Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أَوَدُّ أنْ أقرأَ مَرَّةً أخرى على مَسامِعِكُم الآياتِ الَّتي تُهَيِّئ أفكارَنا، وهي الآيات 1-12 مِنْ إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامس: "وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفتحَ فَاهُ وعَلَّمَهُمْ قَائِلاً: طُوبَـى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَـى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. طُوبَـى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. طُوبَـى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. طُوبَـى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ". عندما تَجِدُ جميعُ هذه الحقائق الأخرى مكانَها في حياة الفرد، فإنَّ النَّتيجة هي ما جاءَ في العدد 9، ثُمَّ في العدد 10، و 11 و 12.

والنتيجةُ الأولى للحياةِ المُتأصِّلَةِ في التَّطويبات تَرِدُ بصيغة شيءٍ إيجابيّ. فنحنُ نَقرأ في العدد 9: "طُوبَـى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ". فَشَخصٌ كَهَذا يَحْيا هكذا، أيْ يَحيا بحسب هذه المبادئ والأنماط الحياتيَّة، سيكونُ صانعَ سلامٍ في العالم ويُدْعَى ابْنَ اللهِ. ولكِنْ ما أَغْرَبَ أنْ نَقرأَ على النقيض مِن ذلك في العدد 10: "طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ".

ومِنَ المُدهشِ في نظري أنَّ المؤمنَ الَّذي يَحيا التَّطويبات سيكونُ صانعَ سلام وشخصًا مُضْطَهَدًا في الوقتِ نفسه. فسوفَ تكونُ في الوقتِ نفسِهِ صانِعَ سلامٍ وصانِعَ مَشاكِل. وهناكَ تَناقُضٌ هائلٌ. فالمؤمنُ صانعُ سلامٍ. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ المؤمنَ شخصٌ يُثيرُ الخِلافات. وأنتَ تَسمعُ ذلكَ مِنْ فَمِ الربِّ يسوعَ المسيحِ نَفْسِهِ الَّذي قالَ إنَّهُ جاءَ بوصفِهِ رَئيسَ السَّلام لِكي يَجْلِبَ سلامًا. ثُمَّ إنَّهُ قالَ في مَوْضِعٍ آخر: "مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا". فهناكَ هذا التَّناقُضُ الدَّائمُ الَّذي يَجعلُ المؤمنَ في العالمِ صانِعَ سلامٍ قادرًا على مُصالحةِ الإنسانِ معَ اللهِ مِنْ خلالِ تقديمِ الإنجيل. ولكِنْ مِن جهة أخرى، حيثُ يوجد أشخاصٌ لا يَتجاوبونَ معَ جُهودِهِ الرَّاميةِ إلى صُنْعِ السَّلام، فإنَّهُ سيكونُ صَانِعَ مَشاكِل وَيَتَسَبَّب في النِّهاية بحدوثِ اضْطهاد.

وبعدَ دراسةِ التَّطويباتِ وإدراكِ أنَّها الصِّفاتُ الَّتي ينبغي أنْ يَتَّصِفَ بها الإنسانُ الَّذي يَحيا في ملكوتِ اللهِ، مِنَ السَّهلِ أنْ تَشْعُروا أنَّكُمْ لَسْتُمْ أَكْفاءَ لَها. أليسَ كذلك؟ فأنتُم تَرَوْنَ السُّلطانَ والتَّأثيرَ الهائِلَيْنِ لهذه الحقائق. ويبدو كأنَّ الشَّخصَ الَّذي يَمْتَلِكُ هذه الصِّفاتِ ليسَ شخصًا حقيقيًّا يعيشُ في هذا العالم. وقد يبدو لكَ أنَّكَ تَنظر إلى شخصٍ مِنْ نافذةٍ زُجاجِيَّة مُلَوَّنة، أوْ أنَّكَ تَنظُر إلى تِمْثالِ قِدِّيسٍ أوْ إلى شيءٍ مَحْفورٍ في الخشب أوْ مَنْحوتٍ في الصَّخْر. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لا يوجد شخصٌ يَحيا بهذه الطَّريقة في واقعِ الحياةِ اليوميَّة، وأنَّهُ لا يوجد شخصٌ يستطيعُ أنْ يَتَّصِفَ بِكُلِّ هذه الصِّفاتِ الهائلة. ولكِنَّ اللهَ لا يَتعامَل معَ قِدِّيسينَ مِنْ وراءِ زُجاجٍ مُلَوَّنٍ. واللهُ لا يَتعاملُ مَعَ نَماذِج مَنْحوتَة. فأنا أُوْمِنُ أنَّ ما يَقولُهُ يسوعُ هُنا في هذه المُقدِّمةِ الرَّائعةِ للعِظَةِ على الجبل ليسَ أَقَلَّ مِنْ عَرْضٍ لِصِفاتِ المؤمن، وليسَ أقَلَّ مِنْ عَرْضٍ لصورةِ المؤمنِ الحقيقيّ. ولا شَكَّ أنَّها صُورة مِثاليَّة لأنَّ اللهَ لا يُخَفِّضُ مَعاييرَهُ بسببِ طبيعةِ الإنسانِ الخاطئة. بل إنَّ ما يَحْدُث ببساطة هو أنَّ اللهَ يَجْعَلِ المَسيحَ يَسْكُنُ في الفَرْدِ لكي يَعْمَلَ المَسيحُ مِنْ خِلالِ ذلكَ الفَرْد على تَحْقيقِ مَعاييرِ الله.

والآن، كما رأينا، هذا هو الشَّخصُ الَّذي يكونُ سَعيدًا حَقًّا. وهذا هو الشَّخصُ الَّذي يكونُ مَغبوطًا حقًّا. وهذا هو الشخصُ الَّذي يَحْيا في هَناء. وهذا هو الشخصُ الَّذي يَختبِرُ البَرَكة. فهو شخصٌ يَحْيا هذه المبادئ. وكُلُّ واحدٍ مِنَّا سَلَّمَ حَياتَهُ حَقًّا للمسيح، وكُلُّ واحدٍ مِنَّا اخْتَبَرَ حقًّا الولادة الثَّانية، وكُلُّ واحدٍ مِنَّا مِنْ أولادِ الملكوتِ حَقًّا ينبغي أنْ يأتي إلى المسيحِ بهذه المواقفِ. وبخلافِ ذلك، لا يَجوزُ لنا أنْ نأتي إليهِ البَتَّة. فيجب علينا أنْ نَرى بعضًا مِنْ هذه المواقفِ ظاهرة في حياتِنا. ويجب علينا، بِكُلِّ تأكيد، أنْ نَشْهَدَ تَقَدُّمًا ونُمُوًّا، وأنْ نَرى المَزيدَ مِنها في كُلِّ يومٍ نَعيشُهُ إلى أنْ نَصِلَ في النِّهايةِ إلى مِلْءِ وكَمالِ شَخصيَّةِ الملكوت.

وفي هذا المساء، نَوَدُّ أنْ نَتأمَّلَ في التَّطويبة الأخيرة. فإنْ كنتَ شخصًا يُحَقِّق كُلَّ هذه العناصر المذكورة في التَّطويبات، فإنَّكَ وفقًا لهذه الشروط تَدْخُلُ الملكوت. ورُبَّما كنتَ تُحَقِّقُها بالحَدِّ الأدنى. ولكِنْ يجب عليكَ أنْ تأتي بِروحٍ مُنْسَحِقَة. ويجب أنْ تأتي نائحًا على خطاياك. ويجب أنْ تأتي بتواضُعٍ أمامَ اللهِ القُدُّوس. ويجب أنْ تَجوعَ وتَعطشَ إلى البِرّ. ويجب أنْ تأتي طالِبًا الرَّحمة ومُستعدًّا لتقديمها للآخرين. ويجب أنْ تأتي بوصفِكَ شخصًا يَسْعى إلى أنْ يكونَ نَقِيَّ القلبِ. ويجب أنْ تأتي بوصفكَ شخصًا يَرْغَبُ في أنْ يَصْنَعَ سَلامًا معَ الله. وحينَ تَمتلك كُلَّ هذه الصِّفاتِ، حتَّى لو بالحَدِّ الأدنى...حينَ تَمتلكُها حقًّا، تكونُ قد دَخَلْتَ مَلكوتَهُ. وحينئذٍ فإنَّ اللهَ يَقولُ إنَّهُ ينبغي لهذه الصِّفاتِ أنْ تُزْهِرَ في ملكوتِهِ، وإنَّهُ ينبغي لكَ أنْ تَتَقَدَّمَ وَتَنْمو إلى أنْ تَزيدَ هذه الصِّفاتُ عنِ الحَدِّ الأدنى إذْ إنَّهُ يُريدُ أنْ تَصيرَ هذه الصِّفاتُ سَائدةً في حياتِك. وحينَ يَحدُثُ ذلك، ستجدُ أنَّ التَّطويبةَ الثَّامنةَ ستحدثُ دائمًا. فالآيةُ العاشرةُ تقول: "طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَات".

وحينَ تَنتقِل إلى غِنَى ومِلْءِ شخصيَّة الملكوت، وعندما تَبتدئ في العيشِ كما يُريدُ منكَ اللهُ أنْ تَعيش، وحينَ تَبتدئ في تَتْميمِ المبادئ الَّتي وَضَعَها اللهُ، ستجد أنَّ الأمرَ يُفْضي إلى الألمِ والمُعاناة. صحيحٌ أنَّكَ ستكونُ صانع سَلام. أجل، ولكنَّكَ ستكونُ صانِعَ مَشاكل أيضًا.

ففي رسالة يَعقوب مَثَلاً (وسوفَ أُريكُم بعضَ الآياتِ الكتابيَّة لكي أُهَيِّئَ فِكْرَكُم نوعًا ما في سِياقِ كُلِّ العهدِ الجديد). فنحنُ نَقرأُ في رسالة يَعقوب 1: 2: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ". وما يَقولُهُ هُنا هو أنَّهُ سوفَ تكونُ هناكَ بعضُ المُعاناة. وسوفَ تكونُ هناكَ بعضُ التَّجارِب. وسوفَ تكونُ هناكَ بعضُ الاختبارات. وسوفَ تكونُ هناكَ بعضُ الضِّيقات.

ونَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 5: 10: "وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ". فالمؤمنِ الَّذي يَحْيا هذه التَّطويباتِ في حياتهِ الشَّخصيَّة سيَشْهَدُ دائمًا رُدودَ فِعْلٍ مِنَ العالم.

وكُلُّ الفَضائِلِ الَّتي رأيناها في هذا السِّياقِ، كُلُّها دونَ استثناء، لا تُطاقُ مِنَ العالمِ الشِّرِّير. فالعالمُ لا يَحْتَمِلُ، في الحقيقة، شخصًا مِسْكينًا في الرُّوح لأنَّ العالمَ يَعيشُ حَياةَ كِبْرياء، وحياةَ تَفاخُرٍ بالذَّات، وحياةً أنانيَّة. والعالمُ لا يَحتملُ شخصًا يَحْزَنُ على خطاياه. فالعالمُ يُريدُ أنْ يُبيحَ الخَطِيَّةَ بِمُجمَلِها وأنْ يَستمرَّ في إقناعِ نفسِهِ بأنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام. والعالمُ لا يَحتملُ الوَداعةَ، بل يُصَفِّقُ للكبرياء. والعالمُ لا يَحتملُ شخصًا يَعْلَمُ أنَّهُ لا شيء ويَسعى إلى الحصولِ على شيءٍ لا يمكنه الحصولُ عليهِ إلَّا كَهِبَة. والعالمُ يَقولُ إنَّنا نَمْلِكُ الحَقَّ في الحصولِ على كل شيءٍ لأنَّنا كَسِبْناهُ بِجَدارَتِنا. والعالمُ لا يَعرفُ شيئًا عنِ الرَّحمة. والعالمُ لا يَعرفُ شيئًا عنِ الطَّهارة. والعالمُ لم يَتَعَلَّم يومًا كيفَ يَصنعُ سلامًا. وكُلُّ هذهِ الصِّفاتِ، حينَ تُوجدُ في المؤمن، وحينَ تُزْهِرُ تَدريجيًّا في حياتِهِ أو حَياتِها، تَتَصَدَّى للنِّظامِ بشكلٍ صَارِخ...بشكلٍ صَارِخ. وهذا هو ما سيحدُثُ إنْ كُنْتَ تَحْيا التَّطويبات.

ولننظُر إلى ثلاثةِ أشياء، أوْ إلى ثلاثِ سِماتٍ مُمَيِّزَةٍ لهذه التَّطويبة الأخيرة، أوْ إلى ثلاثةِ أشياء تَبْرُزُ في الأعداد 10 و 11 و 12. أوَّلاً: الاضطهاد. ثانيًا: الوَعْد. ثالثًا: الموقِف. وسوفَ أشرحُ ذلكَ أثناءَ دِراسَتِنا.

أوَّلاً، الاضطهاد. وهذا واضحٌ في العَدَدَيْن 10 و 11. انظروا إليهما: "طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَـى لَكُمْ...". والعدد 11 يُكَرِّرُ، ببساطة، العددَ العاشِرَ بصيغَة المُخاطَب. فالعددُ العاشر يقول: طُوْبى للمَطرودين". والعدد الحادي عشر يقول: "طُوبى لَكُم". فهو يُضْفي على الكَلامِ صِفَةً شَخْصِيَّة. "إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِين". وأنا أُوْمِنُ بأنَّ هذه تَطويبة واحدة. والسَّببُ في أنِّي أُوْمِنُ بأنَّها التَّطويبة نفسُها هو لأنَّ الكلمة "يَضْطَهِد" مُستخدمة في العدد 10، وأنَّ الكلمة "يَضْطَهِد" مُستخدمة مَرَّةً أخرى في العدد 11. فهي الكلمة نفسُها، ولكنَّها مُوَسَّعة أكثر في العدد 11. وهناكَ سَبَبٌ آخر يَدْعوني إلى الإيمانِ بأنَّها تطويبة واحدة فقط وَهُوَ أنَّ هناكَ نَتيجة واحدة فقط مَذكورة. فإذا نَظرتُم إلى العددَيْن 10 و 11، ستَجدونَ أنَّ النَّتيجة الوحيدة مذكورة في نهاية العدد 10: "لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ". والحقيقة هي أنَّ جميعَ التَّطويباتِ مُرتبطة بوعدٍ يَختصُّ بالشَّخصيَّة. وهناكَ وَعْدٌ واحدٌ فقط في العَدَدَيْن 10 و 11، وَهُوَ مَذكورٌ في نهاية العدد 10. وقد تَقول: "حسنًا، إنْ كانَ يوجد وَعْدٌ واحدٌ فقط، لماذا نَقرأُ تَطويبَتَيْن؟" أعتقدُ أنَّ اللهَ يُضاعِفُ البَرَكَةَ للأشخاصِ المُتألِّمين. وأعتقدُ أنَّ اللهَ يُضاعِفُ البَرَكَةَ للأشخاصِ المُضْطَهَدين. فكأنَّنا بحاجة إلى ذلك في هذه الحالة تَحديدًا. فهناكَ بَرَكَة مُضاعَفة للأشخاصِ المُضْطَهَدين.

والآنْ، لننظر ونَرى مَنِ المَقصود بذلك قَبْلَ كُلِّ شيء. فَمَنْ هُمُ المُضْطَهَدون؟ الحقيقة هي أنَّ النَّصَّ لا يُوَضِّحُ ذلك. فهو يَكتفي بالقول في العدد 10: "طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ". وفي العدد 11: "طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ". ولكِن مِنَ السَّهلِ جِدًّا أنْ نَعْرِفَ هُوِيَّةَ هؤلاء. فالأشخاصُ المُطَوَّبونَ في العَدَدَيْن 10 و 11 هُمْ نَفْسُ الأشخاصِ المُطَوَّبينَ في الأعداد 3-9. فلا يوجد تَغييرٌ في الشَّخصيَّة. فَهُمُ الأشخاصُ الذينَ مَارَسُوا التَّطويباتِ في حياتِهم اليوميَّة. وَهُمْ شَعْبُ الملكوت. وكُلَّما تَعَمَّقْتَ في عَيْشِ التَّطويباتِ، زادتْ فُرصةُ حُدوثِ رُدودِ أفعالٍ عنيفةٍ في العالم. وكُلَّما عِشْتَ أكثر لأجْلِ المسيح، زادتْ فُرصةُ تَعَرُّضِكَ لِرُدودِ فِعْلٍ عنيفة مِنَ العالم. لِذا فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَحْيَوْنَ التَّطويباتِ السَّبْعَ الأولى إلى حَدِّ تَطبيقِها سَيَختبرونَ هذا الشَّيء، أيْ ما جاءَ في التَّطويبة الثَّامنة.

ويمكنُني أنْ أُبَيِّنَ لكم ذلك في نَصٍّ آخر وَهُوَ رسالة تيموثاوس الثانية 3: 12. فهُنا تَجِدونَ صُورة للمُستقبَل؛ ولكنَّها، دُوْنَ شَكٍّ، وَثيقة الصِّلَة بنا. فنحنُ نَقرأُ في العدد 11: "وَاضْطِهَادَاتِي، وَآلاَمِي، مِثْلَ مَا أَصَابَنِي فِي أَنْطَاكِيَةَ وَإِيقُونِيَّةَ وَلِسْتِرَةَ. أَيَّةَ اضْطِهَادَاتٍ احْتَمَلْتُ! وَمِنَ الْجَمِيعِ أَنْقَذَنِي الرَّبُّ". فبولسُ يَقول: "لقد اضْطُهِدْتُ بوصفي شخصًا يَحيا حياةَ مَلكوت، وبوصفي شخصًا يُظْهِرُ يسوعَ المسيح. لقد اضْطُهِدْتُ". وهو يقول في العدد 12: "وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهَدُون". بعبارة أخرى، إنَّ هذه ضمانة مؤكَّدة بأنَّ أيَّ شخصٍ يَحيا حياةً مُشابهةً للمسيح سيتألَّم. وبالمناسبة، فإنَّ التَّطويباتِ تَظهر بأفضل صورة في شخصِ يسوعَ المسيحِ نفسِهِ. فهو حتَّى حَمَلَ خطايانا. وحينَ نَحيا هذه الصِّفاتِ المذكورة في التَّطويبات، سنجدُ أنَّنا سنَصطدِم بالمُجتمع الَّذي نعيشُ فيه. وكُلَّما أَظْهَرنا هذه الشَّخصيَّة أكثر، زادتِ حَتميَّةُ العواقِب. ونقرأُ في رسالة غلاطيَّة 4: 29 (ببساطة): "وَلكِنْ كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ الرُّوحِ، هكَذَا الآنَ أَيْضًا". فلم يتغيَّر شيء. فالذي وُلِدَ حَسَبَ الجسد سيَضْطَهِدُ دائمًا الَّذي وُلِدَ حَسَبَ الرُّوح.

وأنا أُفَكِّرُ دائمًا في الرَّجُلِ الَّذي ابتدأَ عَمَلَهُ الجديد في وَسْطِ أشخاصٍ فاسِدينَ وأشرار. وقد كانَ خائفًا جدًّا مِمَّا قد يَفعلوهُ به لأنَّهُ كانَ مَسيحيًّا. وقد كانوا رجالاً خَسيسينَ ومُنحطِّينَ وأشرار. وقد عادَ إلى بيتِهِ بعدَ اليومِ الأوَّل فسألتهُ زوجَتُه: "كيفَ سَارَ الأمر؟" فقال: "لقد سارَ كُلُّ شيءٍ على ما يُرام. فلم يَعلم أحدٌ أنَّني مَسيحيّ". والحقيقة هي أنَّكَ لن تواجه أيَّ مشاكل إنْ لم يَعلم أحدٌ أنَّكَ مَسيحيّ. ولكِنْ حينَ تبتدئُ في عَيْشِ حياةِ المسيح، وحينَ تُمارِس التَّطويبات، وحينَ تَشترك في حَمْلِ عَارِ يَسوعَ المسيح، وتَشترك في شَرِكَة آلامِه، وحينَ تَحيا حياةً بارَّةً في العالم، ستجد أنَّ الذي وُلِدَ حَسَبَ الجسد سيَضْطَهِدُ دائمًا الَّذي وُلِدَ حَسَبَ الرُّوح. وإنْ عشْتَ في مُعارضةٍ مُباشِرَةٍ للشَّيطانِ في عالَمِه، وفي نِظامِه، فإنَّكَ ستُلاقي دُوْنَ أدنى شَكٍّ العَداوة والاضطهادَ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ لا يتجاوبونَ معَ رِسالَتِك. وقد قُلْتُ ذلكَ في السَّابق وأقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى: إنْ لم تُضْطَهَد، رُبَّما لم يَعلموا يَقينًا أنَّكَ مَسيحيّ. أو رُبما تَقولُ إنَّكَ مَسيحيّ، ولكنَّكَ لا تَصْنَعُ أيَّ فَرْق. فأنتَ لا تعيشُ حياةَ مُواجَهَةٍ شَبيهة بحياةِ المسيح لأنَّ الحياةَ المُشابهةَ لحياةِ المسيحِ تُنْشِئ نَفْسَ رَدِّ الفِعْلِ الَّذي أَحْدَثَهُ المسيحُ على الأرض.

فلا يوجد شخصٌ مُحِبٌّ أكثر مِن يسوعَ المسيح. ولا يوجد شخصٌ صَنَعَ سلامًا أكثرَ مِن يسوعَ المسيح. وقد تجاوبَ بعضُ النَّاسِ معَ تلك المحبَّة. وقد تَمَتَّعَ بعضُ النَّاسِ بذلكَ السَّلام. ولكِنْ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّ يسوعَ كانَ أكثرَ شخصٍ مُحِبٍّ، وَسَمِحٍ، ومُنْعِمٍ، ولَطيفٍ، ومُسالمٍ عاشَ يومًا على الأرض، أينما ذَهَبَ كانَ يَصنعُ عَداوَةً. لماذا؟ لأنَّهُ كانَ يُواجِهُ النَّاسَ بِخَطاياهُم. وهكذا هي الحالُ معَ جميعِ الأبرار. فإذا تَتَبَّعْتَ مَسارَ حياةِ الأبرار طَوالَ التَّاريخ، ستجد أنَّهم كانوا دائمًا يَتألَّمونَ بسببِ صَلاحِهم. دائمًا. والأمرُ ابْتَدَأَ منذُ البداية في سفر التَّكوين حينَ تَعَرَّضَ رَجُلُ تَقِيٌّ وبارٌّ (اسْمُهُ: هابيل) للقَتلِ على يَدِ أَخٍ غيرِ بارٍّ وغيرِ تَقِيٍّ لم يَتَمَكَّن، ببساطة، مِنَ احتمالِ بِرِّه. وقد بَقِيَ الأمرُ على تلك الحالِ مُنذُ ذلك الحين. وقد آثَرَ مُوسَى أنْ يُعاني ويتألَّم معَ شعبِ اللهِ على أنْ يَتَنَعَّمَ بِرفاهِيَةِ المُجتمعِ المِصْرِيِّ (كما جاءَ في عبرانيِّين 11). فقد كانَ هناكَ دائمًا ثَمَنٌ ينبغي أنْ يُدْفَع.

ويقولُ "توماس واطسون" (Thomas Watson)، الكاتِبُ الطَّهورِيُّ: "رُغم أنَّهم وُدعاء جدًّا، ورُحَماء، وأنقياءُ القلب، فإنَّ تَقواهُم لن تَحميهم يومًا مِنَ المُعاناة. فيجب عليهم أنْ يُعَلِّقُوا أعوادَهُم على الصَّفصافِ وأنْ يَحمِلوا الصَّليب. فالطَّريقُ إلى السَّماءِ مُمتلئة بالأشواكِ ومُضَرَّجة بالدَّم. وينبغي أنْ تَتَعَلَّموا هذا المَبْدأَ الجوهريّ" [كما يَقول]. "فإنْ تَبِعْتُم المسيح، سَتَرَوْنَ السُّيوفَ والعِصِيَّ. لذلك، ضَعوا الصَّليبَ في صُلْبِ عَقيدَتِكُم". [نهاية الاقتباس]. والحقيقة هي أنَّهُ إنْ أردتُم أنْ تَعرفوا حقيقةَ الأمر، فإنَّ واحدةً مِنْ أروعِ الضَّماناتِ بأنَّ خلاصَكَ حَقيقيٌّ هي أنْ تُضْطَهَد. وإنْ لم تَخْتَبِر ذلكَ في حياتِك، هُناكَ ما يَدعوكَ إلى التَّساؤل.

وفي رسالة فيلبِّي 1: 29، نَقرأُ ما يَلي: "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِه". فهذا جُزْءٌ مِنَ الإيمان. "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِه". فالألمُ جُزءٌ مِنَ الإيمان. والآنْ، لِنَرْجِع إلى العدد 28. وهذا رائعٌ إذْ نَقرأ: "غَيْرَ مُخَوَّفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُقَاوِمِينَ، الأَمْرُ الَّذِي هُوَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ لِلْهَلاَك". بعبارة أخرى، حينَ يُهاجِمُكَ أعداؤُكَ، ويُبغِضونَ الإنجيلَ، ويُبغِضونَ المَسيحَ الَّذي يَسْكُنُ فيكَ، ويَمْتَعِضونَ لأنَّكَ تَحيا لأجْلِ الملكوت، حينَ يَفعلونَ ذلك، فإنَّ هذهِ بَيِّنَة على أنَّ مَصيرَهُم هُوَ الهَلاك. بعبارة أخرى، فإنَّ هذهِ بَيِّنة على أنَّهُم سيَذهبونَ إلى جَهَنَّم. ولكِنْ بالنِّسبةِ إليكَ، فإنَّهُ دَليلٌ على ماذا؟ نَقرأُ في العدد 28: الخَلاص. أليسَتْ هذهِ النُّقطة مُدهشة؟ ففي حين أنَّ الاضطهادَ يُبَرْهِنُ على أنَّ مَصيرَهُم هُوَ الهلاك، فإنَّ الاضْطِهادَ يُبرهِنُ على أنَّكَ مَفْدِيٌّ. فعَيْشُ الحَياةِ المَفديَّة ورُؤية العَداوة مِنَ العالمِ المُعادي للهِ هُما دَليلٌ على أنَّ خلاصَكَ حَقيقيٌّ.

وفي رسالة تسالونيكي الأولى 3: 3، يَقولُ الرَّسولُ بولُس إنَّهُ لا يجوزُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَتَزَعْزَعَ في هذه الضِّيقات. فلا يجوزُ أنْ تَقلَق إذا اضْطُهِدْتَ. ولا يجوزُ أنْ تَخافَ إذا احتملتَ بعضَ الضِّيق. لماذا؟ "فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا مَوْضُوعُونَ لِهذَا". بعبارة أخرى، هذه هي مشيئةُ اللهِ. ويجب علينا أنْ نَتَمَثَّلَ بالمسيح الَّذي وُضِعَ لِقِيامِ وسُقوطِ كثيرين. فلا بُدَّ أنْ نُحَبَّ وأنْ نُبْغَضَ. ولا بُدَ أنْ نُكَرَّمَ وأنْ نُلْعَن. وهو يقول في العدد الرَّابع: "لأَنَّنَا لَمَّا كُنَّا عِنْدَكُمْ، سَبَقْنَا فَقُلْنَا لَكُمْ: إِنَّنَا عَتِيدُونَ أَنْ نَتَضَايَقَ، كَمَا حَصَلَ أَيْضًا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ". وكما تَرَوْن، فإنَّ ما يَقولَهُ هو أنَّ الألمَ جُزءٌ لا يَتجزَّأُ مِنْ كونِكَ مَسيحيًّا. فقد شاءَ اللهُ أنْ يكونَ الأمرُ هكذا. وقد كُنتُم تَعلمونَ أنَّ هذا سيَحدُث. فقد وُهِبَ لَكُمْ أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِ المسيح. وعندما يَضطهِدونَكُم، فإنَّ هذا الاضطهادَ سيكونُ دليلاً على هَلاكِهِم. وَهُوَ سيكونُ أيضًا دليلاً على حَقيقةِ خلاصِك. لِذا، أعودُ وأقولُ إنَّهُ إنْ لم يكن هناكَ أيُّ اضطهادٍ في حياتِكَ، مِنَ الأفضلِ لكَ أنْ تَفْحَصَ نفسَكَ لِتَرى إنْ كُنتَ مسيحيًّا حقًّا. فإنْ لم تَكُنْ تُحْدِثُ أيَّ هُجومٍ مُضادٍّ في العالم، ولم تَكُنْ تُحْدِثُ أيَّ أَمْواج، وإنْ لم تَكُنْ تُحْدِثُ أيَّ خِلاف، فرُبَّما كانَتْ هُناكَ مُشكلة كبيرة في حياتِك.

وأنا لا أُبالي أيْنَ تَعيش. فأنا مُتَيَقِّنٌ مِنْ أنَّ كُلَّ كُتَّابِ الكتابِ المقدَّس، الذينَ كَتَبوا بِوَحْيٍ مِنَ الروح القدس، كانوا يُدركونَ تمامًا أنَّنا قد نَعيشُ في زَمَنٍ يَميلُ إلى التَّسامُح، وفي بَلَدٍ يَميلُ إلى التَّسامُح، على الأقَلِّ مِنْ جِهَةِ الاضطهادِ القَوميِّ أوِ الحُكومِيّ. ولكِنْ حَتَّى لو كُنتَ تَعيشُ في أكثرِ بلدٍ مُتسامِحٍ في أكثرِ الأزمِنَةِ تَسامُحًا، فإنَّ الصَّليبَ لن يتوقَّف عن كونِهِ حَقيقة. وحينَ تَعيشُ حياةً تَعْكِسُ الفِداءَ تَمامًا، وحينَ تَعيشُ حياةً تُظْهِرُ مبادئَ الملكوت، سيكونُ هناكَ رَدُّ فِعْلٍ عَنيف. وبصورة دائمة فإنَّ أولادَ الطَّاعة وأولادَ الملكوتِ، أيِ الأشخاصَ الذينَ يعيشونَ بِرَّ المسيحِ في هذا العالم سيكونونَ مُبْغَضينَ مِنَ الشَّيطان. فسوفَ يكونونَ كذلكَ دائمًا. وإنْ لم نَكُنْ مُضْطَهَدينَ لِمُجَرَّدِ أنَّنا نَعيشُ في بلدٍ يَزْعُمُ أنَّهُ مَسيحيٌّ، أو لأنَّنا نَظُنُّ أنَّ موقفَ العالمِ قد تَغَيَّر، فإنَّ هذهِ كِذْبَة مِنْ أكاذيبِ الشَّيطان. إنَّها كِذْبَة مِنْ أكاذيبِ الشَّيطان. فالمسيحيُّونَ في وقتِنا الحاضِر يَفتَخِرونَ بحقيقة أنَّهُم مَشهورون. فيمكنكَ أن تكونَ مَسيحيًّا الآنَ وأنْ تكونَ مَشهورًا جدًّا. ويمكنكَ أنْ تَكونَ مَسيحيًّا وأنْ تُحَقِّقَ شُهرةً واسعة. ونحنُ نَقول: "إنَّ العالمَ قد تَغيَّر كَما تَعلمون". فالمسيحيُّونَ يَمتلكونَ الآنَ شَعبيَّةً واسعة. والمسيحيُّونَ مَشهورونَ الآن. والمسيحيُّونَ مَقبولونَ الآن. والمسيحيُّونَ يُقابَلونَ الآنَ بالتَّصفيقِ ويَنخرطونَ في مُجتمَعِنا مِنْ دونِ أيِّ عوائِقَ البَتَّة.

ولكِنَّ المسألةَ لا تَتَلَخَّصُ في أنَّ العالمَ قد تَغيَّر، يا أحبَّائي. بل إنَّ المسألة تتلخَّص في أنَّنا خَفَّضْنا مِعْيارَ البِرّ. ونحنُ لدينا أُناسٌ يَزعُمونَ أنَّهم مسيحيُّونَ ولكنَّهم لا يَعيشونَ حياةً بارَّةً بالقدرِ الَّذي يَكفي لتعريفِ المسيحيَّة تَعريفًا صَادقًا، وإلَّا لكانَتِ الأنظمةُ الَّتي يَعيشونَ فيها قد طَرَدَتْهُم خارِجًا. فهذه هي المسألة الجوهريَّة. فالمِعيارُ لم يتغيَّر بحسبِ معاييرِ اللهِ. ولكنَّ مَعاييرَنا قد تَغيَّرت. ونحنُ نَعتقدُ أنَّ العالمَ صارَ أكثر تَسامُحًا. والحقيقة هي أنَّنا لم نَعُدْ نَحيا تلك الحياة. فنحنُ نُريدُ أنْ نكونَ أكثر شَعبيَّة، ونريدُ أن نكونَ مَشهورين، ونريدُ أن نكونَ مَقبولين. ولكِنْ إنْ كنتَ تَحيا حياةَ البِرِّ الَّتي يُطالِبُكَ اللهُ أنْ تَحياها، وإنْ كنتَ تَحيا حياةً مسيحيَّةً حقيقيَّةً، فإنَّ العالمَ لن يُظْهِرَ لكَ سِوى البُغْضَة والكراهِيَة. وأنا لا أعني بذلك أنَّ كُلَّ مَسيحيٍّ سيُحْرَقُ على عَمودٍ. وأنا لا أعني بذلك أنَّ الاضطهادَ سيكونُ شَديدًا طَوالَ الوقت. ولكِنَّنا نَقرأُ في العدد 10: "طُوبَـى لِلْمَطْرُودِين". وهذا لا يَعني أنَّ كُلّ شخصٍ مِنَّا سيَشْهَدُ اضطهادًا دائمًا طَوالَ حياتِهِ إلى حَدٍّ كبير، بل إنَّهُ يَعني أنَّ العالمَ سيَختارُ أشخاصًا مِنَّا وَيَضْطَهِدُهُم. وأنا أُوْمِنُ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال أنَّنا جميعًا، الَّذينَ نَعيشُ بالتَّقوى في العالم، سَنَختبرُ في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ تَعْييرَ الصَّليب.

وقد تَقول: "ولكنَّ الحالَ تَختلفُ عنِ الأيَّامِ الَّتي كانوا يَحرِقونَهُم فيها على خَشَبَة". ولطالَما فَكَّرْتُ في نفسي قائلاً: "أيُّهُما أَسْوأ: أنْ تُحْرَقَ على خَشَبة، أَمْ أنْ تَعيشَ حياتَكَ بأسْرِها وأنتَ تَعملُ في شَرِكة تِجاريَّة لا يمكنكَ فيها أنْ تَحْصُلَ على التَّرقيةِ الَّتي تَسْتَحِقُّها لأنَّهُمْ يُبْغِضونَ إيمانَكَ المسيحيّ؟ أو رُبَّما أنْ تُطْرَدَ مِنْ بينِ النَّاسِ مِنْ حَوْلِكَ، وأنْ تُقْصَى عَنْ مُجتَمَعِكَ لأنَّكَ تَحيا لأجلِ يسوعَ المسيح؟ أو رُبَّما أنْ تَعيشَ في حَيٍّ لم يَعُدِ النَّاسُ فيهِ يَتحدَّثونَ إليكَ لأنَّكَ حينَ تَتحدَّثُ إليهم لا تَتهاون مَعَهُم في شُرورِهم، بل تُواجِهُهُم بها؟" وكما تَرَوْن، هناكَ طُرُقٌ كثيرة يَحصُلُ فيها المؤمنُ على رُدودِ فعلٍ عنيفة مِنَ العالم. وأنا لا أعني بذلكَ أنَّ كل مؤمنٍ سيُضطَهَد دائمًا في كل الأوقات بدرجة كبيرة وهائلة. ولكِنَّ العالمَ مُعادٍ لِكُلِّ ما يَختصُّ بالله. وحينَ تَحيا هذه التَّطويبات، فإنَّكَ ستَشترك في جُزْءٍ مِنْ تَعييرِ المسيح. والبعضُ يَختبر ذلكَ أكثر مِنَ البعض الآخر. أليسَ كذلك؟

والآنْ، إنْ شِئتَ، يمكنكَ أنْ تَتَفادى ذلك. فيمكنكَ أنْ تَحيا حياتَكَ بأسرِها دونَ أنْ تُضْطَهَد. والأمرُ بَسيطٌ جِدًّا حَقًّا. وسوفَ أُخبركَ كيفَ تفعل ذلك. أوَّلاً، وافِق على كل معايير العالم. وافِق على مَعايير العالَم. وسِرْ مَعَ التَّيَّار. ثُمَّ اقبَل أخلاقيَّات العالَم ومبادئ العالم. سَايِرْهُمْ وحَسْب. وَعِشْ كَما يَعيشُ أهل العالم. ولا تَقُل للنَّاسِ إنَّهُم خُطاة. ولا تَقُل للنَّاسِ إنَّهُم ضَالُّونَ مِن دونِ يسوعَ المسيح. ولا تَقُل للنَّاسِ إنَّهُ مَحْكومٌ عليهم بالموت. ولو سَمَحْتَ، لا تتحدَّث عن جَهَنَّم. ولا تَعِظ أو تُعَلِّم أنَّ يسوعَ المسيحَ هو الطَّريقُ الوحيد، وأنَّ كُلَّ الأنظمة الدينيَّة الأخرى كاذبة. ولا تَفْصِل نفسَكَ عنِ العالم وعن كُلِّ أنْشِطَتِهِ وكُلِّ مُؤسَّساتِه. بل اسْلُك مَعَ تَيَّارِ العالم، واضحَك على نُكاتِهِ، واستمتع بما يُقَدِّمُهُ مِن وسائل التَّسلية، واضحك حينَ يَهزأونَ باللهِ، واسْمَح لهم أنْ يَنْطِقوا باسْمِهِ باطِلاً، واخْجَلْ مِنَ الدِّفاعِ عنِ المسيح. وأنا أَعِدُكَ بأنَّكَ لن تُضْطَهَدَ البَتَّة. وبعدَ أن تفعلَ هذا كُلَّهُ، افْحَص نَفسَكَ لترى إنْ كنتَ في الإيمانِ أَمْ لا لأنَّهُ سيكونُ هناك شَكٌّ كبيرٌ في إيمانِك. ورُبَّما تكونُ مَسيحيًّا، ولكنَّكَ تَعيشُ حَياةَ عِصْيان.

وهل تَسمحوا لي بإضافةِ هذه المُلاحظة؟ إذا قَرَّرتَ أنْ تَعيشَ بهذه الطريقة، تَذَكَّر ما جاءَ في إنجيل لوقا 9: 26 إذْ قالَ يسوعُ الآتي: "لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهذَا [ماذا؟] يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ". فقد قالَ يسوعُ: "إنِ اسْتَحَيْتَ بي، سأستَحي بِكَ". وآخرُ شيءٍ أُريدُهُ، وأعتقد أنَّ آخِرَ شيءٍ تَريدونَهُ أنتم أيضًا، يا أحبَّائي، هو أنْ يَستَحِي يسوعُ بكم. ولكِنَّ هذا قد يَحدث...قد يَحدث. ففي إنجيل لوقا 6: 26، قالَ رَبُّنا هذه الكلمات: "وَيْلٌ لَكُمْ إِذَا قَالَ فِيكُمْ جَمِيعُ النَّاسِ حَسَنًا". لا تَنْسَوْا يومًا ذلك. فحينَ تَتَمَتَّعُ بشعبيَّةٍ واسعةً فإنَّ هذا يَعني أنَّ النَّاسَ لا تَعرفُ حَقيقَتَكَ. فأنتَ تُخفي إيمانَكَ المسيحيَّ أوْ أنتَ لستَ مسيحيًّا أصلاً.

لِذا، لقد وَصَلنا إلى هُنا، يا أحبَّائي. إنْ أردنا أنْ نَحيا بِحَسَبِ هذه التَّطويبات، يجب علينا أنْ نكونَ مُستعدِّينَ لِرُدودِ الفِعل العنيفةِ لأنَّ الأمرَ سيكونُ هكذا. فهذه هي الحالُ دائمًا، وهي ستستمرُّ هكذا. ولا مَناصَ مِنْ ذلك. فلا يمكنكَ أنْ تَحيا حياةً بَارَّةً في مُجتمعٍ غيرِ بارٍّ دونَ أنْ تُقابَل برُدودِ فِعْلٍ عنيفة. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ حينَ أعطى رَبُّنا الحبيب يسوع هذه التَّطويبات...حينَ ذَكَرَها في وقتٍ مُبْكِرٍ مِنْ خِدمتِه، كانوا يَكْرَهونَهُ أصلاً. فقبلَ هذا الوقتِ الَّذي ذَكَرَ فيهِ هذه التَّطويبات، نَقرأُ في الأصحاحِ الثالثِ مِن إنجيل مَرقُس أنَّ الفَرِّيسيِّين، أو بالقُربِ مِن هذا الوقت إذْ نَقرأُ في الحقيقة أنَّ الفَرِّيسيِّين "خَرَجوا لِلْوَقْتِ مَعَ الْهِيرُودُسِيِّينَ وَتَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ". فقد كانوا يُفَكِّرونَ أصلاً في إهلاكِ يسوعَ المسيحِ قبلَ حَتَّى أنْ يَمْضي كَثيرًا في خِدْمَتِه.

ولطالما أَدْهَشَني ما جاءَ في إنجيل لوقا 6: 20 عنِ التَّطويبات. ففي إنجيل لوقا 6: 20 نَجِدُ مَقطعًا مُوازِيًا. ولكِنَّنا نَقرأُ في إنجيل لوقا 6: 7، أيْ قَبْلَ آياتٍ عَديدة: "وَكَانَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُرَاقِبُونَهُ...لِكَيْ يَجِدُوا عَلَيْهِ شِكَايَةً". ونَقرأُ في العدد 11: "فَامْتَلأُوا حُمْقًا وَصَارُوا يَتَكَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَاذَا يَفْعَلُونَ بِيَسُوعَ". فالأمرُ لم يَستغرِق وقتًا طويلاً. أَتَرَوْن؟ فقَبْلَ حَتَّى أنْ يَصيغَ مَبادئَ مَلكوتِه تَمامًا، ابْتَدَأتِ الكَراهِيَةُ تَتصاعَد. وكانَ يسوعُ يَقولُ للفَرِّيسيِّين والنَّاسِ الذينَ يَستمعونَ إليهِ في ذلكَ الجَمْع في ذلك اليوم على شاطئِ بحرِ الجليل، وكانَ يَقولُ للتَّلاميذِ ولكُلِّ شخصٍ يَسْمَعْهُ: "انظروا! أَوَدُّ أن أقولَ لكم" [قبلَ كُلِّ شيءٍ، أو مُنْذُ البِداية] "إنَّ هناكَ ثَمَنًا ينبغي أنْ تَدفعوهُ لكي تَحْيَوْا في مَلكوتي. فلن تكونَ حياتُكُم عُروشًا وَمَجْدًا وتيجانًا وشُهرةً وكَرامَةً وقَبولاً، ولن تَحْظَوْا بمحبَّةِ الجميعِ، ولا بالإكْرامِ والرِّفْعَة. فإنْ دَخَلْتُمْ ملكوتي ستُعانون. وينبغي أنْ تَعلموا ذلك. ينبغي أنْ تَعلموا ذلك". وكما تَرَوْن، فإنَّ هذا النَّوعَ مِنَ الصِّدْق هُوَ الَّذي يَفْصِلُ الحِنْطَة عنِ الزَّوان منذُ البداية. أَتَرَوْن؟ فلا أحدَ يَدْخُلُ وَهُوَ يَفْتَكِرُ بأيِّ أوهام.

ونحنُ، يا أحبَّائي، بحاجة إلى المزيدِ مِنَ الوعظِ عن هذا الموضوع. فيجب علينا أن نقولَ للنَّاسِ أكثر: "إنْ صِرْتُم مُؤمِنينَ فإنَّ اللهَ يَدعوكم إلى أنْ تَحْيَوْا حياةً مُناقضةً للنِّظامِ السَّائدِ في العالم. وسوفَ يكونُ هناكَ ثَمَنٌ لا بُدَّ أنْ تَدفَعوه". ولِعِلْمِكُم، فإنَّ النَّاسَ الَّذينَ سَمِعوا يسوعَ في ذلك اليوم على شاطئ بحر الجليل، كانَ اتِّباعُهُ يُؤثِّرُ في عَمَلِهم في المقامِ الأوَّل. فَكِّر في تأثيرِ ذلك إذا كُنْتَ تَعْمَلُ في مَجالِ البِناء. فإذا كنتَ تَعْمَلُ في البِناء في تلك الأيَّام، رُبَّما يكونُ لديكَ عَقْدٌ لِبِناء مَعْبَدٍ وَثَنِيّ. وحينَ ابتدأَ المُؤمِنونَ مِنْ خلفيَّة أُمَمِيَّة آنذاك يَدرسونَ الأشياءَ الَّتي قالَها يسوع، كانوا يَقولونَ لأنفسهم: "يا للهَوْل! أنا أعملُ في مَجالِ البِناءِ وأبني مَعْبَدًا وَثَنِيًّا! ماذا سأفعل الآن؟ كيفَ سأتخلَّصُ مِنْ هذا المأزِق؟ سوفَ أفقدُ عملي إذا توقَّفتُ عن بِناءِ هذا المَعبدِ الوَثنيّ، وإذا ابتدأتُ في تطبيقِ هذه المبادئ في حياتي الشَّخصيَّة. فلن يكونَ لديَّ عَمَلٌ أَكْسَبُ مِنْهُ رِزْقي!"

وماذا لو كنتَ خَيَّاطًا، وكنتَ تَصنَعُ الأثوابَ الَّتي يَرْتَديها كَهَنة الآلهة الزَّائفة؟ وفجأةً، فإنَّكَ تَصيرُ مؤمِنًا وتُريدُ أنْ تُطَبِّقَ مَبادئَ الملكوت فتقولُ لشخصٍ ما: "إذا أردتُ أنْ أحيا بالطَّريقةِ الَّتي يُريدُ اللهُ مِنِّي أنْ أحياها، لا يمكنني أنْ أعملَ خَيَّاطًا بعدَ الآن". لِذا، قد يُؤثِّرُ ذلكَ في عملِك. وماذا لو كنتَ تَعملُ عندَ شخصٍ غيرِ تَقِيٍّ، وغيرِ أمينٍ، وعديمِ الشَّفقة، وشِرِّير؛ ثُمَّ صِرْتَ مؤمنًا وصارت لديكَ مبادئ جديدة للحياة، ولم تَرغب في العملِ لدى ذلك الشَّخص بعدَ ذلك ووجدتَ أنَّكَ مُضْطَرٌّ إلى تَرْكِ حِرْفَتِكَ الوحيدة وعَمَلِكَ الوحيدِ الَّذي تُتْقِنُه؟ أَتَرَوْن؟ هل فَهِمْتُم قَصْدي؟ وهذا ما يَزالُ صَحيحًا اليومَ أيضًا. فهناكَ أُناسٌ يَعملونَ اليوم. وإنْ أرادوا أنْ يَحْيَوْا بحسبِ الملكوتِ وبوصفهِم مُواطِني الملكوت، رُبَّما سيؤثِّرُ ذلكَ في عَمَلِهم. ورُبَّما يُؤثِّرُ في كيفيَّةِ كَسْبِهِمْ لِرِزْقِهِم. ورُبَّما سيؤثِّرُ في مَعيشَتِهم. ورُبَّما سيُضْطَرُّونَ إلى الاتِّكالِ على اللهِ لتوفيرِ الأشياءِ الَّتي لا يَعلمونَ كيفَ سيحصُلونَ عليها إنْ أداروا ظُهورَهُم لما كانوا يَعرفونَهُ في الماضي. لِذا، رُبَّما كانَ ذلكَ سيؤثِّر في عَمَلِهم. وما تزالُ الحالُ هكذا اليوم.

وقبلَ أكثر مِن مِئة سنة بعد ذلك، جاءَ رَجُلٌ إلى "تِرتليانوس" (Tertullian) وقالَ لَهُ: "لقد آمنتُ بالمسيح، ولكنِّي لا أعلمُ ماذا سأفعل. فأنا لا أدري ماذا سأفعل بخصوصِ عَملي. فأنا أعملُ في مِهنةٍ لا أعتقد أنَّها صحيحة، ولكنِّي لا أدري ماذا أفعل بشأنها". ثُمَّ إنَّهُ قال: "ماذا عَسايَ أنْ أفعل؟ يجب أنْ أعيش". وقد أَجابَهُ تِرتليانوس قائلاً: "هل يجب عليكَ ذلك؟" وكَما تَرَوْن، فإنَّ الخِيارَ الوحيدَ هو الوَلاءُ ليسوعَ المسيحِ حَتَّى لو كانَ ذلكَ يَعني أن تموت. فالولاءُ للمسيح هو الخِيارُ الوحيد. والولاءُ للمسيحِ لم يكن يعني فقط أنْ يَتركوا وظائِفَهُم، بل يمكنكم أنْ تَتَخَيَّلوا أيضًا ما قد يَصْنَعهُ الولاءُ للمسيح بحياتِهم الاجتماعيَّة. فأنتُم تَعلمونَ ما فَعَلَهُ ذلك بحياتكم الاجتماعيَّة. فقد كنتَ تَعيشُ حياةً عاديَّة، وتَفعل ما يَفعَلُهُ أصدقاؤك، وتَعيشُ بالطَّريقة الَّتي يَعيشُ بها جميعُ أصدقائك، وتَتَسَلَّى بالطريقةِ الَّتي يَتَسَلَّى بها جميعُ أصدقائك، وتَفعلُ كُلَّ الأشياءِ الَّتي يَفعلُها الجميع. ثُمَّ إنَّكَ آمنتَ بيسوعَ المسيح. وفجأةً، وَجَدْتَ نفسكَ أمامَ قَرارٍ مُهمّ: "هل ما زال بإمكاني أنْ أخرُجَ برفقة هؤلاءِ الأشخاص، وأنْ أستمرَّ في عملِ الأشياءِ الَّتي كنتُ أعمَلُها مِنْ قبل؟ وهل ما زالَ بإمكاني أنْ أخرجَ برفقة هؤلاء الأشخاص وأنْ أقومَ بتلك الرِّحلاتِ وتلكَ الأمور، وأن أشتركَ في تلكَ الأنشطة؟ ماذا ينبغي أنْ أفعل؟ فحياتي الاجتماعيَّةُ كُلُّها تَغَيَّرت!"

وفي العالمِ القديم، كانتِ الولائمُ تُقامُ في معابدِ الآلهةِ المُختلفة. وقد كانت تلكَ مُناسبات اجتماعيَّة عظيمة. فقد كانت هناكَ موسيقا، وكان هناكَ رَقْصٌ، وكانَت هناكَ تَسلية، وكانت هناكَ ذبائح تُقَدَّم. وغالبًا، كانوا يأكلونَ اللَّحْمَ المُقَدَّم ذَبيحة. والحقيقة هي أنَّ الأمرَ كانَ يُمْعِنُ في السُّخْفِ لأنَّ الأشخاصَ الَّذينَ كانوا يُحْضِرونَ الذَّبائحَ للآلهة لم يكونوا يَرغبونَ في هَدْرِ أيِّ لَحْم. لِذا فقد كانوا يَرفعونَ الذَّبيحة عنِ النَّارِ ويَحْرِقونَ الشَّعْرَ عنِ الجُزءِ الخارجيِّ منها، وكانوا يُقَدِّمونَ جُزءًا مِنَ اللَّحْمِ للكهنة ويَحتفظونَ بالباقي ويُقيمونَ وليمةً صاخِبَةً لأصدقائهم. وحينَ آمنوا بالمسيح، راحوا يَتساءلون: "حسنًا! ماذا أفعلُ بأصدقائي؟ هل أذهبُ وآكُلُ مِنَ اللَّحْمِ المُقدَّم للأوثان؟ وهل أذهبُ إلى مَعبَدٍ وَثنيٍّ لِمُجَرَّدِ التَّسلية، وَهَلُمَّ جَرَّا؟ فهذا قد يُؤثِّر في حياتي الاجتماعيَّة بأسرِها". وبالنِّسبة إلى اليهود، كانَ ذلكَ يَعني أنْ يُطْرَدَ مِنَ المَجْمَع، وأنْ يُحْرَمَ مِنَ المَجْمَع، وأنْ تَتَبَرَّأَ مِنْهُ عائِلَتُه، وأنْ يَخْسَرَ كُلَّ شيءٍ لديه.

واسمحوا لي أن أُخبرَكُم شيئًا: إذا أردتَ أنْ تَحيا حياةَ الملكوت، يجب عليكَ أن تكونَ مُستعدًّا لأنْ تكونَ وَحيدًا في وَسْطِ بعضِ الحُشود، وَحيدًا جدًّا. لِذا فإنَّنا في حاجة مُلِحَّة بعضُنا إلى بعض. أليسَ كذلك؟ فالمسيحيَّة قد تُغَيِّرُ حياتَكَ العائليَّة. فعندما كانَ واحدٌ مِنْ أفرادِ العائلة يؤمن بيسوعَ المسيح، كانَ يَحْدُثُ انقسامٌ في البيت. وكانت تَحْدُثُ كُلُّ أنواعِ المشاكل. وغالبًا، كانَ هؤلاء يُضْطَرُّونَ إلى الاختيارِ بينَ يسوعَ المسيحِ وشخصٍ عَزيزٍ جِدًّا على قُلوبهم. وفي تلك الأيَّامِ أيضًا، كانَ المَسيحيُّونَ يَدفعونَ ثَمَنًا باهظًا. فهناكَ مَسيحيُّونَ طُرُحوا طَعامًا للأُسود. وهُناكَ مَنْ أُحْرِقَ حَيًّا على خَشَبَة. والحقيقة هي أنَّ "نِيْرون" (Nero) كانَ يَستخدمُ لإنارَةِ حَفْلاتِهِ الَّتي يُقيمُها في حَديقَةِ قَصْرِهِ مَشاعِلَ بَشَرِيَّة مِنَ المَسيحيِّينَ الذين أُضْرِمَت بِهِم النَّار. فقد كانَ يَسْكُبُ عليهم مادَّةَ الزِّفْت (أوِ القار) ويُضْرِمُ النَّارَ بهم. وكانَ يُرْغِمُ المَسيحيِّينَ على ارْتِداءِ جُلودِ حَيَواناتٍ بَرِّيَّة ويُطْلِقُ كِلابَ الصَّيْدِ وَراءَهُم فَتُمَزِّقُهُمْ إرْبًا إرْبًا. وكانوا يُعَذَّبونَ بواسطة المِخْلَعَة، وتُسْلَخُ جُلودُهم، وكانوا يَسْكُبونَ الرَّصاصَ المَصْهورَ عليهم وَهُوَ يَغْلي، وكانوا يَضَعونَ أطباقًا نُحاسيَّةً مُحَمَّاة على أكثرِ الأماكنِ حَسَاسِيَةً في أجسادهم، وكانت عُيونُهُم تُقْلَع، وكانت أجزاءٌ مِنْ أجسادِهِم تُقْطَعُ وتَشْوى على النَّارِ أمامَ أعيُنِهِم، وكانت أيديهم وأقدامُهم تُحْرَقُ ويُسْكَبُ عليها الماء البارد لإطالةِ فترةِ العذاب، وَهَلُمَّ جَرَّا.

وكما تَعلمون، فإنَّ الرُّومانَ أَلْصَقُوا تُهَمًا بالمسيحيِّينَ واتَّهُموهم بِشَتَّى أنواعِ التُّهَم. فقد قالوا: "إنَّهم يأكُلونَ لُحومَ البَشَر". وقد اختَلَقوا هذه التُّهمة بسببِ ما قالَهُ يسوع: "مَنْ يَأكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي". وقد اتَّهموا المسيحيِّينَ بأكلِ لُحومِ البشر في خِدمةِ المائدة. وحَتَّى أنَّهم قالوا إنَّهم يأكلونَ بعضُهم بعضَا. وقدِ اتَّهموهم بالفسادِ الأخلاقيِّ وقالوا إنَّ ولائمَ المَحَبَّة هي حَفْلاتٌ مَاجِنَة. ثُمَّ أنَّهم اتَّهموهم قائلينَ إنَّ قُبْلَة السَّلام هي قُبلة شَهوانيَّة. وقد افْتَرَوْا عليهم بأنَّهم أَشْعَلوا النِّيران واتَّهموهم بإحْراقِ رُوما. وقد صَنَّفوهُم بأنَّهم ثُوَّار. والسَّببُ في ذلك هو أنَّ المسيحيِّينَ كانوا دائمًا يتحدَّثونَ عن أنَّ اللهَ سيُهْلِك الأرضَ في النِّهاية بِنار. فقد كانوا يُكَرِّرونَ رِسالة بُطرس. لِذا، حينَ اشتعلتِ النِّيرانُ، كانَ مِنَ السَّهلِ أنْ يُوَجِّهوا إصْبَعَ اللَّوْمِ إلى المسيحيِّين. وقد لاموهُم على تَدميرِ العائلات. وقد لاموهُم واتَّهموهم بأنَّهم ثُوَّارٌ سِياسيُّون.

وقد كانتِ الإمبراطوريَّةُ الرُّومانيَّةُ إمبراطوريَّةً مُترامِيَةَ الأطراف. ولِعِلْمِكُم، في الوقتِ الَّذي أَعْقَبَ المسيح، امْتَدَّتِ الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة إلى ما وراءَ بريطانيا، مِنَ الجُزُرِ البريطانيَّة إلى نَهْرِ الفُرات، ومِنَ الطَّرَفِ الشَّماليِّ مِن ألمانيا إلى شمال إفريقيا. فقد كانت إمبراطوريَّة ضَخمة جدًّا شَمِلَتِ العالمَ كُلَّهُ المَعروفَ آنذاك. وكانَ الرُّومانُ يَهتمُّونَ جدًّا بكيفيَّة توحيد ذلكَ الجُزءِ مِنَ العالم، وكيفيَّة توحيدِ الإمبراطوريَّة. وقد كانوا يُدركونَ أنَّ هناكَ رَجُلاً واحدًا يُمَثِّلُ الإمبراطوريَّة، وأنَّ هناكَ رَجُلاً واحدًا يُمَثِّلُ الإمبراطوريَّةَ الرُّومانيَّةَ بأسرِها وَهُوَ الإمبراطور: "قيصر". لِذا فقد قالوا: "إنَّ قيصرَ هو عُنْصُرُ التَّماسُك. لِذا، يجب علينا أنْ نَجعلَ قيصر إلهًا. ويجب علينا أنْ نَجعلَ الجميعَ يَعْبُد قيصر، وأنْ نَنْسِبَ إليهِ صِفَةً إلهيَّةً، وأنْ نَبني مَعابِدَ في كُلِّ أرجاءِ الإمبراطوريَّةِ لِتأليهِه. وبذلكَ نَحْصُلُ على وَحْدَتِنا المُتماسِكَة". وقدِ ابتدأَ الأمرُ ببُطءٍ شديد، ولكِنْ بعدَ بِضعِ سنين، صارت هناكَ عبادة وثنيَّة كاملة قائمة على عبادة الإمبراطور. وقد صار ذلك الأمر هو الشَّيء الوحيد الَّذي يُوَحِّد الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. وبالمناسبة، كانَ لِزامًا على كُلِّ شخصٍ في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة أنْ يَذهبَ مَرَّةً كُلَّ سنة إلى المعبد، وأنْ يَحْرِقَ حَفْنَةً مِنَ البَخورِ لقيصر، وأن يقولَ الآتي: "قَيْصَر رَبّ".

وقد كانَ ذلكَ الأمرُ مُستحيلاً بالنِّسبة إلى المسيحيِّينَ لأنَّهم لا يَقولونَ سِوى أنَّ يسوعَ رَبّ. لِذا فقد رَفَضَ المسيحيُّونَ أنْ يَفعلوا ذلك. وعندما كانَ المرءُ يَحْرِقُ البَخورَ، كانَ يُمْنَح شَهادَةً بذلك تُدْعى "شَهادة اعتراف" (Libellus). وحالما يَحصُل على شهادة الاعتراف تلك، كان بإمكانِهِ أنْ يَذهبَ وأنْ يَعْبُدَ أيَّ إلَهٍ يَشاءُ أنْ يَعْبُدَه. فقد كانتِ السُّلُطاتُ تُريدُ فقط مِنَ الجميعِ أنْ يَنْصَاعُوا في لحظةٍ ما إلى قيصر. ولكِنَّ المسيحيِّينَ لم يكونوا يَفعلونَ ذلك. لِذا فإنَّهم لم يحصلوا يومًا على شهاداتِ الاعترافِ تلك. وهذا يعني أنَّ عبادَتَهُم لم تكن مَشروعَة. فقدِ اختاروا المسيح، ورَفَضُوا المُساومة، وصاروا يُصَنَّفونَ بأنَّهُم مُعارِضون، وثُوَّار، وَجُيوبُ مُقاومة، وَيُهَدِّدونَ وَحْدَة الإمبراطوريَّة. وقد وَصَفَهُمْ واحدٌ مِنَ الشُّعراءِ بأنَّهم: "الأشخاصُ اللَّاهِثونَ المُحتَشِدونَ الَّذينَ جريمَتُهم الوحيدة هي المسيح". لِذا فقد تَعَرَّضوا للتَّعذيبِ بسببِ موقِفِهم. وقد واجهوا العُزلة بسببِ موقِفِهم. وهل تَعلمونَ شيئًا، يا أحبَّائي؟ أعتقد أنَّ السَّبَبَ في أنَّ مَسيحيَّتَنا مُتهاونة جدًّا في مُجتمعِنا اليوم هو أنَّ مِعْيارَنا مُتَدَنِّي جدًّا.

لِذا فإنَّ يسوعَ يُضيفُ إلى لائحةِ التَّطويباتِ حَتميَّة الاضطهاد. لِمَنْ؟ لأيِّ شخصٍ يَحيا هذه التَّطويبات. كيف؟ كيفَ سَتُضْطَهَدون؟ لننظر إلى الآية. كيف؟ نقرأ في العدد 11: "طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِين". وتَجِدونَ هنا ثلاثَ طُرُق: أنْ يَضطهدوكم، وأنْ يُعَيِّروكُم، وأنْ يَقولوا عليكم كُلَّ كلمة شِرِّيرة كاذِبين. أوَّلاً، أنْ تُضْطَهَدوا. فهو يقولُ إنَّكم سَتُضْطَهَدون. وهذه الكلمة هي ترجمة للكلمة "دِيُوكو" (dioko) في اللُّغة اليونانيَّة. وهي كلمة مُدهشة. وهي تَعني أنْ تُلاحِق، أوْ تَتَعَقَّب، أوْ أنْ تُطارِد. فهي تَحْمِلُ فِكرةَ المُلاحَقة. وقد صارت تُستخدَمُ في نهاية المَطاف بِمَعنى: "يَضْطَهِد" أو "يُضايِق" أو "يُعامِل مُعامَلَةً شِرِّيرة". وَهُوَ يَعني بذلك، ببساطة: "طُوبَـى للَّذينَ يَتعرَّضونَ للمُضايقات، وهَنيئًا لِمَن يَتعرَّضونَ لِسُوْءِ المُعاملة. طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ".

والآن اسمعوني: أريدُ أنْ أريكم شيئًا مُدهشًا هنا. حيثُ إنَّ كُلَّ التطويبات الأخرى الَّتي تَسْبق هذه التَّطويبة هي تطويبات داخليَّة (فهي جميعُها تطويبات داخليَّة)، فإنَّ اليهودَ كانوا يَملكونَ ديانة خارجيَّة. وقد كانَ المسيحُ يُعطيهم ديانة داخليَّة. فهي جميعُها مواقِف. وهذهِ التَّطويبة هي أيضًا موقِف. فهي موقِف. فهي موقفُ الاستعداد لاحتمالِ الاضطهاد. فهذا هو ما يَقولُه. فهي عدم الشُّعور بالخوف، وعدم الشُّعور بالعار، ووجود الشَّجاعة الَّتي لِسانُ حَالِها هو: "سوفَ أكونُ في هذا العالمِ ما يُريدُ مِنِّي المسيحُ أن أكون". وسوفَ أقولُ في هذا العالمِ ما يريدُ مِنِّي المسيحُ أن أقول. وإذا نَجَمَ عن ذلكَ اضطهاد، لِيَكُن ذلك". فهي ذلكَ الموقف. وتَرِدُ هذه الكلمة بصيغة المَبني التَّامّ للمَجهول في النَّصِّ اليونانيِّ وَتَفيدُ السَّماحَ بحدوثِ ذلك بمَعني أولئكَ الَّذينَ يَسمحونَ لأنفُسهم بأنْ يُضْطَهَدوا: طُوبى لأولئكَ الَّذينَ يَسمحونَ لأنفسهم أنْ يُضْطَهدوا. طُوبى لأولئكَ الَّذينَ يَحْيَوْنَ هذا الموقف: "لن أَهْرُبَ مِنَ الاضطهاد، بل سأواجِهُهُ إنْ كانت مُواجَهَتُهُ تَعني أنْ أحيا مبادئَ المسيح". وحيثُ إنَّ هذه الكلمة تَرِدُ بصيغة المبنى التَّامّ للمَجهول، فإنَّها تَعني أنَّ ذلكَ يَحْدُث وأنَّهُ مُستمرٌّ في الحدوث. وهو يُشيرُ إلى أنَّ هذا الموقفَ دائمٌ حيثُ إنَّ المؤمنَ يُبدي استعدادَهُ الدَّائمَ لقبولِ كُلِّ ما قد يَحْدُث نتيجة تَطبيقِ التَّطويباتِ في حياتِه. ويمكنكم أنْ تَتَرجِموا هذه الآية هكذا: "طُوبى لِلَّذينَ أَظهروا استعدادَهُم ويَستمرُّونَ في إظهارِ استعدادِهم لاحتمالِ الاضطهاد".

وأعتقد أنَّ كَثيرينَ مِنَّا يَتراجَعونَ هُنا. أليسَ كذلك؟ فنحنُ لسنا مُستعدِّين. نحنُ لسنا مُستعدِّين. وأنا شَخصيًّا أواجهُ صُعوبةً في قَبولِ ذلك. فأنا لستُ مُستعدًّا لاحتمالِ الاضطهادِ إنْ كنتُ سأقولُ ما ينبغي أن أقول. وهل تُواجهونَ تلك المشكلة؟ فأنا لستُ مُستعدًّا لإظهارِ شَجاعتي، ومواجهة موقفٍ مُعَيَّن أحيانًا، وَقَوْلِ ما ينبغي أنْ يُقال. وأنا لستُ مُستعدًّا لِعَيْشِ الحياةِ المسيحيَّة في وَسْطِ موقفٍ مُعادٍ تَمامًا المسيح، ولا أنْ أكونَ نُورًا ومِلْحًا في العالم إنْ كانَ ذلكَ يَعني أنَّني سأتعرَّضُ للاضطهاد. فأنا أَميلُ إلى التَّأقلُمِ وإلى جَعْلِ العالَمِ مُعْجَبًا بي. وأنا أُبَرِّرُ ذلكَ بالقول: "إنْ كنتُ شخصًا ذا شَعبيَّة واسعة، وأحبُّوني كثيرًا، يمكنني أنْ أُقْحِمَ الإنجيلَ بطريقةٍ غير مُباشِرة". ولكِنْ اسمحوا لي أنْ أقولَ لكم شيئًا: إنَّ اللهَ لا يُريدُ كارِزينَ يُقْحِمونَ الإنْجيلَ بطريقة غير مُباشِرة. وهو لا يُريدُ أنبياءَ غير مُباشِرين. وهو لا يريدُ شُهودًا ومُبَشِّرينَ غير مُباشِرين. بل يُريدُ أشخاصًا مُستعدِّينَ للمواجهة.

لِذا، قبلَ كُلِّ شيء، كانوا سيَتعَرَّضونَ للمُلاحقة والمُطاردة والمُضايقة. وسوفَ يُبدونَ الاستعدادَ لاحتمالِ ذلك. وهُنا تأتي فِكرةُ المُطاردةِ والمُلاحقةِ اللَّتانِ تُفْضِيان في النِّهاية إلى السِّجْن. وقد كانت النَّتيجة النِّهائيَّة هي الموت بالنِّسبة إلى البعض. وبالنِّسبة إلى البعض الآخر، كانَ الأمرُ يَنطوي على الطَّرْد. بعبارة أخرى، إذا كنتَ تَعيشُ حقًّا حياةً مَسيحيَّةً في هذا المُجتمع، لا يمكنكَ أنْ تَختلطَ بِهِ تمامًا. أليسَ كذلك؟ فلا يمكنكَ أنْ تَذهبَ لحُضورِ الحفلاتِ معَ الأصدقاء، ولا يمكنكَ أنْ تَفعلَ كُلَّ الأمورِ الَّتي يَفعلُها أهلُ الحَيّ. ولا يمكنك أنْ تَتَسَكَّعَ معَ الأشخاصِ الَّذينَ كنتَ تَتَسَكَّعُ معهم، ولا أنْ تفعلَ الأشياءَ الَّتي يَفعلونها. فلا يمكنكَ وَحَسْب أن تَفعلَ ذلكَ بعد الآن. فهناكَ شيءٌ يَختصُّ بعيشِ الحياةِ الَّتي يريدُ منك المسيحُ أن تَحياها يَجْعَلُهم يَطردونَكَ مِنَ المجموعة. فأنتَ لم تَعُد مُناسبًا للمجموعة. ولا بُدَّ أن يَحْدُثُ ذلك.

وهناكَ عُنصرٌ ثانٍ. فهو يقول في العدد 11: طُوبى لكم إذا عَيَّروكُم". "أونيديزُّو" (oneidizo). وهي تَعني حرفيًّا: "يَشْتُم". يَشْتُم. وهي تُسْتَخْدَم في وَصْفِ صَلْبِ المسيح في إنجيل مَتَّى 27: 44. فقد شَتَموه. وقد سَخِروا مِنْه. وقد هَزَأوا بِهِ. وقد عَيَّروه. وقد احتقروه. وهي تَعني أنْ يُلقي شخصًا شيئًا في وَجْهِك. وهي تَعني أنْ تُسيءَ مُعاملةَ شخصٍ ما مِن خلالِ الكلماتِ القبيحة، والنَّابية، والهازِئَة. فهذا هو مَعناها الأصليّ. لِذا، فإنَّنا لن نَتعرَّض فقط للطَّرْدِ مِنَ المجموعاتِ الَّتي كُنَّا نَنتمي إليها، بل إنَّنا سَنُحْرَمُ مِنَ الأنشطةِ الَّتي كُنَّا جُزءًا منها. وليسَ هذا وحسب، بل إنَّهُ سيكونُ هناكَ أشخاصٌ يُسيئونَ إلينا في كلامِهم، ويقولونَ عَنَّا أُمورًا رَديئة، ويَستخدِمونَ كلماتٍ نابية حينَ يَسْمَعونَ أَسْماءَنا. وقد فعلوا ذلكَ بيسوع. فقد قالوا: "إنَّهُ يُخالِطُ الزَّواني وشِرِّيبي الخَمْر"، وَهَلُمَّ جَرَّا. لِذا، إذا كنتَ ستحيا حياةَ التَّطويبات، يجب عليكَ أن تكونَ مُستعدًّا لأنْ تُضْطَهَدَ وَتُعَيَّر. وسوفَ يكونُ هناكَ أُناسٌ يقولونَ أمورًا رديئةً عنك. ورُبَّما كانَ بعضٌ مِنْ هؤلاء أشخاصًا أحِبَّاءَ على قلبِكَ أيضًا.

وهناكَ شيءٌ ثالث، وهو شيءٌ يَصْعُب حَقًّا تَقَبُّله. ولِعِلْمِكُم، فأنا أَجِدُ دائمًا أنَّني أستطيعُ أنْ أَحْتَمِلَ الطَّرْد. فلا أحدَ يَرغب في وجودي كثيرًا بعدَ أنْ يَعلموا أنَّني خادِم. فمِنَ المُدْهِشِ أنَّهُم يُسارِعونَ إلى مَغادرةِ المكانَ الَّذي أكونُ حاضِرًا فيه؛ ولا سِيَّما بعد أنْ يَكتشفوا أنَّني لستُ مِثْلَ الخُدَّامِ الَّذينَ التقَوْا بهم مِنْ قَبل، بل إنَّني أميلُ أكثر إلى المُواجَهَة. لِذا، ما إنْ يَكتشفوا ذلك حينَ أَبتدئُ في مواجهتهم قليلاً بالأشياءِ المُختصَّة بالمسيح حَتَّى يُسارِعونَ إلى مُغادرة المكان. لِذا فإنَّهم نادرًا ما يَدْعونَني إلى الأنشطةِ الَّتي يُمارِسونَها. ويمكنني أنْ أَحْتَمِلَ ذلك وأنْ أحتملَ حَتَّى الأشخاصَ الَّذينَ يَقولونَ كلماتٍ غير لطيفة، وشِرِّيرة، وبِذيئة عَنِّي. وأنا أَسمعُ جُزءًا مِن ذلك. وقد تَلَقَّيتُ منذُ وقتٍ قصير رسالةً مِن رَجُلٍ مِن "بوسطن" استَمَعَ إلى برنامَجِنا الإذاعِيِّ وقالَ عَنِّي إنِّي "خِنْزيرٌ قَذِرٌ فَاشِيّ". ولا أدري كم عدد الأشخاص الَّذينَ قال لهم إنِّي خِنزيرٌ قَذِرٌ فاشِيّ. وأنا حَزينٌ لأنَّهُ يَشعر هكذا، ولكنِّي لا أَعلمُ لماذا يَشعُر بهذه المشاعر. ولكِنَّ هذا التَّعييرَ هو جُزءٌ مِنْ هذا الاضطهاد. أَتَرَوْن؟

وأنا أَعلمُ مَعنى أنْ تُعْتَقَلَ بتُهمة التَّبشير. فقد وَعَظْتُ عِظَةً في مكانٍ مُعَيَّنٍ في إحدى الولاياتِ الجَنوبيَّة. وحَتَّى قبلَ أنْ ابتعدَ كثيرًا عن ذلك المكان، لَحِقَتْ بي سَيَّارةُ شُرْطَة. وقد اعتقلوني، وسَجَنوني، وهَدَّدوني بِتَجريدي مِنْ ملابسي وَضَرْبي وَجَلْدي بالسَّوْط وَما إلى ذلك إذا استمرَّيتُ في القيامِ بما أقومُ به. وقد حَدَثَ هذا في الولايات المُتَّحِدة الأمريكيَّة. وأعتقد أنَّهُ بمقدوري أنْ أَحتملَ هذه الأشياء. ولكِنْ هناكَ هذا الأمر الثَّالث إذْ إنَّهُ يقول: "وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِين". وكما تَعلمون، فإنَّنا نَجِدُ صُعوبةً كبيرةً جِدًّا في تَقَبُّلِ ذلك أحيانًا. فأنا لا أمانِعُ إنْ لم يُحِبُّوا ما أقول، ولكِنْ عندما يَفْتَرونَ عَلَيَّ ويَزعُمونَ أنِّي قُلتُ أُمورًا لم أَقُلْها، فإنَّني أَجِدُ صعوبةً في تَقَبُّلِ ذلك. وحينَئذٍ فإنَّكَ تُضْطَرُّ إلى الدِّفاعِ عن نفسك بسببِ شيءٍ لم تَقُلْهُ أصلاً.

"وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ". وقد حاولوا أن يَقولوا عن يسوعَ إنَّهُ ابْنٌ غيرُ شَرعِيٍّ لِضَابِطٍ رُومانيّ. ولكِنَّ هذا لم يكن صحيحًا. وقد حاولوا أنْ يقولوا أمورًا عن شعبِ اللهِ طَوالَ التَّاريخ. وقد كانَ "آرثر بينك" (Arthur Pink) مُحِقًّا حينَ قال: "مِنَ الأدلَّةِ السَّاطِعَةِ على فَسادِ الإنسانِ هي أنَّ لَعَناتِ البشر وبَرَكاتِ المسيح تَجتَمِعٌ في الشَّخصِ نفسِه". أليسَ هذا الأمر غَريبًا؟ ويا لها مِنْ صُورة لِفَسادِ الإنسان! فبركاتُ المسيحِ ولَعَناتُ البشر تَلتقي في الشَّخصِ نفسِه. فالأشخاصُ الَّذينَ يُبارِكُهُمْ هُوَ يَلْعَنُهُم العالَم. وهذا يُريكُم مِقدارَ بُعْدِهِم عنِ الله. فَمِثْلُ هذه الحياةِ تُحَرِّضُ الأشخاصَ غير الأتقياء على كُرْهِ المؤمنين. فهي عَداوةُ الحَيَّةِ لِلنَّسْلِ المُبارَك.

وسوفَ أقولُ لكم شيئًا: أنا أُحِبُّ صِدْقَ رَبِّنا. أُحِبُّهُ. فهو يَبتدئُ عِظَتَهُ الأولى قائلاً: "طُوبى، طُوبى". وقد تقول: "يا للهول! ففي عِظَتِكَ الأولى، رُبَّما يَتَوَجَّبُ عليكَ أنْ تُلَطِّفَ الأجواء. ورُبَّما ينبغي لكَ أنْ تَدَعَهُم يَرَوْنَ رَوعةَ أنْ يكونَ المرءُ مَسيحيًّا. أَخْبِرهُم عن روعة ذلك". وأنا أقولُ لكم إنَّ أوَّلَ شَيءٍ يَقولُهُ يَضَعُ مَعاييرَ عاليةً جدًّا. ولا بُدَّ أنَّهم صُدموا صَدمةً كبيرةً عندَ سَماعِها. ثُمَّ إنَّهُ عندما يَنتهي فإنَّهُ يقول: "بالمُناسبة، إنْ أردتُم أن تَحْيَوْا بهذه الطريقة، سوفَ تُضطهَدون وتُطردونَ مِنْ وظائِفِكُم، ومنازِلِكُم، ومُجتَمَعِكُم. وسوفَ تَجِدونَ أنفُسَكُم تُعَيَّرون إذْ إنَّ النَّاسَ سيقولونَ كلامًا شِرِّيرًا وبذيئًا عنكم. وستجِدون في النِّهاية أنَّهم يقولونَ عنكم أمورًا غير صحيحة، بل هي مُجَرَّد أكاذيب. إنَّها أكاذيب. لِذا، استعدُّوا لذلك. أجل. فسوفَ يَحدُث ذلك. إنَّهُ أمرٌ مَحتوم". ولكِنْ لماذا يَحدُث ذلك؟ أو لماذا لا بُدَّ أنْ يَحدُث هكذا؟ ولماذا ينبغي أنْ يكونَ الأمرُ هكذا إنْ كُنَّا نَحيا بحسب طريقةِ اللهِ في هذا العالم؟ لماذا ينبغي أنْ يَحدُثَ ذلك؟ حسنًا، إليكم السَّبب. السَّبب؟ انظروا إلى العدد 10: "طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ" ماذا؟ "الْبِرّ". ثُمَّ انظروا إلى نهاية العدد 11، إلى نهاية العدد: "مِنْ أَجْلِـي".

فهل تَعلمونَ لماذا يَضطهدونكم؟ سأُخبركم شيئًا صادِمًا. إنَّهُم لا يَكرهونكُم. وقد تَجِدونَ هذا مُعَزِّيًا. أليس كذلك؟ إنَّهُم لا يَكرهونكم. بل مَنِ الَّذي يَكرهونَهُ؟ المسيح. وَهُمْ لا يُبْغِضونَكُم، بل يُبغِضونَ الحياةَ الَّتي تَحْيونَها. أَتَرَوْن؟ وقد قالَ رَبُّنا يسوعُ في يوحنَّا 15 ويوحنَّا 16 لِتلاميذِهِ: "انظروا، إنْ كانوا سيَقتُلوني فإنَّهم سيَقتلونكُم. وإنْ كانوا يُبغِضوني فإنَّهم سيُبغضونَكُم. وإنْ كانوا يَضطهدونَني فإنَّهم سيَضهدونكم ما دامُوا يَعلمونَ أنَّكُم تَنتمونَ إلَيَّ". وقد أَظْهَرَ يَسوعُ القَداسةَ في حياتِهِ أمامَ عالَمٍ لا يَعْرِفُ شيئًا عنِ القداسة. وهل تُريدونَ أنْ تَعلموا شيئًا؟ كانَ قَدْ مَضى وقتٌ طويلٌ على وُجودِ العالمِ دونَ أنْ يَرَوْا فيهِ إنسانًا كاملًا. أجل. فَهُمْ لم يَرَوْا مِنْ قَبْل إنسانًا كاملاً. وكُلَّما عاشوا فَترةً أطول، ولم يَرَوْا إنسانًا كاملاً فترةً أطول، زادَ رِضاهُمْ عنْ أنفسهم بالرَّغمِ مِنْ خَطيئتهم. فَهُمْ لم يرَوْا يومًا إنسانًا كامِلاً.

وعندما جاءَ يسوعُ إلى العالم، رأى العالَمُ إنسانًا كاملاً. وفجأةً، زَعْزَعَ ذلكَ كُلَّ ثِقَتِهم بأنفُسهم، وهَدَمَ الأساسَ الَّذي كانوا يَقفونَ عليه. وفي وَجْهِ ذلكَ الإنسانِ الكامِل، شَعَروا بالتَّوبيخ. لِذا فقد قَتَلوا ذلكَ الإنسان الكامل. فلأنَّهم كانوا عاجِزينَ عنِ الوَفاءِ بالمعاييرِ المَطلوبة، قالوا: "اقْتُلوهُ وامْحُوهُ عنِ الوُجود". وهكذا هي الحالُ دائمًا. وحينَ نَسْمَحُ أنا وأنتُم للمسيحِ أنْ يَحيا مِنْ خلالنا، فإنَّنا سَنَضَعُ مِعْيارًا لا يَستطيعُ النَّاسُ أنْ يَبْلُغوه. ولأنَّهم عاجزونَ عن بُلوغِ ذلك المِعيار، فإنَّهم سيَرغبونَ في إزالةِ المِعيار لكي يَستمرُّوا في العَيْشِ في أوهامِهم. وهذا اضْطِهادٌ لأجلِ البِرّ.

ولِعِلْمِكُم، فإنَّ ذلكَ حَدَثَ في حياةِ التَّلاميذِ كما قالَ يَسوعُ إنَّهُ سيَحدُث. فأنْدَرَاوُسُ استمرَّ في الكِرازة إلى أنْ حَكَموا عليهِ بالموتِ صَلْبًا. فبحسبِ التَّقليد، تَمَّ تَقييدُهُ بالحِبالِ على صَليبٍ لكي يَموتَ مَوْتًا بطيئًا. وقد بَقِيَ على تلكَ الحال إلى أنْ مات. وبحسبِ التَّقليد، بعدَ أنْ سُجِنَ بُطرُس تِسعةَ أشهُر، صُلِبَ رَأْسًا على عَقِب. وقد أَمَرَ نيرون بِقَطْعِ رأسِ بولُس. ويعقوب، ومَتَّى، ومَتَّيَاس، وَبَرْثُولَمَاوُس، وتُوما اسْتُشْهِدوا أيضًا. ورُبَّما استُشْهِدَ جَميعُ التَّلاميذِ باستثناء يوحنَا الَّذي ماتَ في مَنْفاه وَحيدًا في جزيرة بَطْمُس. فقد حَدَثَ ذلك كما قالَ إنَّهُ سيحدُث. فهناكَ دائمًا ثَمَنٌ ينبغي أنْ يُدفَع حينَ تَحيا حياةَ الملكوت. ولكِن اسمعوني، يا أحبَّائي: إنَّ ثَمَرَ ذلك يَدومُ إلى الأبد. فَثَمَرُ ذلك يَبقى إلى الأبد. فعندما تُطْرَدُ في هذه الحياة فإنَّكَ تَرِثُ (كما جاءَ في العدد 10) ملكوتَ السَّماوات. وعندما يأخُذونَ كُلَّ ما تَمْلُك في هذا العالم، فإنَّهم لن يتمكَّنوا مِنْ لَمْسِ أيِّ شيءٍ سيُعطيكَ اللهُ إيَّاه في الحياةِ الأبديَّة. أَتَرَوْن؟ إذًا، هذه هي التَّطويبةُ الَّتي تُلَخِّصُ كُلَّ شيء. ونحنُ لَمْ نَبتدئ بعد. لِذا، سوفَ نُتابِع في المَرَّة القادمة.

نَشكُرُكَ، يا أبانا، على شَرِكَتِنا في هذا المساء. ونَشكرك لأنَّكَ تُكُلِّمُنا مِن خلال روح الله ومِن خلال كلمة الله. عَلِّمنا، يا رَبّ، أنْ نَحيا حياتَنا في تَكريسٍ كاملٍ لمبادِئِكَ وَحَقِّك حَتَّى نَتَمَكَّنْ مِنْ مُواجَهَةِ العالم. وليتَكَ تَحْمينا، يا رَبّ، وتَحفَظنا مِنْ خَفْضِ مِعيارِك. أعْطِنا أنْ نكونَ شُجْعانًا، وأنْ نكونَ ثابِتين. واجعَلنا نَسْلُك في الرُّوحِ لكي يَظْهَرَ المسيحُ فينا "لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فلأجْلِ المَسيحِ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فلأجْلِ المَسيحِ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ". وليتَنا نَكونُ، يا أبانا، أشخاصًا نُبَكِّتُ مِنْ خِلالِ حياتِنا الآخرين. وليتَنا نُظْهِرُ المِعيارَ الَّذي يَجعلُ الأشخاصَ المُحيطين بنا يَشعرونَ بعدمِ الرَّاحةِ لِكَيْ يَبحثوا عنِ السَّلامِ معَ اللهِ ويَتْرُكونا نُمارِس صُنْعَ سلام، أو لكي يُظْهِروا رَدَّ فِعْلٍ سَلبيّ. ولكِنْ ليتَنا، يا رَبّ، لا نَرضى بأنْ نكونَ مُحايِدين. وليتنا لا نَرْضى بعدمِ القيامِ بأيِّ شيء. وليتنا لا نكونُ مَسيحيِّينَ فاتِرينَ يُزْمِعُ رَبُّنا أنْ يَتَقَيَّأهُم مِنْ فَمِه.

وفيما أنتُم تَحنونَ رُؤوسَكُم، أريدُ منكم أنْ تتأمَّلوا وَتُصَلُوا. وأريدُ أنْ أُذَكِّرَكُم بشيء. فلا يمكنني أنْ أنسى ما حَدَثَ قبلَ بِضْعِ سنوات حينَ كانَ شابٌّ في كنيسَتِنا يُشاركُ المسيحَ في مُنْتَزَه فَهاجَمَهُ بعضُ الأشخاصِ وضَرَبوه. ولكِنَّ ذلكَ لم يُوْقِفْهُ. فقد تَعافى مِن ذلك بعدَ أُسبوعين وكانَ يَقِفُ على ناصِيَةِ الشَّارعين السَّابع وبرودواي في لوس أنجلوس ويُخبر النَّاسَ عن يسوعَ المسيح. فَهاجَمَهُ أُناسٌ مَرَّةً أخرى. وفي هذه المَرَّة، ضَرَبوهُ بالعِصِيِّ فَكَسَروا جُمْجُمَتَهُ في أربعة أماكن. وقد حُمِلَ ذلكَ الشَّابُّ إلى المُستشفى فَثَقَبوا ثلاثة ثُقوب في جُمجُمتِه في مُحاولةٍ لتَخفيفِ الضَّغط. وبعدَ ثلاثة أيَّام، أَفَاقَ في حضرةِ يسوعَ المسيح. وأنتُم لا تُفَكِّرونَ في ذلك في وقتِنا هذا. أليس كذلك؟ وأنا أشكرُ اللهَ على شَجاعةِ وَجُرأةِ مِثْلِ هذا الشَّخص.

وماذا عنك؟ هل تَعْرِفُ مَعنى أنْ تَحيا مِثْلَ هذه الحياة التَّقيَّة حَتَّى تَعْمَل مِنْ خلالِ حياتِكَ على تَبْكيتِ النَّاسِ مِنْ حَولِك؟ لا لأنَّكَ مُزْعِجٌ، ولا أنَّكَ مُتفاخِرٌ، ولا لأنَّكَ مُتَطَلِّبٌ، ولا لأنَّكَ صاحِب سُلطان، ولا لأنَّكَ ثَرْثار، بل لأنَّ المَسيحَ يَظهرُ مِنْ خلالِكَ بوضوحٍ ساطِع، ولأنَّكَ تَمتلكُ الكثيرَ مِنْ هذا الكَمالِ حَتَّى إنَّ العالمَ لا يَحتملُ ذلك. فهل أنتَ مُستعدٌّ لدفع الثَّمن؟ وهل أنتَ مُستعدٌّ لأنْ تَحيا بالطريقةِ الَّتي يُريدُ مِنكَ اللهُ أنْ تَحيا بها، وأنْ تَحيا حَياةَ الملكوت، وأنْ تَكونَ نَموذجًا حَيًّا على التَّطويباتِ مَهما كانَ الثَّمَن، وأنْ تَشتركَ في حَمْلِ عَارِ يَسوعَ المسيح؟ وهل أنتَ مُستعدٌّ لِحَمْلِ صَليبِكَ كما حَمَلَهُ هو؟ وهل أنتَ مُستعدٌّ لخسارةِ كُلّ الأشياء في سَبيلِ الفَوْزِ بالملكوت؟ وهل أنتَ مُستعدٌّ لدفع الثَّمنِ أيًّا كان؟ هذا هو ما يَطْلُبُهُ يسوع. وهؤلاءِ هُمُ الأشخاصُ الوحيدونَ الذينَ يُغَيِّرونَ العالمَ لأجْلِ مَجْدِ اسْمِهِ.

سوفَ أطلُبُ مِنْكَ، في هذه اللَّحظاتِ الصَّامتة، أنْ تَتَحَدَّثَ إلى الرَّبِّ في قلبِك. ورُبَّما ينبغي للبعضِ منكم أن يقول: "يا رَبّ يسوع، أنا لا أدري حَتَّى مَعنى أنْ أحيا بطريقةٍ تُبَكِّت العالَم. فأنا مُنْخَرِطٌ جِدًّا في العالم حَتَّى إنَّهُمْ لا يُدركونَ الفرق. فَهُمْ لا يَعرفونَ حَتَّى إنْ كُنْتُ مَسيحيًّا أَمْ لا". ومِنَ المُحتمل جِدًّا أنَّكَ لستَ مُؤمِنًا مَعَ أنَّكَ تَظُنُّ نفسَكَ كذلك، وأنَّكَ لم تُسَلِّم حياتَكَ حَقًّا للمسيح. ورُبَّما كانت هذه هي اللَّحظة المُناسبة لذلك. مِن جهة أخرى، قد تقول: "حسنًا يا جون، أنا أَعلمُ أنِّي مؤمن، وأنا أُحِبُّ الرَّبَّ يسوعَ المسيح، وأنا أريدُ أنْ أحيا هكذا. فأنا مِثْلُ بولُس في رومية 7. فأنا أرغبُ حقًّا في ذلك، ولكنِّي أُخْفِقُ في كُلِّ مَرَّة". لا حاجة إلى ذلكَ أيضًا.

فاللهُ أعطاكَ الموارد مِنْ خلالِ روحِهِ القُدُّوس إنْ خَضَعْتَ لِروحِهِ تَدريجيًّا لكي تَحيا هذه الحياة لِمَجْدِ الله. فهذه هي الطَّريقة الَّتي ينبغي أنْ تَحيا بها. وإنْ لم يَكُنْ لديكَ أيُّ شيءٍ آخر في العالم، فأنتَ تَمْلِك بَرَكَة الله. وإنْ كنتَ تَملِكُ بَرَكَتَه، فأنتَ تَمْلِكُ كُلَّ ما يَلْزَم. لِذا فقد قالَ بُطرُسُ هذه الكلمات: "إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ". طُوبى لَكُم. فهل تريدُ حقًّا أنْ تكونَ مَغبوطًا في قلبِك؟ ادْفَع ثَمَن تَطبيق التَّطويبات في حياتِك الشَّخصيَّة.

أبي، فيما يَفْحَصُ كُلٌّ مِنَّا قَلْبَهُ لأنَّ هذه الكلمة فَعَّالة، وفيما يَفْحَصُ كُلٌّ مِنَّا حياتَهُ لِنَرى إنْ كُنَّا مُستعدِّينَ لدفع الثَّمن، إنْ كُنَّا حقًّا الأشخاصَ الذينَ وَرِثوا الملكوت، سنكونُ أشخاصًا مُستعدِّينَ لاحتمالِ الاضطهادِ دائمًا. وسنكونُ أشخاصًا مُستعدِّينَ دائمًا لاحتمالِ التَّعيير، وسنكونُ أشخاصًا مُستعدِّينَ لاحتمالِ الكلامِ الشِّرِّيرِ الَّذي يُقالُ علينا زُوْرًا. فإنْ كانَ هذا هو مَعنى أنْ نَحيا لأجْلِكَ، فإنَّنا نَختارُ الوَلاءَ لَك أيًّا كانَ الثَّمن. وسنكونُ، يا أبانا، أشخاصًا نَستطيعُ أنْ نَبتهجَ وأنْ نَفرحَ لأنَّ الأمرَ ينبغي أنْ يكونَ هكذا. وَهُوَ هكذا دائمًا منذُ البداية. لِذا فإنَّنا نُتَّحِدُ مَعَ كُلِّ شَعْبِكَ الَّذي عاشَ حياةً تَقِيَّة.

ويا رَبّ، أنا أُصَلِّي لأجلِ الأشخاص الذينَ لم يُسَلِّموا حياتَهُم للمسيح لكي يَكونَ هذا الوقتُ هو الوقت الَّذي يَصنعونَ فيه حَقًّا هذا القرار. وفيما يَخُصُّ المؤمنينَ الذينَ لا يَعلمونَ مَعنى أن يَخرجوا مِنَ العالمِ وأنْ يَنفصلوا عنه، ومَعنى أنْ يَدفعوا الثَّمن، ومَعنى أنْ يَحْيَوا الحياةَ الَّتي تَطْلُبُ منهم أنْ يَحْيَوْها، أُصَلِّي أنْ يكونَ هذا هو الوقتُ الَّذي يَفعلونَ فيهِ ذلك. ونسألُكَ، يا رَبّ، أنْ تُساعِدَنا على ألَّا نُخَفِّضَ المِعْيار. ونَسألُكَ أنْ تُساعِدنا على ألَّا نُشَاكِلَ العالَم، بل أنْ نُغَيِّرَ العالم مِنْ خلالِ التَّمَثُّلِ بكَ أنْت.

ونحنُ نَشكُرُكَ، يا أبانا، على وقتِنا في هذا المساء، وعلى شَرِكَةِ القِدِّيسين الَّتي نُحِبُّها وَنَستمتِعُ بها. فيا لها مِنْ شَرِكَة ثمينة لنا، يا أبانا. فنحنُ لا نَدري ماذا نفعل حينَ نكونُ برِفقة أُناسٍ آخرين. فنحنُ لسنا جُزءًا منهم، بل نحنُ مُنفصلونَ عنهم، ونحنُ مَرفوضون، ونحنُ لا نَتوافَقُ معهم. ولكِنْ ما أَرْوَعَ أنْ نُفَكِّرَ، يا رَبّ، في أنَّكَ وَهَبْتَنا هذه الشَّركة الغنيَّة والرَّائعة، وهذه المحبَّة العظيمة للإخوة، وهذه الشَّركة الَّتي نَحْنُ في أَمَسِّ الحاجةِ إليها. لِذا فإنَّنا مُمْتَنُّونَ جِدًّا لأجْلِ كُلِّ نفسٍ عَزيزةٍ هُنا، وعلى كُلِّ حياةٍ غاليةٍ هُنا، وعلى كُلِّ فُرصة تُعْطينا إيَّاها لكي يُحِبَّ بَعْضُنا بَعضًا، ولكي يَعتني بعضُنا ببعض، ولكي يَخْدِمَ بعضُنا بعضًا. كم نَشْكُرُك! ساعِدنا على ألَّا نَنظُرَ إلى هذه الأمورِ كَمُسَلَّمات. وساعِدنا على ألَّا نكونَ ضَيِّقي التَّفكير. وساعِدنا على ألَّا نكونَ يومًا ناقِدينَ بعضُنا لبعض، بل أنْ نُحِبَّ كُلَّ شخصٍ عَزيزٍ في هذه الشَّرِكَة.

ونسألُكَ، يا أبانا، لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ لم يَعرفوا بعد مَعنى أنْ يكونوا جُزءًا مِنَّا، نُصَلِّي أنْ تَدعوهم لِتَرْكِ العالمِ والمَجيءِ إليك. لأجْلِ مَجْدَكَ أنت. في اسْمِ يَسوع. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize