Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أعتقد أنَّهُ كانَ مِنَ الرَّائعِ حقًّا في هذا المساء أنَّنا تَمَتَّعنا بشركةٍ عظيمةٍ معًا. وأعتقد أنَّنا في حاجة ماسَّة، بصفَتِنا مؤمنينَ، إلى هذه الشَّركة. فقد اشتركنا معًا، وضَحِكنا معًا، وصَرَفنا وقتًا رائعًا مَعًا. وهكذا ينبغي أنْ تكونَ الشَّركة بينَنا.

وقد قالَت لي إحدى السيِّداتِ في وقتٍ مُبَكِّرٍ مِن هذا المساء (في اجتماعِ الصَّلاةِ في السَّاعة الخامسة) إنَّها اكتشفَتْ منذُ أنْ آمنتْ بالمسيح أنَّها تُحِبُّ كثيرًا أنْ تَصْرِفَ وقتًا معَ المؤمنين، وأنَّها تَستمتِع جدًّا بشركة المؤمنين. وهي تَتوقُ جِدًّا إلى تلك الشَّركة الَّتي لم تَختبرها مِنْ قَبْل في حياتِها. وعندما تَعودُ إلى الشَّركة معَ العالم، فإنَّها تجدُ أنَّ هناكَ شيئًا مفقودًا بصورة مُرَوِّعة. وقد عَبَّرَتْ عن حقيقة أنَّها شَعَرت بالخوف في مواقف مُعَيَّنة حين كانت في وَسْطِ أشخاصٍ غير مؤمنين. وهي لم تُفَكِّر يومًا في أنَّها قد تَشعُر بمثل هذا الخوف. وقد عَبَّرَتْ، في الحقيقة، عن بعضِ الأشياء الَّتي أرغبُ في مُشاركتِها معكم في هذا المساء.

نحنُ نَستمتع بشركتِنا. وهذا أمرٌ لا جِدالَ فيه. فهي شركة رائعة. وهي مُجْدِيَة، وغَنِيَّة، ومُمتعة. ونحنُ في حاجة ماسَّة إليها. ولكِنْ يوجد جانبٌ آخر لها. فهناكَ ذلك الجانب الَّذي يَقَعُ خارجَ هذه الجُدران الحَجَرِيَّة الرَّائعة والضَّخمة. فيجب علينا أنْ نَعودَ إلى بيوتِنا وعائلاتِنا حيثُ تُقيمُ أُمَّهاتُنا أو يُقيمُ آباؤُنا أو إخوتُنا أو أخواتُنا الَّذينَ لا يَعرفونَ يَسوعَ المسيح، أو حيثُ يُقيمُ أزواجُنا أو زوجاتُنا أو أبناؤُنا وبناتُنا. أو رُبَّما نَمْضي إلى جامِعاتِنا حيثُ نَلتقي أُناسًا لا يَعرفونَ يسوعَ المسيح، أو نَذهب إلى أماكِنِ عَمَلِنا حيثُ نواجِهُ المُشكلةَ نفسَها، أو نذهب إلى الحَيِّ الَّذي نَسْكُنُ فيه لنواجِهَ حقيقةَ وجودِ أُناسٍ غير مُخَلَّصينَ في كُلِّ مَكانٍ مِنْ حَوْلِنا. وهذا هو الجانبُ الآخر. أليسَ كذلك؟

ولا يجوزُ أنْ تكونَ هذه الشَّركة مَحَطَّة تَرفيهيَّة بالنِّسبة إلينا، بل يجب أن تكون دائمًا مَحَطَّة تَزَوُّد بالوَقود لكي نَتَمَكَّن مِنَ الانطلاقِ والسَّماحِ لله بأنْ يَعملَ مِن خلالِنا في وسط العالم. وأعتقد أنَّ هذا هو ما يُريدُ اللهُ أن يَقولَهُ لنا في هذا المساء. لِنَرجِع إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامس ونَنظُر مَرَّةً أخرى إلى التَّطويبات. وسوفَ تكونُ هذه هي الرِّسالة الأخيرة، بمشيئة الرَّبّ، عنِ التَّطويبات. وأودُّ أن أقرأ هذه التَّطويبات على مسامِعِكُم مَرَّةً أخرى، ثُمَّ سننتقل إلى ما نَوَدُّ أنْ نَقولَهُ في هذا المساء.

"وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفتحَ فَاهُ وعَلَّمَهُمْ قَائِلاً: طُوبَـى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَـى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. طُوبَـى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. طُوبَـى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. طُوبَـى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. طُوبَـى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ. طُوبَـى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ. طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ".

لِنَحْنِ رُؤوسَنا معًا حتَّى نُصَلِّي: "نأتي، يا أبانا، في هذا المساء إلى مَقْطَعٍ نحنُ في أَمَسِّ الحاجةِ إليه، وإلى مَقطعٍ نَجِدُ صُعوبةً بالغةً في فَهْمِه، وصُعوبةً بالغةً في تَطبيقِه في هذا المُجتمعِ المُرَفَّهِ والماديِّ والمُريحِ الَّذي نَعيشُ فيه. لِذا، ساعِدْنا، يا رَبّ، على أنْ نَرى. واخْتَرِق بِروحِكَ قُلوبَنا، وأفكارَنا، وغَيِّر حياتَنا. نُعْطيكَ كُلَّ المجد. في اسْمِ يسوع. آمين.

عندما ابتدأنا في دراسة التَّطويبات قبلَ بِضعة أشهر، قُلنا لكم إنَّ الكلمة "طُوْبَى" تَعني في الحقيقة: "يا لسعادة". وأوَّلُ شَيءٍ قالَهُ يسوعُ هو أنَّهُ يريدُ أن يكونَ النَّاسُ سُعداء. فهو لم يأتِ لكي يَجعل النَّاسَ تُعَساء، بل جاءَ لكي يَجعلهم سُعداء. لِذا فإنَّ أوَّلَ شيءٍ نَطَقَ بِهِ وَدُوِّنَ لأجلِنا، وأوَّلَ عِظَة قَدَّمَها في إنجيل مَتَّى، أيْ في بدايةِ العهد الجديد، في الإنجيلِ الأوَّل هو الكلمة "طُوْبَى".

في سنة 1978 (وتحديدًا: في شهر شباط/فبراير)، نَشَرت مَجَلَّة "كوزموبوليتان" (Cosmopolitan Magazine) مَقالةً عَنْ فحصٍ لمعرفة مِقدار سعادة النَّاس. وقد التَقَوْا أُناسًا مِنْ مُختلفِ الفئات، وطَرَحوا كُلَّ أنواعِ الأسئلة. ولن أَصْرِفَ وقتًا في الحديثِ عن كل تلك الأسئلة. وفي ضَوْءِ نتيجة الفحص، قَدَّموا وَصْفًا للشَّخص السَّعيد حقًّا. وإليكم بعض المبادئ الَّتي استخلصوها مِنْ دراستهم:

الأشخاصٌ السُّعداء حقًّا يَستمتعون بالأشخاص الآخرين، ولكنَّهم لا يُضَحُّونَ لأجلِهم. والأشخاصُ السُّعداء يَرفضونَ أن يُشاركوا في أيَّة مشاعر أو عواطف سلبيَّة. وإليكم نُقطة أخرى: الأشخاصُ السُّعداءُ يَشعرونَ بالإنجاز بسبب شعورهم بالاكتفاءِ الذَّاتيّ. ويا لهُ مِن أمرٍ مُدهش! فالعالَمُ يقول: "الإنسانُ السَّعيدُ حقًّا هو الإنسانُ المُكتفي ذاتيًّا، والذي يَنظر إلى نفسِه نَظرة إيجابيَّة، والذي يَثِقُ بقُدراتِه، والذي لا يُضَحِّي لأجلِ أيِّ شخصٍ آخر".

عَجَبًا! يبدو هذا الوَصْفُ مُشابهًا تمامًا لَوَصْفِ الشَّخصِ الفَرِّيسيِّ في نَظَري. ولكِنَّهُ، بكل تأكيد، مُناقِضٌ لِوَصْفِ يَسوعَ للشخص السعيد. فقد قال يسوعُ إنَّ الإنسانَ السعيدَ حقًّا هو ليسَ الَّذي يَشعرُ بالاكتفاءِ الذاتِيِّ، بلِ هُوَ المِسكينُ الَّذي يُشْبِهُ المُتَسَوِّل، والذي يَشعرُ أنَّهُ لا يملكُ أيَّ مَوارِد في ذاتِه. وهو إنسانٌ مُتواضعٌ وليسَ مُتكبِّرًا. وقد قال يسوعُ إنَّ الإنسانَ السعيدَ حقًّا هو ليسَ الَّذي يَنظر إلى نفسِه نظرةً إيجابيَّة، بلِ الَّذي يَحْزَنُ على خطيئته وعلى بُعْدِهِ عنِ اللهِ القُدُّوس. وقد قال يسوعُ إنَّ الإنسانَ السعيدَ حقًّا هو ليسَ الَّذي يَثِقُ في قُدُراتِه، بلِ الَّذي يُدركُ تمامًا عدمَ قُدرتِه فَيَمُدُّ يَدَهُ باتِّضاعٍ طالِبًا العَوْنَ مِنَ الله. وقد قال يسوعُ إنَّ الإنسانَ السعيدَ حقًّا هو ليسَ الَّذي لا يَعرفُ مَعنى التَّضحية، بلِ العكس تمامًا. وهو شخصٌ رَحيمٌ، وصانِعُ سلام، هو يَرْحَمُ الآخرين، ويَسعى إلى صُنْعِ السَّلامِ حتَّى لو أدَّى ذلكَ إلى اضطهادِهِ في سَبيلِ تحقيقِ السَّلامِ وإظْهارِ الرَّحمة.

وكما تَرَوْن، فإنَّ تَعريفَ العالمِ للسَّعادة مُختلفٌ عن تَعريفِ اللهِ لها. مُختلفٌ تمامًا. ولا يمكنُ لأيِّ شيءٍ أنْ يُعطينا صُورةً أكثرَ وُضوحًا عنِ الفرقِ بينَ فلسفةِ العالمِ والحَقِّ الإلهيِّ أكثرَ مِنْ مُقارنةِ اختبارِ السَّعادة في وقتِنا الحاضرِ بمعاييرِ اللهِ المُعلَنة مِنْ خِلالِ الربِّ يسوعَ المسيح في التَّطويبات. فالنَّاسُ يَسْعَوْنَ إلى الحُصولِ على السَّعادة بشروطهم. ويمكنكم أنْ تَرَوْا ذلكَ مِنْ خِلالِ هذا التَّهافُتِ المَسْعور على الحصولِ على السَّعادة وفقًا لشروطِ العالم. ولكِنْ عندما نَنظرُ إلى المسيحيَّة، سنَجِدُ هناكَ تَبايُنًا كَبيرًا جدًّا. وهذا يُفْضي في النِّهاية إلى شُعورِ غيرِ المؤمنينَ بالتَّبكيت، والذَّنْب، والاستياءِ مِنَ المؤمنين؛ الأمرُ الَّذي يُؤدِّي إلى اضطهادهم لهم.

والنَّصُّ الَّذي سنتأمَّلُ فيهِ في هذا المساء هو الآيات مِنْ 10 إلى 12. وإليكُم ما يَقولُهُ رَبُّنا يسوع: "أنا أَعِدُكُم أنَّكُم إنْ عِشْتُم بحسبِ التَّطويباتِ السَّبعِ الأولى فإنَّكم ستحصلونَ على التَّطويبة الثَّامنة تَلقائيًّا. فإذا عِشْتُم وَفْقًا لهذه المبادئِ السَّبعةِ الأولى، مِنَ المؤكَّدِ أنَّكم ستُضْطَهَدونَ مِنْ أجلِ البِرّ". ففي النَّهاية، سوفَ تُضطَهدونَ مِنْ أجلِ اسْمي. فهذا أمرٌ لا مَفَرَّ مِنْه.

وفي الجُزءِ الأوَّل مِن دراسَتِنا، ابتدأنا بالنَّظرِ إلى الأعداد 10-12. واسمحوا لي أن أقرأَها على مَسامِعِكُم مَرَّةً أخرى: "طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ".

اسمَعوني، يا أحبَّائي: إذا أردتُم حقًّا أن تكونوا سُعداء، ينبغي لكم أن تكونوا سُعداءَ بطريقة يسوع. وإن حاولتم أن تكونوا سُعداء بشروطه، وإن حاولتم أنْ تَعيشوا بحسب مبادئه، وإن أردتُم أن تَدخُلوا ملكوتَهُ بطريقته، وإن كنتم تريدونَ أن تَدخُلوا مِنَ البابِ الضيِّق وأنْ تَسلُكوا في الطَّريقِ الضيِّق، وإن أردتُم أن تَبنوا بيتَكُم على الصَّخر، وإن أردتم أن تَتَجَنَّبوا الدَّينونةَ لِكَيْ تَسمعوهُ يقولُ لكم: "أنا أعرِفُكُم"، لا "أنا لا أعرفكم"، ستجدونَ أنَّ النَّتيجة الَّتي يُفْضِي إليها نَمَطُ الحياةِ هذِهِ، ومواجَهَةُ العالمِ المُعادي للهِ والذي يَعيشُ بِلا إلهٍ ستكونُ، دونَ أدنى شَكٍّ، سَلبيَّة. وهكذا هي الحالُ دائمًا.

في إيطاليا، في القرنِ الخامِس عشر، ظَهَرَ رَجُلٌ يُدعى "سافونارولا" (Savonarola) على السَّاحة. وقد كانَ واحدًا مِن أعظمِ المُصْلِحينَ والوُعَّاظِ الَّذين عَرَفَهَمُ العالمُ يومًا. وكانَ جَحْدُهُ لخطايا النَّاسِ وفسادِ الكنيسة الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة في ذلك الوقت هُوَ الَّذي مَهَّدَ الطَّريقَ حَرفيًّا للإصلاح. ويقولُ واحِدٌ مِنْ كُتَّابِ السِّيَرِ الذَّاتِيَّةِ إنَّ وَعْظَهُ "كانَ صَوْتَ رَعْدٍ" وإنَّ "جَحْدَهُ للخطيَّة كانَ قويًّا جدًّا حتَّى إنَّ النَّاسَ الَّذي كانوا يُصغونَ إليهِ كانوا يَخرجونَ إلى الشَّوارِعِ في حالةِ صَدْمَةٍ وذُهولٍ وصَمْتٍ مُطْبِق. وقد كانت رَعِيَّتُهُ تَنفجرُ في أغلبِ الأحيانِ بالبُكاءِ حَتَّى إنَّ البِنايَةَ كُلَّها كانت تَسْمَعُ صوتَ نَحيبِهِم وبُكائِهم".

ومِنَ الواضحِ أنَّ النَّاسَ لم يتمكَّنوا مِنَ احتمالِ وَعْظِه. لِذا فقد أَحْرَقوهُ على خَشَبة. والحالُ لم تتغيَّر البَتَّة. وأنا أُوْمِنُ حَقًّا بأنَّهُ لو كُنَّا، بوصفِنا مؤمنينَ، أكثرَ مُواجَهَةً لِمُجتمَعِنا بالأشياءِ الَّتي نُؤمِنُ بِصِحَّتِها، ولو كُنَّا نَعيشُ التَّطويباتِ حَقًّا في حياتِنا، لاصْطَدَمْنا بِعَداوةِ النَّاسِ مِنْ نَحْوِنا، إنْ لم تكن هُناكَ عَداوة أصلاً تُجاهَ الأغلبيَّة مِنَّا. فهذا يَحْدُثُ في كُلِّ مكانٍ وفي كُلِّ الأزمنة.

وقد كنتُ أقرأُ مُؤخَّرًا كتابًا أَهداني إيَّاه "دون ريتشاردسون" (Don Richardson) بعدَ خِدمتنا المسائيَّة. فقد كانَ "دون ريتشاردسون" هُنا. وهو مُرْسَلٌ رائعٌ ومُبارَكٌ مِنَ اللهِ يَخْدِمُ في "إيريان جايا" (Irian Jaya). وقد كَتَبَ كِتابًا كلاسيكيًّا عن قصص المُرسلين بعُنوان "طِفْل السَّلام" (Peace Child). وقد كَتَبَ كِتابًا آخَرَ بَعْدَهُ بعُنوان "أَرْبابُ الأرض" (The Lords of the Earth). وهو لا يُشبِهُ "طِفْل السَّلام" الَّذي يَسْردُ فيهِ قِصَّةَ خِدمَتِهِ الإرساليَّة، بل هو قِصَّة عن صَديقٍ لَهُ يُدعى "ستان ديل" (Stan Dale).

وكانَ "ستان ديل" قد ذَهَبَ إلى قبيلة "يالي" (Yali) في "إيريان جايا" حيثُ كانَ "دون" يَخْدِمُ في الأراضي المُنخفضة في وَسطِ قبيلة "ساوي". أمَّا "ستان" فكانَ يَخْدِمُ في الأعلى في ما يُعْرَفُ بجبالِ الثَّلج (Snow Mountains)، وكانَ يَخْدِمُ في وَسْطِ قبيلة "يالي". وجبالُ الثَّلْجِ هي جبالٌ مُرتفعة جدًّا ومَحفوفة جدًّا بالمخاطر. وكانت القُرى واقعة على سَفْحِ المُنحدرات. وفي تلك المِنطقة، يوجد نَهْرٌ يُدعى "نهر هيلوك" (Heluk River) يَجْري عَبْرَ الجِبالِ بقوَّة هادرة وسُرعة فائقة. والأمطارُ الدَّائمة تُساعد في استمرارِ جَرَيانِهِ بتلكَ السُّرعة.

وقد كانَ أهالي القبيلة مُنغمسينَ في ديانةٍ غريبةٍ جدًّا ولديهم أجزاء صغيرة مُقَدَّسة مِنَ الأرض. وإنْ زَحَفَ طفلٌ دونَ قَصدٍ إلى واحدة مِن تلك الأراضي المُقدَّسة، كانوا يَشعرونَ أنَّ هذا الطفلَ قد تَنَجَّسَ وصارَ مَلعونًا، وأنَّهُ سَيُصيبُ كُلَّ القرية باللَّعنة. لِذا، كانوا يُلقونَ ذلكَ الطِّفل مِنَ فَوْقِ الجُرْفِ إلى الشَّلَّالِ الَّذي يُغْرِقُهُ ويَسْحَبُ جُثَّتَهُ إلى الأراضي المُنخفضة.

وإن قالَ شخصٌ كلمة (وكانَ هذا الأمرُ جُزءًا مِن نظامهم)، إن قالَ شخصٌ كلمة ضِدَّ النِّظامِ الدينيِّ فإنَّهُ يُقْتَل حالاً. لِذا، لم يكن هناكَ أيُّ تَمَرُّد. ولم يكن بمقدورِ أيِّ شخصٍ أنْ يُحْدِثَ أيَّ تَغيير. فلم تكن هناك طريقة لتغيير أيِّ شيء. ويَقولُ الكِتابُ إنَّ واحدًا مِن أفراد القبيلة قَرَّرَ أنْ يُحاولَ تغيير الأمور. لِذا فقد حاولَ أنْ يُلَمِّحَ إلى بعض الأشياءِ الَّتي تبدو في نظره غَبِيَّة جدًّا، ولكنَّهُم رَشَقوهُ بِوابِلٍ مِنَ السِّهامِ في كُلِّ أنحاءِ جَسَدِه.

فقد كانوا في حالةٍ مَيؤوسٍ منها تمامًا - مَيؤوسٍ منها تمامًا - إلى أنْ جاءَ شخصٌ أُستراليٌّ قَصيرُ القامَة ومُقَوَّس السَّاقَيْن إلى قرية "يالي". وبطريقة مُدهشة، فَتَحَ هذا الرَّجُلُ القصيرُ المُدهشُ قلبَهُ وقلبَ زوجَتِهِ وأبنائِهِ الخمسة لهؤلاءِ النَّاسِ المُتوحِّشين الَّذين كانوا مَشهورينَ لا فقط بِجَمْعِ جَماجِمِ أعدائهم، بل أيضًا بأكلِ لُحومِ البشر. فقد جاءَ لإنقاذهم مِنَ الظَّلامِ الدَّامسِ والموتِ النَّاجمِ عن مُعتقداتهم ومُمارساتهم المُريعة الموجودة في ثقافتهم. وهل تريدونَ أنْ تَعرفوا ما الَّذي حدث له؟ سأقرأ ذلك على مَسامِعِكُم مِن كتاب "دون ريتشاردسون":

"حَبَسَ ابنُ القريةِ أنفاسَهُ، وَأَسْنَدَ قَوْسَهُ فوقَ الصَّخرة، وصَوَّبَ إلى خَاصِرَةِ ’ستان‘ (Stan). وفجأةً، لَمَعَ وَهْجُ النَّارِ على نَصْلِ سَهْمِهِ المَصنوعِ مِنَ الخيزران والمُصَمَّم للقَتل. ثُمَّ إنَّهُ شَدَّ وَتَرَ قَوْسِهِ بقوَّة فيما كانَ المُحاربونَ الآخرونَ مِنْ ورائِهِ يَنتظرونَ دَوْرَهُم. وفي لَحظةٍ مُواتِيَةٍ جدًّا للمُحارِب، عَبَرَ ستان بابِ الكوخ ليأخذ شيئًا مِنْ حقيبتِه. ولكنَّهُ سُرعانَ ما رَجَعَ إلى الوراء وَهُوَ يَتألَّمُ ويُمْسِكُ بيَدِهِ سَهْمًا طولُهُ مِترًا ونصف ويَسْحَبُهُ مِنْ خاصِرَتِهِ اليُمنى. وإذْ فَرِحَ المُحاربُ الأوَّلُ بإصابته للهدف، قَفَزَ مِنْ وراءِ الصَّخرة وأطلقَ حالًا سَهمًا آخرَ أصابَ فَخْذَ ستان الأيمن. قالَ ستان وهو يَتَنَفَّسُ بصعوبة: ’لقد وَقَعْنا في شَرَكٍ مُميت. فبمقدورِ هؤلاء أنْ يُطلقوا علينا السِّهامِ مِنْ كُلِّ اتِّجاه. النَّار، يجب أنْ أُطفئَ النَّار‘.

قَفَزَ ستان على النَّار مُحاولاً أنْ يُطْفِئَ أَلْسِنَتَها المُشتعلة. وفيما كانَ يَفعل ذلك، اختَرَقَ سَهْمٌ آخر فَخْذَهُ الأيسر وغاصَ عَميقًا في عَضَلاتِه. طَرَحَ ستان نفسَهُ في رُكْنٍ بَعيدٍ مِنَ الكوخ بحثًا عن مَكانٍ يَحتمي به، ولكِنْ لم يكن هناكَ مَخْبأ. فقد أُصيبَ بسَهْمَيْنِ آخرَيْن: واحدٌ اخترقَ ساعِدَهُ الأيمن، والآخر اختَرَقَ حِجابَهُ الحاجِز وأمعاءَهُ. أَخْرَجَ ستان كُلَّ سَهْمٍ مِنْ جِسْمِهِ تِباعًا ثُمَّ صَاحَ على مُعَذِّبيه بلُغة اليالي المَحَلِّيَّة : ’ارجِعوا إلى مَنازِلِكُم جميعًا. يَكفي ما فَعَلتُموه‘. كانَ الألمُ مِن جِراحِهِ الخمسةِ مُبْرِحًا. وكانت أرضيَّةُ الكُوخِ مُمتلئة الآنَ بالعديدِ مِنَ السِّهام. وكانت خمسةٌ منها مُخَضَّبة بالدَّم. أَسْنَدَ ستان ظَهْرَهُ على جدارِ الكوخِ بانتظارِ السَّهمِ التَّالي. وقد رآهُ قادمًا".

يا لها مِن قِصَّة مُدهشة! ولكنِّي لن أقرأها كُلَّها. فيجب عليكم أن تَشتروا الكتاب. ومِنَ العَجيبِ أنَّهُ عاش. فقد أَخرَجوهُ مِن هناك. وقد عاش. فقد خَضَعَ لعمليَّة جراحيَّة عادَ بعدها إلى هناك، إلى القرية نفسِها، وإلى المِنطقة نفسِها. وقد ضَحَّى حَرفيًّا بسنواتٍ طويلةٍ مِن حياتِهِ. ثُمَّ إليكُم أيضًا القِصَّة التَّالية:

"ما بعدَ ’يِندوال‘ (Yendoal)، كانَتْ مياهُ النَّهرِ ضَحْلَة، وتَجري فوقَ أرضٍ صخريَّة عريضة. وقد ساروا على طولِ مَجرى النَّهر نحو مئتين وخمسةٍ وسبعينَ مِترًا فوصلوا إلى شاطئٍ أرضُهُ مَفروشة بالحَصَى. وبعدَ الشَّاطئ، كانَ الطَّريقُ يَبتعدُ عنْ مَجرى النَّهر ويَصعدُ إلى أعلى وُصولاً إلى المَعْبَر. وكان ينبغي أنْ يَمشوا مسافة 600 متر أخرى صُعودًا قبلَ أنْ يَنزلوا إلى أسفل مِن جديد ويَصِلُوا بَرَّ الأمان. ولكِنَّ صَيْحَةَ الحربِ تَرَدَّدَتْ مَرَّة أخرى، ولكنَّها أقربُ بكثير الآن. وفجأةً، جاءَ المُحارِبونَ وَهُمْ يَركضونَ في مَجرى النَّهر وَيَرفعونَ أقواسَهُم إلى أعلى. وخَرَجَ آخرونَ مِنَ الغابة. وكانت عُدَّتُهُم المصنوعة مِنَ الخيزران تُصْدرُ صوتًا عاليًا. وقفَ ’ستان‘ و ’ييمو‘ (Yemu) على الطرفِ المُنخفضِ مِنَ الشَّاطئِ المَفروشِ بالحَصى في مُواجَهَتِهِم. وكانَ ’فيل‘ ... ’فيل ماسترز‘ (Phil Masters) يقف وحيدًا في الجهة الأخرى على بُعدِ خمسةٍ وأربعينَ مِترًا.

"كانَ ثلاثة مِنَ السُّكَّانِ المَحَلِّيِّين يَقفونَ على بُعْدِ نَحْوِ سبعةٍ وعشرينَ مترًا مِنْ ’فيل‘. وحينَ نَظروا جميعًا إلى الوراء في ذُعْر، شاهدوا ’ستان‘ يَرفَعُ عَصاهُ في مواجهةِ ذلكَ الحَشْدِ الكبير مِنْ مُحاربي قبيلة ’ويكبون‘ (Wickboon). صاحَ وَهُوَ يَنْظُرُ إلى الوراء: ’اتْرُكني واهرب يا ييمو‘. ولكنَّهُ أَبْقَى عَصاهُ مَرفوعة، لا ليضربهم بها، بل لَيَصْنَع حاجِزًا في وجهِ المُحاربينَ المُتقدِّمينَ كالإعصار. وقد أَمَرَهُم قائلاً: ’أنتُم جميعًا. عُودوا أَدراجَكُم‘. ولكِنَّ كاهِنًا مِنَ الكيمبو (Kembu) اسْمُهُ ’بيريواي‘ (Bereway) تَسَلَّلَ مِنْ وراء ستان وأطلَقَ سهمًا مُباشِرًا إلى المنطقةِ الواقعةِ تحتَ ذِراعِهِ اليُمنى المرفوعة فأصابَهُ في إِبْطِه. وقد أَطْلَقَ كاهنٌ آخر اسْمُهُ ’بونو‘ (Bunu) سَهْمًا آخَرَ إلى ظَهْرِهِ أصابَهُ في أسفَلِ كَتِفِهِ اليُمنى. وكانَ ’ييمو‘ (Yemu) الآن يَصرخُ ويَصيحُ عليهم لكي يتوقَّفوا.

وحينَ كانتَ السِّهامُ تَخترقُ جَسَدَ ستان، كانَ يَسْحَبُها واحدًا واحدًا، ويَكسِرُها، ويُلقيها بعيدًا. وكانت هناكَ عَشَراتُ الأسهُمِ تُطْلَقُ عليهِ مِنْ كُلِّ الاتِّجاهات. وقد استمرَّ في سَحْبِها وتَكسيرِها وإلقائِها عندَ قدميه إلى أنْ عَجِزَ عنِ القيامِ بذلك.

وَصَلَ ’ناليمو‘ (Nalimo) إلى المشهد بعدَ أنْ اخترقَ أكثر مِن ثلاثينَ سهمًا جَسَدَ ستان. تَعَجَّبَ ’ناليمو‘ وقال: ’كيفَ تَمَكَّنَ مِنَ الصُّمودِ طَوالَ هذا الوقت؟ لِمَ لا يَسْقُط؟ لو كانَتْ أصابَتْ أيًّا مِنَّا لَسَقَطَ صَريعًا منذُ وقتٍ طويل!‘ وقد اخْتَرَقَ جَسَد ’ناليمو‘ سَهْمٌ مِن نوعٍ آخر: الخوف إذْ قالَ في نَفْسِه: ’لَعَلَّهُ كانَ خَالِدًا! ومعَ أنَّ ملامِحَ وَجْهِ ناليمو قاسية عادةً، فإنَّها رَقَّتْ فجأةً. وبالمُناسبة، فإنَّ ناليمو تَعَمَّدَ لاحقًا بعدَ أنْ آمَنَ بالمسيح. وبسببِ تلك العاطفة، قالَ ناليمو في وقتٍ لاحق إنَّهُ بسبب خوفِهِ، لم يُطْلِق سهمًا واحدًا إلى جسد ستان مَعَ أنَّ جَميعَ المُقاتلينَ الآخرينَ فَعَلوا ذلك. وقد واجَهَ ستان أَعداءَهُ بثباتٍ لا يَتزعزع، باستثناءِ تلك اللَّحظاتِ الَّتي كانَ بَدَنُهُ يَهتزُّ فيها عندما يَخْتَرِقُهُ سَهْمٌ جديد.

رَكَضَ ’ييمو‘ إلى حيثُ كان ’فيل‘ يَقِفُ وحيدًا، وراحا يُراقبان ستان معًا والألمُ يَعْتَصِرُ قلبَيْهِما. وعندما انفصلَ نحو خمسينَ مُحاربًا أو أكثر عنِ المُحارِبينَ الرَّئيسيِّينَ وتَقَدَّموا نَحوهما، دَفَعَ ’فيل‘ ’ييمو‘ خَلفَهُ وأَوْمَأَ إليهِ دونَ أنْ يَتكلَّم: ’اهْرُب!‘ ويبدو أنَّ ’فيل‘ لم يُلاحظ المُحاربينَ الَّذينَ يُحيطونَ به. فقد كانت عيناهُ مُثَبَّتَتَيْنِ على ستان. فقد أُصيبَ بخمسينَ سهمًا أو رُبَّما سِتِّينَ سهمًا. وكانتِ الدِّماءُ الحمراءُ تَسيلُ مِنْ جِراحِهِ العديدة، ولكِنَّ ستان ظَلَّ واقفًا في مكانه.

وقد أدركَ ’ناليمو‘ أنَّهُ لم يكن الوحيدُ الَّذي يَشْعُرُ بالخوف. فقد ابتدأَ الهُجومُ بِنَشْوَة، أمَّا الآنْ فإنَّ المُحاربينَ يُطلقونَ سِهامَهُم بيأسٍ يُغَلِّفُهُ الذُّعْر لأنَّ ستان يَأبى أنْ يَسقُط. رُبَّما كانَ ’كوساهو‘ (Kusaho) مُحِقًّا. فرُبَّما كانوا يَقترفونَ جريمةً كبيرةً بِحَقِّ العالمِ الخارقِ للطَّبيعة عِوَضًا عنِ الدِّفاعِ عنهُ كما كانوا عازِمينَ في قُلوبهم. وقد راحوا يَصرخونَ على ستان: ’اسقُط! مُتْ!‘ وقد كانوا يَتوسَّلون: ’نَرجوكَ أنْ تَموت!‘

لم يَسمع ’ييمو‘ أنَّ ’فيل‘ قالَ أيَّ شيءٍ للمُحاربينَ حينَ صَوَّبوا سِهامَهُم نَحوَهُ. ولم يحاول ’فيل‘ أنْ يَهرب أوْ يُقاوم. فقد واجَهَ الخطرَ مَرَّاتٍ عديدة، ولكِنْ ليسَ الموتَ المُحَتَّم. ولكِنَّ ستان أراهُ كيفَ ينبغي أنْ يُواجِهَهُ. وإنْ أرادَ نَموذَجًا، ها هو يَقِفُ هُناك. ولم يكن بمقدورِهِ أنْ يَحذو حَذْوَ ذلكَ النَّموذج بشجاعة أكبر. ومَرَّةً أخرى، كانَ ’بيريواي‘ هو الَّذي أَطلقَ السَّهمَ الأوَّل. وقد تَطَلَّبَ إسقاطُ ’فيل‘ نفسَ عَدَدِ السِّهامِ الَّتي تَطَلَّبها الأمرُ لإسقاط ’ستان‘. انتظرَ ’ييمو‘ والرِّجالُ الثَّلاثةُ الَّذينَ مَعَهُ إلى أنْ تَحَقَّقوا أنَّ ’فيل‘ أُصيبَ إصابةً بالغةً لن يَنجو منها.

وفي موقعِ الجريمة، بعدَ أنْ سَقَطَ كِلا المُرْسَلينِ على ذلكَ الشَّاطئ المفروشِ بالحَصى، جَرَّ مُحاربو قبيلة "يالي" جُثَّتيهما المُثْخَنَتَيْنِ بالجِراح بعيدًا عنِ الحجارة ووضعوهما في مكانٍ ناءٍ في الغابة والسِّهامُ تَتَدَلَّى منهما. ومعَ أنَّ أفراد قبيلة ’يالي‘ لم يكونوا يَقطعونَ رُؤوس أعدائهم، فإنَّ الخَوْفَ دَفَعَ ’بونو‘ (Bunu) إلى قَطْعِ رأسَيْ كُلٍّ مِن ’ستان‘ وَ ’فيل‘. وإذْ شعرَ القَتَلَة بعدمِ الرِّضا، جَرَّدوا الجُثَّتينِ مِنَ الملابس، وقَطَّعوا الجُثَّتينِ إرْبًا إرْبًا، وَوَزَّعوا أجزاءَ العِظامِ في جميعِ أرجاءِ الغابة لكي يَتَحَقَّقوا مِنْ عَدَمِ قيامَةِ جَسَدَيْهِما. ومُنذُ لحظة البداية، كانَ ’ناليمو‘ ورَفيقُهُ يُخَطِّطان لإقامة وليمة مِنْ لُحومِ البَشَر بعدَ أنْ يَقتلوا ’فيل‘ و ’ستان‘".

هناكَ ثَمَنٌ لا بُدَّ أنْ يُدفَع. أليس كذلك؟ والنِّهاية الرَّائعة لهذه القصَّة هي أنَّ قرية "يالي" وتلك المِنطقة بأسرها آمَنَت بعدَ ذلك بيسوعَ المسيح. وَهُمْ لم يعودوا يَجتمعونَ لأكْلِ لُحومِ المُرْسَلين، بل صاروا يَجتمعونَ حولَ مائدةِ الرَّبِّ. ولكِنَّ الثَّمَنَ كانَ باهِظًا جدًّا.

وواحدٌ مِن أروعِ الأشياءِ الَّتي أعرفُها بخصوصِ هذه القصَّة هي أنَّ طِفلَ ’ستان‘ الخامس (الَّذي كانَ طِفلاً صغيرًا حينَ ماتَ أبوه) نالَ الخلاصَ بعدَ أنْ قَرأَ هذا الكتاب عن أبيه. فهذا هو الثَّمن. وإنْ أردتُم أنْ تُواجِهوا العالم، هناكَ ثَمَنٌ لا بُدَّ أنْ تَدفَعوه. والحالُ هكذا دائمًا. فهذا هو ما حدثَ لـِ "سافونارولا" (Savonarola). وهذا هو ما حدثَ لِـ "ستان ديل" (Stan Dale) في أواخر السِّتِّينات مِنَ القرن العِشرين حينَ وقعت أحداث هذه القصَّة. وهذا سيَحدث في المستقبل لأنَّ هذا هو ما جاءَ في سفر الرُّؤيا إذْ إنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعددِ التَّاسعِ عَنْ مجموعةٍ مِنَ النَّاسِ تَحْتَ المَذْبَحِ يَصْرُخون. وَهُمُ الأشخاصُ الَّذينَ قُتِلُوا واستُشهِدوا لأجلِ المسيح. وسوفَ تبقى الحالُ هكذا دائمًا.

والآنْ، لِنَنظر مَرَّةً أخرى إلى إنجيل مَتَّى 5: 10-12 ونَرى النِّقاط الثَّلاث الَّتي ذَكَرناها في دَرْسِنا السَّابق: الاضطهاد، والوعد، والموقف. والاضطهاد مذكور في العددين 10 و 11. وسوفَ نُراجِع ذلك بسُرعة: "طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَات". ثُمَّ إنَّ الحديثَ يَصيرُ بصيغة المُخاطَب وليسَ الغائِب. وأعتقد أنَّها تطويبة واحدة وليست اثنتين. فالأشخاصُ الذينَ يُضْطَهَدونَ يَحصُلونَ على بَرَكة مُضاعَفَة.

ولكِنَّكُم تَجِدونَ جُملة عامَّة في العدد 10. وقد رأينا هذا في المَرَّة السَّابقة. وهذه مُراجعة فقط. ثُمَّ إنَّ الحديثَ يَصيرُ شَخصيًّا في العدد 11: "طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِين".

ولنطرَح بعضَ الأسئلة السَّهلة: مَنْ هُمُ المُضطَهَدون؟ مَنْ؟ سوفَ أُخبركم مَنْ. إنَّهُم الأشخاص الذينَ يَحْيَوْنَ حياةَ التَّطويبات. فَهُمُ الأشخاصُ الذينَ عَرَفُوا اللهَ مِنْ خلالِ يَسوعَ المسيح. وَهُمْ شَعبُ الملكوتِ الذينَ يَحْيَوْنَ الحياةَ وَفْقًا لشروطِ الله. وأَوَدُّ مِنكُم، يا أحبَّائي، أنْ تَفهموا الآتي: إنَّ تلكَ القَداسَة تُنْشِئُ عَداوة. ويجب عليكم أنْ تَتوقَّعوا ذلك. وأنا لا أحاولُ أن أقولَ لكم هذا لكي تَخرجوا وتتصرَّفوا بوقاحة في العالم. وأنا لا أقولُ لكم هذا لكي تَخرجوا وتَصنعوا أعداءَ لكم. بل إنَّني أقولُ لكم هذا لكي لا تُصْدَموا.

فنحنُ نقرأ في رسالة فيلبِّي 1: 29: "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا" [ماذا؟] "أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِه". فهو يقول: "قد وُهِبَ لَكُم". فيجب علينا أنْ نَتوقَّعَ ذلك. ويجب ألَّا يكونَ ذلكَ أمرًا غير مألوف.

وبولُس يقولُ لأهلِ تسالونيكي في رسالة تسالونيكي الأولى 3: 3: "كَيْ لاَ يَتَزَعْزَعَ أَحَدٌ فِي هذِهِ الضِّيقَات...". فلا يجوزُ أنْ تُصْدَموا. ولا يجوزُ أنْ تَتَعَجَّبوا. ولا يجوزُ أنْ تَشُكُّوا في صِحَّةِ تَكريسِكُم. "...فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا مَوْضُوعُونَ لِهذَا". فلا يجوزُ أنْ يَصْعَقَكُم ذلك. ولا يجوزُ أنْ يُفاجِئَكُم ذلك. فنحنُ قد دُعينا لهذه الأشياء.

وفي رسالة تيموثاوس الثانية 3: 12، نَجِدُ، مَرَّةً أُخرى، الفِكرة نفسَها: "وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهَدُون". فقد دُعينا لهذا، يا أحبَّائي، وَهُوَ أمرٌ بَديهيٌّ جدًّا. فعندما يَجِدُ العالمُ الشِّرِّيرُ، والغاضبُ، والمُعادي، والخاطئُ نَفْسَهُ أمامَ المسيحيَّة، لا بُدَّ أنْ يَصْدُرَ عنهُ رَدُّ فِعْلٍ عَنيف.

إذًا، مَنْ؟ كُلُّ شخصٍ يَحيا حياةَ التَّطويبات، وكُلُّ شخصٍ يَدخُلُ إلى الملكوت، وكُلُّ ابْنٍ للملكوت يَحيا بهذه الطريقة. فأنتُم تَخرجونَ إلى العالمِ وتُحاولونَ أنْ تَجلبوا الرَّحمة إلى العالم. وأنتُم تَخرجونَ وتحاولونَ أنْ تُنَقُّوا قُلوبَ النَّاسِ مِنْ خلالِ تَبكيتهم على الخطيَّة. وأنتُم تَخرجونَ وتحاولونَ أنْ تَصنعوا سلامًا مِن خلالِ صانِعِ السَّلامِ الوحيد: يسوعَ المسيح. وإنْ كُنتُم تَمْلِكونَ الشَّجاعة الكافية، والقُدرة على المواجهة بالطَّريقة الَّتي يُريدُها اللهُ مِنْكم، ستكتشفونَ أنَّ هناكَ رَدَّ فِعْلٍ عنيف.

كيف؟ فقد رأينا "مَنْ". وماذا عن "كيف؟" حسنًا! لقد عَلِمْنا أنَّنا سنُضطَهَد. ولكِنْ كيفَ سيُعَبِّرونَ عن غضبهم؟ إنَّ الكلمة "اضْطِهاد" مُشتقَّة مِن كلمة يونانيَّة تَعني: "يُضايِق، ويُعامِل مُعاملةً شِرِّيرة". وهي تَعني حرفيًّا في الأصل: "يُطارِد". فَهُمْ سَيُلاحِقونَنا.

والحقيقة هي أنَّني أشعُرُ أنَّنا (في أمريكا) على شَفيرِ أيَّامٍ ستكونُ مُختلفة حقًّا عَمَّا شَهِدناهُ في الماضي. وأعتقد أنَّنا نَلهو الآنَ في فَترةِ ما بعد النَّهضة الأمريكيَّة. فكما تَعلمون، إنَّنا نَعيشُ على ظَهْرِ قَادَةِ النَّهضة في الماضي وعلى الخَيراتِ الَّتي جَنَتْها أمريكا مِنْ تُراثِها في تلكَ الأيَّام. ولكِنَّ هذا كُلَّهُ سيَنتهي قريبًا. لا فقط مِن خلالِ انقلابِ الحُكومةِ ضِدَّ الدِّين، بل أيضًا مِنْ خلالِ انقلابِ الدِّينِ على نفسه بسببِ السَّماحِ بكُلِّ أنواعِ البِدَعِ، والضَّلالاتِ، والحَرَكاتِ، والمِلَلِ، وكُلِّ شيءٍ آخر.

ونحنُ نَرى أنَّ الحُكومةَ تُعادي الجماعاتِ الدِّينيَّة. ونحنُ نَرى تَغييراتٍ في المواقِف. ونحنُ نَرى مَصْلَحَةَ الضَّرائِبِ وغيرَها مِنَ المؤسَّساتِ الحُكوميَّةِ تَفْرِضُ قوانينَ تُؤثِّرُ تأثيرًا مباشرًا في حياةِ الأشخاصِ الموجودينَ في كنيسة يسوع المسيح. ونحنُ نَرى رُدودَ أفعالٍ تُجاهَ أشياءٍ كانَ يُنْظَرُ إليها ذاتَ يومٍ على أنَّها مُقَدَّسة. وأنا أُشيرُ بذلك إلى فِكرة الكنيسة بِرُمَّتِها، وإلى كُلِّ الأمورِ المُشابهةِ، كما تَعلمون. فقد مَضى ذلكَ الوقتُ وَعَفَاهُ الزَّمَن. فقد مَضَتْ تلكَ الأيَّام. والرَّبُّ يقول: "سوفَ يَخْرُجونَ في أَعْقابِنا".

كيف؟ نقرأ في العدد 11: أَتَذكرونَ ما قُلناهُ لكم؟ "عَيَّروكُم" – أيْ شَتَموكُمْ في وُجوهِكُم. "وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ...كَاذِبِين". وهذه إشارة إلى التَّحَدُّثِ عنكم مِنْ وراءِ ظُهورِكُم. فسوفَ يُهاجِمونَ شعبَ اللهِ مُباشَرةً ومِنْ وراءِ ظُهورِهم. وسوفَ يتحدَّثونَ عنَّا في غِيابِنا. وسوفَ يُظهرونَ رُدودَ فِعْلٍ عنيفة تُجاهَنا حَتَّى في وُجودِنا. فسوفَ تكونُ هناكَ مواجهاتٌ مُباشِرة. وسوفَ تكونُ هناكَ افتراءات.

وقد تَسَلَّمْتُ رسالةً في هذا الأسبوع. وقد فَكَّرتُ في مُشاركتِها معكم: "لقد وَعَظْتَ مُؤخَّرًا عنِ التَّطويبة الأخيرة الَّتي تقول: ’طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ‘. وفي تلكَ العِظة، أَشَرْتَ إلى أنَّهُ ما لم يُلاقي المؤمنُ اضطهادًا، رُبَّما يكونُ هناكَ خَطْبٌ ما في إيمانِهِ المَسيحيّ.

ويومَ أمس، أُتيحت لي فُرصة التحدُّث إلى صَديقةٍ لي لم أَرَها منذُ سنواتٍ عديدة. وقد كانت في يومٍ ما تَقولُ إنَّها مسيحيَّة، ولكنَّها الآن مَاضِيَة في إجراءاتِ تطليقِ زوجِها دونَ سَبَب مُبَرَّر. وقد كنتُ أَعلمُ أنَّهُ ينبغي لي أنْ أُواجِهَها وأنْ أُذَكِّرَها بما يقولُهُ اللهُ عنِ الطَّلاق. وهذا يعني أنْ أَضَعَ صداقَتَنا على المِحَكِّ وأنْ أتوقَّعَ احتماليَّةَ أنْ تُعاديني. وقد شعرتُ بالخوف وتَمَنَّيْتُ لو أنَّني لستُ مُضطرَّة إلى مواجَهَتِها. ولكِنَّ مَعرفتي لحقيقة أنَّ اللهَ يَسْكُنُ فِيَّ جَعَلَتني أُدركُ حقيقةَ أنَّهُ يجبُ عليَّ أنْ أُطيعَ اللهَ. وباختصار، إليكَ ما حَدَث:

لقد ذَكَّرتُها بمحبَّةٍ اللهِ ونِعمَتِه، وكيفَ أنَّهُ يريدُ لها ولعائلتها أنْ يكونوا سُعداء، وأنْ يَعيشوا معًا في انسجامٍ بحسبٍ مِعيارهُ الكامِل. وقد شاركتُ معها نَظرةَ اللهِ إلى الطَّلاق ووصاياه المُختصَّة بالزَّواجِ والطَّلاق. وكُلَّما تكلَّمتُ أكثر، زادَ دِفاعُها عن نفسِها وتَفاقَمَ غَضَبُها. وقد قالت لي إنَّها لا تؤمنُ بأنَّ الكتابَ المقدَّسَ هو كلمة الله، بل هو تَفسيرٌ بَشَرِيٌّ لما قالَهُ الله. وقد قالت أيضًا إنَّ لِكُلِّ شخصٍ الحَقّ في تَفسيرِ مَعنى ما يقولُهُ الكتابُ المقدَّس. وقد قالت إنَّهُ لا بأسَ في وجودِ الكتاب المقدَّس بسببِ إرشاداتِه، ولكِنَّ القارئَ يَمْلِكُ الحَقَّ في تَقريرِ الإرشاداتِ الَّتي تُناسِبُه.

وقد بَيَّنْتُ لها أنَّ التَّفسيرَ الخاصَّ للكتابِ المقدَّس لا يُؤدِّي إلَّا إلى الفَوضَى اللَّاهوتيَّة. وكُلَّما حاولتُ أنْ أفتَحَ كتابي المقدَّس لكي أقرأَ لها بعضَ الآيات المُحَدَّدة، لم تَكُن تَسْمَحُ لي بالقراءةِ مِنه، بل كانت تقول إنَّها لم تأتِ لمُجادلتي بخصوص الكتاب المقدَّس. وباختصار، لم يكن الكلامُ مَعَها مُجْدِيًا. وحينَما هَمَّتْ بالمُغادرة، كانت غاضبةً جدًّا، وكانت عَيناها مُمتلئتينِ بالكراهِيَة. وقد اتَّهَمتني بأنَّني تَحايَلْتُ عليها للمجيءِ إلى بيتي لهذا الهدف وبأنَّني لم أكُن أهتمُّ بها حقًّا. وبعدَ أن قالت ذلك، غادَرَت المنزل وَأغلقتِ البابَ بِعُنْف وراءَها.

ويمكنني أن أقولَ إنَّني أَعرفُ الآنَ مَعنى أنْ أكونَ مَكروهَةً وأنْ أُتَّهَمَ زُوْرًا لأنِّي وَقَفْتُ موقفًا راسِخًا بخصوصِ المسيح. وأنا أَعلمُ أنَّ الأمرَ قد يَستمرُّ هكذا وقتًا طويلاً لأنَّها مُستمرَّة في إجراءاتِ تَطليقِ زوجِها لأنَّها تَرْغَبُ في إقامة علاقة مَعَ شَخْصٍ مِنْ عائلتي. أنا أُحِبُّها. وقد تألَّمتُ جدًّا حينَ أدركتُ مِقدارَ رفضِها للمسيح. وبالرَّغمِ مِن صعوبةِ ذلك، فإنَّني أَشكُرُ اللهَ لأنِّي أَعْلَمُ، أوَّلَ مَرَّةٍ في حياتي، مَعنى الانفصالَ عنِ العالم".

أيُّ الأمرَيْنِ أسوأ: أنْ تُصابَ بِسَهْمٍ يُطْلِقُهُ واحِدٌ مِنْ أفرادِ قبيلة "يالي"، أوْ أنْ تكونَ مُبْغَضًا مِنْ شخصٍ تُحِبُّه؟ فالألمُ الأوَّلُ سيكونُ لوقتٍ قصير. والألمُ الثَّاني سيَستمرُّ طويلاً. ولكِنْ هكذا هي الحالُ، كَمَا تَرَوْن. فالأمرُ لم يكن يومًا سهلًا في حياةِ النَّاسِ المُكَرَّسين. وإنْ كانَ الأمرُ سَهلاً بالنِّسبة إليك، هُناكَ احتمالان: إمَّا أنَّكَ لستَ مُؤمِنًا مسيحيًّا، وإمَّا أنَّكَ مُؤمِنٌ مَسيحيٌّ ولكنَّكَ لا تُظْهِرُ الأشياءَ الَّتي يَتحدَّثُ رَبُّنا عنها هُنا. فالأمرُ ليسَ سهلاً البَتَّة بالنِّسبة للمؤمنين.

انظروا معي إلى رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الرابع. واسمحوا لي أنْ أُوَضِّحَ لكم شيئًا. رسالة كورنثوس الأولى 4: 9. وبولُس يَرْسِمُ بالكلماتِ واحدةً مِنْ أكثرِ الصُّوَرِ النَّابضةِ بالحياة قد تَجِدُها في رسالة كورنثوس الأولى. فهو يقول في العدد 9: "فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ" [ثُمَّ ما الكلمة الَّتي تأتي بعدَ ذلك؟] "آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ. لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاس". تَوَقَّفوا هُنا.

إنَّ بولسَ يقول: "أنا أرى أنَّ اللهَ عَرَضَنا في آخِرِ المَوْكِبِ كأنَّهُ مَحكومٌ علينا بالموت وَجَعَلَنا مَنْظَرًا للعالم". وهل تَعلمونَ ما الَّذي كانَ يُفَكِّرُ فيه؟ عندما كانَ واحِدٌ مِنْ قادةِ الجيشِ الرُّومانيَّ يُحْرِزُ نَصْرًا، كانَ يُعْطى امتيازَ استعراضِ جيشِهِ المُنتصِر في شوارع المدينة. وعندما كان الجيشُ يَمشي في شوارع المدينة، كانوا يَعْرِضونَ ما غَنِموهُ، وما سَلَبوهُ، وَما نَهَبوهُ في الحرب. وكانَ الإمبراطورُ يَسْمَحُ لذلكَ القائد بأنْ يَستعرِضَ أمامَ كُلِّ النَّاسِ الانتصارَ العظيمَ الَّذي حَقَّقَهُ.

ودائمًا، في نهاية المَوكِبِ الطَّويل، كانَ القائدُ يَعْرِضُ مجموعةً صغيرةً مِنَ الأسرى الذينَ تَمَّ أَسْرُهُم مِنَ الشَّعبِ المَهزوم. وقد كانَ يُحْكَمُ عليهم بالموت. فقد كانوا رِجالاً أَسْرى. وكانوا رِجالاً سَيُساقونَ الآنَ إلى ساحةِ القِتالِ لمُحاربةِ الوحوشِ المُفترسة حتَّى الموت. لذا فإنَّ بولسَ يقول: "فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ. لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاس".

وبولُس يَستخدمُ هنا كلماتٍ مِن ذلك المشهد. وَهُوَ يَرى الرُّسُل. ومَنْ هُم؟ إنَّهُم أمثلة على جميعِ التَّلاميذِ المُكَرَّسينَ الحقيقيِّين. وهُم مجموعة مِنَ الأسرى المَحكوم عليهم بالموت.

ويَرِدُ هذا النَّصُّ في تَرجمة "موفات" (Moffatt) على النَّحو التَّالي: "واللهُ عَيَّنَنا رُسُلاً لكي نكونَ في النِّهاية كالمُجالِدينَ المَحكوم عليهم بالموت في ساحةِ القِتال". والعبارة "مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ"، أَتَرَوْنَها في الآية؟ إنَّ العِبارة "مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ" تَعني حَرفيًّا "صَدَرَ بِحَقِّنا حُكْمُ الإعْدام". وهي عبارة نادرة تُستخدَم للإشارة إلى المُجرِمينَ الَّذينَ كانوا يَعْرِضونهُم أمامَ النَّاسِ للتَّشهيرِ بهم وَهُمْ في طريقهم إلى الإعدام. لِذا فإنَّ بولُس يقول: "نحنُ الرُّسُل مَحكومٌ علينا. فقد جاءُوا بنا في نهايةِ فترةِ أَسْرِنا، وعَرَضونا على مَرْأَى مِنَ الجميعِ لكي يَرَوْنا ويَهزأوا بِنا ويُعْدِمونا كما يَفعلونَ بالمُجرمينَ المُدانين".

ولكِنَّهُ يَقولُ بعد ذلك: ولكِنَّنا نَحْتَمِلُ كُلَّ ذلك: "نَحْنُ جُهَّالٌ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحُكَمَاءُ! ... نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَقْوِيَاءُ! أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَبِلاَ كَرَامَةٍ!" وَهُوَ يَتحدَّثُ بِسُخْرِيَةٍ شَديدة هنا. ثُمَّ إنَّهُ يقول: "إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ، وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ [وإليكم الكلمة الرَّئيسيَّة:] فَنَحْتَمِلُ".

فنحنُ نَعلمُ الدَّعوة الَّتي دُعينا إليها. فنحنُ لم نُدْعَ إلى رُكوبِ العَرَبَة البيضاء الَّتي تَجوبُ البَلْدَة بسببِ شُهْرَتِنا الواسعة. ونحنُ لم نُدْعَ إلى أنْ نكونَ نُجومًا. ونحنُ لم نُدْعَ إلى أنْ نكونَ مِنَ المَشاهير البارِزين. بل إنَّنا دُعينا إلى أن يُحْكَمَ علينا بالموت. ونحنُ نَتألَّم بسبب ذلك. ونحنُ الجُهَّالُ، وأمَّا أنتم فَحُكَماء. فهو يقول: "أنتُم تَنظرونَ إلينا بوصفِنا جُهَّالاً". "نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَقْوِيَاءُ! أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَبِلاَ كَرَامَةٍ!...إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ، وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ".

وكيفَ يَتجاوبُ مع كُلِّ ذلك؟ إنَّهُ يَقولُ: يُفْتَرى علينا، أوْ بالحَرِيِّ: "نُشْتَمُ" (كما جاءَ في العدد 12): "فَنُبَارِكُ". "نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ. يُفْتَرَى عَلَيْنَا فَنَعِظُ". والآنْ، راقِبوا الآتي: "صِرْنَا كَأَقْذَارِ الْعَالَمِ وَوَسَخِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الآن". اسمعوني: إنَّ الكلمة "أَقْذار" تَعني ببساطة: "أوساخ". وهي تُستخدَمُ لوصفِ شيءٍ يُمْسَحُ عَنْ شيءٍ آخر حينَ تَرغبُ في تنظيفِه. وهي قد تكونُ بقايا طَعام عالِقَة في طَنْجَرَةٍ أو مِقْلاة. وهي قد تكونُ غُبارًا عالقًا على طاولة. وهي قد تكونُ أيَّ أوساخٍ ترغبُ في التخلُّصِ مِنها.

وهو يَستخدمُ الكلمة "وَسَخ"، وهو شَيءٌ تَفْرُكُهُ وتُزيلُهُ بالكَشْط. فبولُس يقول: "انظروا: نحنُ نَنظرُ إلى أنفُسِنا كأقذارٍ ووَسَخٍ". وقد تقول: "كيفَ تقولُ هذا يا بولُس؟ فأنتَ واحدٌ مِنَ الرُّسُل. وقد صَنَعنا لكَ تَماثيل. وقد أَسْمَيْنا بعضَ الكنائسِ كاتدرائيَّة القدِّيس بُولُس". ولكنَّهُ سيُجيبُ قائلاً: "نحنُ كأقذارٍ ووَسَخ". فقد كانَ الرُّسُلُ يَقبلونَ ذلك. أجل. فقد كانت هذه هي نَظرةُ العالمِ إليهم. وقد حَسَبوا النَّفَقَة. وقد أَبْدَوْا الاستعدادَ لِدَفْعِ الثَّمن. ووفقًا للمعلوماتِ المُتاحة لدينا، فإنَّ عشرة رُسُل أو أحدَ عَشَرَ رَسولاً مِنَ الرُّسُلِ الاثني عشر ماتوا شُهداء. والرَّسولُ الوحيدُ الَّذي نَعلم أنَّهُ لم يَستشهد هو يوحنَّا. ولكنَّهُ نُفِيَ وَماتَ في المَنْفَى.

اسمعوني، يا أحبَّائي: لا أدري ما الَّذي حَدَثَ للمسيحيَّةِ في وقتِنا الحاضر، ولكنَّها ليست كذلك. وما أعنيه هو: هل يمكنكم أن تقولوا في المُجتمعِ البشريِّ، وفي أمريكا اليوم، إنَّ المؤمنينَ المسيحيِّينَ هُم كأقذارِ وَوَسَخِ العالَم؟ هل نحنُ كذلك؟ [لا!] لِماذا؟ لأنَّنا النُّجوم! ولأنَّنا نَحصُلُ على أكثرِ شُهرةٍ في لاس فيغاس. ولأنَّ لدينا برامِجَنا التِّلفزيونيَّة الخاصَّة بنا. ولأنَّنا نَلْعَبُ على الحَبْلَيْن. فنحنُ نَعيشُ في عَالَمَيْن. ونحنُ نُقَدِّمُ عَرْضَنا في هذا العالمِ، ثُمَّ نُبَدِّلُ ملابِسَنا ونأتي إلى الكنيسة ونُقَدِّمُ عَرْضًا آخر.

فنحنُ نَرقُصُ في لاس فيغاس، ثُمَّ نَنْهَضُ وَنُقَدِّمُ شَهادَتَنا. فنحنُ النُّجوم. ونحنُ الرُّؤساءُ، وأعضاءُ مجلسِ الشُّيوخِ، والرِّياضيُّونَ المَشهورونَ، والمُمَثِّلونَ والمُغَنُّونَ النَّاجحون. وأنا أَشكرُ اللهَ على كُلِّ هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ هُمْ مؤمنونَ حقيقيُّون. ولكنِّي أتساءَلُ وحَسْب عَمَّا إذا كُنَّا نَرى الصُّورة الحقيقيَّة. فنحنُ نُحاولُ أنْ نُجامِلَ العالمَ عِوَضًا عَنِ التَّصَدِّي لَهُ. ولا أدري كيفَ حَدَثَ ذلك. فقد صِرْنا النُّخبة. وقد صِرنا المَقبولين. وقد صِرنا الأغنياء.

اسمعوني: لم يَكُن بولسُ يَنظر إلى الأمرِ هكذا. فعندما جاءَ بولُس وأرادَ أنْ يُقَدِّمَ أوراقَ اعتِمادِهِ، أتَعلمونَ ما الَّذي فَعَلَهُ؟ فأنا أتلقَّى رسائل كثيرة في البريد تقول: "هل ترغب في أنْ يأتي النَّجْمُ الفُلانِيُّ والنَّجمُ الفُلانِيُّ إلى كنيسَتِك؟" وَهُمْ لا يأتونَ مَجَّانًا، كما تَعلمون! "هل ترغب في أنْ يأتي النَّجْمُ الفُلانِيُّ والنَّجمُ الفُلانِيُّ؟ إليكَ نُبذة عنهم". وهُم يُرسلونَ لكَ أوراقًا كثيرةً وصُورًا تُظْهِرُهُمْ وَهُمْ يُصافِحونَ الجميع. "هل ترغب في أنْ يأتي هؤلاءِ النُّجوم إلى كَنيسَتِك؟" اسمعوني: أنا لا أُبالي بالنُّجوم.

فعندما جاءَ بولُس، لم يَقُل: "أريدُ منكم أن تَعلموا أنَّني تَخَرَّجْتُ في جامعة غَمالائيل... بامتياز. وأنا رَجُلٌ مَعروف عالميًّا وأتكلَّمُ عِدَّة لُغات. وأنا صَديقٌ شخصيٌّ للعديدِ مِنَ الملوكِ والحُكَّامِ والرِّجالِ المشهورين. وقد مُتُّ يومًا وعُدْتُ مِنَ الموت". فرسالةُ كورِنثوس الثَّانية تتحدَّثُ عن ذلك: "لقد صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَة". ولو كان حَيًّا اليوم، لَكانَ بِمَقدورِهِ أنْ يَطوفَ ويُخْبِرَ الجَميعَ عن ذلكَ عَارِضًا عَضَلاتِه! "أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِكُمْ". اسمعوني: لم تكن هناكَ حُدودٌ لما كانَ بمقدورِ ذلكَ الرَّجُل أن يَفعَلَه. فهي شَهادة قويَّة جدًّا. فقد كانَ بمقدورِهِ أنْ يَشُدَّ انتباهَكُم لساعات.

وهو يقول: "أتُريدونَ أوراقَ اعْتِمادي؟ سأُقدِّمُ لكم ما يُؤكِّدُ ذلك". انظروا إلى رسالة كورنثوس الثانية والأصحاح الحادي عشر. فهُنا تَجِدونَ أوراقَ اعْتِمادِهِ. سَيِّداتي، سادَتي، أَوَدُّ أنْ أُقَدِّمَ لكم الرَّسول بولُس. إليكم أوراقَ اعتمادِهِ إذْ نقرأ في العدد 23: "أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟" إنَّهُ أفضَل. فنحنُ هُنا أمامَ أعظمِ خادمٍ للمسيح. هل أنتم جاهزون؟

"...فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً. مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلاً وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ. بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ. فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ". هذا هوَ بولُس، يا أحبَّائي.

عَجَبًا! نَقرأُ في العددِ الخامِسِ مِنَ الأصحاحِ الثاني عشر: "مِنْ جِهَةِ نفسي لا أَفْتَخِرُ...". ويمكنني أنْ أَتَفَهَّمَ ذلك. أليسَ كذلك؟ فقد كانَ سَجينًا سابِقًا، وقد تَعَرَّضَ للضَّرب، والمُلاحقة، والرَّجْم، وانكسرت بِهِ السَّفينة، وأُسيئت مُعامَلَتُه. "...وَلكِنْ مِنْ جِهَةِ نَفْسِي لاَ أَفْتَخِرُ إِلاَّ [بماذا؟] بِضَعَفَاتِي. فَإِنِّي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَفْتَخِرَ لاَ أَكُونُ غَبِيًّا، لأَنِّي أَقُولُ الْحَقَّ. وَلكِنِّي أَتَحَاشَى لِئَلاَّ يَظُنَّ أَحَدٌ مِنْ جِهَتِي فَوْقَ مَا يَرَانِي أَوْ يَسْمَعُ مِنِّي".

اسمعوني. إنَّهُ يقول: "لا أريدُ أنْ أقولَ أيَّ شيءٍ عن نفسي. ولا أريدُ أنْ أُمَجِّدَ ذاتي. ولا أريدُ أنْ أُعطي أيَّ شخصٍ انطباعاتٍ خاطئة". اسمعوني: "وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ. مِنْ جِهَةِ هذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي".

وكما تَعلمون، لقد كانَت لديهِ مُشكلة. وهناكَ مَن يَعتقدُ أنَّهُ كانَ يُعاني مُشكلةً صِحِّيَّةً في عينيه. وهذا مُحتمَل. وهناكَ مَنْ يَعتقد أنَّهُ كانَ مُصابًا بمرضٍ في عينيهِ يَجْعَلُهما تُفرِزانِ دائمًا مادَّةً مُنَفِّرَةً جدًّا تَجعلُ النَّاسَ يَنْفُرونَ مِنَ الوُجودِ في المكانِ الَّذي يكونُ حاضِرًا فيه. ولا أدري ما هي تلك المُشكلة. ولكِنْ أيًّا كانت، فإنَّها كانت شيئًا غير مَرْغوبٍ فيه. وعِوَضًا عن أنْ يُزيلَ اللهُ هذه المشكلة، قالَ لَهُ: "تَكْفِيكَ نِعْمَتِي. [ينبغي أنْ أُبقيكَ مُتواضِعًا يا بولُس]" لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ".

"فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ" [أَتَرَوْنَ ذلك؟] وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا [ماذا؟] قَوِيٌّ".

اسمعوني: طالما أنَّكم تَظُنُّونَ أنَّكم تَستطيعونَ القيامَ بأيِّ شيءٍ بقُدراتكم الشَّخصيَّة، لن تنالوا قُوَّةَ اللهِ. هذا هو ما يَقولُهُ هُنا. فطالَما أنَّكُم تَظُنُّونَ أنَّهُ بمقدوركم أنْ تَفعلوا كُلَّ شيءٍ بأنفسكم، وأنَّكم على ما يُرام، وأنَّكم قد أَثْبَتُّم أنفُسَكُم، وأنَّهُ لديكم علاقات عامَّة تُساعِدُكم على القيام بذلك، فإنَّكم تَتَّكِلونَ على المبدأ الخاطئ.

وَهُوَ يَقول: "سوفَ أفتخرُ بضَعَفاتي. وسوفَ أفتخرُ بشَتائمي. وسوفَ أفتخرُ باضطهاداتي. وسوفَ أفتخرُ بِتَعييراتي. وسوفَ أفتخرُ بضروراتي. فسوفَ أفتخرُ بكُلِّ شيءٍ يَكْسِرُني، وبكُلِّ شيءٍ يَسحَقُني، وبكل شيءٍ يَجعلني مُتواضعًا. سوفَ أفتخرُ بذلك لأنَّ هذا هو ما يَجعلني أتَّكِلُ على الله. ولكِنِّي لا أفتخرُ بنفسي. لِذا فإنَّ اللهَ يَعملُ مِن خلالي ويُعطيني القُدرة على مُواجَهَة العالم".

ولكنَّنا نَعيشُ في زَمَنٍ باتت فيهِ المسيحيَّةُ مُنغَمِسَةً، أكثرَ مِن أيِّ وقتٍ مَضى، في تمجيدِ الذَّات؛ وَهُوَ أمرٌ يُهينُ الله. ونحنُ نَصْنَعُ مَشاهيرَ بسرعة تَفوقُ العالم. ولكِنَّ الأمرَ ليسَ كذلك. فعندما قالَ الربُّ (كما تَعَلَّمنا في هذا الصَّباح) في سِفْر أعمال الرُّسُل 1: 8: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا". فهو يَقول: "ستَنالونَ الشَّهادَةَ مِنْ أجلي". ستكونونَ لي ماذا؟ "شُهَداء". فهناكَ ثَمَنٌ لا بُدَّ أنْ يُدفَع.

إنَّ ضَميرَ الغائِب والمُخاطَب في التَّطويبات يَعودُ إلى أيِّ وَلَدٍ مِن أولادِ الملكوت. وكيفَ سنُضْطَهد؟ سوفَ نُضْطَهَد اضطهادًا مُباشِرًا ونُعَيَّر. وسوفَ يَقولونَ علينا مِنْ وراءِ ظُهورِنا كلامًا كاذبًا. لماذا؟ لننظر إلى السَّبب. لنرجِع إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامِس. لماذا سيَفعلونَ هذا بنا؟ فقد تقولون: "إنَّنا أُناسٌ طَيِّبون". وأنا أَتِّفِقُ معكم. فالمسيحيُّونَ أَطْيَبُ أُناسٍ في العالم. فنحنُ أطيبُ أُناسٍ لأنَّ اللهَ يَحيا فينا. واللهُ كُلُّهُ صَلاح. واللهُ يأخُذُ مَساوِئَنا ويُعطينا عِوَضًا عنها صَلاحَهُ. لِذا فإنَّنا طَيِّبونَ حَقًّا. ولكِنْ لماذا يَفعلُ العالمُ هذا بنا؟

إنَّ الجوابَ بَسيط إذْ نَقرأ في العدد 10: "...مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ". ونقرأ في العدد 11 (في نهاية العدد): "مِنْ أَجْلِـي". اسمعوني: هناكَ شيئان لا يَرغبُ العالمُ فيهما: البِرّ، والمَسيح. أَتَرَوْن؟ فأنتُم تُواجهونَ عالمًا خاطئًا يُحِبُّ الظُّلمة أكثر مِن النور. وأنت تواجهونَ عالمًا خاطئًا يُحِبُّ خطيئتَه. ولا بُدَّ أنْ تَصْدُرَ رُدودُ فِعْلٍ عنيفة عن هذا العالم. وإذا جاءَ يَسوعُ المسيحُ مَرَّةً أُخرى فإنَّ العالمَ سيَفعل بهِ ما فَعَلَهُ بهِ مِنْ قَبل. فالعالمُ سيَحرصُ على قَتْلِه. فقد كانتِ الحالُ هكذا دائمًا. وهي ستبقى هكذا دائمًا.

انظروا إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح 15 قليلاً. ففي إنجيل يوحنَّا 15: 18، يَقولُ رَبُّنا يسوعُ ذلك بأوضحِ صيغة مُمكِنَة: "إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ" (يوحنَّا 15: 18)." لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ لَكَانَ الْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ، لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ". والعدد 17 يقول: "بِهذَا أُوصِيكُمْ حَتَّى تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". وهذا رائعٌ. ونحنُ بحاجة إلى ذلك. وقد استمتعنا بذلك في هذا المساء. وقد تبارَكنا بذلك في هذا المساء.

وها نحنُ مُجتمعونَ هنا، كُلُّ عائلة المسيح الرَّائعة هذه في كنيسة النِّعمة (Grace). ونحنُ نُحِبُّ بعضُنا بعضًا. ولكِنْ ما إنْ نَخْرُجَ إلى الخارج حتَّى نَجِدَ أنَّ العالَمَ لا يُحِبُّنا. فالعالمُ ماذا؟ يُبْغِضُنا. والنِّظامُ الشِّرِّيرُ يُبغضُنا. وقد تقول: "لماذا يَفعلونَ ذلك؟" لأنَّنا لسنا مِنَ العالم. فلو كُنَّا مِنَ العالم لكانَ قد قَبِلَنا، ولكنَّنا نَتَصَدَّى للعالم.

وإنْ لم تَتَصَدَّوْا للعالم، فإنَّهم لن يَعلموا بأمرِكُم. ولكِنْ إنْ عَلِمَ العالمُ أنَّنا لسنا جُزءًا مِنَ النِّظام، سوفَ يُبغِضونَنا. وهو يقول في العدد 20: "اُذْكُرُوا الْكَلاَمَ الَّذِي قُلْتُهُ لَكُمْ: لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ حَفِظُوا كَلاَمِي فَسَيَحْفَظُونَ كَلاَمَكُمْ". بعبارة أخرى، "حينَ تَقترنونَ بي، سيُعامِلونكُم كما عامَلوني. فالذين يُحِبُّونَني سيُحِبُّونَكم، والذينَ يَكرهونني سيَكرونَكُم. والذينَ يُحِبُّونَ البِرَّ سيُحِبُّونَكم، والذينَ يُبغضونَ البِرَّ ويُحِبُّونَ الخطيَّة سيُبغضونَكُم".

وخُلاصةُ الأمرِ هي أنَّهُم لا يَعرفونَ الله. فنحنُ نقرأ في العدد 21: "لكِنَّهُمْ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ بِكُمْ هذَا كُلَّهُ مِنْ أَجْلِ اسْمِي، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ الَّذِي أَرْسَلَنِي". أَتَرَوْن؟ فَهُمْ لا يَعرفونَ اللهَ. "لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ جِئْتُ وَكَلَّمْتُهُمْ، لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيَّةٌ، وَأَمَّا الآنَ فَلَيْسَ لَهُمْ عُذْرٌ فِي خَطِيَّتِهِمْ. اَلَّذِي يُبْغِضُنِي يُبْغِضُ أَبِي أَيْضًا. لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ عَمِلْتُ بَيْنَهُمْ أَعْمَالاً لَمْ يَعْمَلْهَا أَحَدٌ غَيْرِي، لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيَّةٌ، وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ رَأَوْا وَأَبْغَضُونِي أَنَا وَأَبِي".

وهل تَعلمونَ ما الَّذي جاءَ يسوعُ إلى العالمِ وَفَعَلَهُ؟ لقد جاءَ إلى العالم وَفَضَحَ ماذا؟ خَطيئتهم. فقد كانوا خاطئين. وقد رأَوْا الخطيَّة في حياتهم. وقد واجَهوهم بحقيقة الخطيَّة. ولو أنَّ يسوعَ لم يأتِ، رُبَّما لم يُدركوا ذلك. فقد كانوا بارِعينَ في تَخديرِ ضَمائِرِهم. وكانَت ديانَتُهم تُعمي أعينَهُم حَرفيًّا عن رُؤية الحقّ. وبسببِ ذلكَ العَمى، كانوا يَنحدرونَ بسُرعة نحو جَهَنَّم. ولكِنَّ المسيحَ أزالَ العَمي وقال: "انظروا إلى أنفُسكم". وقد رأوا خطيئتهم، وكَرِهوهُ لأنَّهُ واجَهَهُم بحقيقتها. لِذا فقد أَبْغَضوه.

وقد حَدَثَ ذلكَ تمامًا كما قالَ الكتابُ المقدَّسُ إنَّه سيحدث. فالمزمور يقول: "إِنَّهُمْ أَبْغَضُونِي بِلاَ" [ماذا؟] "سَبَب". بلا سَبَب. لذا فإنَّ السُّؤالَ هو: "لماذا يُبغِضونَنا؟" لا يوجد سَبَب. فالخطأُ ليسَ فيكم. فأنتُم رائعونَ حقًّا. والخطأُ ليسَ فِيَّ أنا أيضًا. صحيحٌ أنَّني لستُ رائعًا جدًّا معَ أنِّي أتمنَّى أن أكونَ كذلك، ولكِنِّني لستُ سَيِّئًا جدًّا. ولكِنَّ الخطأَ لا يَكْمُنُ فِيَّ أنا. بل إنَّهُمْ يُبغضونَ البِرَّ، وَيُبغضونَ المسيح. فإذا عِشْتَ حياةً بارَّةً وكُنْتَ مِلْحًا (وَهُوَ أمرٌ سنتحدَّثُ عنهُ في الأسبوع القادم)، حاول أنْ تكونَ مِلْحًا وراقب ما سيحدث.

مِلْح! هل وَضَعْتَ يومًا مِلْحًا على جُرْح؟ يا للهَول! إنَّهُ مؤلمٌ جدًّا. كونوا مِلْحًا. لا تقولوا شيئًا، بل كونوا مِلْحًا وحسب. أيْ: كونوا أبرارًا في مُجتمعٍ فاسدٍ وراقبوا ما يحدث. سوفَ يَحْدُثُ ما قالَهُ. وقد تقول: "حسنًا، إذا سوفَ أُخبرُكَ ما ينبغي أنْ نَفعل. يجب علينا أنْ نَخرُجَ مِن هذا العالم. يجب علينا أنْ نَخرُجَ منه وَحَسْب". هذا هوَ التَّنَسُّك. أنْ نَدَعَ الجميعَ يَتَنَسَّكون، ويَعتكفون، ويَبنونَ صَوامِعَ، ويَدرسون الكتابَ المقدَّس.

لا! فبالرَّغمِ مِن ذلك، فإنَّني أُحِبُّ ما جاءَ هُنا: "وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي" (في العدد 26) "الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. وَ [ماذا أيضًا؟] "وتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا". فهو يقول: "لا تذهبوا إلى أيِّ مكانٍ آخر. لا تَخرجوا. لا تُغادروا. لا تَطْوُوا خيمَتَكُم. لا تَتَسَلَّلوا تحتَ جُنْحِ اللَّيلِ لدراسةِ الكتاب المقدَّس إلى أنْ يَحدث الاختطاف. بلِ اخرجوا إلى العالم وكونوا شُهودًا؛ أيْ: شُهَداء. فيجب عليكم أنْ تُواجِهوا العالمَ، يا أحبَّائي.

اسمعوني: إنَّ مجيءَ يسوعَ لم يَجْلِب الخلاصَ فقط، بل أَظْهَرَ أيضًا كَراهِيَة أولئكَ الَّذينَ يُحِبُّونَ خطاياهُم. ولم يكن هذا يعني أنْ نُديرَ ظُهورَنا للعالم، بل إنَّهُ عَنَى أنْ نَذهبَ إلى العالمِ، وأنْ نُواجِهَهُ، وأنْ نَتَصَدَّى للعالم. وما الَّذي سيحدث حينئذٍ بكُلِّ تأكيد؟ سوفَ أُخبركم ما سيحدث. فهو يقول في العدد الثَّاني مِنَ الأصحاح 16: "سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ. وَسَيَفْعَلُونَ هذَا بِكُمْ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الآبَ وَلاَ عَرَفُونِي".

أتَرَون؟ إنَّ الأمرَ لا يَختصُّ بكم. بل يَختصُّ بعدم معرفتهم لله. ولأنَّهم لا يَعرفونَ اللهَ، فإنَّهم لا يَعرفونَ المسيح. ولأنَّهم لا يَعرفونَ المسيح، فإنهم لا يَفهمونَ البِرّ. ولأنهم ليسوا مُستعدِّينَ لقَبولِ البِرّ، فإنَّهم يريدونَ أنْ يَبْقَوْا في خطاياهم ولن يَحتملوا أيَّ مواجهة بخصوص تلك النُّقطة.

وهذا هو تمامًا ما تقولُهُ التَّطويبات. ارجعوا الآنَ إلى إنجيل مَتَّى، واسمحوا لي أنْ أُريكُم شيئًا. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامس، يقولُ الربُّ: "سوفَ تُضطهدون"...سوف تُضطهدون. ثم نقرأ في الأعداد 10 و 11 و 12 الكلماتِ نفسِها. وحينئذٍ قد تقول: "إذًا، لِنَتَنَسَّك. لنبتعد عن العالم". لا! فالعدد 13 يقول إنَّنا ينبغي أنْ نبقى في العالم، يا أحبَّائي: "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْض". وفي العدد 14: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَم". لا تذهبوا إلى أيِّ مكان: "لاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ...فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا [أيْن؟] قُدَّامَ النَّاس".

هل تَرَوْنَ، يا أحبَّائي! فبالرَّغمِ مِن وجودِ ثَمَنٍ ينبغي أنْ يُدفع، لا يمكننا أنْ نَختبئ. ويمكنني أنْ أتخيَّلَ "ستان ديل" القصير القامة. وقد كانَ مِنَ الرَّائع أن أقرأَ ذلك الكتاب. فعندما هُوْجِمَ أوَّلَ مَرَّة مِنْ قِبَلِ السُّكانِ المَحَلِّيِّين، كانوا قد اجتمعوا كُلُّهم وهُم يَحملونَ أقواسَهُم وسِهامهم على قِمَّةِ التَّلّ. وقد قال: "سوف أذهب إلى هناك وأخبرهم إنَّهُ لا يمكنهم أن يَفعلوا ذلك". وقد مَشى إلى أعلى ذلك التَّلَّ، واستمرَّ في المشي باتِّجاههم فأطلقوا السِّهامَ عليه. وقد كانتِ السِّهامُ تُخْطئُهُ. وقد استمرَّ في المشيِ وحَسْب.

وهُناكَ شيءٌ مُدهشٌ في هذه القصَّة. فقد كانَ ذاهبًا ليكونَ مِلحًا ونورًا مهما كانَ الثَّمن. وقد تَطَلَّبَ الأمرُ نحوَ سِتِّينَ سهمًا قبلَ أنْ يَسقُط. فقد كان ذاهبًا لتَمليحِ الموقفِ لأطول فترة مُمكنة. لذلك، لا تَخرُجوا مِنَ العالم، بل كونوا أُمناء.

ومِنَ المؤكَّد أنَّ العالمَ لا يُحِبُّ ذلك. ولعلَّكُم تَعلمونَ ما جاءَ في كولوسي 1: 24. أَتَذكرونَ ذلك؟ سوفَ أترُك بعضَ الأفكار وأكتفي بِذِكْرِ هذه الفكرة فقط: كولوسي 1: 24. ولعلَّكم تذكرونَ تلك الفكرة: "الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِه...". واسمحوا لي أنْ أتوسَّعَ في ذلك.

فبولُس يقول: "في كُلِّ مَرَّة يَضْرِبُني فيها أحَدُهُم، فإنَّهم يَضربونَ المسيحَ في الحقيقة". وقد كان باستطاعة "ستان ديل" أن يقول الشيء نفسه. فكل واحدٍ مِن قبيلة "يالي" أَطلقَ عليهِ سهمًا كانَ يُطْلِقُهُ في الحقيقة على يسوع المسيح. فَهُمْ لا يُبغضوني أنا، بل يُبغضونَ الحَقَّ الَّذي أُمَثِّلُه. أليسَ كذلك؟

فالعالَمُ يَضطهِدُ المسيح. وما يزالُ العالمُ يُحاولُ أن يَقتلَ المسيح. ولكنَّهم لا يقدرونَ أنْ يَقبضوا عليه لأنَّهُ ليسَ هنا. لِذا فإنَّهم يَقبضونَ على أيِّ شخصٍ يُمَثِّلُهُ ويَنْطِقُ بالحقِّ نفسه. وكما أنَّ العالمَ دَقَّ المساميرَ في يَديهِ لأنَّهم أبغَضوا رسالتَهُ، فإنَّ العالمَ ما يزالُ يَدُقُّ المساميرَ في حياةِ المؤمنينَ الذينَ يَتَصَدَّوْنَ للنِّظامَ مِنْ خِلالِ الرِّسالةِ نفسِها.

وأنتُم تَعرفونَني. فأنا لا أحاولُ أنْ أُشْعِلَ حربًا. وأنا لا أحاولُ أنْ أَصنعَ أعداءً في جميعِ أنحاءِ المكان. ولكِنِّي أريدُ أن أقولَ لكم شيئًا: أنا أُوْمِنُ بضرورة أنْ أقولَ الحَقَّ، وأنْ أقولَهُ حينَ ينبغي أنْ يُقال وحيثُ ينبغي أنْ يُقال، وللأشخاصِ الَّذي ينبغي أنْ يُقالَ لهم دونَ أن أقلقَ بسببِ العواقب. وهذا كُلُّهُ لأجلِ اسْمِه. وأنا أسمعُ الرَّسولَ بولُس يقول: "لأَعْرِفَهُ...وَشَرِكَةَ [ماذا؟] آلاَمِهِ". أَتَرَوْن؟ فهو يقول: "أنا مُستعدٌّ لذلك...أنا مُستعدٌّ لاحتمالِ تلكَ الضَّرَبات".

وفي مَتَّى 10 ومَتَّى 24 أيضًا، نَجِدُ نَصَّيْنِ رائعين عن تلك الحقيقة إذْ يقول: "وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي". "وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي". إذًا، مَنْ سيُعاني؟ شعبُ الملكوت؟ كيف؟ مِن خلال الاضطهاد. لماذا؟ منْ أجلِهِ. مَتى؟ متى سنُضطَهد؟ حسنًا! لننظر إلى العدد 11: "طُوبَـى لَكُمْ إِذَا..." أو: "مَتى" ("هوتان" “hotan”). وما مَعناها؟ إنَّها تَعني "مَتى"...مَتى. فهي لا تَعني: "طوبى لكم لأنَّكم ستُضطهدونَ دائمًا". لا، بل: "مَتى حَدَثَ ذلك، طُوبى لكم".

فالفكرة هنا هي ليست أنَّنا سنكونُ مُضْطَهَدينَ دائمًا ودونَ توقُّف، ولا أنَّ إعصارَ الاضطهادِ لن يتوقَّف. فالأمرُ لم يكن هكذا في زمنِ بولُس. والأمرُ لم يكن هكذا في زمن المسيح. فقد كانت هناك أوقاتٌ استمتعَ يسوعُ فيها بأجواءِ المحبَّة العائليَّة معَ مَريم ومَرثا ولِعازَر. وقد كانت هناكَ أوقاتٌ ذَهَبَ فيها يسوعُ إلى جبلِ الزَّيتونِ ليكونُ في خُلوة. وقد كانت هناكَ أوقاتٌ رائعة صَرَفَها يسوعُ معَ الاثني عَشَر في الجليل.

لا، إنَّ الاضطهادَ لن يكونَ دائمًا، أو مُستمرًّا، أو لا نهاية لَهُ. ولكِنْ مَتى حَدَث ذلك ("هوتان" (“hotan”...مَتى حَدَثَ ذلكَ فإنَّ اللهَ يُبارك الشَّخص ويُعطيهِ القُدرة على احتمال الاضطهاد. فهو يُعطي المؤمنَ دائمًا القُدرة على الاحتمال. أليسَ كذلك؟ "لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا [ماذا؟] الْمَنْفَذ...". فالمنفذُ سيكونُ موجودًا دائمًا.

والآن اسمعوني، يا أحبَّائي: حينَ يحدث ذلك، فإنَّكم لا تَسْعَوْنَ إليهِ بأنفُسِكُم. فنحنُ لا نَسعى إلى الاضطهادِ بأنفُسِنا. ونحنُ لا نُعاني عُقدةَ الاستشهاد، ولكنَّنا لا نَهرُبُ مِنْهُ أيضًا. وحينَ نَصيرُ في وسط الاضطهاد، فإنَّنا لا نُساوِم. وبَعْدَ الاضطهادِ، نَرى في النَّصِّ أنَّ هُناكَ وَعْدًا. ألا تَعتقدونَ أنَّ هذا الوعدَ يُفَرِّحُ القَلب؟ وما هو هذا الوعد؟ "طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ..." وَهَلُمَّ جَرَّا. طُوبى، طُوبى...لأنَّ لهم الملكوت.

اسمعوني، يا أحبَّائي: أيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي نَتَخَلَّى عنهُ في هذا العالم، فإنَّنا سنَربحُ مِليونَ ضِعْفٍ في ملكوتِ الله. أليسَ كذلك؟ فأيًّا كانَ الشَّيءُ الماديُّ الَّذي قد نَخسره، فإنَّ المُكافأة الأبديَّة ستُعَوِّضُ ذلكَ بِكُلِّ تأكيد. وما الَّذي يَقولُهُ الرَّسولُ الحَبيبُ بولُس شخصيًّا - الَّذي كانَ رَجُلًا ذا عَقْلٍ كبيرٍ وقدراتٍ هائلة تُمَكِّنُهُ مِنَ التَّفَوُّقِ في هذا العالَم؟ عِوَضًا عن ذلك، لم يكن يَمْلِكُ أيَّ شيء. وذاتَ يومٍ، وَضَعَ رأسَهُ على جِذْعِ شَجَرَة وَهَوَتْ فَأسُ عليهِ فَفَصَلَتْهُ عن جسده. ولكِنَّ الرَّسولَ الحبيبَ المُبارَك بولُس لم يَقُلْ سِوى هذه الكلمات: "فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا". أليسَ كذلك؟

فأيًّا كانتِ الخسارة في هذه الحياة، فإنَّها لا تُقارَن بالمُكافأةِ الَّتي سنحصلُ عليها في ملكوتِ الله. وَيسوعُ يَقول: "طُوبى". وَهُوَ يَقولُها مَرَّتينِ للتَّأكيد: "طُوبى...طُوبى" لأنَّ أولئكَ المُستعدِّينَ لاحتمالِ الاضطهادِ مِن أجل يسوعَ المسيح سيَعرفونَ بَرَكَة الطَّاعة وبَرَكة كونِهِم جُزءًا مِن ملكوتِ اللهِ الأبديّ.

وأنا أُفَكِّرُ في العديدِ مِنَ الأمثلة الَّتي تُوَضِّحُ ذلك. فقد اكْتَشَفَ يوسُف صِحَّةَ ذلك. فقد اضْطُهِدَ يوسُف مِنْ قِبَلِ إخوَتِهِ لأجلِ البِرّ. وقد انتهى بهِ الأمرُ في بئرٍ جافَّةٍ في الصحراء، وكانوا يُعاملونه باحتقارٍ ويَكرهونه. ولكِنَّ اللهَ أنقذَهُ وجَعَلَهُ رَئيسَ وُزراءِ مِصْر. وقد تَطَلَّبَ الأمرُ بعضَ الصَّبْر.

وقد طُرِحَ إرْميا في جُبٍّ مُوْحِلٍ بسببِ حياتِهِ البارَّة. وقد وَجَدَ نفسَهُ في حُفْرَةٍ عَميقةٍ والطِّينُ يُحيطُ بِهِ مِنْ كُلّ ناحية. ولكِنَّ اللهَ أنقذَهُ وجَعَلَ اسْمَهُ مُكَرَّمًا كبقيَّةِ الأشخاصِ الذينَ عاشوا حياتَهُم بوصفهم أنبياءَ الله.

اسمعوني: إذا كنتَ مُستعدًّا لدفع الثَّمن الآن، فإنَّ اللهَ يقول: "إنَّ المجدَ الَّذي سيُستَعلنُ لا مَثيلَ لَهُ. والمُضطهَدونَ سيَأخذونَ بَرَكةً مُضاعَفةً لأنَّ لهم الملكوت وكُلّ ما هو موجودٌ في الملكوت. وقد تقول: "حسنًا، ولكِنْ عن أيِّ ملكوتٍ يَتحدَّث يسوعُ هُنا؟" أعتقد أنَّهُ يتحدَّث عن كُلِّ المفاهيمِ الَّتي يَتَضَمَّنُها الملكوت. وأعتقد أنَّهُ يتحدَّثُ عن حياتِنا هُنا والآن. فالمَلِكُ الحَيُّ الَّذي يَسكُن فينا يَكْشِفُ لنا الملكوتَ ويُعطينا مِلْءَ حياةِ الملكوتِ روحيًّا.

وأعتقد أنَّهُ يتحدَّث عنْ شيءٍ يَختصُّ بالمُلْكِ الألفيِّ. فسوفَ يأتي وقتٌ يَصيرُ فيهِ التَّحقيقُ الماديُّ لحياةِ الملكوت مِنْ نَصيبِنا في تلكَ الأرض الرَّائعة الجديدة. وأعتقد أنَّهُ يتحدَّثُ عن الملكوتِ الأبديّ حيثُ سنتقابل وجهًا لوجه معَ ابْنِ اللهِ ونَحيا في مجدٍ إلى الأبد. وأعتقد أنَّهُ يَعني هذا كُلَّهُ هُنا. وأعتقد أنَّهُ يقولُ إنَّ كُلَّ ما قد يَعنيهِ الملكوت، وكُلَّ ما يمكن أنْ يَهَبَنا اللهُ إيَّاهُ مِنْ هِباتٍ عظيمةٍ ورائعةٍ لتعويضِنا عن آلامِنا سيكونُ مِنْ نَصيبِنا.

ونقرأ في مَرْقُس 10 أنَّ بُطْرُسَ قال: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ". لقد فَعَلنا ذلكَ يا رَبّ. فقد تَرَكْنا كُلَّ شيءٍ وتَبعناك. وقد صِرْنا كالمُتَسَوِّلين في العالم. "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً، لأَجْلِي وَلأَجْلِ الإِنْجِيلِ...[اسمعوا:]، إِلاَّ وَيَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ الآنَ فِي هذَا الزَّمَانِ...". أَتَرَوْنَ ذلك؟ فهذا هو التَّحقيقُ الحاضِر. "...بُيُوتًا وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ وَأُمَّهَاتٍ وَأَوْلاَدًا وَحُقُولاً، مَعَ اضْطِهَادَاتٍ" [وهي مُلاحظة مُهِمَّة]، "وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ". أَتَرَوْن؟ هُنا والآن، وآنَذاكَ وهُناك. فالكُلُّ مِنْ نَصيبِنا. ويا لِروعة ذلك، يا أحبَّائي!

اسمعوني: نحنُ مُصابون بِقِصَرِ نَظَرٍ شديد. فنحنُ نريدُ أنْ نَحتفظَ بالبَرَكاتِ الآنِيَّة عِوَضًا عنِ التَّخَلِّي عنها لأجلِ اللهِ حَتَّى نَحْصُلَ على "ثِقَلِ مَجْدٍ أبديّ". اسمعوني: إنَّ الملكوتَ هو عَطِيَّة نَحْصُلُ عليها مِنْ خلالِ عَيْشِ التَّطويبات. وهل لاحظتم أنَّ التَّطويبة الأولى تبتدئ بالوعد: "لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَات"، وأنَّ التطويبة الأخيرة تنتهي بالوعد: "لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَات"؟ وما يَعنيهِ ذلك حقًّا بالنِّسبة إلينا هو أنَّ الوعدَ العظيمَ في التطويباتِ هو أنَّكَ ستصيرُ مواطنًا في الملكوتِ الآنَ وإلى الأبد، وأنَّ الوعودَ الأخرى الَّتي تأتي في الوسط هي عناصر وَحَسْب مِنْ حياةِ الملكوت.

ومهما فَعَلَ العالمُ، يا أصدقائي...مهما فَعَلَ العالم، فإنَّهُ لن يُؤثِّرَ سلبيًّا في حُصولِنا على ملكوتِ المسيح. فهو لنا الآن وإلى الأبد. لِذا، سوفَ يكونُ هناكَ اضطهاد. وعندما نَختارُ أنْ نَحتملَ ذلك، فإنَّ الوعدَ يصيرُ لنا. فنحنُ جُزءٌ مِنَ الملكوتِ، وكُلُّ ما يَستطيعُ الملكوتُ أنْ يُعطينا إيَّاه سيكونُ مِنْ نَصيبِنا.

وهل تَعلمونَ شيئًا؟ أنا لا أمْلِكُ منزلاً عظيمًا وضخمًا هُنا والآن، ولكنِّي سأملِكُ واحدًا ذاتَ يوم. أليسَ كذلك؟ فسوفَ أكونُ في منزلِ الآب. وأنا لا أملكُ منازِلَ كثيرة وأراضي كثيرة وكُلَّ تلك العَطايا العظيمة الَّتي نَقرأُ عنها هُنا والآن لأنَّ ما أمْلِكُهُ حقًّا سيكونُ (مِنْ جِهَة) في المُلْكِ الألفيِّ وفي الحالة الأبديَّة. ولكِنْ (مِنْ جهةٍ أخرى) فإنَّني أملِكُ ذلك لأنَّ بعضًا منكم إخوتي وأخواتي في المسيح، وبعضٌ منكم آباءٌ وأمُّهاتٌ لي في المسيح، وبعضٌ منكم يَمْلِكونَ منازلَ أفضلَ مِنْ مَنزلي وأنتم تَدعونَني إلى بُيوتِكُم وتَسمحونَ لي بالتمتُّعِ بكُلِّ ذلك.

وكما تَرَوْن، فإنَّ هذا هو معنى ذلك هُنا والآن. فنحنُ نَشترك جميعًا. وكما تَعلمون، قد تَتَخَلُّونَ عن عائلتكم في سبيلِ إيمانكم بالمسيح. وقد يَتبرَّأونَ مِنكم. ولكِنِّي سأقولُ لكم شيئًا واحدًا: انظروا حولكم. هذه هي عائلتُكم. فقد لا تَجِدوا مكانًا تَبيتونَ فيه لأنَّكُمْ طُرِدْتُمْ مِنْ منزلكم. انظروا مِنْ حولِكم. ها نحنُ. فنحنُ لدينا منازل. وهي مَنازِلُكُم أنتُم أيضًا لأنَّنا لا نَمْلِكُ أيَّ شيء. بل نحنُ مُجَرَّد وُكلاء عنها أمامَ اللهِ. وهي مُشتركة بيننا جميعًا.

لِذا فإنَّ الاضطهادَ يَنْطَوي أيضًا على وَعْد. وهذا يعني أنَّهُ ينبغي أنْ نأخُذَ موقفًا مِنَ الاضطهاد. وهذه هي النُّقطة الأخيرة. فماذا ينبغي أن يكونَ موقفُنا؟ ماذا ينبغي أن يكونَ موقفُنا إنْ حَدَثَ ذلك؟ العدد 12: "اِفْرَحُوا". وقد تقول: "افرحوا"؟ افْرَحوا حينَ يُطلقونَ السِّهامَ عليكم. افرحوا حينَ يَصيحُ أصدقاؤكم عليكم بِجُنون. افرحوا حينَ يَهْمِسونَ مِنْ وراءِ ظُهورِكُم. افرحوا حينَ يُقَلِّلونَ مِنْ شأنِكُم. أجل، افرحوا. فَهُوَ يقول: "كايرو" (chairo). وهي تَعني: "يَفْرَح" (أيْ: يَبْتَهِج حقًّا). وإنْ لم يكن ذلكَ كافيًا، فإنَّهُ يُضيفُ الآتي: "وَتَهَلَّلُوا"، وهي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة: "أغالياسثي" (agalliasthe). وهي تَعني حرفيًّا: "يَقْفِز ويَثِبُ وَيَصِيْحُ مِنَ الفَرَح".

وقد تقول: "لا بُدَّ أنَّكَ تَمْزَح؟ أَقْفِزُ وَأَثِبُ وأصيحُ مِنَ الفَرَح؟ لقد تَمَّ اضطهادي". يجب أن تَفرحَ بذلك. وقد تقول: "ولماذا ينبغي أنْ أفرحَ جدًّا بذلك؟ فهو لا يبدو أمرًا مُبْهِجًا في نَظري". الحقيقة هي أنَّ هناكَ سَبَبَيْن لهذا الفرح: السَّببُ الأوَّل مذكور في العدد 12: "لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَات".

والآن، اسمَعوني يا أحبَّائي: "لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَات". واسمحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا: إلى متى ستدومُ السَّماء؟ إلى متى ستدومُ السَّماء؟ إلى الأبد. وإلى متى ستدومُ الحياةُ هنا؟ "إنَّها بُخارٌ يَظهر قليلاً ثُمَّ يَضْمَحِلّ" (يعقوب 4). وإلى متى ستدومُ الحياة في السماء؟ إلى الأبد. وكم ستدومُ هنا؟ ليسَ وقتًا طويلاً. فهي تَقْصُرُ طَوالَ الوقت.

ما الأشياءُ الَّتي تَستثمرُ حياتَكَ فيها؟ لا عَجَبَ أنَّ يسوعَ قال: "اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُون". لا تَكْنِزوا كُنوزًا هُنا. فالأمورُ الموجودةُ هُنا والآن تَمضي. أمَّا السَّماءُ فهي إلى الأبد: "لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ".

وقد تقول: "حسنًا. هل تَعتقد أنَّنا سنحصل على أكاليل في السَّماء؟" بِكُلِّ تأكيد. أنا أعتقد أنَّنا سنحصل على أكاليل في السماء. فالكتابُ المقدسُ يتحدث عنها، وأنا لا أعرفُ مَعنى ذلك. ولكنِّي أعتقد في قلبي أنَّها تَختصُّ بقدرتنا على تمجيدِ اللهِ إلى الأبد. فأنا أعتقد أنَّهُ كُلَّما زادت أمانَتُنا هنا، زادت قُدرتُنا على تمجيدِ اللهِ إلى الأبد. فأنا أعتقد أنَّ اللهَ سيُعطينا قُدرة أكبر على تمجيده، وقدرة أعظم على خدمته إلى الأبد، وشِبَعًا أعظم – إنْ كُنَّا أُمناءَ هنا.

ولكنِّي سأقولُ لكم شيئًا واحدًا: إنْ كنتُ سأحيا هناكَ إلى الأبد، وكنتُ سأعيشُ هنا نحو عِشْرينَ سنة، فإنَّني أريدُ أنْ أستثمرَ حياتي في الأبديَّة، لا هُنا. فالوقتُ لديَّ هنا قليل. وأنا أريدُ أنْ أَستثمِرَهُ كُلَّهُ في حِسابِ الرَّبِّ لكي تأتيني مِنْهُ عَوائِد أبديَّة – لا لأجلي، بل لكي آخُذَها وأَطْرَحَها عندَ قَدَمَيْهِ المبُارَكَتَيْنِ مِن خلال التَّسبيح.

اسمعوا ما يَقول: "لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَات". وأنا أُحِبُّ الكلمة "عَظيم" لأنَّ الكلمة "عَظيم" تَعني حقًّا ما تقول؛ كما هي حالُ كلماتٍ كثيرة في الكتاب المقدَّس. فعندما يقولُ اللهُ إنَّ شيئًا ما "عَظيم"، فإنَّهُ عظيم.

والكلمة "بولوس" (polus) تعني "وَافِر". وهي تُستخدَم في أفسُس 2: 4 للحديثِ عنِ الوَفْرَة (أوِ الغِنى). وهي تَعني: "المُكافأة الغَنِيَّة". وقد تقول: "لا أدري لماذا تريدُ أنْ تُشَوِّهَ الحقيقة هكذا". والنَّاسُ يقولونَ ذلك كثيرًا: "ينبغي ألَّا تَخدِمَ الربَّ..." أو بالحَرِيّ: "ينبغي أنْ تَخْدِمَ الربَّ بدافعِ المحبَّة، لا أنْ تَخْدِمَهُ بدافعِ المُكافأة".

اسمعوني: لستُ أنا مَنْ وَضَعَ النِّظام. فأنا أخدِمُهُ بدافعِ المحبَّة. وإنِ شاءَ أنْ يُكافِئَني، فإنَّ هذه هي مَسَرَّتُه الرَّائعة. وأنا لن أُجادِلَ بهذا الخصوص. وحينَ أذهبُ إلى السماء، لن أكونَ فَخورًا بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. لِذا فإنَّني سآخُذُ المُكافأةَ كاملةً وأُعيدُها إليهِ باتِّضاع. وكما تَعلمونَ، لن يكون هناكَ أُناسٌ مُفتخرونَ في السماء. فسوف نكونُ جميعُنا كاملين آنذاك لكي نَتمكَّنَ مِنَ استخدامِ المُكافأةِ استخدامًا صحيحًا. هل تَفهمونَ ذلك؟ لذا فإنَّ الربَّ لا يُعطينا المُكافأةَ هنا. فهي ستُفسِدُ الأمرَ تمامًا. ولكِنْ إن شاءَ الربُّ أنْ يفعلَ ذلك، فهذا أمرٌ يَخُصُّهُ هو. وهو دافعٌ رائع.

وبولس يقول: "أنا أفعلُ ما أفعل طَوالَ حياتي إذْ أَخدِمُ الرَّبَّ". ومِن هذا المُنطلَق، فإنَّهُ يقول في نهاية رسالة تيموثاوس الثانية، في أثناءِ تَسبيحِهِ للرَّبّ: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا". فهو يقول: "ليسَ هُناكَ ما يَمنَعُني مِنْ تَرَقُّبِ ذلكَ اليوم بشوق. وليسَ هناكَ ما يَمنعني مِنْ تَرَقُّبِ رؤية ذلك الإكليل. فإنْ كانت هذه هي هِبَةُ الربِّ لي، كَما أنَّني قَبِلْتُ هِبَةَ الخلاص، فإنَّني سَأَقبَلُ هذه أيضًا".

ثُمَّ إليكم هذه الفكرة الثَّانية. فلا بُدَّ أنْ أقولَ لكم هذه الفِكرة. فهي رائعة جدًّا. فالسَّببُ الثاني الَّذي ينبغي أنْ يَجعلَكَ سعيدًا هو أنَّهم "هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ". وقد تقول: "وما مَعنى ذلك؟ وما صِلَةُ هذا الأمرِ بي أنا؟ فقدِ اضطهدوا الأنبياءَ الذينَ قَبلي. هل تعني أنَّهُ ينبغي لي أن أكونَ سعيدًا لأنَّهُم واجهوا نفس المشاكل الَّتي أُواجِهُها أنا؟ هل تَعني أنَّ الطُّيورَ على أشكالِها تَقَع؟ فهل ينبغي أنْ أُسَرَّ لأنِّي لستُ الوحيدَ في هذا الأمر؟ وهل ينبغي أن أُسَرَّ لأنَّ الجميعَ يُضْطَهَدونَ أيضًا؟" هل هذه هي الفكرة؟ لا.

لا! فالفكرة هي كالتَّالي: أنتُم بِرِفقةٍ رائعةٍ. هل تَفهمونَ الفكرة؟ فقد اضطَهدوا أنبياءَ اللهِ. وإنِ اضطهدوكم، فإنَّ هذا في نظري هو ذُروة التَّطويبات. وما يَعنيه هو الآتي: إذا كانت لديكَ أيُّ شكوك في خلاصِك، وإنْ كانت لديك أيُّ تساؤلات بخصوص انتمائِكَ إلى الملكوت، إذا كُنتَ مُضطهَدًا في حياتِكَ مِن غير المؤمنين، ستَعلمُ دونَ أدنى شَكٍّ أنَّكَ تَنتمي إلى اللهِ لأنهم سيفعلونَ بكَ تمامًا ما فَعلوهُ بالأنبياءِ الذينَ دَعاهُمُ الله. هل فَهمتُم ذلك؟ إنَّهُ حَقٌّ عظيم.

وأنا أقولُ لكم إنَّني حينَ أُضْطَهَد فإنَّني أقولُ وحسب: "أنا أَعلمُ أنِّي ابْنُكَ، يا رَبّ، وأَعلمُ أنَّكَ أعطيتَني نفسَ الامتيازَ الَّذي أعطيتَهُ للأنبياء". وكما تَرَوْن، فإنَّ العالمَ لا يَضطهدُ الأشخاصَ الَّذينَ ليسوا أنبياءَ اللهِ، أوِ الأشخاصَ الَّذينَ لا يُبْلِغونَ رسالةَ الله.

وفي نَصٍّ آخَر في إنجيل مَتَّى (وسوفَ نَدْرُسُ ذلكَ لاحقًا). ولكِنْ في إنجيل مَتَّى 21: 33، نَجِدُ نَصًّا رائعًا، وَهُوَ مَثَلٌ إذْ نَقرأ: "كَانَ إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْمًا، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجًا، وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ". وهذا يُشيرُ، دونَ شَكٍ، إلى الله. "وَلَمَّا قَرُبَ وَقْتُ الأَثْمَارِ أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى الْكَرَّامِينَ". أيْ أنَّهُ أَرْسَلَ الأنبياء. وإسرائيلُ هي، دون شَكٍّ، هؤلاء الكَرَّامين الأَجيرين. "فَأَخَذَ الْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضًا وَقَتَلُوا بَعْضًا وَرَجَمُوا بَعْضًا. ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ الأَوَّلِينَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذلِكَ". وَهُمْ هُنا يَقتلونَ الأنبياء، ويَضطهدونَ الأنبياء. فهذا هو ما فَعلوه. ولكِنَّ كُلَّ واحدٍ مِن هؤلاء كانَ رَسولاً للهِ.

وفي الأصحاح 22، نَجِدُ موقفًا مُشابهًا. ففي الأصحاح 22، أو بالحَرِيِّ: في الأصحاح 23. لننتقل إلى الأصحاح 23 والعدد 31: "فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ الأَنْبِيَاءِ. فَامْلأُوا أَنْتُمْ مِكْيَالَ آبَائِكُمْ. أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟" فهو يقولُ لهم: هَيَّا افعلوا ذلك. هَيَّا اقتُلوني. فأنتُم لا تَفعلونَ شيئًا يَختلفُ عَمَّا فَعَلَهُ آباؤُكُم".

اسمعوني: لقد قَتلوا الأنبياء. وقد قَتلوا الأنبياءَ طَوالَ تاريخ بني إسرائيل. فقد قتلوا الأنبياءَ واستمرُّوا في قتل الأنبياء. ويا لَها مِنْ رِفقة، يا أحبَّائي. وإذا قرأتُم الأصحاحَ الحادي عشر مِنَ الرسالة إلى العِبرانيِّين (مِنَ العدد 32 فصاعدًا)، ستجدونَ لائحةً عظيمةً. فهي تَذكرُ أسماءَ جميعِ الأشخاصِ الذينَ عَانَوا كذا، وعَانَوْا كذا، وعانَوا كذا، وعانوا كذا: "وَهُمْ لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ".

ثُمَّ إنَّ يسوعَ يَقولُ شيئًا عجيبًا للنَّاسِ في زمانِهِ، ولنا جَميعًا طَوالَ التَّاريخ: "إذا تَبِعتموني، وناديتُم بالحَقِّ الَّذي أُعَلِّمُه، وعشْتُم وَفْقًا لهذا الحقّ، واضطَهَدَكُمُ العالَمُ، افرَحوا لأنَّكم تَعلمونَ أنَّكم تَنْتَمونَ إلى النَّسَبِ البارِّ الَّذي وَصَلَ إليكُم مِنَ الأنبياءِ أنفُسِهم". لِذا فإنَّ الاضطهادَ هو بُرهانٌ على أنَّكَ تَنتمي إلى نَسَبٍ بارّ. وهُنا نَجِدُ بُرهانًا على يَقينِ المؤمن. وهُنا نَجِدُ ذُروة التَّطويبات. فهو يُقَدِّمُ لهم الخلاصَ ثُمَّ يُخبرهم كيفَ يَعلمونَ أنَّهُم مُخَلَّصون بعدَ أنْ يَخْلَصُوا.

اسمعوني: إنَّ هذا اليَقينَ لا يَنْبُعُ مِنْ وَصْفَة لاهوتيَّة مُعَيَّنة. فيَقينُ خلاصِكُم لا يأتي مِنْ مَعرفةِ أنَّكُم قد صَنَعْتُم قرارًا في وقتٍ ما في الماضي. بل إنَّ يَقينَ خلاصِكُم يأتي مِنْ مَعرفةِ أنَّكُم تَحْيَوْنَ حياةَ مواجَهة في وَسْطِ عالمٍ لا يَعْرِفُ اللهَ، وأنَّكُم تُضْطَهدونَ مِن أجل البِرّ. وحينَ يحدثُ ذلك، فإنَّكم تَعلمونَ لا فقط أنَّكم ستُكافؤون في السماء، بل أيضًا أنَّكم تقفونَ في صَفِّ أنبياءِ اللهِ الذينَ تَلَقَّوْا طَوالَ التَّاريخِ نفسَ رَدِّ الفعلِ العَنيف.

وفي إنجيل لوقا والأصحاح 21، نَجِدُ في العددَيْن 12 و 13 الكلماتِ التَّالية: "وَقَبْلَ هذَا كُلِّهِ [يَقولُ رَبُّنا] يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعٍ وَسُجُونٍ، وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلاَةٍ لأَجْلِ اسْمِي". فسوفَ يَفعلونَ هذا بكم. ولكنِ اسمعوا العَدَدَ الَّذي يَلي ذلك: "فَيَؤُولُ ذلِكَ لَكُمْ شَهَادَةً". بعبارة أخرى، فإنَّ المِحْنَة بِرُمَّتِها ستصيرُ شهادةً لكم بأنَّكم تَنْتَمونَ إلى الله. أليسَ هذا رائعًا؟ وهذهِ ضمانة رائعة بخلاصِكُم.

اسمعوني: إنَّ العالمَ لا يستطيعُ أنْ يَحتمِلَ أُسلوبَ حياتِنا وأُسلوبَ مَعيشَتنا. فَهُمْ لا يَهْضُمونَهُ. وَهُم لا يَستطيعونَ أنْ يَتعامَلوا مَعَهُ. وَهُوَ ليسَ مَقبولًا لديهم. وَهُم حَتَّى لا يَفهمونَهُ. فَالمَسْكَنةُ بالرُّوحِ تُناقِضُ كبرياءَ قلبِ الشَّخصِ غير المؤمن. والموقفُ التَّائبُ والنَّادمُ الَّذي يَحْزَنُ على الخطيَّة لا يَجِدُ التَّقديرَ مِنْ قِبَلِ العالمِ القاسي، وغيرِ المُبالي، وغيرِ المُتعاطِف. والرُّوحُ الوَديعَةُ الهادئةُ الَّتي تَتقبَّلُ الإساءةَ ولا تَسْعَى إلى الانتقامِ تُعَدُّ ضُعْفًا وهَوانًا مِنْ وُجهةِ نَظَرِ الرُّوحِ المُتَكَبِّرَةِ والعُدوانِيَّةِ والسَّاخِطَةِ في عالَمِنا.

والتَّوْقُ الشَّديدُ إلى البَرَكَة الروحيَّة العميقة مِنَ الربِّ هي صَفعة قويَّة إلى شهوة الجسد، وشَهوة العين، وتَعَظُّم المعيشة. كذلكَ هي حالُ الرُّوحِ الرَّحيمةِ في نَظَرِ قساوةِ عالَمِنا وَوَحْشِيَّتِه. ونَقاوةُ القلبِ هي على النَّقيضِ التَّامِ والصَّارخِ للرِّياءِ والفساد. وَصُنْعُ السَّلامِ هو أمرٌ لا يُطاقُ مِنْ قِبَلِ العالمِ الَّذي يُحِبُّ العداوةَ والخِصام. لِذا فإنَّهم يُظهرونَ رُدودَ الفِعلِ هذه.

واسمحوا لي أنْ أَخْتِمَ بهذه الأفكار. لقد قالَ أَحُد الأشخاصِ هذه الكلماتِ الرَّائعة في مَدْحِ "جون نوكس" (John Knox)، الواعظ الاسكتلنديّ العظيم. وإليكُم ما قالَهُ ذلكَ الشَّخص في مَدْحِ "نوكس": "لقد كانَ يَخافُ اللهَ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ لم يَجْرُؤ يومًا على الخوفِ مِنْ أيِّ إنسان". كذلكَ، فإنَّ "يوحنَّا فَمَ الذَّهب" (Chrysostom)، وَهُوَ مُؤمنٌ عَظيمٌ مِنَ القرونِ القديمة، وَقَفَ أمامَ الإمبراطور الرومانيّ "أركاديوس" (Arcadius) الَّذي هَدَّدَهُ بالنَّفْيِ إنْ لم يتوقف عنِ المُناداةِ بيسوع. فَرَدَّ عليهِ قائلاً: "سَيِّدي، لا يمكنكَ أنْ تَنفيني لأنَّ العالمَ هُوَ مَنْزِلُ أبي".

فَقالَ لَهُ الإمبراطورُ الغاضِبُ مُتَعَجِّبًا: "إذًا، سوفَ أُعْدِمُك". "لا! لا يُمكنكَ أن تفعل ذلك لأنَّ حياتي مُسْتَتِرَةٌ مَعَ المَسِيحِ فِي الله".

فقالَ الإمبراطورُ المُشتعِل غَضَبًا: "سوفَ أُصادِرُ مُمتلكاتِك". "سَيِّدي، لا يمكنكَ أن تَفعلَ ذلكَ لأنَّ كُنوزي في السَّماء حيثُ لا يستطيعُ أحدٌ أنْ يَصِلَ إليها ويَسْرقَها".

"ولكنِّي سأَطرُدُكَ مِنْ بينِ بني البشر فلا يَبقى لديكَ أصدقاء".

"لا يمكنكَ أنْ تَفعلَ هذا بي أيضًا لأنَّ لديَّ صديقًا في السماءِ قال: ’لا أُهْمِلُك ولا أَترُكُك‘".

وفي النِّهاية، نُفِيَ "يوحنَّا فَمُ الذَّهَب" إلى "القوقاز" على حدودِ أرمينيا. ولكنَّهُ استمرَّ في التَّأثيرِ في أصدقائِهِ مِن خلال الرسائل حَتَّى إنَّ أعداءَهُ قَرَّروا أنْ يَنْفُوهُ إلى مكانٍ أبعد. وقد ماتَ في أثناءِ الرِّحلة.

وماذا عنك؟ ما هي أولويَّاتُك؟ استمع إلى نفسِك. ما الَّذي تقولُهُ لنفسِك؟ ما الكلماتُ الَّتي تُرَدِّدُها حقًّا في ذِهنِك وقلبِك؟ هل تَفهم ما تَقولُهُ التَّطويبات؟ إنَّ الملكوتَ ليسَ مِنْ نَصيبِ الأغنياء. وهو ليسَ مِنْ نَصيبِ المُتكبِّرين. ولا مِنْ نَصيبِ العابِثينَ، ولا الشَّرِسينَ، ولا المُمتلِئينَ مَكْرًا أو نَقْمَةً، ولا منْ نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَحْظَوْنَ بالكرامةِ عندَ المُلوكِ الأرضِيِّين. بل إنَّ المَلكوتَ هُوَ مِنْ نَصيبِ المساكين، والوُدعاء، والحَزانى، والجِياع، والأنقياءِ القلب، وصانِعي السَّلام، والمُضْطَهدين. فَهُمْ يَدخلون. والدَّليلُ على مُواطَنَتِهِم السَّماويَّة هو أنَّهُمْ مَكروهونَ مِنَ العالمَ. فهل تَنْتَمي إليه؟ لنَحْنِ رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

نَشكرُك، يا أبانا، على هذا المساء لأنَّكَ أعطيتَنا هذهِ الدَّراسة الرَّائعة والغنيَّة لهذه الحقائق العظيمة الَّتي وَرَدَت في أوَّلِ عِظَةٍ لِرَبِّنا الحبيب يسوعَ المسيح مُدَوَّنة في الكتابِ المقدَّس. ليتَنا، يا رَبّ، نكونُ شَعْبَ الملكوت. وليتَنا نَحيا بالطريقة الَّتي تُريدُ مِنَّا أنْ نَحياها. وليتَنا نأتي ونَدخُل بشروطِك مِنَ البابِ الضَّيِّق. وليتَنا نَسْلُك ذلكَ الطَّريق الضَّيِّق والصَّعب بِقُوَّتِكَ أنت. وليتَنا نَعْرِفُ أنَّ هناكَ ثَمَنًا لا بُدَّ أنْ يُدْفَع، وأنْ نكونَ مُستعدِّينَ لدفعِه. إكْرامًا ليسوع. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize