Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أَوَدُّ أنْ أَدعوكُم، كَما فَعَلْتُ في الأسابيع السِّتَّة السَّابقة، إلى أنْ تَفتحوا معي على إنجيل مَتَّى 6: 9-13 إذْ سَنُتابِعُ دِراسَةَ السِّلْسِلَةِ المُختصَّةِ بِصَلاةِ التَّلاميذِ الَّتي تُعْرَفُ عندَ الأغلبيَّة مِنْكُم بِالصَّلاةِ الرَّبَّانيَّة. ففي أثناءِ دراسَتِنا لإنجيل مَتَّى، وَصَلنا إلى هذا المَقطعِ المُحَدَّدِ فيما كُنَّا نَدرسُ آيةً تِلْوَ الأخرى، وفَقْرَةً تِلْوَ الأخرى. وَهُوَ، دُوْنَ شَكٍّ، مَقطعٌ مألوفٌ جدًّا يَعرِفُهُ أيُّ شخصٍ يَعرِفُ الكنيسة، أوْ نَشَأَ في الكنيسة، أو يَذهبُ إلى الكنيسة، لأنَّهُ مَقطعٌ يَتِمُّ تَرديدُهُ مَرَّات كثيرة جدًّا. وبالرَّغْمِ مِن ذلك، حينَ ابتدأتُ أدرسُ هذا المَقطعَ الَّذي أَعرِفُهُ جَيِّدًا مُنذُ طُفولتي، اكتشفتُ أُمورًا وحقائقَ وأفكارًا لم أتخيَّلْ يومًا أنْ تكونَ موجودة هُنا أوْ في أيِّ مَكانٍ آخر في الكتابِ المقدَّس بخصوصِ هذا الموضوع. وقد فَتَحَ ذلكَ آفاقًا عديدة وكثيرة أمامَ فَهْمي الشَّخْصيّ. وكم كُنتُ أَتمنَّى لو كانَ بمقدوري أنْ أُشارِكَ معكم عُشْرَ ما اكتَشفتُهُ. ولكِنَّ الوقتَ لا يَسمحُ لي أنْ أفعلَ ذلك. لِذا، سوفَ أُخَزِّنُ تلكَ المَعلوماتِ في مَكانٍ ما لاستخدامِها في المُستقبَل عندَ دراسةِ مَقطعٍ آخر في وقتٍ لاحِق. ولكنِّي اغْتَنَيْتُ كَثيرًا بهذهِ الدِّراسة.

واسمحوا لي أنْ أَقرأَ على مَسامِعِكُم مَرَّةً أخرى الأعداد 9-13 حَتَّى تَكونُ هذهِ الصَّلاةُ حَاضِرَةً في أذهانِكُم: "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِين".

لقد صَرَفْنا سِتَّةَ أسابيع في تَعَلُّمِ كيفَ نُصَلِّي. وهذه الصَّلاة مُدَوَّنة في إنجيل لوقا كَرَدٍّ على سُؤالٍ طَرَحَهُ التَّلاميذُ وَهُوَ: "يا رَبُّ، عَلِّمْنا أنْ نُصَلِّي". وأنا أعتقدُ أنَّ هذهِ الصَّلاةِ هِيَ مِعْيارٌ للصَّلاة. وأنا أعتقد أنَّها نَموذجٌ، وأنَّها الإِطارُ الَّذي يُعطينا فِكرةً كيفَ ينبغي أنْ نُصَلِّي. فعندما قالَ اللهُ لِمُوسَى أنْ يَبْني خَيْمَةَ اجْتِماعٍ، أعْطاهُ اللهُ (في سِفْرِ الخُروج والأصحاح 35) نَموذَجًا. وأنا أُوْمِنُ أنَّهُ عندما قالَ لنا يَسوعُ أنْ نُصَلِّي هُنا، فإنَّهُ يُعطينا نَموذَجًا. فأنتَ لا تَبْني بيتًا مِنْ دونِ تَخْطيط. وأنتَ لا تَضَعُ تَصميمًا مِنْ دُونِ مُخَطَّط. وأنا أعتقدُ أنَّ هذهِ الصَّلاةَ هِيَ مُخَطَّطٌ للصَّلاة. فهي النَّموذَجُ، وهي الهَيْكَلُ العَظْمِيُّ، وَهِيَ الإطارُ العَامُّ.

فَلا أعتقدُ حَقًّا أنَّنا مُلْزَمونَ بِتَرديدِ نَفسِ هذهِ الكلماتِ تَحديدًا. ولا أعتقدُ أنَّ الفِكرةَ هي مُجَرَّدُ تَرديدِ الكلماتِ مَعَ أنَّ الكلماتِ صَحيحة ورائعة وبَديعة. ولكنِّي أعتقدُ أنَّ الفِكرة هي أنَّ هذهِ الصَّلاةَ هي الإطارُ الَّذي نَبني حَياةَ الصَّلاةِ لَدينا عليه. ويجب عليكم أنْ تَتذكَّروا أنَّ النُّقطةَ الرَّئيسيَّةَ الَّتي نَراها في هذهِ الصَّلاةِ هي أنَّها تُرَكِّزُ على اللهِ، لا عَلينا نَحْن.

فَيَسوعُ يَتَصَدَّى (في إنجيل مَتَّى والأصحاحات 5 و 6 و 7) لِلنِّظامِ الدِّينيِّ الخاطِئِ لدى الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبة. فقد كانتِ الصَّلاةُ واحِدَةً مِنْ أُمورٍ أخرى خاطئة يُمارِسونَها. لِذا فإنَّهُ يَبتدئُ في الأصحاح 6 والعدد 5 في مُهاجَمَةِ صَلاتِهم. وَهُوَ يُهاجِمُها بصورة رئيسيَّة مِنْ مُنْطَلَقِ أنَّها أنانِيَّة. فقد كانوا يُصَلُّونَ أمامَ النَّاسِ حَتَّى يَرى النَّاسُ تَقواهُم. فَهُمْ لم يَكونوا يُمارِسونَ الصَّلاةَ في مَخادِعِهم، بل إنَّهُم أرادوا وَحَسْب أنْ يُمارِسُوا الصَّلواتِ العَامَّة لكي يَظْهَروا أمامَ النَّاسِ. وَقد كانت صَلواتُهم تَتَرَكَّزُ بصورة رئيسيَّة على مَشيئَتِهِم ورَغَباتِهم الشَّخصيَّة الأنانيَّة. وقد وَقَعوا في فَخِّ التَّكرارِ الباطِلِ للصَّلواتِ لكي يُضْجِروا اللهَ. وقد كانَ هذا هُوَ ما يَفعلُهُ الوَثنِيُّونَ الَّذي كانوا يُحاولونَ إرضاءَ أوْ إرْغامَ آلِهَتِهم على سَماعِ صَلواتِهم بسببِ تَكرارِهِم المُستمرِّ لها. وقد كانت صَلواتُهم تَتَّسِمُ بالكِبرياءِ إذْ إنَّ لِسانَ حَالِهِمْ في الصَّلاةِ هُوَ الآتي: "يا رَبّ، مِنَ الأفضل أنْ تُصغي لأنَّ لديَّ مَعلومات مُهِمَّة يُمْكِنُكَ أنْ تَستفيدَ مِنْها". وكأنَّ اللهَ ليسَ عَالِمًا أَصْلاً بِكُلِّ شيء.

لِذا فقد كانت صَلواتُهُم تَتَرَكَّزُ على الذَّاتِ. وكما يَقولُ يَعقوب، فقد كانوا يَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ يُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِهِم. لِذا فإنَّ يَسوعَ يَقْلِبُ الأمرَ رأسًا على عَقِب ويَقول: "حينَ تُصَلُّونَ، يجبُ أنْ تُرَكِّزوا في صَلواتِكُم على الله". وقد تَعَلَّمْنا أنَّ الطَّريقةَ الصَّحيحةَ للصَّلاةِ تَقْتَضي أنْ نَبتدئَ بالتَّركيزِ على الله. فالمُقدِّمة: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" تَضَعُ اللهَ في مَكانِهِ الصَّحيح. فهي تُؤكِّدُ أنَّ اللهَ ليسَ إلهًا وَحَسْب، بل أنَّهُ إلَهٌ مُحِبٌّ. فهذا الإلَهُ هُوَ أبٌ، بل هُوَ أَبٌ مُحِبٌّ لَديهِ أشواقٌ رائعة تُجاهَ أولادِه. وَهُوَ قادِرٌ على سَدِّ حاجاتِهم لأنَّهُ أبٌ سَماويٌّ؛ وهذا يَعني أنَّ المَوارِدَ الأبديَّة هي في مُتناوَلِ يَدِهِ حَتَّى يُعْطيها لأولادِهِ.

ثُمَّ إنَّنا نأتي بعدَ ذلك إلى إلَهٍ قُدُّوس، وإلى إلَهٍ قَدير، وإلى إلَهٍ بَارٍّ، وإلى إلَهٍ صَاحِب سِيادَةٍ مُطْلَقَة، وإلى الإلَهِ العَظيمِ لِهَذا الكون. وَمَعَ ذلكَ، فإنَّهُ أبٌ مُحِبٌّ. لِذا فإنَّنا لا نأتي إليهِ بِخَوفٍ، بل بِفَرح. ونحنُ لا نأتي ونحنُ نَتساءَلُ إنْ كانَ يَقْدِرُ أنْ يَسُدَّ حاجاتِنا، بل نأتي عَالِمينَ ذلكَ لأنَّهُ في السَّماءِ وَلأنَّ كُلَّ المواردِ الأبديَّةِ هي تحتَ تَصَرُّفِه. وعندما نَدْخُلُ إلى حَضْرَتِهِ، نَبتدئُ في التَّركيزِ عليه. فالطِّلْباتُ الثَّلاثُ الأولى هي: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ". وهي تُرْغِمُنا على أنْ نَرى أنَّهُ قبلَ أنْ نُصَلِّي قائلينَ: "أعْطِنا ... واغْفِر لنا ... ولا تُدْخِلْنا في تَجربة"، يجب علينا أنْ نُرَكِّزَ على الله. فالصَّلاةُ تَبتدئُ بِهِ، وباسْمِهِ القُدُّوسِ، وَبِمَلكوتِهِ وَبِمَشيئَتِه.

وَحَتَّى إنَّنا قد رأينا في أثناءِ تَتَبُّعِ عَناصِرِ الصَّلاةِ أنَّها تُرَكِّزُ على الله. وَحَتَّى إنَّ العَناصِرِ المُختصَّة بنا: "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا، وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَة" تَعْتَمِدُ حَقًّا على الله. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ الَّذي يُعطي. وَهُوَ الَّذي يَغْفِر. وَهُوَ وَحْدُهُ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَقودَنا إلى القراراتِ الصَّحيحة. فالصَّلاةُ كُلُّها تُرَكِّزُ عليه.

فقد رأينا، على سَبيلِ المِثالِ، أنَّ "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" تُعَبِّرُ عن أُبُوَّةِ اللهِ، وأنَّ "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" تُعَبِّرُ عن أولويَّةِ اللهِ، وأنَّ "لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ" تُعَبِّرُ عَنْ بَرْنامَجِ اللهِ، وأنَّ "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" تُعَبِّرُ عن خُطَّةِ اللهِ، وأنَّ "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ" تُعَبِّرُ عَنْ سَدِّ اللهِ لاحتياجاتِنا، وأنَّ الجُملة "وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا" تُعَبِّرُ عَنْ غُفرانِ اللهِ، وأنَّ الجُملة "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّير" تُعَبِّرُ حِمايةِ اللهِ. ثُمَّ نَرى أخيرًا سُمُوَّ اللهِ: "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمين". إذًا، الصَّلاةُ هي بِصورة رئيسيَّة: عِبادَة فَاعِلَة. فهي اشتراكٌ في عمليَّةِ التَّقديس. فالصَّلاةُ لا تَهْدِفُ إلى تَغييرِ اللهِ، بل إنَّ الصَّلاةَ تَهْدِفُ إلى تَغييرِنا نحنُ. وهذهُ نُقطة مُهِمَّة جدًّا، بل مُهِمَّة جدًّا جدًّا.

وفيما يَختصُّ بدراسَتِنا في هذا الصَّباح، نأتي مَرَّة أخرى إلى الطِّلْبَة "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْض". وهذهِ هي الحالة الرَّابعة للطِّلبة الثَّالثة. فالطِّلبةُ الأولى هي: "لِيَتَقَدَّس اسْمُكَ". والطِّلبةُ الثَّانية هي: "لِيأتِ مَلكوتُكَ". والثَّالثة هي: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْض". وهذه طِلبة أساسيَّة، يا أحبَّائي، لأنَّ أَهَمَّ شيءٍ في صَلواتِنا هو أنْ تَتَحَقَّقَ مَشيئةُ اللهِ. فنحنُ لا نَرْغَبُ البَتَّة في التَّعَدِّي على مَشيئَتِه. ونحنُ لا نَرغبُ البَتَّة في تَغييرِ مَشيئَتِه، ولا في إرْغامِهِ على تَغييرِ مَشيئَتِهِ بِما يَتَّفِقُ مَعَ أفكارِنا.

وقد قالت "إيمي كارمايكل" (Amy Carmichael): "وهل أُصَلِّي لكي أُغَيِّرَ مَشيئَتَكَ، يا أبي إلى أنْ تَصيرَ مُوافِقَةً لِمَشيئَتي؟ لا، يا رَبُّ، حَاشَا! فهذا لن يَحْدُثَ أبدًا، بل إنَّني أُصَلِّي أنْ تُخْضِعَ مَشيئَتي لِمَشيئَتِك". وهي مُحِقَّة. فالصَّلاةُ لا تَعني أنْ أُخْضِعَ مَشيئةَ للهِ لِمَشيئَتي، بل أنْ أُخْضِعَ مَشيئَتي لِمَشيئةِ اللهِ. لِذا: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ".

ومَشيئَتُهُ مُتَحَقِّقة أَصْلاً في السَّماء. أليسَ كذلك؟ فالملائكةُ تَفْعَلُ مَشيئَتَهُ. والحقيقةُ هي أنَّني فَكَّرْتُ في هذا الأسبوعِ بِفِكرة مُدهشة: "أنْ أَنظُرَ إلى كِتابي المُقَدَّس وأرى كيفَ تَفعلُ المَلائكةُ مَشيئةَ اللهِ" لأنَّنا إنْ أردنا أن نَعرِفَ كيفَ سَتَتِمُّ مَشيئةُ اللهِ على الأرضِ، ينبغي أنْ نَعرفَ كيفَ تَتِمُّ في السَّماء. ولا أريدُ أنْ أَقرأَ لكم كُلَّ الآياتِ الَّتي وَجَدْتُها لأنَّ هذا يَتَطَلَّبُ سِلسلةً دِراسيَّةً مُستقلَّةً بِذاتِها، ولكنِّي وَجَدْتُ نَحْوَ ثَماني كلماتٍ تُعَبِّرُ عن كيفيَّةِ قِيامِ الملائكةِ بمشيئةِ اللهِ:

أوَّلاً، بِصورة ثابتة أوْ غير مُتَزَعْزِعَة. فلا يُوْجَد جِدالٌ في أيِّ شيء. وهذا لا يَحدُثُ هكذا على الأرضِ بالضَّرورة. فالرَّبُّ يَلْكِزُنا وَيَخِزُنا إلى أنْ نَتَحَرَّكَ عاجِلاً أَمْ آجِلاً. أمَّا في السَّماءِ فإنَّ الملائكةَ مُكَرَّسة بصورة لا تَتَزَعْزَع أنْ تَعْمَلَ مَشيئَتَهُ. وهُناكَ كلمة أخرى تَصِفُ قِيامَ الملائكةِ بِمشيئةِ اللهِ وَهِيَ: "تَمامًا". تَمامًا. فلا توجد بَدائلُ أخرى. ولا تُوجَد ثَغْرات. ولا تُوْجَد سَهْوات.

وهُناكَ كلمة أخرى وَجَدْتُها وَهِيَ: "بإخلاص". فَهُمْ مُتَحَمِّسون. فيبدو أنَّهم يَقِفونَ على أُهْبَةِ الاستعدادِ للأمرِ التَّالي كَيْ يُسَارِعوا إلى تَنفيذِهِ أيًّا كان. وأعتقد أنَّ هذا يُذَكِّرُني بكلمة أخرى وهي: "طَوْعًا". فهل تَعلمونَ كَمْ مَشيئة توجد في السَّماء؟ واحدة. "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ على الأرضِ كما [أيْن؟] في السَّماء". فهُناكَ مَشيئة واحدة فقط. فقد كانت هُناكَ مَشيئة ثانية ذاتَ مَرَّة. ولكِنَّها طُرِدَتْ خارِجًا. فهناكَ مَشيئة واحدة فقط. لِذا فإنَّ الملائكةَ تَفعلُها طَوْعًا لأنَّها المشيئة الوحيدة الموجودة.

وأعتقد أنَّ هُناكَ كلمة أخرى تَصِفُ الطَّريقةَ الَّتي تَعْمَلُ بها الملائكة وهي: "بِحَرارة". فَهُمْ نَشِطونَ جِدًّا في عَمَلِ مَشيئةِ اللهِ. ثُمَّ هُناكَ الكلمة "حَالاً"، والكلمة "بِسُرعة"، والكلمة "دائمًا". وأعتقدُ أنَّ هذا كُلَّهُ يُمكِنُ أنْ يَتَلَخَّصَ في المَزمور 103: 20 إذْ نَقرأ: "يَا مَلاَئِكَتَهُ الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ". فالجُملةُ "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ" تَعني أنَّ مَشيئَتَهُ يَنبغي أنْ تَتَحَقَّقَ على الأرضِ مِنْ دونِ زَعْزَعة، بل بِصورة كاملة، وبإخلاص، وطَوْعًا، وبحرارة، وحالاً، وبسُرعة، ودائمًا. فَهَكذا تَفعلُ الملائكةُ مَشيئَتَهُ في السَّماء.

وقد تَقول: "هذا حَسَنٌ وَجَيِّدٌ. وأنا مُكَرَّسٌ لِلقيامِ بذلك". ولكِنْ ما مَعنى ذلك؟ ما مَعنى ذلكَ في الحقيقة؟ إنَّ المَقصودَ، كما رأينا في المَرَّة السَّابقة، والخُلاصَةَ هي أنْ تَشْعُرَ في قَلبِكَ أنَّ الأمورَ الَّتي تَعْني اللهَ تَعنيكَ أنتَ أيضًا. واسمحوا لي أنْ أقولَ لكم جُملة قصيرة يُمْكِنُكُم أنْ تَحْفَظوها في أذهانِكم. فَهِيَ، في رَأيي، جُملة أساسيَّة: "المَوْتُ عَنِ الذَّاتِ هُوَ بِدايةُ حَياةِ الصَّلاةِ الحقيقيَّة". "المَوْتُ عَنِ الذَّاتِ هُوَ بِدايةُ حَياةِ الصَّلاةِ الحقيقيَّة". فعندما تَموتُ الذَّاتُ، حينئذٍ فقط تَبتدئُ الصَّلاةُ الحَقيقيَّة لأنَّهُ عندما تَكونُ الذَّاتُ حَيَّة فإنَّها سَتَسودُ؛ وهذهِ ليسَت صَلاةً.

فالصَّلاةُ الحَقيقيَّةُ يُهَيْمِنُ عليها اسْمُهُ، وَمَلكوتُهُ، ومَشيئَتُهُ؛ لا مَشيئَتُنا نحنُ. لِذا فقد قالَ داوُد: "أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ". وَلِذا قالَ يَسوعُ: "طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي". اسْمُهُ، وَمَلكوتُهُ، وَأنْ تَكونَ مَشيئَتُهُ على الأرضِ كَما هِيَ في السَّماء. فنحنُ نُصَلِّي أنْ يَتَقَدَّسَ اسْمُهُ في السَّماء، وأنْ يأتي مَلكوتُهُ في السَّماء. فَهُوَ يَحْكُمُ وَيَسودُ؛ ولكِنْ ليسَ على الأرض. ومَشيئَتُهُ تَتِمُّ في السَّماءِ. لِذا، يَنبغي أنْ تَتِمَّ هُنا أيضًا.

في الأسبوعِ الماضي، تَحَدَّثنا عنِ الجانِبِ السَّلبِيِّ. فعندما تَقولُ في صَلاتِكَ "لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ"، هُناكَ دَلالَة سَلبِيَّة. وقد أَشَرْتُ إلى ثلاثة أشياء لا تَعْنيها هذهِ الصَّلاة: أوَّلاً، إنَّها لا تَعني الامْتِعاضَ المُرَّ. فهي لا تَعني أنْ تقولَ: "أَجَلْ، لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ لأنَّني لا أستطيعُ أنْ أفعلَ أيَّ شيء. فأنتَ كَبيرٌ جِدًّا. أنا أَستَسلِم". فَكأنَّ اللهَ هُوَ مُفْسِدُ البَهْجَة في الكَوْن، وأنَّهُ يَقولُ وَحَسْب: "هُناكَ شَخْصٌ يَستمتِعُ بِوَقْتِهِ. اقْبُضوا عَلَيْه". وأنتَ تَنظُرُ إليهِ كما لو أنَّهُ يُريدُ أنْ يُفْسِدَ بَهْجَةَ الجَميع. فَأنتَ تَنظُرُ إليهِ بِامْتِعاضٍ مُرٍّ كَما لو أنَّ هُناكَ قَدَرًا مَحْتومًا لا مَفَرَّ مِنْهُ بأيِّ حَالٍ مِنَ الأحوال.

ثانيًا، أنْ تَقولَ "لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ" لا يَعني الاستسلامَ السَّلبيَّ؛ أيْ إنَّهُ لا يَعني أنْ تُصَلِّي بِعَدَمِ مُبالاةٍ قَائِلاً: "أيًّا كَانَ فَلْيَكُن". فقد كانت هُناكَ أُغنية اسْمُها: "كي سيرا سيرا، أيًّا كانَ فَلْيَكُنْ" (Que Sera Sera, Whatever will be will be) . فهذا هُوَ القَدر. ولا يُمْكنُني أنْ أُقاوِمَهُ. وَهذا استسلامٌ سَلبيٌّ. وأنا أعتقد أنَّ الامتعاضَ المُرَّ سَبَبُهُ عَدَم المَعرفة. وأنا أعتقدُ أنَّ الاستسلامَ السَّلبيَّ قائمٌ على عَدَمِ الإيمان. فأنتَ لا تُؤمِنُ حَقًّا أنَّ اللهَ يَستطيعُ أنْ يُغَيِّرَ الأشياءَ أوْ أنَّهُ سَيَفعلُ ما طَلَبْتَ مِنْهُ إنْ كانَ سَيَفْعَلُ ذلكَ حَسَبَ مَشيئَتِه.

ثالثًا، هُناكَ أمرٌ سَلبيٌّ آخر يَتَسَلَّلُ أحيانًا إلى صَلاتِنا وَهُوَ يُسَمَّى "التَّحَفُّظُ اللَّاهُوتِيُّ". فهُناكَ أُناسٌ يَقولونَ وَحَسْب: "لِتَكُنْ مَشيئَتُك"، ثُمَّ يَضَعونَ صَلاتَهُمْ في مَلَفٍّ وَيَنْسَوْنَ الأمر. اسمعوني: إذا كانَ لاهُوتُكَ قد جَعَلَكَ تَتَخَلَّى عن مُواظَبَتِكَ على الصَّلاةِ فإنَّ لاهوتَكَ سَيِّئ. فقد قالَ لي شخصٌ ما ذاتَ مَرَّة: "أنا أُوْمِنُ حَقًّا أنَّ حَتَّى خَطاياكَ هِيَ مَشيئةُ اللهِ أيضًا. فاللهُ مُشْتَرِكٌ حَقًّا في جَعْلِكَ تُخطئ. فَهُوَ كُلِّيُّ السِّيادة". فقد كانَ يُؤمِنُ بِقُوَّة شديدة بسيادةِ اللهِ حَتَّى إنَّهُ جَعَلَ اللهَ مَسؤولاً عن كُلِّ شيءٍ مَسؤوليَّةً مُباشِرة.

لقد أَدَّى التَّحَفُّظُ اللَّاهوتِيُّ إلى قَتْلِ صَلواتٍ كثيرة. وإنْ كُنْتَ قد وَصَلْتَ في لاهوتِكَ ونَظْرَتِكَ إلى اللهِ إلى نُقْطَةٍ صِرْتَ تَنْظُرُ فيها إلى الصَّلاةِ بِغَيْرِ مُبالاةٍ، فإنَّ لاهوتَكَ غيرُ كِتابِيّ. فلا شَكَّ أنَّ اللهَ مُطْلَقُ السِّيادة، وأنَّ مَكانَةَ حَياةِ الصَّلاةِ لَديكَ في هذا الإطارِ هُوَ لُغْزٌ صَعْبٌ جِدًّا لا أَستطيعُ أنْ أُفَسِّرَهَ؛ ولكِنَّ النُّقطةَ الجَوهريَّةَ هِيَ الطَّاعة. فيجب أنْ تكونَ الطَّاعةُ جُزءًا مِنْ لاهوتِكَ أيضًا. ويجب علينا أنْ نُواظِبَ على الصَّلاةِ مُتَمَثِّلينَ بِرَبِّنا الحَبيبِ الَّذي صَلَّى ثَلاثَ مَرَّاتٍ في البُستانِ إلى الله. وكما أنَّهُ أَعْطانا قُدوةً في الصَّلاةِ بِلَجاجة، يجب علينا أنْ نُصَلِّي بتلكَ الطَّريقة.

لِذا، لا يَجوزُ أنْ نَقولَ بِسَلبيَّة شديدة: "لِتَكُن مَشيئَتُكَ" بِامتعاضٍ مُرّ. ولا يَجوزُ أنْ نَقولَ ذلكَ بِاستِسلامٍ سَلبيِّ، ولا أنْ نَقولَ ذلكَ بأيِّ تَحَفُّظٍ لاهُوتِيٍّ يَضَعُ كُلَّ شيءٍ في تلكَ الخَانَة. والحقيقة هي أنَّني أعتقد أنَّنا خَتَمْنا حَديثَنا في المَرَّة السَّابقة بالقولِ إنَّنا حينَ نَقولُ "لِتَكُن مَشيئَتُكَ" فإنَّ تلكَ الصَّلاةَ تَحوي في طَيَّاتِها نَوْعًا مِنَ التَّمَرُّد. أليسَ كذلك؟ فحينَ نَقولُ "لِتَكُن مَشيئَتُكَ" فإنَّنا لا نَفْعَلُ ذلكَ بِاستسلامٍ، بل كما قالَ يَسوعُ في إنجيل لوقا 18: 1: "يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ". فَلا يَجوزُ أنْ نَمَلَّ مِنْ ذلك، بل ينبغي أنْ نُقاوِمَ أُمورًا مُعَيَّنَةً، ويجبُ علينا أنْ نَتَمَرَّدَ على العالَمِ وَحالَتِهِ السَّاقِطَة.

فنحنُ نَقول: "إنَّ مَشيئَتَكَ ليست مُتَحَقِّقة في هذا العالَم. فالشَّيطانُ يَمْلِكُ قُوَّة هائلة هُنا. وَمَشيئَتُكَ ليست مُتَحَقِّقة في قُلوبِ البَشَر. فَهُمْ يُديرونَ ظُهورَهُم لَكَ. وَمَشيئَتُكَ ليست مُتَحَقِّقة في حَياتي وَحَياةِ المُؤمِنينَ الآخرين الَّذينَ يَعيشونَ حَياةَ عِصْيانٍ. وَنَحْنُ نَتَمَرَّدُ على العالَمِ وَحالَتِهِ السَّاقِطَة. وَنَحْنُ نَتَمَرَّدُ على رَفْضِ المَسيح. وَنَحْنُ نَتَمَرَّدُ على عِصْيانِ المُؤمِنين".

وقد قالَ "ديفيد ويلز" (David Wells)، وَهُوَ مُحِقٌّ في ما قَال: "أنْ نَقْبَلَ الحَياةَ كَما هِيَ، وأنْ نَقْبَلَها بِشُروطِها يَعني الإقرارَ بِحَتميَّةِ الطَّريقَةِ الَّتي تَعْمَلُ بها، ويَعني التَّخَلِّي عنِ النَّظرةِ المَسيحيَّةِ إلى الله". فاللهُ لا يَقبلُها كَما هِيَ؛ وَإلَّا لَما كَانَ عَاكِفًا على تَغييرِها. وَلَما كانَ قد قالَ إنَّهُ جَاءَ إلى العالَمِ لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ لو أنَّهُ كانَ يُريدُ أنْ يَتَهاوَنَ بِشَأنِ الموت. وَلَما كانَ سَيَصْنَعُ مُلْكًا أَلفيًّا لا يوجدُ فيهِ مَرَض لو أنَّهُ كانَ يُريدُ أنْ يَتَهاوَنَ بِشَأنِ المَرَض. ولما كانَ سَيَمْسَحُ كُلَّ دَمْعَةٍ إلى الأبَد لو أنَّهُ كانَ يُريدُ أنْ يَتهاوَنَ مَعَ الحُزْن.

لا! فنحنُ لن نَقبلَ الأشياءَ كما هِيَ. فعندما نَقولُ: "لِتَكُن مَشيَتُك" فإنَّنا نَتَمَرَّدُ على العالَمِ وَكُلِّ سُقوطِهِ، وعلى الحُزْنِ والخطيَّة والمَرَض وكُلِّ الأشياءِ النَّاجِمَة عَنِ الخطيَّة. وقد قُلتُ لكم في الأسبوعِ الماضي إنَّ هذهِ ليست مَشيئةَ اللهِ، بل إنَّهُ سَمَحَ بِحدوثِها حَتَّى تَأخُذَ الخَطِيَّةُ مَجْراها في حياةِ أولئكَ الَّذينَ يَرغبونَ في رُؤيتِها تَتحقَّق. ولكِنَّ هذا لا يُعَبِّرُ عن مَشيئَتِهِ المُحِبَّة للإنسان. فالصَّلاةُ "لِتَكُن مَشيَتُك" لا تَقْبَلُ بالحالَةِ الرَّاهِنَة.

وأعتقدُ أنَّ أَوْضَحَ مَثَلٍ على ذلكَ هُوَ يَسوع. فيسوعُ لم يأتِ إلى العالَم ويَصْمُتْ حينَ ذَهَبَ إلى الهَيْكَلِ في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الثَّاني. فقد قالَ زَكَرِيَّا إنَّهُ سيأتي بَغْتَةً إلى هَيْكَلِهِ. وحينَ أَتَى إلى الهيكلِ في بِدايةِ خِدمَتِهِ لَمْ يَدْخُلْ ويَقُلْ: "انظروا ما يَجري! إنَّها مَشيئةُ اللهِ. إنَّها مَشيئةُ الله" ثُمَّ تَرَكَ الهَيكلَ وَمَضَى. بل إنَّهُ ثَارَ. فقد ثَارَ كُلُّ شيءٍ فيه. فقدِ اسْتاءَ جِدًّا. وقد غَضِبَ. وقد سَخَطَ سَخْطًا مُبَرَّرًا. وقد صَنَعَ سَوْطًا. وقدِ ابتدأَ يَقْلِبُ المَوائِدَ. وقدِ ابتدأَ يَطْرُدُ النَّاسَ. وقدِ ابتدأَ يَجْلِدُ النَّاسَ. وَهُوَ لم يَفعل ذلكَ مَرَّةً واحدةً في حَياتِهِ، بل فَعَلَ ذلكَ مَرَّتين. وقد خَرَجوا مِنْ هُناكَ مُسْرِعين. فقد كانوا في الدَّاخِلِ بِهَدَفِ جَنْيِ المَالِ. وإنْ كانوا قد تَرَكوا المَكانَ بِلا مَالٍ، يُمْكِنُكُم أنْ تَتَخَيَّلوا الغَضَبَ الَّذي سَكَبَهُ يَسوعُ عليهم!

لِماذا؟ لأنَّهُ لم يَكُنْ يَقْبَلُ الأمورَ عَلى عَواهِنِها، ولأنَّهُ لم يَكُنْ يَحْتَمِلُ الأمورَ كَما هِيَ. فهو لم يَكُن يَحتمِلُ الأمورَ بِما فيها مِنْ حُزْنٍ وَخَطِيَّة وَمَرَض أيضًا. لِهذا فقد ماتَ. ولهذا فقد شَفى النَّاسَ. ولهذا فقد أَقَامَ الأمواتَ لكي يُوْقِفَ الدُّموعَ وَيُمَجِّد نَفْسَهُ. فهو لم يَقْبَلِ العالَمَ كما هُوَ. ولا يَجوزُ لَكَ أنتَ أيضًا أنْ تَفعلَ ذلكَ، ولا أنا. فَصَلاتُنا يَنبغي أنْ تَكونَ: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ".

فَيَسوعُ لم يَكُنْ قَدَرِيًّا مَعَ أنَّهُ كانَ يَعرِفُ النِّهايةَ مُنذُ البِداية. وهذا يُدهِشُني. إنَّهُ يُدهِشُني. وهذا جُزْءٌ مِنَ التَّناقُضِ الظَّاهريِّ الَّذي أُدْرِكُهُ في ذِهْني إذْ إنَّ يَسوعَ كانَ يَعرِفُ النِّهايةَ مُنذُ البِداية؛ وبالرُّغمِ مِنْ ذلكَ فإنَّهُ لم يَقبَل يومًا الحالَةَ الرَّاهِنَة. فعندما كانتِ الخَطيَّةُ تَظْهَر، كانَ يُحارِبُها، ولم يَستَسلِم لها يومًا؛ بل إنَّهُ طَلَبَ مَشيئةَ اللهِ.

وأنا أُوْمِنُ أنَّهُ عندما ذَهَبَ للتحدُّثِ إلى الآبِ لَيلةً تِلْوَ الأخرى في البُستان، فإنَّهُ كانَ يُؤمِنُ حَقًّا أنَّ ذلكَ سَيأتي بِنَتيجة. فقد كانَ يُؤمِنُ حقًّا أنَّ هُناكَ فائدة مَا. وأنا أعتقدُ أنَّنا مُرتاحونَ جدًّا في مُجتمَعِنا لأنَّ الحالةَ الرَّاهنة مُريحة جدًّا بالنِّسبة إلينا. أليسَ كذلك؟ والأمورُ تَقِلُّ رَاحَةً في أمريكا، ورُبَّما تَقِلُّ راحَةً أكثرَ فأكثر. ولكِنْ لوقتٍ طَويل، عِشْنا مُرتاحينَ جدًّا، وأعتقد أنَّهُ في حالاتٍ عديدة كانَ لذلكَ تأثيرٌ سَلبيٌّ كبيرٌ جدًّا على حَياةِ الصَّلاةِ في الكنيسة.

جاءَ خَمسةٌ وعِشرونَ مِنْ رُعاةِ الكَنائسِ في كُورِيَّا وَوَقَفوا أمامَ مَكتبي ذاتَ يومٍ. وقد كنتُ عائِدًا مِنْ تَعليمِ دَرْسٍ عَنِ الوَعْظِ في كُليَّةِ اللَّاهوت. وقد وَصَلْتُ إلى مَكتبي وَوَجَدْتُ نَحْوَ خَمسةٍ وعِشرينَ راعٍ مِنْ كوريَّا يَجلسونَ هُناك. وقد مَشَى أَحَدُهُم إليَّ (واسْمُهُ السيِّد "كُو" [Koe]) وقال: "نُريدُ أنْ نَتَحَدَّثَ إليك". وقد تَفاجأتُ لذلك. فقد أرادوا مِنِّي أنْ أذهبَ إلى كُوريَّا لِعَقْدِ مُؤتَمَرٍ للرُّعاةِ هُناك. ولكِنَّهُم قالوا: "نَوَدُّ أنْ نَطرَحَ عليكَ بِضْعَة أسئلة". فقلتُ: "حسنًا، تَفَضَّلوا".

فوَقَفَ السيِّد "كُو" بجانبي وقالَ لي: "كيفَ تَجْعَلُ الكَنيسةَ كبيرة؟" قلتُ: "أنا لا أجعلُ الكنيسةَ كبيرة". وقد شَرَحْتُ لهم أنَّنا نُؤمِنُ فقط بِتَعليمِ كلمةِ اللهِ، لا بالتَّرويجِ للأشياء، وأنَّنا نَسْمَحُ للهِ أنْ يُنَمِّي كَنيسَتَهُ. وقد قُلتُ لَهُ إنَّ صَحَافِيًّا قالَ لي ذاتَ مَرَّة: "أليست لَديكَ رَغبة قويَّة في أنْ تَبني الكنيسة؟" فقلتُ: "لا، ليست لَديَّ رَغبة بذلك لأنَّ المسيحَ قالَ إنَّهُ سَيَبني الكنيسةَ، وأنا أُفَضِّلُ ألَّا أُنافِسَهُ". لِذا فإنَّنا جُزْءٌ مِمَّا يَفْعَلُه. أَتَرَوْن؟ فقالوا جميعًا: "أجل، أجل. آمين! آمين!" فقد أَحَبُّوا ذلك.

ثُمَّ إنَّهُم قالوا لي: "كَمْ سَاعَة تَدْرُس؟" فقلتُ: "أنا أَدرُسُ في اليومِ الواحِد أوْ أَصْرِفُ نحوَ أربعِ أوْ خَمْسِ أوْ سِتِّ ساعات في دراسةِ كلمةِ الله". ثُمَّ إنَّ واحِدًا مِنْهُم سَألَني: "وهل رَعِيَّتُكَ تَدرُس؟" قلتُ: "أَرجو أنْ يكونوا يَدرُسون". ثُمَّ قالَ واحِدٌ منهم لي: "وكم سَاعَة تُصَلُّونَ كُلَّ يَوم؟ هَلْ تَفْهَمُني؟ كَمْ سَاعة تُصَلِّي رَعِيَّتُكَ؟" فقلتُ: "نَحْنُ نُعاني مَرَضًا في أمريكا. وَهُوَ يُدْعى: ’الرَّاحَة‘".

كَما تَعلمونَ، لقد اخْتَبَرَ النَّاسُ في كُورِيَّا ظُروفًا قاسيةً جدًّا بسببِ الشُّيوعيَّة، وبسببِ الكارِثَةِ المُرَوِّعَةِ الَّتي نَجَمَتْ عَنْ هُجومِ أُمَمٍ أُخرى عليهم، وَقَتْلِهِمْ، وَذَبْحِ المَسيحيِّين. وقد أخبرتُكُم قِصَّةَ رَجُلٍ قالَ لي إنَّ اليابانِيِّينَ هَاجَموهم وَقَطعوا إبْهامَيْ أبيهِ الَّذي كانَ قائِدًا في الكنيسة. ولكِنْ يجب أنْ تَعلموا أنَّهم وَجَدوا أنفُسَهُم في ظُروفٍ أَرْغَمَتْهُمْ على الصَّلاة. وأنا أَشعُرُ أنَّنا ابتَعَدنا كثيرًا عن ذلكَ في ثَقافَتِنا حَتَّى إنَّني أُصَلِّي أحيانًا أنْ تَأتي علينا ظُروفٌ تُرْغِمُنا على الصَّلاةِ لا لأنِّي أشعُرُ أنَّ اللهَ يَحْتاجُ إلى صَلواتِنا، بل لأنِّي أشعُرُ أنَّهُ ينبغي لنا أنْ نَتَّكِلَ أكثرَ عليه.

وقد كُنتُ أُفَكِّرُ في ذلكَ وَذَكَرْتُ ذلكَ لكم في الأسبوعِ الماضي. ولكِنِّي كنتُ أُفَكِّرُ: "لماذا نُصَلِّي قليلاً جدًّا لأجلِ الكنيسة؟" فكنيسةُ "النعمة" (Grace Church) تُعاني مَشاكِل. فقد مَرَرْنا بالكَثيرِ مِنَ المَشاكِلِ مُؤخَّرًا أيضًا، والكَثيرِ مِنَ الآلام. فنحنُ لَدينا مَشاكِل. ويبدو لي أنَّنا لا نُصَلِّي حَقًّا كما يَنبغي لأجلِ الكنيسة. وقد يَقولُ قَائِلٌ: "ما نَحْنُ بِحاجة إليه..." وقد سَمِعْتُ أناسًا يَقولونَ ذلك: "ما نَحْنُ بحاجة إليه هو نَدْوَة عَنِ الصَّلاة". فقلتُ: "إنَّه ليسَ أُسلوبًا سَيِّئًا!"

فالأمرُ لا يَتوقَّف على الأسلوب. فقد نقول: "يجب علينا أن نُعَلِّمَهم ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس". ولا حَتَّى ذلكَ، في رأيي. بل إنَّني أَرى أنَّنا نَعرِفُ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. "إنَّ إرادةَ النَّاسِ ضَعيفة". لا، لأنَّهم يَتَحَمَّسونَ جِدًّا لأُمورٍ مُعَيَّنة. "إنَّهُ عَدَمُ الاهتمام". لا أعتقد أنَّ هذا هو السَّبب. هل تَعلمونَ ما هي النُّقطة الجوهريَّة في رأيي؟ أعتقد أنَّنا لا نُصَلِّي كما يَنبغي لأنَّنا لا نُؤمِنُ حَقًّا أنَّ الصَّلاةَ مُهِمَّة. فلا أعتقد أنَّنا نَظُنُّ أنَّها سَتَصْنَعُ فَرْقًا بأيِّ حَالٍ مِنَ الأحوال.

وما أعنيه هو أنَّ السَّبَبَ في ذلكَ يَعودُ إلى أنَّنا نَنظُرُ إليها على أنَّها سَتَصْنَعُ فَرْقًا في ظُروفِنا، لا فَرْقًا فينا. أَتَرَوْن؟ فالصَّلاةُ لا يَنبغي أنْ تُغَيِّرَ ظُروفي بِقَدْرِ ما يَنبغي أنْ تُغَيِّرُ نَظْرَتي إليها. ففي صَلواتي، عندما آتي إلى اللهِ وأَعْبُدُهُ وأقول: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" فإنَّني أُعَبِّرُ عَنِ انْسِجامي مَعَ شَخْصِهِ المُبارَك. وحينئذٍ، أيًّا كانَتْ ظُروفي، وَمَهْما اختلَفَتْ، فإنَّني لا أُبالي لأنَّ مَوْقِفي مِنْها قد صَارَ مُختَلِفًا. أَتَرَوْن؟ فالصَّلاةُ لا يُفْتَرَضُ بِها أنْ تُغَيِّرَ ظُروفي بِقَدْرِ ما يَنبغي أنْ تُغَيِّرَ نَظْرَتي إليها. وَفَضْلاً عن ذلك، أنا أُوْمِنُ أنَّ اللهَ يُغَيِّرُ الظُّروفَ أيضًا. فقد صَلَّيْتُ لأجلِ أشخاصٍ وَخَلَصوا. هل حَدَثَ ذلكَ مَعَك؟ فالله يَختارُ لا فقط الأشخاصَ الَّذينَ سَيَخْلُصون، بل يَختارُ أيضًا الطَّريقةَ الَّتي سيَستخدِمُها. وأحيانًا، قد نكونُ نَحْنُ جُزءًا مِنْ تلكَ الطَّريقة.

ونَقرأُ في رِسالة يَعقوب 5: 16: "طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا". اسمعوني: إنَّ الضُّعفَ في الصَّلاةِ يَدفَعُنا (دُوْنَ أنْ نَدْري) إلى عَقْدِ هُدْنَة مَعَ أُمورٍ خاطِئَة. فقد فَقَدْنا غَضَبَنا، وفَقَدنا شَغَفَنا، وَفَقَدنا سَخَطَنا. ونحنُ لا نَهُزُّ عَرْشَ اللهِ (كما قالَ "بيدوُرولف" [Beiderwolf]): "اللهُ يُحِبُّ أنْ يأتي إليهِ البَطَلُ بإيمانٍ بُطوليّ". ولكِنَّنا لا نَهُزُّ البَوَّابات. لِذا فقد رأينا في المَرَّة السَّابقة أنَّ الصَّلاةَ يَنبغي أنْ تُعَبِّرَ عَنْ تَمَرُّدِنا.

والآن، عندما نَقولُ: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ"، ما الَّذي نَعْنيهِ مِنَ الناحية الإيجابيَّة؟ فقد تَحَدَّثْنا عنِ النَّاحية السَّلبيَّة في المَرَّة السَّابقة. فماذا عنِ النَّاحية الإيجابيَّة؟ فما الَّذي نَعنيهِ حَقًّا حينَ نَقول: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ"؟ اسمَحوا لي أنْ أَقولَ لكم إنَّ هناكَ ثلاثَةَ ألفاظٍ مُمَيِّزَة تَصِفُ مَشيئةَ اللهِ أعتقد أنَّها سَتُساعِدُكُم في فَهْمِ ذلك. فعندما تَقولُ "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" ما الَّذي تَعنيه؟ أوَّلاً، هُناكَ ما أُسَمِّيه: "مَشيئةُ قَصْدِ اللهِ". مَشيئةُ قَصْدِ اللهِ. وبالمُناسبة، هذهِ تَسْمِياتٌ وَضَعْتُها أنا إذْ كُنْتُ أحاولُ أنْ أَجِدَ تَسْمِياتٍ تُساعِدُكُمْ على التَّمييزِ بينَها. فعندما نَقولُ "مَشيئةَ اللهِ"، فإنَّها عِبارة كَبيرة جدًّا تَشْمَلُ أُمورًا كثيرةً، والنَّاسُ يَقولونَ: "هُناكَ مَشيئةٌ يَسْمَحُ اللهُ بها، وهُناكَ مَشيئةٌ يأمُرُ بها، وهُناكَ كذا وَكَذا". فلننظُرْ إنْ كُنَّا نَستطيعُ أنْ نَستخدِمَ ألفاظًا تُعَبِّرُ عَنْ ما نُشيرُ إليه:

أوَّلاً، هُناكَ مَشيئةُ القَصْدِ الإلهيِّ. وأنا أُحِبُّ أنْ أَستخدِمَ المُصطلحاتِ الكِتابيَّة: "مَشيئةُ القَصْدِ الإلهِيِّ". وأنا أَعني بذلك مَشيئة اللهِ الكامِلَة والشَّامِلَة وَما يَسْمَحُ بِهِ. فهذهِ هِيَ خُلاصَةُ كُلِّ شيء. فهي هي المَشيئةُ الَّتي تَشْمَلُ كُلَّ الأرضِ، وكُلَّ السَّماءِ، وكُلَّ جَهَنَّمَ. ففي كُلِّ هذا الإطارِ، لِتَكُنْ مَشيئَتُهُ. بعبارة أخرى، فإنَّ الفِكرةَ الشَّامِلَةَ لِقَصْدِ مَشيئَتِهِ تَشْمَلُ السَّماحَ بالخطيَّة، وَقِيامَ الخَطِيَّةِ بِعَمَلِها التَّامِّ، وَانْقِضاءَ الدُّهور، وَتأسيسَ المَلكوت، والحالةَ الأبديَّة، وكُلَّ شيءٍ ابتداءً بالسَّماءِ وانتهاءً بِجَهَنَّمَ وَكُلَّ ما بَينَهُما. فهذهِ تَضُمُّ كُلَّ الفِكرةِ الشَّامِلَةِ لِمَشيئةِ القَصْدِ الإلهيِّ.

فمثلاً، نَقرأُ في سِفْر إرْميا 51: 29: "لأَنَّ أَفْكَارَ الرَّبِّ تَقُومُ". فلا شَكَّ في أنَّ هذا يَحْدُث. ولا شَكَّ في أنَّ خُطَّةَ الدُّهورِ تَجري كما هُوَ مُخَطَّطٌ لها. ولا شَكَّ في أنَّ اللهَ يَعملُ على تَنفيذِ مَقاصِدِهِ النِّهائيَّة.

فعلى سَبيلِ المِثالِ، نَجِدُ في سِفْر إشعياء والأصحاح 14 عَدَدًا مِنَ الآياتِ الرَّئيسيَّة جدًّا جدًّا في فَهْمِ فِكرةِ مَشيئةِ اللهِ. ففي سِفْر إشعياء 14: 24، نَقرأُ: "قَدْ حَلَفَ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: إِنَّهُ كَمَا قَصَدْتُ..." وَإليكُم ما يَقولُهُ بعدَ ذلك. لاحِظوا ما يَلي: فهذهِ الآية تَزْخُرُ بالمَعنى اللَّاهوتِيِّ الغَنِيّ: "إِنَّهُ كَمَا قَصَدْتُ يَصِيرُ، وَكَمَا نَوَيْتُ يَثْبُتُ". فعندما يُفَكِّرُ اللهُ في فِكْرَة، فإنَّ شيئًا ما سَيَحدُث. وعندما يَعْقِدُ العَزْمَ على شيء لا بُدَّ أنْ يَتحقَّق.

ونَقرأُ في العدد 26: "هذَا هُوَ القَضَاءُ الْمَقْضِيُّ بِهِ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَهذِهِ هِيَ الْيَدُ الْمَمْدُودَةُ عَلَى كُلِّ الأُمَمِ. فَإِنَّ رَبَّ الْجُنُودِ قَدْ قَضَى، فَمَنْ يُبَطِّلُ؟" بِعبارة أخرى، هُناكَ مَقاصِد هَائِلَة لدى اللهِ ينبغي أنْ تَتحقَّق. وهي تَتحقَّق. فمثلاً، إنَّ اللهَ لا يَشاءُ أنْ يَمرَضَ النَّاسُ، ولكِنَّ ذلكَ يَحْدُثُ في إطارِ قَصْدِهِ بالسَّماحِ لذلكَ المَرَضِ أنْ يُحَقِّقَ غَاياتِهِ. ومَشيئةُ اللهِ المُباشِرَةِ لا تَشاءُ أنْ يَدْخُلَ المَوْتُ إلى الجِنْسِ البَشَرِيِّ وأنْ يَموتَ النَّاسُ. ولكِنْ في إِطارِ قَصْدِهِ الشَّامِلِ فإنَّهُ يَستخدِمُ الموتَ لتحقيقِ قَصْدِهِ لأجْلِ مَجْدِهِ هُوَ. فهذا هُوَ المَعنى الأشْمَل. فهُناكَ مَشيئةُ قَصْدِ اللهِ.

"وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ [ماذا؟] قَصْدِهِ". بعبارة أخرى، فإنَّ اللهَ لا يَقْصِدُ شَرًّا، ولكِنَّهُ يأخُذُ الأشياءَ الَّتي تَحدُثُ في حَياتِنا وَيَجْعَلُها تَعْمَلُ معًا لِلخيرِ لأنَّ هذا هُوَ قَصْدَهُ. فهُناكَ هذهِ الفِكرة الشَّامِلَة. وفي رسالة أفسُس 1: 9، أريدُ مِنكُم أنْ تُفَكِّروا مَعي الآن لأنَّ هذا سيُساعِدَكُم في فَهْمِ أنواعِ مَشيئةِ اللهِ. فنحنُ نَقرأُ في رسالة أفسُس 1: 9: "إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ".

بِعبارة أخرى، إنَّهُ يَتحدَّثُ هنا عنِ الخلاصِ؛ أيْ عَنِ الغُفرانِ العَظيمِ والفِداءِ الَّذي هُوَ جُزْءٌ مِنْ قَصْدِ اللهِ العَظيمِ الشَّامِل. ثُمَّ إنَّهُ يَمْضي في الحَديثِ عنِ اليهودِ والأُمَمِ فيقولُ إنَّهُما واحِدٌ، ويَتحدَّثُ عَنْ تَدْبيرِ مِلْءِ الأزمِنَة، وَعَنْ جَمْعِ كُلِّ شَيْءٍ فِي المَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ "حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأيِ مَشِيئَتِه". فَهذا هُوَ قَصْدُ اللهِ العَظيمِ لِشَعْبِهِ المَفْدِيِّ، ولِكَنيسَتِهِ المُوَحَّدة، وَلِجَسَدِ القِدِّيسينَ إلى الأبد. هذا هُوَ قَصْدُهُ. لِذا فإنَّ قَصْدَهُ يُشيرُ هُنا إلى خُطَّتِهِ الأزليَّة. تَذَكَّروا ذلك: مَشيئةُ القَصْدِ الإلهيِّ.

والآن، قد تَقول: "جون! هل نُصَلِّي بهذا الخُصوصِ قائِلين: ’لِتَكُن مَشيئَتُكَ‘"؟ أجل! أجل! "كيف؟" اسمَحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لَكُم مَثَلاً تَوضيحيًّا. ففي سِفْر الرُّؤيا 22: 7، يَقولُ يَسوع: "هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا". وفي العدد 12، يَقولُ يَسوع: "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا". وفي العَدَد 20، يَقولُ يَسوع: "أَنَا آتِي سَرِيعًا". والآن، هَذا هُوَ قَصْدُهُ. وهذا هُوَ تَتْميمُ خُطَّتِهِ الأزليَّة.

وهل تَعلَمونَ ما هُوَ رَدُّ يُوحَنَّا في العَدَدِ الأخير؟ "آمِين!" [ماذا؟] "تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ". إذًا، كيفَ نُصَلِّي صَلواتِ تُوافِقُ قَصْدَ مَشيئَتِه؟ بأنْ نَشتَرِكَ بحماسَة في تَرَقُّبِ إتْمامِ مَقاصِدِهِ الإلهيَّة. أَتَرَوْن؟ فهذهِ طريقة رائعة للصَّلاة. "يا رَبّ، أنا أَعلمُ أنَّكَ سَتَدعو كَنيسَتَكَ يَومًا، وأنَّكَ سَتُعيدُ يَسوعَ المَسيحَ ليأخُذَنا مَعَهُ. آمين، يا رَبّ. آمين، يا رَبّ". فسوفَ يَحدُثُ ذلك. فهذا أمرٌ مَحْتوم. فقد فَكَّرَ اللهُ في ذلك، وقَصَدَ ذلك، وَوَضَعَهُ في خُطَّتِه. لِذا فإنَّهُ سيَحدُث. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّنا نُصَلِّي لأجلِ ذلكَ بِمَعنى أنَّنا نَشترِكُ بِحَماسة في تَرَقُّبِ تلكَ السَّاعةِ العظيمة.

هل تَعِبْتُمْ يومًا مِنَ العَيشِ في الجسد؟ هل تَعِبْتُم يومًا مِنَ الجَسَدِ المادِّيّ؟ هل تعِبْتُم يومًا مِنَ القَلَقِ الموجودِ في هذا العَالَم؟ ألا تَتوقونَ في قُلوبِكم إلى اليومِ الَّذي تَختبِرونَ فيهِ حُريَّةَ أولادِ اللهِ وتَصيرونَ فيهِ مِثْلَ يَسوعَ المسيحِ، وتَسْكُنونَ فيهِ في المَجْدِ الأبديِّ مَعَهُ في تَحَرُّرٍ كامِلٍ مِنْ كُلِّ الأشياءِ الَّتي تَجْلِبُها هذهِ الأرضُ علينا؟ أنا أَتوقُ إلى ذلك. لِذا فإنَّني أُصَلِّي أحيانًا وأقول: "يا رَبّ، أنا أَعلمُ أنَّكَ ستَفعلُ ذلك، ولكنِّي أريدُ أنْ أقولَ لَكَ إنَّني مُتَحَمِّسٌ لِحُدوثِ ذلك. افعَل ذلكَ. افعل ذلك. بأقصى سُرعة مُمكِنَة". فهذا هو مَعنى أنْ نُصَلِّي حَسَبَ قَصْدِ مَشيئَتِه.

ثانيًا، هُناكَ مَشيئة لدى اللهِ سأُسَمِّيها "مَشيئةُ الرَّغْبَة". مَشيئةُ الرَّغبة. فَعِوَضًا عَنِ الخُطَّة الشَّامِلة الكاملة، فإنَّنا نَتحدَّثُ هُنا عَنِ الرَّغبةِ القَلبيَّة ... الرَّغبة القَلبيَّة. وأنتُم هكذا. فأنتم لديكم خُطَّة شاملة. فأنتُم تُنَفِّذونَ خُطَّةً في حياتِكُم ومِهْنَتِكُم، وتُفَكِّرونَ في كُلِّ أبعادِها، وتَضَعونَ رَسْمًا لها، ثُمَّ إنَّ الأمْرَ يَنْحَصِرُ في تلكَ الرَّغباتِ الشَّخصيَّةِ الَّتي تَنْطَوي عليها الخُطَّة. صحيحٌ أنَّ ليسَ كُلَّ ما يَحْدُثُ في حياتِكَ هُوَ رَغبة شخصيَّة، ولكِنَّكَ تُحاولُ بطريقةٍ ما أنْ تَضَعَ تلكَ الرَّغْباتِ في الخُطَّة لكي تَستمرَّ في تَطبيقِها. وهكذا هِيَ الحالُ مَعَ اللهِ. فهو لَديهِ مَشيئة نابِعَة مِنْ رَغْبَتِهِ.

وهل تَعلمونَ شيئًا؟ إنَّ هذهِ المَشيئة لا تَتِمُّ دائمًا. وفي هذهِ النُّقطةِ، لا يكونُ اللهُ رَاضِيًا. وأنا أَكْرَهُ أنْ أَستخدِمَ هذهِ الكلمة لأنَّها لَفْظٌ بَشَرِيٌّ ولا يَصِحُّ حَقًّا على اللهِ، ولكِنَّنا نُحاولُ أنْ نَستخدِمَ جُمُلاً قريبةً مِنْ فَهْمِنا البَشريِّ كَيْ تَفْهَموها. بعبارة أخرى، هناكَ أشياء يَشاءُ اللهُ أنْ تَحْدُث، ولكِنَّها لا تَحْدُث. فَهِيَ رَغْباتُهُ، ولكِنَّ البَشَرَ يَرفُضونَها.

فَمَثلاً، لقد كانَ يَسوعُ يَرْغَبُ في أنْ تَنْجو أورُشليم. فقد قالَ في إنجيل مَتَّى وإنجيل لوقا 13: 34: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَاأُورُشَلِيمُ! كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ...وَلَمْ تُرِيدُوا!". وقد قالَ في إنجيل يوحنَّا 5: 40: "وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ". وقد بَكَى يَسوعُ. لقد بَكَى. وفي سِفْر إرْميا والأصحاح 13 قالَ اللهُ: "سوفَ أُعاقِبُكُم. وحينَ أُضْطَرُّ إلى مُعاقَبَتِكُم، سَتَبْكِي عَيْنَيَّ بُكَاءً وَتَذْرِفُ الدُّمُوعَ".

وكما تَرَوْنَ فإنَّ اللهَ لا يَشاءُ أنْ يَفْعَلَ ذلك. فبحسبِ رِسالة بُطرس، نَقرأُ أنَّهُ "لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَة". واللهُ مُخَلِّصُنا "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُون". وأنا أُوْمِنُ أنَّ هذا هُوَ شَوْقَ قَلبِ الله. ومعَ ذلك، هناكَ أشخاصٌ كثيرونَ سيَقولون: "يَا رَبُّ، يَا رَبُّ!" فَيَقولُ لَهُمْ: "اذْهَبُوا عَنِّي. إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" فأنا أوْمِنُ بأنَّهُ يُريدُ أنَّ الجَميعَ يَخْلُصون، ولكنِّي لا أُوْمِنُ بأنَّ الجميعَ سَيَخْلُصون.

وهذا هُوَ السِّرُّ، يا أحبَّائي، في أنَّ اللهَ مُطْلَقُ السِّيادة وأنَّنا نَمْلِكُ إرادَة. وأنا لا أَدري كيفَ يَجْتَمِعُ هذانِ الأمرانِ مَعًا! ولكنِّي أُوْمِنُ أنَّ شَوْقَ قَلْبِ اللهِ هو أنْ يَخْلصَ النَّاسُ. وأنا أُوْمِنُ أنَّ يَسوعَ بَكَى على أُناسٍ كانَ يَعلَمُ أنَّهُم لن يَحْصُلوا على الفِداء. وإلَّا، لماذا بَكَى! فَدُموعُهُ تُظْهِرُ رَغْبَتَهُ. لِذا، فإنَّ لَدى اللهِ مَشيئة نابِعَة مِنْ رَغْبَتِهِ.

وهُناكَ مَشيئة ثالثة. وأنا أُسَمِّيها المَشيئةُ الآمِرَة. المَشيئةُ الآمِرَة. وأنا أُوْمِنُ أنَّ هذه المَشيئة تَخُصُّ المُؤمِنين. فأنا أُوْمِنُ أنَّ مَشيئةَ القَصْدِ الإلهيِّ هِيَ للكَوْنِ كُلِّه وأنَّها تَضُمُّ كُلَّ شيءٍ. وَنحنُ نَرى هذهِ المَشيئة مِنْ خلالِ التَّجارِبِ والآلامِ والأحزانِ والأمراضِ حيثُ تَعْمَلُ كُلُّ الأشياءِ مَعًا لتحقيقِ مَشيئةِ اللهِ وَقَصْدِهِ الأبديِّ مِنْ خِلالِ مَشيئَتِهِ العَظيمةِ الَّتي تَضُمُّ الكونَ كُلَّهُ. ثُمَّ هُناكَ مَشيئةُ اللهِ النَّابعة مِنْ رَغْبَتِهِ. ويُمْكِنُني أنْ أَحْصُرَ هذهِ المَشيئة بِغيرِ المُؤمِنين. فأنا أعتقدُ أنَّ المَشيئةَ النَّابعة مِنْ رَغْبَتِهِ تُعَبِّرُ عَنْ الشَّوقِ المَوجودِ في قلبِ اللهِ في وُصولِ الإنجيلِ إلى العالَم. فَهِيَ مَشيئَة نابِعَة مِنْ رَغْبَتِهِ.

والآن، نأتي إلى المَشيئة الآمِرَة. وأعتقد أنَّ هذهِ المشيئة خاصَّة بالمُؤمِنين لأنَّ اللهَ لنْ يَسْتَفيدَ شيئًا حينَ يَأمُرُ المُؤمِنينَ أنْ يَفعلوا مَشيئَتَهُ لأنَّهُمْ لا يَمْلِكونَ القُدرة على ذلك. أليسَ كذلك؟ المَشيئةُ الآمِرَة. وَهِيَ شَوْقُ قلبِ اللهِ الشَّديد في أنْ نَكونَ نحنُ (أيْ أولادُهُ) مُطيعينَ لَهُ تَمامًا وَحالاً بِقلبٍ يَتوقُ إلى ذلك. لِذا، اسمَعوني يا أحبَّائي: عندما أقولُ في صَلاتي: لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ"، ما الَّذي أَعنيه؟ إنَّني أعني: "يا رَبّ، تَمِمْ قَصْدَكَ في العالَم. يا رَبّ، حَقِّقْ مَشيئَتَك. يا رَبّ، خُذْ كُلَّ صِراعٍ وتِجْرِبة في حياتي، وَكُلَّ أَلَمٍ وَقَلَق، وكُلَّ حُزْنٍ، وكُلَّ مَرَضٍ، وكُلَّ مَوْتٍ، وَاعْكِسْ تلكَ الأشياءِ النَّاجِمَة عنِ الخطيَّة بِطريقةٍ مَا، واجْعَلْها تُوافِق خُطَّتَكَ الأزليَّة الموجودة في ذِهْنِكَ غَيْرِ المَحدود". وعندما أقولُ: "لِتَكُنْ مَشيئَتُك"، فإنَّ لِسانَ حَالي هو أيضًا: "يا رَبّ، هُناكَ أشخاصٌ في حياتي وأشخاصٌ حَوْلَ العالمِ لا يَعرِفونَكَ. أُصَلِّي أنْ يَخْتَرِقَ الإنجيلُ حَياتَهُمْ بِطريقةٍ مَا". فهذهِ هِيَ مَشيئَتُهُ النَّابعة مِنْ رَغْبَتِهِ.

ثُمَّ ثالثًا، يجب عليَّ أنْ أقولَ: "يا رَبُّ، أُصَلِّي بِشأنِ مَشيئَتِكَ الآمِرَة أنْ أكونَ مُطيعًا". وأنا أُرَكِّزُ في هذهِ الصَّلاةِ عليَّ أنا. فهل تَذكرونَ أنَّني قُلتُ لكم إنَّ هناكَ ثلاث طُرُقٍ لِتأسيسِ المَلكوت؟ أوَّلاً، مِنْ خِلالِ الاهْتِداء: "ليأتِ مَلكوتُكَ" (عندما يأتي المسيحُ ويَمْلِك على القلب). ثانيًا، التَّكريس. فَحينَ يَعيشُ المُؤمِنُ بِحَسَبِ البِرِّ والسَّلامِ والفَرَحِ في الرُّوحِ القُدُسِ فإنَّ المَلكوتَ يأتي في حَياتِهِ بِمِلئِهِ.

ثالثًا، مِنْ خِلالِ مَجيئِهِ الثَّاني فإنَّ المَلكوتَ يأتي على الأرض. وأنا أرى نَفْسَ هذهِ الأشياءِ الثَّلاثة هُنا. فمشيئَةُ قَصْدِهِ تَضُمُّ النِّهاية، والمجيءَ الثَّاني، وتأسيسَ المَلكوتِ الأبديّ. ومَشيئَةُ رَغْبَتِهِ تَضُمُّ الاهتداءَ. ومَشيئةُ الطَّاعة تَضُمُّ فِكرةَ التَّكريسِ في حَياتي. وكما قالَ بُطرسُ وَيوحنَّا في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 5: 29: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ". وكما قالَ بولسُ في رسالة رُومية والأصحاحِ السَّادِسِ: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ". فيجب علينا أنْ نَكونَ مُطيعين.

ونَقرأُ في الصَّلاةِ الرَّائعةِ في المَزمور 119: "يا رَبُّ، طَرِيقَ وَصَايَاكَ فَهِّمْنِي. ... اخْتَرْتُ طَرِيقَ الْحَقِّ. جَعَلْتُ أَحْكَامَكَ قُدَّامِي. فِي طَرِيقِ وَصَايَاكَ أَجْرِي. ... عَلِّمْنِي يَا رَبُّ طَرِيقَ فَرَائِضِكَ، فَأَحْفَظَهَا إِلَى النِّهَايَةِ. ... أَتَلَذَّذُ بِوَصَايَاكَ. ... تَرْنِيمَاتٍ صَارَتْ لِي فَرَائِضُكَ. ... إِلَى الدَّهْرِ لاَ أَنْسَى وَصَايَاكَ، لأَنَّكَ بِهَا أَحْيَيْتَنِي. ... كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ!". إنَّهُ قَلْبُ الطَّاعة. لذا، عندما نُصَلِّي قائِلين: "لِتَكُن مَشيئَتُك"، فإنَّنا نُعَبِّرُ عَنِ اهتدائِنا، وتَكريسِنا، وَتَرَقُّبِنا لِمَجيئِهِ الثَّاني.

ولكِنْ مِنَ الصَّعْبِ أنْ نُصَلِّي بهذهِ الطَّريقة. هل تَعلمونَ ذلك؟ فَمِنَ الصَّعبِ أنْ تَنْشَغِلوا باللهِ في صَلواتِكُمْ لِسَبَبٍ رَئيسيٍّ واحد وَهُوَ أنَّ الخطيَّةَ الرَّئيسيَّة في القلبِ البَشريِّ هي ماذا؟ الكِبرياء. فهي الخطيَّة الأولى. فَلوسيفَر يَتَحَدَّثُ في سِفْرِ إشعياء والأصحاح 14 خَمْسَ مَرَّاتٍ بِصيغةِ المُتكلِّم: "أَصْعَدُ ... أَرْفَعُ ... أَجْلِسُ ... أَصْعَدُ ... أَصِيرُ". وقد كانَ هذا هو سَبَبُ سُقوطِ لوسيفر. فهي أوَّلُ مَرَّة في تاريخِ اللهِ تُوْجَدُ فيها إرادَتان. إرادَتان.

وقد تَضَاعَفَ هذا العَدَدُ مُنْذُ ذلكَ الحين حَتَّى صَارَ يُوْجَدُ الآن ما لا يَقِلُّ عن أربعة مِليارات مَشيئة على الأرض ومَشيئة واحدة فقط في السَّماء. فقد كانت مَشيئة مُقابِل مَشيئة؛ ولكنَّها صَارتِ الآنَ أربعة مِليارات مَشيئة مُقابِل مَشيئة واحدة. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ هُناكَ مَشيئة واحدة صَالِحَة فقط مِنْ كُلِّ هذهِ المَشيئات. فَكُلُّ مَشيئة مِنْ هذهِ المَشيئاتِ فَاسِدة. كُلُّ مَشيئة أُخرى مِنْها. وهذا لا يَضُمُّ حَتَّى كُلَّ جُنْدِ السَّماءِ السَّاقِطين. ولكِنْ هُناكَ مَشيئة واحدة صالحة فقط. وهذهِ المشيئة، يا أحبَّائي، تَتِمُّ في السَّماء وينبغي أنْ تَتِمَّ على الأرض. ولكِنَّ الكِبرياءَ تَقِفُ دائمًا في الطَّريق. دائمًا.

وقد تَقول: "وكيفَ نُعالِج هذهِ المُعْضِلَة؟ وكيفَ نُزيلُ الكِبرياءَ مِنَ الطَّريق؟" أعتقد أنَّهُ يجب عليكم أنْ تَفتحوا على رسالة رُومية والأصحاح 12، مِنْ فَضْلِكُم: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ [ماذا؟] ذَبِيحَةً حَيَّةً..." مِنْ خِلالِ إنكارِ الذَّاتِ والاتِّضاع. "...عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ. وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ [ماذا؟] إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ".

وكما تَرَوْنَ، ما لم تُقَدِّموا حَياتَكُمْ على المَذبَح، وما لم تَعيشوا حَياةً مُضَحِّيَةً، وما لم تُميتوا مَشيئَتَكُم، لن تَظْهَرَ مَشيئةُ اللهِ. وقد تَقول: "وما هي الذَّبيحةُ الحَيَّة؟" إنَّها تَختلِفُ كثيرًا عَمَّا تُفَكِّرونَ فيه. فَلننظُر إلى إبراهيم. فقد أَخَذَ إبراهيمُ إسحاقَ، وَوَضَعَ حَطَبًا على ظَهْرِ ابْنِهِ إسحاق، وَصَعِدَ بِهِ إلى جَبَلِ المُرَيَّا. وطَوالَ الطَّريقِ إلى أعلى الجَبَل، لا بُدَّ أنَّ إبراهيمَ كانَ يُخاطِبُ نَفسَهُ قائلاً: "هذا غَريبٌ جدًّا يا رَبّ. لقد قُلتَ لي أنْ أَصْعَدَ إلى هُناك وأنْ أَذْبَحَ ابْني على المَذبحِ مَعَ أنَّ ابْني هُوَ الَّذي سَيُحَقِّقُ عَهْدَك! وقد قُلتَ لي أنْ أَضَعَهُ على المَذبَحِ وأَذْبَحَهُ! هذا غيرُ مَنْطِقِيٍّ!"

ولكِنْ يجب أنْ تَعلموا أنَّ هذا أعظمَ مَثَلٍ تَوضيحيٍّ على الذَّبيحةِ الحَيَّةِ في العالَمُ كُلِّهِ لأنَّ إبراهيمَ صَعِدَ كُلَّ الطَّريقِ إلى هُناكَ، وَوَضَعَ إسحاقَ على المَذبحِ، وَرَبَطَهُ، وَرَفَعَ السِّكِّينَ، وكانَ على وَشْكِ أنْ يَطْعَنَهُ بِها في قَلْبِه. ولو أنَّهُ فَعَلَ ذلكَ لكانَ إسحاقُ ذَبيحةً مَيْتَةً، ولَكان إبراهيمُ ذَبيحَةً حَيَّةً. لماذا؟ لأنَّ إبراهيمَ سيكونُ قد صَلَبَ كُلَّ أحلامِهِ، وكُلَّ رَجاءٍ لَديهِ، وكُلَّ طُموحاتِهِ، وكُلَّ أهدافِهِ، وكُلَّ رَغَباتِهِ الشَّخصيَّة. وَلَكانَ قد مَاتَ حَرْفيًّا عَنْ ذاتِهِ في سَبيلِ طَاعَةِ اللهِ.

والسُّؤالُ هوَ ليسَ: "هل يُمْكِنُكَ أنْ تَموتَ لأجْلِ المَسيح؟" بَلْ إنَّ السُّؤالَ هُوَ: "هل يُمكِنُكَ أنْ تَعيشَ حَياةً خَالِيَةً مِنَ الأنانِيَّةِ لأجْلِهِ؟" فهذا هُوَ السُّؤال. فإنْ فَعَلْتَ ذلكَ سَتَخْتَبِرُ مَشيئَتَهُ الصَّالِحَة. لِذا فإنَّ الشَّيءَ الَّذي يَقِفُ دائمًا في طَريقِ الصَّلاةِ لأجْلِ مَشيئةِ اللهِ هُوَ مَشيئَتُنا نحنُ. وعندما تَتَعَلَّمُ أنْ تُصَلِّي كما يَنبغي أنْ تُصَلِّي بِما يُوافِقُ مَشيئتَهُ، سَتَجِدُ أنَّكَ سَتتغيَّرُ تَغييرًا كبيرًا جدًّا.

لِذا فإنَّ الصَّلاةَ هِيَ نِعْمَةٌ مُقَدِّسَةٌ. فهي تُغَيِّرُنا. فنحنُ لا نُصَلِّي كَيْ نَتَحايَلَ على اللهِ. ونحنُ لا نُصَلِّي كَيْ نَجْعَلَ اللهَ يَفْعَلُ مَا نُريد. ونحنُ لا نُصَلِّي كَلامًا مُغْرِقًا في الثَّرْثَرَةِ، والتَّظاهُرِ أمامَ النَّاسِ، والتَّكرارِ البَاطِلِ لِمُجَرَّدِ المُباهاة. بل إنَّنا نَدْخُلُ إلى حَضْرَةِ اللهِ. فنحنُ نُريدُ أنْ نُقَدِّسَ اسْمَهُ وأنْ نُصَلِّي لأجْلِ مَجيءِ مَلكوتِهِ وتَحقيقِ مَشيئَتِهِ لأنَّنا حينَ نَفعلُ ذلكَ فإنَّنا نُعَبِّرُ عَنِ انْسِجامِنا مَعَ شَخْصِهِ المُبارَك.

وأعتقد أنَّهُ يُمْكِنُني أنْ أُلَخِّصَ هذا كُلَّهُ بِقَولِ الآتي: إنَّ الصَّلاةَ هي وَسيلة للتَّقديسِ التَّدريجيِّ. وقد قالَ "جون هَانَا" (John Hanna) هذهِ الكلماتِ الصَّائِبَةِ العَظيمة: "إنَّ غَايَةَ الصَّلاةِ هِيَ ليست الاستجابات المَلموسَة بِقَدْرِ مَا هِيَ حَياةُ اتِّكالٍ عَميقٍ". أليست هذهِ الكلماتُ رائعةً؟ فهذهِ هي الصَّلاة. فَكُلُّ الاستجاباتِ سَتأتي، ولكِنَّ الاتِّكالَ هُوَ النُّقطة الجَوهريَّة. وَهُوَ يَقولُ: "إنَّ الدَّعوة إلى الصَّلاةِ هِيَ دَعوة إلى المَحبَّة، والخُضوع، والطَّاعة. فهي دَرْبٌ مِنَ شَرِكَةِ النَّفْسِ الحُلْوة وَالحَميمَة وَالعَميقة مَعَ الخالِقِ غيرِ المَحدود". لِذا، يجب علينا أنْ نُصَلِّي قائِلين: "لِتَكُن مَشيئَتُكَ على الأرضِ...". وبالمُناسَبَة، فإنَّ الأرضَ هِيَ نَحْنُ. أليسَ كذلك؟ إنَّها نَحْنُ.

وهل تَسْمَحوا لي أنْ أُبَيِّنَ ذلكَ لَكُمْ مِنْ خِلالِ اقْتِباسِ "فيليب كيلر" (Phillip Keller)؟ فَهذا مَثَلٌ تَوضيحيٌّ حَيٌّ. فقد عاشَ "فيليب" في باكستان عندما كانَ صَبِيًّا. وسوفَ أَخْتِمُ بهذه القِصَّة الَّتي أُريدُ مِنْكُمْ أنْ تَفهموها جَيِّدًا. فهي قَويَّة. فقد عاشَ "فيليب كيلر" في باكستان حينَ كانَ صَبِيًّا. وقد كانَ يَقرأُ سِفْرَ إرْميا 18: 2 فَقَرَأَ الآيةَ الَّتي تَقول: "قُمِ انْزِلْ إِلَى بَيْتِ الْفَخَّارِيِّ وَهُنَاكَ أُسْمِعُكَ كَلاَمِي". وقد دَفَعَهُ الفُضولِ إلى التَّساؤُلِ عَنْ عَمَلِ الفَخَّارِيِّ والدَّرْسِ الَّذي يُمْكِنُهُ أنْ يَتَعَلَّمَهُ مِنْهُ.

لِذا فقد مَضَى إلى بيتِ الفَخَّارِيِّ في المَدينةِ الَّتي كانَ يَعيشُ فيها. وإليكُمْ مَا كَتَبَهُ: "بِصِدْقٍ وَحَماسَة، طَلَبْتُ مِنَ الحِرَفِيِّ المَاهِرِ العَجوز أنْ يُريني كُلَّ خُطوة في صِناعَةِ القِطْعَة الخَزفيَّة. وقد رأيتُ على رُفوفِ مَحَلِّهِ كُؤوسًا وَأواني لامِعَةً وبَديعةً، وَأوعية رائعة وجميلة جِدًّا. ثُمَّ إنَّهُ أَشارَ إليَّ بإصْبَعٍ نَحيلَةٍ وَمُنْحَنِيَة لأتْبَعَهُ وَتَقَدَّمَني إلى سَقيفَة صَغيرةٍ مُعْتِمَة مُغْلَقَة في الجِهَة الخَلفيَّة مِنْ مَتْجَرِهِ. وعندما فَتَحَ بابَها المُتَزَعْزِع، شَمَمْتُ رائحةَ شيءٍ مُتَعَفِّنٍ تَعافُهُ النَّفسُ فَأثارَ اشْمِئزازي.

"لِوَهْلَةٍ، رَجَعْتُ إلى الوَراءِ بَعيدًا عَنْ حَافَةِ تلكَ الحُفرة الواسِعَةِ المُظلِمَةِ في أرضيَّةِ تلكَ السَّقيفَة. قال: ’هُنا يَبتدئُ العَمَل‘. ثُمَّ إنَّهُ رَكَعَ بجانبِ تلكَ الحُفرةِ المُظلِمَةِ المُقَزِّزَةِ وَمَدَّ ذِراعَهُ الطَّويلةُ النَّحيلة في الظَّلام. وقد تَحَسَّسَتْ أصابِعُهُ النَّحيلة المَاهِرَة تلك الحُفرة في وَسْطِ أكوامِ الطِّيْنِ بَحْثًا عن قِطْعَةٍ تُناسِبُ تَمامًا ما يُريدُ أنْ يَصْنَع. وقد أضافَ قائلاً: ’أنا أُضيفُ نَوعًا خاصًّا مِنَ العُشْبِ إلى الطِّين. وحينَ تَتَحَلَّلُ وَتَتَعَفَّنُ فإنَّ الموادَ العُضويَّةَ فيها تَزيدُ مِنْ خَواصِ الطِّينِ الصَّمْغِيَّة فَتَتماسَكُ مَعًا تَماسُكًا أفضل‘.

"وأخيرًا، أَخْرَجَتْ يَدَاهُ المَاهِرَتانِ قِطعةَ طِيْنٍ دَاكِنَةَ اللَّوْنِ وَشَديدةَ الرَّائحةِ مِنْ تلكَ الحُفرةِ المُريعَة الَّتي يَدوسُ فيها قِطَعَ الطِّينِ وَيَعْجِنُها بِقَدَمَيْهِ النَّحيلَتَيْنِ القاسِيَتَيْن. وَفجأةً، تَذَكَّرْتُ الآياتِ الأولى مِنَ المزمور 40 إذْ لَمَسَتْ قَلبي حالاً: ’وَأَصْعَدَنِي مِنْ جُبِّ الْهَلاَكِ، مِنْ طِينِ الْحَمْأَةِ‘. فَكما أنَّ الفَخَّارِيَّ اخْتارَ قِطْعَةَ الطِّيْنِ بِعناية، فإنَّ اللهَ اخْتارَني أيضًا.

"ثُمَّ إنَّ دُولابَ الصَّوَّانِ الضَّخْمِ الَّذي قُطِعَ مِنَ الصُّخورِ الصَّلبةِ لِجِبالِ "هِندو كوش" (Hindu Kush) العَالِيَة خَلفَ مَنْزِلِهِ ابتدأَ يَدورُ بِهُدوء. وقد كانَ الدُّولابُ يَدورُ بواسِطَةِ جِهازٍ بِدائيٍّ جِدًّا يُحَرِّكُهُ بِقَدَمِهِ مِثْلَ مَكَنَةِ الخِياطَةِ القَديمة. ومَعَ تَسارُعِ دَورانِ الدُّولابِ الحَجَرِيِّ، تَذَكَّرْتُ الآيَةَ المَذكورة في سِفْرِ إرْميا 18: 3 والَّتي تَقول: "فَنَزَلْتُ إِلَى بَيْتِ الْفَخَّارِيِّ، وَإِذَا هُوَ يَصْنَعُ عَمَلاً عَلَى الدُّولاَب".

"والشَّيءُ الَّذي لَفَتَ نَظَري في تلكَ اللَّحظة هو حقيقة أنَّهُ كانَ يُوجدُ بجانِبِ مِقْعَدِ الفَخَّارِيِّ على جَانِبَيْهِ وِعَاءَانِ مُمْتلئانِ مَاءً". ثُمَّ إنَّهُ يَمْضي في وَصْفِ كيفَ أنَّهُ طَوالَ فَتْرَةِ دَوَرانِ الدُّولابِ الَّذي يَحْمِلُ قِطْعَةَ الطِّيْنِ، كانَ الفَخَّارِيُّ يَغْمِسُ يَدَيْهِ في الماءِ وَيُشَكِّلُ الطِّينَ، ثُمَّ كانَ يَغْمِسُ يَدَيْهِ مَرَّةً أُخرى في الماءِ وَيُشَكِّلُ الطِّينَ، وأنَّهُ لم يَكُنْ بِمَقدورِهِ أنْ يُشَكِّلَ قِطْعَةَ الطِّينِ مِنْ دونِ مَاءٍ لأنَّها سَتَلْتَصِقُ بِيَدَيْهِ فَتَفْسَد. لِذا، كانَ مِنَ الضَّرورِيِّ أنْ تَبقى يَداهُ مَبلولَتَيْنِ دائمًا. وقد قالَ إنَّهُ دُهِشَ حينَ رَأَى كيفَ أنَّ الطِّيْنَ كانَ يَتجاوبُ بِسُرعة وَدِقَّة مَعَ الضَّغطِ الَّذي كانَتْ تُمارِسُهُ عليهِ تلكَ اليَدانِ المَبلولَتان. وَبِصَمْتٍ، ابتدأتِ الآنيةُ تأخُذُ شَكْلَها بِكُلِّ طَواعِيَةٍ بينَ يَديه.

وقد كانَ الماءُ هُوَ الوَسيلةُ الَّتي يَستخدِمُها الفَخَّارِيُّ البَارِعُ في تَوصيلِ مَشيئَتِهِ وَرَغْباتِهِ إلى الطِّين. وقد تَحَقَّقَتْ مَشيئَتُهُ حَقًّا على الأرضِ مِنْ خِلالِ الماء. وقد قالَ حالاً: "لقد فَكَّرْتُ حالاً في مَاءِ الكلمة الَّتي هِيَ وَاسِطَةُ اللهِ في تَنفيذِ مَشيئَتِهِ على الأرض". وَهُوَ يَقولُ: "لقد لَمَسَ اللهُ حَياتي وَلَمَسَني مِنْ خِلالِ كَلِمَتِه. فَماءُ الكَلِمَة هو الَّذي يُعَبِّرُ عَنْ مَشيئةِ السَّيِّدِ وَيَجِدُ التَّحقيقَ مِنْ خِلالِ تَشْكيلِ الإنسانِ بِحَسَبِ اخْتيارِه".

وفجأةً، دُهِشَ الشَّابُّ حينَ رأى أنَّ الدُّولابَ قد تَوقَّف. وقد مَدَّ الفَخَّارِيُّ يَدَهُ بِرِقَّةٍ وَأَخْرَجَ حَجَرًا. وقدِ رَاحَ يُديرُ الدُّولابَ مَرَّةً أخرى ثُمَّ أَوْقَفَهُ ثانيةً وَأَخْرَجَ حَجَرًا أَكبر. ويُمْكِنُكُم الآنَ أنْ تُدركوا أنَّهُ كانَ يَسْتَخْدِمُ يَدَيْهِ بِرِقَّة لِتَحَسُّسِ كُلِّ بُقْعَةٍ خَشِنَة، وكُلِّ حَجَر، وكُلِّ ذَرَّةِ رَمْلٍ صَغيرة. وقد كانَ الحَجَرانِ اللَّذانِ أَخْرَجَهُما مِنَ الآنِيَة كَبيرَيْنِ نِسْبِيًّا حَتَّى إنَّهُما أَفْسَدا الوِعاءَ. لِذا فقد مَدَّ يَدَهُ وأَمْسَكَ الوِعاءَ وَسَحَقَهُ بِيَدَيْه".

فقالَ "كيلر" لَهُ: "هذا مُحْزِنٌ. ماذا سَيَحْدُثُ لِذلكَ الوِعاء؟" فقال: "سأصْنَعُ مِنْهُ وِعاءً عَادِيًّا". فقال: "إذًا، لَنْ يَكونَ آنِيَة بَديعة؟" فقال: "لا، فَهُناكَ عُيوبٌ كَثيرةٌ فيه". ويَقولُ "كيلر": "وقد تَذَكَّرْتُ مَرَّةً أخرى الآية إرْميا 18: 4: ’فَفَسَدَ الْوِعَاءُ الَّذِي كَانَ يَصْنَعُهُ مِنَ الطِّينِ بِيَدِ الْفَخَّارِيِّ‘". وَهُوَ يَقولُ: "نادِرًا ما أَتَعَلَّمُ دَرْسًا بهذا الوُضوحِ وهذهِ القُوَّة!". ولماذا فَسَدَتْ هذِهِ القِطعة النَّادرة والرَّائعة بِيَدِ الفَخَّارِيّ؟ لأنَّهُ وَاجَهَ مُقاوَمَةً. وقد أَصابَني ذلكَ كالصَّاعِقَة في ذِهني.

"فَلِماذا تَؤولُ مَشيئةُ أبي وَمَقاصِدُهُ في إعْدادِ أُناسٍ رائِعينَ حَقًّا إلى العَدَمِ مِرارًا وتَكرارًا؟ بسببِ مُقاوَمَتِنا، وبسببِ قَساوَتِنا. فبالرَّغْمِ مِنْ أَفْضَلِ جُهودِهِ، وَطُوْلِ أَنَاتِهِ عَلينا، وَماءِ الكَلِمَة المُستخدَمَة في حَياتِنا، فإنَّ المَطافَ يَنْتَهي بِنا بأنْ نَصيرَ مُجَرَّدَ آنِيَة عاديَّة.

"وقد كانَ السُّؤالُ العَميقُ والفَاحِصُ والدَّقيقُ الَّذي يَنبغي أنْ أَطْرَحَهُ على نَفسي في تلكَ السَّقيفةِ البَسيطَةِ المُتواضِعَةِ في مَحَلِّ الفَخَّارِيِّ هُوَ الآتي: ’هل سأكونُ آنِيَة خَزَفِيَّة رائعة أَمْ وِعاءً عَادِيًّا؟ وهل حَياتي ستكونُ آنِيَة رائعة تَليقُ أنْ تُوْضَعَ بِها الخَمْرُ الجَيِّدَةُ (الَّتي تَرْمِزُ إلى حَياةِ الرَّبِّ) حَتَّى يَتَسَنَّى للآخرينَ أنْ يَشْرَبوا مِنْها وَيَنْتَعِشوا، أَمْ أنَّني سأكونُ مُجَرَّدَ وِعاءٍ عَادِيٍّ يَغْمِسونَ أيْدِيَهُم فيهِ بُرْهَةً ثُمَّ يَنْسَوْنَ أَمْرَهُ؟‘ وقد كانتْ تلكَ واحدةً مِنْ أَعْمَقِ اللَّحَظاتِ في حَياتي كُلِّها. وقد صَلَّيْتُ: ’يا أَبَتاه، لِتَكُنْ مَشيئَتُكُ على الأرْضِ، في الطِّيْنِ، فِي حَياتي، كَما هِيَ في السَّماء‘".

وماذا عَنْكَ؟ وَيُتابِعُ كيلَر حَديثَهُ قائلاً إنَّهُ عندما انْتَهى الفَخَّارِيُّ مِنْ عَمَلِهِ، تَرَكَ الدُّولابَ يَدورُ، ثُمَّ أَخَذَ خَيْطًا طويلاً وَمَرَّرَهُ أَسْفَلَ الإناءِ فَقَطَعَهُ. وَهُوَ يَقولُ: "لقد فَكَّرْتُ في الآيةِ الَّتي تَقولُ إنَّنا مُفْرَزونَ لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ. ثُمَّ إنَّ الفَخَّارِيَّ يأخُذُ الوِعاءَ ويَضَعُهُ في فُرْنٍ. وبعدَ أنْ يَجْتازَ كُلَّ تلكَ العمليَّةِ الشَّاقَّةِ فإنَّهُ يَصيرُ جاهِزًا أخيرًا.

أيُّها الأحبَّاء، إنَّ اللهَ يُريدُ أنْ يَعْمَلَ مَشيئَتَهُ في حَياتِكَ. واللهُ يُريدُ أنْ يَجْعَلَ مِنْكَ إناءً رائعًا. ولكِنْ لأنَّكَ تُقاوِمُهُ فإنَّكَ تَصيرُ وِعاءً عَاديًّا. فَعِوَضًا عَنْ أنْ تَكونَ إناءً نَافِعًا لِحِفْظِ خَمْرِ اللهِ الرَّائعةِ الَّتي تَرْمِزُ إلى مَقاصِدِهِ العَظيمة، فإنَّكَ مُجَرَّدُ وُعاءٍ عَاديٍّ يَغْمِسُ النَّاسُ أَصابِعَهُمْ فيهِ وَيَنْسَوْنَ أَمْرَهُ. والنُّقطةُ الجَوهريَّةُ هي: هل أنتَ مُستعدٌّ للسَّماحِ لَهُ بِعَمَلِ مَشيئَتِهِ في قِطْعَةِ الطِّينِ الأرضيَّةِ كما يَفعلُ مَشيئَتَهُ في السَّماء؟ هذا هُوَ جَوْهَرُ صَلواتِكَ. دَعونا نُصَلِّي:

أبَانا السَّماويّ، ما أَعْظَمَ صَلاحَكَ في حَياتِنا كُلِّها مُنْذُ أنْ عَرَفْنا المَسيح. فقد نِلْنا كُلَّ عَطِيَّة صَالِحَة وَمُنْعِمَة. وفي هذا الصَّباحِ، أَعْطَيْتَنا عَطِيَّةً أُخرى إذْ حَصَلْنا على امْتيازِ عِبادَتِكَ وَمُشارَكَةِ حَقِّكَ الثَّمينِ بَعْضُنا مَعَ بَعْض. ويا لَيْتَنا نَقْبَلُ هذهِ العَطِيَّة الصَّالِحَة وألَّا نُسِيءَ استخدامَها. ويا لَيْتَكَ، يا رَبّ، تَقودُنا إلى أنْ نُصَلِّي طَالِبينَ أنْ تأتي ثانيةً، وأنْ نَطْلُبَ حُدوثَ الاهتداءِ في قُلوبِ الخُطاة، وَتَحقيقَ مَشيئَةِ قَصْدِكَ، وَمَشيئةِ رَغْبَتِكَ، وأنْ نُتَمِّمَ مَشيئَتَكَ مِنْ خِلالِ طَاعَتِنا وَخُضوعِنا لِمَشيئَتِكَ إذْ نَسْمَعُ وَنُطيعُ كَلِمَتَكَ الثَّمينة مِنْ دونِ أيِّ مُقاومةٍ لِيَدَيْكَ وَلِماءِ الكلمةِ الَّتي تُشَكِّلُنا لاستخدامِك. اجْعَلْنا آنِيَةً نَافِعَةً للسَّيِّد. باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize