Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افْتَحوا كِتابَكُم المُقَّدَّس على إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادِس. فنحنُ نُتابِعُ الآنَ، بعدَ العُطلةِ وَمَوسْمِ الإجازاتِ، وبعدَ بِضْعَةِ أيَّامِ أَحَد، نُتابِعُ دراسَتَنا لِصَلاةِ التَّلاميذِ المُدَوَّنة في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادِس. صَلاة التَّلاميذِ المُدَوَّنة في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادِس. واسمحوا لي أنْ أَقرأَ هذا المَقطَعَ على مَسامِعِكُمْ مَرَّةً أخرى حَتَّى يَكونَ رَاسِخًا في أذهانِكُم في هذا الصَّباح. فنحنُ نَقرأُ ابتداءً مِنَ العَدَد 9: "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِين". وسوفَ تَتَرَكَّزُ دراسَتُنا في هذا الصَّباحِ على العَدد 11؛ وهي جُملة بسيطة ومألوفة. إنَّها الطِّلْبَة: "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ". سوفَ تُرَكِّزُ دراسَتُنا في هذا الصَّباح على العدد 11؛ وهي جُملة بَسيطة ومَألوفة. فهي الصَّلاةُ: "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ".

والكلمة "خُبْز" تُرينا بَساطَةَ وَأُلْفَةَ هَذِهِ الطِّلْبَة، ولكِنَّها تَنْطَوي أيضًا على مَعْنىً عَميقٍ وبَليغٍ يَسْتَدْعي أنْ نَدْرُسَ هَذِهِ الطِّلْبَةَ دِراسةً مُتَأنِّية. وَأرْجو أنْ تَسْمَحوا لي أنْ أقولَ الآتي في البِداية في هذا الصَّباح: لَطالَما دُهْشْتُ في أثناءِ دِراسَتي لهذا المَقطعِ (ساعةً تِلْوَ الأخرى، ويَومًا تِلْوَ الآخر، وأسبوعًا تِلْوَ الآخر) لَطَالَما دُهِشْتُ بسببِ عُمْقِ هذهِ الصَّلاة. فلم يَحْدُثْ في حياتي، حَتَّى الوقت الَّذي قَدَّمْتُ فيهِ هذهِ السِّلْسِلَة، أنِ استَوْعَبْتُ حَقًّا كُلَّ ما تَحْويهِ هذهِ الصَّلاة مِنْ جِهَةِ غِنَاهَا. والحقيقةُ هي أنَّني كُنْتُ مُتَرَدِّدًا في قلبي بِخُصوصِ تَقديمِ هذهِ العِظَاتِ لأنَّ هَذهِ الصَّلاةَ تُحْفَةٌ رائعةٌ بِحَدِّ ذاتِها. وأنا لم أَشَأ أنْ أُضيفَ أيَّ "مَاكآرْثِيَّة" إلى غِناها. فَهذا يُشْبِهُ، في نَظري، أنْ آخُذَ رِيْشَةً وأُحاوِلَ أنْ أُصْلِحَ لَوْحَةً رَسَمَها الفَنَّان "رامبرانت" (Rembrandt)، أوْ أنْ أحْمِلَ إزْميلاً وأُحاوِلَ أنْ أُساعِدَ "مايكل آنجيلو" (Michelangelo) قليلاً في نَحْتِ المَلاكِ الَّذي نَحَتَهُ. فسوفَ أكونُ قد فَقَدْتُ عَقلي. وقد شَعَرْتُ بالمَشاعِرِ نَفسِها تَقريبًا حينَ حَاولتُ أنْ أَفْهَمَ الصَّلاةَ الرَّبَّانيَّة. فقد شَعَرْتُ أنَّ كُلَّ ما يَنبغي أنْ أَفعلَهُ هو أنْ أَقرأَها فقط، وأنْ أَنتقلَ إلى موضوعٍ آخر وَأسْمَحَ لَها بأنْ تُكَلِّمَكُمْ مِنْ خِلالِ بَساطَتِها المَهيبة. ولكِنْ عندما فَكَّرْتُ في ذلك، شَعَرْتُ بِقُوَّةٍ آسِرَةٍ فيها، وبِحُضورٍ مَهيبٍ لَها، وَباتسِّاعِها الكَبير حَتَّى إنَّنا إنْ لم نَفْهَمْ مِلْءَ ما هُوَ مَكتوبٌ هُنا فإنَّنا سَنُضَيِّعُ بَساطَتَها. لِذا، فقد آثَرْتُ في وَسْطِ هذا التَّضارُبِ أنْ أُحاوِلَ أنْ أَتَوَسَّعَ فيها، وأنْ أُحَلِّلَها، وأنْ أَبْسِطَ أمامَ قُلوبِكُم مِلْءَ ما تَعنيهِ هذهِ الصَّلاة الرَّائعة بِحَقّ.

ونحنُ نَأتي هُنا إلى ما يَبدو أنَّهُ أَبْسَطُ جُزْءٍ فيها بأسْرِها: "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ". ونحنُ نَتساءَلُ عَمَّا إذا كُنَّا بِحَاجَة حقًّا إلى أيِّ أفْكارٍ بهذا الخُصوص. وهذا يُرينا وَحَسْب أنَّنا لا نَفهَمُ حقًّا كُلَّ ما هُوَ مَكتوبٌ هُنا. لِذا، دَعونا نَتأمَّلُ فيها.

لقد أَدَّى تَفكيري في الخُبزِ إلى حَفْزِ أَفكاري في هذا الأسبوع. فقد كنتُ أَقرأُ في الصُّحُفِ عن حقيقةِ أنَّ أمريكا تُحاوِلُ أنْ تَضْغَطَ قليلاً على رُوسيا بسببِ تَدَخُّلِها في أفغانستان، وأنَّها قَرَّرَتْ الآنَ أنْ تُوْقِفَ مِليارات الأطْنان مِنَ الحُبوبِ مِنَ الوُصولِ إلى رُوسيا؛ وهي حُبوبٌ مُخَصَّصَة لإطعامِ الحَيَواناتِ؛ وَهِيَ حَيَواناتٌ مُخَصَّصة لإطعامِ النَّاسِ. ولأنَّ إنْتاجَ الحُبوبِ في رُوسيا يَقِلُّ عَنِ حَاجَتِهم بِنَسبة لا تَقِلُّ عَنْ 20 بالمئة أو رُبَّما أكثر، فإنَّ رُوسيا بِحاجة مُلِحَّة إلى الحُبوبِ الَّتي يُمْكِنُنا نَحْنُ أنْ نُوَفِّرَها لها. ويُفْتَرَضُ أنَّ عَدَمَ تَقديمِ هذهِ الحُبوبِ لهم سَيُؤثِّرُ فيهم. وقد دُهِشْتُ حينَ عَلِمْتُ أنَّنا نَمْلِكُ كُلَّ هذهِ الحُبوب لِنُعْطيها أوْ لِنَبيعَها. وحينَ ابتدأتُ أُفَكِّرُ في هذهِ الفِكرة، أَدركتُ أنَّنا نَمْلِكُ حُبوبًا أكثرَ مِنْ حَاجَتِنا. والحقيقةُ هي أنَّنا إنْ لم نُفْرِغ هذهِ الحُبوب الَّتي لا نَبيعُها إلى رُوسيا، فإنَّ ذلكَ سَيُخَفِّضْ سِعْرَ الحُبوبِ جِدًّا حَتَّى إنَّ كُلَّ المُزارِعينَ سَيُعانونَ كَسادًا. فنحنُ لدينا فائِضٌ كبيرٌ جِدًّا. لِذا، أعتقدُ أنَّ الحُكومة سَتَشتري الحُبوبَ. وهذا يَعني أنَّها سَتَطْبَعُ مَزيدًا مِنَ المَالِ، وأنَّ هذا سَيُحْدِثُ تَضَخُّمًا مَاليًّا، وأنَّنا سَنَبْقى في نَفسِ الوَرطة بأيِّ حَال. ولكِنَّها سَتُوَزِّعُ الحِمْلَ على الجَميع حَتَّى لا يَتَحَمَّلُ المُزارِعونَ كُلَّ العِبْء. ولكِنَّنا نَمْلِكُ كَميَّة كبيرة جِدًّا مِنَ الحُبوب.

وعندما كُنتُ أُفَكِّرُ في ذلك، تَذَكَّرْتُ مَقالَةً نُشِرَتْ في مَجَلَّةِ التَّايم (Time Magazine) أَعْطاني إيَّاها أَحَدُ الأشخاصِ لأقرأها. وقد أَدْرَكْتُ حَقيقةَ أنَّنا حينَ نَـأتي إلى الجُملة "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ"، قد يَبدو أوَّلَ وَهْلَة أنَّها لا صِلَةَ لَها بِنا. وما أعنيهِ هُوَ: مَتى كانت آخر مَرَّة صَلَّيْتَ فيها قائلاً: "يا رَبُّ، أَتَوَسَّلُ إليكَ أنْ تُعْطيني وَجْبَةَ طَعام؟" بل إنَّني لا أُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلْتُ إنَّ صَلاتَكَ الأخيرةَ كانَتْ على هذا النَّحْو: "يا رَبُّ، أرْجوكَ أنْ تَمْنَعَني مِنْ أَكْلِ وَجْبَةٍ أُخرى. عَلِّمْني ضَبْطَ النَّفْس. يا رَبُّ، يَجِبُ عليَّ أنْ أَخْسَرَ بَعْضَ الوَزْن. فأنا لديَّ لا فقط ما يَكفي حاجَتي، بل ما يَكفي أشخاصًا عَديدينَ آخَرين". فهذهِ الصَّلاةُ تَبدو بَعيدةً قليلاً عَنَّا. أليس كذلك؟ وما أعنيهِ هُوَ: مَتى كانت آخر مَرَّة شَعَرْنا فيها بِحاجَتِنا المَاسَّةِ إلى الطَّعام؟ وقد تقولُ إنَّ هذهِ الرِّسالة يَنبغي أنْ تُقَدَّمَ في بنغلاديش أوْ في كَمبوديا أوْ في الصَّحراءِ الإفريقيَّة، أو في مَكانٍ آخر، ولكِنْ ليسَ في أمريكا. فَهِيَ عَديمةُ الصِّلَة بِنا. ولكِنَّ هذا يَكْشِفُ فَقَطْ عَدَمَ فَهْمِنا للحَقِّ العَظيمِ الَّذي تُقَدِّمُهُ لنا.

هل تَعلمونَ كَمْ مِقدارُ الحُبوبِ الَّتي لَدينا في أمريكا؟ الحَقيقةُ هي أنَّ لدينا حُبوبا في أمريكا تَفوقُ قُدرَتَنا على الاستيعاب بِسَببِ التِّكنولوجيا المُتوفِّرة لدينا، وبسببِ خُصوبَةِ التُّربة، وبسببِ المَكَناتِ المُعَقَّدة. فعلى سَبيلِ المِثال، إنَّهُمْ يُجْرونَ الآنَ تَجارِبَ على أنواعٍ جَديدةٍ مِنَ الذُّرَةِ والحُبوبِ الَّتي يَخْتَبِرونَها في المَكسيك والتي تُعيدُ تَدويرَ نَفسِها بِنَفسِها وَتَنْمو مِثْلَ العُشْبِ حَتَّى إنَّكَ لستَ بِحاجة إلى زَرْعِها ثَانِيَةً. فَعُلماءُ الوِراثَة يُجْرونَ الآنَ تَجاربَ على ذُرَةٍ تَطْرَحُ في التُّربة النَّيتروجينَ المُنْبَعِثْ مِنْها وَتُوَفِّرُ عَلينا نَحْوَ ثلاثةَ عَشَرَ مَلْيونَ طُنٍّ مِنَ السَّمادِ الَّذي يَتألَّفُ مِنْ غَازٍ طَبيعيٍّ. وَهَذا تَوفيرٌ للطَّاقة. وقد طَوَّروا الآنَ ذُرَةً تَنْمو عَرانيسُها (أو أكوازُها) إلى الدَّاخل لا إلى الخارِج. وهذا يَعني أنَّهُ يُمْكِنُكَ أنْ تَزرَعَها مُتلاصِقَةً وأنَّ الحُقولَ يُمْكِنُ أنْ تُعْطي ضِعْفَيْ أوْ ثَلاثَةَ أضْعافِ الإنتاج. وَهُناكَ المَكَناتُ المُتوفِّرة لدينا. فَعلى سَبيلِ المِثالِ، فإنَّ مَكَنَةً وَاحِدَةً سِعْرُها مِئَةَ ألْفِ دُولار يُمْكِنُها أنْ تَحْصُدَ كَمِيَّةً مِنْ فُوْلِ الصُّويا يُقَدَّرُ ثَمَنُها بِمِئَةٍ وثَمانيةَ عَشَرَ ألفَ دولارٍ في اليومِ الواحِد. مَكَنَة واحِدة فقط مِنْ تَلكَ المَكَنات.

فبسببِ الجَوِّ الرَّائعِ والأرضِ والتِّكنولوجيا، فإنَّ المَحاصيلُ الأمريكيَّة تَفوقُ تَخَيُّلَنا. والحقيقةُ هي أنَّ مَحاصيلَنا في هذهِ السَّنة تُقَدَّرُ بِواحِدٍ وَسِتِّينَ مِليار دولار. وهذا يَفوقُ دَخْلَ السَّنَةِ الماضية بِنحوِ 17 بالمئة إذْ إنَّهُ بَلَغَ 52 مِليار دولار. وأنا أقولُ ذلكَ لكي أُعطيكُمْ فِكْرَةً وَحَسْب عَن ذلك. فالذُّرَةُ وَحْدُها يُمْكِنُ أنْ تَملأَ مَلْيونَيْ عَرَبَةِ قِطارِ نَقْلٍ ضَخْمٍ يَعْبُرُ أمريكا مِنْ أقصاها إلى أَقْصاها ذَهابًا وَإيابًا ثلاثَ عَشْرَةَ مَرَّة. ونحنُ لَدينا الآنَ مَكَناتٌ كافِيَة حَتَّى إنَّها إنْ وُضِعَتْ مُتلاصِقَةً فإنَّها تَقْدِرُ أنْ تَحْصُدَ وِلايَة "آيوا" (Iowa) في يومٍ واحد. وبالمُناسبة، إنْ أَرَدْتُمْ أنْ تَحْصُدوا وِلاية "آيوا" بالطَّريقة المُعْتادَة بِاستخدامِ قُوى عامِلَة بَشريَّة فإنَّ ذلكَ يَتطلَّبُ واحِدًا وثلاثينَ مَليونِ شَخْصٍ وَواحِدٍ وَسِتِّينَ مَليونِ حِصَان. ولكِنَّ التِّكنولوجيا أَعْطَتْنا قَدْرًا هائلاً مِنَ إنتاجِ المَوادِ الغِذائيَّة.

لِذا، عندما نَقولُ "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ" فإنَّ هذا المَفهومَ بَعيدٌ عَنَّا قَليلاً. وما أعنيهِ هُوَ أنَّني ذَهَبْتُ للتَّسَوُّقِ مَعَ زَوجتي مَساءَ أمس. وبصراحة، كانَ هُناكَ خُبْزٌ لا يُعَدُّ وَلا يُحْصَى، ولا نِهايَةَ لَهُ في المَتْجَرِ الَّذي كُنْتُ فيه. فيُمكِنُكَ أنْ تَحصُلَ على أيِّ نَوْعٍ مِنَ الخُبْزِ بأيِّ لَوْنِ غِلافٍ تُريد. وَلَمْ يَبدُ لي أنَّ الخُبْزَ هُوَ طِلْبَة رَئيسيَّة في هذا الوقت. إذًا، ما الَّذي تَعنيهِ هذهِ الصَّلاة لَنا؟ وما الَّذي يَقولُهُ هذا النَّصُّ لَنا؟ أَمْ أنَّهُ يَنبغي لنا وَحَسْب أنْ نَعِظَ عِظَةً وأنْ نَقول: "حسنًا، يجب عليكم أنْ تَتَخَيَّلوا أنَّهُ لا يُوجَدُ لديكم أيُّ خُبْزٍ. وإنْ كانَ بِإمكانِكُم أنْ تَتَخَيَّلوا أنَّهُ لا يوجدُ أيُّ خُبْزٍ، يُمكِنُكَم أنْ تَتَخَيَّلوا أنَّكُمْ يَائِسون، وأنْ تَتَخَيَّلوا أنَّكُمْ تُصَلُّونَ وَتَطْلُبونَ خُبْزًا". ولكِنَّ هذا الكَلامَ غيرُ واقِعِيٍّ البَتَّة. إذًا، هَلْ هذا النَّصُّ يُخْبِرُنا شيئًا ما؟ أعتقدُ أنَّهُ يُخْبِرُنا شيئًا. فَلْنَعرِف ما هُوَ.

أوَّلاً، يجب عليكم أنْ تَفهموا السِّياقَ. فالرَّبُّ يَتحدَّثُ عنِ الصَّلاةِ هُنا لأنَّ الصَّلاةَ واحِدَة مِنْ عَناصِرِ المَلكوت. وَإنْجيلُ مَتَّى بِأسْرِهِ يُقَدِّمُ المَسيحَ بِوَصْفِهِ مَلِكًا (في كُلِّ الأصحاحاتِ الثَّمانيةِ والعِشرين). والأصحاحاتُ مِنْ 5 إلى 7 تُقَدِّمُ سِماتِ مَمْلَكَتِهِ، أوْ مَعايير مَملَكَتِهِ، أوْ مَبادِئ مَملكَتِهِ. وواحِدَة مِنْ هذهِ السِّماتِ هِيَ الصَّلاة. لِذا فإنَّ المسيحَ يُقَدِّمُ هنا الطَّريقةَ الصَّحيحةَ للصَّلاة، والنَّمَطَ الصَّحيحَ للصَّلاة. وفي هذهِ الصَّلاة البسيطة جدًّا، نَجِدُ كُلَّ العناصِرِ اللَّازِمَةِ للصَّلاةِ إنْ أَردتُم أنْ تُصَلُّوا بحسبِ مِعْيارِهِ. وواحدٌ مِنْ عَناصِرِ الصَّلاةِ هُوَ أنْ نُصَلِّي لأجْلِ خُبْزِنا اليَومِيِّ. وهذهِ الصَّلاةُ لا تَفْتَرِضُ أنَّهُ يُوْجَدُ لدينا خُبْزٌ أوْ لا يُوْجَدُ لدينا خُبْز. بل إنَّها تَذْكُرُ الخُبْزَ وَحَسْب. ويجب علينا أنْ نَقْبَلَ هذهِ الصَّلاةَ كَما هِيَ. فيجب علينا أنْ نَعرِفَ كيفَ نُصَلِّي. ففي هذهِ الصَّلاة، يُقَدِّمُ لنا الرَّبُّ نَموذَجًا لِصَلواتِنا لا مَثيلَ لَهُ في الكتابِ المقدَّس. وقد انْتَهَيْنا مِنَ الحَديثِ عن ذلك. فقد صَرَفْنا سِتَّةَ أسابيع في الحَديثِ عن ذلك. ولا أريدُ أنْ أَعودَ إلى نَفْسِ الحَديثِ، ولكنِّي أريدُ مِنكُم أنْ تَعلموا أنَّ هذهِ الصَّلاةَ هِيَ نَموذَجٌ لِكُلِّ صَلواتِكُم. وهل تَعْرِفونَ ما الَّذي وَجَدْتُ نَفسي أَفْعَلَهُ حينَ أُصَلِّي سَواءٌ صَلَّيْتُ مَعَ شُيوخِ الكَنيسةِ، أو صَلَّيْتُ في البيتِ، أو صَلَّيْتُ في المَكتَبِ، أوْ صَلَّيْتُ في أيِّ مَكانٍ أكونُ فيه كَما هِيَ الحالُ حينَ أُصَلِّي في أثناءِ قيادَتي للسيَّارة، أوْ حينَ أُكَلِّمُ الرَّبَّ، أوْ حينَ أُصَلِّي مَعَ شخصٍ ما في المَجموعة، أو مَعَ شَخصينِ مُجْتَمِعَيْن، أوْ في أيِّ موقفٍ آخر؟ لقد وَجَدْتُ نَفسي أُصَلِّي وَفْقًا للهيكلِ العَظميِّ المُبَيِّنِ في هذا المَقطع، وَأَسْتَخْدِمُ كُلَّ مَبدأٍ مِنْ هذهِ المَبادئ. فأنا أُصَلِّي وَفْقًا لها. وهذا هُوَ ما أُصَلِّيه: أنْ يَجعلَ اللهُ هذهِ الصَّلاةِ نَموذَجًا لِصَلواتي لكي تَتَمَثَّلَ صَلاتي بِصَلاةِ المَسيح. وأرجو أنْ يَحدُثَ ذلكَ في صَلاتِكُم أنتُم أيضًا.

ولكِنْ في هذهِ الصَّلاة، لاحَظْنا أوَّلاً أنَّهُ يوجدُ مَقْطَعان: الأوَّلُ يَختصُّ باللهِ، والثَّاني يَختصُّ بالإنسان. فالأوَّلُ يَختصُّ بِمَجْدِ اللهِ، والثَّاني يَختصُّ بحاجاتِ الإنسان. وقد رأينا في الجُزءِ الأوَّلِ ثَلاثَ طِلْباتٍ: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". وهذهِ تُرَكِّزُ على اللهِ وَمَجْدِه. ثُمَّ إنَّنا رأينا ثَلاثَ طِلْباتٍ أُخرى تُرَكِّزُ على الإنسانِ وحاجاتِه: "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا ...، وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ". إذًا، اللهُ هُوَ النُّقطة الجَوهريَّة هُنا. وما لم يأخُذِ اللهُ مَكانَهُ الصَّحيح، لا يَستطيعُ الإنسانُ أنْ يُصَلِّي صَلواتٍ صَحيحة بخصوصِ حَاجاتِه. تَذَكَّروا ذلك.

فأوَّلاً، نَرى اسْمَ اللهِ، وَمُلْكَ اللهِ، ومَشيئةَ اللهِ؛ ثُمَّ إنَّنا نَنتقِلُ إلى حاجاتِ الإنسان. فلا يُمكِنُنا أنْ نُصَلِّي صَلواتٍ صحيحة بِخُصوصِ أوضاعِنا البشريَّة ما لم يأخُذِ اللهُ مَكانَهُ الصَّحيح. والآن، أَوَدُّ أنْ أُضيفَ مَا يَلي: أنَّهُ حينَ نَأتي إلى الجُزءِ الثَّاني مِنْ هذهِ الصَّلاة، فإنَّنا لا نَضَعُ اللهَ جَانِبًا. فَمَعَ أنَّ اللهَ مُمَجَّدٌ بِصورة رئيسيَّة في النِّصْفِ الأوَّل، فإنَّ النِّصْفَ الثَّاني يُمَجِّدُهُ أيضًا ولا يَضَعَهُ جانِبًا. فعلى سَبيلِ المِثالِ، فإنَّ حَقيقةَ أنَّ اللهَ يُعطينا خُبْزَنا اليَوميَّ، ويَغْفِر ذُنوبَنا، ولا يُدخِلنا في تَجربة تُعَبِّرُ عن قُدرَتِهِ ونِعمَتِه. لِذا فإنَّ اللهَ يأتي إلى الأرضِ [إنْ جَازَ القَوْلُ] في الجُزءِ الثَّاني. والآنْ، لاحِظوا مَا يَلي: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ [أيْنَ] كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ". فكيفَ يُقَدِّسِ اللهُ اسْمَهُ، ويأتي بِمَلكوتِهِ، وَيَفْعَل مَشيئَتَهُ على الأرض؟ بأنْ يُعْطينا خُبْزَنا اليَوميَّ، وبأنْ يَغفِرَ لنا ذُنوبَنا، وبأنْ يُرْشِدَنا في حَياتِنا.

بِعبارة أخرى، وكأنَّ النِّصفَ الثَّاني يأتي باللهِ إلى صُلْبِ الحَياةِ البَشريَّة، ويأتي باللهِ إلى الأرض، ويأتي باللهِ إلى الوُجودِ البَشريِّ. لِذا فإنَّ هَذَيْنِ الجُزءَيْنِ مُتلازِمان. فلا يَجوزُ أنْ نَظُنَّ أنَّ الطِّلْباتِ الثَّلاثِ الأولى هِيَ تَمَلُّقٌ للهِ بِمَعنى أنَّنا نَتَمَلَّقُ اللهَ في الطِّلباتِ الثَّلاثِ الأولى ثُمَّ نَلْتَمِسُ مِنْهُ مَا نُريدُهُ لأنفُسِنا. لا! بل نحنُ نَقولُ: "يا رَبّ، مَجِّدْ نَفسَكَ مِنْ خِلالِ سَدِّ حاجاتِنا اليوميَّة. يا رَبُّ، مَجِّد نَفسَكَ مِنْ خلالِ مُسامَحَتِنا الدَّائمة على خَطايانا. يا رَبُّ، مَجِّد نَفسَكَ مِنْ خِلالِ قِيادَتِنا وإرشادِنا رُوحيًّا في حَياتِنا. يا رَبّ، أَظْهِرْ نَفسَكَ في عَالَمِكَ حَتَّى يَأتي مَلكوتُكَ على الأرض. لِذا، فإنَّنا لا نَضَعُ اللهَ جانِبًا بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. فالصَّلاةُ لا تَعني البَتَّة أنْ نَتَمَلَّقَ اللهَ ثُمَّ نَطْلُب أُمورًا مُعَيَّنَةً مِنْه.

وَكَمْ يَحْزَنُ قلبي دائمًا اليومَ بسببِ هذهِ الحَرَكَةِ الَّتي اخْتَرَقَتِ المَسيحيَّةَ وَعَلَّمَتِ النَّاسَ أنْ يَطلُبوا أشياءً مِنَ اللهِ. فقد أَرسَلَتْ إلَيَّ سَيِّدَةٌ كُتَيِّبًا وقالت لي: "لا أَظُنُّ أنَّكَ تَفهَمُ المَصدرَ الحَقيقيَّ الَّذي لَدينا في الصَّلاة. أرجو أنْ تَقرأَ هذا الكُتَيِّب". والكِتابُ يَقولُ المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّة إنَّنا نَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في أنْ نَطْلُبَ أشياءً مِنَ اللهِ بِسَبَبِ هُوِيَّتِنا. ولكِنَّ هذهِ ليست النُّقطة الجوهريَّة في الصَّلاة ... البَتَّة. فيجب علينا أنْ نُعطي اللهَ الامتيازَ والفُرصةَ لكي يُظْهِرَ مَجْدَهُ مِنْ خلالِ سَدِّ أعمقِ حاجاتِنا البَشريَّة. ولكِنَّنا نَفعلُ ذلكَ لأنَّنا نُريدُ أنْ نُمَجِّدَ اللهَ، لا لأنَّنا نُريدُ أنْ نَطْلُبَ مِنْهُ طِلْباتٍ لِمَنْفَعَتِنا. فإنْ صارتِ الصَّلاةُ تَتَرَكَّزُ على الإنسانِ، وإنْ صارتِ الصَّلاةِ تَترَكَّزُ على الذَّاتِ، وإنْ صارتِ الصَّلاةُ أنانيَّةً بأيِّ مَعْنى مِنَ المَعاني، فإنَّها لن تَعودَ الصَّلاةُ الَّتي قالَ رَبُّنا إنَّها ينبغي أنْ تَكونَ السِّمَةَ المُمَيِّزَةَ لِمَلكوتِهِ. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ أُناسًا كثيرينَ يُخاطِبونَ اللهَ بتلكَ الطَّريقة.

فنحنُ نُخاطِبُ اللهَ مِنْ خلالِ الصَّلاةِ مِنْ أجلِ الحُصولِ على شَيءٍ لَنا، لا لِنَسْمَحَ لَهُ أنْ يُمَجِّدَ اسْمَهُ. وحينَ نُريدُ شيئًا مُعَيَّنًا ولا نَحصُلُ عليه فإنَّنا نَبتدئُ في الشَّكِّ في الله. في حين أنَّهُ لو أَعْطينا اللهَ الحَقَّ في اختيارِ الطَّريقةِ الَّتي يُريدُ أنْ يُعْلِنَ فيها مَجْدَهُ، فإنَّ رَدَّ فِعْلِنا على أيِّ شيءٍ قَدْ يَفْعَلُهُ سيكونُ: "لِيَكُنْ ذلكَ لِمَجْدِكَ. فإنْ كانَتْ هذهِ هي الطَّريقةُ الَّتي اخْتَرْتَها لِتَمْجيدِ اسْمِكَ، لِتَكُنْ". أمَّا عندما نَصيرُ أنانِيِّينَ في صَلواتِنا، فإنَّنا نَبتدئُ في الشَّكِّ في اللهِ. وهذهِ خَطيئة خَطيرة. فنحنُ ذَرائِعيُّونَ في مُجتمَعِنا. ونحنُ نُفَكِّرُ في الصَّلاةِ تَفكيرًا تِجارِيًّا مَحْضًا. فنحنُ نُصَلِّي بطريقةٍ تُشْبِهُ وَضْعَ قِطعةٍ نَقديَّةٍ في آلَةٍ مَا والضَّغطِ على زِرٍّ للحُصولِ على شيءٍ بالمُقابِلِ لأنفُسِنا. لِذا، فإنَّنا نُعامِلُ الصَّلاةَ بتلكَ الطَّريقة.

والحقيقة هي أنَّنا نُعامِلُ أمورًا كثيرةً بتلكَ الطَّريقة. فأنا أُفَكِّرُ في العَطاءِ غَالِبًا. فهناكَ أُناسٌ أَعرِفُ أنَّهُمْ يُعْطونَ كَيْ يأخُذوا. فَهُمْ يَسمعونَ عِظَةً تَقولُ إنَّكَ إنْ أَعطيتَ الرَّبَّ فإنَّهُ سَيُعطيكَ بالمُقابِلِ كَيْلاً مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا. فإنْ أَعْطيتَ الرَّبَّ فإنَّهُ سيُعطيكَ أَضعافًا مُضاعَفَةً. وهذا صَحيح. ولكِنَّنا لا نُعْطي لهذا السَّبب. فهذا شَيءٌ يَختارُ اللهُ أنْ يَفعلَهُ. ولكِنَّ سَبَبَ عَطائِنا هُوَ أنْ يَتَمَجَّدَ مِنْ خِلالِ عَمَلِهِ، لا لِكَيْ نَأخُذ. وهذا يُذَكِّرُني بتلكَ السَّيِّدة الَّتي أَرْسَلَتْ خَمْسة دولارات إلى الأُسْقُف "شين" (Bishop Sheen). وفي اليومِ التَّالي تَسَلَّمَتْ شِيْكًا بمبلغِ مِئَة دولار في البَريد. فقد رَبِحَتْ في مُسابَقة. وقد قالَت لابْنِها الشَّابِّ: "هذا رائعٌ جدًّا! فالعَطاءُ يُجْدي نَفْعًا". وقد رَدَّ عليها ابْنُها قائلاً: "إنْ كانَ قَدْ أَجْدى نَفْعًا مِنَ المَرَّةِ الأولى، لِمَ لا تُرْسِلينَ المِئَةَ دولار إلى الأسقُف شين وَنُراقِب ما سَيَحْدُث". وَكَأنَّ الأمرَ يُشْبِهُ سِباقًا على حِصان. فأنتَ تُراهِنُ بِمِئَةِ دولارٍ على الأُسقُف شين. وقد قالَ وَاحِدٌ مِنَ الكُتَّابِ: "لو كانت كُلُّ الشَّهاداتِ الَّتي تُقالُ في الاجتماعاتِ السَّنويَّةِ تُقابَلُ بالتَّصديق، لَحَظِيَتِ العُشورُ بِسُمعةٍ رائعةٍ لأنَّها تُدِرُّ أرْباحًا هائلةً، ولكانَتْ تُعَلَّمُ كمَبدأٍ استثماريٍّ في كُليَّاتِ الدِّراساتِ التِّجاريَّة". وأعتقدُ أنَّنا نَنظُرُ بالطَّريقةِ نَفسِها إلى الصَّلاةِ في أحيان كثيرة أيضًا. فنحنُ نَستخدِمُ الصَّلاةَ كَوَسيلة للأخذِ، لا كَواسِطَة نُعْطي مِنْ خِلالِها المَجْدَ للهِ لأنَّ هذا هُوَ الهَدَف بحسب ما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 14: 13.

والآن، لِنَنظُر إلى الطِّلْباتِ الثَّلاثِ الَّتي تُعْطي اللهَ الفُرصةَ لتمجيدِ نَفسِه. أوَّلاً: "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ". وَهَذِهِ طِلْبَة تَختصُّ بالحَياةِ الماديَّة ... بالحَياةِ الماديَّة. ثانيًا: "وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا". وهذهِ طِلْبَة تَختصُّ بالحَياةِ النَّفسيَّة. وسوفَ نَقولُ المَزيدَ عَنْ هذهِ النُّقطة في المَرَّة القادِمة. ثالثًا: "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّير". وهذهِ طِلْبَة تَختصُّ بالحَياةِ الرُّوحيَّة. فالخُبْزُ يَختصُّ بحياتِنا المادِّيَّة. والغُفرانُ يُحَرِّرُ أذهانَنا مِنَ القَلَقِ والشُّعورِ بالذَّنْبِ وَعِبْءِ الخَطيَّة. وإرشادُنا وإنقاذُنا مِنَ الشَّرِّ هُوَ التَّوجيهُ الرُّوحِيُّ. وبالمُناسبة، فإنَّ الخُبْزَ يَهْتَمُّ بالحاضِرِ، والغُفرانُ يَهْتَمُّ بالماضي، والعَوْنُ يَهْتَمُّ بالمُستقبَل. لِذا فإنَّ جَميعَ جَوانِبِ الحَياةِ مُغَطَّاة، وجَميعَ احتياجاتِ الحَياةِ مُغَطَّاة. وهذا مُدهشٌ. فَمِنَ المُدهِشِ والرَّائعِ أنْ نَرى كيفَ أنَّ عَقْلَ اللهِ غير المَحدود يَستطيعُ أنْ يُلَخِّصَ كُلَّ الاحتياجاتِ البَشريَّة في ثلاثِ جُمَلٍ بسيطةٍ؛ ولكِنَّها عَميقة.

والآن، اسمعوني يا أحبَّائي: إنَّ هذهِ الصَّلاةَ بأسرِها تُمَجِّدُ اللهَ ... بأسرِها. "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". هذِهِ هِيَ أُبوَّةُ اللهِ (كَما رَأينا). "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ". هذهِ هيَ أولويَّةُ اللهِ. "لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ". هذا هوَ بَرْنامَجُ اللهِ. "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". هذا هُوَ قَصْدُ اللهِ. "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ". هذا هُوَ سَدُّ اللهِ لاحتياجاتِنا. "وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا". هذا هُوَ غُفرانُ اللهِ. "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَة". هذهِ هِيَ حِمايةُ اللهِ. وأخيرًا، هُناكَ سُمُوُّ اللهِ: "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِين". فَهذهِ الصَّلاةُ كُلُّها هِيَ لِتَمجيدِ الله. لا تَنْسَوْا ذلكَ البَتَّة. فإنْ لم تَتَعَلَّموا أيَّ شيءٍ آخَر مِنْ هذا الدَّرسِ، تَعَلَّموا أنَّ كُلَّ صَلواتِنا هِيَ لأجْلِ مَجْدِ اللهِ. كُلُّها. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ حَتَّى عندما تَأكلونَ الطَّعامَ فإنَّكُم تَفعلونَ ذلكَ لأجْلِ مَجْدِ اللهِ، لا أجْلِ سَدِّ احْتياجِكُم بِصورة رَئيسيَّة. هل تَعلمونَ ذلك؟ لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 10: 31: "فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ..." [لأيِّ غَايَة؟] "...لِمَجْدِ اللهِ". وقد تَقول: "وكيفَ يُمْكِنُ أنْ يَكونَ تَناوُلُ الطَّعامِ لأجْلِ مَجْدِ اللهِ؟" إنَّهُ كذلكَ إنْ كُنْتُم تَعلمونَ مِنْ أيْنَ يأتي. أليسَ كذلك؟ وَهُوَ كذلكَ إنْ كُنْتُم تَذكرونَ مَصْدَرَ طَعامِكُم. وَهُوَ كَذلك إنْ كُنتُم تَذكرونَ قُدرَتَكُم على التَّمَتُّعِ بالمَذاق. وَهُوَ كذلك إنْ كُنتُم تَشكرونَ ذاكَ الَّذي يُغَذِّينا مِنْ خِلالِ الطَّعام. فَكُلُّ شيءٍ هُوَ لِمَجْدِ اللهِ. كُلُّ شيء. لِذا فإنَّ الصَّلاةَ هِيَ لِمَجْدِهِ.

لِذا فإنَّنا نأتي إلى هذهِ الفِكرة بأنَّهُ مَهما طَلَبْنا، فإنَّ ذَلكَ يَؤولُ إلى مَجْدِهِ حينَ نَطْلُبُ، لا لأجْلِ مَنْفَعَتِنا. فنحنُ لا نُضْجِرُ اللهَ لكي نُرْغِمَهُ على تَغييرِ فِكْرِهِ مِنْ نَحْوِنا. وقد قالَ "ديفيد مايرز" (David Meyers) في كِتابٍ لَهُ بِعُنوان "الأُحْجِيَة البَشَريَّة" (The Human Puzzle): "يبدو أنَّ بعضَ صَلواتِ التَّضَرُّعِ تَفْتَقِرُ لا فقط إلى الإيمانِ بِصلاحِ اللهِ المُتأصِّلِ فيه، بل إنَّها تَميلُ أيضًا إلى رَفْعِ شَأنِ الإنسانِ وإعطائِهِ سُلْطانًا يَفوقُ سُلْطانَ الله. فاللهُ، كَما يُذَكِّرُنا الكتابُ المقدَّسُ، كُلِيُّ العِلْمِ وكُلِّيُّ القُدرةِ. وَهُوَ السَّيِّدُ صاحِبُ السِّيادَةِ المُطلَقَةِ على العالَم. وحينَ يُصَلِّي المَسيحيُّونَ كما لو أنَّ اللهَ دُمْيَة يُحَرِّكونَها مِنْ خُيوطِها مِنْ خِلالِ صَلواتِهِم، فإنَّ هذا ليسَ خُزَعْبلاتٍ وَحَسْب، بل إنَّهُ تَجْديفٌ أيضًا. فعندما تُسْتَخْدَمُ الصَّلاةُ كَوَسيلة للحُصولِ على الصِّحَّةِ والنَّجاحِ والطِّلْباتِ الأُخرى مِنْ مَكَنَةِ بَيْعٍ سَماويَّة، فإنَّنا قد نَتساءَلُ عَنْ سَبَبِ التَّرويجِ إليها. فَهَلْ هُوَ الإيمانُ أَمْ أنَّهُ إيمانٌ مُزَيَّف وَصُورةٌ مَمْسوخَة عَنِ المسيحيَّة الحَقيقيَّة؟" وقد قالَ "إلتون تروبلود" (Elton Trueblood): "في بعضِ الكَنائِسِ، صارَ الإنجيلُ مُجَرَّدَ فَنٍّ يُرَكِّزُ على إشباعِ الذَّات. فَكُلُّ مَا تَبَقَّى مِنْهُ هُوَ الأنانيَّة". وهُناكَ الكَثيرُ مِنْ هذا اليوم في المسيحيَّة حيثُ صارتِ الصَّلاةُ مُجَرَّدَ طِلْباتٍ أنانيَّة تَرْمي إلى إشباعِ الذَّاتِ، وإشْباعِ الرَّغْباتِ الشَّخصيَّةِ، والحُصولِ مِنَ اللهِ على ما أُريد. وهذا لا يَجوز. فَمَعَ أنَّ هذهِ الطِّلْباتِ المُدَوَّنة هُنا تَخْتَصُّ بِحاجاتِنا الأساسيَّة، فإنَّها طُرُقٌ يَتَمَجَّدُ فيها اللهُ على الأرضِ وَيَصيرُ فيها ظاهِرًا. لِذا فإنَّ "جيه.آي. باكر" (J.I. Packer) يَقول: "صَلاةُ المَسيحيِّ هي ليست مُحاولةً لِلَيِّ ذِراعِ اللهِ، بل هي إقرارٌ مُتواضِعٌ بالعَجْزِ والاتِّكالِ عليه".

لِذا، بعدَ أنْ صَارَتْ لدينا نَظرة صَحيحة إلى الصَّلاة، لِنَنظر إلى هذهِ الطِّلبةِ الَّتي تُمَجِّدُ اللهَ: "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ". فهذهِ حاجة أساسيَّة لدى الإنسان. والكلمة "خُبْز"، يا أحبَّائي، تَعني كُلَّ حاجاتِ الإنسانِ الماديَّة. فهي مُصْطَلَحٌ شَامِلٌ. فهي صَلاةٌ لأجْلِ سَدِّ حاجاتِ الإنسانِ الماديَّة. وهذا شيءٌ واضحٌ جدًّا. ولكِنْ في مُجتَمَعِنا، إنَّها كَلِمَة بَعيدة عَنَّا إلى حَدٍّ مَا لأنَّ لدينا الكَثير جدًّا. الكثير جدًّا. وما الَّذي تَعنيهِ هذا الصَّلاة لَنا حَقًّا؟ لِنَعرِف ذلك. قبلَ كُلِّ شيء، أُريدُ أنْ أقولَ إنَّنا سَنَتطرَّقُ إلى خَمْسِ نِقاطٍ: اثنَتَيْن في هذا الصَّباح، وثَلاثة في المَرَّة القادِمَة. ولكِنِّي أريدُ مِنكُم أنْ تَعرِفوها لأنَّها مُهِمَّة جدًّا.

أوَّلاً، المادَّة. فما هي المادَّة هُنا؟ إنَّها الخُبْز. هَلْ تَرَوْنَهُ في العدد 11؟ الخُبْز. ولكِنَّ الآيَةَ لا تَتحدَّثُ فقط عنِ الخُبْزِ بِمَعنى "رَغيفِ خُبْز". فالصَّلاةُ "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ" تُشيرُ إلى الأشياءِ الماديَّة. فكما تَعلمونَ، فإنَّ الإنسانَ لا يَستطيعُ أنْ يَكونَ كائِنًا رُوحيًّا إلَّا إذا كانَ كائِنًا مَاديًّا. أليسَ كذلك؟ فلا بُدَّ أنْ يَبتدئَ اللهُ بالأشياءِ المَاديَّة. وَكَمْ يُدْهِشُني أنْ أَرى أنَّ اللهَ، اللهَ الَّذي هُوَ إلَهُ التَّاريخِ السَّماويِّ اللَّامُتَناهي، اللهُ الَّذي هُوَ إلَهُ الفَضاءِ، اللهُ الَّذي لا يَحُدُّهُ زَمَن، اللهُ الأزليُّ، اللهُ إلَهُ الكَوْنِ القُدُّوسُ قَداسَةً مُطْلَقَةً الَّذي يُمْسِكُ كُلَّ الكَواكِبِ السَيَّارَةِ والنُّجومِ الدَوَّارَةِ في كَفِّ يَدِهِ، أنَّ هذا الإلَهَ نَفسَهُ يَهْتَمُّ بِسَدِّ حَاجَاتِي الماديَّة، وأنَّ هذا الإلَهَ يَهتمُّ بِحَقيقَةِ أنْ تَكونَ لَدَيَّ وَجْبَةُ طَعامٍ آكُلُها، ومَلابِسُ أَرْتَديها، وَمَكانٌ أَرْتاحُ فيه. وَكَمْ يُدْهِشُني أنَّ ذلكَ الإلَهَ، ذلكَ الإلَهَ الأزليَّ غيرَ المَحدودِ، قد جاءَ إلى الأرضِ مِنْ خِلالِ مَحَبَّتِهِ وَعِنايَتِهِ، وأنَّهُ مُهْتَمٌّ بِسَدِّ الحَاجاتِ في حَياتِنا أنا وَأنتَ مِنَ النَّاحِيَةِ المَاديَّة. وَحَتَّى إنَّهُ يَضَعُ شُروطًا مُعَيَّنَةً لِسَدِّها. وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ في الأسبوعِ القادِم.

ولكِنَّ الخُبْزَ يَأتي تَمامًا في نِطاقِ تلكَ النَّاحِيَةِ الماديَّة. وقد أَصابَ "مارتن لوثر" حينَ قال: "كُلُّ شيءٍ ضَروريّ لاستمرارِ هذهِ الحياةِ هُوَ خُبْزٌ. وهذا يَضُمُّ الطَّعامَ، والجَسَدَ المُعَافَى، والطَّقْسَ الجَيِّد، والمَنزِلَ، والبيتَ، والزَّوجةَ، والأولادَ، والحُكومة الجَيِّدة، والسَّلام" [نِهايةُ الاقتباس]. فقد رَأى أنَّ هذا يَشْمَلُ كُلَّ العَناصِرِ الماديَّةِ في الحياةِ، أيِ الحاجاتِ الأساسيَّة، ولكِنْ ليسَ رَفاهِيَّاتِ الحَياة. ولا أَعتقد أنَّنا نَستطيعُ أنْ نَطْلُبَ مِنَ اللهِ رَفاهيَّاتِ الحَياةِ على أساسِ هذهِ الآية، بل فَقَطْ الحاجاتِ الأساسيَّة. أمَّا ما يَشاءُ أنْ يُعطينا إيَّاه مِنَ الرَّفاهِيَةِ فهذا يَعودُ إلى يَدِهِ المُنْعِمَة. ولكِنَّهُ وَعَدَ أنْ يُعطينا الحاجاتِ الأساسيَّة. وَهَلْ تَذكرونَ ما جاءَ في سِفْرِ الأمثال والأصحاح 30؟ فالأصحاحُ الثَّلاثون مِنْ سِفْرِ الأمثال كَتَبَهُ "أَجور". وَهُوَ يَقولُ في العددَيْن 8 و 9: "يا رَبُّ، لاَ تُعْطِنِي غِنًى فَأنْساكَ، ولا تُعْطِني فَقْرًا لِئَلَّا أَسْرِقَ وَأَتَّخِذَ اسْمَكَ بَاطِلاً. أَطْعِمْنِي وَحَسْب مَا يَكفي حَاجَتي". وأنا أعتقد أنَّ هذِهِ الطِّلْبَةَ هِيَ لُبُّ الأمر. فهي ليست طِلبة أنانيَّة، وهي لا تَقولُ: "أعْطِني المَزيدَ والمَزيدَ والمَزيدَ والمَزيد". بل تَقولُ وَحَسْب: "يا رَبّ، أعْطِني حَاجَتي".

ولكِنْ قد تَقول: "جون! ليست هُناكَ حاجاتٌ في حَياتِنا. لِذا، فإنَّنا لَسنا بِحاجة إلى هذهِ الصَّلاة!" بَلَى، إنَّنا بِحاجة إليها. وأنا أريدُ مِنْكُم أنْ تَفهموا النُّقطة التَّالية: إنَّ هذهِ الطِّلْبَة هي لَنا، ولكِنَّها ليست صَرْخَةً يائِسَةً يُطْلِقُها شخصٌ يَتَضَوَّرُ جُوْعًا. وبالمُناسَبة، هُناكَ وُعودٌ في الكتابِ المقدَّس تُشيرُ إلى أنَّهُ إنْ كانَ الإنسانُ بَارًّا، فإنَّ اللهَ سَيَسُدُّ حاجاتِ ذلكَ الشَّخص. فاللهُ لا يَشاءُ أنْ يَمْنَعَ الحاجاتِ الأساسيَّةِ عنْ شَخْصٍ بَارٍّ مِنْ أولادِهِ (كَما يَقولُ الكتابُ المقدَّس). لِذا فإنَّ اللهَ سَيَسُدُّ حَاجَةَ أيِّ شخصٍ في أيِّ مَوقِفٍ إنْ كانَ بارًّا في إطارِ مَشيئَتِه. لِذا، قد يَقولُ ذلكَ الشَّخصُ: "إنَّ اللهَ يَسُدُّ حاجَتي، وأنا شخصٌ بَارٌّ. إذًا، ما الحاجَةُ إلى الصَّلاة؟" لِذا فإنَّ الغايَةَ الرَّئيسيَّةَ مِنْ هذهِ الصَّلاةِ هي أنْ نُقِرَّ بأنَّ كُلَّ شَيءٍ نَحْصُلُ عليهِ هُوَ مِنَ الله. فَنَحْنُ نَقولُ: "يا رَبّ، أريدُ أنْ أقولَ لَكَ إنَّني أُدْرِكُ أنَّكَ أنتَ هُوَ مَصْدَرُ حَياتي الَّذي يُوَفِّرُ لِيَ الطَّعامَ وَالمَأوى والمَلابِس".

إنَّهُ ذلكَ التَّأكيدُ المُستمرّ. فمَثلاً، حينَ أطلُبُ مِنَ الرَّبِّ أنْ يَغفِرَ لي خطايايَ وأنْ يُطَهِّرَ حياتي مِنْ شيءٍ ما، ما الَّذي يَدفَعُني إلى طَلَبِ ذلكَ مِنه؟ ألم يَعِد أنَّهُ سَيَغْفِرُ خَطاياي؟ أَجل، ولكنَّهُ قالَ أيضًا أنْ نَستمرَّ في الاعترافِ بها. وعندما أقولُ: "يا رَبّ، قُدْني وَأرْشِدني في اتِّجاهٍ مُعَيَّن"، أَلا يَقولُ الكِتابُ المُقدَّسُ إنَّهُ سَيَكونُ مُرْشِدي، وإنَّهُ سيكونُ قائِدي، وإنَّهُ سَيُرْشِدُني في هذا الطَّريقِ وفي ذلكَ الطَّريق؟ بَلى، ولكِنَّهُ يُريدُ مِنِّي أنْ أُؤكِّدَ ذلكَ وأنْ أُقِرَّ بِتلكَ القِيادَة في حَياتي. وأحيانًا، حينَ أَدعو الرَّبَّ قائلاً: "يا رَبُّ، اسْمَعْ صَلاتي واسْتَجِب"، أَلا أَعْلَمُ أنَّهُ سَيَفعل ذلك وأنَّهُ يَفعلُ ذلكَ دائمًا؟ بَلى، ولكنِّي أريدُ أنْ أُؤكِّدَ لَهُ تلكَ الثِّقة لأنَّ هذا يُمَجِّدُه. صَحيحٌ أنَّني لَستُ مُضْطَرًّا أنْ أقولَ: "يا رَبُّ، لا يوجدُ لَدَيَّ أيُّ خُبْزٍ لعائلتي. مِنْ أيْنَ سَيأتي؟" ولكِنِّي أقولُ دائمًا وأبدًا: "يا رَبُّ، كُلَّ شيءٍ لَديَّ وكُلُّ شيءٍ أُشارِكُهُ مَعَ أحبَّائي يأتي مِنْ يَدِكَ الصَّالِحَة والمُنْعِمَة".

لِذا فإنَّهُ، بالنِّسبة إلينا، تأكيدٌ لِمَصْدَرِ كُلِّ شيء. ويا لَهُ مِنْ شيءٍ ثَمينٍ أنْ نَعرِفَ أنَّ أبانا يَهتمُّ بحاجاتِنا الماديَّة. لِذا فإنَّ الخُبْزَ هُوَ قِوامُ الحَياةِ. ومَعَ أنَّنا قد لا نَكونُ دائمًا على حَافَةِ التَّضَوُّرِ جُوْعًا، يجبُ علينا أنْ نَكونَ شاكِرينَ دائمًا لأنَّ الكُلَّ يأتي مِنْهُ.

والآن، هذا يَقودُنا إلى الفِكرةِ الثَّانية وإلى النُّقطةِ الثَّانِيَة في هذهِ الآية. فأوَّلاً، المادَّة هِيَ الخُبْز. ثانيًا، المَصْدَرُ هُوَ الله. وأريدُ أنْ أتحدَّثَ قليلاً عن ذلك لأنِّي أعتقدُ أنَّهُ مُهِمٌّ. فكما تَعلمونَ، نحنُ نَميلُ إلى التَّفكيرِ بأنَّنا نُوَفِّرُ كُلَّ شيءٍ لأنفُسِنا إذْ نَقول: "أنا أَكْسَبُ عَيْشي، وأَكْسَبُ رِزْقي، وأشْتَري خُبْزي بنفسي. فما الَّذي أَدينُ بِهِ للهِ؟" أليسَ كذلك؟ أو: "أنا أَحْمِلُ حِمْلي بِنفسي بصراحة". وحَتَّى لو لم نَقُلْ ذلكَ بأفواهِنا، فإنَّنا نَتَصَرَّفُ هكذا. فمثلاً، متى كانت آخِرَ مَرَّة قُلْتَ فيها: "يا رَبُّ، شُكْرًا لكَ على خُبْزِنا اليَوميّ، وعلى حَقيقةِ أنَّني أَمْلِكُ طَعامًا آكُلُهُ، وملابِسَ أَرْتَديها، وسَقْفًا فوقَ رأسي. شُكرًا لَك لأنَّ لديَّ سَريرا أرتاحُ فيه، ولأنَّ لديَّ قُوَّة جَسديَّة لأعرِفَكَ، ولأفهَمَكَ، ولأعيشَ الحياةَ بطريقة غَنيَّة وذاتِ مَغزى". هذا هُوَ المَعنى المَقصودُ هُنا. فاللهُ يَهتمُّ بالأشياءِ الصَّغيرة. واللهُ يُبالي. واللهُ يَعْرِفُ مَتى يَقْفِزُ العُصفورُ. واللهُ يَعرِفُ عَدَدَ شَعْرِ رأسِك. وكُلُّ شيءٍ في هذا العالَمِ مَعلومٌ لَديهِ، وتحتَ سَيطرَتِه، وَتَحْتَ أَمْرِهِ لأجْلِنا حَتَّى نَكونَ شاكِرينَ دائمًا.

والمُدهِشُ في الأمرِ هُوَ أنَّنا نَعيشُ في زَمَنٍ يَشْعُرُ النَّاسُ فيهِ بالهَلَع. فالنَّاسُ خائِفونَ جِدًّا مِنْ أنْ يَخْسَروا وُجودَهم بسببِ تَلَوُّثِ المَوارِد. أليسَ كذلك؟ فنحنُ خائِفونَ مِنْ أنْ تَعْمَلَ المُفاعِلاتُ النَّوَوِيَّةُ على تَلويثِ بيئَتِنا. ونحنُ خائِفونَ مِنْ تَلويثِ بِحارِنا بالمَجارير. وخائِفونَ أيضًا على الأنْهارِ والبُحيرات. ونحنُ خائِفونَ مِنَ الانْفِجارِ السُّكَّانِيِّ. ونحنُ خائِفونَ مِنَ الدُّخانِ وَتَلَوُّثِ الهَواء. ونحنُ خائِفونَ مِنْ انْثِقابِ طَبَقَةِ الأوزون حولَ الأرض. ونحنُ خائِفونَ مِنْ تَلَوُّثِ الفَضاءِ بِكُلِّ النُّفاياتِ والمَعادِنِ الموجودة. ونحنُ خائِفونَ مِنْ تَلَوُّثِ أجسادِنا بالموادِ الكِيمياويَّة. ونحنُ خائِفونَ مِنْ ذلكَ كُلِّه. وبالرَّغمِ مِنْ كُلِّ المالِ الَّذي لدينا، وكُلِّ المواردِ الَّتي لدينا، فإنَّ الإنسانَ يَعرِفُ أنَّهُ يَقِفُ دائمًا على حَافَةِ تَدميرِ بيئَتِهِ حَتَّى لا تَعودُ لَديهِ أيُّ مَوارِد. ويجب أنْ يَدْفَعَهُ ذلكَ إلى إدراكِ أنَّ اللهَ يُمْسِكُ كُلَّ الأشياءِ. وكما تَعلمونَ، سوفَ يأتي يَوْمٌ (كما يَقولُ سِفْرُ الرُّؤيا) يُطفِئُ اللهُ فيهِ الأضواءَ في السَّماواتِ، ويَجْعَلُ الأنهارَ دَمًا، ويَجْعَلُ العالَمَ كُلَّهُ يُصابُ بالهَلَع حينَ يَبْتَلِعُ البَحْرُ كُلَّ السُّفُنِ، وتَموتُ كُلُّ الأسماكِ، ويَكْتَسِحُ الدَّمارُ الحَرفيُّ العالَم. والشَّمسُ سَتُظْلِمُ، والقَمَرُ لن يُعطي نُورًا، وكُلُّ المَوارِدِ سَتَختفي. ونَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاح 18 أنَّ النِّظامَ الاقْتصادِيَّ سَيَنْهارُ، وأنَّ الموسيقا ستتوقَّفُ لأنَّهُ لن تَعودَ هُناكَ أُغنية يُمْكِنُ أنْ تُغَنَّى. وحينئذٍ، لن تَكونَ هُناكَ أيُّ قيمةٍ لأيِّ شيءٍ تَمْلكُهُ. فهو لن يُساوي شيئًا لأنَّه لا يَصْلُحُ لِشراءِ أيِّ شيءٍ لأنَّهُ لن يكونَ هُناكَ ما يُشتَرى لِحِفْظِ الحياة. والإنسانُ يَعْرِفُ احْتمالَ حُدوثِ ذلك. ولكِنَّ الإنسانَ لم يَسْتَنْتِجْ يومًا حَقيقةَ أنَّهُ لولا أنَّ اللهَ هُوَ حَامِلُ كُلِّ الأشياءِ بِكَلِمَةِ قُدرَتِهِ، فإنَّ كُلَّ الأشياءِ سَتَسْقُط.

وهل تَعلمونَ أنَّ العُلماءَ يُدركونَ أنَّهُ بعدَ قِيامِهِمْ بِكُلِّ حِساباتِهم، وبعدَ قِيامِهِم بِكُلِّ اختباراتِهم، فإنَّ هناكَ عُنصرًا مَجهولاً في الكَوْنِ يَجْعَلُ كُلَّ الأشياءِ مُتماسِكَة معًا؟ ولكِنَّ العِلْمَ لا يَعْرِفُ اسْمَ هذا العُنْصُر. إنَّهُ اللهُ. فِكُلُّ شيءٍ لدينا هُوَ مِنَ الله. فاللهُ هُوَ الَّذي يَجْعَلُ المَطَرَ يَهْطُلُ حَتَّى يَجعلَ النَّباتاتِ تَنمو. واللهُ هُوَ الَّذي يَجْعَلُ الفُصولَ تَتَعاقَب. واللهُ هُوَ الَّذي يَضَعُ المَعادِنَ في التُّربَةِ لكي يَجْعَلَ الأرضَ خِصْبَة. واللهُ هو الَّذي يُعطينا الموارِدَ الطَّبيعيَّةَ الَّتي تُعْطينا القُدرةَ على الاستمرار. واللهُ هُوَ الَّذي يُعطينا الحَيواناتِ الَّتي نَصْنَعُ مِنْها مَلابِسَنا وَالموادَّ الصِّناعيَّةَ المُشتقَّةَ مِنَ النِّفْط، وَغَيرِها وَغَيْرِها مِنَ الموادِّ الَّتي مَصْدَرُها الحَيَوانات. إنَّهُ اللهُ الَّذي خَلَقَ كُلَّ هذهِ الأشياء.

لِذا فإنَّ "خُبْزي اليَوميَّ"، أيِ احْتياجاتي الماديَّة في الحَياةِ، هُوَ مِنَ الله. لِهذا فإنَّ جُزءًا مِنْ صَلاتي ينبغي أنْ يكونَ دائمًا وأبدًا: "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ". أيْ: "يا رَبّ، نَحْنُ نُدرِكُ أنَّكَ مُعْطي كُلَّ الأشياءِ الماديَّة الضَّروريَّة".

وكما تَعلمونَ، يَكفي أنْ تُفَكِّروا وَحَسْب في ذلكَ مِنْ زاويةِ الطَّعام. فنحنُ لا نَمْلِكُ الوقتَ الكافي للتحدُّثِ عن كُلِّ شيء، ولكِنْ فَكِّروا في ذلكَ فقط مِنْ زاويةِ الطَّعامِ. ارْجِعوا قليلاً إلى سِفْر التَّكوين والأصحاحِ الأوَّل، وانظروا إلى كيفَ أنَّ اللهَ أعطانا طَعامًا. سِفْر التَّكوين 1: 29: "وَقَالَ اللهُ: «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا». وَكَانَ كَذلِكَ. وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا". والآنْ اسمعوني: كانَ بِمَقدورِ اللهِ هُنا أنْ يَخْلِقَنا ويَجْعَلَنا نأكُلُ الطِّيْنَ وَحَسْب. طِيْنٌ على الإفْطار، وطِيْنٌ على الغَداء، وطِيْنٌ على العَشاءِ طَوالَ حياتِنا. وكانَ بِمَقدورِهِ أنْ يَجْعَلَ كُلَّ شَيءٍ رَماديًّا. ولكِنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ التَّنَوُّعِ المُدْهِش. أليسَ كذلك؟ وما أعنيهُ هَوَ: انْظُروا مِنْ حَوْلِكُم. فلا يوجدُ اثنانِ مِنَّا مُتَشابِهَيْن. وانظروا إلى الألوانِ. وإنْ خَرَجْتُمْ خَارِجًا سَتَجِدونَ عالَمًا مِنَ الألوانِ غيرِ المُتَناهِيَة تَقريبًا. ولماذا لا يَكونُ هُناكَ نَفسُ نَوْعِ الطَّعامِ؟ لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العدد 29 (وَهَذا هُوَ المِفْتاحُ): "إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل ...، وَكُلَّ شَجَرٍ. وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ...، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا. وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا". فَهُوَ حَسَنٌ للطَّعامِ، وَحَسَنٌ لحياةِ الإنسانِ الماديَّة. فاللهُ هُوَ الإلَهُ الَّذي وَضَعَ في عَالَمِهِ عَالَمًا مُدْهِشًا مِنَ الأشياءِ المُدهشةِ والمُتنوِّعَةِ. ولا شَكَّ في أنَّ الإنسانَ قد أَفْسَدَ هذا. أليسَ كذلك؟ فقد صَارَ نَهِمًا وَلا يُفَكِّرُ سِوى في الأكْلِ بِشَتَّى الطُّرُق. وبالرَّغْمِ مِن ذلكَ فإنَّها عَطِيَّةٌ صَالِحَةٌ مِنَ اللهِ أنْ يُعطينا قَدْرًا هَائِلاً مِنَ التَّنَوُّعِ في الحياة. وَهُوَ كُلُّهُ هُنا. واللهُ هُوَ الَّذي يَعْمَلُ بطريقةٍ مُدهشةٍ وَمُنْعِمَةٍ على سَدِّ حَاجاتِنا.

والآن، افتحوا على رسالة تيموثاوس الأولى والأصحاح 4. وسوفَ أُريكُم نَصًّا كِتابِيًّا مُوازِيًا وَأرْبِطُ الاثْنَيْنِ مَعًا. فبالرَّغْمِ مِمَّا أعطاهُ اللهُ ... وبالمُناسبة، فإنَّ اللهَ أَعْطى شَرائِعَ خَاصَّة بالطَّعامِ لِبَني إسرائيلَ، ولكنَّهُ أَبْطَلَها في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل والأصحاحِ العاشِر. لِذا فإنَّها غير مُطَبَّقة الآن. ولكِنَّ اللهَ أَعْطاهُم شَرائِعَ خاصَّة بالطَّعامِ خِلالَ فَترةٍ زَمنيَّةٍ مُعَيَّنة لكي يَجْعَلَهُمْ يَلْتَزِمونَ بِأطْعِمَة مُعَيَّنة ولا يَخْتَلِطونَ بِسهولة بالأُمَمِ الوثنيَّة ويُفْسِدونَ طَهارَتَهُم. فقد كانَتْ تلكَ هِيَ خُطَّتُه. ولكِنْ عندما تَوَقَّفَ بَنو إسرائيلَ عَنْ طَاعَةِ الرَّبِّ وَوُضِعوا جَانِبًا لأجْلِ تأسيسِ الكَنيسة، تَمَّ وَضْعُ الشَّرائعِ المُختصَّةِ بالطَّعامِ جانبًا أيضًا (كما جاءَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 10). كذلكَ فإنَّ رسالة كولوسي تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ: "فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ". ولكِنْ ما زَالَ هُناكَ أُناسٌ يأتونَ وَيُريدونَ أنْ يَرْسِموا خُطوطًا وأنْ يَقولوا لَكُم إنَّهُ لا يَجوزُ لكم أنْ تَأكُلوا هذا الطَّعامَ، وإنَّهُ لا يَجوزُ لكم أنْ تَأكُلوا ذلكَ الطَّعام. ونحنُ نَقرأُ ذلكَ في رسالة تيموثاوس الأولى والأصحاح 4: "وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، ... مَانِعِينَ عَنِ الزِّوَاجِ، وَآمِرِينَ أَنْ يُمْتَنَعَ عَنْ أَطْعِمَةٍ قَدْ خَلَقَهَا اللهُ". ونحنُ نَعلمُ أنَّ هُناكَ أشخاصًا يَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ الأَقْدَسِ أَلَّا تَتَزَوَّجوا وَألَّا تأكُلوا لَحْمًا في أيَّامٍ مُعَيَّنة. وقد ظَهَرَ ذلكَ بأشكالٍ مُختَلِفَة في التَّاريخ. ولكِنَّهُ يَقولُ إنَّ اللهَ خَلَقَ هذهِ الأطْعِمَة لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ ... لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَارِفِي الْحَقِّ". فاللهُ وَفَّرَ هذا العالَمَ المُدْهِشَ مِنَ الطَّعامِ لنا لكي نُعَبِّرَ عَنْ شُكْرِنا لَهُ (نَحْنُ الذينَ نُؤمِنُ وَنَعْرِفُ الحَقَّ). أمَّا بَقِيَّةُ العَالَمِ فَيَنْغَمِسُ وَحَسْب في الطَّعامِ مِنْ دُوْنِ أيِّ امْتِنانٍ البَتَّة.

والآن، انظروا إلى العَدد 4: "لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ...". والآن، لاحِظوا: "...لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ". والآن، ما مَعنى ذلك؟ أوَّلاً، كيفَ تَتَقَدَّسُ كُلُّ تلكَ الأطْعِمَةِ بِكَلمةِ اللهِ؟ إنَّهُ أَمْرٌ واضِحٌ تمامًا. ففي سِفْرِ التَّكوين 1: 29-31، قالَ اللهُ إنَّ الكُلَّ حَسَنٌ. فهذا يُقَدِّسُهُ. وَهُنا، تَقولُ كلمةُ اللهِ في العدد 4 إنَّ "كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَة". وَمَرَّةً أُخرى، فإنَّ كلمةَ اللهِ تُقَدِّسُهُ. لِذا فإنَّهُ يَتَقَدَّسُ بكلمةِ اللهِ. والآن، كيفَ يَتقدَّسُ بالصَّلاة؟ عندما نَقْبَلُهُ (كما جاءَ في العدد 3) بالشُّكْر. وحينَ نأخُذُهُ (كما جاءَ في العدد 4) "مَعَ الشُّكْر". فَكَلمَةُ اللهِ تُقَدِّسُهُ. وأنتَ تُقَدِّسُهُ عندما تَشْكُرُ اللهَ عَليه. فهل تَشْكُرُ اللهَ حَقًّا على طَعامِكَ؟ وقد تَقول: "نحنُ لا نأكُلُ وَجْبَةَ طَعامٍ مِنْ دونِ أنْ نُصَلِّي". فَكَما تَعلمونَ، هُناكَ تلكَ الصَّلواتِ القصيرةِ السَّريعةِ غيرِ المَقصودة والتي لا نَعْني كَلِمَةً مِنْها. فأنتَ تُرَدِّدُها فقط بِدافِعِ الواجِبِ وَحَسْب. ولكِنْ هَلْ أنْتَ شَكورٌ حَقًّا؟ وهل أنتَ تَرى حَقًّا أنَّ اللهَ هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ شيء؟

اسمَعوني: لقد أعطانا اللهُ تَنَوُّعًا رائعًا في الأطْعِمَة. ويجب علينا أنْ نَكونَ شَاكِرينَ جدًّا. فالطَّعامُ مُقَدَّسٌ أَصْلاً بكلمةِ اللهِ. وَهُوَ يَتَقَدَّسُ أيضًا حينَ نَشْكُرُ اللهَ. فعندما تَشْكُرُ اللهَ على سَدِّ احْتياجاتِكَ اليوميَّة، ولا سِيَّما احْتياجاتِكَ المادِّيَّة، فإنَّكَ تُصَلِّي بالرُّوحِ مَعْنى الكلماتِ: "خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ" لأنَّكَ تُدْرِكُ أنَّ اللهَ هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ ذلك. وذلكَ، يا أحبَّائي، ليسَ شيئًا أنانيًّا. أليسَ كذلك؟ لأنَّ هذا يُعْطيهِ المَجْد. أليسَ كذلك؟

فهل تَوقَّفْتَ يومًا وَفَكَّرْتَ في كُلِّ شَيءٍ أعْطانا اللهُ إيَّاهُ طَعامًا؟ واسمحوا لي أنْ أتحدَّثَ عَنْ هذهِ النُّقطةِ قليلاً. فالطَّعامُ شيءٌ مُحَبَّبٌ لنا جَميعًا. ونحنُ جَميعًا نُحِبُّ الطَّعامَ. وَمِنَ الواضِحِ أنَّ كُلَّ جِيْلٍ قد أَحَبَّ الطَّعامَ. فَهُوَ حاجة أساسيَّة جِدًّا. ولكِنْ هل تَعلمونَ أنَّ التَّنَوُّعَ مُدْهِشٌ جِدًّا؛ حَتَّى في الكتابِ المقدَّس. فقد كُنْتُ أَتأمَّلُ في بِضْعِ آياتٍ في مُحاولةٍ لِكِتابَةِ لائِحَةٍ كِتابيَّة بِها لَكُمْ. وإليكُمْ هذهِ اللَّائحة: أوَّلاً، لقد وَفَّرَ اللهُ طَعامًا نَباتيًّا. وَفي فِئَةِ الطَّعامِ النَّباتِيِّ هُناكَ أصْنافٌ عَديدة: أوَّلاً، هُناكَ الحُبوب. وإنْ دَرَسْتُم الكتابَ المقدَّسَ سَتَجِدونَ أنَّ حُقولَ فِلَسْطينَ كانت تُنْـتِجُ القَمْحَ، والشَّعيرَ، والدُّخْن، والحِنْطَة. وهذهِ أنواعٌ مُختلِفَة مِنَ الحُبوب. ثُمَّ هُناكَ الذُّرَة. والذُّرَة لا تَعني الذُّرة الهِنديَّة الَّتي نُسَمِّيها "ذُرَة"، بل هي (بِبَساطَة) كلمة عامَّة تُشيرُ إلى كُلِّ الحُبوبِ الَّتي كانَتْ مُسْتَخْدَمَة لأنَّ هذا النَّوعَ مِنَ الذُّرةِ المَعروفَةِ لدينا الآنَ لم يَكُنْ مَعْروفًا في تلكَ الأيَّام. فَهِيَ كلمة تُشيرُ إلى حُبوبٍ عَديدة. لِذا، فقد كانت لديهم كُلُّ تلكَ الحُبوب. والآن، بحسب ما جاءَ في سِفْرِ إشعياء 3: 1 والعَديدِ مِنَ الآياتِ الأخرى، كانوا يأخذونَ الحُبوبَ وَيَطْحَنونَها. وعندما تُطْحَن، كانوا يَصْنَعونَ مِنْها طَحينًا. وكانوا يَصْنَعونَ مِنَ الطَّحينِ خُبْزًا. وقد كانوا يَصنعونَ مِنْهُ كُلَّ أنواعِ الخُبْزِ المُتَنَوِّع. فقد كانَ هذا الأمرُ جُزْءًا رَئيسيًّا مِنْ حَياتِهم.

وهُناكَ شَيءٌ آخر وَجَدْتُ أنَّهُ مُدهشٌ وهو أنَّهم كانوا يأخُذونَ لُبَّ نَواةِ الحُبوبِ وَيَتركونَها تحتَ أَشِعَّةِ الشَّمسِ على حَجَرٍ إلى أنْ تَجِفَّ، ثُمَّ كانوا يُحَمِّصونَها جَيِّدًا وَيُمَلِّحونَها ويَأكُلونَها بينَ الوَجْبات. وهذا يُشْبِهُ الذَّهابَ إلى أَحَدِ مَتاجِرِ المأكولاتِ الصِّحِيَّةِ حيثُ تَجِدُ لَديهِ كُلَّ تلكَ الأكياسِ الصَّغيرةِ مِنَ الحُبوبِ المُمَلَّحة. فَيُمْكِنُكَ أنْ تَشتري فُوْلَ الصُّويا أوْ مَا شَابَهَ ذلك. وأنا لا أَعْرِفُ الكَثيرَ عن ذلك، ولكِنَّ الأمرَ مُشابِه. فقد كانت لديهم مأكولاتٌ يَتَناولونَها كَوَجْباتٍ خَفيفة مِثْلَ الأطْعِمَةِ المُقَرْمِشَة. وقد كانت لديهم أيضًا مُكَسَّراتٌ. فَبِحَسَبِ ما جاءَ في سِفْرِ التَّكوين 43: 11، فقد وَفَّرَ اللهُ مُكَسَّرات. كذلك، هُناكَ الخَضْراوات. وقد عَثَرْتُ حينَ بَحَثْتُ في الكتابِ المقدَّسِ عَنْ خِيارٍ وَكُرَّاث (وَهُوَ نَباتٌ يُشْبِهُ البَصَل). وَهُناكَ البِطِّيخُ، والبَصَلُ، والثُّوْمُ، والفُول، والعَدَس، والأعشابُ المُرَّة، والنَّعْناع، والشَّبَت، والكَمُّون. ونَقرأُ في سِفْرِ إرْميا 6: 20 عن نَباتٍ حُلْوٍ يُرَجَّحُ أنَّهُ قَصَبُ السُّكَّر. وأنتُم تَعلمونَ أهميَّةَ السُّكَّرِ لَدينا جميعًا لِتَحْلِيَةِ كُلِّ شيءٍ نَأكُلُهُ. فاللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَ ذلك. ويجب أنْ تَتذكَّروا ذلك. وأنا أَعني: السُّكَّرُ في حَالَتِهِ الطَّبيعيَّة.

كما أنَّ الفَاكِهَةَ هِيَ جُزْءٌ مِنْ خُطَّةِ اللهِ الغِذائيَّة. فنحنُ نَقرأُ في الكتابِ المقدَّسِ عنِ العِنَبِ، والزَّبيبِ، والزَّيتونِ، والتِّيْنِ، والرُّمَّانِ، والتُّفَّاحِ. ثُمَّ هُناكَ ما يُسَمِّيهِ إرْميا وَعاموسُ (بحسبِ بَعْضِ التَّرجمات الإنجليزيَّة) "فَاكِهَةَ الصَّيْفِ". ولا نَعْرِفُ يَقينًا ما هي هذهِ الفاكِهة. وهذهِ أصْنافٌ وَحَسْب مِنَ الفاكِهَةِ؛ وَهِيَ تَضُمُّ أنواعًا لا حَصْرَ لَها.

ثُمَّ نأتي إلى الأطْعِمَةِ الحَيَوانِيَّةِ الَّتي وَفَّرَها الرَّبُّ. وأنا أَتحدَّثُ هنا فقط عن أرضِ إسرائيل، مِنْ دُوْنِ التَّطَرُّقِ إلى العَالَمِ كُلِّه. ولكِنْ مِنْ بينِ الأطْعِمَةِ الحَيَوانِيَّةِ، هُناكَ أوَّلاً لُحومُ الحَيَواناتِ الَّتي وَفَّرَها لَنا لِنَأكُلَها. ولا يُوْجَدُ خَطَأٌ في أكْلِ اللُّحومِ، يا أحبَّائي. فلا صِلَةَ للحياةِ الرُّوحِيَّةِ بأنْ تَكونَ نَبَاتِيًّا. فإنْ كُنْتَ نَباتِيًّا وَتُفَضِّلُ ذلك، هذا رائعٌ ولا بأسَ بِهِ. وإنْ كُنْتَ تَأكُلُ اللُّحومَ وتُريدُ أنْ تَأكُلَ هذا الطَّعامَ كُلَّ الوَقْتِ، لا بأسَ في ذلكَ أيضًا. فلا تُوْجَدْ مُشْكِلَة كِتَابِيَّة بِهذا الخُصوص. فأنتَ لن تَكونَ شخصًا رُوْحِيًّا أكثَرَ مِنْ سِواكَ إنْ لم تأكُلْ لُحُومًا. فاللهُ وَفَّرَ ثِيْرانًا وخِرافًا وَنِعاجًا لِبَني إسرائيل. وَحَتَّى إنَّهُ وَفَّرَ خَنازيرًا أيضًا، مَعَ أنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ أكْلِها. وهذا النَّهْيُ رُفِعَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ العاشِرِ (كَما ذَكَرْتُ). فقد كانوا يُفَضِّلونَ الحُمْلانَ إنْ أُتيحَ لَهُمْ أنْ يَختاروا. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَتحدَّثُ عَنِ الثِّيْرانِ المَعْلوفَة؛ وَهِيَ ثِيْرانٌ كانَتْ تُوْضَعُ في أماكِنْ ضَيِّقة ولا يُسْمَحُ لها أنْ تَرْكُضَ حَتَّى لا تَشْتَدّ عَضَلاتُها. فقد أرادوا أنْ تَكونَ سَمينَةً وَطَرِيَّة. وهذا يُشْبِهُ العِجْلَ المُسَمَّنَ أيْضًا. وبالمُناسَبة، كانَ يوجدُ لديهم أيضًا (بحسب ما جاءَ في سِفْرِ التَّثنية 14: 5)، هُناكَ سَبعةُ حَيَواناتٍ يُمْكِنُ أنْ يَصيدونَها لِلأكْلِ. وهذا مُدْهِشٌ. وهُناكَ أنْواعٌ مِنَ الأسْماكِ وَأربعةُ أنواعٍ مِنَ الحَشَراتِ (بحسب ما جاءَ في سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ والأصحاح 11) كانوا يأكُلونَها.

والآن، لا أدري كيفَ كانُوا يُقَدِّمونَ تلكَ الحَشَرات! فقد رَأيتُ نَمْلاً مُغَطَّى بالشُّوكولاتَة في مَتْجَرٍ أوْ مَكانٍ ما. ولكِنْ لا أدري، رُبَّما كانَتْ تلكَ الحَشَراتُ مُقَرْمِشَة أيضًا وَيُغَطُّونَها بالمُكَسَّراتِ وأمورٍ أُخرى! لا أدري! فَهُناكَ كُلُّ أنواعِ المأكولاتِ الَّتي تَفْتَحُ شَهِيَّتَكُم! أليسَ كذلك؟ وقد كانت لَدَيْهِمْ طُيورٌ ... أنواعٌ مُختلِفة مِنَ الطُّيورِ الَّتي كانوا يأكُلونَها. ويُمكِنُكُم أنْ تَدرُسوا الكتابَ المقدَّسَ حيثُ تَجِدونَ في سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل والأصحاح 26 أنَّهم كانوا يَأكُلونَ الحَجَل. وفي سِفْرِ الخُروج والأصحاح 16، كانوا يَأكلونَ السَّلْوى. وفي سِفْرِ اللَّاوِيِّين والأصحاح 12، كاُنوا يأكُلونَ الحَمام. وفي سِفْرِ التَّكوين والأصحاح 15، كانوا يأكُلونَ اليَمام. وفي إنْجيل مَتَّى، تَجِدونَ الدَّجاجَ يَرْكُضُ هُنا وَهُناكَ وَيُصْدِرُ أَصْواتًا بينَ الحينِ والآخر. وأنا مُتَيَقِّنٌ أنَّهُ كانَتْ لَها استخداماتٌ أيضًا. لِذا فقد وَفَّرَ الرَّبُّ طُيورًا بِكَثْرَة. وَعَدا عَنْ لُحومِ الحَيَواناتِ هُناكَ المُنْتَجاتُ الحَيَوانِيَّةُ الَّتي تَضُمُّ مُنْتَجاتِ الألْبانِ والأجْبانِ وَالحَليب.

فَقَدْ كانوا يَأكُلونَ حَقًّا ... كانُوا يَأكُلونَ حَقًّا مُنْتَجاتِ الحَليب. فقد كانَتْ هُناكَ "الزُّبْدَة" كَما جاءَ في سِفْرِ التَّكوين 18: 8. الزُّبْدَة. وكانَتْ لَديهم أجْبانٌ (كَما يُخْبِرُنا سِفْرُ أيُّوب). وَكانَ هُناك البَيْضُ مِنَ الدَّجاج. وهُناكَ العَسَل. وهُناكَ حَليبُ الأبقارِ والمَاعِزِ والنِّعاجِ. وقد كانُوا يَشربونَ أيضًا حَليبَ الإبْل (وَهُوَ لا يبدو شَهِيًّا جِدًّا بالنِّسبةِ إلينا)، ولكِنَّهُمْ كانُوا يَشْرَبونَهُ. وقد كُنْتُ في مِصْرَ ذاتَ مَرَّة وَعَلِمْتُ أنَّني أَكَلْتُ شَطيرَةً مَصْنوعَة مِنْ لَحْمِ الجَمَل. وَمَعَ أنَّهُمْ لم يَقولوا ذلكَ صَراحَةً، ولكِنِّي عَرَفْتُ أنَّها كانَتْ كذلك. وقد وَفَّرَ اللهُ أيضًا ... لقد وَفَّرَ اللهُ أيضًا تَوابِلَ كَثيرة لإضْفاءِ نَكْهَةٍ على طَعامِهِم. وكما قُلْتُ، كانَ هُناكَ السُّكَّرُ المُسْتَخْرَجُ مِنَ القَصَب. وكانَ هُناكَ المِلْحُ، والنَّعْناعُ، والأنيسون، وكُلُّ أنْواعِ البُذورِ، والخَرْدَلِ، والكَمُونِ، وكُلُّ تلكَ الأصنافِ مِنَ التَّوابِلِ والأشياءِ الَّتي كانوا يَستخدِمونَها لِتَنْكيهِ الطَّعام.

والآن، مِنَ المُدْهِشِ بالنِّسبةِ إليَّ أنْ أرى أنَّ اللهَ وَفَّرَ كُلَّ هذهِ الأشياءِ الوَفيرَةِ لَنا. والحقيقةُ هي أنَّهُ عندما قالَ اللهُ لِبَني إسرائيلَ: "سوفَ تَذهبونَ إلى أرْضٍ مُعَيَّنة"، فإنَّهُ أَشارَ إلى سِمَةٍ واحِدَةٍ لِتلكَ الأرضِ وَفَرَزَها قائلاً إنَّها أرضٌ تَفيضُ ماذا؟ لَبَنًا وَعَسَلاً. وما قَصَدَهُ اللهُ هُوَ: إنَّها أرضٌ سَتَكونُ فيها وَفْرَة مَاديَّة. وبالمُناسَبة، يا أحبَّائي: عندما تَذهبونَ إلى إسرائيلَ اليوم، سَتُدهَشونَ حينَ تَرَوْنَ أنَّ تلكَ هِيَ الحَقيقة. فإسرائيلُ خِصْبَة. فهي واحِدَة مِنْ أَخْصَبِ الأراضي في كُلِّ العالَم. وقد كانَ اللهُ يَعْلَمُ ذلكَ حينَ أَرْسَلَ شَعْبَهُ إلى هُناك. واللهُ يُوَفِّرُ تَنَوُّعًا مُذهِلاً مِنْ تلكَ الأشياءِ اللَّازِمَةِ لِسَدِّ حَاجاتِ حَياتِنا الماديَّة.

وقد كنتُ أُفَكِّرُ في ضَرْبِ أمثِلَة تَوضيحيَّة، ولكنِّي لا أَمْلِكُ الوقتَ الكافي لتوضيحِ هذهِ النِّقاط الكثيرة. لِذا، يجب عليكم أنْ تَدرسوا بعضَ الأحداثِ في العهدِ القديم وَتَرَوْا ما كانوا يأكُلونَهُ والأشياءَ الَّتي كانت لديهم. فهذا مُدهشٌ. فنحنُ نَقرأُ: "فَبَادَرَتْ أَبِيجَايِلُ...". ويجب أنْ تَسمعوا ما جَرى. فلا أَدْري كيفَ سَتَطْهُوْنَ كُلَّ هذا الطَّعامِ أيَّتُها الزَّوْجات؟ "...وَأَخَذَتْ مِئَتَيْ رَغِيفِ خُبْزٍ". وَهَذِهِ بِدايَةٌ جَيِّدة. ورُبَّما كانَتْ تلكَ أصْغَر حَجْمًا. "وَزِقَّيْ خَمْرٍ" مَصْنوعَة مِنْ جُلودِ الحَيَواناتِ؛ وَهِيَ زِقاقٌ كَبيرة. "وَخَمْسَةَ خِرْفَانٍ مُهَيَّأَةً". وكيفَ تُحِبِّينَ أنْ تَطْهي خَمْسَةَ خِرْفان؟ "وَخَمْسَ كَيْلاَتٍ مِنَ الْفَرِيكِ"؛ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الحُبوبِ الصَّغيرةِ المُقَرْمِشَة. "وَمِئَتَيْ عُنْقُودٍ مِنَ الزَّبِيبِ، وَمِئَتَيْ قُرْصٍ مِنَ التِّينِ، وَوَضَعَتْهَا عَلَى الْحَمِيرِ" وانْطَلَقَتْ. وهذا مُدهِشٌ جِدًّا. ولا أدري ما الَّذي كانَ يَجري هُناك، ولكِنِّي أَعْلَمُ أنَّ الرِّجالَ كانوا سَيَسْتمتِعونَ بهذا الطَّعام. ويُمْكِنُكُم أنْ تَفتحوا على سِفْرِ صَموئيلَ الثَّاني، وعلى سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل، وعلى كُلِّ النُّصوصِ الأخرى، وأنْ تَرَوْا كُلَّ تلكَ الأشياءِ الَّتي كَانتْ مُتَوَفِّرَةً للطَّعام.

والآن، مِنْ أيْنَ جاءَ كُلُّ هذا الطَّعام؟ لقد خَلَقَ اللهُ كُلَّ شيء. أليسَ كذلك؟ كُلَّ شيء. كُلَّ شَيءٍ بِلا استثناء. وَمِنَ المُضْحِكِ أنَّكَ تُحاوِلُ أنْ تَقولَ ذلكَ لأبنائِكَ ولكِنَّهُمْ لا يَفهمون. فاللهُ لم يَخْلِق الهامبرغر، ولم يَخْلِق النَّقانِق. ولكِنَّهم لا يَفهمونَ أنَّ كُلَّ الأشياءِ تُصْنَعُ مِنْ مُكَوِّناتٍ خَلَقَها اللهُ. وَهَذا يَصِحُّ أيضًا على ثِيابِنا. فنحنُ نَتَّكِلُ على الحَيواناتِ في صُنْعِ مَلابِسِنا. ونحنُ نَتَّكِلُ على النَّباتاتِ في صُنْعِ مَلابِسِنا. والنَّاسُ يَقولون: "أنا لَديَّ ثَوْبٌ مَصنوعٌ مِنَ البُوليستر. فهو لا يَحتوي أيَّ مادَّة حَيَوانِيَّة أوْ نَباتِيَّة. وهذا صحيح. ولكِنَّ البوليستر يُصَنَّعُ، بِحَسَبِ عِلْمي، مِنْ مادَّة نِفْطِيَّة تُستخرَجُ مِنَ الأرضِ. واللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَ ذلكَ أيضًا. فأنتُم لا تَمْلِكونَ شيئًا. ولا أيَّ شيء. وأنتُم لا تَأكُلونَ شيئًا، ولا تَرْتَدونَ شيئًا، ولا تَعيشونَ في أيِّ شيءٍ لم يَأْتِ مِنْ هذهِ الأرضِ. فَكُلُّ عُنْصُرٍ فيهِ يأتي مِنْ يَدِ اللهِ الخَالِق.

وسوفَ نَكونُ عَديمي المُبالاةِ جِدًّا وَجَاحِدينَ جِدًّا إنْ لَمْ نُقِرّ بذلكَ يَوميًّا، وَإنْ لم نُؤكِّد أنَّ اللهَ هُوَ إلَهٌ يُعْنَى يَوميًّا في حِفْظِ عَالَمِهِ حَتَّى يَسُدَّ حَاجاتِنا الماديَّة. فيجبُ علينا أنْ نَكونَ مُمْتَنِّينَ جِدًّا لِعِنايَةِ اللهِ وَسَدِّهِ لِحاجاتِنا اليَوميَّة. فَهَل تَعلمونَ أنَّ اللهَ ... وهذهِ نُقطة مُدهشة ... أنَّ اللهَ وَضَعَ شَبَكَةً مُدهشةٌ جدًّا؟ فقد كانَ يَنبغي للهِ أنْ يَجْعَلَ نِظامَهُ يَحوي طَعامًا للإنسان. ولكِنْ لكي يُوَفِّرَ طَعامًا للإنسان، كانَ لا بُدَّ أنْ يُغَذِّي الغِذاءَ الَّذي سَيُغَذِّي الإنسان. هل تُدركونَ ذلك؟ لِذا، كانَ يَنبغي للهِ أنْ يُغَذِّي الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ، وأنْ تَكونَ هُناكَ مَعادِن، وَحَيَواناتٌ أخرى، ونباتاتٌ أخرى، وَدَوْرة كامِلة تُوَفِّرُ الطَّعامَ للإنسان. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ إنَّهُ وَفَّرَ نَباتاتٍ لآكِلي النَّباتاتِ، وَعُشْبًا وَتِبْنًا للثِّيران، وَشَعيرًا للأحْصِنَة، وَبُذورًا للطُّيور، ونَباتاتٍ للجَراد. فاللهُ هُوَ الَّذي يُحافِظُ على استمرارِ هذهِ الدَّوْرَة.

وبالمُناسَبة، فإنَّ المَطَرَ هِبَةٌ مِنَ اللهِ. هل تَعلمونَ ذلك؟ فلو أنَّ اللهَ أَغْلَقَ السَّماواتِ، لن يَنْمو أيُّ شيءٍ. وإنْ لم يَنْمو العُشْبُ، ولم تَنْمو النَّباتاتُ، فإنَّ الحَيَواناتِ لن تَأكُل. وإنْ لم تَأكُلُ الحَيَواناتُ فإنَّكُمْ لن تَأكُلوا أيضًا. وهذا يَعني أنَّنا جَميعًا سَنَموت. لِذا، إنْ لم تُمْطِر السَّماءُ، فإنَّ كُلَّ شيءٍ سَيَنْهار. ولكِنَّ اللهَ يُمْسِكُ العَالَمَ وَيُحافِظُ على استمرارِ هُطولِ المَطر. فَكُلُّ شَيءٍ لَدينا هُوَ مِنْ يَدِ اللهِ. وقد تَقول: "مَهْلاً مِنْ فَضْلِك! أنا أَكْسَبُ مَالي". ولكِنْ لو كانت لديكَ القُدرة على تَحريكِ ظَهْرِك، ولديكَ القُدرة على فَتْحِ فَمِكَ والتَّحَدُّثِ وَكَسْبِ المَالِ، وإنْ كانت لديكَ القُدرة على التَّفكيرِ وَكَسْبِ المَالِ، فإنَّ اللهَ هُوَ الَّذي أَعطاكَ تلكَ القُدرة وتلكَ الوسيلة. وبالمُناسَبة، فإنَّ المالَ الَّذي تَحْصُلونَ عليهِ مِنَ المَصْرِفِ مَصنوعٌ مِنْ مَوادَّ خَلَقَها اللهُ. فالوَرَقُ مَصْنوعٌ مِنَ الأشجارِ. والعِمْلَةُ مَصنوعة مِنَ المَعادِن. فنحنُ لا نَمْلِكُ شيئًا. فلا يوجد شيءٌ في العالمِ لم يَخْلِقْهُ اللهُ. فَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنِ الاتِّكالِ، يا أحبَّائي. فَنَحْنُ مُتَّكِلونَ على اللهِ.

ونحنُ نَقرأُ في سِفْرِ أخْبارِ الأيَّامِ الأوَّل 29: 14: "لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ". فأيُّ شيءٍ تُعْطونَهُ للهِ هو شيءٌ أعْطاكُمْ هُوَ إيَّاه في الأصل. وقد كَتَبَ "توماس واطسون" (Thomas Watson)، رَجُلُ اللهِ الطَّهوريّ العَظيم الَّذي كان يُحِبُّ اللهِ جِدًّا: "ما دامَ الكُلُّ عَطِيَّة مِنَ اللهِ، هل تَرَوْنَ الجُحودَ البَغيضَ للبَشَرِ الَّذينَ يُخْطِئونَ إلى مُعْطيهِم. فاللهُ يُطْعِمُهُمْ وَلَكِنَّهُمْ يُقاتِلونَهُ. واللهُ يُعْطيهم خُبْزًا ولكِنَّهُمْ يُهينونَهُ. فَما أَبْغَضَ ذلك! لِذا، أَلَسْنا نَصْرُخُ قائِلينَ ’يا للعَار‘ حينَ نَسْمَعُ شخصًا يُطْعِمُ صَديقَهُ ويُعطيهِ المَالَ ولكِنَّ صَديقَهُ يُقابِلُهُ بالخِيانَةِ والإساءَة؟ وهكذا يَتَعامَلُ الخُطاةُ بِجُحودٍ مَعَ اللهِ. فَالأمرُ لا يَقْتَصِرُ على أنَّهُمْ يَنْسَوْنَ مَراحِمَهُ، بَلْ يُسيئونَ استخدامَها أيضًا. وكما جَاءَ في سِفْرِ إرْميا 5: 7: ’وَلَمَّا أَشْبَعْتُهُمْ زَنَوْا‘. وَما أَقْبَحَ أنْ نُخْطِئَ إلى اللهِ المُعْطي بِسَخاء، وأنْ نَعضَّ اليَدَ الَّتي تُحْسِنُ إلينا".

ونَقرأُ في سِفْرِ التَّثنية 32: 15: "فَسَمِنَ يَشُورُونَ وَرَفَسَ". وهل تَعلمونَ شَيئًا؟ كُلَّما حَصَلْتُم عَلى المَزيد، قَلَّ امْتِنانُكُم. أليسَ كذلك؟ ويجب علينا أنْ نَكونَ حَذِرينَ في مُجتَمَعِنا. فهل تَقولونَ إنَّ هذهِ الآيةَ لا تَنْطَبِقُ علينا؟ رُبَّما تَنْطَبِقُ علينا أكثرَ مِمَّا تَنْطَبِقُ على النَّاسِ الَّذينَ لَديهم القَليل جِدًّا لأنَّهم يَميلونَ عَادَةً إلى التَّعبيرِ عنِ امْتِنانِهم وَطِلْباتِهِم. أمَّا نَحْنُ فَلا نَفعل ذلك. فنحنُ لا نَفعل ذلكَ لأنَّ لدينا الكثير. ولكِنَّنا نَعْتَمِدُ، يا أحبَّائي، على اللهِ في كُلِّ شيءٍ صَغيرٍ لَدينا. فاللهُ هو الَّذي يُعطينا الأشياءَ الماديَّة. وفي المَرَّةِ القادِمَةِ الَّتي تُصَلِّي فيها، تَذَكَّر أنْ تُؤكِّدَ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَسُدُّ كُلَّ احتياجاتِكَ الماديَّة. واطلُب مِنْهُ باتِّضاعٍ أنْ يَستمرَّ في القيامِ بذلك حَتَّى يَتَمَجَّدَ اسْمُهُ مِنْ خِلالِ صَلاةِ الشُّكْرِ الَّتي تَرْفَعُها.

وقد كنتُ أَوَدُّ أنْ أَقولَ المَزيدَ، ولكِنَّنا سَنَفعلُ ذلكَ في المَرَّةِ القادِمة. دَعونا نُصَلِّي: "يا أبانا، بالكادِ قَدْ مَهَّدْنا للجُزءِ الأوَّلِ مِنْ هذهِ الجُملةِ الرَّائعةِ والمُهِمَّة، ولكِنَّنا لَمَسْنا، بِكُلِّ تأكيدٍ، الجُزءَ الأكثرَ أهميَّة وَهُوَ أنَّ كُلَّ مَا لَدَيْنا هُوَ مِنْ يَدِكَ. ويا لَيْتَنا، يَا رَبُّ، نَكونُ شَاكِرينَ دائمًا. ويا لَيْتَ كُلَّ ما نَمْلِكُهُ يَتَقَدَّسُ لا فقط بِكَلِمَةِ اللهِ، بل أيضًا بالشُّكْرِ مِنْ خِلالِ صَلواتِنا (كما قالَ بولُس لِتيموثاوس). يا رَبّ، اجْعَلْنا شَاكِرين. ويا رَبّ، يَا لَيْتَنا نَعرِفُ أنَّنا لا نَقْدِرُ أنْ نَفعلَ أيَّ شَيءٍ مِنْ ذَواتِنا، وأنَّنا لا نَمْلِكُ أيَّ مَصادِرَ ما لَمْ تُعْطنا إيَّاها. ويَا لَيْتَنا نَعْرِفُ أنَّكَ خَلَقْتَ كُلَّ شيءٍ، وأنَّكَ تُمْسِكُ كُلَّ الأشياءِ مَعًا، وأنَّ كُلَّ عَطِيَّة صَالِحَة وكامِلَة هِيَ نَازِلَة مِنْ عِنْدِكَ أنتَ. ويا رَبُّ، يا لَيْتَنا نَكونُ أشخاصًا ينَالونَ الوَعْدَ، وأشخاصً يُقابِلونَ عَطِيَّتَكَ كُلَّ يومٍ بالامْتِنان لأجْلِ مَجْدِك. ويا لَيْتَ العَالَمَ يَسْمَعُنا نَشْكُرُكَ ويَعْلَمُ أنَّنا لا نَسْتَحِقُّ أيَّ مَدْحٍ على أيِّ شيءٍ، بل إنَّنا نُعْطيكَ كُلَّ المَجْد. تَمَجَّد أيُّها الآبُ مِنْ خِلالِ عَطاياكَ السَّخِيَّةِ وَسَدِّكَ لاحْتياجاتِنا المَاديَّة. نُصَلِّي باسْمِ المَسيحِ المُبارَك. آمين!

وهُناكَ أُمورٌ مُدهشةٌ يُمْكِنُكُمْ أنْ تَتَعَلَّموها عَنِ الجوانِبِ العَمليَّةِ المُختصَّةِ بهذا المَوضوعِ مِنْ خِلالِ دَرْسِنا في يَوْمِ الرَّبِّ القادِم. وأنا مُتَشَوِّقٌ لِذلك. وأرْجو أنْ تَكونوا أنتُم كذلكَ أيضًا.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize