تلك. واللهُ يَتعاملُ معنا الآنَ بالنِّعمة لأنَّهُ أَسْبَغَ كُلَّ الرَّحمة علينا. فاليُنبوعُ مَفتوحٌ الآنَ ويَنْهَمِر. وهوَ يَستمرُّ في التَّدَفُّقِ مَجَّانًا".

ونحنُ نَتحدَّثُ عن رَحمتِهِ. أليسَ كذلك؟ فعندما نقولُ أحيانًا: "لقد رآني هالِكًا في خطيئتي، وأَحَبَّني بالرَّغمِ مِنْ حالتي المُزْرِيَة. وقد خَلَّصَني مِنْ حالةِ الضَّلالِ الَّتي كنتُ فيها. فيا لِغِنَى رَحْمَتِه!". ونحنُ لا نُجانِبُ الصَّوابَ حينَ نُرَنِّمُ قائلين: "إنَّ رَحمتهُ عظيمة، ونِعمتَهُ مُجَّانيَّة، وغُفرانَهُ كَثيرٌ لي. وهناكَ تَجِدُ نفسي المُتعبَة راحَتَها". أين؟ "في الجُلجُثة". فهناكَ تَجَلَّتْ رَحْمَةُ اللهِ. وهل تَعلمونَ أنَّ سفر ميخا 7: 18 يقول إنَّ اللهَ يُسَرُّ بالرَّأفة؟ فقد أَظْهَرَ رَحْمَتَهُ لنا على الصَّليبِ. وعندما قَبِلنا المسيحَ، أَسْبَغَ رَحْمَتَهُ علينا. فاللهُ هو مَصْدَرُ الرَّحمة.

ثالثًا، جَوْهَرُ الرَّحمة. فما مَعنى أنْ تكونَ رَحيمًا؟ سوفَ أُجيبُ عن ذلك بسُرعة. فلن أقولَ كُلَّ ما لديَّ. ولكنِّي أريد أنْ تحصلوا على الأفكار الأساسيَّة. فما هو جوهر الرَّحمة؟ "ما الَّذي تَعنيهِ بذلك، يا جون؟" ما أعنيهِ هو الآتي: كيفَ أجعلُ هذه الفكرة عمليَّة؟ وكيفَ يمكن أنْ تتَّصِف حياتي بالرَّحمة؟ هناكَ آياتٌ كثيرة جدًّا...كثيرة جدًّا. فهناكَ آياتٌ في رومية 15، و 2كورِنثوس 1، وأفسُس 4، وكولوسي 3، وغلاطيَّة 6، ومَتَّى 5، ومَتَّى 6 تُوْصينا بأنْ نكونَ رُحماء. فهي تُوصينا بأنْ نكونَ رُحَماءَ المَرَّة تلو الأخرى تلو الأخرى. وقد تقول: "كيفَ يمكنني أن أكونَ رحيمًا؟" أوَّلاً، بطريقة مادِّيَّة. أوَّلاً، يمكنكَ أنْ تكونَ رحيمًا بطريقة ماديَّة. وقد تقولُ: "كيف؟" بأنْ تُعطي فَقيرًا مالاً، وبأنْ تُعطي جائعًا طعامًا، وبأنْ تُعطي عُرْيانًا ملابسَ، وبأنْ تُعطي شخصًا لا فِراشَ لَهُ فِراشًا، وبأنْ تُغَيِّرَ الضَّغينةَ إلى غُفران. فهناكَ طُرُق كثيرة. والعهدُ القديمُ يَزْخُرُ بها...يَزْخُرُ بها. فهو يَزْخُرُ بالطُّرق الَّتي يمكنك مِن خلالها أنْ تَظهرَ الرَّحمة؛ لا فقط مِن خلالِ الغُفران، بل أيضًا مِن خلالِ سَدِّ الحاجاتِ مِن مُختلفِ الأنواع.

وكما تَعلمون، هناكَ ما جاءَ في سفر التَّثنية 15: 8: "بَلِ افْتَحْ يَدَكَ لَهُ وَأَقْرِضْهُ مِقْدَارَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. احْتَرِزْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ قَلْبِكَ كَلاَمٌ لَئِيمٌ قَائِلاً: قَدْ قَرُبَتِ السَّنَةُ السَّابِعَةُ، سَنَةُ الإِبْرَاءِ، وَتَسُوءُ عَيْنُكَ بِأَخِيكَ الْفَقِيرِ وَلاَ تُعْطِيهِ، فَيَصْرُخَ عَلَيْكَ إِلَى الرَّبِّ فَتَكُونُ عَلَيْكَ خَطِيَّةٌ". فحتَّى لو كُنْتَ تَعلمُ أنَّكَ ستُحَرِّرُ عَبْدَكَ بعدَ بضعة أشهر، يجب عليكَ أنْ تُعطيهِ كُلَّ ما هو بحاجة إليه... أنْ تُعطيهِ كُلَّ ما هو بحاجة إليه؛ حتَّى لو كانت تلك هي سنةُ الإبراء. أَعْطِهِ كُلَّ ما يَحتاجُ إليه. وحتَّى لو كنتَ تَعلمُ أنَّ الدَّيْنَ سَيُمْحَى لأنَّ سَنَةَ الإبراءِ قدِ اقتربت، ولأنَّ كُلَّ الدُّيونِ ستَصيرُ لاغِيَةً، أَعْطِهِ كُلَّ ما يحتاجُ إليه. فهذه رَحْمَة.

فعندما يكونُ هناكَ شخصٌ مُحتاجٌ إلى شيء، يجب أنْ أُصَلِّي أنْ يَقودَهُ اللهُ إليَّ حَتَّى أُعطيهم إيَّاه. ولا يجوزُ لي أنْ أطلُبَ مِنْهُ شيئًا بالمُقابل لأنَّ الرَّحمة تُعطي لِسَدِّ حاجة. وقد نَظرنا إلى ذلك مِنَ الجهة الماديَّة. وهناكَ طُرُقٌ عديدةٌ أخرى. فالرَّحمة لا تَحْمِلُ ضَغينةً. وهي لا تَجعلُ المرءَ يَسعى إلى الانتقام. وهي لا تَرُدُّ الإساءةَ بمثلها. وهي لا تَستغلُّ ضُعْفَ الآخرين. وهي لا تَسْخَرُ مِنْ إخفاقاتِ الآخرين. وهي لا تُعَيِّرُ الآخرينَ بخطاياهُم. وقد كانَ القِدِّيسُ أوغسطينوس رَحيمًا جدًّا تُجاهَ الآخرينَ حَتَّى إنَّهُ كانَ يَملِكُ في غُرفةِ الطَّعامِ في بيتِهِ مائدةً كبيرةً جَميلةً ويَدعو دائمًا الفُقَراءَ إلى تَناوُلِ الطَّعام. وقد كانَ يُقَدِّمُ لهمُ الطَّعامَ على تلكَ المائدة الَّتي نُقِشَتْ عليها الكلمات التَّالية: "مَنْ يُحِبُّ أنْ يُشَوِّهَ سُمعةَ الآخرين فإنَّ هذه المائدة ليست لَهُ. لذلك، عليهِ أنْ يَصوم".

لِذا، يجب علينا أن نكونَ رُحماء؛ لا فقط مِنَ الجانبِ الماديِّ، بل أيضًا مِنْ جانبِ السُّمعة. ولا يمكنني أنْ أَنْسى ما قالَهُ "سوريوس اليسوعيّ" (Surius, the Jesuit). فقد قالَ "سوريوس اليَسوعيُّ": "لقد تَعَلَّمَ لوثر [أيْ: مارتن لوثر] اللَّاهوتَ مِنَ الشَّيطانَ وماتَ ثَمِلاً". وهذا افْتِراء. والنَّاسُ الذينَ لا يَرحمونَ الآخرينَ يَخونونَ أنفُسَهم. اسمعوني، يا أحبَّائي: إذا كنتَ مؤمنًا، وإذا كنتَ جائعًا وعَطِشًا إلى البِرِّ، فإنَّكَ ستكونُ رَحيمًا...ستكونُ رَحيمًا. وقد كَتَبَ "إيليان" (Aelian)، وَهُوَ كاتبٌ رومانيٌّ مُتخصِّصٌ في التَّاريخِ الطبيعيِّ، كَتَبَ عن حَيَوانٍ مُدهشٍ. فقد قالَ إنَّهُ سَمِعَ أنَّهُ توجد في الهند "عَنْقاء". وقد كانَ ذلكَ الخبرُ مُدهشًا لأنَّ أحدًا لم يَكُنْ قد سَمِعَ عن وجودِ عَنْقاء مِنْ قَبل. وقد وَصَفَها بالوصفِ التَّالي: "إنَّ لها أربعَ أَرْجُلٍ كالوحشِ الضَّخم وجناحينِ كالنَّسْر". وقد قالَ "إيليان": "إنَّ تَصْنيفَها صَعْبٌ. فالآلهة وحدَها تَعْرِفُ ماذا تكون". وقد قُلتُ في نفسي: "إنَّها تبدو في نظري مِثلَ مسيحيِّينَ زائفينَ كثيرين. فَهُمْ يَزعمونَ أنَّهم قادرونَ على الطَّيران، ولكِنَّ أرْجُلَهُم لا تَرتفعُ عنِ الأرض". فَهُمْ كالعَنقاءِ لأنَّهم يَزْعُمونَ أنَّهم يَنتمونَ إلى الملكوتِ، ولكنَّهم لم يَتركوا التُّرابَ يومًا. اسمعوني: إنَّ الشَّخصَ الحَقودَ، البَارَّ في عيني نَفْسِهِ، والذي لا يُبالي سوى بالدِّفاعِ عن نفسِهِ وحمايةِ نفسِهِ يُشبهُ الكاهنَ واللَّاويَّ اللَّذينَ تَرَكا الرَّجُلَ المَضروبَ على قارِعَةِ الطَّريق. إنَّها ديانة زائفة. لذا، هناكَ طُرُق كثيرة يمكنكَ مِن خلالها أنْ تَظْهِرَ الرَّحمة للنَّاسِ مِنَ الجانبِ المادِّيِّ.

حسنًا! وماذا عنِ الجانبِ الرُّوحيِّ؟ هذهِ هي الذُّروة. ماذا عنِ الجانبِ الرُّوحيِّ؟ اسمحوا لي أنْ أُقدِّمَ لكم أربعةَ اقتراحاتٍ...بسُرعة كبيرة. أوَّلاً، مِن خلالِ الشَّفَقَة. الشَّفقة. وقد قالَ القِدِّيس أوغسطينوس: "إنْ كنتُ أبكي على الجسدِ الَّذي تَرَكَتْهُ الرُّوحُ، أَلا يَجْدُرُ بي أنْ أبكي على الرُّوحِ الَّتي تَرَكَها اللهُ؟" فنحنُ نَبكي كثيرًا على أجسادِ الأموات. ولكنِّي أتساءَلُ عَمَّا نَفعله حينَ يَختصُّ الأمرُ بالرُّوح. فإذا كنتُ بوصفي مَسيحيًّا...اسمعوني...إذا كنتُ بوصفي مَسيحيًّا قد رأيتُ الرَّحمةَ واختبرتُها؛ وهذه حقيقة. فأنا أختبرُها كُلَّ يومٍ إذْ إنَّ اللهَ مُستمرٌّ في تطهيري وتقديمِ المَغفرة لي. وإنْ كنتُ أنا الَّذي لا أملكُ أيَّ بِرٍّ في ذاتي، بل إنِّي مِسْكينٌ رُوحيًّا؛ وإذا كنتُ أنا الَّذي أقِفُ نائحًا على خطايايَ في فَقْرٍ مُدْقِعٍ، وبلا رَجاءٍ، وواقعًا تحتَ الدَّينونة؛ وإذا كنتُ بائسًا وفقيرًا ووَضيعًا؛ وإذا كنتُ جائعًا وعَطِشًا إلى ما ينبغي أنْ أحصلَ عليهِ ولكنِّي عاجزٌ عنِ الحصولِ عليه؛ وإذا كنتُ أنا الَّذي حَصلتُ على الرَّحمة والشَّفقة مِنْ قلبِ اللهِ الحَنون لا أَسْمَحُ لتلكَ الرَّحمةَ نفسها أنْ تَتَدَفَّقَ إلى الآخرين، ما هذا التَّناقُض؟

وأنا أَسْمَعُ استفانوس في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 7: 60 يَقولُ للهِ حينَ كانوا يَرْجُمونَهُ بالحجارةِ ويُعْدِمونَهُ: "يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ". يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ. فقد كانَ يُشْفِقُ على نُفوسِهِم. أَتَرَوْن؟ وقد قالَ يسوعُ وَهُوَ على الصَّليب: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُون". فهذه شَفَقَة. ويجب علينا أنا وأنتَ أنْ نَنظرَ إلى الهالِكينَ بِعَيْنِ الشَّفَقة، لا أنْ نَتَسَلَّطَ عليهم أوْ نَظُنَّ أنَّنا أفضلُ منهم.

ثانيًا، أنا أُوْمِنُ أنَّنا نستطيعُ أنْ نكونَ رُحماءَ تُجاهَ الآخرينَ لا فقط مِن خلالِ الشَّفَقة، بل أيضًا مِن خلالِ تَحذيرِهم...مِن خلالِ تَحذيرِهم. وقد تقولُ: "ما الَّذي تَعنيه بذلك؟" نقرأُ في رسالة تيموثاوُس الثانية 2: 25: "مُؤَدِّبًا بِالْوَدَاعَةِ الْمُقَاوِمِينَ، عَسَى أَنْ يُعْطِيَهُمُ اللهُ تَوْبَةً لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ". بعبارةٍ أخرى، فإنَّ "تَحْذيرَ" النَّاسِ يَعني أنْ نُواجِهَهُم بخطاياهم عَسَى أنْ يُعْطِيَهُمُ اللهُ غُفرانًا. أَتَرَوْن؟ فيجب أنْ يَسمعوا الإنجيل. وكما تَعلمون، فإنَّنا نَقرأُ في رسالة تيطُس 1: 13: "وَبِّخْهُمْ بِصَرَامَةٍ لِكَيْ يَكُونُوا أَصِحَّاءَ فِي الإِيمَان". فإنْ لم تُوَبِّخِ النَّاسَ فإنَّهم لن يكونوا أَصِحَّاءَ في الإيمان. وكما تَعلمون، قد أَعْتَني بنفوسكم مِن خلالِ توبيخِكم. وقد أَعْتَني بنفسِ الخاطئِ مِن خلالِ تبكيتِ ذلكَ الخاطئ على خطاياه. وهذا لا يَعني أنَّنا نَفتقرُ إلى المحبَّة. فالقسوة مُختلفة. أَتَرَوْن؟ ونحنُ نَقرأُ في العدد 23 مِن رسالة يهوذا (في نهايةِ تلك الرِّسالة الرَّائعة)، نَقرأُ أنَّ هناكَ أُناسًا ينبغي لَكُمْ أنْ تُخَلِّصوهُم "بِالْخَوْفِ، مُخْتَطِفِينَ مِنَ النَّارِ، مُبْغِضِينَ حَتَّى الثَّوْبَ الْمُدَنَّسَ مِنَ الْجَسَد". فهناكَ أشخاصٌ ينبغي أنْ تَخْتَطِفوهُم مِنَ النَّارِ. وهذه ليست كَراهِيَة، بل محبَّة.

وأنا أُتَّهَمُ بأنِّي غيرُ مُحِبٍّ كثيرًا. وأنا أُتَّهَمُ بأنِّي أَفتقرُ إلى المحبَّة. وقد واجَهَني أحدُ الأشخاصِ بذلكَ في هذا الصَّباحِ بعدَ عِظَتي. وهذا ليسَ بالأمرِ المُستَغرب. ولكِنْ، يا أحبَّائي، إنَّهُ ليسَ نَقْص مَحَبَّة. بل إنَّ الرَّحمةَ تُحَذِّرُ الآخرين. فهي تُحَذِّرُ الآخرينَ لأنَّهُ ينبغي أنْ نَتَصَدَّى للخطيَّة قبلَ حَتَّى أنْ يُدركوا أنَّهُم خُطاة.

ثالثًا، أعتقد أنَّنا نَهتمُّ بنفوسِ الآخرينَ ونُظْهِرُ الرَّحمةَ لهم لا فقط مِنْ خلالِ تَحذيرِهم والإشفاقِ عليهم، بل أيضًا مِن خلالِ الصَّلاة. فالصَّلاةُ لأجلِ نُفوسِ الأشخاصِ الَّذينَ يَعيشونَ مِنْ دونِ اللهِ، ولأجل نفوسِ المؤمنينَ الَّذينَ وقعوا في خطيَّة، هُوَ عَمَلُ رَحْمَة. فمِقدارُ رَحمتِك يُمكن أنْ يُقاسَ بأمانَتِكَ في الصَّلاةِ لأجلِ الآخرين. فهل تُصَلِّي لأجلِ الهالِكين؟ وهل تُصَلِّي لأجلِ جيرانِك؟ وهل تُصَلِّي لأجلِ النَّاسِ الَّذينَ لا يَعرفونَ المسيح؟ وهل تُصَلِّي لأجلِ الأشخاصِ المؤمنينَ الَّذينَ يَسلكونَ في العِصيان؟ فصلاتُكَ هي عَمَلُ رَحمة لأنَّها تُطْلِقُ بَرَكَةَ اللهِ.

وأخيرًا، مِن خلالِ الكِرازَة. فأنا أُوْمِنُ أنَّهُ عندما تَكْرِزُ بالإنجيل، فإنَّ هذا أعظمُ عَمَلِ رَحمة يمكنكَ أنْ تُقَدِّمَهُ لأيِّ شخص. لِذا فإنَّني أقولُ إنَّهُ بمقدورك أن تكونَ رحيمًا تُجاهَ الآخرينَ مِن خلالِ الإشفاقِ عليهم، ومِن خلالِ تَحذيرِهم، ومِن خلالِ الصَّلاة لأجلِهم، ومِن خلالِ الكِرازَة. فاللهُ يُريدُ رَحْمَةً، يا أحبَّائي.

وفي الخِتام، لقد رأينا أهميَّةَ الرَّحمة، ومَصدرَها، وجَوهَرَها. وسَنرى أخيرًا: نتيجَتَها. فقد تقول: "إنْ كنتُ رَحيمًا، ما الَّذي سيَحدث؟" ستكونُ مُطَوَّبًا. فقد قالَ رَبُّنا: "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ لأَنَّهُمْ [ماذا؟] يُرْحَمُون". ويا لهُ مِن أمرٍ رائع! فهل تَرَوْنَ الدَّائرة هُنا؟ هل تَرَوْنَ الدَّائرة؟ فاللهُ يُعطينا رحمة، ونحنُ نُظهرُ الرَّحمة، واللهُ يُعطينا مَزيدًا مِنَ الرَّحمة. وهذا رائعٌ! إنَّها دائرةُ رَحْمَة. وبالمُناسبة، نَجِدُ هُنا أيضًا ضَميرَ التَّوكيد. فَهؤلاءِ فقط [دُوْنِ سِواهم] مَنْ يُرْحَمون. هُمْ فقط. وهذا الحَقُّ ليسَ حَقًّا جديدًا في الكتاب المقدَّس. فنحنُ نقرأ في سِفْر صموئيل الثاني 22: 26 الحَقَّ نفسَهُ: "مَعَ الرَّحِيمِ تَكُونُ رَحِيمًا". ونقرأُ في رسالة يعقوب 2: 13 الشَّيءَ نفسَهُ تمامًا. يعقوب 2: 13: "لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً". وهوَ الحَقُّ نفسُهُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادِس (الَّذي سندرُسُهُ لاحقًا): "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا". ونقرأ في العدد 14: "فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ". فهو الحَقُّ نفسُه. وَهُوَ مذكورٌ في المزمور 18. وَهُوَ مَذكورٌ في أمثال 14. فالرُّحَماءُ هُمْ مَنْ يُرْحَمون.

والآن، أَوَدُّ أنْ أُحَذِّرَكُمْ هُنا؛ وَهُوَ تَحذيرٌ مُهمٌّ حقًّا. فهناكَ أُناسٌ يَظُنُّونَ أنَّ الإنسانَ يَخْلُصُ هكذا. وهذا هو خَطأُ الكنيسة الكاثوليكيَّة: أنَّكَ إذا أَرْضَيْتَ اللهَ فإنَّ اللهَ سيَرْحَمُكَ حينَ تَصْنَعُ أعمالَ رَحْمَة. وهذا خَطَأٌ يَكْتَسِحُ الكثيرَ مِنَ الأديرَةِ والكَهَنَةِ. وهذا كُلُّهُ بسببِ التَّفسيرِ الخاطئِ لهذا المُصطلح. فأنتَ لا تَخْلَص بهذه الطَّريقة. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ في الكنيسة الكاثوليكيَّة يُخفقونَ في إدراكِ ذلك. فَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّهُم إنْ صَنَعوا أعمالَ رَحْمَةٍ، وأعمالًا خَيريَّةً، وأنَّهم إنْ ضَحَّوْا لأجلِ الفُقراءِ والمُحتاجين، فإنَّهم سيَحصلونَ على رَحمةٍ مُخَلِّصَة. ولكِنْ لا! فالمَعنى ليسَ هكذا. فأنتَ لا تَحصُل على الرَّحمة لأنَّكَ تَستحقُّها. وإلَّا، لما كانتِ الرَّحمةُ رَحمةً. أليسَ كذلك؟

إنَّ الرَّحمة لا تُمْنَح إلَّا مِنْ دونِ استحقاق؛ وإلَّا فإنَّها ليست رَحمة. لِذا، لا يمكنكَ أنْ تُرْحَمَ لأنَّكَ جَديرٌ بذلك. فإنْ كُنتَ جَديرًا بذلك فإنَّكَ تَستحقُّ مُكافأةً، لا رَحْمَةً. ولكِنْ لا! فالرَّحمة تُمْنَحُ لأنَّ الآخرينَ بحاجة إليها؛ حتَّى أولئكَ الَّذينَ يُظْهِرونَها. والمِفتاحُ موجودٌ في مَتَّى 18 إذْ إنَّ الرَّجُلَ استَدعى عَبْدَهُ وقالَ لَهُ: "اسمَع! ينبغي لكَ أنْ تَدفعَ كُلَّ ما تَدينُ بِهِ إلَيَّ". فقالَ الرَّجُل: "سأدفعُ لكَ كُلَّ شيء". ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ قال: "لقد فَكَّرتُ في الأمر وقَرَّرتُ أنْ أُسامِحَكَ بالدَّيْن. لقد سامَحْتُكَ بِهِ". والرَّجُلُ الَّذي تَحَرَّرَ للتَّوِّ مِنْ دَيْنٍ لم يكن بمقدوره أنْ يَرُدَّهُ طَوالَ حياتِهِ خَرَجَ خارجًا فالتقى شخصًا كانَ يَدينُ لَهُ بمبلغٍ صَغيرٍ مِنَ المال يُمْكِنُ سَدادُه. ولكنَّهُ أَمْسَكَ بِهِ مِنْ عُنُقِهِ وقالَ لَهُ: "ادْفَع ما تَدينُ بهِ لي وإلَّا سَجَنْتُك". وما هي الصُّورة؟ كما تَرَوْن، فإنَّ السَّيِّدَ هُنا يَرْمِزُ إلى الله. وقد أَسْبَغَ رَحْمَتَهُ على عَبْدِهِ. ولكِنَّ قلبَ ذلكَ العبدِ لم يتغيَّر. فهو لم يَقبل الخلاصَ المُقَدَّم لَهُ. وهو لم يَقْبَل تلكَ الرَّحمة الَّتي أُسْبِغَتْ عليه لأنَّهُ لم يَعترف يومًا بخطيئته. وهو لم يَقْرِنْها بالحَقِّ. لذا فإنَّ الرَّحمةَ والحَقَّ لم يَتَلاثَما. فقد كانتْ رَحمةً مُصْطَنَعَةً. وهي لم تَعْمَل في حَاَلِتِه لأنَّهُ لم يُقِرّ يومًا بأنَّهُ خاطئ. وهذا أمرٌ واضِحٌ لأنَّهُ عندما التفتَ حَوْلَهُ ورأى فُرصَةً لإظهارِ الرَّحمة، ماذا فَعَل؟ لقد أَمْسَكَ بذلكَ الرَّجُل مِنْ عُنُقِهِ وَسَجَنَهُ.

وما قَصَدَهُ رَبُّنا في ذلكَ المَثَل (في مَتَّى 18) هوَ الآتي: عندما لا يُظْهِرُ النَّاسُ رَحْمَةً فإنَّهُمْ يُبَرهنونَ على أنَّهم لم يَحصُلوا عليها. وعلى النَّقيضِ مِن ذلك، فإنَّ هذه الآية تقولُ إنَّكَ إذا أَظْهَرتَ رَحمةً فإنَّكَ تُبَرْهِنُ على أنَّكَ حَصلتَ عليها. فهذا هو ما يَقولُه. فذلك الرَّجُل في مَتَّى 18 لم يَحصل يومًا على رَحمةٍ حقيقيَّة. لذا فإنَّهُ لم يَتمكَّن مِن تقديمِها. ولكِنَّ الشَّخصَ الَّذي يَحصُلُ على الرَّحمة يُعطيها ويَحصُل على المزيدِ والمَزيدِ منها. ويا لها مِن فكرة رائعة! فهو يَقولُ إنَّ الشَّخصَ الَّذي حَصَلَ على الرَّحمة يكونُ رحيمًا. والشَّخصُ الَّذي حصلَ على الغُفرانِ يكونُ غَفورًا. فهذا هو ما يَقولُه.

وهل تَعلمونَ ما الشَّيء الرَّائع بخصوصِ الرَّحمة؟ إذا كنتَ شخصًا رَحيمًا، فإنَّكَ كذلك لأنَّكَ حَصلتَ على الرَّحمة. واللهُ سيُسْبِغُ عليكَ مَزيدًا مِنَ الرَّحمة. ففي كُلِّ مَرَّة تُخطئ فيها، يَغْفِرُ لَكَ. وفي كُلِّ مَرَّة تَحتاجُ فيها، يَسُدُّ حاجَتَك. فهو يَسُدُّ حاجَتَكَ إلى الملابسِ والطَّعامِ. وسوفَ نَرى ذلكَ لاحقًا في العِظَة على الجَبَل. فهو يُسْبِغُ نِعمَةً فوقَ نِعمة فوقَ نِعمة على الأشخاصِ الَّذينَ يُظهرونَ الرَّحمة لأنَّهم حَصَلوا عليها مِنَ اللهِ الرَّحيم. وأعتقد أنَّهُ يمكننا أنْ نُكَرِّرَ ما نَقولُهُ دائمًا: انظر إلى حياتِك. هل أنتَ رَحيمٌ؟ فإنْ لم تكن رحيمًا، هُناكَ احتمالٌ كبيرٌ في أنَّكَ لستَ مُؤمِنًا لأنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُظهرونَ الرَّحْمَةَ هُمْ أولئكَ الَّذينَ حَصَلوا عليها. وَهُمْ سيَستمرُّونَ في الحُصولِ عليها مِنْ يَدِ اللهِ.

وماذا عنِ الكلمة "يُرْحَمون"؟ فهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ ذلكَ يُشيرُ فقط إلى الدَّينونة في المستقبل. ولكنِّي لا أعتقدُ ذلك البَتَّة. بل أعتقد أنَّها تُشيرُ إلى الآن وإلى المُستقبل. فنحنُ نَحصل عليها الآن. فقد صَرَخَ داوُد مِرارًا وتَكرارًا: "ارْحَمْنِي يَا الله...ارْحَمْنِي يَا الله...ارْحَمْنِي يا الله". وَهُوَ لم يكن يَتحدَّث عنِ المستقبل، بل كانَ يتحدَّث عنِ الحاضر. وَهُوَ يَقول في المزمور 86: 3: "ارْحَمْنِي يَا رَبُّ، لأَنَّنِي إِلَيْكَ أَصْرُخُ الْيَوْمَ كُلَّهُ". وماذا نقرأ في المزمور 23: 6؟ "إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي". في المُستقبَل؟ هل هذا هو ما يَقولُهُ المَزمور؟ "إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي". مَتى؟ "كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي".

وابْنُ اللهِ هُوَ رَئيسُ كَهَنَةٍ رَحيمٌ. والرَّحمةُ هي لهذا الوقت. وهي للمُستقبل أيضًا. فنحنُ نَرى في رسالة تيموثاوس الثانية 1: 16 أنَّها للمستقبل إذْ يُصَلِّي الرسولُ بولسُ هذه الصَّلاة الجميلة لأجلِ أُنِيسِيفُورُسَ فيقول: "لأَنَّهُ مِرَارًا كَثِيرَةً أَرَاحَنِي وَلَمْ يَخْجَلْ بِسِلْسِلَتِي. لِيُعْطِ الرَّبُّ رَحْمَةً لِبَيْتِ أُنِيسِيفُورُسَ". وأعتقد أنَّ بولس رُبَّما كانَ يُفَكِّر في الدَّينونة المُستقبليَّة وفي يومِ الخلاص. ولكنَّهُ يُفَكِّرُ في ما هو أكثر مِن ذلك. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ المُرَنِّمَ قال: "أَمَّا أَنَا...فَأُرَنِّمُ بِالْغَدَاةِ بِرَحْمَتِك". دَعونا نُصَلِّي:

نَشكرك، يا أبانا، في هذا المساء لأنَّكَ أعطيتنا وقتًا لدراسة كلمتِك. ويا لها مِن أُمسية رائعة وغَنِيَّة. وأنا مُمْتَنٌّ جِدًّا، يا رَبّ، على صَبْرِ هؤلاءِ النَّاسِ. فأنا أُشارِكُ أُمورًا كثيرةً أشعرُ بها في قلبي وأتَّكِلُ فقط على رُوْحِكَ بأنْ تكونَ مُفيدة ومُباشِرَة. فأنا لديَّ، يا رَبُّ، محبَّة شديدة لكلمتِك حَتَّى إنِّي لا أرغبُ في تَرْكِ أيِّ شيء. وأنا أُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ تكونَ قدِ استخدمتَ ذلكَ إلى الحَدِّ الأقصى في حياةِ هؤلاءِ النَّاس. اجعلنا رُحَماءَ يا الله. وليتنا لا نكون مُدَلَّلين وأنانيِّينَ، بل ليتَنا نَعرف أنَّنا بحاجةٍ مَاسَّةٍ، أكثرَ مِنَ النَّاسِ جميعًا، إلى الرَّحمة، وأنَّكَ أَسْبَغْتَها علينا. لذلك، ليتَنا لا نكونُ مِثلَ ذلك الرَّجُل الَّذي حَصَلَ عليها مِن سَيِّده ولم يُقَدِّمها إلى شخصٍ آخر. وليتَنا لا نكونُ مؤمنينَ زائِفين، بل أنْ نُقَدِّمَ البُرهانَ على إيمانِنا الحقيقيِّ مِن خلالِ إظهارِ الرَّحمة. وبالمُقابِل، ليتَنا نَختبر بَرَكَة رَحمَتِك المُستمرَّة. لِذا فإنَّنا نُقَدِّمُ لكَ، يا أبانا، أنْفُسَنا. اجْعَلْنا رُحَماءَ في عالَمٍ لا يَعْرِفُ الرَّحْمَة. إكْرامًا ليسوع. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize