Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أرْجو أنْ تَفتحوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ معي وأنْ تَنظروا إلى الأصحاحِ السَّادِسِ مِنْ إنجيلِ مَتَّى. في وَقْتٍ سَابِقٍ مِن عِبادَتِنا، رَنَّمَت الجَوْقَةُ ما يُعْرَفُ لدينا باسم "الصَّلاة الرَّبَّانيَّة". وهذا هو المَوضوعُ الَّذي نَدْرُسُه. فنحنُ نَدرُسُ إنجيل مَتَّى 6: 9-15 في هذهِ الأيَّام، ونَتأمَّل بصورة خاصَّة في هذا الصَّباح في العددِ التَّاسِعِ ... في العِبارةِ الأولى مِنْ هذهِ الصَّلاة. ولكِنِّي أريدُ أنْ أقرأَ الصَّلاةَ كُلَّها (إلى نِهايةِ العدد 13) لكي تَكونَ حَيَّةً في أذهانِكُم عندما نَتأمَّلُ فيها في هذا الصَّباح. إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادِسِ، ابتداءً بالعدد 9:

"فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِين".

هناكَ نَشاطانِ رُوحِيَّانِ يَنبغي أنْ يُوْجَدا بِلا انْقِطاعٍ في حياةِ المُؤمِن، وَهُما عَمودانِ عَظيمانِ يُثَبِّتانِ المُؤمِنَ في حَياتِهِ اليوميَّة. الأوَّلُ هو: دِراسَةُ كلمةِ اللهِ. والثَّاني هو: الصَّلاة. لِذا فإنَّ الرُّسُلَ يَقولونَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 6: 4: "وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَة". والصَّلاةُ هي حَديثُنا إلى اللهِ. ودراسةُ الكلمة هي حَديثُ اللهِ إلينا. وهذانِ الأمرانِ هُما الحَديثُ المُتبادَلُ بينَ الإنسانِ والله. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّهُ ينبغي لنا أنْ نُواظِبَ (دُوْنَ انْقِطاعٍ) على القِيامِ بكلا هذينِ الأمْرينِ إذْ نَتَغَذَّى دائمًا ويوميًّا على كلمةِ اللهِ، ونَتجاوب دائمًا ويوميًّا مِنْ خلالِ الشَّرِكَةِ معَ الله.

ففي أسفارِ مُوْسى الخَمْسَة، نَجِدُ آياتٍ تُؤكِّدُ على أهميَّةِ كِتابةِ شَريعَةِ اللهِ وإعطائِها للإنسانِ إذْ ينبغي للإنسانِ أنْ يَتَكَلَّم بها حينَ يَجْلِسُ، وحينَ يَقومُ، وحينَ يَنامُ، وحينَ يَمْشي في الطَّريق. ويَقولُ المُرَنِّمُ إنَّهُ ينبغي للإنسانِ أنْ يَلْهَجَ في ناموسِ اللهِ نَهارًا وليلاً. لِذا، كانَ ينبغي أنْ يكونَ ناموسُ اللهِ الشُّغْلَ الشَّاغِلِ لَهُ في فِكْرِهِ وحَديثِه طَوالَ الوقت.

وكذلكَ هي الحالُ في ما يَخُصُّ الصَّلاة. فالرَّسولُ بولسُ يَقول: "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ". والرَّسولُ بولسُ يَقولُ: "مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ". والعهدُ الجديدُ يَقولُ لنا: "لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ". فيجب علينا أنْ نُصَلِّي كُلَّ وَقْتٍ. ويجب علينا أنْ نَدرُسَ الكلمة، وأنْ نَستوعِبَها، ونَلْهَجَ فيها، ونَتكلَّم بها كُلَّ وَقْتٍ. لِذا، ينبغي أنْ يكونَ هَذَانِ الأمْرانِ الشُّغْلَ الشَّاغِلَ في حياةِ المُؤمِن: أنْ نَسمعَ اللهَ حينَ يتكلَّم إلينا مِنْ خلالِ كلمتِه، وأنْ نُكَلِّمَ اللهَ مِنْ خلالِ صَلواتِنا.

وقد دَرَسْنا كثيرًا عنْ دراسةِ كلمةِ اللهِ في السَّابقِ، وسنَفعلُ ذلكَ في المُستقبل أيضًا. ولكِنْ في هذهِ المَرَّة، سَيَنْصَبُّ تَركيزُنا على الصَّلاة. فالصَّلاةُ عُنْصُرٌ مِنْ هَذينِ العُنْصُرَيْنِ الثَّابِتَيْنِ في حياةِ المُؤمِن. وقد سَألَ أَحَدُهُم "جورج ميولر" (George Mueller)، رَجُلَ الصَّلاةِ العَظيم، كَمْ مِنَ الوقتِ يَصْرِفُ في الصَّلاةِ، فكانَ رَدُّهُ هو: "أنا أعيشُ في رُوْحِ الصَّلاة. فأنا أُصَلِّي حينَ أَمشي، وحينَ أنامُ، وحينَ أقومُ. والاستجاباتُ تأتي دائمًا". فالصَّلاةُ بالنِّسبةِ إليهِ هي نَهْجُ حَياة.

وقد كانَ رَبُّنا يَعْرِفُ ذلك. فقد كانَ رَبُّنا يَعْلَمُ أنَّ الصَّلاةَ ينبغي أنْ تكونَ نَهْجَ حَياة. ويتوقَّفُ رَبُّنا هُنا في أثناءِ عِظَتِهِ على الجبل، الَّتي تُبايِنُ بصورة خاصَّة بينَ المِعْيارِ الدِّينيِّ الخاطئِ للفَرِّيسيِّينَ والكَتَبَة (مِنْ جِهَة)، وبينَ مِعيارِ اللهِ (مِنْ جِهَة أخرى). وَهُوَ يُقَدِّمُ وَصِيَّةً لجميعِ الَّذينَ يُسَمُّونَ اسْمَهُ حَتَّى يَعلَموا كيفَ ينبغي أنْ يُصَلُّوا.

فالصَّلاةُ شيءٌ مُهِمٌّ جِدًّا. وإنْ كانتِ الصَّلاةُ نَهْجَ حياةٍ لنا، يجب علينا أنْ نَفْهَمَ كيفَ نُصَلِّي. والحقيقةُ هي أنَّ هذهِ الصَّلاةَ النَّموذَجِيَّة نَفسَها الَّتي يُقَدِّمُها هنا موجودة أيضًا في إنجيل لوقا رَدًّا على الطِّلْبَة: "يَا رَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّي". فإنْ كانتَ الصَّلاةُ شيئًا ينبغي أنْ نقومَ بها بلا انقطاع، يجب علينا أنْ نَعرِفَ كيفَ نَفعلَ ذلكَ بالطَّريقةِ الصَّحيحة. لِذا فإنَّ رَبَّنا يُعَلِّمُنا أنْ نُصَلِّي.

ولاحِظوا الأشياءَ الَّتي لا يُعَلِّمُنا إيَّاها. فَهُوَ لا يُعَلِّمُنا عنْ وَضعيَّة مُحَدَّدة للصَّلاةِ لأنَّ أيَّ وَضعيَّة تَصْلُحُ لذلك. ففي الكِتابِ المُقدَّسِ، صَلَّى النَّاسُ وُقوفًا، وَهُمْ يَرفعونَ أيديهم، وَجُلوسًا، وعلى رُكَبِهِم، وَهُمْ يَرفعونَ أعيُنَهُم، وَهُمْ سَاجِدون، وَهُمْ يَضَعونَ رأسَهُمْ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِم، وَهُمْ يَقْرَعونَ على صُدورِهم، وَهُمْ مُتَّجِهونَ نَحْوَ الهيكل، إلخ، إلخ. فلم تَكُن هناكَ وَضْعِيَّة مُحَدَّدة.

ولاحِظوا أنَّهُ لا يُخبرُنا أيَّ شيءٍ عنْ مكانِ الصَّلاة. فالنَّاسُ في الكتابِ المقدَّسِ صَلُّوا في مَعركة، وفي كَهْفٍ، وفي مِخْدَعٍ، وفي بُستانٍ، وعلى سَفْحِ جَبَل، وعلى ضِفَّةِ نِهْرٍ، وعلى شَاطِئِ البحرِ، وفي الشَّارعِ، وفي بيتِ اللهِ. ونَقرأُ في رسالة تيموثاوس الأولى: "فَأُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ الرِّجَالُ فِي كُلِّ مَكَانٍ". ففي الكتابِ المقدَّسِ، صَلَّى النَّاسُ في الفِراشِ، وفي البيتِ، وحَتَّى في جَوْفِ سَمَكة، وفوقَ سَطْحِ بيتٍ، وفي السِّجْنِ، وعلى شاطئِ البحرِ، وفي المِخْدَعِ، وفي البَريَّةِ، وعلى الصَّليبِ، وَهَلُمَّ جَرَّا.

وَهُوَ لا يُخبرُنا شيئًا عن أوقاتِ الصَّلاةِ. وأنا أَذكُرُ رَجُلاً كانَ يَعِظُ عِظَةً أمامَ مجموعةٍ مِنَ الخُدَّامِ، وكانَ يَعِظُ عنِ السَّببِ الَّذي يُعَلِّمُنا فيهِ الكتابُ المقدَّسُ أنَّ الصَّباحَ هُوَ أَنْسَبُ وَقْتٍ للصَّلاةِ، وأنَّهُ يجبُ علينا أنْ نُصَلِّي في الصَّباح. وقد فَحَصْتُ الكتابَ المقدَّسَ فَوَجْدتُ أُناسًا يُصَلُّونَ في الفَجْرِ، وفي الصَّباحِ، وثَلاثَ مَرَّاتٍ في اليوم، وفي المساء، وقبلَ تَناوُلِ الطَّعامِ، وبعدَ تَناوُلِ الطَّعامِ، وفي السَّاعةِ التَّاسعةِ، وقبلَ النَّوْمِ، وفي مُنتصفِ اللَّيلِ، ونهارًا وليلاً، واليوم، وغالبًا، وعندما كانوا شُبَّانًا، وعندما صَاروا مُتقَدِّمينَ في السِّنّ، وعندما كانوا يَقَعونَ في المَتاعِب، وفي كُلِّ يوم، ودائمًا.

فيسوعُ لم يُخبرنا عن وقتٍ مُحَدَّد، أو مكانٍ مُحَدَّد، أو وَضعيَّة مُحَدَّدة. فهناكَ أشخاصٌ يَشعرونَ حينَ يُصَلُّونَ أنَّهُ ينبغي أنْ يَضَعوا على رأسِهِمْ غِطاءً. والشَّعبُ اليهودِيُّ اليومَ، حينَ يُصَلُّونَ، يجب عليهم أنْ يَرْتَدوا مَلابِسَ خَاصَّة للصَّلاة. ولكِنَّكمْ تَجِدونَ في الكتابِ المقدَّسِ أنَّ النَّاسَ كانوا يُصَلُّونَ في كُلِّ أنواعِ الظُّروفِ والمواقِفِ مُرْتَدينَ أحيانًا مُسُوْحًا، وجالِسينَ أحيانًا في الرَّمادِ، ويَحْلِقونَ رُؤوسَهم أحيانًا، ويَقرعونَ على صُدورهم، ويَصْرُخون، ويَضَعونَ التُّرابَ على رُؤوسهم، ويُمَزِّقونَ مَلابِسَهم، ويَصومونَ، ويَتَنَهَّدونَ، ويَئِنُّونَ، ويَصيحونَ عاليًا، ويَتَقَطَّرونَ دَمًا، ويتألَّمونَ بقلوبٍ مَكسورة، وأرواحٍ مكسورة، ويَسكُبونَ قُلوبَهُم، ويُمَزِّقونَ قُلوبَهُم (كما يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ)، ويَقْطَعونَ عُهودًا، ويُقَدِّمونَ ذبائِحَ، ويَرْفَعونَ تَسبيحًا، ويُرَنِّمونَ، إلخ.

ولكِنَّ هذهِ الأشياءَ ليست هي الأساسيَّة. ففي أيِّ وَضعيَّة، وأيِّ وقتٍ، وأيِّ مكانٍ، وفي أيِّ ظَرْفٍ، وفي أيِّ مَلابِسَ، فإنَّ الصَّلاةَ مُناسبة لأنَّ الصَّلاةَ هي نَهْجُ حَياةٍ كَامِل. فالصَّلاةُ هي شَرِكَة مَفتوحة معَ اللهِ تَستمرُّ طَوالَ الوقت. وقد تَصيرُ أحيانًا أكثرَ تَركيزًا وَعُمْقًا مِنْ أوقاتٍ أخرى، ولكِنَّ الصَّلاةَ هي نَهْجُ حَياة. وإنْ كانت نَهْجَ حَياةٍ، يجب علينا أنْ نَفهمَ كيفَ نُصَلِّي. وهذا هو تمامًا ما يُعَلِّمُهُ يَسوعُ هُنا. فهذهِ ليست صَلاةً ينبغي أنْ نُصَلِّيها بِقَدْرِ ما هي نَموذَجٌ لِكُلِّ الصَّلوات. وأنا أعتقد حَقًّا أنَّ أَهَمَّ رِسالة سأُقَدِّمُها إليكم في هذهِ السِّلسلةِ كُلِّها هي الرِّسالة الَّتي قَدَّمْتُها لكم يومَ الأحدِ الماضي. فإنْ لم تَسمعوها، يجب عليكم أنْ تَسمعوا التَّسجيلَ لأنَّها تُقَدِّمُ لكم نَظرةً عامَّةً إلى هذهِ الفِكرةِ كَامِلَةً؛ أيْ إلى صَلاةِ التَّلاميذ.

وهل تُلاحِظونَ كيفَ تَبتدئُ الصَّلاةُ، أوْ كيفَ يَبتدئُ نَموذَجُ الصَّلاةِ في العدد 9؟ "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا". "هُوْتُوس أُوْن" (Houtos oun) في اللُّغةِ اليونانيَّة، ومَعناها الحَرفيُّ هو: "لِذا" أو "وَعَلَيْهِ". أوْ رُبَّما يُمْكِنُنا أنْ نُتَرجِمَها: "على هذا المِثالِ صَلُّوا". فالنَّصُّ لا يَقولُ: "صَلُّوا باستخدامِ هذهِ الكلماتِ تَحْديدًا".

فأحيانًا، في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، بَحَثْتُ عنِ المَرَّاتِ الَّتي وَرَدَتْ فيها هذهِ العِبارة. فَنَفسُ العِبارة (هُوْتُوس أُوْن) مُستخدَمَة إذْ نَقرأُ: "وَفْقًا لِذلكَ فإنَّ العهدَ القديمَ يَقولُ"، ثُمَّ إنَّهُم يُعيدونَ صِياغَةَ ما جاءَ في العهدِ القديم. والمقصودُ هو أنَّ العبارة "هُوْتُوس أُوْن" لا تَعني بالضَّرورة "باستخدامِ هذهِ الكلماتِ تَحديدًا". فهي قد تَعني ذلك، ولكِنَّها تُشيرُ في حالاتٍ عديدة إلى المُحتوى العامِّ بِمَعْنى: "وَفْقًا لِهَذا النَّمَطِ".

فالعِبارة "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا" لا تَعني بالضَّرورة أنْ تَستخدِموا نَفسَ هذهِ الكلماتِ تَحديدًا. وأنا أعتقد أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ أخذوا هذهِ العِبارة حَرْفيًّا وَرَدَّدوا المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّة قد ضَيَّعوا مَعْناها الَّذي هُوَ أنْ يكونَ لدينا مُخَطَّطٌ أساسِيٌّ لِكُلِّ الصَّلواتِ. فَكُلُّ الصَّلواتِ ينبغي أنْ تَتْبَعَ هذا النَّمَطَ وهذا النَّموذَجَ الموجودَ هُنا.

وفي دراسَتِنا السَّابقة، قُلنا إنَّ الغايةَ الرَّئيسيَّةَ مِنْ هذهِ الصَّلاةِ هي أنَّها تُرَكِّزُ على مَجْدِ اللهِ. وهذا لائِقٌ لأنَّ هذا هو القَصْدُ مِنْ كُلِّ الصَّلواتِ. فالصَّلاةُ ليست مُحاولةً لِجَعْلِ اللهِ مُتَّفِقًا مَعي في وُجْهَةِ نَظري. والصَّلاةُ ليست مُحاولةً لِجَعْلِ اللهِ يَفعل ما أُريد؛ بل إنَّ الصَّلاةَ تَعني أنَّني أُؤكِّدُ سِيادةَ اللهِ وَجلاله، وأنَّني آخُذُ مَشيئَتي وأُخْضِعُها لِمَشيئَتِه. فهذهِ هي الصَّلاة الحقيقيَّة.

ونحنُ نَعلمُ أنَّهُ في إنجيل يُوحَنَّا 14: 13 و 14، فإنَّ رَبَّنا الحَبيبَ يَقولُ إنَّهُ عندما نَطلُبُ أيَّ شيءٍ باسْمِهِ، فإنَّهُ يَسْمَعُنا لكي يَتَمَجَّدَ الآبُ. فالصَّلاةُ لا تَهْدِفُ إلى حُصولِكَ على ما تُريد، أوْ على حُصولي على ما أُريد. بل إنَّ الصَّلاةَ تَهْدِفُ إلى إظْهارِ جَلالِ اللهِ. وهي تَهْدِفُ إلى تَمْجيدِ اللهِ. لِذا فإنَّ كُلَّ الصَّلواتِ تُرَكِّزُ على اللهِ. وهذهِ الصَّلاةُ لا تَختَلِفُ في شيء عنِ البَقِيَّة.

فعندَ دراسةِ الصَّلواتِ في العهدِ القديم (وَهُوَ شيءٌ عَكَفْتُ على القِيامِ بِهِ خِلالَ الأسبوعَيْنِ المَاضِيَيْن لكي تَتَشَكَّل لَديَّ صُورة عن كيفَ كانَ اليهودُ يَنظرونَ إلى الصَّلاةِ)، دُهِشْتُ حينَ عَلِمْتُ أنَّهُ حَتَّى في أَصْعَبِ وَأحْلَكِ الظُّروفِ، وحَتَّى في أقْصى حالاتِ اليأسِ الَّتي يَعْسُرُ عَلينا حَتَّى أنْ نَتَخَيَّلَها، قبلَ أنْ يأتي المُؤمِنُ الحَقيقيّ للصَّلاةِ، كانَ في أغلبِ الأحيانِ يَعْبُدُ اللهَ.

فمثلاً، كنتُ أَقرأُ في سِفْرِ يُونان. فقد كانَ يونان في جَوْفِ سَمَكَةٍ ضَخْمَةٍ، في ظَرْفٍ لا يُصَدَّق ولا يُمْكِنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَتَخَيَّلَهُ. ونحنُ نَتحدَّثُ هُنا عنِ الخوفِ، وعنِ البُؤسِ. فَها هُوَ قد وَجَدَ نَفسَهُ في جَوْفِ سَمَكَةٍ ضَخْمَةٍ. وفي الأصحاحِ الثَّاني مِنْ سِفْرِ يُونان، يَبتدئُ يُصَلِّي. وقد يُخَيَّلُ إليكم أنَّهُ سَيَخْتَصِرُ كُلَّ الأمورِ الأخرى ويُسارِع إلى القول: "أَخْرِجْني مِنْ هذا المَكانِ يا رَبّ". ولكِنَّ يُونان يَبتدئُ بعِباراتٍ رائعةٍ مِنَ العِبادةِ والتَّسبيحِ لأنَّهُ لا يُمْكِنُ حَقًّا لأيِّ إنسانٍ أنْ يَسألَ اللهَ شيئًا ما لم يُؤكِّد أنَّ اللهَ لَديهِ الحَقَّ المُطْلَقَ في أنْ يَقولَ "نَعَمْ" أوْ "لا". فهذا هُوَ الأساسُ: أنْ نُخْضِعَ مَشيئَتَنا لَهُ.

وقد قَرأتُ سِفْرَ دانيال والأصحاح 9. وقد كانَ دانيالُ يَعيشُ حَياةً مَحْفوفَةً بالمَخاطِرِ بسببِ مَكانَتِهِ الاستراتيجيَّة في القَصْرِ في وَسْطِ مُجْتَمَعٍ بابليٍّ وَثَنِيٍّ. وفي غَمْرَةِ الظُّروفِ العَصيبةِ الَّتي كانَتْ تُحيطُ بِهِ في ذلكَ الوقتِ، كانَ يُصَلِّي. وفي غَمْرَةِ وَضْعٍ مُريعٍ، كانَ يَعْكِفُ على الصَّلاةِ. فقد كانَ يُصَلِّي وَحَسْب مُتَجاهِلاً بِصُورة شِبْهِ تامَّة ما يَحْدُث، ومُؤكِّدًا جَلالَ وَمَجْدَ وَعَظَمَةَ وَقَداسَةَ اللهِ العَظيمِ صَاحِبِ السِّيادَة.

وقد تَوَسَّعْتُ أكثرَ قليلاً في دراستي فَقرأتُ سِفْرَ إرْميا والأصحاح 32. والنَّبِيُّ المَحبوبُ إرْميا الَّذي عَاشَ الجُزءَ الأكبرَ مِنْ حَياتِهِ في إحْباطٍ وتَشويشٍ وحَيْرَةٍ، والذي صَرَفَ أغلبيَّةَ وَقْتِهِ في البُكاءِ بسببِ انْكِسارِ قلبِهِ على شَعبِهِ، يَبتدئُ في سَكْبِ صَلواتِهِ للهِ في غَمْرَةِ حَيْرَتِهِ. ونُلاحِظُ أنَّ صَلاتَهُ كانت تُرَكِّزُ فقط على جَلالِ اللهِ إذْ يَذْكُرُ صِفاتِهِ الواحدةَ تِلْوَ الأخرى مُنْذُ البِداية.

ولكِنْ لماذا فَعَلوا ذلك؟ ولماذا تَبتدئُ هذهِ الصَّلاةُ هكذا: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ"؟ ولماذا تَنْتَهي هكذا: "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَد"؟ لأنَّ اللهَ هُوَ النُّقطة الجوهريَّة في كُلِّ صَلاةٍ. فالصَّلاةُ ينبغي أنْ تَهْدِفَ إلى إظْهارِ مَجْدِ اللهِ. وينبغي أنْ تَجْعَلَ حَياتي مُتوافِقَةً مَعَ مَشيئَتِه.

واسمَحوا لي أنْ أُوَضِّحَ ذلكَ بالاستعانَةِ بالمَزمور 86. وهُناكَ مَواضِع كثيرة يمكننا أنْ نَجِدَ فيها أمثلةً توضيحيَّة على ذلك، ولكِنِّي أُحِبُّ هذا المَثَلَ التَّوضيحيّ. فَهُوَ مُحَدَّدٌ جدًّا. المزمور 86. فقد كانَ المُرَنِّمُ عاقِدَ العَزْمِ على الصَّلاة. فَهُوَ سَيُصَلِّي إلى اللهِ، ويَطْلُب رَحمةَ اللهِ، ومحبَّةَ اللهِ، وعَطْفَ اللهِ، ولُطْفَ اللهِ تُجاهَهُ. وَهُوَ يَقولُ ابتداءً بالعددِ السَّادِس: "اِصْغَ يَا رَبُّ إِلَى صَلاَتِي، وَأَنْصِتْ إِلَى صَوْتِ تَضَرُّعَاتِي. فِي يَوْمِ ضِيقِيْ أَدْعُوكَ، لأَنَّكَ تَسْتَجِيبُ لِي".

لقد كانَ المُرَنِّمُ في وَسْطِ مُشكلة. وهذهِ صَلاة لِداود. فقد كانَ قَلْبُهُ مُتْعَبًا. وكانَ يَشْعُرُ بِكَرْبٍ شَديدٍ في رُوْحِهِ. وَهُوَ يَلْتَجِئُ إلى اللهِ مِنْ خلالِ الصَّلاةِ. ولكِنْ لاحِظوا ما يَلي: إنَّهُ يَقولُ قَبْلَ أيِّ شيءٍ آخر (في العدد 8): "لاَ مِثْلَ لَكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ". فَهُوَ لا يَبتدئُ بالتَّضَرُّعِ، بل إنَّهُ يَبتدئُ بتأكيدِ جَلالِ وَشَخْصِ اللهِ بوصفِهِ الإلَهَ الوَحيد. "وَلاَ مِثْلَ أَعْمَالِكَ". فَهُوَ يُعَلِّي شَأنَ اللهِ لِشَخْصِهِ وأعمالِهِ. "كُلُّ الأُمَمِ الَّذِينَ صَنَعْتَهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ يَا رَبُّ، وَيُمَجِّدُونَ اسْمَكَ". فَهُوَ يَقولُ إنَّ العالَمَ كُلَّهُ يَنبغي أنْ يأتي وَيَسْجُدَ أَمامَكَ. "لأَنَّكَ عَظِيمٌ أَنْتَ [في العدد 10] وَصَانِعٌ عَجَائِبَ. أَنْتَ اللهُ وَحْدَكَ".

والآنْ، هَلْ تَرَوْنَ هذا، يا أحبَّائي؟ فهذهِ هي الصَّلاةُ المُعتادَة لقِدِّيسِ العهدِ القديمِ الَّذي يَعرِفُ الغَايَةَ الأساسيَّةَ للصَّلاة. فالصَّلاةُ تَهْدِفُ في المَقامِ الأوَّلِ إلى إعْطاءِ اللهِ مَكانَتَهُ الصَّحيحة، وإلى إخْضاعِ مَشيئَتي لَهُ. وهذا هو تَمامًا ما يَفعلُهُ في العدد 11 بِصورة بَديعة: "عَلِّمْنِي يَا رَبُّ طَرِيقَكَ. أَسْلُكْ فِي حَقِّكَ". تَوَقَّفوا هُنا قليلاً. فَلَعَلَّكُمْ تُلاحظونَ أنَّهُ لا يَذكُرُ حَتَّى الآن سُؤْلَ قَلْبِهِ. فَهُوَ لا يَأتي حَتَّى على ذِكْرِ ذلك. بل إنَّهُ يَقولُ وَحَسْب: "أوَّلاً، أُريدُ أنْ أَقولَ لَكَ إنَّكَ أنتَ اللهُ، وإنَّكَ صَاحِبُ الحَقِّ المُطْلَقِ في فِعْلِ مَا تَشاء. ثانيًا، أريدُ أنْ أقولَ لَكَ إنَّني أَخْضَعُ لِطَريقِكَ وَمَشيئَتِكَ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ هذهِ الكلماتِ الرَّائعة في نهايةِ العدد 11: "وَحِّدْ قَلْبِي لِخَوْفِ اسْمِكَ". أيِ اجْعَلْ قَلبيَ وَاحِدًا مَعَ قَلْبِكَ. إنَّها صَلاةٌ بِكُلِّ مَعنى الكلمة. فالصَّلاةُ تَعني الخُضوعُ والتَّسليمُ لمشيئةِ اللهِ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العدد 12 إنَّهُ مَهْما حَدَث: "أَحْمَدُكَ يَا رَبُّ إِلهِي مِنْ كُلِّ قَلْبِي، وَأُمَجِّدُ اسْمَكَ إِلَى الدَّهْرِ". والآنْ، هذهِ صَلاة بِكُلِّ مَعنى الكلمة. إنَّها صَلاة بِكُلِّ مَعنى الكلمة. ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَفْصِلَها عنِ التَّسبيح. فَهِيَ تَعْني أنْ نَضَعَ اللهَ في مَكانِهِ الصَّحيحِ بوصفِهِ صَاحِبَ السِّيادة، وأنْ نُخْضِعَ حَياتَنا لِمَشيئَتِه.

والآنْ، بعدَ أنْ رأينا ذلك، لِنَرجِع إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادِس. وقد كانت هذهِ مُجَرَّد نَظرة خاطفة إلى فِكرةِ الصَّلاةِ مِنْ جِهَةِ طَبيعَةِ اللهِ وشَخْصِهِ. وقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ بِتَفْصيلٍ شَديد في المَرَّةِ السَّابقة.

ولكنِ انظروا مَرَّةً أخرى إلى المُخَطَّطِ الَّذي وَضَعْتُهُ لهذهِ الصَّلاةِ، مِنْ فَضْلِكُم. فَبِبَساطَةٍ مُتناهِيَة جِدًّا جِدًّا، فإنَّ هذهِ الصَّلاةَ، بَلْ إنَّ كُلَّ جانبٍ فيها، وكُلَّ عِبارةٍ قصيرةٍ فيها تَزْخُرُ بالقُوَّة [في هذهِ الصَّلاةِ] تُرَكِّزُ على اللهِ. كُلُّ واحدة مِنها: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". فهذِهِ هِيَ أُبُوَّةُ اللهِ. "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". هذهِ هيَ أولويَّةُ اللهِ. "لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ". هذا هوَ بَرْنامَجُ اللهِ. "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". هذا هُوَ قَصْدُ اللهِ. "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ". هذا هُوَ سَدُّ اللهِ لاحتياجاتِنا. "وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا". هذا هُوَ غُفرانُ اللهِ. "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّير". هذهِ هِيَ حِمايةُ اللهِ. "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِين". هذِهِ هِيَ رِفْعَةُ اللهِ. فَكُلُّ عِبارة تُشيرُ إلى اللهِ.

لِذا فإنَّ الصَّلاةَ تَعني أنْ نَضَعَ اللهَ في مكانهِ العَظيمِ والجَليل. ولننظر إلى البُعْدِ الأوَّلِ وَهُوَ: أُبُوَّةُ اللهِ: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". ويجب أنْ تَعلموا، يا أحبَّائي، أنَّهُ يُمكنني أنْ أَصْرِفَ أسابيعَ عديدة في الحديثِ عن هذهِ العِبارة. فَهُناكَ أُمورٌ كَثيرة جِدًّا أقولُها عنها. وهذِهِ أصْعَبُ أنواعِ العِظاتِ إذْ يوجدُ الكثيرُ جِدًّا مِمَّا يُمْكِنُ قَولُهُ حَتَّى إنَّكَ لا تَدري ماذا تَنْتَقي وتَختار، وماذا تَتْرُك. ولكِنْ لاحِظوا وَحَسْب هذهِ العِبارة: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". فهذا هُوَ الابْتِهالُ الَّذي يَبتدئُ الصَّلاة.

وإنْ فَكَّرْتُم في ذلك، رُبَّما كانت هذهِ هي أكثرُ كلمة نَستخدِمُها في صَلواتِنا: "أبانا" ... "أبانا" ... "أبانا". فنحنُ نَستخدِمُها مِرارًا وتَكرارًا. ونحنُ مُحِقُّونَ في ذلك لأنَّ هذا هُوَ النَّمَطَ الَّذي وَضَعَهُ يَسوع. فالصَّلاةُ تَبتدئ بالإقرارِ بأنَّ اللهَ هُوَ أبونا. وهُناكَ حَقٌّ عَظيمٌ في تلكَ الفِكرة. فاللهُ هُوَ أبونا. وما الَّذي يَعنيهِ ذلكَ بالنِّسبةِ إليكَ؟ حسنًا، اسمحوا لي أنْ أقولَ، في البداية، إنَّ ضَميرَ المُتَكَلِّم هُنا يُشيرُ إلى جَماعَةِ المُؤمِنين. لِذا، فإنَّ هذا يَعني أنَّ الكلمة "أبانا" هي ضَرْبَةٌ قاضيةٌ للتَّعليمِ اللِّيبرالِيِّ الَّذي يُنادي بأُبُوَّةِ اللهِ وَأُخُوَّةِ البَشَر.

فاللِّيبرالِيُّونَ يُعَلِّمونَ مُنْذُ سنواتٍ طويلة أنَّ أُبوَّةَ اللهِ كَوْنِيَّة. أيْ أنَّ اللهَ هُوَ أبٌ للجَميع. فنحنُ جَميعًا أولادُ اللهِ. ونحنُ جَميعًا إخوة. وهذا قد يكونُ صحيحًا مِنْ جانِبٍ واحدٍ فقط ... جانبٍ واحدٍ فقط، وَهُوَ: مِنْ جِهَةِ الخَلْق. مِنْ جِهَةِ الخَلْق. فنحنُ جميعًا أولادُ اللهِ كَوْنِيًّا مِنْ جِهَةِ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي خَلَقَنا.

فنحنُ نَقرأُ في سِفْر مَلاحي 2: 10: "أَلَيْسَ أَبٌ وَاحِدٌ لِكُلِّنَا؟ أَلَيْسَ إِلهٌ وَاحِدٌ خَلَقَنَا؟" فَبِمَعنى أنَّ اللَه خَلَقَنا، نحنُ واحِدٌ. وفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 17، يَقولُ بولُس: "لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ". وقد قالَ ذلكَ للفلاسِفَةِ على جَبَلِ مَارِس. فِمِنْ جِهَةِ الخليقة، أجل. اللهُ هُوَ أبونا. أمَّا مِنْ جِهَةِ العَلاقَةِ، لا. إنَّهُ ليسَ كذلك.

وقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا 8: 44 للقادةِ اليهود: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ". وفي رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّالث، يَذْكُرُ يُوحَنَّا بوضوحٍ تامٍّ عَائِلَتَيْنِ: أولادَ اللهِ، وأولادَ إبليس. فأولادُ اللهِ لا يَستمرُّونَ في اقترافِ الخطيَّة. أمَّا أولادُ إبليس فيستمرُّونَ في اقترافِها. لذا فإنَّهُ يُبَيِّنُ بوضوحٍ الفَرْقَ بينَ العائِلَتَيْن. والرَّسولُ بولسُ يُبَيِّنُ بوضوحٍ الفرقَ بينَ أولادِ النُّورِ وأولاد الظُّلمة. وببساطة، لا توجد عائلة واحدة فقط في الجنسِ البشريِّ لَها أبٌ واحِدٌ هُوَ الله. بل إنَّ هناكَ عائِلَتَيْنِ في العالم: أولادُ اللهِ، وأولادُ إبليس.

ويسوعُ يُبَيِّنُ ذلكَ بِكُلِّ وُضوح. فلا جِدالَ في ذلك. وبُطرسُ يَقولُ في رسالة بُطرس الثَّانية 1: 4 إنَّ الَّذينَ يُؤمِنونَ قد صَاروا [هُمْ فقط] "شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّة". فالَّذينَ وُلِدوا ثانِيَةً مِنَّا هُمْ فقط الَّذينَ وُلِدوا في عائلةِ اللهِ. فقط: "كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ" (كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 1: 12). فهناكَ عائلتانِ. وكلمة يَسوع "أبانا" تُقْصِي كُلَّ الأشخاصِ غيرِ المُؤمِنين.

وهناكَ جانِبٌ إيجابيٌّ لذلك، لا فقط الإقْصاء. والجانبُ الإيجابيُّ هو أنَّ الكلمة "أبانا" تُؤكِّدُ وُجودَ علاقةٍ حميمةٍ معَ اللهِ تَتَّسِمُ بأنَّها رائعة. فكما تَعْلمونَ، بالنِّسبةِ إلى أغلبيَّةِ العالَمِ، كانتِ الآلِهَةُ...أوْ كانَ الإلَهُ الَّذي يَعبدونَهُ بَعيدًا جدًّا، ونَائِيًا جدًّا، ومُرْعِبًا. ومِنَ المُؤسِفِ أنَّهُ كانَ هناكَ بُعْدٌ شَديدٌ حَتَّى في التَّفكيرِ اليهوديِّ في زمنِ يسوع. فقد كانَ اليَهودِيُّ في العهدِ القديم، أوْ قِدِّيسُ اللهِ في العهدِ القديم، يَفهمُ شيئًا عن أُبُوَّةِ اللهِ. فلا شَكَّ في ذلك. فقد كانَ يَفهمُ أنَّ اللهَ هُوَ آبٌ. وأعتقد أنَّهم كانوا يَفهمونَ ذلكَ بالمَعنى القومِيِّ أكثرَ مِنَ المَعنى الشَّخصيِّ. وأعتقد أنَّهم كانوا يَفهمونَ ذلكَ بِمَعنى رِعايةِ اللهِ الشَّامِلة لأُمَّةِ إسرائيل أكْثَرَ مِمَّا يَفهمونَ ذلكَ على أنَّهُ علاقة حَميمة معَ اللهِ كأبٍ شخصيٍّ.

وإلى أنْ جاءَ يَسوعُ، لا أَظُنُّ أنَّ البَشَرَ فَهمِوا حَقًّا العلاقةَ الحميمةَ معَ اللهِ. وأعتقد أنَّ هذا ظَهَرَ بوضوح عندما قالَ فِيلُبُّسُ لِيَسوع: "أَرِنَا الآبَ". فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟" وأعتقد أنَّ يسوعَ هُوَ الَّذي أَطْلَعَنا على هذهِ العلاقةِ الحميمة. أمَّا في العهدِ القديم، فقد كانَ اليهوديُّ في العهدِ القديم يَفهمُ اللهَ حَقًّا بِوَصْفِهِ أبًا بالمَعنى القَوْمِيِّ أكثرَ مِنَ المَعنى الشَّخصيّ.

وَبِمرورِ الوقتِ ومَجيءِ يَسوع، كانوا قد فَقدوا إحْساسَهُمْ بأُبُوَّةِ اللهِ. فقد صارَ اللهُ بعيدًا أكثرَ فأكثر. ولا أعتقد أنَّ اللهَ هو الَّذي ابتعد، بل أعتقد أنَّهُمْ هُمُ الَّذينَ ابتعدوا. وبابتعادهم عنِ الدِّينِ الحقيقيِّ، وبابتعادِهم عنِ العِبادةِ الحقيقيَّة، وبِإعادَةِ تَعريفهم لِنِظامِهِم وَتَهاوُنِهِم معَ الخطيَّة، فَصَلوا أنفُسَهُم عنْ عِنايةِ اللهِ الأبويَّة. لِذا فقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ بَعيدٌ. وَحَتَّى إنَّهم تَوَقَّفوا عنِ استخدامِ أسماءِ اللهِ. فقد صَارَ مِنَ التَّجْديفِ أنْ تَذْكُرَ حَتَّى اسْمَ اللهِ. وقد أَوْجَدوا هذا الصَّدْعَ الكَبير. وقد فَقَدوا الشُّعورَ بأُبوَّةِ اللهِ حَتَّى بالمَعنى القَومِيِّ الَّذي كانوا يَعرِفونَهُ في الماضي.

لِذا، عندما استخدَمَ رَبُّنا الحَبيبُ الكلمة "أبانا"، كانت تلكَ صَدمة لَهُم. فقد أيْقَظَتْ فيهم شيئًا مَفقودًا منذُ وقتٍ طويل. وقد أعادَتْ تَعريفَهُم بنوعٍ جديدٍ مِنَ العلاقةِ الحميمةِ الَّتي لم يَفهموها يومًا. "أبانا".

واسمحوا لي أنْ أصْحَبَكُمْ إلى الوَراء وأنْ أُريكُم وَحَسْب ما كانَ اليهودُ في العهدِ القديمِ يَفْهَمونَهُ حينَ كانوا يُفَكِّرونَ في ذلك. فقد كانوا يَعلمونَ أنَّ اللهَ آبٌ. وقد كانوا يَفهمون شيئًا مَا عَنْ مَعنى ذلك. فمثلاً، في سِفْر إشعياء 64، هناكَ جُملة قالَها إشعياءُ بخصوصِ شعبِ اللهِ، أيْ شَعْبِ إسرائيل، وهي أنَّهُمْ أخطأوا جِدًّا. وَهُوَ يقولُ في العددِ الخامِس: "أَخْطَأْنَا" أخطأنا. ثُمَّ إنَّهُ يَصِفُهم في العدد 6 بكلماتٍ مُعَبِّرة جِدًّا: "وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا، وَقَدْ ذَبُلْنَا كَوَرَقَةٍ، وَآثَامُنَا كَرِيحٍ تَحْمِلُنَا". فإشعياءُ يَقولُ: "يا رَبُّ، نَحْنُ مُريعون. نحنُ شَعْبٌ خاطئ. وقد ابتعدنا كثيرًا عنِ السُّلوكِ القويم".

ونَقرأُ في العدد 7: "وَلَيْسَ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِكَ أَوْ يَنْتَبِهُ لِيَتَمَسَّكَ بِكَ، لأَنَّكَ حَجَبْتَ وَجْهَكَ عَنَّا، وَأَذَبْتَنَا بِسَبَبِ آثَامِنَا". يا رَبُّ، نحنُ نَشْعُرُ بالضَّياع. ونحنُ نَشعُرُ أنَّنا وَحْدَنا. فنحنُ أشرار جدًّا، ولم نَعُد حَتَّى نَطْلُبُكَ. ولم يَعُدْ بِمَقدورِنا حَتَّى أنْ نَجِدَكَ. وهذا وَضْعٌ يائسٌ جدًّا.

ثُمَّ إلى مَاذا يَلْتَجِئُ إشعياءُ بعدَ ذلك؟ نَقرأُ في العدد 8 هذهِ الكلماتِ الرَّائعة: "وَالآنَ يَا رَبُّ أَنْتَ أَبُونَا". تَوَقَّفوا هُنا. فكما تَرَوْنَ، إنَّهُ يُعيدُ تأكيدَ الحقيقة المُطَمْئِنَة بأنَّ اللهَ أَبٌ، وبأنَّ الآباءَ يَهتمُّونَ بأبنائهم. وكما تَرَوْنَ، فقد كانوا يَفهمونَ ذلك. فقد كانوا يَفهمونَ شيئًا عن كَوْنِ اللهِ أَبٌ. فمَعَ أنَّنا خُطاة، أنتَ مَا تَزال أَبًا لَنا.

واسمحوا لي أنْ أقولَ لكم (تَلْخيصًا لهذهِ الفِكرةِ نَوْعًا ما) إنَّ اليَهودَ في العهدِ القديمِ كانوا يَرَوْنَ في أُبَوَّةِ اللهِ خَمسةَ أشياء أساسيَّة. ولا أدري إنْ كانت هذهِ الأشياءُ الخَمسةُ تَشْمَلُ كُلَّ شيء، ولكِنْ هذا هُوَ ما وَجَدْتُهُ. أوَّلاً، لقد كانوا يُدركونَ أنَّ اللهَ كانَ أبًا مِنْ جِهةِ وِلادَتِهِم. فقد كانوا يَرَوْنَ أنَّ وِلادةَ اللهِ لهم هُوَ عَمَلٌ يَقومُ بِهِ الأبُ. وفي سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل، نَقرأُ عَنْهُ أنَّهُ: "إلَهُ إسرائيل أبونا". وهذا لَقَب. إلَهُ إسرائيل أبونا. بعبارة أخرى، إنَّهُ هُوَ الَّذي وَلَدَ الأُمَّة.

ثانيًا، مِنْ جِهَةِ فِكرةِ الآبِ، كانَ اليهودُ يُدرِكونَ قُرْبَ اللهِ. فالأبُ شخصٌ مَوجودٌ في إطارِ العائلة. فالأبُ ليسَ مِثْلَ العَمِّ أوِ ابْنِ العَمِّ أوِ الصَّديقِ أوِ الجار. بل إنَّ الأبَ موجودٌ في صُلْبِ العلاقةِ العائليَّة. لِذا فقد كانوا يَرَوْنَ في الكلمة "أب" شيئًا مِنَ القُرْبِ. ولتوضيحِ هذهِ الفِكرة، لن أُخَصِّصَ وقتًا لقراءةِ ذلك؛ ولكِنِ اقرأوا المَزمور 68. فهو مُدهشٌ حقًّا.

ففي المزمور 68، نَجِدُ حَديثًا عنِ اللهِ وقُدرَتِه. وَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ اللهِ بِوَصْفِهِ يَسْكُنُ في جَبَلٍ عَالٍ، ويَتحدَّثُ عنِ اللهِ بأنَّهُ يَرْكَبُ السُّحُبَ، ويَتحدَّثُ عن مَرْكباتِهِ الَّتي يُقَدَّرُ عَدَدُها بِعِشرينَ ألفًا. وَمَرْكَباتُهُ هي مَلائكة. واللهُ يَطيرُ في السَّماءِ وَيَصْعَدُ جِبالاً عَالِيَةً مِنَ القَداسةِ. ثُمَّ إنَّهُ يَترُكُ هذا الحَديثُ ويقولُ عَنْهُ إنَّهُ: "أَبُو الْيَتَامَى". وَهُوَ يَضَعُنا في عائلة. أَلا تَجِدونَهُ أمْرًا رائعًا؟ فقد كانوا يُدركونَ جَلالَ اللهِ، ويَفهمونَ شيئًا عن بُعْدِ اللهِ؛ ولكِنَّهم كانُوا يُدركونَ أيضًا أنَّه أبٌ لِليتامَى، وأنَّ اللهَ يَضَعُ الشَّعْبَ في عائلة. لِذا فقد كانوا يُدركونَ قُرْبَهُ.

ثالثًا، أعتقد أنَّ اليهودَ كانوا يَرَوْنَ مِنْ خِلالِ فِكرةِ أنَّ اللهِ أَبٌ، كانُوا يَرَوْنَ نِعْمَتَهُ المُحِبَّة. فالأبُ غَفورٌ. والأبُ رَقيقُ القلبِ. والأبُ رَحومٌ. والأبُ مُنْعِمٌ على أولادِهِ. لِذا فإنَّهم يقولونَ في المزمور 103: "كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيه". فَهُوَ يُشْبِهُ أبًا رَحومًا. وَهُوَ يُشْبِهُ أبًا عَطوفًا، ومُنْعِمًا، ورَقيقًا، ولَطيفًا. فَهُوَ يَهْتَمُّ جِدًّا. وَهُوَ مُنْعِمٌ جِدًّا. فهكذا كانوا يَرَوْنَ اللهَ.

رابعًا، أعتقد أنَّ اليهودَ في العهدِ القديمِ كانوا يَرَوْنَ أُبوَّةَ اللهِ مِنْ خِلالِ إرشادِهِ. فالأبُ يُرْشِدُ أولادَه. أليسَ كذلك؟ فهو يَقودُهُم، وَيُبَيِّنُ لَهُمُ اتِّجاهَ السَّيْرِ، ويُقَدِّمُ لهم الحِكمةَ والتَّعليمَ. وقد كانوا يَرَوْنَ اللهَ هكذا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر إرْميا 31: 9: "بِالْبُكَاءِ يَأتُونَ، وَبِالتَّضَرُّعَاتِ أَقُودُهُمْ. أُسَيِّرُهُمْ إِلَى أَنْهَارِ مَاءٍ فِي طَرِيق مُسْتَقِيمَةٍ لاَ يَعْثُرُونَ فِيهَا". لِماذا؟ "لأَنِّي صِرْتُ لإِسْرَائِيلَ أَبًا". فاللهُ يَقولُ: "سوفَ أَقودُهُم. وسوفَ أُسَيِّرُهُمْ إلى أنهارِ مَاءٍ. وسوفَ أُسَيِّرُهُمْ في طَريقٍ مُستقيمة وَأَحْرِصُ على ألَّا يَعْثُرونَ فيها". لماذا؟ لأنِّي صِرْتُ أبًا لهم. والأبُ يَقودُ. والأبُ يُحِبُّ. والأبُ يَبقى قريبًا. والأبُ يُنْجِبُ. أَتَرَوْن؟

ولكِنَّ كُلَّ ذلكَ لم يَجْعَلْهُمْ يَنظرونَ إلى اللهِ نَظرةً عاطفيَّة لأنَّهُ يوجدُ عُنْصُرٌ خامِسٌ كانوا يَرَوْنَهُ. وكانَ يَنبغي أنْ يَروا ذلكَ لأنَّ اللهَ كانَ أبًا لهم. فقد كانُوا مُطالَبينَ بِإطاعَتِه. وقد كانَ هذا هُوَ دَوْرُهُم. فاللهُ يَلِدُ. واللهُ قَريبٌ. واللهُ مُنْعِمٌ. واللهُ يَقودُهُم أيضًا. وقد كانَ ينبغي لهم أنْ يَتَجاوَبوا مَعَهُ بالطَّاعة.

وفي سِفْرِ التَّثنية والأصحاح 32، هناكَ جُملة بسيطة تَذْكرُ ذلك. وهناكَ آياتٌ أُخرى يُمكننا أنْ نَنظُرَ إليها، ولكِنْ يَكفي أنْ نَنْظُرَ إلى هذهِ. فقد أَفْسَدوا أنفُسَهُم وكانوا خُطاةً. فَجاءتِ الكلمة: ألْرَّبَّ تُكَافِئُونَ بِهذَا يَا شَعْبًا غَبِيًّا غَيْرَ حَكِيمٍ؟ أَلَيْسَ هُوَ أَبَاكَ وَمُقْتَنِيَكَ؟" فَهَلْ تُعامِلونَ أَباكُمْ بِالعِصْيانِ وَقِلَّةِ الاحترام؟ لِذا فقد كانوا يَفهمونَ أنَّهُ أبٌ (رُبَّما بالمَفهومِ العَامِّ). ولكِنْ بالرَّغمِ مِن ذلك، كانوا يَفهمونَ أنَّهُ أبٌ وَلَدَهُمْ، ويُحِبُّهم، ويَعيشُ في وَسْطِهِم، ويُرشدُهم، ويُدَرِّبُهم على الطَّاعةِ. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّهُمْ مَسؤولونَ عنِ الطَّاعةِ. فهذهِ هي الفِكرةُ اليهوديَّة.

وكما تَعلمونَ، في جُزءٍ لاحِقٍ مِنَ العِظَةِ إلى الجَبَل ... ارْجِعوا إلى إنجيل مَتَّى إذْ إنَّ يَسوعَ يَذْكرُ هذهِ الفِكرة في الأصحاح 7 والعدد 7 إذْ يَقول: "اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ". لماذا؟ لماذا سَيَفْعَلُ اللهُ ذلك؟ ولماذا سَيَسْمَعُكمُ اللهُ حينَ تَطْلُبون؟ ولماذا سَيَفْتَحُ اللهُ حينَ تَقرَعُون؟ ولماذا سَيُعْطيكُمُ اللهُ ما تَطْلُبون؟ لِماذا؟

لأنَّ اللهَ هُو هَكذا. وَهُوَ يُتابِعُ قائلاً في العدد 9: "أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟ وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟ فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ [مَنْ؟] أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!" فَقَدْ تَمَّ تَذكيرُهم مَرَّةً أخرى بحقيقةِ أنَّ اللهَ أَبٌ رَحومٌ، وعَطوفٌ، ومُحِبٌّ، وَيَسُدُّ الحاجاتِ؛ تَمامًا كما أنَّ الأبَ في العالمِ يَهتمُّ بحاجاتِ أولادِه.

ولكنِّي أعتقد أنَّهُم كانوا بَعيدينَ عَنْهُ لأنَّهُ إنْ عُدْنا إلى ما قالَهُ يَسوعُ في الأصحاحِ السَّادِس سَنَجِدُ أنَّ هذا البُعْدَ عَنْهُ هو الَّذي جَعَلَهُمْ يَفْقِدونَ شُعورَهُمْ بِالعلاقةِ الحَميمةِ مَعَهُ. وأعتقد أنَّ كُلَّ ما تَبَقَّى لديهم هو الفِكرة الوثنيَّة. فَكَما تَعرِفونَ، فإنَّ اليُونانِيِّينَ كانوا يَدعونَ "زُوْس" (Zeus): "الأب زُوْس". وارتباطًا بالأب زُوْس، صارَ هذا اللَّفْظُ يَعني "سَيِّد" أو "حَاكِم". وهكذا، فَقَدَ المُصْطَلَحُ صِفَةَ الحَميميَّة. فَلَمْ تَعُدْ هُناكَ حَميميَّةٌ فيه.

وبالمُناسبة، لقد كانَ "زُوْس" إلَهًا شِرِّيرًا جدًّا. وأنا أريدُ مِنكم أنْ تَعلموا ذلكَ وَحَسْب. فقد كانَ هناكَ إلَهٌ لَطيفٌ اسْمُهُ "بروميثيوس" (Prometheus). وقد نَظَرَ "بروميثيوس" إلى العالَمِ في الأسفلِ بِحَسَبِ الأسطورةِ الإغريقيَّة. وقد قالَ "بروميثيوس" إنَّهُ لم تَكُنْ هُناكَ نَارٌ في العالَم. وكانَ النَّاسُ يشعُرونَ بالبَرْدِ في اللَّيل. والنِّيرانُ جَيِّدة ليسَ فقط للتَّدفئة، بل إنَّها جَيِّدة أيضًا لأمورٍ كثيرة مِثْلَ الفُوْشَار، والمَارْشْمَلو، والشَّرِكة، وغيرِ ذلك.

فقد نَظَرَ "بروميثيوس" إلى العالَمِ في الأسفلِ وَقالَ إنَّهُ ليسَ حَسَنًا أنَّ الإنسانَ لا يَمْلِكُ نَارًا. لِذا فقد أعطى "بروميثيوس" العالَمَ نَارًا. ولكِنَّ الآبَ "زُوْس" غَضِبَ جِدًّا مِنْ "بروميثيوس" حَتَّى إنَّهُ أَخَذَهُ إلى وَسْطِ البحرِ الأدْرِياتِيّ (Adriatic Sea)، وَوَجَدَ صَخْرَةً ناتِئَةً مِنَ الماءِ، وَقَيَّدَ "بروميثيوس" إلى تلكَ الصَّخرة، وَتَرَكَهُ هُناكَ طَوالَ حَرِّ النَّهارِ المُريعِ لِيُعاني العَطَشَ في النَّهارِ، وَالبَرْدَ في اللَّيْلِ، والعَذابَ الشَّديدَ إذْ إنَّني أعتقد أنَّهُ يُقالُ إنَّ نَسْرًا ذَا مَخالِب قد مَزَّقَ كَبِدَهُ وانْتَزَعَهُ. وكانَ "بروميثيوس" (بحسبِ الأُسطورة) يَحْصُلْ دائمًا على كَبِدٍ جَديد. لِذا فقد كانَ يَحْصُلُ على كَبِدٍ جَديدٍ فَيُمَزِّقُهُ النَّسْرُ مَرَّةً أخرى. وقد كانَ الإغريقُ يَقولونَ إنَّ هذا هُوَ ما سَيَفْعَلُهُ الأبُ "زُوْس" بأيِّ إلَهٍ يُفَكِّرُ في القِيامِ بِأيِّ عَمَلٍ لِمُساعَدَةِ البَشَر.

وهذا هُوَ السِّياقُ في هذا اليوم. فالكلمة "أبانا" لا تَعني أيَّ شيء. فقد فَقَدَتْ مَعْناها. وبالنِّسبةِ إلى الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبة، كانَ التَّفكيرُ في اللهِ بِوَصْفِهِ أبًا فِكرةً جَوْفاءَ تَمامًا. فهي لم تَكُنْ تَعني شيئًا سِوى "سَيِّد" أو "إلَه" أو "حاكِم" أو مَلِك. ولكِنَّ يَسوعَ يَستخدِمُها بطريقة جديدة. فيسوعُ يُضْفي عليها شيئًا غَنِيًّا، وشيئًا خاصًّا، وشيئًا حَميمًا. ليسَ فقط مِنْ خِلالِ الكلمةِ الَّتي يَقولُها (كَما سَنَرى)، بل أيضًا مِنْ خِلالِ الطَّريقةِ الَّتي قامَ فيها بتوصيلِ اللهِ للبَشَر. أليسَ كذلك؟ فقد جَعَلَ يسوعُ تلكَ الحَميميَّةَ مُمْكِنَةً.

وبالمُناسبة، عندما كانَ يَسوعُ يُصَلِّي، كانَ يَستخدِمُ دائمًا الكلمة "آب" إذْ إنَّهُ استخدَمَ أكثرَ مِنْ سَبعينَ مَرَّة الكلمة "آب". فقدِ استخدَمَها دائمًا. وهناكَ صَلاة واحدة فقط صَلَّاها ولم يَستخدِم فيها الكلمة "آب". هل تَعلَمونَ مَا هي تلكَ الصَّلاة؟ "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا [ماذا؟] تَرَكْتَنِي؟" فَفَقَطْ عندما حَمَلَ خَطايانا، انْفَصَلَ عنِ الآبِ. وحينئذٍ فقط، لَم يَقُلْ "يا أَبَتاه". ولَكِنَّهُ في جميعِ المَرَّاتِ الأخرى عَبَّرَ عَنْ حَميميَّةِ تلكَ العلاقة. وفقط في تلكَ اللَّحظةِ المُؤقَّتَةِ الَّتي قَاطَعَها حَمْلُ الخطيَّة، خاطب اللهَ بِلَفْظٍ آخر.

اسمعوني: عندما تَلتجئُ إلى اللهِ وتقول: "يا أَبَتاه"، فإنَّكَ لا تَتحدَّثُ عَنِ الأبْ "إَوَزّ" (Father Goose) أوْ أيِّ شخصٍ آخر، أوْ عن شخصٍ مُحْسِنٍ يُريدُ أنْ يُلْقي بَيْضاتٍ ذَهبيَّة، أوْ عنِ الأُمِّ "إِوَزَّة" (Mother Goose)، أوْ عن أيِّ شخصٍ آخر. ونحنُ لا نَتحدَّثُ عن إلَهٍ لا يُبالي ولا يَكونُ أبًا إلَّا بِمَعنى القِيادَةِ والرِّئاسة. بل إنَّنا نَتحدَّثُ عن إلَهٍ مُحْسِنٍ وَمُحِبٍّ، وعن إلَهٍ يَهْتَمُّ شخصيًّا، وعن إلَهٍ حَميمٍ جِدًّا.

واسمحوا لي أنْ أَتَقَدَّمَ خُطوةً أخرى. فقد دَرَسْتُ قليلاً في هذا الأسبوعِ عنِ الفَلسفاتِ في تلكَ الفترة وَوَجَدْتُ أمورًا مُدهشةً. فقد كانت هناكَ فَلسفتانِ رئيسيَّتانِ موجودتانِ في زَمَنِ المسيح في العالَمِ اليُونانِيِّ أوِ الرُّومانِيّ. وَهُمْ يُعْرَفونَ بالرِّواقِيِّينَ والأبيقورِيِّين. ولا بُدَّ أنَّكُمْ قد قَرأتُم عنهم. أليسَ كذلك؟ وقد كانَ الرِّواقِيُّونَ يُؤمِنونَ بوجودِ صِفَة رئيسيَّة واحدة للآلِهَة. فقد كانوا يَقولونَ إنَّ الصِّفة الرَّئيسيَّة للهِ هي "آبَاثِيَا" (apatheia). وَمِنْها حَصِلْنا على الكلمة "آباثيتيك" (apathetic). والكلمة "آبَاثِيَا" في اللُّغةِ اليونانيَّة تَعني أساسًا: "عَدَمَ القُدرةِ على اخْتبارِ أيَّة مَشاعِر".

فقد كانَ الإغريقُ يَقولونَ الآتي: إنْ كانَ الإنسانُ يَشعُرُ بالمحبَّة، قد يَتأذَّى. وإنْ كانَ الإنسانُ يَشعُرُ بالفرح، قد يَشعُرُ بالحُزن. وإنْ كانَ الإنسانُ يَشعُرُ بالسَّعادة، قد يَشعُرُ بالتَّعاسة. لِذا، فإنَّ الآلهة لا تَشعُرُ بأيِّ شيءٍ؛ وإلَّا فإنَّها قد تتأذَّى. لِذا فقدِ اختاروا أنْ يَكونوا عَديمي المَشاعِرِ، وعديمي العَواطِفِ، وأنْ لا يَشعروا بأيِّ شيء. فَهُمْ لا يُبالونَ ولا يَهْتَمُّونَ بشيء. فهذهِ هي النَّظرة الرِّواقيَّة للآلِهَة. فَهِيَ بلا أيَّة عَواطِف، وبلا أيَّة مَشاعِر، وعَديمة المُبالاة.

وقد كانت لدى الأبيقورِيِّينَ وُجْهَة نَظَر مُختلفة قليلاً. فقد كانوا يَقولونَ إنَّ الصِّفة الأسْمَى للآلِهة هي "أتارَكسيا" (ataraxia). والكلمة "أتارَكسيا" تَعني: "هُدوءٌ تَامٌّ" أو "سَكينة تَامَّة" أو "سَلامٌ تَامٌّ". فقد كانوا يَقولونَ إنَّهُ إنْ تَدَخَّلَتِ الآلِهَةُ في شُؤونِ البَشَر، فإنَّها سَتَفْقِدُ هُدوءَها. أليسَ كذلك؟ وهي سَتَفْقِدُ سَكينَتَها. فإنْ تَدَخَّلَتْ في الفَوضَى الموجودة في العالَم، فإنَّها لن تَتَمَكَّنَ مِنَ الحِفاظِ على هُدوئِها. لِذا فإنَّ الآلِهَة مُنْفَصِلَة. وقد كانوا يُؤمِنونَ بما نُسَمِّيهِ اليومَ "التَّأليهِ الطَّبيعيّ"، وهو مَذْهبٌ يَقولُ إنَّهُ توجد قُوَّة مَا في الكَوْن خَلَقَتْ كُلَّ شيءٍ ثُمَّ تَرَكَتْهُ وَشَأنَهُ لأنَّها لا تُريدُ أنْ يَكونَ لَها أيُّ شَأنٍ بِه.

لِذا، فقد كانَ الرِّواقِيُّونَ يَقولونَ إنَّ اللهَ لا يُبالي ولا يَهْتمُّ البَتَّة. وكانَ الأبيقورِيُّونَ يَقولونَ إنَّ اللهَ مُنْفَصِلٌ تمامًا، وأنَّهُ غيرُ مُهْتَمٍّ قَطّ، وإنَّهُ مُنْفَصِلٌ عنْ أيِّ شيءٍ يَخُصُّ البَشَر. فقد كانتْ هذهِ هي الطَّريقةُ الَّتي يُفَكِّرونَ فيها في آلِهَتِهم بالرَّغْمِ مِنْ أنَّهُمْ كانوا يَستخدِمونَ الكلمة "أب".

والآن، ماذا عن وقتِنا الحاضِر. إنَّ الأمرَ مُختلِفٌ قليلاً. وقدِ اقتبسَ "جيمس ستيوارت" (James Stewart) بِضْعَ أبياتٍ مِنْ قَصيدةٍ لِـ "توماس هاردي" (Thomas Hardy). ويقول "توماس هاردي" إنَّ الصّلاةَ لا فائدة مِنها لأنَّهُ لا يوجدُ مَنْ نُصَلِّي لأجْلِهِ سِوى [وإليكُم الاقتباس] "ذلكَ الشَّيء الحَالِم المُظْلِم الغَبِيّ الَّذي يُديرُ عَجَلَةَ هذا العَرْضِ الفَاشِل". ففي نَظر "توماس هاردي"، اللهُ هُوَ شيءٌ حَالِمٌ، وغَبِيٌّ، ومُظْلِمٌ. وقد قالَ "فولتير" (Voltaire): "الحياةُ مُزْحَة سَمِجَة. أَسْدِلوا السَّتائِر. فالمَسرحيَّةُ الهَزَلِيَّةُ قدِ انْتَهَتْ".

وقد رَسَمَ "إتش.جي. ويلز" (H.G. Wells) في واحدةٍ مِنْ رِواياتِه صُورةَ إنسانٍ هَزَمَهُ التَّوَتُّرُ والضَّغْطُ والإرهاقُ النَّاجِمُ عنِ الحياةِ المُعاصِرة. وعندما كانَ على فِراشِ المَوْتِ، قالَ لَهُ شَخْصٌ قِدِّيسٌ جِدًّا إنَّ رَجاءَهُ الوَحيدَ هو أنْ يكونَ في شَرِكَةٍ معَ اللهِ. فأجاب: "ماذا؟ ذاكَ الشَّيء الَّذي هُناك يَكونُ في شَرِكَةٍ مَعي؟ سُرْعانَ ما سأُفَكِّرُ في الغَرْغَرَةِ بِدَرْبِ التَّبَّانَةِ أوْ بِمُصافَحَةِ أَحَدِ النُّجوم!" فالرِّواقِيُّ يَرى اللهَ بِلا مَشاعِر. والأبيقورِيُّ يَراهُ إلهًا بعيدًا نَائِيًا. والفيلسوفُ المُعاصِرُ يَرى اللهَ شيئًا مُظلِمًا، وحَالِمًا، وغَبِيًّا يُديرُ عَجَلَةَ العَرْضِ السَّخيف. وَحَتَّى إنَّ اليهودَ في زَمَنِ يَسوعَ كانوا يَنظرونَ إلى اللهِ كأبٍ بَعيدٍ، وَنَاءٍ، ومُتلاشٍ في الزَّمَنِ الماضي مِنْ دُوْنَ مَعْنىً حقيقيّ.

وفي وَسْطِ كُلِّ ذلكَ التَّشويش، فإنَّ يَسوعَ يَقولُ ببساطة وَمِنْ دُوْنِ أيِّ تَفسير هذهِ الكلمة: "أَبَانا". أَبَانا. ومِنْ خِلالِ قِيامِهِ بذلك، فإنَّهُ يَفْتَحُ أمامَنا سِتارَةً تَكْشِفُ لنا بُعْدًا جديدًا مُفْعَمًا بالمَعْنى. فالكلمة في اللُّغة اليونانيَّة هي "بَاتير" (pater). ولكِنَّ يَسوعَ لم يَستخدِم تلكَ الكلمة. فقد كانَ يَسوعُ يَتكلَّمُ الآراميَّة عِندما يَتحدَّث، مَعَ أنَّ العهدَ الجديدَ كُتِبَ باليونانيَّة. ولا أَشُكُّ لَدَيَّ في أنَّهُ استخدَمَ الكلمة "آبَّا" لأنَّ "آبَّا" كانت هي الكلمة المَألوفة. فقد كانت "آبَّا" هي الكلمة المُحَبَّبة الَّتي يَستخدِمُها الطِفْلُ الصَّغيرُ لِمُخاطبةِ أبيه. والحقيقةُ هي أنَّ "التَّلْمودَ" (Talmud) يَقولُ إنَّ أوَّلَ شيءٍ يَتعلَّمُهُ الطِّفْلُ هُوَ "آبَّا" وَ "إِمَّا".

وهذا يَبدو مِثْلَ الأطفالِ الصِّغارِ. أليسَ كذلك؟ ولا أدري ما هي أوَّلُ كلمة ابتدأَ أطفالُكُم في استخدامِها لِمُناداتِكُم. ولكِنَّ أولادَنا نَطَقوا بكلماتٍ غريبةٍ في بيتِنا. فهي كلماتٌ غير مَفهومة ولا مَعنى لها يُطْلِقُها الطِّفْلُ الصَّغيرُ على أَبَوَيْه. وفي إنجيل مَرْقُس 14: 36، نَقرأُ أنَّ يسوعَ قالَ: يَا أَبَا الآبُ، أَجِزْ عَنِّي هذِهِ الْكَأسَ". ففي بدايةِ خِدمَتِهِ ونِهايَتِها، وَطَوالَ الفترةِ بينهما، أعتقد أنَّهُ استخدمَ الكلمة "آبَّا" وَمَعْناها: "أبي". وفي رسالة رُومية 8: 15 ورسالة غَلاطِيَّة 4: 6، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نَصْرُخَ: "يَا أَبَا الآب".

فنحنُ لا نأتي إلى اللهِ بِوَصْفِهِ أَبًا بالمَعنى الَّذي كانَ يُفَكِّرُ فيهِ اليهودٌ؛ أيْ بوصفِهِ إلهًا مَسؤولاً عنِ الأُمَّةِ كُلِّها. ونحنُ لا نأتي إلى اللهِ كما لو كانَ إلهًا لا يُبالي أوْ بَعيدًا عَنَّا. بل إنَّنا نأتي إلى اللهِ بوصفِهِ أبًا حَميمًا. ونحنُ نَستخدِمُ الكلمة "آبا". وهذا رَدٌّ على النَّزعة المُتَشَكِّكة المُعاصِرة. وهذا هُوَ الرَّدُّ على تَشويشِ الفَرِّيسيِّين. وهذا هو الرَّدُّ على الفَلاسِفة.

واسمحوا لي أنْ أَخْتِمَ أفكارَنا في هذا الصَّباحِ بِتَلْخيصِ كُلِّ مَا قُلناه. فما مَعنى أنْ يكونَ اللهُ أبانا؟ وما مَعنى أنْ يكونَ بِمَقدورِنا أنْ نَلتجئَ إليهِ بِوَصْفِهِ أَبًا لَنا؟ اسمعوا ما سأقول: أوَّلًا، إنَّهُ يَعني أنَّهُ لم يَعُدْ هُناكَ خَوْفٌ. فهو يَعني أنَّهُ لم يَعُدْ هُناكَ خَوْفٌ. فالمُرْسَلونَ يُخبرونَنا أنَّ إحْدى أعظمِ الهَدايا الَّتي تَجْلِبُها المسيحيَّةُ للمُجتمعاتِ الوثنيَّةِ هي حَقيقةُ أنَّ اللهَ هُوَ أبٌ مُحِبٌّ ومُهْتَمٌّ لأنَّ الوَثنيِّينَ يَعيشونَ في خَوْفٍ مِنْ آلِهَتِهم.

وإنْ قَرأتُم كِتابَ "أرْباب الأرْض" (The Lords of the Earth) سَتُدركونَ الخوفَ الرَّهيبَ الَّذي كانَ يَعيشُ فيهِ هؤلاءِ النَّاسُ قبلَ أنْ يَتحرَّروا مِنْ خلالِ الإيمانِ بالمسيح. وقد حَدَثَ هذا الأمرُ آلافًا مُؤلَّفَةً مِنَ المَرَّاتِ حولَ العالَمِ إذْ إنَّ النَّاسَ الَّذينَ يَعتَنِقونَ دياناتٍ باطلة قد عاشوا تحتَ خوفٍ رَهيبٍ إلى أنْ عَرَفوا اللهَ المُحِبَّ مِنْ خِلالِ الابْنِ المُحِبِّ. فقد كانوا يُؤمِنونَ بآلِهَة. فقد كانَ عَالَمُهُم مُكْتَظٌّ جِدًّا بالآلِهَة الغَيورة، والمُعادِيَة، والحَانِقَة، والمُنْتَقِمة الَّتي كانوا يَعيشونَ بسببِها في رُعْبٍ شَديد. لِذا، مِنَ الرَّائعِ جِدًّا أنْ يَقولَ يَسوع: "أبانا". فهذا يُنْهي الخوفَ. فلا مُبَرِّرَ لِخَوفِكَ مِنَ اللهِ. فهو أبوكَ مِنْ خلالِ المسيح.

ثانيًا، أنا أُوْمِنُ أنَّ اللهَ بوصفِهِ أَبًا يَحْسِمُ مَسألةَ الرَّجاء. الرَّجاء. فكما تَعلمونَ، فإنَّ العالَمَ مُعادٍ. فهناكَ قوانين صَارِمَة في هذا العَالَمِ بحيث أنَّهُ حينَ تَكْسِرُ هذهِ القوانين فإنَّكَ سَتُعَرِّضُ نَفسَكَ للعَواقِب. فإنْ أخطأتَ، هناكَ عواقِب. "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ". ولا عَجَبَ أنَّ "فولتير" قالَ إنَّ الحياةَ مُزْحَة سَمِجَة. ولا عَجَبَ أنَّهُ قالَ إنَّ النَّاسَ حَمْقى، وإنَّهم غارِقونَ في بَحْرٍ مِنَ الطِّيْن. فقد كانَ بِلا رَجاء. وقد كانَ كُلُّ شيءٍ يَنْهارُ مِنْ حَوْلِه. والسَّببُ في ذلكَ هو أنَّهُ لم يَكُنْ لَديهِ أَبٌ مُحبٌّ.

وما زِلْتُ أَذكُرُ أنَّني عندما كنتُ طِفلاً صغيرًا، أَجْلَسَني أبي ذاتَ مَرَّة في رُكْنٍ وقال: "انتظرني هُنا. سوفَ أعودُ وآخُذُكَ". ولكِنَّهُ لم يأتِ! لم يأتِ! وقد حَلَّ الظَّلام. وزادَ الظَّلامُ أكثر فأكثر. وقد كنتُ أجلسُ وحيدًا في ذلكَ الرُّكْن. وفي النِّهاية، تَبَيَّنَ أنَّ سَيَّارَتَهُ قد تَعَطَّلَتْ. وقد عادَ بعدَ ساعاتٍ وساعاتٍ مِنْ إغلاقِ المَحَلَّاتِ. وقد كنتُ أَقِفُ هُناكَ في الظَّلام. وبالطَّبع، لقد عَانَقَني وَسألني إنْ كُنْتُ قد تَضايقت. ولا أَذكُرُ كُلَّ تلك التَّفاصيل. ولكِنَّهُ قالَ لي إنَّني قُلْتُ لَهُ: "لا، أنا لستُ مُتَضايقًا لأنَّكَ قُلْتَ لي أنَّكَ سَتَعود. فقد كنتُ بانتِظارِكَ وَحَسْب". وهذهِ هي مَحَبَّةُ الطِّفْلَ لأبيه. وهذا هو الرَّجاء. ولكِنْ في وَسْطِ عَالَمٍ مُعادٍ يَتَهاوى، اللهُ هُو أبونا. وَهُوَ يَعْتَني بِهِ.

ثالثًا، أعتقد أنَّ هذا يَحْسِمُ مسألةَ الشُّعورِ بالوَحْدة. فإنْ كانَ اللهُ أبًا، يجب على الأشخاصِ الَّذينَ يَشعرونَ بالوَحْدَة أنْ يَعرفوه. أليسَ كذلك؟ فالقلبُ يَختبِرُ الشُّعورَ بالوَحْدة. والقلبُ يَخْتَبِرُ الشُّعورَ بالمَرارة، وفُقدانِ الاعتبار، وفُقدانِ القيمة، واليأس. فنحنُ جميعًا نَختبرُ الإشفاقَ على الذَّات أوْ رِثاء الذَّات. ونحنُ جميعًا بحاجة إلى الاحترام. وَمِنْ أينَ سنحصُلُ على ذلك؟ فهل هُناكَ من يَعْرِفُنا على حَقيقَتِنا ويُحِبُّنا كما نَحنُ؟ وهل هناكَ شخصٌ يَستطيعُ أنْ يَرْفَعَنا وأنْ يُعْطينا قيمةً؟ وهل هناكَ شخصٌ يَستطيعُ أنْ يَجعلَنا نَشعُرُ أنَّ هُناكَ صَديقًا لنا؟

اللهُ يَستطيع. فهو أبونا. إنَّهُ أبونا. وقد قال: "أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ". "أنا صَديقٌ أَلْزَقُ مِنَ الأَخ". فَأُبُوَّةُ اللهِ تَحْسِمُ مَسألةَ الشُّعورِ بالوَحْدَة.

رابعًا، أعتقد أنَّ هذهِ الكلمة هُنا تَحْسمُ موضوعَ الأنانِيَّة. أَلا نَظَرْتُمْ إليها مَرَّةً أخرى؟ فهي تقول: "أبانا" وليسَ "أبي". "أبانا". فيسوعُ يُعَلِّمُنا ما قُلتُهُ لكم في الأسبوعِ الماضي. وسوفَ أَقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى في عُجالة لأنَّنا تَحَدَّثنا عن ذلكَ في الأسبوعِ الماضي. فالصَّلاةُ شيءُ بَعيدٌ كُلَّ البُعْدِ عنِ الأنانِيَّة. فهي تَشْمَلُ جَماعَةَ المُؤمِنينَ دائمًا. والحقيقة هي أنَّهُ لا يوجد ذِكْرٌ لِضَميرِ المُتَكَلِّم بصيغةِ المُفْرَد في هذهِ الصَّلاةِ بِمُجْمَلِها. فعندما تُصَلِّي، لا تُصَلِّ مُرَكِّزًا على ذاتِك، بل صَلِّ لأجْلِ كُلِّ شخصٍ آخر. فنحنُ نَقرأُ في رسالة أفسُس 6: 18: "مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ..." ثُمَّ اسْتَمِعوا إلى ما يَقول: "...لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ". صَلُّوا لأجْلِ الجَميع.

وهل تَعلمونَ شيئًا؟ إذا رَكَّزْتَ على نَفسِكَ فقط، سَتُضَيِّعُ المَعنى المقصود. فهو ليسَ أَبًا لَكَ أنتَ فقط. وَهُوَ ليسَ أَبًا لي أنا فقط. بل هُوَ "أبونا". فَالضَّميرُ بِصيغةِ الجَمْعِ هُنا يَحْسِمُ مَسألةَ الأنانِيَّة.

خامسًا، اللهُ بِوَصْفِهِ أَبًا يَحْسِمُ مَسألةَ الموارِدِ لأنَّ الصَّلاةَ تَقولُ: "أبانا الَّذي..." أيْن؟ أيْن؟ "...فِي السَّمَاوَاتِ". اسمعوني: حينَ تأتي إلى أبيكَ مِنْ أجْلِ الحُصولِ على المَوارِدِ، لا تَقُلْ: "يا رَبُّ، أنا أَعلمُ أنَّهُ لا يوجدُ الكثير لنأخُذَهُ مِنْ هذا العَالَم". اسمعوني: إنَّهُ لا يأخُذُ شيئًا مِنَ العالَم، بل هو يأخُذُ مِنَ السَّماء. وأنا أُوْمِنُ أنَّ هذا يُضيفُ بُعْدًا يُخْرِجُنا مِنْ وَرْطَتِنا. "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". فَهُوَ يَمْلِكُ كُلَّ الأشياءِ الخارقةِ للطَّبيعةِ تَحْتَ تَصَرُّفِه. فَكُلُّ شيءٍ في السَّماءِ، وكُلِّ ما هُوَ مَقْصودٌ في رسالة أفسُس بالقولِ إنَّهُ "بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ" مُتاحٌ فيه. فَهُوَ أَبٌ مُحِبٌّ يَمْلِكُ كُلَّ مَوارِدِ السَّماء.

ويَقولُ "آرثر بينك" (Arthur Pink): "إنْ كانَ اللهُ في السَّماءِ، يَنبغي أنْ تكونَ الصَّلاةُ شيئًا نابِعًا مِنَ القلبِ لا مِنَ الشَّفَتَيْنِ لأنَّهُ لا يوجد صَوتٌ بَشريٌّ على الأرضِ يَستطيعُ أنْ يَشُقَّ السَّماواتِ". فإنْ كانَ اللهُ في السَّماء، يجب على أرواحِنا أنْ تَنْفَصِلَ عنِ الأرض. وإنْ كُنَّا نُصَلِّي إلى اللهِ في السَّماءِ، يجب أنْ يُحَلِّقَ إيمانُنا حَامِلاً تَضَرُّعاتِنا.

فهل تُريدُ الشِّبْعَ؟ إنَّهُ مُتاحٌ لدى اللهِ. وَهَلْ تُريدُ العَدْلَ؟ إنَّهُ مُتاحٌ لدى اللهِ في السَّماويَّاتِ. وَهَلْ تُريدُ السَّلامَ والشَّرِكة والمَعرِفة والنُّصرة والشَّجاعة؟ إنَّها كُلُّها هُناك. فأنا أُصَلِّي إلى أَبٍ لَديهِ مَوارِد أبديَّة بِكُلِّ تأكيد. ويا لها مِن فِكرة رائعة!

سادسًا، إنَّ النَّظَرَ إلى اللهِ بِوَصْفِهِ أَبًا يَحْسِمُ مَسألةَ الطَّاعة. فقد جاءَ وَقْتٌ كانَ يوجدُ فيهِ الْتِزامٌ بِطَاعةِ الأبِ. ولا أدري إنْ كانتِ الطَّاعةُ ما تَزالُ مَوجودة. فقد كانَ ذلكَ أمرًا مُهِمًّا جدًّا في العهد القديم حَتَّى إنَّ اللهَ قالَ: "إنْ وَجَدْتُمْ وَلَدًا عَاصِيًا، ارْجُموهُ؛ لأنِّي أريدُ أنْ يَعْرِفَ العَالَمُ أنَّكُمْ تُطيعونَ أَبَاكُم. لأنَّ هذهِ صُوْرَة تَعْكِسُ كيفَ تَتجاوبونَ مَعَ اللهِ أبيكُم". فهذا يَحْسِمُ مَسألةَ الطَّاعة. فيجب على أَبنائي أنْ يُطيعوني. وأنا أَبٌ غيرُ مُسْتَحِقٍّ. ويجب علينا أنْ نُطيعَهُ؛ لا سِيَّما أنَّهُ أبٌ مُسْتَحِقٌّ بِكُلِّ مَعنى الكلمة.

فالنُّقطةُ المُختصَّةُ بأُبوَّةِ اللهِ تَتَلَخَّصُ في حقيقةِ أنَّهُ يجبُ علينا أنْ نُطيعَهُ. فقد أَطاعَ يَسوعُ الآبَ. وقد قال: "لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي". وقد قالَ: "طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الآبِ. لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ، لا مَشيئتي". فإنْ كانَ بِمَقدورِ يسوعَ أنْ يَضَعَ نَفسَهُ في مَوْضِعِ الخُضوعِ بالرَّغْمِ مِنْ كَمالِهِ، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ بِمَقدورِنا أنْ نَكونَ خَاضِعينَ؛ لا سِيَّما أنَّنا غيرُ كَامِلين.

وأخيرًا، إنَّ النَّظَرَ إلى اللهِ بِوَصْفِهِ أَبًا يَحْسِمُ مَسألةَ الحِكْمَة. فإنْ كانَ اللهُ أَبًا لنا، فإنَّهُ، بِكُلِّ تأكيدٍ، يَفوقُنا حِكْمَةً. هل تَذكرونَ المُسلسلَ التِّلفزيونيَّ القَديمَ "الأبُ يَعْرِفُ الأفضل" (Father Knows Best)؟ مِنَ المُؤكِّدِ أنَّهُمْ لَنْ يَعْرِضوهُ مَرَّةً أخرى. مِنَ المُؤكِّدِ أنَّهُمْ لَنْ يَعْرِضوهُ مَرَّةً أخرى. ولكِنَّ الآبَ يَعْرِفُ الأفضل. وها قَدْ عُدْنا إلى نُقطةِ البداية: "الخُضوعُ لِمَشيئَتِه" - لأنَّها الأفضل.

والآنْ، اسمعوني: ما الَّذي يَحدُثُ حينَ تَعرِفُ اللهَ بوصفِهِ أبًا لَكَ؟ أوَّلاً، إنَّ هذا يُزيلُ الخوفَ. ثانيًا، إنَّهُ يُعْطي رَجاءً. ثالثًا، إنَّهُ يُنْهي الشُّعورَ بالوَحْدَة. رابعًا، إنَّهُ يَحْسِمُ مسألةَ الأنانيَّة لأنَّهُ "أبونا". خامسًا، إنَّهُ يُوَفِّرُ مَصادِرَ سَماويَّة لا نِهاية لها لأنَّهُ "أبونا السَّماويّ". سادسًا، إنَّهُ يَتطلَّبُ الطَّاعةَ. سابعًا، إنَّهُ يُعْلِنُ الحِكمة.

لِذا، حينَ أَبْتَدِئُ الصَّلاةَ قائِلاً: "أبانا الَّذي في السَّماوات"، فإنَّني أُعْلِنُ رَغبتي في المَجيءِ إليهِ كابْنٍ مَحبوبٍ لدى أَبٍ مُحِبٍّ، وفي أنْ أَحصُلَ على كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ تُقَدِّمَهُ مَحَبَّتُه لي. لِذا، عندما تُصَلُّونَ، أَلا صَلَّيْتُمْ هكذا؟ دَعونا نَحْني رُؤوسَنا مَعًا:

يا رَبُّ، في كُلِّ مَرَّة أقولُ فيها: "أبانا"، أَعْلَمُ أنَّني لستُ تائِهًا في وَسْطِ الحُشود. وفي كُلِّ مَرَّة أقولُ فيها ذلك، أَعْلَمُ أنَّكَ موجود. فأنا أَعلمُ أنَّكَ موجودٌ وتُزيلُ خَوفي، وتُعطيني رَجاءً، وتُزيلُ شُعوري بالوَحْدَة، وتُزيلُ أنانيَّتي، وتُقَدِّمُ لي مَوارِدَ سَماويَّة كثيرة ولا حَصْرَ لها، وتَدعوني إلى الطَّاعة، وتُؤكِّدُ حِكْمَتَكَ المُطْلَقة. فَما أَرْوَعَ أنْ تَكونَ أبًا لَنا!

ويا لَيْتَنا نأتي في كُلِّ صَلواتِنا، يا رَبَّنا الحَبيب، بِشُعورٍ عَميقٍ بالامْتِنان لأنَّكَ أبونا الَّذي نستطيعُ أنْ نَقولَ لَهُ: "أبي" ... "بابا" "يا آبَا الآب" وأنْ نَشْعُرَ بالحَميميَّة لأنَّكَ تُعْتَني بنا. فأنتَ لا تَصْنَعُ رَعايا لِمَلكوتِكَ وَحَسْب. وأنتَ لا تَصْنَعُ عَبيدًا لِمَشيئَتِكَ وَحَسْب. وأنتَ لا تَدْعونا أصْدقاءَ وَحَسْب. بل إنَّكَ جَعَلْتَنا أبناءَ وَبَناتٍ لَكَ ... أبناءَكَ، وَأوْصَيْتَنا أنْ نَدعوكَ "أَبًا". نَشكُرُكَ. ويا لَيْتَنا نَكونُ أولادًا مُطيعينَ! ويا لَيْتَنا، بِوَصْفِنا أَبناءَكَ، نَعيشُ وَنَسْلُكُ كما يَنبغي لأولادِكَ أنْ يَسْلُكوا. لأجْلِ مَجْدِكَ. باسْمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize