Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افتَحوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ، مِنْ فَضْلِكُم، في هذا الصَّباح، وانظروا معي إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادِس. فسوفَ نَبتدئٌ دراسةً عن صَلاةِ التَّلاميذ في إنجيل مَتَّى 6: 9-15. والحقيقةُ هي أنَّ الصَّلاةَ تَمْتَدُّ إلى العدد 13، وأنَّ العَدَدَيْن 14 و 15 هُما مُلْحَقٌ للصَّلاةِ لِشَرْحِ عُنْصُرٍ فيها. وعلى أيِّ حالٍ، سوفَ تكونُ هذهِ هي دِراسَتُنا لِعِدَّة أسابيع. فلا يُمكنكم أنْ تَدرسوا هذهِ الصَّلاةَ، أيْ صَلاةَ التَّلاميذِ (الَّتي تُعْرَفُ بِالصَّلاةِ الرَّبَّانِيَّةِ)، في عُجَالَة. ولا يُمكنكم أنْ تُنْهوا دِراسَتها في أسبوعٍ واحِد. وسوفَ أحاولُ في هذا الصَّباحِ أنْ أقولَ لَكُمْ لماذا.

ففي نَظَرِ أشخاصٍ عديدينَ فإنَّ هذهِ الصَّلاةَ هي مُجَرَّدُ صَلاةٍ تَلاها التَّلاميذُ. وَحينَ تَجْعَلونَها تَقْتَصِرُ على ذلك فإنَّكُم تُضَيِّعونَ الغَايةَ الحقيقيَّة مِنها لأنَّها أكثر بكثير جِدًّا مِن ذلك. ومَا نَفْعَلُهُ عَادَةً في العِظَة هو أنَّنا نَختارُ نَصًّا مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ، ونَضَعُ مُخَطَّطًا، ونَعِظُ مِنْ ذلكَ النَّصّ. ولكِنْ في هذا الصَّباحِ، أَوَدُّ أنْ أُقَدِّمَ لكم نَظرةً عامًّة عنْ صَلاةِ التَّلاميذِ هَذِهِ. والسَّببُ في رَغْبَتي في القِيامِ بذلك هي أنَّني أعتقد أنَّ ذلكَ مُهِمٌّ جِدًّا. فأنا أعتقد حقًّا أنَّهُ حينَ نُنْهِي دراسةَ هذهِ الصَّلاةِ بعدَ بِضعةِ أسابيع، فإنَّها ستكونُ دِراسةً مُغَيِّرَةً لحياتِنا جميعًا. فهي ستَفعلُ في حياةِ الصَّلاةِ لَدينا ما أَعتقدُ أنَّ التَّطويباتِ تَفْعَلُهُ مِنْ جِهَةِ تَكريسِنا وتَقديسِنا. فهي رائعة مِنْ جِهَةِ قُدرَتِها التَّعليميَّة.

والآنْ، إذْ نَبتدئ هذهِ السِّلسلة عن صَلاةِ التَّلاميذ، أعتقد أنَّهُ يجب علينا أنْ نُرَسِّخَها في أذهانِنا. لِذا، اسْمَحوا لي أنْ أَقرأَ حَتَّى نِهايةِ العدد 13: "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ".

والآنْ، نحنُ نَرى عندَ التَّأمُّلِ في هذا الجُزءِ الرَّائِعِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ واحدًا مِنْ أَهَمِّ المواضيعِ في كُلِّ الحياةِ المسيحيَّة. فنحنُ هُنا أمامَ مَوضوعِ الصَّلاة. وَمَعَ أنَّهُ مَوضوعٌ خَضَعَ لِنقاشٍ كَثيرٍ، وقِيْلَ عَنْهُ الكثير، وَعُلِّمَ عنهُ الكثير، فإنَّهُ ما يَزالُ مُهِمًّا بالرَّغمِ مِنْ كُلِّ ما قيلَ عَنْهُ، ورُبَّما أُسيءَ فَهْمُهُ كثيرًا. فيجب على المُؤمِنِ أنْ يَتعلَّمَ كيفَ يُصَلِّي. فلكي نَختبِرَ مِلْءَ الشَّرِكة معَ اللهِ، ولكي نَفْتَحَ أبوابَ السَّماءِ على مَصاريعِها، ولكي نَختبرَ مِلْءَ البَرَكَةِ مِنَ اللهِ، يجب علينا أنْ نَعرِفَ كيفَ نُصَلِّي.

وهذهِ الصَّلاةُ النَّموذجيَّةُ الرَّائعة سَتُعَلِّمُنا ذلك. ولا شَكَّ أنَّنا جميعًا نُدركُ أهميَّةَ الصَّلاة. فقد قالَ الرَّسولُ بولُس: "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ". صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ. صَلُّوا ولا تَكُفُّوا عنِ الصلاة. وأيُّ شيءٍ يَحْظى بهذا التَّركيزِ في الحياةِ المسيحيَّةِ ينبغي أنْ يُفْهَم. فإنْ لم نَعرِف كيفَ نُصَلِّي، وإنْ لم نَعرف لأجلِ ماذا نُصَلِّي، لن نَستفيدَ شيئًا مِنَ الاستمرارِ في الصَّلاة. أمَّا إذا عَرَفنا ما ينبغي أن نُصَلِّي لأجلِهِ وكيفَ نُصَلِّي، ستكونُ الصَّلاةُ بلا انقطاعٍ ذات أهميَّة فائقة.

والآن، تذَكَّروا أنَّه في هذا المقطعِ تحديدًا مِنَ العظةِ على الجبل، فإنَّ مَتَّى يُقَدِّمُ المَلِك؛ وكذلكَ هي الحالُ في كُلِّ هذا الإنجيل. وَهُنا (في الأصحاحات مِن 5 إلى 7)، فإنَّ المَلِكَ يُقَدِّمُ مَعاييرَ مَلكوتِهِ. وهُوَ يُقَدِّمُ مَعاييرَ مَلكوتِهِ بالمُفارقةِ معَ المَعاييرِ الافتراضيَّةِ في زَمانِهِ. فقد كانَ اليهودُ في زَمَنِ يسوعَ قد وَضَعوا نِظامًا ظَنُّوا أنَّهُ يَضْمَنُ دُخولَهُم إلى الملكوت؛ ولكنَّهُ لم يَكُن كذلك. وبصورة خاصَّة فإنَّ يسوعَ يُرَكِّزُ في الأصحاحِ السَّادسِ على أنشطتهِم الدِّينيَّة. وقد قالَ في الأصحاحِ الخامِسِ إنَّ لاهوتَهُم لم يَكُن كَافِيًا. وقد قالَ في مَقطعٍ لاحِقٍ في الأصحاحِ السَّادِسِ إنَّ نَظرتهم إلى العالمِ المادِّيِّ لم تَكُن كَافية. وَهُوَ يَقولُ هنا إنَّ حَياتَهُم الدِّينيَّة ليست كافية. وَهُوَ يَذْكُرُ ثلاثةَ أمثِلة توضيحيَّة: عَطاءَهُم، وَصَلاتَهُم، وَصَوْمَهُم. فَعطاؤُكُم ليسَ صَحيحًا. وصَلاتُكُم ليست صَحيحة. وَصَوْمُكُم ليسَ صَحيحًا.

وَهُوَ يَستخدِمُ ذلكَ كَخَلفيَّة لكي يُؤكِّدَ بعدَ ذلك ما هُوَ مِعْيارُ اللهِ الصَّحيح. لِذا، في الحقيقة، هذهِ هي مَعاييرُ المَلكوت. وهذهِ هي الشُّروطُ لكي تَكونَ ابْنًا للمَلِك. وهذهِ هي الطريقة الَّتي يَعيشُ بِموجِبِها ابْنُ المَلِكِ الحَقيقيّ؛ لا مِثْلَ اليهودِ في ذلكَ الوقت، بل كما يَذكُرُ يسوعُ هُنا مُؤكِّدًا مِعْيارَ اللهِ. والآنْ، اسمحوا لي أنْ أقولَ إنَّهُ مِنْ بَيْنِ الأشياءِ الثَّلاثةِ الَّتي يَذْكُرُها هُنا عندَ حَديثِهِ عنْ أنشطتهِم الدِّينيَّة (وهي: العَطاءُ، والصَّلاةُ، والصَّوم)، فإنَّ التَّركيزَ الأكبرَ هُوَ على الصَّلاةِ لأنَّ الصَّلاةَ أكثرُ أهميَّةً.

فالعَطاءُ مُهِمٌّ، ولكِنَّكَ لن تُعطي بطريقة صَحيحة إلَّا عندما يكونُ عَطاؤُكَ نَابِعًا مِنْ شَرِكَتِكَ الدَّائمة معَ اللهِ، وعندما تَتجاوبُ معَ اللهِ، وعندما يكونُ قَلبُكَ مُمتلئًا بالامتنان، وعندما تُعطي لأنَّكَ تَشْعُرُ بحيويَّةِ الحياةِ القائمةِ على الشَّركةِ الشَّخصيَّةِ معَ اللهِ. والصَّوْمُ هُوَ بِلا مَعْنى بِمَعْزِلٍ عنِ الصَّلاة.

لِذا فإنَّ فِكرةَ الصَّلاةِ جوهريَّة جِدًّا جِدًّا في كُلِّ عَطاءٍ وَصَوم. لِهذا، عندما انْتَقى الرَّبُّ هذهِ الجوانب الثَّلاثَة مِنَ الحياةِ الدِّينيَّة (وهي: الصَّلاةُ، والعَطاءُ، والصَّوم)، فإنَّهُ يُرَكِّزُ في الجُزءِ الأكبرِ مِمَّا يَقولُهُ على موضوعِ الصَّلاة.

فهو شيءٌ مُهِمٌّ جِدًّا. والحقيقة هي أنَّ "مارتن لويد-جونز" (Martin Lloyd-Jones) قد عَبَّرَ عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "الإنسانُ يَكونُ في أعظمِ وَأسْمى حَالاتِهِ عندما يَكونُ جَاثِيًا على رُكْبَتَيْهِ ويَلتقي وَجْهًا لِوَجْهٍ باللهِ". وهذا صحيح. لِذا فإنَّ يَسوعَ يَتَصَدَّى للدِّيانةِ الَّتي كانت سَائدةً في زَمانِهِ ويقولُ في الحقيقة: "إنَّ صَلاتَكُم تُشْبِهُ عَطاءَكُم، وَتُشْبِهُ صَوْمَكُمْ، إذْ إنَّها جَميعًا لا تَرْتَقي إلى المُستوى المَطلوب".

وَالآنْ، قَدْ تَقولُ: "حسنًا، ولكِنَّ الحَديثَ هُنا هُوَ عن شَعْبِ العهدِ القديمِ. فَهُوَ عنِ اليهودِ في زَمَنِ يَسوع. فما شَأنُ هذا الكَلامِ بِنا؟" اسمَعوني: في حَالَتِنا اليوم، فإنَّ دِيانَتَنا في أغلبِ الأحيانِ، هي أَقَلُّ مِنَ المُستوى المَطلوب وغير كَافية كما كانَتْ عليهِ حَالُ دِيانةِ اليهودِ في زَمَنِ يسوع. فهناكَ عَطاءٌ كَثيرٌ يَتِمُّ مِنْ أجْلِ تَمْجيدِ الذَّاتِ. وهناكَ صَوْمٌ كَثيرٌ يَحْدُثُ بِهَدَفِ جَذْبِ الاهتمامِ إلى قَداسَتِنا المَزعومة. وهناكَ صَلواتٌ كَثيرةٌ تُرْفَعُ لِمُجَرَّدِ التَّباهي، وَصَلواتٌ كثيرة لا تَعترِف بالمعاييرِ الأساسيَّةِ الكِتابيَّةِ والإلهيَّةِ المُختصَّةِ بالصَّلاةِ الحقيقيَّة.

والحقيقةُ هي أنَّ الرَّسولَ بولسَ قالَ في رسالة رُومية 8: 26 (وقد قالَ ذلكَ عنِ الكنيسةِ، وقالَ ذلكَ عن أُناسٍ يَقِفونَ في ذلكَ الجانِبِ مِنَ الصَّليب؛ أيْ في الجانِبِ الَّذي نَعيشُ فيه). فقد قال: "لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي". فقد ذَكَرَ شَيئَيْنِ هُنا: نحنُ لا نَعْلَمُ ما نُصَلِّي لأجلِهِ. ونحنُ لا نَعْلَمُ كيفَ ينبغي أنْ نُصَلِّي لأجْلِ الأشياءِ الَّتي لا نَعْلَمُ مَا هي أصْلاً. فنحنُ لا نَعلمُ كيفَ نُصَلِّي ولا لأجْلِ ماذا ينبغي أنْ نُصَلِّي. لِذا فإنَّ: "الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا". بِعِبارةٍ أخرى، فإنَّ اللهَ يُعينُ صَلواتِنا دائمًا وأبدًا لأنَّنا لا نَعرِفُ كيفَ نُصَلِّي، ولا لأجْلِ ماذا ينبغي أنْ نُصَلِّي.

لِذا فإنَّنا نُعاني المُشكلةَ نَفسَها. فهناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ ليسوا حَتَّى مَسيحيِّينَ يُصَلُّون. وهذا النَّوعُ مِنَ الصَّلاةِ لا يَختلفُ عن صلاةِ الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبة إذْ إنَّهُ لا يَكفي ولا يَرتقي إلى المُستوى المَطلوب. لِذا فإنَّ رَبَّنا يَلْمَسُ في تَعليمِهِ التَّصْحيحِيِّ عنِ العَطاءِ، وفي تَعليمِهِ التَّصحيحِيِّ عنِ الصَّوْم، يَلْمَسُ أنشطةً دينيَّةً مُحدَّدةً جِدًّا. ولكِنَّهُ لا يَلْمَسُ هذَيْنِ الجَانِبَيْنِ بالصَّرامةِ الَّتي يَفْعَلُها عندَ حَديثِهِ عنِ الصَّلاة. فأغلبيَّةُ الآياتِ في هذا المَقطَعِ تُخَصَّصُ لموضوعِ الصَّلاة. وما يَفعلُهُ رَبُّنا هو أنَّهُ يُؤكِّدُ الحاجةَ إلى صَلاةٍ صَحيحة. فهو يَقولُ بخصوصِ العَطاءِ: "لا تَفعلوا ذلكَ بهذهِ الطَّريقة. لا تَفعلوا ذلكَ بتلكَ الطَّريقة. لا تَفعلوا ذلكَ بتلك الطَّريقة". وَهُو يَقولُ بِخصوصِ الصَّوْمِ: "لا تَفعلوا ذلكَ بهذهِ الطَّريقة. لا تَفعلوا ذلكَ بتلكَ الطَّريقة. لا تَفعلوا ذلكَ بتلكَ الطَّريقة". أمَّا بخصوصِ الصَّلاةِ، فإنَّهُ يَقولُ: "لا تَفعلوا ذلكَ بهذهِ الطَّريقة. لا تَفعلوا ذلكَ بتلكَ الطَّريقة؛ بَلِ اَفعلوا ذلكَ بهذهِ الطَّريقة". فهذا هوَ النَّشاطُ الدِّينيُّ الوحيدُ الَّذي يُعْطي فيهِ تَفصيلاً دقيقًا لكيفَ ينبغي أنْ نُصَلِّي.

فلا يوجد حَديثٌ كثيرٌ عن كيفَ ينبغي أنْ نُعطي في هذا الأصحاح. وَلا يوجد حَديثٌ كثيرٌ عن كيفَ ينبغي أنْ نَصوم؛ بَلْ حَديثًا مُقْتَضَبًا وحَسْب. أمَّا بخصوصِ كيفَ ينبغي أنْ نُصَلِّي، اسمعوني: فإنَّهُ يَتحدَّثُ عن ذلكَ بَصورة مُفَصَّلة، وعامَّة، ومُحَدَّدة، وشاملة في هذهِ الصَّلاةِ البسيطةِ القصيرةِ الَّتي لا تَتَعَدَّى سِتًّا وَسِتِّينَ كلمة. فهي تُحْفَة حقيقيَّة صَادِرَة عَنْ فِكْرِ اللهِ المُطْلَقِ الكُلِّيِّ الحِكمة الَّذي استطاعَ بطريقةٍ ما أنْ يَضُمَّ كُلَّ عُنصُرٍ يَخْطُرُ بالبالِ عنِ الصَّلاةِ وأنْ يَخْتَصِرَ ذلكَ في صَلاةٍ نَموذجيَّةٍ بسيطةٍ واحدة. فَهُوَ إيجازٌ في الكلماتِ لا يَستطيعُ أحدٌ سِوى الله، بِقُدرَتِهِ المُطلقةِ، أنْ يَصيغَهُ هَكذا.

فهذا النَّموذجُ المُحَدَّدُ للصَّلاةِ يُذْهِلُني حَقًّا. وكُلَّما أَطَلْتُ الدِّراسةَ في هذا الأسبوع، زَادَ شُعوري بالإحباط. فعادَةً، عندما أَدرسُ نَصًّا فإنَّني أَضَعُ مُخَطَّطًا صَغيرًا وَأَبْني عليهِ عِظَتي. ولكِنِّي دَرَسْتُ هذا النَّصَّ بهذهِ الطَّريقة، ثُمَّ دَرَسْتُهُ بطريقةٍ أخرى، ثُمَّ بطريقة أخرى، ثُمَّ بطريقة أخرى، وقد بَدا لي أنَّهُ توجدُ طُرُقٌ لا نِهايةَ لها للنَّظَرِ إلى هذا النَّموذجِ المُدهْشِ مِنَ الصَّلاة. وَيا لَها مِنْ مَأسَاةٍ حقيقيَّةٍ أنَّ النَّاسَ في الكنيسة يَعرِفونَ هذهِ الصِّيغةَ فقط كما لو أنَّها نَصًّا مُحدَّدًا يَقولونَهُ في نِهايةِ الصَّلاةِ في خِدمةِ العِبادة. ولكِنَّ ما يَفعلونَهُ بَعيدٌ كُلَّ البُعْدِ عنِ القَصْدِ مِنْها.

والآن، أَوَدُّ أنْ نَتَقَدَّمَ مَعًا خُطوةً أخرى في هذهِ المُقَدِّمَةِ في هذا الصَّباح. فأنا أعتقدُ أنَّ هناكَ اخْتِبارَيْنِ مُهِمَّيْنِ لِفَحْصِ الحياةِ الرُّوحيَّةِ الحقيقيَّة. فهناكَ اخْتِبارانِ مُهِمَّانِ لِفَحْصِ الحياةِ الرُّوحيَّةِ الحقيقيَّة: الأوَّلُ هو دِراسةُ كلمةِ اللهِ. والثَّاني هو الصَّلاة. فهذانِ هُما أَهَمُّ اخْتِبارَيْنِ لِفَحْصِ الحياةِ الرُّوحيَّةِ الحقيقيَّة. وأنا أُوْمِنُ شَخصيًّا، وأعتقدُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُؤكِّدُ ذلك، أنَّ دراسةَ كلمةِ اللهِ تأتي أوَّلاً. لماذا؟ لأنَّنا لَن نَعرِفَ حَتَّى كيفَ نُصَلِّي ما لم نَعرف ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ عنِ اللهِ، وعن مَشيئةِ اللهِ، وعنْ حَياتِنا، وعن مَشاكِلِنا.

لِذا فإنَّ دراسةَ كلمةِ اللهِ هي الَّتي تُعطي الوِلادةَ لحياةِ الصَّلاةِ الهَادِفَة. فلا يُمكِنُكَ أنْ تُصَلِّي في الفَراغ. فلا يوجد أيُّ شيءٍ رُوحِيٍّ في قَوْلِكَ: "حَسَنًا، إنَّ فُلانًا لم يَدرُس يومًا الكتابَ المقدَّسَ، ولكِنَّهُ يُصَلِّي طَوالَ الوقتِ". والحقيقةُ هي أنَّهُ لو دَرَسَ الكتابَ المقدَّسَ قليلاً، لَرُبَّما تَمَكَّنَ مِنَ اختصارِ الوقتِ اللَّازِمِ للصَّلاةِ لأنَّهُ سَيَتَجَنَّبُ الكَثيرَ مِنَ الكلامِ الفَارِغ. فعندما أعْطانا يسوعُ صَلاةً نَموذجيَّةً، كانت هذهِ الصَّلاةُ قَصيرة جِدًّا جِدًّا. فالأمرُ لا يَتوقَّفُ على طُوْلِ صَلاتِكَ، بل على ما إذا كانت صَلاتُكَ تَلْمَسُ العَناصِرَ الجوهريَّة والضروريَّة. وبصراحة، يُمكِنُكَ أنْ تَصَلِّي صَلاةً لا تَزيدُ عن سِتٍّ وَسِتِّينَ كلمة، أوْ يُمْكِنُكَ أنْ تُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ طَالَما أنَّ صَلاتَكَ تُلامِسُ هذهِ العَناصِر.

ولكِنَّ دراسةَ كلمةِ اللهِ تأتي أوَّلاً. واسمحوا لي أنْ أُريكُم ما أَعنيه. فهناكَ أشخاصٌ يَتَضَرَّعونَ إلى اللهِ أنْ يُعطيهم الرُّوحَ القُدُس. وَهُمْ لديهم أَصْلاً الرُّوح القُدُس. وهناكَ أشخاصٌ يَتَضَرَّعونَ إلى المسيحَ أنْ يُعطيهم قُوَّةً؛ ولكِنَّ الكِتابَ المُقدَّسَ يَقولُ إنَّكَ تَستطيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي المَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّيك. وقد سَمِعْتُ أُناسًا يَقفونَ ويَقولون: "يا رَبّ، كُنْ مَعَنا"؛ ولكِنَّ الكِتابَ المُقدَّسَ يَقول: "وها أنا مَعَكُمْ كُلَّ الأيَّامِ". وهناكَ أشخاصٌ يَتَضَرَّعونَ إلى اللهِ أنْ يَجْعَلَهُمْ يُحِبُّونَ شَخصًا مُعَيَّنًا؛ ولكِنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَقولُ إنَّ مَحَبَّةَ المَسيحِ قدِ انْسَكَبَتْ في قُلوبِكُم. فأنتُم لستُم بحاجة إلى طَلَبِ ذلك، بل بِحاجة إلى السَّماحِ لها بالعَمَل.

وما أعنيه هو أنَّهُ ما لم نَفهم الحَقَّ المُعلنَ في كلمةِ اللهِ، فإنَّنا لَن نَعرفَ حَقًّا كيفَ نُصَلِّي. لِذا فإنَّ أَهَمَّ اخْتِبارَيْنِ لِفَحْصِ النُّضْجِ الرُّوحِيِّ أوِ الحياةِ الرُّوحيَّةِ هُما: دِراسةُ كلمةِ اللهِ وَالصَّلاةُ النَّابعة مِنْها؛ أيِ الصَّلاةُ القائمة على استيعابِ الحَقِّ الإلهيِّ. فعندما نَدرُسُ كلمةَ اللهِ ونَكتشفُ الحَقَّ الإلهيَّ، فإنَّنا نَكتشفُ أيضًا الحالة الحقيقيَّة لِقلوبِنا، والحالة الحقيقيَّة لحياتِنا الروحيَّة. وهذا يَقودُنا إلى صَلاةٍ خَاصَّةٍ وشَخصيَّةٍ نَفْتَحُ فيها قُلوبَنا للهِ.

وفي حياتي، لا يوجد شيءٌ يَدفعُني إلى التَّواصُلِ معَ اللهِ أكثرَ مِنْ فَتْحِ كَلِمَتِه. وقد كانَ رَبُّنا يَعرِفُ مَكانةَ الصَّلاة. والكتابُ المُقدَّسُ يَقولُ إنَّ يسوعَ كانَ يَنْهَضُ غالبًا قبلَ الفَجْرِ ويَصْعَدُ إلى أَحَدِ الجِبالِ كي يُصَلِّي. والكتابُ المُقدَّسُ يَقولُ أيضًا إنَّهُ في المَساءِ، كانَ يَذهبُ إلى ذلكَ المُنْحَدَرِ الواقِعِ في الجِهَةِ الخلفيَّةِ مِنْ أورُشَليم، ويَعْبُرُ وادي قَدْرون، ويَصْعَدُ المُنْحَدَرَ الصَّغيرَ لِجَبَلِ الزَّيتون. وهُناكَ، كانَ يَجِدُ مَكانًا يَتَمَتَّعُ فيهِ في الشَّركةِ معَ الآبِ. وكانَ غالبًا يُصَلِّي مَعَ الآبِ طَوالَ اللَّيل.

وقد رأى التَّلاميذُ في يَسوعُ تَكريسًا عظيمًا لحياةِ الصَّلاة. ورُبَّما كانَ ذلكَ هو ما حَضَّ واحِدًا مِنْهُم على القولِ في إنجيل لوقا 11: 1: "يَا رَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ". وعندما طَلَبوا مِنْهُ ذلك في إنجيل لوقا 11: 1، كَرَّرَ يسوعُ على مَسامِعِهِم نفسَ هذهِ الصَّلاةِ النَّموذَجِيَّةِ الَّتي نَقرأُها هُنا في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادِس. ولكِنَّ تلكَ كانت حادثة أخرى. ولكِنَّهُ قَدَّمَ لهم بصورة رئيسيَّة النَّموذَجَ نَفسَهُ. ولَعَلَّهُ تَحَدَّثَ هُنا وقالَ لَهُم: "لا أُريدُ أنْ تُصَلُّوا كالعَشَّارينَ الَّذينَ يَفعلونَ ذلكَ أمامَ النَّاسِ. ولا أريدُ أنْ تُكَرِّروا الكَلامَ باطِلًا كما يَفعلُ الوَثَنِيُّونَ. ولا أريدُ أنْ تُصَلُّوا كما لو أنَّكُمْ تُزَوِّدونَ اللهَ بالمعلوماتِ قائِلينَ: ’يا رَبّ، أريدُ أنْ أقولَ لكَ شيئًا ينبغي أنْ تَعرِفَهُ‘. لا أريدُ أنْ تُصَلُّوا هكذا".

فقد كان يسوعُ يَعلمُ أنَّهُ يَتساءلونَ في أذهانِهم قائِلين: "إذًا، عَلِّمْنا كيفَ نُصَلِّي. فإنْ كانَ لا يَجوزُ لنا أنْ نُصَلِّي هكذا، كيفَ يَنبغي لنا أنْ نَفعلُ ذلك؟" لذا فإنَّ الرَّبَّ يَقولُ لهم، في ضَوْءِ ذلكَ السُّؤالِ الافتراضِيِّ (في العدد 9): "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا". أيْ: "إليكُم الطريقةَ الَّتي أريدُ منكم أنْ تُصَلُّوا بها. ليسَ بتلكَ الطَّريقة، بل بهذهِ الطَّريقة". لِذا فقد لَمَسَ الرَّبُّ حاجَةً مَاسَّةً إلى الصَّلاةِ بطريقةٍ صَحيحة.

ويأتي هذا، يا أحبَّائي، في وقتٍ رائعٍ في وَسْطِ إعلانِ المَلِكِ، في وقتٍ رائعٍ في وَسْطِ العِظَةِ على الجَبَل لِيُعْطينا في كُلِّ زَمانٍ أنْ نُدْرِكَ أنَّ الصَّلاةَ مُهِمَّة جِدًّا لِمُواطِنِ المَلكوت. فبالنِّسبةِ إلى أولئكَ الَّذينَ يَتْبَعونَ المَلِك، فإنَّ الصَّلاةَ هي جُزءٌ مُهِمٌّ جدًّا. وأنا أعتقد أنَّ هذا الكَلامَ أَثَّرَ فيهم تأثيرًا بالِغًا لأنَّ اليهودَ كانُوا يُوْلونَ أولويَّةً قُصوى للصَّلاة. ولكِنْ بِمرورِ الوقتِ، أَهْمَلوا نَقاوةَ الصَّلاةِ الحقيقيَّة، وَتَخَلَّوْا عنِ الصَّلاةِ الحقيقيَّة فَصارتْ صَلواتُهم مُجَرَّد صَلَواتٍ رُوتينيَّة وطَقسيَّة يَقومونَ بها في أثناءِ مُمارساتِهِم الدِّينيَّة. فقد كانت لديهم صِيَغ مُعَيَّنة قصيرة للصَّلاة؛ أيْ صَلوات قصيرة ثابتة يُصَلُّونَها في أوقاتٍ مُعَيَّنة. وهذا كُلُّهُ حَلَّ في زَمَنِ يَسوعَ مَحَلَّ الصَّلاةِ الحقيقيَّة.

ولكِنْ هذهِ حقيقة كانوا قد عَرَفوها يومًا. فقد كانَ اللهُ قد أعطاهم هذا الحَقّ. واسمحوا لي أنْ أُشاركَ معكم شيئًا عن النَّظرةِ اليهوديَّةِ التَّاريخيَّةِ بخصوصِ الصَّلاة. فالنَّاسُ يَقولون: "إنَّ هذهِ الصَّلاةَ شيءٌ جديدٌ تمامًا". لا، إنَّها ليست كذلكَ حَقًّا. إنَّها ليست كذلكَ حَقًّا. بل هي، ببساطة، إعادةُ تأكيدٍ لشيءٍ قديمٍ جدًّا. وهذا يُلائِمُ العظةَ على الجبل. أليس كذلك؟ لأنَّهُ في العظة على الجبل 5: 17، عندما ابتدأَ يسوعُ يَتحدَّثُ عن هذا الموضوعِ في الأصحاحات 5 و 6 و 7، قال: "انظروا. أنا لم آتِ لأُنْقِصَ أيَّ شيءٍ مِنَ العهدِ القديم. وأنا لم آتِ لأُضيفَ أيَّ شيءٍ على العهدِ القديم. بل أنا أتيتُ لكي أُؤكِّدَ العهدَ القديم. والحقيقةُ هي أنَّهُ ’لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ‘. فقد جِئْتُ وحَسْب لكي أُذَكِّرَكُم بالطَّهارةِ الَّتي يُريدُها اللهُ". وعندما حانَ وقتُ الحديثِ عنِ الصَّلاةِ، فإنَّهُ يُؤكِّدُ لهم أمورًا كانَ ينبغي أنْ يَعرفوها وأنْ يُطَبِّقوها في صَلواتِهم.

واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم نَظرةً عنِ النَّظرة اليهوديَّة التاريخيَّة بخصوصِ الصَّلاة. فقد كانَ اليهودُ يُؤمِنونَ بأنَّهُ كانَ يَحِقُّ لهم أنْ يُصَلُّوا. فَيَهودُ العهدِ القديم كانوا يُؤمِنونَ أنَّهُ يَحِقُّ لهم أنْ يَقتربوا إلى اللهِ. وقد كانَ هذا الأمرُ جُزءًا مُهِمًّا مِنْ حَياتِهم. فقد كانوا يَرغبونَ دائمًا في الاقترابِ إلى اللهِ (اسمعوني) لأنَّهم كانوا يُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ يُريدُهم أنْ يَفعلوا ذلك. فَهُمْ لم يكونوا يَأتونَ إلى اللهِ كما يَفعلُ الوَثَنيُّون؛ أيْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَة. وَهُمْ لم يكونوا يَأتونَ إلى اللهِ وَهُمْ في حالَةِ ذُعْر. بل إنَّهم كانوا يَقتربونَ إليهِ لأنَّهم كانوا يُؤمِنونَ حَقًّا أنَّ اللهَ يُريدُهم أنْ يَقتربوا إليهِ.

والحقيقةُ هي أنَّ مُعَلِّمي اليهودِ كانوا يَقولون: "إنَّ القُدُّوسَ يَتوقُ إلى صَلواتِ الأبرار". ونَقرأُ في المزمور 145: 18: "الرَّبُّ قَرِيبٌ لِكُلِّ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ". ونَقرأُ في المزمور 91: 15: يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، يَقولُ الرَّبُّ". بعبارة أخرى، فإنَّ كلمةَ اللهِ قد أَعلَنَتْ أنَّ اللهَ يُريدُ أنْ يَسمعَ صَلواتِهم، وأنَّ اللهَ يُريدُ أنْ يَسمعَ أنَّاتِ قُلوبِهم. ولم يَكُنْ يوجد يَهوديٌّ واحدٌ (أيْ يَهوديٌّ حقيقيٌّ يَسْكُنُ فيهِ الرُّوحُ الحَقيقيُّ) يَشُكُّ في أنَّ اللهَ يُعطي الصَّلاةَ أولويَّةً قُصوى.

وقد كانَ مُعَلِّمو اليهودِ يُؤمِنونَ أنَّ الصَّلاةَ ليست مُجَرَّدَ وسيلة تَواصُل، بل إنَّها كانت سِلاحًا فَعَّالاً إذْ إنَّها تُطْلِقُ بطريقةٍ ما قُوَّةَ اللهِ. ففي المزمور 65: 2، نَجِدُ آيةً مُدهشةً تَقول: "يَا سَامِعَ الصَّلاَةِ..." ثُمَّ إنَّها تَقولُ: "إِلَيْكَ يَأتِي كُلُّ بَشَرٍ". والفِكرةُ هُنا هي أنَّ اليهودَ كانوا يَقولون: "يَا سَامِعَ الصَّلاَةِ". فقد كانوا يُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ يَسمَعُ صَلواتِهم. ولا أعتقد أنْ النَّاسَ الَّذينَ كانوا يَعبدونَ البَعْلَ كانوا يُؤمِنونَ بذلك. أليسَ كذلك؟

وما أعنيه هو أنَّهم استمرُّوا في الصُّراخِ إلى البَعْلِ مِنْ دونِ أنْ يَحْدُثَ شيء في حادِثَة إيليَّا. وقد كانَ إيليَّا يَقولُ لهم باستمرار: "أعتقد أنَّهُ نَائِمٌ. اصْرُخوا بصوتٍ أعلى. لا! يبدو أنَّهُ قد أَخَذَ إجازةً". وقد جَلَبوا بعضَ الأشياءِ وَراحوا يُمَزِّقونَ مَلابِسَهُم، ويُجَرِّحونَ أجسادَهُم، ويَنْزِفونَ في جَميعِ أرجاءِ المَكان. ولا أعتقد أنَّهم كانوا يُؤمِنونَ حَقًّا أنَّ إلَهَهُم يُبالي. لِذا فقد كانوا يُكَرِّرونَ الكَلامَ إلى ما لا نِهاية، وَيَستمرُّونَ في الإلحاحِ لأنَّهُمْ يُريدونَ حَقًّا أنْ يُضْجِرُوا آلِهَتَهُمْ وَأنْ يُرْغِموها على الاستجابة. ولكِنَّ اليهودَ لم يكونوا يُؤمِنونَ بذلك: " يَا سَامِعَ الصَّلاَةِ".

إنَّ "المِدْراشَ" (Midrash) هو كِتابٌ يَهوديٌّ يَشْرَحُ بعضَ الأمورِ في العهدِ القديم. ونَقرأُ في كِتابِ المِدراش، في ذلكَ الشَّرْحِ اليهوديِّ لتلكَ الآية الَّتي وَرَدَتْ في المَزمور 65 ما يَلي: "المَلِكُ البَشَرِيُّ يَستطيعُ أنْ يُجيبَ طِلباتِ شَخصين أو ثلاثة في نفسِ الوقتِ، ولكِنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يُجيبَ طِلْباتِ أُناسٍ أكثر. ولكِنَّ اللهَ ليسَ كذلك لأنَّ النَّاسَ جميعًا قد يُصَلُّونَ إليهِ، وَهُوَ يُصغي إليهم في الوقتِ نفسِه. فآذانُ البَشَرِ تَمتلئُ مِنَ السَّمْعِ، ولكِنَّ أُذُنَيِّ اللهِ لا تَمتلآن. وَهُوَ لا يَتْعَبُ البَتَّة مِنْ صَلواتِ البَشر". فهذا هو شَرْحُهُم لتلكَ الآية تحديدًا. فاللهُ يُريدُ مِنْكُم أنْ تأتوا. ولا يَهُمُّ كَمْ عَدَدُ الأشخاصِ الَّذينَ سيأتون. فهو يَستطيعُ أنْ يَسْمَعَ صَلاةَ كُلِّ شخصٍ. وَهُوَ لا يَتْعَبُ البَتَّة. بل إنَّهُ يَتوقُ إلى أنْ تأتوا إليهِ.

وقد تَقَدَّمَ مُعَلِّمو اليهودِ خطوةً أخرى فَعَلَّموا أنَّ الصَّلاةَ ينبغي أنْ تَستمرَّ وتَستمرَّ وتَستمرّ. فقد كانوا يُحاولونَ أنْ يُعَلِّموا النَّاسَ ألَّا يَلْتَجِئوا إلى الصَّلاةِ فقط عندَ شُعورِهم باليأس (كما هي حالُ النَّاسِ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّ الصَّلاةَ هي مِظَلَّةُ قَفْزٍ تُسَرُّ بِوجودِها، ولكِنَّكَ تَأمَلُ ألَّا تُضْطَرَّ يومًا إلى استخدامِها). فقد أرادوا مِنَ النَّاس أنْ يُصَلُّوا دائمًا. لِذا فإنَّ "التَّلْمودَ" (Talmud) يَقولُ ... اسمَعوا. فهذا هو تَعليمُ اليهود:

"أَكْرِموا الطَّبيبَ قبلَ أنْ تَحتاجوا إليهِ". وهذهِ نَصيحة جَيِّدة. وهو يقول: "فالقُدُّوسُ يَقولُ إنَّهُ كما إنَّهُ مِنْ واجبي أنْ أُعْطي المَطَرَ والنَّدى، وأنْ أَجعلَ النَّباتاتِ تَنمو، وأنْ أَقوتَ الإنسانَ، يجب عليكم أنتم أيضًا أنْ تُصَلُّوا أمامي، وأنْ تُسَبِّحوني على أعمالي. لِذا، لا يجوزُ أنْ تَقولوا ’أنا أعيشُ في رَخاءٍ؛ لِذا ما حاجَتي إلى الصَّلاة؟ أمَّا إنْ أَصابَنْي مَكروهٌ فإنَّني سآتي حينئذٍ مُتَضَرِّعًا‘. لا! فقبلَ أنْ تأتي المَصائِبُ، تَوَقَّع ذلكَ وَصَلِّ". لِذا فقد كانَ اليهودُ يقولونَ إنَّ الصَّلاةَ ليست نِداءَ استغاثةٍ طَارئة، بل إنَّ الصَّلاةَ هي حَديثٌ لا يَنقطع مَبْنيٌّ على عَلاقَةٍ حَيَّةٍ ومُحِبَّةٍ معَ اللهِ.

وقد كانوا مُحِقِّين. أَتَرَوْنَ ذلك؟ فقد كانوا مُحِقِّين. فقد كانتْ نَظرتُهم سليمة. فالصَّلاةُ هي تَواصُل وَشَرِكَة لا يَنْقَطِعان. والصَّلاةُ تُرْفَعُ إلى اللهِ الَّذي يُريدُ حَقًّا أنْ يَسْمَعَ صَلواتِنا، والَّذي يَهتمُّ حَقًّا، والَّذي لا يَزْدَحِمُ عَقْلُهُ بالأعدادِ الهائلةِ مِنَ الصَّلواتِ. وهذا صحيح.

فَضْلاً عن ذلك، اسمحوا لي أنْ أُخبرَكُم المزيدَ عنِ النَّظرةِ اليهوديَّةِ التَّاريخيَّةِ بخصوصِ الصَّلاة. فقد كانوا يُؤمِنونَ أنَّ الصَّلاةَ ينبغي أنْ تَحوي عناصرَ مُعَيَّنة. أوَّلاً ... وسوفَ أَذكُرُ لكم لائحةً تَحْوي نَحْوَ ثَمانية عَناصِر. أوَّلاً: لقد كانوا يُؤمِنونَ أنَّ الصَّلاةَ ينبغي أنْ تَنْطوي على عُنْصُرِ المحبَّةِ والتَّسبيحِ؛ أيْ أنَّكَ عندما تَأتي إلى اللهِ، ينبغي أنْ تَشعُرَ بأنَّهُ يَسْتَحِقُّ عِبادَتَكَ وأنْ تَزْخُرَ صَلاتُكَ بالتَّقديرِ المُحِبِّ وَالتَّسْبيح.

وقد تَعَلَّموا ذلكَ مِنَ المَزامير. فالمُرَنِّمُ يَقولُ في المزمور 34: 2: "أُبَارِكُ الرَّبَّ فِي كُلِّ حِينٍ. دَائِمًا تَسْبِيحُهُ فِي فَمِي". فسوفَ أستمرُّ في تسبيحِهِ مِنْ دُوْنِ تَوَقُّف. فهي عِبادَةٌ للهِ نابعة مِنْ مَحَبَّتِكَ لَهُ. ونَقرأُ في المزمور 51: 15: "يَا رَبُّ افْتَحْ شَفَتَيَّ، فَيُخْبِرَ فَمِي بِتَسْبِيحِكَ". فقد كانوا يُؤمِنونَ بأنَّ المحبَّةَ والتَّسبيحَ هُما جُزْءٌ مِنْ صَلاتِهم.

ثانيًا: لقد كانوا يَشعرونَ أنَّ الصَّلاةَ ينبغي أنْ تَنْطَوي على الامْتِنانِ أوِ الشُّكْر. ففي سِفْرِ يُونان مَثَلاً، يَقولُ يُونان: "أَمَّا أَنَا فَبِصَوْتِ الْحَمْدِ أَذْبَحُ لَكَ". فَقد كانَ جُزْءٌ مِنَ الصَّلاةِ يَنْطوي على تَقديمِ الشُّكْرِ والامتنانِ العَميق. والحقيقةُ هي أنَّ هناكَ آياتٍ كثيرة عن ذلك في العهدِ القديم. ولكِنَّ مُعَلِّمي الشَّريعةِ لَخَّصوا ذلكَ في أجْمَلِ فِكرة على الإطلاق إذْ قالوا: "كُلُّ الصَّلواتِ سَتَزولُ يومًا؛ إلَّا صَلوات الشُّكْر". وقد كانوا مُحِقِّينَ. أليسَ كذلك؟ فعندما يأتي اليومُ الَّذي لا تَعودُ لدينا فيهِ طِلْبات، سيكونُ لدينا كُلُّ شيءٍ يَستحقُّ الشُّكْرَ. لِذا فقد كانت صَلواتُهم تَنْطَوي على الشُّكْر.

ثالثًا: كانَ اليهودُ يُؤمِنونَ بأنَّ صَلواتِهم ينبغي أنْ تَنطوي على الإحْساسِ بِقداسةِ اللهِ، والشُّعورِ بالدَّهشة، والشُّعورٍ بالتَّبْجيل. فَهُمْ لم يكونوا يُسْرِعونَ إلى حَضْرَةِ اللهِ بِقِلَّةِ احْتِرام. وَهُمْ لم يكونوا يُعاملونَ اللهَ كما لو كانَ إنسانًا. بل إنَّهُمْ كانُوا يُعامِلونَهُ بِوَقارٍ شَديد. فقد كانوا يُدركونَ أنَّهم حينَ يُصَلُّونَ فإنَّهُمْ يُقَابِلونَ اللهَ وَجْهًا لوجه. وأنا أَرى ذلكَ يَحْدُثُ في سِفْر إشعياء والأصحاح 6 حينَ جَاءَ بعدَ المَشْهَدِ الَّذي رَأى فيهِ اللهَ، أيْ حينَ رَأى اللهَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ. والمَلائكةُ (السَّرَافِيمُ) وَاقِفُونَ فَوْقَهُ. فقد جاءَ إلى حَضْرَةِ اللهِ بِوَقارٍ شَديد. وَكانَ كُلُّ ما استطاعَ أنْ يَقولَهُ هُوَ: "أنا إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الرَّبَّ". فهُناكَ شُعورٌ بالوَقار. وَشُعورٌ بالقداسة.

ويُمكنكم أنْ تَرَوْا ذلكَ في العديدِ مِنْ صَلواتِ داود حَتَّى إنَّهُ قَبْلَ أنْ يَطْلُبَ أيَّة طِلْبَة فإنَّهُ يُؤكِّدُ طَبيعةَ اللهِ، وشَخْصَهُ، وجَلالَهُ، وَقَداسَتَهُ. لِذا فقد كانَ ذلكَ جُزءًا مِنَ الصَّلواتِ اليهوديَّة. والحقيقةُ هي أنَّ المُعَلِّمَ "سِمْعان" (Simon) كانَ يُعَلِّمُ أنَّهُ عندما يُصَلِّي الإنسانُ، يجب عليهِ أنْ يُدركَ أنَّهُ يَتَقابَلُ وَجْهًا لِوَجْهٍ مَعَ الشَّكينة.

وهُناكَ نُقطةٌ أخرى وهي أنَّ اليهودَ كانوا يَشعرونَ أنَّ صَلواتِهم ينبغي أنْ تَنطوي على الرَّغبةِ الشَّديدةِ في إطاعةِ اللهِ، وأنَّهُ لا يجوزُ لكَ أنْ تُصَلِّي ما لم يَكُنْ قلبُكَ مُستقيمًا حقًّا. فلا يجوزُ أنْ تَأتي إلى حَضْرَةِ اللهِ بِطريقة طَقسيَّة، أو سَطحيَّة أو ضَحْلَة في حين أنَّكَ لم تَعْقِدِ العَزْمَ حَقًّا على التَّجاوُبِ مَعَ تلكَ الشَّرِكَةِ بالطَّاعة. والمزمور 119 كُلُّهُ يُؤكِّدُ ذلكَ مِرارًا وتَكرارًا في كُلِّ تلكَ الآيات. فهو يَتحدَّثُ مِرارًا عنْ أمورٍ مِثْل: "يُغَنِّي لِسَانِي بِأَقْوَالِكَ، لأَنَّ كُلَّ وَصَايَاكَ عَدْلٌ".

بِعبارة أخرى، هُناكَ هذا التَّأكيدُ على أنَّ التَّجاوُبَ مَعَ اللهِ هُوَ الشَّيءُ الصَّحيح. فلا يَجوزُ أنْ تَتَعَجَّلَ في اللُّجوءِ إلى اللهِ قائلاً: "يا رَبُّ، أنا أتحدَّثُ إليكَ. فإنِ اسْتَجَبْتَ لي كما أُريد، سَأتْبَعُكَ". فلم تَكُن هناكَ أيُّ شُروط. فقد كانَ اليهوديُّ الحقيقيُّ يأتي إلى اللهِ وَهُوَ يَعْلَمُ في قَلْبِهِ أنَّهُ يأتي بِروحِ الطَّاعَةِ والرَّغبةِ في إرضاءِ اللهِ، والرَّغبةِ في أنْ يقول: "يا رَبُّ، أيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي تَسْمَحُ بِهِ في هذا الموقِفِ، أنا أَقْبَلُهُ مِنْكَ".

لِذا، هُناكَ المَحَبَّة، والتَّسبيح، والامْتِنانُ والشُّكْر، وإدراكُ قَداسَةِ اللهِ، والرَّغبةُ في إرضاءِ اللهِ وإطاعَتِه. فهذهِ كُلُّها كانت عَناصِرَ في الصَّلواتِ اليهوديَّةِ الصَّحيحة. فَضْلاً عن ذلك، هُناكَ شَيءٌ آخر مُرتبط بفكرةِ القداسة وَهُوَ أنَّ الصَّلواتِ اليهوديَّة كانت تَنْطَوي على الاعترافِ بالخطيَّة. الاعترافِ بالخطيَّة. فعندما كانوا يأتونَ إلى اللهِ، كانوا يَعرفونَ أنَّهُمْ نَجِسونَ، وأنَّهُمْ بحاجة إلى التَّطهير. فهناكَ شُعورٌ بالوقوفِ في حَضْرَةِ اللهِ كشخصٍ نَجِسٍ كما قالَ إشعياء. وقد تَعَيَّنَ على دَاوُد في مَرَّاتٍ كثيرة أنْ يَعْتَرِفَ بخطاياه وَيَتوبَ عنها قبلَ حَتَّى أنْ يأتي إلى حَضْرَةِ اللهِ.

ونَقرأُ في المزمور 26: 6 هذهِ الكلماتِ الرَّائعة: "أَغْسِلُ يَدَيَّ فِي النَّقَاوَةِ [اسْمَعوا]، فَأَطُوفُ بِمَذْبَحِكَ يَا رَبُّ". أيْ: "أنا لن آتي إلى حَضْرَتِكَ إلَّا بعدَ أنْ أُطَهِّرَ حياتي، وإلَّا بعدَ أنْ أتوبَ عن خَطِيَّتي". وهكذا ينبغي أنْ تكونَ الصَّلاةُ. أجل. "مَنْ يَصْعَدُ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ؟ وَمَنْ يَقُومُ فِي مَوْضِعِ قُدْسِهِ؟ اَلطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ، وَ [مَنْ؟] النَّقِيُّ الْقَلْبِ". فَمَنْ يَمْلِكُ الحَقَّ في الدُّخولِ إلى حَضْرَتِهِ إلَّا الشَّخص الَّذي تَطَهَّر، والذي وَاجَهَ خَطاياه! وَقد قالَ مُعَلِّمو اليهود: "عندما تَبكي على خَطاياكَ، فإنَّ اللهَ يَسْمَعُ صَلاتَك". وقد قالَ مُعَلِّمو اليهود: "إنَّ بَوَّابَةَ الدُّموعِ لا تُغْلَق أبدًا". وقد قالَ مُعَلِّمو اليهود: "إنْ لم يَكُنْ بِمَقدورِكَ أنْ تأتي إلى اللهِ بأيِّ شيءٍ، تَعالَ إليهِ بِدُموعِكَ؛ وَهُوَ سَيَسْمَعُكَ".

فقد كانَ اليهودُ يُؤمِنونَ بأنَّ صَلاةَ البَارِّ تُحَرِّكُ قلبَ اللهِ. وقد قالَ يَعقوبُ ذلك إذْ نَقرأُ: "طَلِبَةُ [مَنْ؟] الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا". وقد كانَ اليهودُ يَقولونَ إنَّ الصَّلاةَ النَّابعةَ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ تَقْلِبُ غَضَبَ اللهِ كَما يَقْلِبُ الجَاروفُ الحِنْطَة. فقد كانوا يُؤمِنونَ أنَّكَ تَستطيعُ حَرفيًّا أنْ تَقْلِبَ غَضَبَ اللهِ إلى رَحْمَةٍ مِنْ خِلالِ قَلْبِكَ الطَّاهِر. لِذا فقد كانَ الاعترافُ بالخطيَّة جُزءًا مِنْ صَلاتِهم.

كذلك، كانوا يُؤمِنونَ بأنَّ الصَّلاةَ لا يجوزُ أنْ تكونَ أنانِيَّةً. فقد كانَ لدى اليهودِ رُوْحُ الجَماعَةِ بِطَريقةٍ لا أعتقِدُ أنَّنا نَفهَمُها حَقًّا. فقد كانَ لديهم شُعورٌ قَوْمِيٌّ. وقد كانوا حُكومةً دينيَّةً يَحْكُمُها اللهُ. وكانتِ الأُمَّةُ شيئًا جوهريًّا. وأعتقد أنَّ بَقاءَ إسرائيل كأُمَّة حَتَّى الآن، ووجودَ شَعْبٍ يَهوديٍّ صِرْفٍ حَتَّى اليوم يُبَيِّنُ لكم مَدى تَمَسُّكِهِم بالحِفاظِ على هُوِيَّتِهم القوميَّة. فقد كانوا يُؤمِنونَ بالجَماعة. وقد كانت صَلواتُهم تَشْمَلُ الشَّعْبَ كُلَّهُ. فهي لم تَكُنْ صَلواتٍ لأجْلِ الأفرادِ فقط.

فعلى سبيلِ المِثال، كانت هُناكَ صَلاةٌ يُصَلِّيها مُعَلِّمو اليهودِ؛ وَهِيَ صَلاةٌ مُدهشةٌ جِدًّا. وإليكم ما كانوا يُصَلُّونَهُ: "لا تَسْمَعْ، يا رَبّ، صَلاةَ المُسافِر!" ويا لَها مِنْ صَلاةٍ مُدهشة! "لا تَسْمَعْ، يا رَبّ، صَلاةَ المُسافِر!" فما هو الشَّيءُ الوحيدُ الَّذي تُصَلِّي لأجْلِهِ حينَ تَذْهَبُ في إجازَة؟ أنْ يكونَ الطَّقْسُ رائعًا. أليسَ كذلك؟

"يا رَبّ، أنا ذاهِبٌ في إجازة. لِذا، لا تَجْعَل الجَوَّ مَاطِرًا"، أو: "لا تَسْمَحْ بِسُقوطِ الثَّلْجِ"، أو مَا شَابَهَ ذلك. "أعْطِنا وَحَسْب طَقْسًا رائعًا. فأنا ذاهِبٌ في رِحْلَة". وفي تلكَ الأيَّامِ، كانوا يُسافِرونَ على الأقدام. وعندما يَنطلقونَ في رِحلة، كانَ المُسافِرُ يُصَلِّي أنْ يكونَ الطَّقسُ جَيِّدًا، وأنْ تكونَ السَّماءُ صَافيةً، وأنْ تكونَ الرِّحلةُ سَهْلَةً. ولكِنَّ مُعَلِّمي اليهودِ كانوا يَقولون: "يا رَبُّ، لا تَسْمَعْ تلكَ الصَّلاة" لأنَّ ذلكَ الشَّخصَ المُنْفَرِدَ ذاهِبٌ في رِحلة واحدة. وقد يُصَلِّي لأجلِ يومٍ جميلٍ في حين أنَّ الجميعَ في ذلكَ الجُزءِ مِنَ العالم يَعْلَمونَ أنَّ مَحاصيلَهُم بحاجة إلى المَطَر. "يا رَبّ، لا تَفعل أيَّ شيءٍ لأجْلِ أيِّ شخصٍ إنْ كانَ ذلكَ يُؤثِّرُ سَلْبًا في مَصْلَحَةِ الأغلبيَّة".

وهذهِ نَظرة عظيمة إلى الصَّلاةِ لأنَّ الأغلبيَّة مِنَّا يأتونَ إلى الرَّبِّ مُسْتَخْدِمينَ كُلَّ صِيَغِ ضَميرِ المُتَكَلِّم: "أنا، أنا، أنا"، وَ "لي، لي، لي"، وَ "لأجلي، لأجلي، لأجلي". فنحنُ نُصَلِّي هذهِ الصَّلواتِ المُنفصِلة قائلين: "يا رَبُّ، افْعَل كَذا لي". "يا رَبُّ، يجب أنْ أحْصُلَ على هذا". "يا رَبُّ، إنَّ احتياجاتي كثيرة". "يا رَبُّ، أنا واقِعٌ في مُشكلة". ونحنُ لا نَعْرِفُ مَعنى أنْ نُصَلِّي لأجْلِ الجَماعَة. واللهُ في السَّماءِ لديهِ خُطَّة رائعة لِمَلكوتِه حيثُ تَنْسَجِمُ كُلُّ الأشياءِ مَعًا. وأحيانًا، يا أحبَّائي، فإنَّنا بحاجة إلى التَّضحيةِ بما يبدو في أذهانِنا أنَّهُ الأفضل لنا لأنَّ اللهَ لديهِ خُطَّة أعظم للكُلِّ. أليسَ كذلك؟ ولكِنَّنا لا نُفَكِّرُ هكذا دائمًا. لِذا، عندما كانَ اليَهودِيُّ يُصَلِّي (وأنا أعني هُنا اليهودِيُّ المُؤمِنُ في العهدِ القديم)، كانَ يَقولُ: "يا رَبّ، افْعَلْ ما يُتَمِّم خُطَّتَكَ في وَسْطِ شَعْبِكَ، لا ما أُريدُهُ أنا شخصيًّا".

ولكِنَّنا صِرْنا أنانِيِّينَ جِدًّا في الصَّلاةِ حَتَّى في وقتِنا الحاضِرِ في الكنائِسِ؛ وهذا أمرٌ غيرُ كِتابِيٍّ، لأنَّنا مُنْهَمِكونَ حَقًّا في التَّفكيرِ في أنفُسِنا. فقد عَزَلْنا أنفُسَنا عنِ الآخرين. ونحنُ لا نَتواصَلُ مَعَهُم. ونحنُ لا نَحْمِلُ بَعْضُنا أَثْقالَ بَعْضٍ. ونحنُ لا نَتَشارَكُ بالطَّريقةِ المطلوبة. لِذا فإنَّ صَلواتِنا تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ هذا المَسارِ الضَّيِّق. ولكِنْ يجب علينا أنْ نَتعلَّمَ أنْ نُصَلِّي كما كانوا يُصَلُّونَ؛ أيْ بطريقة غير أنانيَّة. ويجب علينا أنْ نَفعلَ ما يَصُبُّ في مَصْلَحَةِ الجَميع. وأريدُ أنْ أقولَ لكم، يا أحبَّائي، إنَّكم لا تَجِدونَ أيَّ ضَميرِ مُتَكَلِّمٍ فَرديٍّ في هذهِ الصَّلاةِ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 6. فهي تقولُ دائمًا: "أَبانا ... خُبْزَنا اليَوميَّ ... ذُنوبَنا ... المُذْنِبينَ إلينا". لماذا؟ لأنَّ الصَّلاةَ الحقيقيَّةَ تَضُمُّ جَماعَةَ المُؤمِنين. فهي لا تَفْصِلُ البَتَّةَ شخصًا واحدًا ولا تُرَكِّزُ على سَدِّ حاجاتِه بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ تأثيرِ ذلكَ على الآخرينَ جميعًا. فالصَّلاةُ ينبغي أنْ تكونَ غير أنانيَّة.

وهُناكَ نُقطة أخرى. فقد كانَ اليهودُ يُؤمِنونَ أنَّ عَناصِرَ صَلاتِهِم تَضُمُّ المحبَّةَ، والتَّسبيحَ، والامتنانَ والشُّكرَ، والاعترافَ بقداسةِ اللهِ، والرَّغبةَ في إرضاءِ اللهِ وإطاعَتِه، والاعترافَ بالخطيَّة، والقلبَ الطَّاهِرَ، وَعَدَمَ الأنانيَّة. ثُمَّ هُناكَ المُواظَبَة. فقد كانوا يُؤمِنونَ بأنَّهُ يَنبغي لَكَ أنْ تُواظِبَ على الصَّلاة. فلا يَجوزُ أنْ تَتوقَّف عنها. بل يجب أنْ تُواظِب عليها. وقد صَلَّى بولسُ إلى الرَّبِّ أنْ يُزيلَ شَوْكَةً في جَسَدِه. ولكِنَّهُ لم يَسْتَجِب. وقد صَلَّى مَرَّةً أخرى، ولكِنَّ اللهَ لم يَسْتَجِب. وقد صَلَّى مَرَّةً ثالثة. إنَّها المُواظَبة.

وبعدَ خَطيئةِ العِجْلِ الذَّهبيِّ، نَزَلَ مُوْسَى المُبارَكُ، بعدَ أنْ عَبَدَ الشَّعْبُ العِجْلَ الذَّهبيَّ (كما يُخبرُنا الكتابُ المقدَّسُ – أعتقد في الأصحاحِ التَّاسِعِ مِنْ سِفْرِ التَّثنية)، نَزَلَ مُوسى وَصَلَّى لأجْلِ خَطِيَّةِ شَعْبِهِ إسرائيل طَوالَ أربعينَ يومًا. وهذهِ هي المُواظَبَة. وقد كانَ اليهودُ يُؤمِنونَ بذلك.

وأخيرًا، هُناكَ عُنْصُرٌ آخَرُ في صَلواتِهِم وَهُوَ التَّواضُع. التَّواضُع. فاليهوديُّ الحقيقيُّ كانَ يأتي في الصَّلاةِ ... اسمعوني جَيِّدًا: لكي يُخْضِعَ نَفسَهُ لمشيئةِ اللهِ. وأعظمُ مَثَلٍ توضيحيٍّ على ذلكَ مِنْ قلبِ أَتْقى يَهودِيٍّ عاشَ يومًا هي صَلاةُ الرَّبِّ يَسوعَ في البُستان حينَ قالَ ما بَدا في نَظَرِهِ أكثرَ شيءٍ مُريحٍ إذْ قال: "وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ [ماذا؟] إِرَادَتُكَ".

فهذا هُوَ جَوْهَرُ أَصْدَقِ صَلاة. "يا رَبُّ، أنا هُنا لأقولَ: ’افْعَل مَشيئَتَك. فأنا أريدُ أنْ أكونَ مُتوافِقًا مَعَ مَشيئَتِك‘". اسمعوني: إنَّ الصَّلاةَ لا تَعني أنْ أَسألَ اللهَ أنْ يَفعلَ مَشيئَتي، بل هي أنْ أَجْعَلَ نَفْسي مُتوافِقًا مَعَ مَشيئَتِه. وهي تَعني أنْ أسألَهُ أنْ يَفعلَ مَشيئَتَهُ وأنْ يُعطيني النِّعمةَ للتَّمَتُّعِ بها.

لقد كانت كُلُّ هذهِ العَناصِر، يا أحبَّائي، جُزءًا مَنْ حياةِ الصَّلاةِ التَّقليديَّة عندِ اليهوديِّ الحقيقيّ. فقد كانوا جَادِّينَ بخصوصِ الصَّلاة. والحقيقة هي أنَّ اليهودَ كانوا يَصِفونَ الصَّلاةَ بكلمة مُعَيَّنة وهي الكلمة "كَاوَانَّا" (kawanna) ... كَاوَانَّا (أوْ مَا يُشْبِهُ ذلكَ عِنْدَ تَعْريبِها). فهذهِ الكلمة المُحَدَّدة في اللُّغة العِبريَّة هي كَلِمَة تَصْعُبُ تَرجمَتُها. وهي كَلمة تُشيرُ إلى الحَماسَة، أو إلى فِكرةِ العاطِفَة الشَّديدة، أو إلى فِكرةِ التَّكريسِ الشَّديد. فَهِيُ تُشيرُ إلى فِكرةِ الالتِزام. والقلبُ الطَّاهِرُ هو الَّذي يكونُ مُكَرَّسًا تمامًا للصَّلاةِ النَّابعةِ مِنَ القلب. وقد كانَ اليهودُ يَقولونَ إنَّ كُلَّ تلكَ العَناصِرِ ينبغي أنْ تُوْجَدَ في الصَّلاة؛ ولكِنْ ليسَ سَطحيًّا. لا، بل بِتَفانٍ شديد، وبحماسة شديدة، وبتركيزٍ شديد، وبِتكريسٍ عظيم.

والحقيقةُ هي أنَّ المُعَلِّم "عَمِّي" (Ammi) قالَ إنَّ الرَّجُلَ لا يستطيعُ أن يأتي إلى حَضْرةِ اللهِ ما لم يَحْمِلْ قَلْبَهُ بينَ يَديه. لِذا فقد كانوا شَعْبًا مُصَلِّيًا، وكانَ لديهم تُراثٌ عَريقٌ في الصَّلاة. وهذا هو تاريخُ الصَّلاةِ عندَ اليهود.

ولكِنَّ خَطْبًا مَا قد حَدَث. والنُّقطةُ الثَّانيةُ الَّتي سَنَتطرَّقُ إليها هي الرِّياءُ فيما يَختصُّ بالصَّلاةِ اليهوديَّة. فقد صارتِ الصَّلاةُ مُمتلئةً رِياءً. وفي العددِ الخامِس، قالَ رَبُّنا إنَّهُمْ يُصَلُّونَ كَيْ يَراهُمُ النَّاسُ. فَهُمْ مُراؤون. وَهُمْ لَمْ يَعودوا يُكَلِّمونَني. وَهُمْ أنانِيُّونَ. وَهُمْ يحاولونَ أنْ يُحَقِّقوا مَنفَعَةً شَخصيَّة. وَهُمْ يُحاولونَ أنْ يَتَظاهَروا بالتَّقوى أمامَ النَّاسِ. وَهُمْ يُكْثِرونَ مِنْ هذهِ الثَّرْثَرَةِ وهذا التِّكرارِ البَاطِلِ للكلامِ مِثْلَ الشُّعوبِ الوثنيَّةِ ظَنًّا مِنْهُم أنَّني سأفعلُ شيئًا ما لِمُجَرَّدِ أنَّني مَلَلْتُ سَماعَهم، وأنَّني سَأُجيبُ صَلواتِهِمْ لكي أُسْكِتَهُم.

كذلك، فقد كانتْ لديهم هذهِ الكِبْرياءُ الَّتي يَعْجَزُ العَقْلُ عَنْ تَخَيُّلِها (كما جاءَ في العددِ الثَّامِنِ) إذْ إنَّهُمْ كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُ ينبغي لهم أنْ يُطْلِعوا اللهَ على مَا يَجري. فَقَدْ صَارَتْ كُلُّ صَلواتِهِمْ خَاطِئة. لِذا فقد قالَ رَبُّنا في العددِ التَّاسِع: "دَعوني أُعيدُ تَعريفَ الصَّلاةِ الصَّحيحة لَكُم". لِذا فإنَّنا نَجِدُ في الأعداد 9-13 أنَّ يَسوعَ أَعَادَ ذِكْرَ عَناصِرِ الصَّلاةِ الَّتي ذَكَرْتُها لَكُمْ مِنَ التَّقليدِ اليهوديِّ. فَهُوَ لا يَقولُ أيَّ شيءٍ جَديد تَمامًا؛ مَعَ أنَّهُ يُضْفي عَناصِرَ غَنِيَّة جَديدة على كُلِّ شَيءٍ يَقولُه. وَهُوَ يَتَعَمَّقُ في ذلكَ بطريقةٍ لم تَكُنْ موجودة مِنْ قَبْل. ولكِنَّهُ، بِصورة رئيسيَّة، الحَقُّ الجوهريُّ نَفْسهُ. ونحنُ بِحاجة إلى سَماعِ هذا اليوم، يا أحبَّائي، لأنَّنا لا نَعْرِفُ كيفَ نُصَلِّي في حالاتٍ كثيرة بطريقةٍ أفضل مِمَّا كانُوا يُصَلُّون. لِذا فإنَّ دِراسةَ هذا النَّموذَجِ الرَّائعِ للصَّلاةِ سيكونُ خِبْرَةً عظيمة.

واسمحوا لي أنْ أُضيفَ وَحَسْب مُلاحظةً أخرى. فنحنُ نُخْطِئُ الهَدف. فكما تَعلمونَ، مَعَ أنَّ الرَّبَّ يُعْطي هذهِ التَّعليماتِ بخصوصِ كيفيَّةِ الصَّلاةِ هُنا، فإنَّنا نُغْفِلُ الكَثيرَ مِنَ الأشياءِ الواضِحَة. فَعِوضًا عن أنْ نأخُذَ هذهِ الصَّلاةَ ونَستخدِمَها حَتَّى نَتَعَلَّمَ كيفَ نُصَلِّي، فإنَّنا نُرَدِّدُها وَحَسْب. ويُمكنني أنْ أتذكَّرَ أنَّني فَعَلْتُ ذلكَ في حياتي، وأنتُم أيضًا، إذْ كُنَّا نُرَدِّدُ هذهِ الصَّلاةَ وَحَسْب. ولكِنَّ هذا ليسَ هُوَ المَقصود.

فالنَّاسُ يَقولون: "نحنُ نُؤمِنُ أنَّها صَلاة يَنبغي أنْ تُرَدَّد". لا، أنا لا أُوْمِنُ بذلك. فأنا أعتقد أنَّهُ لا بأسَ في تَرديدِها لأنَّهُ لا بأسَ في تَرديدِ أيِّ جُزءِ مِنَ الكتابِ المقدَّس. ولكِنِّي لا أعتقد أنَّها صَلاة يَنبغي أنْ نُرَدِّدَها. وسوفَ أَذكُرُ لكم عِدَّةَ أسبابٍ. أوَّلاً، إنَّ هذهِ الصَّلاةَ مُدَوَّنة مَرَّتَيْنِ في الكتابِ المقدَّس: مَرَّةً في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادِس، ومَرَّة أخرى في إنجيل لوقا والأصحاح 11. وَهِيَ مُختلِفة في كِلا المَوْضِعَيْن. صَحيحٌ أنَّها نَفسُها تقريبًا، ولكِنَّ الكلماتِ مُختلفَة. ولو كانَ الرَّبُّ قد أعطانا هذهِ الصَّلاةَ لكي نَحْفَظَها وَنُرَدِّدَها، لما أعْطانَا إيَّاها بكلماتٍ مُختلفة في هَاتينِ المَرَّتَيْنِ. أليسَ كذلك؟ فهو يَقولُ في إحداها: "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا"، وفي الأُخرى: "وَاغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا" (على سَبيلِ المِثال). بعبارة أخرى، لو كانتْ صَلاةً مَفروضةً، أوْ صَلاةَ رُوتينيَّة ينبغي أنْ نُرَدِّدَها، لكانَ أَعْطانا إيَّاها بنفسِ الطَّريقة.

ثانيًا، في إنجيل لوقا والأصحاح 11، قالَ التَّلاميذ: "عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّي". فَهُمْ لم يَقولوا: "عَلِّمْنا صَلاةً". وَهُناكَ فَرْقٌ بينَ أنْ يكونَ لدينا كِتابُ صَلاةٍ نَفْتَحهُ وَنَتْلو صَلاةً، وبينَ أنْ نَعْرِفَ كيفَ نُصَلِّي. ولم يَكُنِ الرَّبُّ يُعْطيهم صَلاةً، بل كانَ يُعَلِّمُهم أنْ يُصَلُّوا. وبالمُناسبة، لو كانَ يُعَلِّمُهُمْ صَلاةً، أَلَنْ يكونَ مِنَ السُّخْفِ قليلاً أنْ يَقولَ في العددِ السَّابِعِ: "وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَم"، ثُمَّ أنْ يُعْطينا بعدَ ذلكَ مُباشَرةً صَلاةً ينبغي أنْ نُرَدِّدَها؟ فسوفَ يكونُ هذا سخيفًا تَمامًا. فَهُوَ يُحاوِلُ أنْ يُعَلِّمَنا عَدَمَ جَدْوى التَّكرارِ البَاطِل.

كذلك، اسمحوا لي أنْ أقولَ ما يَلي: لا توجد مُناسَبة في كُلِّ العهدِ الجديد (أيْ في الأناجيلِ، أوْ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ، أوْ في الرَّسائِلِ) رَدَّدَ فيها أيُّ شخصٍ هذهِ الصَّلاة. فهي ليست صَلاةً ينبغي أنْ تَصيرَ طَقْسًا، بل هي نَموذَجٌ لِكُلِّ صَلاةٍ تُصَلُّونَها طَوالَ حَياتِكُم لأجلِ أيِّ شيءٍ تُصَلُّونَ لأجلِه. فهي العَمودُ الفِقْرِيُّ الَّذي ينبغي أنْ تَكْسوهُ باللَّحْمِ والعِظامِ وَكُلِّ شيء. فمثلاً، أنا أَضَعُ أمامي بعضَ المُلاحظاتِ الَّتي أَسْتَخْدِمُها في العِظَةِ. وهذهِ ليست عِظَةً، بل هي مُلاحَظاتٌ وَحَسْب. فإنْ جِئْتُ إلى هُنا وقرأتُ المُلاحظاتِ وَحَسْب، سوفَ أُنْهي كَلامي في عَشْرِ دقائق، ولن تَعرِفوا الكثير. ولكِنَّ هذا ليسَ المقصود. بل إنَّها عَمودٌ فِقْرِيٌّ ينبغي أنْ أَكْسُوَهُ باللَّحْمِ والعِظامِ، ويجب أنْ أَجْعَلَهُ حَيًّا. وما يُقَدِّمُهُ لنا يسوعُ هنا هو مُخَطَّطُ صَلاةٍ. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. فَنحنُ نَجِدُ هُنا العناصرَ الرئيسيَّةَ للصَّلاة. وَهِيَ تُشْبِهُ المُخَطَّط. ويجب عليكُم أنْ تُطوِّروا هذا المُخَطَّطَ وأنْ تَجْعَلوهُ صَلاةً مُعَبِّرَةً في كُلِّ مَوقِفٍ مُختَلِف.

وهذهِ الصَّلاةُ، يا أحبَّائي، تُغَطِّي كُلَّ شيءٍ. فهي مُدهشة. فَكُلَّما دَرَسْتُها أكثر، زادَ شُعوري بالإحباط. فقد عُدْتُ إلى هذا النَّصِّ يومَ السَّبْتِ لأنَّهُ كانَتْ هناكَ أفكارٌ كثيرةٌ تَدورُ في رَأسي. وأنا أُحاوِلُ عادَةً أنْ أُنْهي تَحضيرَ العِظَةِ قبلَ انتهاءِ يومِ الجُمُعة حَتَّى أَسْتَغِلَّ يومَ السَّبْتِ في هَضْمِها جَيِّدًا. ولكنِّي عُدْتُ إلى هذا النَّصِّ يومَ السَّبْتِ مَساءً. وقد خَلَدْتُ إلى النَّوْمِ ثُمَّ عُدْتُ إلى هذا النَّصِّ لأنَّني لا أستطيعُ أنْ أُخْرِجَهُ مِنْ عَقلي. وقد نَهَضْتُ في هذا الصَّباحِ وَعُدْتُ إليهِ مَرَّة أخرى. وأنا أَشعرُ أنَّ هُناكَ أُمورًا كثيرةً تَدورُ في رأسي لأنَّ هُناكَ طُرُقًا كثيرةً للنَّظرِ إلى هذهِ الصَّلاة. وَهِيَ تَكْبُرُ أكثر وأكثر، وَتَزْدادُ اتِّساعًا أكثرَ فأكثرَ كُلَّما دَرَسْتُها أكثر. وهِيَ تُعَلِّمُنا الكثيرَ جِدًّا عنِ الصَّلاة.

واسمحوا لي أنْ أَذْكُرَ لكم بعضَ الطُّرُقِ. وما سأفعلُهُ هو أنَّني سأنظُرُ إليها كما لو كانَتْ أَلْمَاسَةً. فسوفَ أتحدَّثُ عَنْ جانِبٍ مِنْها، ثُمَّ عنِ الجانبِ الآخرِ، والآخرِ، والآخرِ، والآخرِ بِسُرعة كبيرة. لِذا، رَكِّزوا مَعي. فهذهِ الصَّلاةُ هي نَموذَجٌ لِكُلِّ صَلاةٍ صَلاَّها البَشَرُ يَوْمًا. وهذهِ الصَّلاةُ هي الهَيْكَلُ العَظْمِيُّ الَّذي يُمكنكم أنْ تَبْنوا عليهِ أيَّ صَلاةٍ قد تُصَلُّونَها يومًا. فَهيِ نَموذَجٌ لِجَميعِ الصَّلواتِ. وإنْ كُنْتُم سَتَحفظونَ هذهِ الصَّلاةِ، ضَعوها في رأسِكُم، وَفَكِّروا فيها كَمُخَطَّطٍ مَهْما كانَ الأمرُ الَّذي تُصَلُّونَ لأجلِه. وحينئذٍ، يُمْكِنُكُمْ أنْ تَتَحَقَّقوا مِنْ أنَّكُمْ تُصَلُّونَ بالطَّريقةِ الَّتي عَلَّمَكُمْ يَسوعُ أنْ تُصَلُّوا بِها. وهذا رائع!

فعلى سَبيلِ المِثالِ، فإنَّ واحدةً مِنَ الطُّرُقِ للنَّظرِ إلى هذهِ الصَّلاةِ هي أنَّها تَكْشِفُ علاقَتَنا باللهِ، وَتُسَلِّطُ الضَّوْءَ على ذلكَ بِطُرُقٍ عديدةٍ مُذهلة جِدًّا. فمثلاً، إنَّها تَقولُ: "أبانا". وهذا يَعني أنَّنا نَتمتَّعُ بعلاقةِ الأبِ والابْنِ معَ اللهِ. وهي تَقولُ: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". فنحنُ نَتمتَّعُ بعَلاقةِ المَعْبودِ والعَابِدِ مَعَ اللهِ. وهي تَقولُ: "لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ". فنحنُ نَتمتَّعُ بعلاقةِ المَلِكِ والتَّابِعِ مَعَ اللهِ. وهي تَقولُ: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". فنحنُ نَتمتَّعُ بعلاقةِ السَّيِّدِ والعَبْدِ مَعَ اللهِ. وهي تَقولُ: "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ". فنحنُ نَتمتَّعُ بعلاقةِ المُعْطي وَالمُنْتَفِعِ مَعَ اللهِ. وَهِيَ تَقولُ: "وَاغْفِرْ لَــنَا خَطايانا [أو ذُنُوبَنَا]". فنحنُ نَتمتَّعُ بعلاقةِ المُخَلِّصِ والخاطِئِ مَعَ اللهِ. وهي تَقولُ: "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ". فنحنُ نَتمتَّعُ بعلاقةِ المُرْشِدِ والسَّائِحِ مَعَ اللهِ. فيُمكنُنا أنْ نَدْرُسَ هذهِ الصَّلاةَ بهذهِ الطَّريقةِ وَحَسْب؛ أيْ كيفَ أنَّها تُظْهِرُ عَلاقَتَنا باللهِ؟

واسْمَحوا لي أنْ أَنظُرَ إليها بطريقةٍ أخرى. فهي تُعَرِّفُنا بالرُّوحِ الَّذي ينبغي أنْ نُصَلِّي بِهِ. فما هُوَ مَوْقِفُنا حينَ نُصَلِّي؟ أوَّلاً، إنَّها تَقولُ: "أبانا" (بِصيغةِ الجَمْعِ). وهذا رُوْحٌ بَعيدٌ عنِ الأنانيَّة. وَهِيَ تَقولُ "أبانا" إشارَةً إلى رُوْحِ العائلةِ. وَهِيَ تَقولُ: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" إشارَةً إلى رُوْحِ التَّبْجيل. "لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ" إشارَةً إلى رُوْحِ الإخْلاصِ. "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" إشارةً إلى رُوْحِ الخُضوعِ. "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ" إشارةً إلى رُوْحِ الاتِّكالِ. "وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا" إشارةً إلى رُوْحِ التَّوْبَةِ. "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ" إشارةً إلى رُوْحِ التَّواضُعِ. "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ" إشارةً إلى رُوْحِ الثِّقة. "وَالْقُوَّةَ" إشارةً إلى رُوْحِ النُّصْرَةِ. "وَالْمَجْدَ" إشارةً إلى رُوْحِ الابتهاج.

ويُمكِنُنا أنْ نُقَسِّمَ هذهِ الصَّلاةَ، بِبَساطةٍ، إلى ثلاثةِ عَناصِر، ثُمَّ إلى ثلاثة عَناصر أخرى. والعناصرُ الثَّلاثةُ الأولى تَختصُّ باللهِ. والعناصرُ الثَّلاثةُ الأخرى تَختصُّ بالإنسان. فالعناصرُ الثَّلاثةُ الأولى تَختصُّ بِمَجْدِ اللهِ. والعناصرُ الثَّلاثةُ الأخرى تَختصُّ بِحاجاتِ الإنسان. فالعناصرُ الثَّلاثةُ الأولى تَختصُّ بِمَجْدِ اللهِ: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". فهذهِ تَختصُّ بِمَجْدِ اللهِ. والعَناصرُ الثَّلاثةُ الأخرى تَختصُّ بحاجاتِ الإنسانِ: "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا ... وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَة". فَكَما تَرَوْنَ، فهذهِ هيَ النُّقطةُ الجوهريَّة. فأوَّلاً، حينَ تُصَلُّونَ فإنَّكُمْ تُعْطونَ اللهَ مَكانَـَتهُ الصَّحيحة. هَلْ تَرَوْنَ ذلك؟ ثُمَّ إنَّ كُلَّ شيءٍ آخرَ يَأتي بعدَ ذلك. فَكُلُّ الصَّلواتِ ينبغي أنْ تَبتدئَ بِشَخْصِ اللهِ: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". ثُمَّ ماذا يَأتي بَعْدَ ذلك؟ فاللهُ يأتي في المَكانةِ الأولى. وعندما يكونُ اللهُ أوَّلاً، فإنَّ الصَّلاةَ تَكونُ مَنْطِقيَّةً.

وهناكَ طريقة أخرى للنَّظرِ إليها. فالصَّلواتُ الثَّلاثةُ الأولى تُبَيِّنُ القَصْدَ مِنَ الصَّلاة. وما هُوَ القَصْدُ مِنْها؟ أوَّلاً، أنْ تُقَدِّسَ اسْمَ اللهِ. ثانيًا، أنْ تَنْشُرَ مَلكوتَهُ. ثالثًا، أنْ تَفعلَ مَشيئَتَهُ. فهذا هو القَصْدُ مِنَ الصَّلاة. "يا رَبُّ أنا آتي إليكَ حَتَّى يَتَقَدَّسَ اسْمُكَ، وَحَتَّى يأتي مَلَكوتُكَ، وَحَتَّى تَتَحَقَّق مَشيئَتُك". وَما هي الوسيلة؟ ما هي الوسيلةُ الَّتي يَتَقَدَّسُ فيها اسْمُهُ، ويأتي فيها مَلكوتُهُ، وتَتَحَقَّقُ فيها مَشيئَتُهُ؟ أوَّلاً، مِنْ خلالِ إعطائِنا خُبْزَنا اليَوميَّ؛ أيْ مِنْ خِلالِ سَدُّ الاحتياج. ثانيًا، مِنْ خِلالِ مُسامَحَتِنا على خَطايانا؛ أيْ مِنْ خِلالِ الغُفران. ثالثًا، مِنْ خِلالِ عَدَمِ إدْخالِنا في التَّجرِبة؛ أيْ مِنْ خِلالِ الحِماية. فعندما يَسُدُّ اللهَ احْتياجاتِنا، ويَغْفِرُ لنا، وَيَحْمينا، فإنَّهُ يَتَقَدَّسُ في مَجْدِهِ، وفي مَلكوتِهِ، وفي مَشيئَتِهِ.

وهناكَ طريقة أخرى للنَّظرِ إليها: أوَّلاً، اللهُ آبٌ: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". ثُمَّ إنَّهُ مَلِكٌ: "لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ". ثُمَّ إنَّهُ سيِّدٌ: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". فَبِوَصْفِهِ أبًا (في العدد 11)، فإنَّهُ يُعْطينا خُبْزَنا اليَوميَّ. فَهُوَ المَصْدَرُ. وَبِوَصْفِهِ مَلِكًا، فإنَّهُ يُسامِحُنا على ذُنوبِنا وَيَغْفِرُ لنا. وَبِوَصْفِهِ سَيِّدًا، فإنَّهُ لا يُدْخِلُنا في تَجْرِبة.

فالعَناصِرُ الكامِنَة في هذا النَّموذَجِ المُحَدَّدِ للصَّلاةِ، وَالأشياءَ الرَّائعةَ والبَديعَةَ فيها لا نِهايةَ لها تَقريبًا. ولا يُمْكِنُ لأيِّ فِكْرٍ سِوى الفِكْرِ الإلهيِّ أنْ يُفَكِّرَ في مِثْلَ هذهِ الأفكارِ الَّتي لا تُسْتَقْصى والتي يَعْجَزُ العَقْلُ عَنِ استيعابِها؛ ولا سِيَّما أنَّها مُلَخَّصَة في هذا المَقْطَعِ الصَّغيرِ جِدًّا في الكتابِ المقدَّس. فلا يُمْكِنُ لأيِّ إنسانٍ أنْ يَفعلَ ذلك. اسمعوني، يا أحبَّائي: إنَّ الصَّلاةَ لم تَكُنْ يومًا مُحاولةً لإخْضاعِ مَشيئةِ اللهِ لِرَغَباتي، بل إنَّ الصَّلاةَ تَجْعَلُني أَخْضَعُ لِمَشيئةِ اللهِ. فعندما أُقِرُّ أنَّ اللهَ هُوَ صَاحِبُ السِّيادة، سَأقولُ: "يا رَبّ، أعْطِني خُبْزي اليَومِيَّ؛ فَقَطْ إنْ كانَ ذلكَ يُقَدِّسُ اسْمَكَ. ويا رَبُّ، ليتَكَ تَغْفِرُ خَطايايَ؛ فَقَطْ إنْ كانَ ذلكَ يُسْهِمُ في نَشْرِ مَلكوتِكَ. ويا رَبُّ، لا تُدْخِلْني في تَجْرِبة؛ فقط إنْ كانَ ذلكَ يَجْعَلُكَ رَبًّا على حَياتي". لأنَّهُ في كُلِّ الأشياءِ ... عندما أقولُ ذلكَ وأفعلُ ذلكَ فإنَّ القَصْدَ مِنْ كُلِّ الصَّلواتِ مَذكورٌ في العدد 13: "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَد". فهذهِ هي النُّقطةُ الجَوهريَّة.

انظروا وَحَسْب إلى العَناصِرِ الثَّلاثةِ الأخيرة: الخُبْزِ (أيْ إلى سَدِّ الاحْتياجِ)، والمُسامَحَةِ (أيِ الغُفْرانِ)، وَعَدَمِ إدخالِنا في التَّجرِبة (أيِ الحِماية)، فَتَجِدونَ أنَّها تَرْمِزُ إلى الأبعادِ الثَّلاثَةِ للحياةِ. فَخُبْزُنا اليَوميُّ يَرْمِزُ إلى الحاضِر. وَذُنوبُنا وَخطايانا تَرْمِزُ إلى الماضي. وَ "لا تُدْخِلْنا" تَرْمِزُ إلى المُستقبَل. فهذهِ الصَّلاة القصيرة تُشيرُ إلى تَدْبيرِ اللهِ الَّذي يَشْمَلُ الماضي، والحاضِرِ، والمُستقبَل. والخُبْزُ يُشيرُ إلى الجانِبِ الماديِّ. والغُفرانِ يُشيرُ إلى الجانبِ النَّفسِيِّ إذْ إنَّهُ يُخَفِّفُ عَذابَ الشُّعورِ بالذَّنْبِ. وَعَدَمُ إدْخالِنا في التَّجرِبةِ يُشيرُ إلى الجانبِ الرُّوحِيِّ؛ أيْ إلى الحِفاظِ على حَياتِنا الرُّوحيَّة. فَسَواءٌ كُنْت تَتحدَّثُ عنِ الماضي أوِ الحاضِرِ أوِ المُستقبَل، وسَواءٌ كُنْتَ تَتحدَّثُ عنِ الجانبِ المادِّي أوِ النَّفسِيِّ أوِ الرُّوحِيِّ، فأيًّا كانَ الجانِبُ الَّذي تَتحدَّثُ عنهُ، فإنَّهُ مَوجودٌ هُنا. فَهُوَ مَوجودٌ هنا.

وبالمُناسبة، فإنَّ كُلَّ الطِّلْباتِ في هذهِ الآيةِ مَذكورة بصيغةِ الأمْرِ في اللُّغةِ اليونانيَّة. وَهذهِ صِيغة تُشيرُ إلى ضَرورَتِها الشَّديدةِ ... إلى ضَرورَتِها المُلِحَّة. وَهُناكَ إيْجازٌ بَديعٌ في كُلِّ عِبارة، ولكِنَّها تُعَبِّرُ عن شيءٍ بَالِغِ الأهميَّةِ: "لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". فلا تُوْجَدُ هُنا عَناصِرُ مُخَفِّفَة. فَكُلُّ شيءٍ في هذهِ الصَّلاةِ، يا أحبَّائي، يَسعى إلى تَمْجيدِ اللهِ، ويَسعى إلى رَفْعِ اسْمِهِ عالِيًا، ويَسعى إلى تَقْديسِهِ.

ويُمكنني أنْ أقولَ لكم الآنَ إنَّ هذا هُوَ القَصْد مِنْ جَميعِ الصَّلوات. فإنْ كُنتَ تُفَكِّرُ أنَّ الصَّلاةَ هي لأجْلِكَ، فقد ضَيَّعْتَ المَعنى المَقصود. فقد ضَيَّعْتَ المَعْنى المَقصود. وهذا هُوَ ما يُشَوِّشُنا. فنحنُ نُصَلِّي لأجْلِ أنفُسِنا. ونحنُ لا نُبالي بِجَماعَةِ المُؤمِنين بِأسْرِهم. ونحنُ لا نُبالي بِمَشيئةِ اللهِ بِأسْرِها في إطارِ مَلكوتِهِ. وقد كَتَبَ "صموئيل زويمر" (Samuel Zwemmer) عنْ هذهِ الصَّلاةِ الكلماتِ التَّالية: "كُلُّ رَغْبَةٍ مُحْتَمَلَة لدى القلبِ المُصَلِّي مَوجودة في هذهِ الصَّلاةِ. فهي تَحْوي عَالَمًا كامِلًا مِنَ المُتطلَّباتِ الرُّوحيَّة. وهي تَضُمُّ في كلماتٍ بسيطة كُلَّ وَعْدٍ إلهيٍّ، وكُلَّ حُزْنٍ بَشَرِيٍّ وَحاجةٍ بشريَّة، وَكُلّ ما يَتَمَنَّاهُ المُؤمِنُ لِخَيْرِ الآخرين".

فالصَّلاةُ تُرَكِّزُ على اللهِ. اسمعوني: في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14، قالَ يَسوع: "وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْن". فالسَّبَبُ الَّذي تُصَلِّي لأجلِهِ، والسَّببُ في أنَّ اللهَ يُجيبُ الصَّلاةَ هو أنْ يُظْهِرَ ذَاتَهُ، وأنْ يُظْهِرَ مَجْدَهُ. فهذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. فحينَ تُصَلِّي لأجلِ شخصٍ غير مُخَلَّص، ويُقْبِلْ إلى يسوعَ المسيحِ، فإنَّ اللهَ لَمْ يَسْتَجِبْ لأجْلكَ أنْتَ، بل إنَّ الغَايَةَ هِيَ أنْ يُظْهِرَ لَكَ قُوَّةَ الخَلاصِ. وعندما تكونُ لَديكَ حاجة ماديَّة، وَتُصَلِّي، وَيَسُدُّ اللهُ ذلكَ الاحتياج، فإنَّهُ لا يَفعلُ ذلكَ لكي تَحْصُلَ على مَا تُريد؛ بل لكي تَعْلَمَ أنَّ اللهَ يَسُدُّ الاحتياجات.

فَمَجْدُهُ هُوَ الغايةُ الرَّئيسيَّة. لِذا، عندما تُصَلِّي، اعْلَمْ أنَّكَ لا تُطْلِعُ اللهَ على مَعلوماتٍ جديدة لأنَّهُ يَعلَمُ كُلَّ شيء. وأنتَ لا تُرْغِمُ اللهَ، ولا تُضْجِرُ اللهَ، ولا تُثيرُ حَفِيظَتَهُ، ولا تَتحايَلُ عليه. فما تَفْعَلُهُ هُوَ أنَّكَ تَخْضَعُ لِسِيادَتِه.

وهذا هُوَ ما ينبغي أنْ تُرَكِّزَ عليهِ صَلاةُ التَّلاميذ. وهذهِ هي الطريقةُ الَّتي ينبغي أنْ نَنْظُرَ إليها فيها. فهي تَبتدئُ هكذا: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". فَهِيَ تَبتدئُ بِعِبادَةِ اللهِ. وَهِيَ تَنْتَهي هكذا: "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَد". فَهِيَ تَنْتَهي أيضًا بِعِبادَةِ اللهِ. وفي الوَسَط، فإنَّ كُلَّ شيءٍ فيها هُوَ عَنِ الله.

"أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" [هذا يُشيرُ إلى أُبوَّةِ اللهِ]. "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" [هذا يُشيرُ إلى أولويَّةِ اللهِ]. "لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ" [هذا يُشيرُ إلى بَرْنامَجِ اللهِ]. "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" [هذا يُشيرُ إلى قَصْدِ الله]. "خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ" [هذا يُشيرُ إلى سَدِّ اللهِ لاحتياجاتِنا]. "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا" [هذا يُشيرُ على غُفْرانِ الله]. "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ" [هذا يُشيرُ إلى حِمايةِ الله]. "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَد" [هذا يُشيرُ إلى رِفْعَةِ اللهِ]. وَكُلُّ الصَّلواتِ (كما يَقولُ يَسوعُ) لا تَعني أنْ تَقِفَ في الشَّوارِعِ، وفي زَوايا الشَّوارِعِ حَتَّى تُصَلِّي فَيَسْمَعُكَ النَّاسُ، ولا أنْ تُمَجِّدَ نَفْسَكَ؛ بل إنَّ كُلَّ الصَّلواتِ هيَ على النَّقيضِ تَمامًا لأنَّها تَهْدِفُ إلى تَمْجيدِ الله.

والآنْ، يا أحبَّائي، إنْ لم تَفْهَموا شيئًا مِنْ هذهِ العِظَةِ سِوى ذلك، فإنَّ هذا يَكْفي لِتَغييرِ حَياةِ الصَّلاةِ لديكم. أمَّا إنْ لم تَفْهَموا حَتَّى ذلكَ، فأنتُم لم تكونوا تُصْغونَ لأنِّي قُلْتُ ذلكَ بنحوِ خَمْسينَ طريقة. دَعونا نُصَلِّي مَعًا:

يا أبانا، رُبَّما لم يَكُنْ لدينا الوقتُ الكافي للتَّحَدُّثِ عَنْ كُلِّ ما رَغِبْنا في التَّحَدُّثِ عنهُ اليوم، ولكِنَّنا نَثِقُ أنَّنا فَهِمْنا مُا تُريدُ مِنَّا أنْ نَفْهَمَهُ. يا رَبُّ، نَحْنُ نَخْضَعُ لَكَ، ونُبارِكُ اسْمَكَ القُدُّوس، يا أبانا. فَما أَمْجَدَ أنْ نَسْكُنَ مَعَكَ في مَلَكوتِكَ، وأنْ نَعْلَمَ أنَّنا سَنَختبرُ ذاتَ يومٍ مِلْءَ ذلكَ المَلكوتِ عندما نَدْخُلُ إلى حُضورِكَ المُبارَكِ إلى الأبد. يا أبانا، نَشْكُرُكَ لأنَّ حياةَ الصَّلاةِ لدينا يُمْكِنُ أنْ تكونَ غير أنانيَّة، ويُمْكِنُ أنْ تكونَ مُتواضِعَةً، ويُمكنُ أنْ تكونَ كما يَنبغي أنْ تكون. ومِنْ خِلالِ قِيامَنِا بذلكَ فإنَّنا نَستطيعُ أنْ نُعْطيكَ المَجْدَ الَّذي تَسْتَحِقُّه.

ونحنُ نَعلمُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُخْبِرُنا أنَّهُ إنْ مَجَّدناكَ فإنَّكَ سَتملأُ قُلوبَنا بِالفرَح، وأنَّ أعظمَ فَرَحٍ لدينا هو ليسَ أنْ نَحْصُلَ على أشياءٍ لأنفُسِنا، بل أنْ نُمَجِّدَكَ. لِذا، يا لَيْتَنا نَعْرِفُ قلبَ داودَ الَّذي قال: "جَعَلْتُ الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ ... لِذلِكَ فَرِحَ قَلْبِي". أَعْطِنا فَرَحَ القلبِ الَّذي يُدْرِكُ أنَّ كُلَّ صَلواتِنا هي لِمَجْدِكَ. ويا لَيْتَنا نُعَدِّلُ كُلَّ شيءٍ نَطْلُبُهُ بهذا الخُصوص. اسْتَجِبْ لأجْلِ مَجْدِكَ أنتَ. واسْتَجِبْ لأجْلِ انتشارِ مَلكوتِك. واسْتَجِبْ تَعْبيرًا عَنْ مَشيئَتِكَ لِكَيْ يكونَ لَكَ المُلْكُ والقُوَّةُ والمَجْدُ إلى الأبد. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize