Grace to You Resources
Grace to You - Resource

يا لَهُ مِنْ فَرَحٍ لنا مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباح أنْ نلْفِتَ أنظارَكُم إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادِسِ في دراسَتِنا لكلمةِ اللهِ. إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادِس. ونحنُ نَتأمَّلُ في صَلاةِ التَّلاميذ في الأعداد مِنْ 9 إلى 13. وأَوَدُّ أنْ تُتابِعوني فيما أَقرأُ مَرَّةً أخرى هذا النَّموذجَ الرَّائعَ للصَّلاةِ في بِدايةِ دِراسَتِنا في هذا الصَّباح. إنجيل مَتَّى والأصحاح 6، ابتداءً مِنَ العدد 9: "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِين".

إنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يُرَكِّزونَ على الصَّلاةِ فقط لأجْلِ أوْ بِسَبَبِ طَريقةِ عَمَلِها، لا بِسَبَبِ هَدَفِها. فَنَحْنُ نَميلُ إلى أنْ نَكونَ ذَرائِعِيِّين. فالصَّلاةُ صارَتْ في نَظَرِنا وَسيلةً لتحقيقِ غَاية. وتلكَ الغاية هِيَ عَادَةً غايةً أنانيَّة. وقد قالَ أحدُ الأشخاصِ: "إنَّ النَّاسَ يَستخدِمونَ صَلَواتِهِم عادَةً كَما يَستخدِمُ البَحَّارَةُ المَضَخَّاتِ حينَ تَتَسَرَّبُ المِياهُ إلى السَّفينة". وهذا صَحيحٌ عَامَّةً. فالصَّلاةُ هي المَلاذُ الأخيرُ لنا نَوْعًا ما. فهي تُشْبِهُ مِظَلَّةً رُوْحِيَّةً للقَفْز. فأنْتَ تُسَرُّ بوجودِها، ولكِنَّكَ تَرْجو ألَّا تُضْطَرَّ إلى استخدامِها. فقد صِرْنا نَنْظُرُ إلى الصَّلاةِ نَظرةً خاطئةً لأنَّنا نَنْظُرُ إليها كَوَسيلةً لِتَحقيقِ أهدافِنا، لا كَوَسيلةً لِتَحقيقِ أهدافِ اللهِ. ولكِنْ كما تَعَلَّمْنا في دراسَتِنا لِصَلاةِ التَّلاميذِ الَّتي قَدَّمها لنا رَبُّنا هُنا كَنَموذَجٍ لِجَميعِ الصَّلواتِ، فإنَّ الصَّلاةَ ليسَتْ لأجْلِنا بالدَّرجةِ الأولى، بل هي لأجْلِ اللهِ. فالصَّلاةُ لا تَرْمي إلى إعْطائِنا مَا نَظُنُّ أنَّنا بِحاجةٍ إليه بِقَدْرِ مَا تَرْمي إلى إعْطاءِ اللهِ الفُرصة لإظْهارِ مَجْدِه. فالصَّلاةُ هي لأجْلِ اللهِ. وَهِيَ لَنا فقط بِصورة ثانويَّة وغير مُباشِرة.

فإنْ لم نَحْصُلْ يومًا على أيِّ شيءٍ مِنَ الصَّلاةِ سِوى الشَّرِكَةِ معَ اللهِ (وَهِيَ الغايَةُ الرَّئيسيَّةُ للصَّلاةِ)، ينبغي أنْ يكونَ ذلكَ كَافِيًا لِجَعْلِ الصَّلاةِ شيئًا دائمًا. وَلَكُمْ أنْ تَتَخَيَّلوا رَوْعَةَ أنْ تُصَلُّوا، وَتَقِفوا أمامَ عَرْشِ اللهِ، وَتَصيروا في شَرِكَةٍ مَعَ إلَهِ الكَوْنِ الحَيِّ! وقد عَلِمْتُمْ أنَّ الصَّلاةَ هِبَة رائعة جِدًّا حَتَّى إنَّهُ لو كانَ هذا هُوَ كُلُّ ما نَحْصُلُ عليهِ في الصَّلاةِ، فإنَّهُ يَكْفي لِحَفْزِنا على الصَّلاةِ دائمًا.

وقد قالَ "يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَب" (Chrysostom)، وَهُوَ واحِدٌ مِنْ آباءِ الكنيسةِ الأولى، قالَ هذهِ الكلماتِ البَديعة: "إنَّ المَلِكَ الذيَ يَرتدي ثِيابًا بَديعةً هُوَ أَقَلُّ بَهاءً جِدًّا مِنْ شخصٍ مُبْتَهِلٍ سَاجِدٍ يَحْظى بالشَّرَفِ والمَكانَةِ مِنْ خِلالِ شَرِكَتِهِ مَعَ إلَهِهِ. فَكِّروا في عَظَمَةِ الامتيازِ إذْ إنَّهُ في حينَ أنَّ الملائكةَ حاضِرة ورُؤساءَ المَلائكةِ مُجْتَمِعونَ، وفي حين أنَّ الكَروبيم والسَّرافيم يُحيطونَ بِبَهائِهِمْ بِعَرْشِ اللهِ، فإنَّهُ بِمَقدورِ إنسانٍ فَانٍ أنْ يَأتي بِثِقَةٍ مُطْلَقَةٍ وأنْ يُخاطِبَ اللهَ المَهوبَ كُلِّيَّ السِّيادة. فيا لَهُ مِنْ شَرَفٍ عَظيمٍ لا مَثيلَ لَهُ!"

فَما أَثْمَنَ امْتيازَ الدُّخولِ والوقوفِ أمامَ عَرْشِ اللهِ فيما نَكونُ مُحاطينَ بِجُنْدِ المَلائكةِ السَّماوِيِّينَ، حتَّى نَتَكَلَّمَ ببساطةٍ وَاهْتِمامٍ بَالِغٍ إلى اللهِ العَظيمِ الَّذي يَسْتَمِعُ إلينا بانتباه! فلو كانتِ الصَّلاةُ تَقْتَصِرُ على ذلك، فإنَّها تَكْفي لِحَفْزِنا على الصَّلاةِ دونَ انْقِطاع. ولكِنَّ الصَّلاةَ هي أكثر بكثير مِنْ ذلك. فالصَّلاةُ هي أكثر مِنَ امْتيازِ الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. فالصَّلاةُ هي فُرْصَةٌ للهِ لِكَيْ يُظْهِرَ مَجْدَهُ. فالصَّلاةُ تُعطي اللهَ وَسيلةَ يَستطيعُ مِن خلالِها أنْ يُظْهِرَ ذاتَهُ. أوْ كما قالَ واحِدٌ مِنَ القِدِّيسينَ قَديمًا (وَهُوَ قَوْلٌ أعتقدُ أنَّهُ جَميل): "الصَّلاةُ الحقيقيَّة تُساعِدُ العَقْلَ على التَّأمُّلِ مُباشرةً في شَخْصِ اللهِ والاحتفاظِ بذلكَ إلى أنْ تَتَأثَّرَ النَّفْسُ التَّأثيرَ المَطْلوب". واسمحوا لي أنْ أَقرأَ هذا القوْلَ مَرَّةً أخرى: "الصَّلاةُ الحقيقيَّة تُساعِدُ العَقْلَ على التَّأمُّلِ مُباشرةً في شَخْصِ اللهِ والاحتفاظِ بذلكَ إلى أنْ تَتَأثَّرَ النَّفْسُ التَّأثيرَ المَطْلوب".

فينبغي أنْ تَجْعَلُكَ الصَّلاةُ تَتَأثَّر باللهِ أكثرَ مِمَّا تَجْعَلُ اللهَ يَتَأثَّرُ بِكَ أوْ باحتياجاتِكَ. فأنتَ لا تُصَلِّي لأنَّكَ تُريدُ مِنَ اللهِ أنْ يَظُنَّ أنَّكَ قِدِّيسٌ. وأنتَ لا تُصَلِّي لكي تَحْصُلَ على ما تُريد، أوْ لِكي تَجعلَ اللهَ يُعْطيكَ ما تَشاء. بل إنَّكَ تُصَلِّي بالحَرِيِّ لكي يُظهِرَ اللهُ ذاتَهُ. لِذا، لِنَرْجِعْ إلى آيَتِنا الرَّئيسيَّة في إنْجيل يوحنَّا 14: 13. "وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْن". فَلِماذا سَيَسْمَعُ اللهُ صَلاتَكَ وَيَسْتَجيب؟ حَتَّى يَتَمَجَدَّ الآبُ. فالصَّلاةُ هي دائمًا وأبدًا، وفي المَقامِ الأوَّلِ، إقْرارٌ بِمَجْدِ اللهِ وَجَلالِهِ، وَتَعْبيرٌ عنِ الخُضوعِ لَهُ. فَكُلُّ ابْتِهالاتِنا وَأشْواقِنا وَتَضَرُّعاتِنا وَطِلْباتِنا، وَكُلُّ احْتياجاتِنا وَتَجارِبِنا وَمَشاكِلِنا تَخْضَعُ (انظروا إلى الصَّلاةِ مَرَّةً أخرى) تَخْضَعُ لاسْمِهِ (في العدد 9)، وَملكوتِهِ (في العدد 10)، وَمَشيَئَتِهِ (في العدد 10). فَكُلُّ الصَّلواتِ تَبتدئُ مِنْ هُناك. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 11: "أَعْطِنَا". وفي العَدَدِ 12: "وَاغْفِرْ لَنَا". وفي العدد 13: "وَلاَ تُدْخِلْنَا". ولكِنَّ العَطاءَ، والغُفرانَ، وَالإرشادَ هي أُمورٌ لا تَتَحَقَّقُ إلَّا عندما نَضَعُ اللهَ في مَكانِهِ الصَّحيح.

فالعبادةُ الحقيقيَّةُ تَبتدئُ باللهِ. والعِبادةُ الحقيقيَّةُ تَعني نُكْرانَ الذَّاتِ وَتَمجيدَهُ هُوَ. ولكِنْ ويا للأسف، فإنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أنَّ الصَّلاةَ هي مُحاولة لِجَعْلِ اللهِ يُوافِقُ على تَلْبِيَةِ رَغْباتِنا الشَّخصيَّة. وهذِهِ حَرَكَة شائعة جدًّا اليومَ في الكنيسة. فالنَّاسُ يَطلُبونَ أشياءً مِنَ اللهِ، ويَشتَرِطونَ أُمورًا ينبغي أنْ يَفعلَها اللهُ، ويأتونَ إلى حَضْرَةِ اللهِ وَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ مُلْزَمٌ بالقيامِ بذلك.

وقد كنتُ أُشاهِدُ شَخصينِ على التِّلفزيون. وقد كانَ هناكَ أشخاصٌ آخرون. ولكِنْ كانَ هناك شَخْصانِ مِنَ الواضِحِ أنَّهُما يَقودانِ المَجموعة. وَمِنَ الواضِحِ أنَّهُما يَسيرانِ على النَّهْجِ نَفسِهِ لأنَّهُمْا لا يُحْسِنان تَفسيرَ الكتابِ المقدَّس. وقد كانا يَقولانِ للنَّاسِ أنْ يَطْلُبوا أشياءً مِنَ اللهِ، وإنَّهُ بِمَقدورِهِم مِنْ خلالِ إيمانِهِمْ أنْ يَطلُبوا مِنَ اللهِ أنْ يَفعلَ كذا وأنْ يَفعلَ كذا. وقد كانَ أَحَدُهُما يَقولُ قبلَ بِضْعَةِ أيَّامٍ إنَّكَ إذا كُنْتَ مَسيحيًّا مُمتلئًا بالرُّوحِ فإنَّكَ لَنْ تَمْرَضَ ولو يومًا واحدًا في حَياتِكَ، وإنَّهُ يُمْكِنُكَ أنْ تَطْلُبَ مِنَ اللهِ، مِنْ خِلالِ إيمانِكَ، أنْ يَحْفَظَكَ في صِحَّة مُمتازة.

وهذا النَّوعُ مِنَ التَّفكيرِ هُوَ امْتدادٌ لأسلوبٍ شائعٍ في الصَّلاة، ولكِنَّهُ صَارَ الآنَ شائعًا جِدًّا. وهو فِكْرٌ يُنادي بأنَّ هَدَفَ الصَّلاةِ هو طَلَبُ أشياءٍ مِنَ اللهِ بِشُروطِكَ أنْتَ. وسَواءٌ اعْتَرَفْنا بذلكَ أَمْ لم نَعتَرِف بِهِ، في حَالاتٍ عديدة، هذهِ هي الطريقةُ الَّتي نُصَلِّي بها. وبالمُناسبة، هذا ليسَ شيئًا جديدًا. ويجب عليَّ أنْ أُريكُمْ مَثَلاً توضيحيًّا على ذلكَ مِنْ سِفْرِ التّكوين، حَتَّى أُبَيِّنَ لكم وَحَسْب كيفَ أنَّ هذا النَّوعَ مِنَ الصَّلاةِ قَديمٌ جِدًّا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ التّكوين 28: 20: "وَنَذَرَ يَعْقُوبُ نَذْرًا". وقد كانَ يَعْقوبُ واحِدًا مِنَ الآباءِ في ذلكَ الوقت. "وَنَذَرَ يَعْقُوبُ نَذْرًا قَائِلاً". وإليكُم نَذْرَهُ. وَهُوَ يُكَلِّمُ الرَّبَّ: "إِنْ كَانَ اللهُ مَعِي، وَحَفِظَنِي فِي هذَا الطَّرِيقِ الَّذِي أَنَا سَائِرٌ فِيهِ..." – بِعِبارةٍ أُخرى: إنْ بَقِيَ اللهُ مَعي، وَسَارَ في الطَّريقِ الَّذي أسيرُ فيه، وَفَعَلَ ما أُريد، "...وَأَعْطَانِي خُبْزًا لآكُلَ وَثِيَابًا لأَلْبَسَ، وَرَجَعْتُ بِسَلاَمٍ إِلَى بَيْتِ أَبِي، يَكُونُ الرَّبُّ لِي إِلهًا".

مَا رَأيُكُمْ في هذهِ الصَّلاةِ المَشروطَة؟ يا رَبّ، هل تُريدُ مِنِّي أنْ أكونَ في صَفِّكَ؟ إذًا، افْعَلِ ما أُمْليهِ عَليك. "وَهذَا الْحَجَرُ الَّذِي أَقَمْتُهُ عَمُودًا يَكُونُ بَيْتَ اللهِ، وَكُلُّ مَا تُعْطِينِي فَإِنِّي أُعَشِّرُهُ لَكَ". فَحَتَّى إنَّني سأدفَعُ عُشُوري. فَحَتَّى إنَّني سأدفعُ المالَ إنْ فَعَلْتَ ما أَطْلُبُهُ مِنْكَ. إنَّ هذا لم يَكُنْ نَذْرًا رُوْحِيًّا، بل كانَ نَذْرًا دُنْيَوِيًّا. يا رَبّ، افْعل ما أقولُ لكَ أنْ تَفعَلَهُ، فَأسْمَحُ لَكَ بأنْ تَكونَ إلهي. ولكِنْ لا يَجوزُ أنْ تُصَلِّي هكذا. فأنتَ لستَ الغَايةَ الرَّئيسيَّةَ للصَّلاة. ولا يَجوزُ لكَ أنْ تأتي إلى اللهِ مِنْ خِلال الصَّلاةِ وأنْ تَطلُبَ أيَّ شيءٍ، وأنْ تَأمُرَ اللهَ بأنْ يُعْطيكَ كُلَّ ما تَطْلُب. فهذا غيرُ صحيح. وأنا أَسمعُ النَّاسَ يَقولونَ دائمًا: "إنْ آمَنْتَ وَحَسْب أنَّكَ سَتَحْصُل على طِلْبَتِكَ، سَتَحصُل عليها!" ولكِنَّ هذا هُراء. وهذا غير صحيح. وهذا تَلاعُبٌ بِعُقولِ النَّاسِ. والأسوأُ مِنْ ذلكَ هُوَ أنَّهُ تَلاعُبٌ بِسيادةِ اللهِ.

فالصَّلاةُ تَهْدِفُ إلى رَفْعِ اللهِ، وَوَضْعِ اللهِ في مَكانِهِ الصَّحيح، وإظْهارِ جَلالِه، وَمَشيئَتِهِ الكامِلة، وَإخْضاعِ كُلِّ شيءٍ آخر لِذلك. فالصَّلاةُ هِيَ لأجْلِ اللهِ. لِذا فقد فَصَّلْنا الصَّلاةَ بالطَّريقةِ التَّالية: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". هذِهِ هِيَ أُبوَّةُ اللهِ. "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". هذهِ هيَ أولويَّةُ اللهِ. "لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ". هذا هوَ بَرْنامَجُ اللهِ. "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". هذا هُوَ قَصْدُ اللهِ. "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ". هذا هُوَ سَدُّ اللهِ لاحتياجاتِنا. "وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا". هذا هُوَ غُفرانُ اللهِ. "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَة". هذهِ هِيَ حِمايةُ اللهِ. "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِين". هذِهِ هِيَ رِفْعَةُ اللهِ. فالصَّلاةُ النَّموذجيَّةُ بأسرِها تُرَكِّزُ على اللهِ. وهذا هُوَ ما قَصدَهُ يسوعُ تَحديدًا عِنْدما أَعْطانا هذهِ الصَّلاة لأنَّ الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبةَ والشَّعبَ اليهوديَّ الَّذينَ تَبِعوا تَعليمَهُم كانوا قد ضَيَّعوا هَدَفَ الصَّلاةِ الَّذي قَصَدَهُ اللهُ إذْ إنَّهُ قَصَدَ أنْ تَكونَ الصَّلاةُ وَسيلَةً لإظْهارِهِ هُوَ. ولكِنَّهُمْ جَعلوا مِنها وَسيلةً تَقليديَّةً مُنْحَرِفَةً مِنْ صُنْعِ الإنسانِ لِجَذْبِ الأنظارِ إلى أنفُسِهم. فقد كانوا يستخدمونَ صَلواتِهم بطريقة مُنافقة للتَّظاهُرِ بأنَّهُمْ أتْقياء. وقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُمْ يَقومونَ مِنْ خلالِ صَلواتِهِم بإعْلامِ اللهِ بأمورٍ لا يَعرِفُها. فَهَذا هُوَ، على الأقَلّ، ما يَبدو أنَّ النَّصَّ السَّابِقَ يُشيرُ إليهِ. وَالحقيقةُ هي أنَّهُمْ كانوا مُعتادينَ على تَكرارِ الكَلامِ بَاطِلاً كالوثنيِّينَ، كَما لو أنَّهُمْ كانوا يُضْجِرونَ اللهَ بِطِلْباتِهِم حَتَّى يُعْطيهم ما يَطلُبون. وقد أَوْجَدوا طَريقةً في الصَّلاةِ لا تَجوزُ، ومُنْحَرِفة، وَلا تَرتقي إلى المُستوى المَطلوب، وغير كِتابيَّة. ثُمَّ إنَّ يَسوعَ وَاجَهَهُم هُنا وَصَحَّحَ ذلك.

ففي الأصحاح 6، قالَ يَسوع: "إنَّ عَطاءَكُمْ ليسَ بِحَسَبِ مِعْيارِ اللهِ". وَهُوَ يَقول: "إنَّ صَوْمَكُمْ ليسَ بِحَسَبِ مِعْيارِ اللهِ". وَهُوَ يَقولُ في هذا المَقْطَع: "إنَّ صَلاتَكُمْ ليسَتْ بِحَسَبِ مِعْيارِ اللهِ". والآنْ، دَعوني أُصَحِّحْ نَظْرَتَكُم. إليكم كيفَ يَنبغي أنْ تكونَ الصَّلاة. العدد 9: "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا". لا بالطَّريقةِ الَّتي تَفعلونَها، بل إليكُم الطريقة الَّتي ينبغي أنْ تُصَلُّوا بها. لا صَلواتٍ أنانيَّة نابِعَة مِنَ البِرِّ الذَّاتِيِّ، بل صَلواتٍ تُرَكِّزُ على الله. وَهُوَ يَبتدئُ بأُبوَّةِ اللهِ: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ".

وقد رأينا ذلكَ في الأسبوعِ الماضي. أليسَ كذلك؟ فالإقرارُ الأوَّلُ هُوَ أنَّ اللهَ أبونا ("باتير" – “pater”). فَهُوَ أبونا. والكلمة الآراميَّة هي "آبَّا". فَهُوَ "أبونا"؛ وهي كلمة تُشيرُ إلى حَميميَّة عظيمة، وإلى الدِّفْءِ الشَّخصيِّ. وهي كلمة تُعَبِّرُ عن شيءٍ عائليٍّ. فاللهُ ليسَ كائنًا بعيدًا. واللهُ ليسَ كائنًا قاسيًا، وَنَزْوِيًّا، وعَديمَ الأخلاقِ يَدوسُ أولئكَ الَّذينَ يَنبغي أنْ يكونوا رَعاياه، بل هُوَ أبٌ مُحِبٌّ، ولَطيفٌ، ويَهتمُّ بِنا. وَهُوَ يَمْلِكُ كُلَّ كُنوزِ السَّماء ويَهَبُها لِقِدِّيسيهِ لأجْلِ مَجْدِ اسْمِهِ. لِذا فإنَّ الكلمة "أبانا" تَعني أنَّ اللهَ سَيَسمعُ صَلواتِنا لأنَّهُ يَهْتَمّ. فالعِبارة "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" تَعني أنَّهُ حيثُ إنَّهُ يَهْتَمُّ، فإنَّهُ يَسُدُّ الاحتياجَ لأنَّهُ يَمْلِكُ مَوارِدَ أبديَّة لا حُدودَ لها. فاللهُ أبٌ مُحِبٌّ. وَمِنْ هُنا تَبتدئُ الصَّلاة. فَكُلُّ الصَّلواتِ تَبتدئ، يا أحبَّائي، بذلك؛ أيْ أنَّ اللهَ يُبالي. فعندما تُصَلِّي، ينبغي أنْ تَبتدئَ بالإقرارِ بأنَّ اللهَ يُبالي حَقًّا. فلا حاجَةَ إلى أنْ تُضْجِرَ اللهَ. ولا حَاجَةَ إلى أنْ تُكَرِّرَ الكلامَ باطِلاً وأنْ تَفعلَ أمورًا مُعَيَّنَةً لكي تُرْغِمَهُ على الاستجابة. فأنتَ لستَ مِثْلَ أنبياءِ وَكَهَنِة البَعْلِ الَّذينَ سَخِرَ مِنْهُم النبيُّ إيليَّا قائلًا: "رُبَّما كانَ إلَهُكُمْ نائِمًا، أوْ رُبَّما كانَ إلَهُكُم في إجازة، أو رُبَّما كانَ إلَهُكُم لا يُبالي". فَإلَهُكَ يُبالي. وَهُوَ ليسَ نائمًا. وَهُوَ حاضِرٌ ويَنتظرُ أنْ تَأتي إلى حَضْرَتِهِ لأنَّهُ أَبٌ مُحِبٌّ.

وَأفضلُ طَريقَةٍ لِتَصويرِ ذلك هي تلكَ المذكورة في إنجيل لوقا 15: 11-32 حيثُ نَقرأُ القِصَّةَ المَعروفةَ باسمِ "قِصَّةِ الابْنِ الضَّالّ". وهذهِ تَسْمِيَة خاطئة. فهي ليست قِصَّةَ ابنٍ ضَالٍّ، بل هي قِصَّةُ ابْنَيْ أَبٍ مُحِبٍّ. فالقصَّةُ هِيَ عَنِ الأبِ المُحِبِّ الَّذي غَفَرَ لابْنِهِ الَّذي بَقِيَ في البيتِ وكانَ بَارًّا في نَظَرَ نَفسِه؛ وَغَفَرَ أيضًا لابْنِهِ الآخرِ الَّذي غَادَرَ البيتَ وَلم يَكُنْ بارًّا. فقد غَفَرَ للابْنِ الَّذي بَقِيَ في البيتِ وَحاولَ أنْ يَفعلَ كُلَّ ما في وُسْعِهِ لكي يَحْظى بِرِضا أبيهِ، وَغَفَرَ [في الوقتِ نَفسِهِ] لابْنِهِ الَّذي هَجَرَ البيتَ وَعاشَ حَياةً لا أخلاقيَّةً في حَظيرةٍ للخَنازير. إنَّهُ الأبُ المُحِبُّ. وقد غَفَرَ لَهُما كِلَيهِما وَأعْطاهُما كُلَّ مَا يَمْلِك. فَهِيَ قِصَّةُ تَقولُ إنَّ اللهَ أَبٌ يَهْتَمُّ بأولادِهِ سَواءَ كانوا مُتَدَيِّنينَ أَمْ غيرَ مُتَدَيِّنين، وَسَواءَ كانوا على خُلُقٍ أَمْ ليسوا على خُلُق، وَسَواءَ كانوا أَبرارًا في أعيُنِ أنفُسِهم أَمْ ليسوا أبرارًا في أعيُنِ أنفُسِهم. فَهُوَ يَهْتَمُّ. إنَّهُ يَهْتَمُّ. فَهُوَ أَبٌ مُحِبٌّ.

لِذا فإنَّ كُلَّ الصَّلواتِ تَبتدئُ بالإقرارِ بأنَّ اللهَ يُبالي. وهذا نَموذَجٌ لِكُلِّ صَلاة. وهي صَلاةُ لا يَنبغي لنا أنْ نُرَدِّدَها وَحَسْب، بل هي نَموذَجٌ لِكُلِّ صَلاة. فأنتَ تَبتدئُ بالإقرارِ لا فقط بأنَّ اللهَ يُبالي، بل أيضًا لأنَّهُ في السَّماءِ فإنَّهُ يَمْلِكُ المَوارِدَ اللَّازِمَةَ لِلتَّعبيرِ عنْ رِعايَتِهِ.

يَسْرُدُ "بول تورنيير" (Paul Tournier)، الطَّبيبُ المَسيحيُّ العَظيم، الكَثيرَ مِنَ القِصَصِ في كِتابَهِ "سِجِلُّ حَالاتِ طَبيب" (Doctor’s Casebook). وهُناكَ قِصَّة قصيرة أعتقد أنَّها مُدهشة. فقد كَتَبَ "تورنيير": "كانت هُناكَ مَريضة مِنْ مَرْضايَ، وهي الابْنَةُ الأَصْغَرُ في عائلَتِها الكبيرة الَّتي وَجَدَ الأبُ صُعوبَةً في إِعالَتِها. وذاتَ يومٍ سَمِعَتْ أَبَاها يَقولُ بِيأس، مُشيرًا إليها: ’كُنَّا سَنَكونُ بِحالٍ أفْضَل لو لَمْ نُنْجِبْ هذهِ الفَتاة‘". ويقولُ "تورنيير": "هذا هُو تَحديدًا الشَّيءُ الَّذي لا يُمْكِنُ أنْ يَقولَهُ اللهُ يومًا. فَهُوَ أَبٌ مُحِبٌّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْ أولادِه". وكما تَعلمونَ، فإنَّ اللهَ قالَ لِمُوسَى (مَثَلاً): "عَرَفْتُكَ بِاسْمِكَ". عَرَفْتُكَ بِاسْمِكَ.

وهل تَعلمونَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَسْرُدُ سَلاسِلَ الأنْسابِ الواحِدةَ تِلْوَ الأخرى، تلْوَ الأخرى، وأنَّ النَّاسَ يَتساءلونَ دائمًا عن سَبَبِ كُلِّ لَوائِحِ الأسماءِ تلكَ؟ فلماذا كُلُّ لَوائِحِ الأسماءِ تِلك؟ أسماءٌ تِلْوَ الأسماءِ، تِلْوَ الأسماء! فلماذا يُبالي اللهُ بِذِكْرِ كُلِّ تلكَ الأسماء؟ أيًّا كانَ قَصْدُهُ المُحَدَّدُ مِنْ كُلِّ سِلسلةِ أَنْسابٍ، فإنَّ القَصْدَ الرَّئيسيَّ في اعتقادي هو أنَّهُ يُريدُ مِنَ النَّاس أنْ يَعلموا أنَّهُ يَعْرِفُهم بأسمائِهم. وفي مَوْضِعٍ لاحِقٍ، نَجِدُ هذهِ الجُملة الرَّائعة: "وَعُصْفورٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ عِلْمِ أَبِيكُمْ".

وقد كانَ الدُّكتور "جيه.إف. مَكْفيدِن" (Dr. J.F. McFadden) يَقول: إنْ أَخَذْتَ تلكَ الجُملة في اليونانيَّة وَتَرْجَمْتَها إلى الآراميَّة فإنَّها تَقول: "وَعُصْفورٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَقْفِزُ بِدُونِ عِلْمِ أَبِيكُمْ". فَهُوَ يَعْرِفُ لا فقط مَتى يَموتُ العُصفورُ، بل يَعْرِفُ أيضًا مَتى يَنْزِلُ إلى الأرضِ، ومَتى يَتحرَّكُ بِرشاقة، وَمَتى يَقْفِز. فَهُوَ يَهْتَمُّ حَتَّى بالأشياءِ الصَّغيرة. وَهُوَ يَعْرِفُكَ باسْمِكَ. فَهُوَ أَبٌ مُحِبٌّ. لِذا فإنَّ الكلمة "أبانا" تُشيرُ إلى أُبوَّةِ اللهِ.

ثانيًا، أَولويَّةُ اللهِ. وهذا هُوَ ما نُريدُ أنْ نَتحدَّثَ عنهُ في هذا الصَّباح: أولويَّةُ اللهِ. وهي العِبارة المذكورة في العدد 9: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". وَهَذِهِ هِيَ أوَّلُ طِلْبَةٍ سَتُلاحِظونَها. فهي الطِّلْبَةُ الأولى: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". وأوَّلُ طِلْبَةٍ هي لأجْلِ اللهِ. فَحَتَّى قَبْلَ أنْ تَبتدئَ في الصَّلاةِ لأجْلِكَ، يجبُ عليك أنْ تَبتدئَ بالصَّلاةِ لأجْلِ اللهِ: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". فهذِهِ هي الطِّلبةُ الأولى. والطِّلبةُ الثَّانيةُ هي: "لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ". والطِّلْبَةُ الثَّالثةُ هي: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". ثُمَّ يُمكنُكَ أنْ تَقول: "أعْطِنا" ... "اغْفِرْ لَــنَا" ... لاَ تُدْخِلْنَا". ثُمَّ إنَّكَ تَدورُ دَوْرَةً كامِلَةً قائِلاً: "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِين". فالصَّلاةُ تَبتدئُ دائمًا بأولويَّةِ اللهِ.

ويَقول "آرثر بِنك" (Arthur Pink): "مَا أَوْضَحَ مَا ذُكِرَ عَنِ الوَاجِبِ الأساسِيِّ في الصَّلاةِ. فالنَّفسُ وَكُلُّ احتياجاتِها يَنبغي أنْ تُعْطَى المَكانة الثَّانويَّة؛ في حين يَنبغي أنْ يَأخُذَ الرَّبُّ تَمامًا مَكانَ الصَّدارَةِ في أفكارِنا وَتَضَرُّعاتِنا. فهذهِ الطِّلْبَةُ يَنبغي أنْ تأخُذَ مَكانَ الصَّدارَةِ لأنَّ تَمْجيدِ اسْمِ اللهِ العَظيم هُوَ الغَايَةُ الرَّئيسيَّةُ مِنْ كُلِّ الأشياء".

فالعِبارة "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" تَضَعُ اللهَ في مَكانِ الصَّدارة. فَمَعَ أنَّهُ أبي المُحِبُّ، وَمَعَ أنَّهُ يَهتَمُّ بِسَدِّ احتياجاتي، وَمَعَ أنَّهُ يَمْلِكُ مَصادَرَ سَماويَّة للقيامِ بذلك، فإنَّ طِلْبَتي الأولى هي ليسَت لأجلي أنا، بل لأجْلِهِ هُوَ. والعِبارة "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" تُحَذِّرُنا مِنَ الصَّلاةِ الأنانيَّةِ مُنْذُ البداية. فاللهُ هُوَ صَاحِبُ الأولويَّةِ القُصوى.

والآنْ، إذا افْتَرَضْنا أنَّكُمْ مِثْلي، وَكُنْتُمْ قد نَشَأتُم في كنيسة، لا بُدَّ أنَّكُمْ قد قُلْتُمْ "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" مَرَّاتٍ كثيرة في حَياتِكُم. ولا بُدَّ أنَّكُمْ قد رَدَّدْتُمْ الصَّلاةَ الرَّبَّانيَّةَ المَرَّةَ تِلو الأخرى وأنَّكُم سَمِعتُم الكلمة "لِيَتَقَدَّس" وَفِكرةَ ""لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". ولكِنَّني أتساءَلُ إنْ كُنْتُمْ تَعرِفونَ حَقًّا مَعناها. فهذهِ عِبارة استثنائيَّة: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". فهَلْ تَفهمونَ مَعناها؟ وَما مَعْناها الضِّمْنِيّ؟ فهل هي عِبارة رَسميَّة مِثْلَ: "لِيَحْيَ المَلِك!"؟ - "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ"؟ لا أَظُنُّ ذلك. فعندما يَقولُ يَسوعُ "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" هُنا، فإنَّهُ يَقولُ شيئًا مُكتملاً جدًّا وغنيًّا جدًّا حَتَّى إنَّني لن أَتَمَكَّنَ مِنْ إيفائِهِ حَقَّهُ في هذهِ الخِدمةِ ولا في أيِّ خِدمة أخرى لأنَّها عبارة تَضُمُّ كُلَّ صِفاتِ اللهِ الأخرى، وكُلَّ تَجاوُبٍ بَشَرِيٍّ تُجاهَ طَبيعَتِه. فهي ليست شيئًا رُوتينيًّا نَقولُهُ وَحَسْب. وهي ليست عِبارة نُرَدِّدُها وَحَسْب تَعْبيرًا عنْ أفكارِنا الجَميلةِ تُجاهَ اللهِ. بل هي أكثر بكثير مِن ذلك. فهي تَفْتَحُ أمامَنا بُعْدًا كامِلاً مِنَ الاحترامِ، والإجْلالِ، والإعجابِ، وَالتَّقديرِ والإكرامِ، والتَّمجيدِ، والتَّسبيحِ، والعِبادَةِ للهِ. فَالفِكْرَةُ مِنَ الكَلِمَة "اسْم" ... فَهَلْ تَرَوْنَ الكلمة "اسْمُكَ"؟ فَهِيَ لَيسَت مَحصورةً في لَقَبٍ. فهي ليست مَحصورةً في لَقَب.

فنحنُ اليومَ نُفَكِّرُ في اسمِ شخصٍ ما؛ وَهَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. فَهُوَ اسْمٌ وَحَسْب. وَالحقيقةُ هي أنَّهُ لا يَعني شيئًا أكْثَرَ مِنْ كَوْنِهِ اسْمًا. وَحَتَّى إنَّنا نَقولُ: "ما الَّذي يَعنيهِ الاسم؟" فاسْمي هُوَ "جون" (John). والاسم "جون" يَعني: "هِبَة الله المُنْعِم". وبصراحة، هذا أمرٌ مَشكوكٌ فيهِ لدى أُناسٍ كَثيرين. فلا يوجد شيءٌ حَقًّا في ذلكَ الاسم. فهناكَ أُناسٌ كثيرونَ اسْمُهُم "جون" ولكِنَّهُمْ لا يُبالونَ البَتَّة باللهِ. ونحنُ لا نَمْلِكُ هذا المَفهومَ في أذهانِنا. ولكِنْ يجب علينا أنْ نَعودَ ونُفَكِّرَ في الكلمة "اسْم" كما كانَ اليَهودِيُّ يُفَكِّرُ فيها.

فقد كانَ اليَهودُ يُقَدِّسونَ اسْمَ اللهِ حَتَّى إنَّهُمْ بالَغوا في ذلكَ ولم يَعودوا يَجرؤونَ على ذِكْرَ الكلمة الَّتي تُشيرُ إلى اسْمِ اللهِ؛ في حين أنَّهُمْ كانوا يُسيئونَ إلى شَخْصِهِ! أليسَ هذا مُدهشًا؟ فقد كانوا مُنْكَبِّينَ على الإساءَةِ إلى شَخْصِهِ، ويَعْصُونَ كَلِمَتَهُ، ويَهْدِمونَ حَقَّهُ؛ ولكنَّهم كانوا يُحاولونَ أنْ يُقَدِّسوا اسْمَهُ – فَقَطِ الاسْمَ وَحْدَهُ؛ أيِ الأحْرُفَ الَّتي تُشَكِّلُ الاسْمَ. فعلى سَبيلِ المِثال، لَعَلَّكُم تَذكرونَ (في العهدِ القديمِ تَحديدًا) أنَّكُمْ تَقرأونَ الكلمة "جِهُوفا" (Jehovah) ... جِهُوفا. ولكِنْ لا توجد كَلِمَة "جِهُوفا" في اللُّغة العِبريَّة. فمعَ أنَّها مَذكورة في كُلِّ العهدِ القديم، فإنَّهُ لا وُجودَ لهذه الكلمة. وقد تَقول: "وَمِنْ أينَ جاءت هذهِ الكلمة؟"

حسنًا! إنَّ اسْمَ اللهِ بحسب سِفْرِ الخُروج هُوَ كما قال: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ". إنَّهُ "يَهْوَه" (Yahweh). يَهْوَه. والاسمُ الآخرُ المألوفُ للهِ هُوَ "أَدُوْناي" (Adonai) وَمَعْناهُ: "الرَّبّ" – الرَّبُّ الإلَه. "يَهْوَه أَدوناي". ولكِنَّ اليَهودِيَّ لم يَرغب في قولِ ذلك، بل أرادَ أنْ يُبْقي اسْمَ اللهِ مُقَدَّسًا. ولكِنَّهُ جَعَلَهُ مُجَرَّدَ اسْمٍ وَحَسْب وَلَمْ يَعُدْ يَرى أنَّهُ يُشيرُ إلى شَخْصِ اللهِ وَمَشيئَتِه. لِذا فإنَّ اليهوديَّ لم يَكُن يَقول: "يَهْوَه". والحقيقةُ هي أنَّكُم إنْ ذَهبتُم إلى وَسَطٍ يَهوديٍّ أرثوذكسيٍّ اليومَ وَذَكَرْتَ تلكَ الكلمة، رُبَّما يَرْجُمونَكَ. أجل! فَهُمْ لا يَقولونَ ذلك. لِذا، هَلْ تَعلمونَ ماذا كانوا يَفعلون؟ لقد أَخَذوا الحُروفَ السَّاكِنَةَ مِنَ الكلمة "يَهْوَه"، وَأخذوا حُروفَ العِلَّةِ مِنَ الكلمة "أدوناي"، وَدَمَجوهُما مَعًا وَخَرَجوا بالاسْمِ "جِهُوفا" الَّذي هُوَ ليسَ كلمة حَقيقيَّة. فَقَدِ ابْتَدَعوا هذا الاسْمَ حَتَّى لا يُضْطَرُّوا إلى قَوْلِ الكلمةِ الحقيقيَّةِ الَّتي هِيَ اسْمُ اللهِ. ولكِنْ يا لَها مِنْ سَطْحِيَّة! فَمَعَ أنَّهُمْ كانُوا مُدَقِّقينَ جِدًّا في عَدَمِ قولِ الاسْمِ، كانُوا يُجَدِّفونَ دائِمًا على شَخْصِهِ! وما يُعَلِّمُنا إيَّاهُ رَبُّنا هُنا مِنْ خِلالِ تَقديسِ الاسْمِ هُوَ أنْ نَحْتَرِمَ اللهَ لِشَخْصِهِ؛ لا لِمُجَرَّدِ اسْمِهِ فَقَط. فَهِيَ فِكرة شامِلَة.

والآنْ، لِنَتأمَّل في ذلكَ قليلاً. ففي أزمنةِ الكتابِ المقدَّس ... سَوْفَ نَنْظُرُ قَبْلَ كُلِّ شيء إلى الاسْمِ، ثُمَّ سَننظُرُ إلى مَعْنى الكَلِمَة "لِيَتَقَدَّس". ففي أزمنةِ الكتابِ المقدَّس، كانَ الاسْمُ أكثر مِنْ مُجَرَّد لَقَبْ. ففي سِفْرِ صَموئيل الأوَّل والأصحاح 18، وَهُناكَ أمثلة توضيحيَّة كثيرة جدًّا، ولكنِّي سَأكتفي بِذِكْرِ مَثَلٍ توضيحيٍّ واحدٍ فقط لِتَستوعِبوا الفِكرة. ففي سِفْرِ صَموئيل الأوَّل 18: 30، نَقرأُ: "وَخَرَجَ أَقْطَابُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ..." [اسْتَمِعوا وَحَسْب] "...وَمِنْ حِينِ خُرُوجِهِمْ كَانَ دَاوُدُ يُفْلِحُ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ عَبِيدِ شَاوُلَ". فَقَدْ كانَ داودُ يَحْظى بِسُمْعَة طَيِّبة بينَ النَّاسِ. "كَانَ دَاوُدُ يُفْلِحُ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ عَبِيدِ شَاوُلَ، فَتَوَقَّرَ اسْمُهُ جِدًّا". وَهُمْ لم يَكونوا يُوَقِّرونَ الأحْرُفَ الَّتي يَتألَّفُ مِنْها اسْمُهُ. فَالعِبارةُ: "تَوَقَّرَ اسْمُهُ" تُشيرُ إليهِ هُوَ شخصيًّا. فاسْمُهُ يُشيرُ إليهِ هُوَ شخصيًّا. فقد تَوَقَّرَ اسْمُهُ. وَنَحْنُ نَقولُ ذلكَ اليوم: "فُلانٌ صَنَعَ اسْمًا لِنَفسِهِ" أو: "فُلانٌ يَتمتَّعُ بِسُمعةٍ طَيِّبة". ونحنُ نَعني بذلك أنَّ هُناكَ شَيئًا في شَخصيَّتِهِ جَديرٌ بِمَدْحِنا. لِذا فإنَّ الاسْمَ يُشيرُ إلى كُلِّ كِيانِ الشَّخْصِ المُشارِ إليه. فقد كانَ الاسمُ يُشيرُ إلى شَخْصِ المرْءِ وَشخصيَّتِهِ.

وسوفَ أُقَدِّمُ لكم مَثَلاً توضيحيًّا على ذلك. فإن رَجعتُم إلى سِفْر الخروج والأصحاح 34، ستَجدونَ أنَّ هذهِ الفِكرة واضحة تمامًا لنا. فقد كانَ مُوسَى يُجري حَديثًا صغيرًا معَ اللهِ عَنْ مَجْدِهِ. وقد أرادَ أنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ أنَّ اللهَ مَعَهُ. وقد أرادَ أنْ يَتَيَقَّنَ أنَّ اللهَ مَوجودٌ. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العدد 18 مِنَ الأصحاح 33: "أَرِنِي مَجْدَكَ". "يا رَبّ، لا تُعْطِني عَمَلاً لا يُمكنني القيامَ بِهِ مِنْ دونِ أنْ تكونَ مَعي. وأنا أريدُ أنْ أَعلمَ أنَّكَ هُنا مِنْ خِلالِ رُؤيةِ مَجْدِكَ بِعَيْنَيَّ". فقالَ الرَّبُّ: "حسنًا". وَهُوَ الآنَ يُريهُ مَجْدَهُ. ثُمَّ انظروا إلى الأصحاح 34 والعدد 5. سِفْر الخروج 34: 5: "فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي السَّحَابِ، فَوَقَفَ عِنْدَهُ هُنَاكَ وَنَادَى بِاسْمِ الرَّبِّ". فقد نَزَلَ الرَّبُّ ونَادى باسْمِهِ. وما الَّذي قالَهُ؟ الرَّبّ، الرَّبّ، الرَّبّ، الرَّبّ، الرَّبّ، الرَّبّ، الرَّبّ ... مِرارًا وتَكرارًا؟ فما المَقصودُ بأنَّهُ نَادى باسْمِ الرَّبِّ؟ نَقرأُ في العدد 6: "فَاجْتَازَ الرَّبُّ قُدَّامَهُ، وَنَادَى". ففي العدد 5، نَقرأُ أنَّهُ نادى باسْمِهِ. وفي العدد 6، نَقرأُ أنَّهُ نَادى بِما يَلي. لِذا فإنَّ كُلَّ مَا يَقولُهُ في العدد 6 يُشيرُ إلى اسْمِهِ في العدد 5. فقد نَادى باسْمِهِ هُنا. انظروا إلى ما يَقول: "الرَّبُّ، الرَّبُّ إِلَهٌ...". وهل يَتوقَّفُ هُنا؟ لا. "رَحِيمٌ، وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ، وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ. وَلكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إِبْرَاءً...". وهذا يَعني أنَّهُ إلَهٌ قُدُّوسٌ وَعادِلٌ. "...مُفْتَقِدٌ إِثْمَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ...". فَهُوَ إلَهُ الدَّينونَةِ. وَهَلُمَّ جَرَّا.

والآن، هل تَرَوْنَ الصُّورة؟ فاللهُ يَقولُ: سوفَ أُنادي باسمي. هذا هُوَ اسْمي: "رَحِيمٌ، وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ، وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ.... غَافِرُ الإِثْمِ". إلخ، إلخ. بعبارة أخرى، فإنَّ اسمَ اللهِ يَضُمَّ كُلَّ صِفاتِهِ. هَلْ تَرَوْنَ ذلك؟ فَكُلُّ صِفاتِ اللهِ مُتَجَسِّدَة في اسْمِهِ. وَتَقديسُ اسْمِهِ لا يَعني أنْ نَذْكُرَ الكلمة "الله" أوِ "الرَّبّ" وَحَسْب، بل إنَّها تَعني أنْ نُقَدِّسَ كُلَّ مَا يَخْتَصُّ باللهِ مِنْ جِهَةِ طَبيعَتِهِ وَصِفاتِه.

فَمثلاً، في المَزمور 9: 10، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ: "وَيَتَّكِلُ عَلَيْكَ الْعَارِفُونَ اسْمَكَ". هل سَمِعْتُم ذلك؟ "وَيَتَّكِلُ عَلَيْكَ الْعَارِفُونَ اسْمَكَ". فإنْ نَظرنا إلى الاسْمِ بأنَّهُ مُجَرَّد كلمة، هل كُلُّ مَنْ يَعرفُ هذهِ الكلمة (أيْ: الله) يَتَّكِلُ عليه؟ بالطَّبْعِ لا. فهذا غير صحيح. ولكِنَّ أولئكَ الَّذينَ يَعرِفونَ اسْمَكَ (أيِ الَّذينَ يُدركونَ صِفاتِكَ بِكُلِّ مِلْئها) يَتَّكِلونَ عليكَ. اسمعوني، يا أحبَّائي: عندما تُنْزَعُ الغَشَاوةُ عن أعيُنِكُم وَتَرَوْنَ اللهَ على حَقيقَتِه، سَتَتَّكِلونَ عليه. فهذا هو المَعنى المَقصودُ بما جاءَ في المزمور 9: 10: "وَيَتَّكِلُ عَلَيْكَ الْعَارِفُونَ اسْمَكَ". فالَّذين يَفهمونَ شَخصَهُ حقًّا يَتَّكِلونَ عليه.

وإنْ أردتُمْ أنْ تُلْقوا نَظرةً إلى سِفْر المَزامير، يُمكنكم أنْ تَقرأوه وأنْ تُدَوِّنوا كُلَّ هذهِ الآياتِ. فهي تَترَدَّدُ مِرارًا وتَكرارًا. فمثلاً، نَقرأُ في المزمور 7: 17: "أَحْمَدُ الرَّبَّ حَسَبَ بِرِّهِ، وَأُرَنِّمُ لاسْمِ الرَّبِّ الْعَلِيِّ". والاسْمُ هُنا يُشيرُ إليهِ بكُلِّ صِفاتِه. وأيضًا في المَزمور 102 والعدد 15، نَقرأُ: "فَتَخْشَى الأُمَمُ اسْمَ الرَّبِّ". وَهُمْ لا يَخْشَوْنَ الحُروفَ، بل يَخْشَوْنَ ما تُجَسِّدُهُ تلكَ الحُروفُ عَنْ كُلِّ صِفاتِ اللهِ. وفي المزمور 113 والأعداد 1 وَما يَليه، نَجِدُ هذا المَقطعَ المُفيد جدًّا: "هَلِّلُويَا. سَبِّحُوا يَا عَبِيدَ الرَّبِّ. سَبِّحُوا اسْمَ الرَّبِّ". والآنْ، اسمعوا: "لِيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" [في العدد 3] مِنَ الآنَ وَإِلَى الأَبَدِ. مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمُ الرَّبِّ مُسَبَّحٌ. الرَّبُّ عَال فَوْقَ كُلِّ الأُمَمِ. فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مَجْدُهُ. مَنْ مِثْلُ الرَّبِّ إِلهِنَا؟"

بِعبارَة أخرى، فإنَّ كُلَّ صِفاتِهِ تَستدعي تَسبيحَنا لَهُ. وهذا يَصِحُّ على آيات كثيرة أخرى في العهدِ القديم. وهذ يَصِحُّ على سِفْرِ إشعياء في ما لا يَقِلُّ عن ثلاثة مواضِع مُختلفة يُسَبِّحُ فيها اسْمَ الرَّبِّ. وفي المزمور 20: 7، نَقرأ: "هؤُلاَءِ بِالْمَرْكَبَاتِ وَهؤُلاَءِ بِالْخَيْلِ، أَمَّا نَحْنُ فَاسْمَ الرَّبِّ إِلهِنَا نَذْكُرُ". ولكِنَّ الآيةَ الرَّئيسيَّةَ لِفَهْمِ فِكرةِ الاسْمِ موجودة في إنجيل يوحنَّا 17: 6. إنجيل يوحنَّا 17: 6. فقد قالَ يَسوع [اسمعوا]: "أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي". اسمعوني: لقد قالَ يَسوعُ: "أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ". وما الذي قَصَدَهُ؟ لقد أَظْهَرْتُ مَنْ أنتَ.

إنجيل يوحنَّا 1: 14: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ [ماذا؟] مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا". بعبارة أخرى، لقد أَظْهَرَ اللهَ. "يَا فِيلُبُّسُ، أنتَ مَعي منذُ وقتٍ طويلٍ ولم تَعرِف بعد أنَّكَ إنْ رأيتَني فقد رأيتَ الآبَ؟" إذًا، فقد كانَ يَسوعُ يُجَسِّدُ اسْمَ اللهِ. فهو الإعلانُ، وَهُوَ التَّجسيدُ البَشريُّ لِكُلِّ صِفاتِ اللهِ. وهذا هُو مَعنى اسْمِهِ.

لِذا فإنَّ الاسْمُ هو ليسَ لَقَبًا وحَسْب، بل إنَّ الاسْمَ يُشيرُ إلى الكِيانِ كُلِّه. فالاسمُ يُشيرُ إلى الشَّخصِ بِمَجمَلِه. وإنْ أردنا أنْ نَقولَ ذلكَ بكلماتٍ مُباشرة، يُمكنُنا أنْ نَبتدئَ باستخدامِ هذهِ الصَّلاةِ بالطَّريقةِ التَّالية: "أبانا الَّذي يُحِبُّنا ويَعتَني بِنا، والَّذي يَمْلِكُ في السَّماءِ المَوارِدَ الكافية لِسَدِّ كُلِّ حاجةٍ لدينا. ليتَ شَخْصَكَ وَهُوِيَّتَكَ، وكِيانَكَ، وطَبيعَتَكَ، وصِفاتِكَ، وسُمعَتَكَ، وكُلَّ كِيانِكَ يَتَقَدَّس". فهذا هو المَعنى المقصود. فهذهِ العِبارة ("لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ") ليسَت عِبارة عَرَضِيَّة نَقولُها للهِ بينَ الحينِ والآخر بطريقة طَقسيَّة؛ بل إنَّها طريقة نأتي بها إلى اللهِ دائمًا لِفَهْمِ مِلْئِهِ، وَلِتَقديسِهِ على شَخْصِهِ.

إنَّ أسماءَ اللهِ في الكتابِ المقدَّسِ (وهُناكَ الكثيرُ مِنها) تُساعدُنا في فَهْمِ ذلك. فهُناكَ أسماءٌ مُختلفةٌ كثيرةٌ جدًّا للهِ. وكُلُّ واحدٍ مِن أسمائِهِ يُعَبِّرُ عَنْ جُزْءِ مِنْ طَبيعَتِهِ. فمثلاً، اللهُ يُدْعى في مُسْتَهَلِّ الكتابِ المقدَّسِ "إلوهيم" (Elohim): "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ". فإلوهيم هو اللهُ الخالِق. فَمِنْ خِلالِ الكلمة "إلوهيم" نَرى خَلْقَهُ للعالَم. وَيَجبُ علينا أنْ نُقَدِّسَهُ بِوَصْفِهِ خَالِقًا. وقد عَبَّرَ كاتِبُ التَّرنيمةِ عن ذلكَ بطريقةٍ رائعة إذْ قالَ: "أُرَنِّمُ مُسَبِّحًا قُدرةَ اللهِ العظيمة الَّتي جَعَلَتِ الجِبالَ تَعْلو، والتي نَشَرَتِ البِحارَ على سَطْحِ الأرض، والتي بَنَتِ السَّماواتِ المُرتفِعَة. أُرَنِّمُ مُسَبِّحًا صَلاحَ الرَّبِّ الَّذي مَلأَ الأرضَ بالطَّعامِ. فقد خَلَقَ الكائِناتِ بِكَلِمَتِه ثُمَّ رأى ذلكَ أنَّهُ حَسَنٌ. يا رَبُّ، مَا أَعْجَبَ أعْمالَكَ في كُلِّ مَكانٍ أنظُرُ إليه؛ سَواءٌ نَظَرْتُ إلى الأرضِ الَّتي أمشي عليها أوْ حَدَّقْتُ في السَّماء. فهناكَ مَخلوقاتٌ كثيرة جدًّا؛ وَكُلُّها تَحْتَ رِعايَتِك. فلا يوجد مَكانٌ يُمكننا أنْ نَذهبَ إليهِ إلَّا وَنَجِدَ أنَّ اللهَ حَاضِرٌ هُناكَ". في كُلِّ مَكان. فَهُوَ يُرَى بأنَّهُ الخَالِق.

والكِتابُ المُقَدَّسُ يَدعوهُ "إيْل إيليون" (El Elyon)؛ أيِ الله العَلِيَّ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر التَّكوين 14: 18 و 19: "مُبَارَكٌ أَبْرَامُ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ ["إيْل إيليون"] مَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ". فَهُوَ اللهُ الخَالِقُ. وَهُوَ اللهُ المَالِكُ. وَهُوَ السَّيِّدُ المُطْلَقُ على كُلِّ الكَوْن. والعهدُ القديمُ يُسَمِّيهِ "يَهْوَه يَرأه" (Jehovah-Jireh) ومَعناهُ: "الرَّبُّ يُدَبِّر". وَ "يَهْوَه نِسِّي" (Jehovah-Nissi) ومَعناهُ: "الرَّبُّ رَايَتُنا". وَ "يَهْوَه رَفَا" (Jehovah-Rapha) وَمَعناهُ: "الرَّبُّ الشَّافي". وَ "يَهْوَه شَلوم" (Jehovah-Shalom) ومَعناهُ: "الرَّبُّ سَلامُنا. وَ "يَهوه تسيكينو" (Jehovah-Tsidkenu) ومَعناهُ: "الرَّبُّ بِرُّنا". وَ "يَهوه سابويوث" (Jehovah-Saboth) ومَعناهُ: "رَبُّ الجُنود". وَ "يَهوه شَمَّاه" (Jehovah-Shammah) ومَعناهُ: الرَّبُّ قَريب أوْ حاضِر". وَ "يَهوه مَقَدِشْكِم" (Jehovah-Mekoddishkem) ومَعناهُ: "الرَّبُ مُقَدِّسُكُم".

فِكُلُّ هذهِ الأسماءِ تُشيرُ إلى صِفاتِهِ. والكِتابُ المُقدَّسُ يَدْعوهُ بأسماءٍ كثيرة جِدًّا مُبَيِّنا مِلْءَ صِفاتِهِ. ولكِنَّ أعظمَ اسْمٍ للهِ، وأعظمَ اسْمٍ دُعِيَ اللهُ بِهِ على مَرِّ التَّاريخِ هُوَ: "الرَّبُّ يَسوعُ المَسيح" الَّذي مَعْناهُ: "الرَّبُّ-المُخَلِّصُ-المَلِك". فهذا هوَ أعْظَمُ اسْمٍ لَهُ. وقد أَطْلَقَ الرَّبُّ يَسوعُ المسيحُ على نَفسِهِ أسماءً كثيرةً أخرى مِثْلَ: "خُبْز الحَياة"، وَ "الماء الحَيّ"، وَ "الطَّريق"، وَ "الحَقّ"، وَ "الحَياة"، وَ "القِيامة"، وَ "الرَّاعي الصَّالِح"، وَ "الغُصْن"، وَ "كَوْكَبْ الصُّبْح المُنير"، وَ "حَمَل الله"، وَهَلُمَّ جَرَّا. فكُلُّ هذهِ الأسماءِ الَّتي تُطْلَقُ على اللهِ تُشيرُ إلى صِفاتٍ عديدةٍ في شَخْصِهِ المُبارَكِ الجَليل. لِذا، عندما نَتحدَّثُ عنِ اللهِ ونَذكُرُ اسْمَهُ، فإنَّنا لا نَتحدَّثُ فقط عنْ لَقَبٍ، بل نَتحدَّثُ عن مِلْءِ شَخْصِهِ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إشعياء والأصحاح 9: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ...وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، رَئِيسَ السَّلاَمِ، أَبًا أَبَدِيًّا". وَهِيَ كُلُّها أسماءٌ تُشيرُ إلى طَبيعَتِهِ.

لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة رُومية 1: 5: "نَحْنُ نَكْرِزُ بالإنْجيل حَتَّى يُؤمِنَ الأُمَمُ لأَجْلِ اسْمِهِ". وَنَقرأُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 7: "لقد أرْسَلْنا كَارِزينَ لِيَكْرِزوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ". فهو ليسَ مُجَرَّد لَقَب، بل إنَّهُ يُشيرُ إليهِ بِمَجْمَلِه. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ كَاتِبَ التَّرنيمة قال: "آهِ لو كانَ بِمَقدوري أنْ أتحدَّثَ عَنْ قيمَتِهِ الَّتي لا تُضَاهى. آهِ لو كانَ بِمَقدوري أنْ أُحَدِّثَ النَّاسَ عَنِ الأمجادِ السَّاطِعَةِ مِنْ مُخَلِّصي. لَكُنْتُ قد حَلَّقْتُ وَلَمَسْتُ الأوتارَ السَّماويَّةَ، وَسَابَقْتُ جِبرائيلَ وَهُوَ يُغَنِّي بِألحانٍ سَماويَّة. وَلَكُنْتُ قد سَبَّحْتُهُ على صِفاتِهِ وعلى كُلِّ أشكال المَحَبَّةِ الَّتي يُظْهِرها وَهُوَ جَالِسٌ على عَرْشِهِ مِنْ خِلالِ أَعْذَبِ الألْحانِ وأَحْلى التَّسابيحِ الَّتي أَشْدو بِها إلى الأبدِ لإعلانِ كُلِّ أمْجادِهِ".

لِذا فإنَّنا نَفْهَمُ أنَّ اسْمَ اللهِ يُشيرُ إلى كُلِّ كِيانِ اللهِ، وأنَّ "تَقديسَ اسْمَهُ" يَعني أنْ نَنظُرَ إليهِ في مِلْءِ شَخصِهِ. ولكِنْ ما مَعنى الكلمة "لِيَتَقَدَّس"؟ ما مَعنى الكلمة "لِيَتَقَدَّس"؟ فعندما تُفَكِّرونَ في الكلمة "لِيَتَقَدَّس"، ما الَّذي يَخْطُرُ بِبالِكُم؟ عيد "الهَالُوين"؟ فبطريقةٍ ما، صَارَ هذا هُوَ مَعْنى هَذِهِ الكلمة! فما الَّذي يَخْطُرُ بِبالِنا؟ ما يَخْطُرُ بِبالِنا هُو القاعاتُ المَعزولة، والجُدرانُ المَكْسُوَّة باللَّبْلاب، والعَباءات الطَّويلة، والتَّراتيل الحزينة، وَالهَالات، والكنائس المُظْلِمَةُ الَّتي تَفوحُ مِنْها رائحةُ العُفونَة، والمُوسيقا السَّقيمة النَّائحة، وغيرُ ذلكَ مِنَ التَّقاليدِ الأخرى البَالِيَة. فالكلمة "يَتَقَدَّس" باتَتْ كلمة مَهْجورة. وأنا أُؤكِّدُ لكم ذلك. وقد احْتَفَظَ بها مُتَرْجمو التَّرجماتِ المُختلفة للكِتابِ المُقدَّسِ بسببِ أنَّها مَألوفة. ولكنِّي أتساءلُ إنْ كُنَّا حَتَّى نَعْرِفُ مَعناها: "لِيَتَقَدَّس".

واسمحوا لي أنْ أقولَ لكم مَعناها. فهي مُشتقَّة مِنَ الفِعلِ اليونانيِّ: "هاغياتزو" (hagiazo). وتلك الكلمة هي كلمة مُهِمَّة جِدًّا في الكتابِ المقدَّس وتُستخدَمُ مِرارًا. وصيغةُ الاسم ِمِنَ الكلمة هي: "هاغيوس" (hagios)، وهي تَعني: "قُدُّوس". "لِيَكُنِ اسْمُكَ مُقَدَّسًا". فهذا هو مَعنى الكلمة "لِيَتَقَدَّس". وبصورة أساسيَّة، هناكَ مَعْنَيانِ مُحتملانِ لَها. وهي لم تُستخدَم يومًا (بِحَسَبِ عِلْمي) في اللُّغة اليونانيَّة العِلمانيَّة، ولكِنَّها استُخدِمَت كثيرًا في اللُّغة اليونانيَّة الَّتي كُتِبَ بها العهدُ الجديدُ. لِذا، يُمكنُنا أنْ نَعرِفَ مَعناها بسهولة بالغة. فهي تُشيرُ إلى فِكْرَتَيْن رَئيسيَّتَيْن: الأولى هي: "هاغيوسوني" (hagiosune) أو "هاغيوس" (hagios). وهي قد تَعني: أنْ تُعامِلَ شيئًا عاديًّا بِوَصْفِهِ شيئًا غيرَ عَادِيّ، أوْ أنْ تُعامِلَ شيئًا مألوفًا بِوَصْفِهِ شيئًا غيرَ مألوفٍ مِنْ خلالِ جَعْلِهِ يَتلامَسُ مَعَ شيءٍ غيرِ عاديٍّ وغيرِ مَألوف.

وهذا هوَ المَعنى المُستخدَم في رسالة بُطرس الأولى 1: 16 إذْ يَقولُ بُطرس لَكُم ولي: "كُونُوا قِدِّيسِينَ". فما مَعنى ذلك؟ إنَّهُ يَعني أنَّنا لَسْنا قِدِّيسينَ في الأصْل. ولكِنْ مِنْ خِلالِ تَلامُسِنا مَعَ اللهِ القُدُّوس، يُمكِنُنا أنْ نَصيرَ قِدِّيسين. لِذا فإنَّ الكلمة "هاغيوس" (hagios) تَعني أنْ تُعامِلَ شيئًا غيرَ مُقَدَّسِ بوصفِهِ شيئًا مُقَدَّسًا مِنْ خلالِ جَعْلِهِ يَتَلامَسُ مَعَ ذلكَ الشَّيء المُقَدَّس. فهذا هو مَعناها الأوَّل. وهل هذا مَعناها في هذهِ الآية؟ فهل نَحْنُ نَجْعَلُ اللهَ مُقَدَّسًا مِنْ خلالِ صَلواتِنا؟ فهل نحنُ نَقول: "أنا أَعْرفُ يا رَبّ أنَّكَ لستَ قُدُّوسًا، وأعلمُ أنَّكَ إلَهٌ مألوفٌ وعاديٌّ؛ ولكِنِّي مِنْ خلالِ هذهِ الصَّلاةِ أُريدُ أنْ أجْعَلَكَ مُقَدَّسًا؟ لا. فهذا ليسَ المَعنى المُستخدَمَ هُنا.

فهناكَ طريقة أخرى تُستخدَمُ فيها هذه الكلمة في الكتابِ المقدَّس. والحقيقةُ هي أنَّها تُستخدَمُ بهذهِ الطَّريقة في مَرَّاتٍ كثيرة إذْ إنَّ هذا هو الاستخدامُ الأكثر شُيوعًا لها. وهي تُستخدَمُ في هذهِ الآية لِمُعاملةِ شيءٍ ما أو شخصٍ ما بأنَّهُ مُقَدَّس، أو لِمُعاملةِ شيءٍ ما أو شخصٍ ما بأنَّهُ مُفْرَزٌ وَمُقَدَّس، أو لِمُعاملةِ شخصٍ ما بأنَّهُ مُنْفَصِل. بعبارة أخرى، في حالةِ البشر، إنَّها تَعني أنْ تَجعلَ شيئًا ما مُقَدَّسًا. وفي حالةِ اللهِ، إنَّها تَعني أنْ نُعامِلَهُ بِوَصْفِه قُدُّوسًا. فعندما أَقولُ للهِ: "لِيَتَقَدَّس اسْمُكَ" فإنَّني لا أَقْصِدُ المَعنى نَفسَهُ الَّذي أُشيرُ إليهِ حينَ أقولُ لكم: "تَقَدَّسوا". أليسَ كذلك؟ فأنا أقولُ لكم: "اجْعَلوا حَياتَكُم مُنْسَجِمَةً مَعَ اللهِ. وليتَكُمْ تَكْتَسونَ بِبِرِّهِ". أمَّا عندما أقولُ للهِ: "لِيَتَقَدَّس اسْمُكَ"، فإنَّني أَعْني بذلك: "لَيْتَ اسْمَكَ يُعامَلُ وَيُظْهَرُ بأنَّهُ قُدُّوس". وهذهِ هي الطَّريقةُ الَّتي تُستخدَمُ فيها هذهِ الكلمة هُنا. فنحنُ لا نَجْعَلُ اللهَ مُقَدَّسًا، بل نَتَضَرَّعُ وَحَسْب أنْ يُكْرَمَ وَيُعامَلَ بأنَّهُ قُدُّوس.

والفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ مِنَ الكلمة "هاغياتزو" (hagiazo) أو "هاغيوس" (hagios) بسيطة جِدًّا. فما معنى الكلمة "لِيَتَقَدَّس" الَّتي تَقولُها؟ فنحنُ نَقولُ: "لِيَتَقَدَّس اسْمُكَ". ونحنُ نَقولُ: "قُدُّوسٌ اسْمُكَ". فما المَعنى المقصود؟ إنَّ مَعنى الكلمة "قُدُّوس" هو: "مُخْتَلِف" ... مُختَلِف. فهي تَعني أنْ تكونَ مُختلِفًا. صَحيحٌ أنَّ ليسَ كُلَّ شخصٍ مُختلفٍ هُوَ قِدِّيس، ولكِنَّ كُلَّ شخصٍ قِدِّيس هُوَ مُختلِف. هل تَفهمونَ ذلك؟ حسنًا. فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ مُختلِفونَ، ولكِنَّهم ليسوا قِدِّيسين. ولكِنَّ الأشخاصَ القِدِّيسينَ مُختلِفون.

والفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ هي أنَّها تَعني: "مُختلِف". فهي تُشيرُ إلى "نِطاقٍ مُختلفٍ" أو إلى "كِيانٍ مُختلِف". لِذا فإنَّ اللهَ يُسَمَّى "قُدُّوسًا". فهو يُوْجَدُ في نِطاقٍ مُختلِف. وهو يَمْتَلِكُ صِفاتٍ مُختلِفة عَنَّا. فعلى سَبيلِ المِثال، فإنَّ هذهِ الكلمة تُستخدَمُ في سِفْر الخروج 20: 8 إذْ نَقرأُ: "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ". فما مَعنى ذلك؟ لقد كانَ ينبغي للسَّبْتِ أنْ يكونَ مُختلِفًا عن أيِّ يومٍ آخر. فقد كانَ ينبغي أنْ يكونَ هُناكَ يومٌ مُختلِفٌ عن بَقيَّةِ الأيَّامِ الأخرى. ونَقرأُ في سِفْر اللَّاوِيِّين 21: 8 أنَّهُ ينبغي للكَهَنِة أنْ يكونوا مُقَدَّسين. فقد كان ينبغي أن يكونوا مُخْتَلِفينَ عَنِ البَقِيَّة. فقد أُفْرِزوا لِخِدمةِ اللهِ. فالكلمة "قُدُّوس" تَعني "مُفْرَز"، أوْ "مُختَلِف"، أوْ "تَحْيا في نِطاقٍ آخر"، أو "تُوْجَد في كِيانٍ آخر". فهذا هو المَعنى الرَّئيسيّ للكلمة "قُدُّوس". فاللهُ يُوْجَدُ في نِطاقٍ آخر. واللهُ يُوجد في مُستوىً آخر. واللهُ مُنْفَصِلٌ عَنَّا. واللهُ غيرُ عاديٍّ، بل هُوَ خارِقٌ للطَّبيعة، وَهُوَ غيرُ أرْضِيٍّ، وَهُوَ مُنْفَصِلٌ عنِ الخُطاةِ، وقُدُّوسٌ، وغير مُلَوَّث بالخطيَّة (كما يَقولُ الكتابُ المقدَّس). فَهُوَ قُدُّوسٌ؛ أيْ مُنْفَصِلٌ عَنَّا.

ومِنْ هذا تَأتي فِكرةُ التَّوقير. فعندما نُصَلِّي هذهِ الجُزْئيَّة الأولى فإنَّنا نُعْلِنُ عَنْ رَغْبَتِنا في التَّكَلُّمِ إلى اللهِ بِتَوقير؛ أيْ: "لَيْتَ شَخْصَكَ يَنالُ التَّوقير". فهذا هُوَ ما نَقولُه. واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا. ارجعوا في كِتابِكم المقدَّس إلى سِفْرِ العَدَد (وَهُوَ السِّفْرُ الرَّابِعُ في الكتابِ المقدَّس) ... إلى سِفْرِ العَدَد والأصحاحِ العِشرين. وهذا مَثَلٌ توضيحيٌّ سيُساعِدُكم جِدًّا جِدًّا في فَهْمِ هذهِ النُّقطة. ففي سِفْرِ العَدَد والأصحاح 20، نَرى أنَّ بَني إسرائيلَ في البَرِّيَّة. وَهُمْ يَعْطَشونَ جِدًّا ولا يوجد ماء. ونَقرأُ في العددِ الثَّاني: "وَلَمْ يَكُنْ مَاءٌ لِلْجَمَاعَةِ فَاجْتَمَعُوا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ". لاحِظوا أنَّهُمْ انْقَلَبوا حالاً على قائِدِهِمَا. فقد لامُوْهُما على عَدَمِ وُجودِ مَاء. "وَخَاصَمَ الشَّعْبُ مُوسَى وَكَلَّمُوهُ قَائِلِينَ: لَيْتَنَا فَنِينَا فَنَاءَ إِخْوَتِنَا أَمَامَ الرَّبِّ". وَمَنْ يُريدُ أنْ يَموتَ مِنَ العَطَشِ الآن؟ "لِمَاذَا أَتَيْتُمَا بِجَمَاعَةِ الرَّبِّ إِلَى هذِهِ الْبَرِّيَّةِ لِكَيْ نَمُوتَ فِيهَا نَحْنُ وَمَوَاشِينَا؟ وَلِمَاذَا أَصْعَدْتُمَانَا مِنْ مِصْرَ لِتَأتِيَا بِنَا إِلَى هذَا الْمَكَانِ الرَّدِيءِ؟" فَهَلْ هذِهِ هي الخُطَّة؟ "لَيْسَ هُوَ مَكَانَ زَرْعٍ وَتِينٍ وَكَرْمٍ وَرُمَّانٍ، وَلاَ فِيهِ مَاءٌ لِلشُّرْبِ! فَأَتَى مُوسَى وَهَارُونُ مِنْ أَمَامِ الْجَمَاعَةِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَسَقَطَا عَلَى وَجْهَيْهِمَا، فَتَرَاءَى لَهُمَا مَجْدُ الرَّبِّ. وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: خُذِ الْعَصَا وَاجْمَعِ الْجَمَاعَةَ أَنْتَ وَهَارُونُ أَخُوكَ، وَكَلِّمَا الصَّخْرَةَ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ أَنْ تُعْطِيَ مَاءَهَا، فَتُخْرِجُ لَهُمْ مَاءً مِنَ الصَّخْرَةِ وَتَسْقِي الْجَمَاعَةَ وَمَوَاشِيَهُمْ".

فقد قالَ اللهُ: يا مُوسى، عَلَيْكَ فقط أنْ تَأتي إلى تلكَ الصَّخرة، وأنْ تَقِفَ عندَ تلكَ الصَّخرة، وأنْ تُكَلِّمها فَتُعْطي ماءً". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 9: "فَأَخَذَ مُوسَى الْعَصَا مِنْ أَمَامِ الرَّبِّ كَمَا أَمَرَهُ، وَجَمَعَ مُوسَى وَهَارُونُ الْجُمْهُورَ أَمَامَ الصَّخْرَةِ، فَقَالَ لَهُمُ: اسْمَعُوا أَيُّهَا الْمَرَدَةُ، أَمِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ نُخْرِجُ لَكُمْ مَاءً؟ وَرَفَعَ مُوسَى يَدَهُ وَضَرَبَ الصَّخْرَةَ بِعَصَاهُ مَرَّتَيْن". ولكِنْ ماذا أَوْصاهُ اللهُ أنْ يَفعل؟ أنْ يُكَلِّمَ الصَّخرة. وما الَّذي يَفْعَلُهُ هُنا؟ إنَّهُ يَضْرِبُ الصَّخرة مَرَّتَيْن. وبالمُناسبة، فإنَّ اللهَ لم يَجْعَلْ كُلَّ الشَّعْبِ يَدفَع ثَمَنَ خَطيَّةِ مُوْسى. "فَخَرَجَ مَاءٌ غَزِيرٌ، فَشَرِبَتِ الْجَمَاعَةُ وَمَوَاشِيهَا. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى وَهَارُونَ [استمعوا إلى هذا]: مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمَا لَمْ تُؤْمِنَا بِي حَتَّى تُقَدِّسَانِي..." وَهَذِهِ هي نفسُ الكلمة في التَّرجمةِ السَّبعينيَّة ("هاغياتزو" – “hagiazo)) وَمَعْناها: تُعْطيانَني الإجْلالَ والاحترامَ والإكْرامَ والتَّمجيدَ، وَتَفْرِزاني للطَّاعَةِ ... لأنَّكُما فَعَلْتُما ذلك "أَمَامَ أَعْيُنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِذلِكَ لاَ تُدْخِلاَنِ هذِهِ الْجَمَاعَةَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا". وَكما تَعلمونَ، فإنَّهُ لم يَدْخُلْ مَعَ الشَّعبِ إلى أرْضِ المَوْعِدِ لأنَّهُ ضَرَبَ تلكَ الصَّخرة.

اسمعوني: لقد كانَ لِسانُ حَالِ مُوسَى هُوَ: "لا أدري! فآخِرَ مَرَّة حَدَثَ فيها هذا الأمر، ضَرَبْتُ الصَّخرة. ولا أدري إنْ كانَ اللهُ يَقدِرُ أنْ يَفعلَ ذلك إنْ لم أَضْرِبْها". وقد أرادَ مُوسَى أيضًا أنْ يُؤكِّدَ في أذهانِ الشَّعبِ أنَّهُ البَطَل. لِذا، فقد كانَ مُجَرَّدُ التَّكَلُّمِ إلى الصَّخرة يُمَجِّدُ اللهَ. ولكِنَّ مُوسَى فَكَّرَ في أنَّهُ لو ضَرَبَها عِدَّةَ مَرَّاتٍ حَتَّى يَرْبِطَ تلكَ القُوَّة بِعَصَاه وَذِراعِهِ اليُمْنى. فقد كانَ يَسْلِبُ المَجْدَ مِنَ اللهِ. وقد كانَ يَعْصِي أَمْرَ اللهِ. فَهُوَ لم يَكُنْ يُوَقِّرُ اللهَ. وَكما جاءَ في العدد 12، هُوَ لم يَكُنْ يُقَدِّسُ اللهَ. فَهُوَ لم يُبَجِّلِ اللهَ. وَهُوَ لم يُوَقِّرِ اللهَ. وَهُوَ لم يُعْطِ اللهَ الكَرامَةَ الَّتي يَستحقُّها بسببِ عَدَمِ إيمانِهِ، وبسببِ عِصيانِهِ، وبسببِ عَدَمِ إجْلالِهِ لَهُ. "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُ اللهِ" – مَا مَعنى ذلك؟ أنْ نُعْطي شَخْصَهُ الَّذي لا مَثيلَ لَهُ الإجلالَ الَّذي يَستحقُّهُ مِنْ خِلالِ إيمانِكَ بِما يَقول، وَمِنْ خِلالِ طَاعَتِكَ لِما يَقول.

وقد قالَ "يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَب" إنَّ الكلمة "يَتَقَدَّس" مُرادِفة لِلكلمة "دوكساتزين" (doxazein) الَّتي تَعْني: "يُمَجِّد" وَ "يُبَجِّل". وقد قالَ "أوريجانوس" (Origen) إنَّها مُرادِفة للكلمة "هوبسو" (hupsoo) الَّتي تَعْني: "يُرَفِّعْ" أوْ "يَرْفَعْ عَالِيًا". وقد قالَ آخرونَ إنَّها مُرادِفَة للكلمة "إيولوغين" (eulogein) وَمَعْناها: "يُبارِك" أوْ "يُسَبِّح". بعبارة أخرى، إنَّها تَعني أنْ نُعَظِّمَ اللهَ. وقد عَبَّرَ "جون كالفِن" (John Calvin) عنها بالكلماتِ التَّالية: "أنْ نُقَدِّسَ اسْمَ اللهِ يَعني أنْ نَقولَ إنَّ اللهَ يَنبغي أنْ يَحصُلَ على الإكرامِ الَّذي يَستحقُّهُ جِدًّا حَتَّى لا يُفَكِّرُ فيهِ البَشَرُ يومًا أوْ يَتَحَدَّثونَ عَنْهُ مِنْ دُوْنِ أَعْظَمِ إجْلال".

والآنْ، هل فَهِمْتُم الصُّورة؟ فَتَقْديسُ اسْمِ اللهِ يَعني أنْ نَنْظُرَ إلى اسْمِهِ كَتَعْبيرٍ عَنْ كُلِّ صِفاتِهِ، وأنْ نُعَظِّمَهُ في حَضْرَتِه. وأعتقد أنَّ هذهِ العِبارة تأتي بعدَ الكلمة "أبانا" لأنَّها تَحْمينا مِنْ شَيءٍ ما. فإنْ بَالَغْنا في قَوْلِ "أبانا"، وبالَغْنا في قَوْلِ "بابا"، وبالَغْنا في قَوْلِ "أبي" فإنَّنا نَصيرُ عَاطِفِيِّينَ جِدًّا. وَنَحْنُ نَجُرُّ اللهَ إلى أسفل، ونَجعلُ اللهَ مُجَرَّدَ صَديقٍ لَطيفٍ لَنا. وقد تَبَنَّيْنا هذهِ النَّظرةَ في المسيحيَّةِ الأمريكيَّةِ حَتَّى وَقَعْنا في وَرطة حقيقيَّة. فالنَّاسُ يَتحدَّثونَ عنِ اللهِ بِمَفاهيم مُتَدَنِّية جدًّا، وبمُصطلحاتٍ لا تُعْطيهِ حَقًّا التَّقديسَ الَّذي يَسْتَحِقُّهُ اسْمُهُ. فقد غَرِقْنا في فِكْرَةِ أنَّ اللهَ أبونا. وقد صِرْنا نَظُنُّ أنَّ اللهَ هُوَ أبونا الحَنونَ الَّذي يُمْكِنُنا أنْ نأتي إليهِ فَيُعْطينا أيَّ شَيء.

اسمعوني: لقد كانَ اليهودُ يُدركونَ جِدًّا هذا الأمر. وكذلكَ هي حَالُ رَنا. لِذا، بعدَ الكَلِمَة" أبانا" (بابا)، فإنَّهُ يَقولُ: "لِيَتَقَدَّس..." (أيْ: لِيَتَمَجَّد، أو لِيَتَبَجَّل) "...اسْمُكَ". فقد كانَ اليهودُ يُدركونَ ذلك حَتَّى إنَّهُ عندما كانَ أَحَدُ اليهودِ يَدْعو اللهَ أبًا، فإنَّهُ كانَ يُلْحِقُ هذهِ الكلمةَ مُباشرةً تقريبًا وبصورة دائمة بِلَقَبٍ آخر بعدَها لكي يُوازِنَ فِكْرَهُ. وقد قَرَأتُ بَعضَ الصَّلواتِ اليهوديَّةِ في هذا الأسبوعِ فَوَجْدتُ مِرارًا وتَكرارًا العِباراتِ التَّالية: "يا رَبُّ، أبي والسَّيِّد على حَياتي". "يا رَبّ، أبي وَإلَه حَياتي". "أيُّها الرَّبُّ المَلِكُ العَظيمُ القُدرة، واللهُ العَلِيُّ والقَدير". وفي ما يُسَمَّى "شِمونه عَسْريَّة" (Shemoneh Esrai)، وَهِيَ ثَمانية عَشْرَ صَلاةً ينبغي لِكُلٍّ يَهوديٍّ أنْ يُصَلِيها يوميًّا، كانوا يَبتدئونَ كُلَّ صَلاةٍ مِنْ هذهِ الصَّلواتِ هكذا: "يا أَبانا، يا مَلِك، يا رَبّ". وفي أيَّامِ التَّوبةِ العَشْرِ في زَمَنِ يومِ الكَفَّارة، كانَ اليَهودُ يُصَلُّونَ صَلاةً تُسَمَّى "أبينو مَلْكينو" (Abinu Malkenu). وعندما كانوا يُصَلُّونَ هذهِ الصَّلاةَ، كانوا يُرَدِّدونَ أربعًا وأربَعينَ مَرَّةً العِبارة التَّالية: "أبونا مَلِكُنا، أبونا مَلِكُنا، أبونا مَلِكُنا" لأنَّهم لم يُريدوا يومًا فِكرةَ أنْ يَكونَ اللهُ أباهُمْ فقط حَتَّى لا يَصيروا عَاطِفِيِّينَ جِدًّا بخصوصِ اللهِ الَّذي كانَ أيضًا مَلِكًا صَاحِبَ الجَلالِ والسِّيادة. لِذا فقد كانوا حَذِرينَ جِدًّا مِنْ أنْ يَصيروا عَاطِفِيِّينَ جِدًّا بخصوصِ الله.

وفي رسالة بُطرس الأولى 3: 15، يَقولُ بُطرس: "قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ". وهو يَستخدِمُ نفسَ الكلمة "هاغياتزو"؛ أيْ: "بَجِّلوا اللهَ"، أوْ: "عَامِلوا اللهَ بِقداسة"، أوْ: "عَامِلوا اللهَ بانْفِصالٍ" أوْ "بِطريقة استثنائيَّة" أو "بِطريقة غير عاديَّة" لأنَّهُ يَستحقُّ العِبادةَ والتَّسبيحَ والتَّمجيد. إذًا، ما مَعنى الكلمة "لِيَتَقَدَّس"؟ إنَّها تَعني أنْ يُفْرَزَ عن أيِّ شيءٍ عاديٍّ وَنَجِس. وَتَعني: "يُقَدِّر" أوْ "يُثَمِّن"، أوْ "يُكْرِم"، أوْ "يُبَجِّل"، أوْ "يُوَقِّر" بِوَصْفِهَ اللهَ المُبَارَكَ بِصورةٍ مُطْلَقةٍ، وبوصفِهِ اللهَ الحَقيقيَّ المَبارَكَ الوَحيد. فلا يُمكِنُكَ أنْ تَتكلَّمَ عنِ اللهِ بألفاظِ أرضيَّة. ولا يُمكنُكَ أنْ تَحُطَّ مِنْ شأنِ اللهِ إلى لُغَةِ الشَّارِع. بل يَنبَغي أنْ تُطْلَقَ على اللهِ ألقابٌ مُلائِمَة لِقُدرَتِهِ وَقداسَتِه. فَما أَسْهَلَ في أيَّامِنا هذهِ أنْ نَقولَ "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ ... لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" مِنْ دونِ حَتَّى أنْ تكون لدينا أَدْنى فِكرة عَمَّا نَقول.

أمَّا إنْ كُنَّا نُريدُ أنْ نُصَلِّي هذهِ الصَّلاةَ مِنْ قُلوبِنا، ينبغي أنْ نُعْطي اللهَ مَكانَهُ الصَّحيحَ المُناسِب. فينبغي أنْ يَتوقَ قَلبي إلى تَمجيدِهِ وتَبْجيلِهِ في كُلِّ موقِف، وفي كُلِّ ظَرْف، وَفي كُلِّ عَلاقة. وقد قالَ يَسوع: "يا أَبَتاه. مَجِّدِ اسْمَكَ مِنْ خِلالي" [في إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح 12]. فقد كانَ هَذا هُوَ هَدَفُه.

والآن، هذا هُوَ مَعنى أنْ نُقَدِّسَ اسْمَهُ. ولكِنْ كيفَ تَفعلونَ ذلك؟ كيفَ تَفعلونَ ذلك؟ إنَّ الجُزْءَ الأَهَمَّ في مَا نُريدُ أنْ نَقولَهُ سيأتي الآن. لِذا، اسْمَعوا: فهذا هُوَ الجَانِبُ العَمَلِيُّ. فكيفَ نُقَدِّس اسْمَهُ؟ وما هُوَ المَعنى الحَقيقيّ لهذهِ الصَّلاة؟ وما الَّذي نَطْلُبُهُ حَقًّا حينَ نَقول: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ"؟ وكيفَ أَعلمُ ... كيفَ أَعْلَمُ أنَّ صَلاتي قد سُمِعَتْ؟ وكيفَ يُمْكِنُ حَقًّا أنْ يَتَقَدَّسَ اسْمُ اللهِ؟ لأنَّها طِلْبَة أطلُبُها لأجلِه: "يا رَبُّ، قَدِّسِ اسْمَكَ". وهذا يَعني: "مِنْ خِلالي". أيْ: "قَدِّسِ اسْمَكَ في حياتي. واجْعَلِ اسْمَكَ مُقَدَّسًا في حياتي، وفي حُضوري". كيف؟

فهل نحنُ نَقولُ فقط إنَّهُ لا يَجوزُ أن تَستخدموا اسمَهُ باطِلاً؟ ليسَ هذا فقط. فهذا صحيح، ولكن ليسَ هذا فقط. وهل نقولُ إنه يجبُ عليكم أن تَحرصوا على أن تقولوا في تَضَرُّعاتِكم وصلواتِكم وعبادتكم: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ"؟ لا. فمعَ أنَّه ليسَ مِنَ الخطأ أن تقولوا ذلك، فإنَّ هذهِ ليست النقطة الرئيسيَّة. إذًا، كيفَ تُبَجِّلونَ اللهَ حَقًّا؟ وكيفَ يمكن أن يَتقدَّسَ اللهُ في حياتي؟ سوفَ أَذكُرُ لكم أربعَ نِقاطٍ. وأريدُ مِنكُم أنْ تُتابِعوا تَسَلْسُلَها.

أوَّلاً، نحنُ نُقَدِّسُ اسْمَهُ عندما نُؤمِنُ بأنَّهُ موجود. نحنُ نُقَدِّسُ اسْمَهُ عندما نُؤمِنُ بأنَّهُ موجود. فنحنُ نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين 11: 6: "لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ". فَلا يُمكنكَ أنْ تُبَجِّلَ اللهَ، ولا يُمكنُكَ أنْ تُمَجِّدَ اللهَ ما لم تُؤمِن بأنَّ اللهَ مَوجود. فالأمرُ كُلُّهُ يَبتدئُ مِنْ هُنا. وبالمُناسبة، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يُحاولُ البَتَّة أنْ يُثْبِتَ ذلك. هل تَعلمونَ لِماذا؟ لأنَّ وُجودَ اللهِ أَمْرٌ بَديهيّ. فَهُوَ أَمْرٌ بَديهيّ. فاللهُ بَديهيٌّ. والشَّيءُ البَديهيُّ هو شيءٌ مُسَلَّمٌ بِهِ ولا يَحتاجُ إلى إثْبات. فالشَّيءُ البَديهيُّ يَختلِفُ عنِ الأشياءِ الأخرى الَّتي تَحتاجُ إلى إثْبات. واللهُ بَديهيٌّ في الكتابِ المقدَّس. فاللهُ لا يَحتاجُ البَتَّة إلى إثْبات. وَكُلُّ شيءٍ آخر يَجِدُ الإثْباتَ حينَ يَرْتَبِطُ باللهِ. فاللهُ هُوَ القاعِدة البَديهيَّة. واللهُ حَقيقة مُسَلَّمٌ بِها. وكُتَّابُ الكتابِ المقدَّسِ لم يُحاولوا أنْ يُبَرْهِنوا على أنَّهُ موجود، بل آمَنوا بذلكَ وَحَسْب. وأنتَ لن تُقَدِّسَ اللهَ مَا لم تُؤمِنْ بأنَّهُ مَوجود.

وقد قالَ السِّير "جيمس جينز" (Sir James Jeans)، وَهُوَ عَالِمٌ فَلَكِيٌّ: "لا يُمْكِنُ لأيِّ عَالِمٍ فَلَكِيٍّ أنْ يَكونَ مُلْحِدًا". وقد كانَ "كانت" (Kant) فَيلسوفًا يُنادي بالكَثيرِ مِنَ الأفكارِ الغَريبة، ولكِنَّهُ أَصابَ في هذا الرَّأيِ إذْ قال: "إنَّ القانونَ الأَخلاقِيَّ الموجودَ فينا والسَّماواتِ المُرَصَّعةَ بالنُّجومِ فَوْقَنا تَقودُنا إلى اللهِ". فاللهُ بَديهيٌّ في الإنسانِ وَحَوْلَ الإنسان. ونحنُ نَبتدئ في تَقديسِ اللهِ حينَ نُؤمِنُ بأنَّهُ موجود. ولكِنَّ الأمرَ لا يَتوقَّفُ هُنا. فقد تُؤمنُ بأنَّ اللهَ موجودٌ، ولكِنَّكَ ما تَزالُ لا تُقَدِّسِ اسْمَهُ.

فهناكَ شيءٌ ثَانٍ. فيجب عليكَ أنْ تُقَدِّسَ اسْمَهُ لا فقط مِنْ خِلالِ إيمانِكَ بأنَّهُ موجود، بل أيضًا مِنْ خِلالِ مَعْرِفَةِ طَبيعَتِهِ وَصِفاتِه. هل فَهِمْتُم ذلك؟ فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يقولونَ: "أنا أُوْمِنُ بالله"، ولكنَّهم لا يُقَدِّسونَ اسمَهُ لأنَّهُ ليسَ اللهَ الحَقيقيّ. فالعقيدةُ الصَّحيحة بخصوصِ اللهِ، والتَّعليمُ الصَّحيحُ مِنَ اللهِ هُما تَبْجيلٌ لله. أمَّا العقيدةُ الباطلةُ عنِ اللهِ والتَّعليمُ الخاطئُ عنِ اللهِ فَهُما عَدَمُ تَوقيرٍ لَهُ. فنحنُ نَظُنُّ أنَّنا نَذْكُر اسمَ اللهِ باطِلاً حينَ نَقولُ "يَسوعُ المَسيحُ" أوِ "اللهُ" أوْ شيئًا مِنْ هذا القَبيلِ فَقَط. ولكِنْ يجب أنْ تَعلموا أنَّكُمْ تَذكرونَ اسمَ اللهِ باطِلاً في كُلِّ مَرَّة تُفَكِّرونَ فيها باللهِ بطريقةٍ غير صحيحة. هل فَهِمْتُم ذلك؟ فعندما تَشُكُّونَ في اللهِ، وعندما لا تُؤمِنونَ باللهِ، وعندما تَرْسِمونَ عَلاماتِ استفهامٍ حَوْلَهُ، وعندما تَسألونَ بِعَدَمِ رِضا عَنْ سَبَبِ قِيامِهِ بشيءٍ مَا، فإنَّكم تَذكرونَ اسْمَهُ باطِلاً لأنَّ هذا لا يَنْسَجِمُ مَعَ طَبيعَتِهِ واسْمِهِ. لِذا، يُمكنكم أنْ تُقَدِّسوا اسْمَ اللهِ عندما تُؤمِنونَ بأنَّهُ مَوجودٌ؛ ولكِنْ فقط عندما تُؤمِنونَ بِهِ كَما هُوَ حَقًّا. أمَّا الأفكارُ الخاطئةُ عنِ اللهِ فلا تُقَدِّسِ اسْمَهُ.

وقد قالَ "أوريجانوس" (Origen)، وَهُوَ واحِدٌ مِنْ آباءِ الكنيسةِ الأولى": "الشَّخصُ الَّذي يَفْتَكِرُ في اللهِ أفكارًا ليسَتْ في مَكانِها الصَّحيح يَنْطِقُ باسمِ اللهِ باطِلاً". وأنا أَتخيَّلُ أنَّهُ في زَمَنِ اليُونانِ، كانَت لديهم كُلُّ تلكَ الآلِهةِ الَّتي كانت بَعيدة كُلَّ البُعدِ عنِ اللهِ الحَقيقيّ. فقدِ ابْتَدعوا آلِهَةً. وبالطَّبع، كانت آلِهَتُهُم تَخوضُ مَعارِكَ، وكانت آلِهَتُهُم تُحارِبُ في الحُروبِ، وَتَتَصارَع، وَلَها عُشَّاق يأتونَ وَيَذهبونَ طَوالَ الوقتِ. وكانَ لَها مَن يُبْغِضُها. وكانَ بَعْضُهُمْ يُغْوي بَعْضًا. وكانُوا يَزْنونَ ويَفعلونَ أمورًا لا أخلاقيَّة، وأمورًا مُنحرِفة ومُريعة. فَكُلُّ الآلِهَةِ الَّتي ابْتَدَعوها بِفِكْرِهِم النَّجِس كانت تُعاني تلكَ المَشاكِلِ لأنَّهُ في كُلِّ مَرَّة يَقومُ فيها البَشَرُ باختراعِ آلِهَة، فإنَّ آلِهَتَهُمْ تَكونُ مِثْلَهُم. أَتَرَوْن؟ لِذا، إذا قُلْتَ لشخصٍ إغريقيّ: "يَنبغي أنْ تُقَدِّسَ اسْمَ آلِهَتِك، ويجب عليكَ أنْ تَرْفَعَ قَدْرَ آلِهَتِك، ويجب عليكَ أنْ تُبَجِّلَ الآلِهَة" فإنَّ ذلكَ سيكونُ طَلَبًا سَخيفًا. فآلِهَتُهُم كانت شِرِّيرة عَلى غِرارِهم؛ ولكِنَّها ليستِ اللهَ الحَقيقيّ.

وقد حاوَلَ البعضُ أنْ يَفعلَ الشَّيءَ نَفسَهُ باللهِ الحَقيقيِّ. فالبعضُ يَأخُذونَ أفكارَهُمْ مِنْ مَصادِرَ وَثنيَّة ويحاولونَ أنْ يَقولوا إنَّ اللهَ قَاسٍ، وإنَّهُ عندما أَغْرَقَ اللهُ جَيْشَ فِرْعَوْنَ فإنَّهُ كانَ إلهًا سَفَّاحًا، وإنَّهُ عندما فَعَلَ اللهُ ما فَعَلَ بالكَنعانِيِّينَ فإنَّهُ كانَ إلهًا سَفَّاحًا، وإنَّهُ عندما عَاقَبَ اللهُ شُعوبًا مُعَيَّنَةً فإنَّهُ كانَ قَاسِيًا جِدًّا، وحَقودًا، وَعَنيفًا. وَحَتَّى إنَّ أيُّوبَ وَقَعَ في تلكَ الخطيَّة في الأصحاحِ الثَّلاثين والعدد 21 عندما كانَ يُحاولُ أنْ يَفْهَمَ وَرْطَتَهُ إذْ قالَ: "لِماذا أنْتَ قَاسٍ مَعي؟" فقد قالَ ذلكَ لله!

واللهُ يُتَّهَمُ بأنَّهُ غيرُ مُحِبٍّ. واللهُ يُتَّهَمُ بأنَّهُ يُمَيِّزُ بينَ النَّاسِ وَيُعاقِبُ أُناسًا في جَهَنَّمَ الأبديَّة. وهُناكَ مَنْ يَنْظرُ إلى اللهِ كما لو كانَ حَليفًا قوميًّا لإسرائيل وأنَّهُ يَمْضي في قَتْلِ الشُّعوبِ الأخرى بِحَسَبِ مِزاجِهِ. اسمعوني: عندما تَفتكرونَ أفكارًا خاطئةً بهذهِ الطريقةِ بخصوصِ اللهِ، وعندما لا تَفهمونَ مَنْ هُوَ اللهُ حَقًّا، فإنَّكم لا تُقَدِّسونَ اسْمَهُ. والحقيقةُ هي أنَّ "جون ويسلي" (John Wesley) اسْتَمَعَ إلى الكَثيرِ مِنْ هؤلاءِ النُّقَّادِ يَوْمًا وقالَ في الخِتام: "إنَّ إلَهَكُمْ هُوَ الشَّيْطانُ في نَظَري. أعتقد أنَّكُمْ قَلَبْتُم الأمرَ رأسًا على عَقِب". فحينَ تَسْمَحُ لنفسِكَ أنْ تَفْتَكِرَ في اللهِ أفكارًا خاطئةٍ ولا تَليقُ باللهِ فإنَّ هذا يَعني عَدَمَ تَوقيرِ اسْمِهِ. وينبغي أنْ تَعلموا، بوصفِكُم مَسيحيِّينَ، أنَّكُم قد تَفعلونَ ذلكَ لا فقط مِنْ خلالِ التَّفكيرِ بأفكارٍ خاطئةٍ عنِ اللهِ، بل أيضًا مِن خلالِ جَهْلِكُم بالأفكارِ الصَّحيحةِ عنهُ. لأنَّكُمْ إنْ كُنْتُم تَجهلونَ مَنْ هُوَ اللهُ حَقًّا، فإنَّكم سَتَشُكُّونَ فيهِ عندما يَفعلُ بعضَ الأشياء. وسوفَ تَرْتابونَ فيهِ عندما يَفعلُ أُمورًا مُعَيَّنة. ولن تَثِقوا بِهِ. بل إنَّكم ستكونونَ غيرَ مُطيعينَ لَهُ، وستَجعلونَ الآخرينَ يَنْفُرونَ مِنَ اللهِ. وهذا كُلُّهُ هُوَ عَدَمُ تَوقيرٍ للهِ.

ولكي تُقَدِّسوا اسْمَهُ، يجب عليكم أنْ تُؤمِنوا بأنَّ اللهَ مَوجودٌ. ويجب عليكم أنْ تُدركوا مَنْ هُوَ اللهُ حَقًّا. ولكِنْ هل تُريدونَ أنْ تَعرِفوا شيئًا آخر؟ حَتَّى لو كُنْتُمْ تُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ مَوجودٌ. وَحَتَّى لو كُنتم تَعْرِفونَ مَنْ هُوَ بالحقيقة، قد لا تُوَقِّرونَهُ. فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يُؤمِنونَ بِأنَّهُ موجودٌ، وهُناكَ أشخاصٌ كثيرونَ لديهم لاهوتٌ صَحيحٌ عنهُ، ولكِنَّهُمْ لا يُقَدِّسونَهُ.

فَهُناكَ نُقطة ثالثة. فنحنُ نُقَدِّسُ اسْمَهُ [اسمعوني] عندما نُدْرِكُ دائِمًا حُضورَهُ. فيجب أنْ نَعلَمَ أنَّهُ موجودٌ، وأنْ نَعلمَ مَنْ هُوَ بالحقيقة، وأنْ نَتَفَكَّرَ في ذلكَ بطريقةٍ تَجْعَلُنا نَعيشُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ حياتِنا بطريقةٍ نُعْطي اللهَ فيها المَكانَةَ الصَّحيحةَ لأنَّنا بِذلكَ نُقَدِّس اسْمَهُ. ففي المَزمور 16: 8، قَالَ دَاود: "جَعَلْتُ الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ". أنا أَرى كُلَّ شَيءٍ مِنْ خِلالِ اللهِ. فاللهُ هُوَ العَيْنَانِ اللَّتانِ أَرَى بِهِما. فهذا هُوَ المِفتاحُ.

وماذا عَنْكَ؟ فَتَوقيرُ اللهِ يَعني أنْ تَعيشَ مُدْرِكًا حُضورَهُ. فبالنِّسبةِ إلى الأغلبيَّة مِنَّا، فإنَّ أفكارَنا بخصوصِ اللهِ مُتَقَلِّبه. هل تُوافِقونَني الرَّأيَ في ذلك؟ فأحيانًا تكونُ أفكارُنا في القِمَّة. وأحيانًا تكونُ غائبةً تمامًا. وفي بعضِ الأيَّامِ وبعضِ الأوقاتِ (كما هي الحالُ الآنَ) فإنَّكُم تُفَكِّرونَ في اللهِ كثيرًا. وأنتُم تُغادِرونَ الخِدمةَ وتُفَكِّرونَ في اللهِ بعضَ الوقتِ. ثُمَّ هُناكَ أوقاتٌ طويلة في حياتِكُم، رُبَّما يَمُرُّ أسبوعٌ كامِلٌ مِنْ دونِ أنْ تُفَكِّروا سِوى قليلاً في الله. فنحنُ مُتَقَلِّبون. ولكِنْ إنْ أردنا حَقًّا أنْ نُقدِّسَ اسْمَهُ، يجب علينا أنْ نَفْتَكِرَ في اللهِ في كُلِّ فِكرة يوميَّة، وفي كُلِّ كَلِمة يوميَّة، وفي كُلِّ سُلوكٍ يَومِيٍّ. فهل تَرَوْنَ اللهَ في كُلِّ مَكان؟ وهل تُقَدِّسونَ اللهَ في حَياتِكُم؟ وهل هُوَ ظَاهِرٌ دائمًا في كُلِّ شيءٍ تَفعلونَهُ؟ وفي كُلِّ شيءٍ تَقولونَهُ؟ وفي كُلِّ مَكانٍ تَذهبونَ إليهِ، هَلْ تَرَوْنَ اللهَ ظَاهِرًا؟

إنَّ واحِدًا مِنَ الشُّعراءِ المُعاصِرينَ الَّذينَ يَكْتُبونَ تَأمُّلاتٍ رائعة هو "هنري إيرنست هاردي" (Henry Ernest Hardy). وقد كَتَبَ هذهِ المَقطوعة بعُنوان: "الجَمالُ البَديع" (The Mystic Beauty)، مُتَحَدِّثًا فيها عن هذهِ الفِكرة: "هُناكَ أَمْزِجَة عَديدة للبَلْدَةِ في لُندن. وَمِنْ بَيْنِ عائلاتِها، هُناكَ العَديدُ مِنَ القِدِّيسين. وإنْ مَشى المَرْءُ ذَهابًا وَإيابًا في شَوارِعِها، وإنْ كانَ المَرْءُ يَمْتَلِكُ عَيْنَيْنِ يَرى بِهِما فإنَّهُ سَيَرى أُمورًا أَبْدَعَتْها رِيْشَةُ فَنَّان. فقد رأيتُ شارِعًا خَلفيًّا يَغْلُبُ عليهِ اللَّوْنُ الأزرَقُ كَما عَرَفَهُ رُوْحُ ’ويسلر‘ (Whistler)، مَعَ مَسْحَةٍ مِنَ اللَّوْنِ البُرتُقالِيِّ حيثُ يُمارِسُ أَحَدُ مَحَلَّاتِ السَّمَكِ المَقْلِيِّ تِجارَتَهُ. فَهُوَ مَزيجٌ رائعٌ مِنَ الألوان. ويا لَهُ مِنْ مَشْهَدٍ بَديع. وقد زُرْتُ يَوْمًا مُنْتَزَه القدِّيس يَعقوب بَيْنَ غُروبِ الشَّمْسِ وَحُلولِ الظَّلام؛ ويا لِرَوعةِ الألوانِ الرَّماديَّةِ والخَضراءِ والبَنَفْسَجِيَّة! فلا يُمْكِنُ أنْ أَنسَى يومًا ذلكَ الانْسجام في ذلكَ المَساء. وقد كنتُ أَعلمُ أنَّ اللهَ موجودٌ ما دامَ الجَمالُ يَتَدَفَّقُ مِنْ كُلِّ مَكان، وَما دامَتْ قَدَماهُ المُبارَكَتانِ أكثرَ مِنْ أيِّ أقدامٍ أُخرى قد مَشَتا يَوْمًا على أَخْشَنِ شَوارِعِ الحياةِ إذْ جاءَ كإنسانٍ كَيْ يُرينا أنَّ اللهَ ما زالَ يَمْشِي في الشَّارِع".

فَسَواءٌ نَظَرَ إلى مُنْتَزَهِ القدِّيس يَعقوب، أوْ إلى مَحَلِّ السَّمَك، أوْ إلى الشَارِعِ الخَلفيِّ، أوْ إلى النُّوْرِ البُرْتُقاليِّ، فإنَّهُ يَرَى اللهَ. فَهُوَ يُدْرِكُ دائمًا حُضورَ اللهِ؛ لا إدراكًا مُتَذَبْذِبًا، بل دائمًا. لا! فَتَقديسُ اسْمِ اللهِ يَعني أنَّهُ يجب علينا أنْ نُؤمِنَ بأنَّهُ موجودٌ. ويجب علينا أنْ نُؤمِنَ بأنَّهُ اللهُ الحَقيقيُّ. ويجب علينا أنْ نُدركَ دائمًا حُضُورَهُ. ولكِنْ أتَعلمونَ شيئًا؟ قد تَفعلوا كُلَّ هذهِ الأمورِ الثَّلاثةِ مِنْ دُوْنِ أنْ تُوَقِّروا اللهَ إنْ لم تَفعلوا شيئًا رابِعًا.

وإليكم هذا الشَّيء. هل أنتُم مُستعِدُّون؟ إنَّها النُّقطةُ الأخيرة. فنحنُ نُقَدِّسُ اسْمَ اللهِ حينَ نَحيا حَياةَ طَاعَةٍ لَهُ. فهذا هُوَ المِفْتاحُ الأخير. فلا يُمكِنُكَ أنْ تُقَدِّسَ اسْمَ اللهِ تَمامًا ما لَمْ تُطِعْهُ. وقد تَقول: "أجل، أنا أُوْمِنُ بأنَّكَ مَوجودٌ. وأنا أُوْمِنُ بِأنَّكَ الإلَهُ الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ الكتابُ المقدَّسُ. وَأجل يا رَبّ، أنا أُدرِكُ حُضورَكَ في حَياتي"، ولكِنَّ العِصيانَ يَمْنَعُ المَرْءَ مِنْ تَوقيرِ اسْمِهِ. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الصَّلاةَ لا تَعني فقط أنْ يَتَقَدَّسَ اسْمُ اللهِ في السَّماء. وهي لا تَعني فقط أنْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ اللهِ حَوْلَ العالَم. بل إنَّها تَعني أنْ يَتَقَدَّسَ اسْمُ اللهِ فِيَّ. فهذهِ هي النُّقطة الجَوهريَّة، يا أحبَّائي. ويجب أنْ تَفهموا ذلك. فهذهِ هِيَ الصَّلاةُ الَّتي تَقول: "يا رَبّ، أَلا جَعَلْتَني وَسيلةً لإعلانِ قَداسَتِكَ؟" فَمِنْ هُنا تَبتدئُ الصَّلاة. فقبلَ أنْ تَبتدئَ في رَفْعِ طِلْباتِكَ، يجب عليكَ أنْ تُصَلِّي لأجْلِ ما يَنبغي أنْ تَكون. أَتَرَوْن؟

ففي كِتابِ التَّعليمِ المَسيحيِّ الَّذي كَتَبَهُ لوثر، طُرِحَ السُّؤالُ: "كيفَ يَتَقَدَّس اسْمُ اللهِ بينَنا؟" والجَوابُ هُوَ: "عندما تَكونُ عَقيدَتُنا وَحياتُنا مَسيحيَّةً بِحَقّ". فعندما تَكونُ أفكارُكَ صَحيحة بخصوصِ الله، وعندما تَفعلُ الأشياءَ الصَّحيحة الَّتي أوْصاكَ اللهُ بِها فإنَّكَ تُقَدِّسُ اسْمَهُ. والجُزءُ الأوَّلُ مِنْ هذهِ الصَّلاةِ هُو: "يا رَبُّ، عَلِّمْني الحَقَّ، وساعِدني على أنْ أعيشَهُ". فالجُملة "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" تَعني: "فِيَّ يا الله"؛ أيْ: أَظْهِرْ قَداسَتَكَ مِنْ خلالِ مَعرفتي الصَّحيحة لِشَخْصِكَ، وَمِنْ خِلالِ حَياتي الَّتي أعيشُها تَجاوُبًا مَعَ تلكَ المَعرفة. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 10: 31: "فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ". فهكذا ينبغي لنا أنْ نَحيا.

ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 5: 16 هذهِ الكلماتِ الَّتي ذَكَرْتُها قبلَ قليل: "فَلْيُضِــئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". فالجُملة "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" تَعني أنْ يَظْهَرَ اللهُ مِنْ خِلالي. اجْعَلْ نُوْرَكَ يُضيءُ مِنْ خِلالي حَتَّى يُمَجِّدوكَ. وكيفَ تَفعلونَ ذلك؟ كيفَ تُطيعونَهُ بتلكَ الطَّريقة؟ وكيفَ تَسمحونَ للهِ حَقًّا أنْ يَظْهَرَ؟ مِنْ خِلالِ حَياةِ الطَّاعَةِ لِكَلِمَتِه. فالكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خِلالِ الاعترافِ بِهِ رَبًّا. ونحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خِلالِ الاعترافِ بالخطيَّة. ونحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خِلالِ الإيمان. ونحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خِلالِ الإثْمارِ. ونحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خِلالِ التَّسبيح. ونحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خِلالِ القَناعة. ونحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خِلالِ إعلانِ حَقِّهِ. ونحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خِلالِ الكِرازة. ونحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خِلالِ الطَّهارةِ الجِنسيَّة الجسديَّة (كما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 6). ونحنُ نُمَجِّدُ اللهَ مِنْ خِلالِ الوَحْدَة. وَهَكَذا دَوَالَيْكَ طَوالَ الطَّريقِ حَتَّى نُظْهِرَ جَلالَ وَمَجْدَ اللهِ لكي يَرانا الآخرونَ ويَعرِفونَ حَقًا مَنْ هُوَ إلَهُنا، ولكي يَنْجَذِبوا إليهِ.

وقد كَتَبَ "غريغوريوس النِّيسيّ" (Gregory of Nyssa) الكلماتِ التَّالية: "إنَّ الإنسانَ الَّذي يَعيشُ حَياةً كهذهِ يَتَصَدَّى لِهَجَماتِ الشَّهَواتِ بِثَبات. فحيثُ إنَّهُ يَشترِكُ في مُتَطَلَّباتِ الحياةِ بالقدرِ الَّذي يَكفي فقط لأنْ يَعيش، فإنَّهُ لن يَسْمَحَ بأيِّ حَالٍ مِنَ الأحوالِ أنْ يَخْضَعَ لِشَهواتِ الجَسَد، بل إنَّهُ يَحْرِصُ على أنْ يَبقى بَعيدًا عنِ اللَّهْوِ والكَسَلِ، وأيضًا عَنِ الافتخارِ الباطِل. فَهُوَ يَلْمَسُ الأرضَ بِخِفَّة بِأطرافِ أَصابِعِهِ لأنَّهُ ليسَ مُتَشَبِّثًا بِمُتَعِ الحَياةِ وَمَلَذَّاتِها، بل إنَّهُ يَسْمو فوقَ أيِّ خِداعٍ يَأتيهِ مِنَ الحَواسِّ. لِذا، مَعَ أنَّهُ يَعيشُ في الجسد، فإنَّهُ يَسعى وَراءَ الحياةِ غيرِ الماديَّة، وَيَحْسَبُ اقْتِناءَ الفَضائِلِ الغِنَى الوَحيد. فَمَعرفةُ اللهِ في نَظَرِهِ شَرَفٌ. وَهُوَ لا يَشْعُرُ بالامْتيازِ والقُوَّةِ إلَّا لأنَّهُ يَضْبِطُ نَفسَهُ حَتَّى لا يَكونَ عَبْدًا للشَّهَواتِ البَشريَّة. وَهُوَ يَحْزَنُ إنْ طَالَ مُكوثُهُ في العالَمِ المَادِّيِّ. وَكَما هِيَ حَالُ أولئكَ المُصابينَ بِدَوارِ البَحْرِ، فإنَّهُ يُسارِعُ إلى الوُصولِ إلى الميناء".

ثُمَّ إنَّ "غريغوريوس النِّيسيّ" صَلَّى قائلاً: "يا لَيتَني أصيرُ مِنْ خِلالِ عَوْنِكَ بلا عَيْبٍ، وأنْ أصيرَ عَادِلاً ومُقَدَّسًا. ويا لَيتني أَمتَنِعُ عَنْ كُلِّ شَرٍّ، وأنْ أقولَ الحَقَّ وأتصرَّفَ بِعَدْلٍ. ويا لَيتني أَسلُكُ في الطُّرُقِ المُستقيمةِ وأنْ أُشِعَّ ضَبْطَ نَفْسٍ، وأَتَحَلَّى بِعَدَمِ الفَسادِ، وأكونَ جَميلاً مِنْ خلالِ الحِكمةِ والتَّعَقُّل. ويا لَيتني أتأمَّلُ في الأشياءِ الَّتي فوق، وأنْ أَتَخَلَّى عنِ الأشياءِ الأرضيَّة لأنَّ الإنسانَ لا يَستطيعُ أنْ يُمَجِّدَ اللهَ بأيَّةِ طَريقة أخرى سِوى فَضيلَتِهِ الَّتي تَشْهَدُ على أنَّ القُدرةَ الإلهيَّةَ هِيَ سَبَبُ صَلاحِهِ".

"لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". فهَلِ اسْمُهُ مُقَدَّس فيكَ؟ هذهِ هِيَ بِدايةُ تَضَرُّعاتِكَ حينَ تُصَلِّي. دَعونا نَحني رُؤوسَنا مَعًا:

إنَّني أَتذكَّرُ، يا أبانا، كَلِماتِ المُرَنِّمِ: "الرَّبّ مَعِي، وَلْنُعَلِّ اسْمَهُ مَعًا". ويا لَيْتَ هذهِ الرَّعيَّة، يا رَبّ، تُقَدِّس اسْمَكَ. ويا لَيتَهُم يَحْيَوْنَ حياةً يَرى الآخرونَ مِنْ خِلالِها أعمالَهُم الصَّالِحَة ويُمَجِّدونَ أَباهُم الَّذي في السَّماء. نُصَلِّي باسْمِ رَبِّنا يَسوعَ المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize