Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَنْظُر مَعًا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّادِس. إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادِس. وهذهِ هي العِظَة التاسعة مِن صلاة التلاميذ. وأريدُ أن أقرأَ الصَّلاة على مسامعكم، والآيتَيْن اللَّاحِقَتَيْن (14 و 15)، ثُمَّ سنبتدئ دراسَتنا لهذا الصباح. إنجيل مَتَّى والأصحاح 6، ابتداءً بالعدد 9:

"فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ".

إنَّ العدد 12 هو الطِّلْبَة الَّتي نريد أن نَلفِتَ أنظاركم إليها مرَّة أخرى للمرَّة الثالثة: "وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا". والكلمة "غُفران" تَصْدُمُنا حالاً. ورُبَّما كانتِ الكلمة "غُفران" أروعَ كلمة في أيِّ لُغة. فلا يوجد ما هو أروع مِن أنْ تَعلَمَ أنَّ اللهَ غفرَ لكَ كُلَّ خطاياك. ولا يوجد في النِّطاقِ البشريِّ ما هو أروع مِن أن تَعرِفَ أنَّ شخصًا أخطأتَ بِحَقِّهِ (أو آذَيْتَهُ، أوْ جَرَحْتَهُ) قد غَفَرَ لك. فالكلمة "غُفران" هي كلمة رائعة.

وهناكَ نَقْشٌ على ضَريحِ قَبْرٍ في مَقْبَرة خارجَ مَدينةِ نيويورك. وهو ضَريحٌ كبير. ولا يوجد على شَاهِدِ الضَّريحِ اسمُ الشَّخصِ الرَّاقِدِ في القَبْر. ولا توجد مَعلومات عن تاريخِ وِلادَتِهِ (أوْ وِلادَتِها)، ولا عن تاريخِ مَوتِهِ (أو مَوتِها). ولا توجد عبارة تقول: "أُمِّي الحبيبة" أو "أبي الحبيب" أو "زوجي الحبيب" أو "زوجتي الحبيبة" أو "أخي الحبيب" أو "أختي الحبيبة" أو "ابني الحبيب" أو "ابنتي الحبيبة". بل إنَّ هُناكَ عِبارة واحدة فقط مكتوبة مِنْ طَرَفِ الشَّاهِدِ إلى الطَّرَفِ الآخر، وهي: "المَغْفور لَهُ". فقد أرادَ شخصٌ ما أنْ يكونَ مَعلومًا أنَّهُ يستطيعُ أنْ يَموتَ بِسلامٍ لأنَّ خطاياهُ قد غُفِرَت. وهذا هُوَ أَهَمُّ شيءٍ على الإطلاق.

وقد قالَ "هنري وارد بيتشر" (Henry Ward Beecher): "إذا خَرَجْتُ وَنَشَرْتُ غُصنًا مِنْ إحدى الأشجارِ المُزْهِرَةِ في حَديقَتي، سيكونُ هناكَ طَوالَ الصَّيفِ أَثَرٌ قَبيحٌ في المكانِ الَّذي نَشَرْتُها مِنْهُ. ولكِنْ في الخَريفِ القادِم، سَيُغَطَّى ذلكَ الأَثَرُ تمامًا بالأغصانِ الأخرى الَّتي سَتنمو. وفي الخَريفِ الَّذي يَليه، سَيَخْتَفي الأثَرُ عنِ الأعيُن. وبعدَ أربعِ أوْ خَمْسِ سَنوات، لن يَبقى هُناكَ سِوى أَثَرٌ صَغيرٌ في ذلكَ المكان. وبعدَ عَشْرِ أوْ عِشرينَ سنة، لن يَعرِفَ أَحَدٌ أنَّني قد قَطَعْتُ عُصْنًا. فالأشجارُ تَعْرِفُ كيفَ تُداوي جِراحَها وتُخفيها. والمحبَّةُ لا تَنتظِرُ كُلَّ هذا الوقتِ الَّذي تَنْتَظِرُهُ الأشجار". وكَمْ أُحِبُّ هذهِ الكلمات! وقد قالَ بُطرسُ إنَّ المحبَّة تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنْ ماذا؟ الخَطايا. فالمحبَّة تَفعلُ ذلكَ أسرَع مِنَ الأشجار. والغُفرانُ عُنْصُرٌ جَوهريٌّ في المحبَّة.

وقد قالَ اللهُ في الكتابِ المقدَّس الكثيرَ عن موضوعِ الغُفرانِ هذا. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الغُفرانَ هُوَ أعمَقُ حاجة روحيَّة لدى الإنسان. دَوِّنوا ذلك. فهو أَعمَقُ حاجة روحيَّة لدى الإنسان. فَمِنْ دُونِ الغُفران، لن يَتمتَّعَ الإنسانُ يومًا بعلاقةٍ باللهِ. فَمِنْ دونِ غُفران، سَيَدفعُ أُجرةَ خطاياه. وَمِنْ دونِ غُفران، سَيَقضي الأبديَّة في جَهَنَّم. لِذا فإنَّ الغُفرانَ هُوَ أعمَقُ حاجاتِ الإنسانِ الرُّوحيَّة. فهذا شيءٌ ينبغي أنْ يَحصُلَ عليهِ إنْ أرادَ أنْ يَعرِفَ اللهَ، وإنْ أرادَ أنْ يَذهبَ إلى السَّماء. وهو أعمقُ حاجة روحيَّة لدى الإنسانِ أيضًا لأنَّهُ الطَّريقة الوحيدة الَّتي يَتَخَلَّصُ فيها مِنَ القلقِ والضَّغطِ النَّاجِمَيْنِ عنِ الشُّعورِ بالذَّنبِ بسببِ وُجودِ الخطيَّةِ في حياتِه. لِذا، عندما تَصِلونَ إلى هذا الموضوعِ في العدد 12، فإنَّ الطِّلبة الرُّوحيَّة الأولى في هذهِ الصَّلاةِ تَختصُّ بأعمقِ حاجة روحيَّة لدى الإنسان. فالمَجيءُ إلى اللهِ طَلَبًا للغُفرانِ هو أَهَمُّ شيءٍ على الإطلاق.

وأعتقد أنَّهُ يجب علينا أنْ نَسألَ أنفُسَنا بِضْعَةَ أسئلة في هذا الصَّباح: حيثُ إنَّ الغُفرانَ هو أعمقُ حاجة روحيَّة لدى الإنسانِ، هلِ اختَبرتَ الغُفرانَ الَّذي يُقَدِّمُهُ المَسيح؟ هذا هو السؤالُ الأول. وإنْ كُنْتَ قَدِ اختبرتَهُ، هل تُدْرِكُ، بِصِفَتِكَ مُؤمِنًا، أنَّكَ تُخْطِئُ أثناءَ سُلوكِكَ في العالَمِ، وَتَأتي بخطاياكَ إلى الرَّبِّ كُلِّ يومٍ كَيْ تَحصُلَ على التَّطهيرِ يومًا فَيومًا، وَكَيْ يُزيلَ غُبارَ العالَمِ عن رِجْلَيْكَ بسببِ اتِّساخِهِما؟ وهل تَختَبِرُ كُلَّ الأشياءِ الإيجابيَّةِ وَالفَرَحِ وَالحَميميَّةِ معَ اللهِ النَّاجِمَةِ عَنِ الاعترافِ اليوميِّ؟ وماذا بخصوصِ مُسامَحَةِ الآخرين؟ فَهَلْ حَرَّرْتَ الآخرينَ مِنْ قَيْدِ إساءَتِهِم إليكَ مِنْ خِلالِ تَقديمِ الغُفرانِ لَهُمْ عَلَنًا وَمِنْ كُلِّ القلب؟ هَذهِ هي الأسئلة الَّتي أعتقد أنَّهُ يَنبغي لنا أنْ نَطْرَحَها على أنفُسِنا. فالغُفرانُ فَضيلَة مُبارَكة.

والآن، لقد تَحَدَّثنا عن غُفرانِ اللهِ لَنا على مَدى أُسبوعَيْن. واليوم، أريدُ أنْ أتحدَّثَ عَنْ غُفرانِنا للآخرين لأنَّنا نَقرأُ في نِهايةِ العدد 12: " كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا". ونَقرأُ في العَددين 14 و 15: "إنْ غَفَرْنا، يُغْفَر لنا. وإنْ لم نَغْفِر، لا يُغْفَر لنا". لِذا، أَوَدُّ أنْ أنتقلَ إلى فِكرةِ غُفرانِنا بَعْضُنا لِبَعض. واسمحوا لي أنْ أَبتدئَ بِقَوْلِ الآتي، وأُريدُ مِنكُم أنْ تُدَوِّنوا ذلك: هناكَ أسبابٌ عديدة تُحَتِّمُ علينا أنْ نَغْفِرَ بَعْضُنا لِبَعض. وسوفَ أذكُرُ عَدَدًا مِنْها. وأقترِحُ أنْ تُدَوِّنوها لأنَّني أعتقدُ أنَّكم بِحاجة إلى مَعرِفَتِها:

أوَّلاً، يجب علينا أن نَغفرَ بعضُنا لبعض لأنَّ هذهِ صِفَة مِن صِفاتِ القِدِّيسين. لأنَّ هذهِ صِفَة مِن صِفاتِ القِدِّيسين. فالمُؤمِنونَ يَتَّصِفونَ بأنَّهُم أشخاصٌ غَفورون. وهذا مَذكورٌ في إنجيل مَتَّى 5: 43. ففي الأصحاحِ الخامِسِ، نَجِدُ أنَّ مُعَلِّمي اليهودِ التَّقليديِّين كانوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ قائِلين: "يجبُ عليكَ أنْ تُحِبَّ جَارَكَ، وأنْ تُبْغِضَ عَدُوَّكَ". فقد كانوا يُعَلِّمونَ أنَّ المَبدأَ هو أنْ تُحِبَّ جَارَكَ وأنْ تُبْغِضَ عَدُوَّكَ. ولكِنَّ الرَّبَّ قالَ: "أَحِبُّوا أعداءَكُم. بارِكوا لاعِنيكُم. أَحْسِنوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَات". بعبارة أخرى، اغْفِروا للآخرينَ، وبارِكوا لاعِنيكُم (وهذا مُساوٍ للغُفران). أَحِبُّوا أعداءَكُم (وهي الفِكرة نَفسُها) لأنَّ هذهِ كُلَّها صِفاتٌ تُظْهِرُ أنَّكَ وَلَدٌ للهِ. فَمِنْ صِفاتِ القِدِّيسينَ أنَّهُمْ يَغْفِرون. وما أعنيه هو أنَّنا نِلْنَا الغُفرانَ. أليسَ كذلك؟ فهل نَسَينا سريعًا ما غُفِرَ لنا؟ وَألا نَغْفِرُ للآخرين؟ فكما تَعلمونَ، عندما تَكونُ مُؤمِنًا ولا تَغفِرُ لشخصٍ آخر، فإنَّكَ تَضَعُ نَفسَكَ في مَكانٍ أعلى مِنَ الله لأنَّ اللهَ يَغْفِرُ إلى ما لا نِهاية. وهذهِ وَثنيَّة لأنَّكَ تَعبُدُ نَفسَكَ كما لو كُنْتَ إلهًا. وبهذا تَكونُ قد اغْتَصَبْتَ مَكانَهُ.

ثانيًا، أنا أُوْمِنُ أنَّهُ يجب علينا أنْ نَغفِرَ بَعضُنا لِبَعْض لا فقط لأنَّ الغُفرانَ صِفَة مِنْ صِفاتِ القِدِّيسين، بل أيضًا لأنَّهُ شَكْلٌ مِنْ أشْكالِ التَّمَثُّلِ بالمسيح. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 2: 6: "مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا". أليسَ كذلك؟ وكيفَ سَلَكَ هُوَ؟ لقد سَلَكَ في الغُفران. لِذا فإنَّنا نقرأُ في رسالة أفسُس 4: 32 إنَّهُ يجبُ علينا أن نُسامِحَ بَعْضُنا بعضًا كَمَا أنَّ اللهَ أَيْضًا فَعَلَ ماذا فِي الْمَسِيح؟ سامَحَنا. فالمسيحُ أعطانا قُدوةً وَتَرَكَ لنا مِثالاً حَتَّى إنَّ موتَ المسيحِ وغُفرانَ اللهِ المُقَدَّم لنا مِن خلالِ المسيحِ لم يَكُن لتلكَ الغاية فقط؛ بل لِتلكَ الغاية، وأيضًا ليُعطينا مِثالاً للغُفران. فَعَلى الصَّليب، نَظَرَ المسيحُ إلى الأشخاصِ الَّذينَ دَقُّوا المساميرَ في مِعْصَمَيْهِ، والى الأشخاصِ الَّذينَ بَصقوا عليهِ وَسَخِروا بِهِ، والى الأشخاصِ الَّذينَ غَرَزوا إكليلَ شَوْكٍ في رأسِهِ المُبارَكِ، وقال: "يا أبَتاه" [ماذا؟] "اغْفِر لَهُم!"

وهذا هو المِثال. وأيُّ إساءةٍ (مَهما بَلَغَت) لا يُمْكِنُ أنْ تَكونَ بهذا القَدْر. لِذا فإنَّ كاتِبَ الرِّسالة إلى العِبرانيِّين يقول: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ". فلا أحدٌ مِنَّا احْتَمَل ما احْتَمَلَهُ المسيحُ. وقد غَفَرَ لنا جميعًا وأعطانا مِثالاً وقُدوةً ونَموذجًا. لِذا، يجب علينا أنْ نَغفِرَ بَعضُنا لبعض لأنَّ الغُفرانَ صِفة مِن صفات القِدِّيسين؛ ثانيًا: لأنَّ الغُفرانَ شَكْلٌ مِنْ أشكالِ التَّمَثُّلِ بالمسيح.

ثالثًا، يجب علينا أنْ نَغفِرَ بعضُنا لِبَعض لأنَّ ذلكَ يُعَبِّر عن أَسْمَى فَضيلة لدى الإنسان. أَسْمَى فَضيلة لدى الإنسان. وأنا أُوْمِنُ أنَّ الإنسانَ يُظْهِرُ بأفضل صُورة مُمكنة جَلالَ خَليقَتِهِ بأنَّهُ صُوْرَةُ اللهِ حينَ يَغْفِرُ للآخرين. وأعتقد أنَّ هذا مُشارٌ إليه في سِفْر الأمثال 19: 11 إذْ نَقرأُ: "تَعَقُّلُ الإِنْسَانِ يُبْطِئُ غَضَبَهُ..." [ثُمَّ استمعوا إلى ما يَقول:] "...وَفَخْرُهُ الصَّفْحُ عَنْ مَعْصِيَةٍ". فأسْمَى شَكْلٍ مِنْ أشكالِ الفضيلةِ لدى الإنسان هي أنْ يَصْفَحَ عَنْ مَعْصِيَة. لِذا، يجب علينا أنْ نَغفِرَ بعضُنا لِبَعضٍ لأنَّ الغُفرانَ صِفَة مِن صِفاتِ القِدِّيسين، ولأنَّهُ شَكْلٌ مِنْ أشكالِ التَّمَثُّلِ بالمسيح، ولأنَّهُ أَسْمَى فَضيلة لدى الإنسان.

رابعًا، يجب علينا أنْ نَغفِرَ بعضُنا لبعض لأنَّ الغُفرانَ يُحَرِّرُ الضَّميرَ مِنَ الشُّعورِ بالذَّنْب. لأنَّهُ يُحَرِّرُ الضَّميرَ مِنَ الشُّعورِ بالذَّنْب. فعندما تكونُ هناكَ حاجة إلى الحُصولِ على الغُفرانِ وَمَنْحِ الغُفران، يَكونُ هُناكَ شُعورٌ بالذَّنْب. وهذا يُذَكِّرُني بِداوُد الَّذي عندما لم يَحْصُل على الغُفرانِ وَاجَهَ كُلَّ أنواعِ المَشاكِل: فَقد صَارَتْ حَياتُهُ جَافَّةً، وَتأثَّرَ الجِهازُ اللِّمفاويُّ لديهِ، وجَرَيانُ الدَّمِ، وَنِظامُهُ العَصَبِيُّ، وَنَشَفَ لُعابُهُ، واعْتَراهُ الاضطرابُ في كُلِّ جِسْمِهِ. فقد مَرِضَ. وقد بَلِيَتْ عِظامُهُ. وقد كَانَ يَئِنُّ طَوالَ اليوم. وهذهِ الأعراضُ كُلُّها مُرتبطة بالقلبِ غيرِ الغَفور. وهذا يَجْعَلُ الشَّيطانَ يَطْمَعُ فينا (كما جاءَ في رسالة كورِنثوس الثانية والأصحاحِ الثَّاني) فَيَطْلُعُ أَصْلُ مَرارة وَيُؤدِّي إلى كُلِّ أشكالِ عَذابِ الضَّمير. لِذا، يجب علينا أنْ نَغفِرَ بعضُنا لِبَعض لكي نُحَرِّرَ ضَميرَنا.

والآن، يا أحبَّائي، إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُضْمِرونَ ضَغينةً ومَرارةً، والأشخاصُ الغاضِبونَ مِنْ شخصٍ ما ويَسمحونَ لهذا الغَضَبِ أنْ يَستمرَّ ويَستمرَّ ويَستمرَّ دُوْنَ أنْ يُطْلِقوه يُؤذونَ أنفُسَهُم حَرفيًّا. ويَذكُرُ "ديل كارنيجي" (Dale Carnegie) قِصَّةً عن زِيارةٍ لمُنتَزَه "يَلوستون" (Yellowstone) لإطعامِ الدِّبَبَة الشَّهْباء. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّكُمْ تُطْعِمونَها مِنْ مَسافة بَعيدة. ولكِنَّهُم نَظَّفوا المَكانَ حينَ كانَ هُناكَ وَطَرَحوا كَميَّةً مِنَ القُمامة مَعَ الأوساخِ الأخرى. وقد كانَ المُرْشِدُ يَقولُ: "والآن، سوفَ يأتي الدُّبُّ ويأكُلُ القُمامة". وقد جاءَ الدُّبُّ حَقًّا. ورُبَّما كانَ الدُّبُّ الأشْهَبُ أَشْرَسَ حَيَوانٍ في قارَّة أمريكا الشَّماليَّة. ورُبَّما كانَ الحَيوان الوَحيد الَّذي قد يَتمكَّنُ مِنَ الوُقوفِ في وَجْهِ الدُّبِّ الأشْهَبِ هُوَ الدُّبُّ البُنِّيُّ، أوِ الثَّورُ الأمريكيُّ البَرِّيُّ الهائِج. ولكِنَّ الدُّبَّ الأشْهَبَ ليسَ لَهُ أعداءٌ كُثُر. فَهُوَ مَلِكُ السَّاحَة هُناك. وقد جاءَ هذا الدُّبُّ الأشهَبُ وابتدأَ يأكُل. وهذهِ الدِّبَبَة لا تُحِبُّ أنْ يَتَطَفَّلَ أحدٌ على مَنْطِقَتِها (كما قالَ المُرْشِد). وفجأةً، جاءَ حَيَوانٌ صَغيرٌ أسود وأبيض إلى تلكَ الفُسْحَة، وَهُوَ: الظَّرِبانُ الأمريكيّ. وقد حَشَرَ الظَّرِبانُ أنفَهُ في القُمامَةِ حيثُ كانَ الدُّبُّ يأكُل، وابتدأَ يأكُلُ، ويَستمتِعُ، ويَصْرِفُ وَقْتًا رائعًا في أَكْلِ طَعامِ الدُّبِّ.

وقد قالَ "كارنيجي" إنَّهُ لاحَظَ أنَّ الظَّرِبان كانَ وَقِحًا جدًّا، ولكِنَّ الدُّبَّ لم يَفعل شيئًا. وقد تَشارَكا الطَّعامَ معًا. ويقولُ "كارنيجي": "لماذا؟ الجوابُ بَسيطٌ جدًّا: "الكُلفة العالية لأخْذِ حَقِّكَ". فالدُّبُّ لم يَشَأ أنْ يَدفَعَ الثَّمن. وَهُوَ دُبٌّ ذَكِيٌّ! بل إنَّهُ أَذكى مِنْ أُناسٍ كثيرينَ أعْرِفُهم لأنَّهُم يُفْسِدونَ حَياتَهُمْ بالموادِّ السَّامَّةِ، والجَلْطاتِ القَلبيَّة، واضطرابِ القُولون لأنَّهُمْ يَحْمِلونَ ضَغينةً.

وقد دَخَلَ أبٌ وابْنُهُ البالغ مِنَ العُمر أربعَ عَشرةَ سنة إلى عيادةِ الطَّبيبِ ذاتَ يوم فقالَ الأبُ للطبيب: "أيُّها الطَّبيب، لقد جِئْتُ مِنْ أجلِ الحُصولِ على مَزيدٍ مِنَ الدَّواءِ لِزَوجتي بسببِ اهْتياجِ أَمْعائِها". فقالَ الابْنُ حالاً: "وَمَنِ الَّذي تَهْتاجُ عليهِ الآن؟" وقد كَتَبَ الدُّكتور "مكميلان" (McMillan) كِتابًا وَعَنْوَنَ فَصْلاً مِنْ فُصولِهِ هكذا: "إنَّهُ ليسَ ما تَأكُلُهُ، بل ما يَأكُلُكَ". فهذهِ هي المُشكلة الحقيقيَّة. إذًا، لماذا يجب علينا أنْ نَغفِرَ بَعضُنا لِبَعض؟ أوَّلاً، لأنَّ الغُفرانَ صِفَة مِن صِفاتِ القِدِّيسين. ثانيًا، لأنَّهُ شَكْلٌ مِنْ أشكالِ التَّمَثُّلِ بالمسيح. ثالثاً، لأنَّهُ أَسْمَى فَضيلة لدى الإنسان. رابعًا، لأنَّهُ يُحَرِّرُ الضَّميرَ مِنَ الشُّعورِ بالذَّنْب. والشُّعورُ بالذَّنب يُؤدِّي إلى أمراض عديدة نَفسيَّة وجسديَّة.

خامسًا، يجب علينا أنْ نَغفِرَ بَعضُنا لبعض لأنَّ الغُفرانَ يُنْقِذُنا مِنَ التَّأديب. لأنَّهُ يُنْقِذُنا مِنَ التَّأديب. فحيثُ يوجد رُوْحُ عَدَم غُفران، تُوجد خَطيَّة. وحيثُ تُوجَد خطيَّة، يُوجد تأديب. وكُلُّ ابْنٍ يُحِبُّهُ الرَّبُّ يَجْلِدُهُ وَيُؤدِّبُه (كما جاءَ في عِبرانِيِّين 12). ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى أنَّ عَداوَتَهُم بَعْضُهُم لبعض، وَمَرارَتَهُم، ورُوْحَ التَّحَزُّبِ لديهم، وشِقاقَهُم قد أدَّتْ جَميعُها إلى جَعْلِ وَليمةِ المحبَّة شيئًا مُريعًا، وشيئًا شِرِّيرًا جدًّا. وبسببِ ذلك، صارَ كَثيرونَ مِنهم ضُعفاء، وَمَرضى، وَحَتَّى إنَّ بَعْضًا مِنْهُم قد مَاتوا. فقد أَدَّبَهُمُ الرَّبُّ آنذاكَ بسببِ نَقصِ مَحَبَّتِهِم الصَّحيحة بَعضُهُم لِبَعض. وهذهِ كُلُّها أسبابٌ مُهِمَّة تُحَتِّمُ علينا أنْ نَغْفِرَ بَعضُنا لِبَعض. ولكِنْ هُناكَ سَبَبٌ آخر أَهَمُّ مِنْ كُلِّ الأسبابِ الخَمسةِ الَّتي ذَكَرناها.

فيجب علينا أنْ نَغفِرَ بعضُنا لبعض لأنَّنا إنْ لم نَغْفِر، لَنْ نَنالَ الغُفرانَ أيضًا. وهذا مَذكورٌ في النَّصِّ الَّذي أمامَنا. وهذهِ كَلِماتٌ صَادِمَة وصَاعِقَة في العَدَدَيْن 14 و 15. وهناكَ أُناسٌ كَثيرونَ لا يَفهمونَ هَاتَيْنِ الآيتين. ويجب عليَّ أنْ أقولَ لَكُمُ ما يَلي: إنْ لم تَكُنْ حاضِرًا مَعَنا، يجب عليكَ أنْ تَحْصُلَ على العِظَتَيْنِ الأخيرَتَيْن لكي تَفهمَ جَيِّدًا ما أقولُهُ اليوم لأنَّني لن أتمكَّنَ مِنْ إعادَةِ كُلِّ تلكَ الخَلفيَّة. ولكِنِّي سأحاولُ أنْ أقدِّمَ لكم ذلكَ بإيجازٍ شَديدٍ قدرَ الإمكان. والآن، يجب عليكم أنْ تَتذكَّروا الآتي: في هذهِ الصَّلاةِ، نحنُ نُرَكِّزُ على ما يَلي: فالطِّلبةُ الأولى تَختصُّ بِحاجةِ الإنسانِ الروحيَّة. والطِّلباتُ الثَّلاثُ الأولى تَختصُّ باللهِ: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ".

بعبارة أخرى، قبلَ حَتَّى أن تُصَلِّي لأجلِ نَفسِك، يجب أنْ يَأخُذَ اللهُ مَكانَهُ الصَّحيح في صَلاتِك. وسوفَ تَكونُ قد تَجاوَزْتَ حَالاً كُلَّ رَغْباتِكَ الأنانيَّة حينَ تَدْخُلُ في عُمْقِ هذهِ الطِّلباتِ الثَّلاثِ الأولى. ثُمَّ إنَّكَ تُقِرُّ بأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يُعْطيكَ خُبْزَكَ اليوميَّ. ولن تكونَ لديكَ حَياة روحيَّة فيها حاجات إلَّا إذا كانت لديكَ حياة أصلاً. لِذا فإنَّهُ مُلْزَمٌ بالاهتمامِ بذلك. ثُمَّ إنَّكَ تأتي إلى الحاجة الروحيَّة. وأنتَ تَتعامَلُ هُنا حالاً مَعَ الخطيَّة. فاللهُ في مكانِهِ الصَّحيح، ثُمَّ تأتي حاجةُ الإنسان الرُّوحيَّة والجسديَّة. وعندما تأمَّلنا في هذهِ الآية، شارَكنا مَعكم أربعة أشياء ينبغي أن تعرفوها: المُشكلة هي: "الخطيَّة". وَيَتِمُّ التَّعبيرُ عنها مِن خلالِ الكلمة "ذَنْب"، وفي العَدَدين 14 و 15 بالكلمة "زَلَّة". والعِلاجُ هُوَ: "الغُفران". وَهُوَ مَذكورٌ مَرَّتين في العدد 12، ومَرَّتين في العدد 14، ومَرَّتين في العدد 15. فالمُشكلة هي أنَّنا خُطاة. والخطيَّة تَجْلِبُ الشُّعورَ بالذَّنبِ وَالدَّينونة. والعِلاجُ هُوَ الغُفرانُ على أساسِ مَوْتِ المسيح.

والآن، ما الَّذي قُلناهُ عنِ الغُفران؟ لقد قُلنا لكم إنَّ هُناكَ كَمْ نَوْعًا مِنَ الغُفران؟ نوعان. أَتَذكرون؟ الأوَّلُ هُوَ الغُفرانُ القَضائِيُّ، والثَّاني هُوَ الغُفرانُ الأبويُّ. وإنْ لم تَفهموا ذلكَ لن تَتمكَّنوا البَتَّة مِنْ تَفسيرِ هذهِ الآيات. فالغُفرانُ القضائيُّ هُوَ ذاكَ الغُفرانُ الذي يَمْنَحُهُ اللهُ للشَّخصِ غيرِ المُؤمِن، وغيرِ المَفديِّ، وغيرِ المُخَلَّص الَّذي يأتي وَيَضَعُ إيمانَهُ بالمسيح. فاللهُ يَحْسِبُ لَهُ بِرَّ المسيحِ، ويُعْلِنُهُ بارًّا إلى الأبد، ويَطْرِقُ بالمِطرقة مُعلِنًا أنَّ خَطاياهُ قد غُفِرَتْ، وأنَّهُ صارَ بارًّا وُمَبَرَّرًا إلى الأبد. والغُفرانُ القضائيُّ يَشْمَلُ الأبديَّة كُلَّها ويَحْسِبُ لنا بِرَّ المسيح. فَهُوَ شَيءٌ يَحْدُثُ مَرَّة إلى الأبد. فَهُوَ يَتِمُّ مَرَّةً وإلى الأبد. فَكُلُّ خطاياكَ تُغْفَرُ تَمامًا. وقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ بالتَّفصيل قبلَ أُسبوعين. والسُّؤالُ الَّذي يُطْرَحُ هُوَ: "إنْ كُنْتُ قد نِلْتُ الغُفرانَ القضائيَّ وكانت كُلُّ خَطيَّة قد غُفِرَتْ بِدَمِ المسيح سواءَ اقْتَرَفْتُها في الماضي أوِ الحاضِر أو في المستقبل، وإنْ كانَ كُلُّ شيءٍ قد حُسِمَ إلى أبدِ الآبِدينَ وأنَّهُ لا يُمكنُ أنْ يَتغيَّرَ يومًا، ما الحاجَةُ إلى أنْ أقول: ’اغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا‘؟" وقد تَقولُ إنَّ هذهِ صَلاة لِغيرِ المُؤمِن. لا! فما هي الكلمة الأولى في هذه الصَّلاة؟ ما هي؟ "أبانا". فالحديثُ هُنا هو ليسَ عن غيرِ المُؤمِن. فيجب عليكَ أن تكونَ في عائلةِ اللهِ أصلاً حَتَّى تُصَلِّي هذهِ الصَّلاة. فهكذا ينبغي أنْ تُصَلِّي بصفتكَ مُؤمِنًا.

وقد تقول: "إنْ كُنتُ مُؤمِنًا، وكانت جميعُ خطاياي قد غُفِرَتْ قضائيًّا مِنْ خلالِ حَقيقةِ الخلاص، لماذا أَطلُبُ الغُفران؟" وهذا هو ما نُسَمِّيهِ "الغُفرانُ الأبويُّ". وَهُوَ لا يَختصُّ بحقيقةِ الخلاصِ، بل يَختصُّ بِبَهْجَةِ الخَلاص. وقدِ استخدمنا ذلكَ المَثَلَ التوضيحيَّ الرَّائعَ والشَّامِلَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13 إذْ قالَ يَسوعُ لبُطرس: "لقدِ اغْتَسَلْتُم مَرَّةً واحدةٍ. وأنتُم لستُم بحاجة إلى الاغتسالِ مَرَّةً أخرى. بل إنَّ كُلَّ ما أنتُم بحاجة إليهِ هُوَ أنْ تُغْسَلَ أرْجُلُكم خِلالَ اليوم. فاللهُ غَسَلَنا بِبِرِّ المسيح. وكُلُّ ما يُريدُ أن يَفعلَهُ هو أنْ يَنْفُضَ عن أرْجُلِنا الغُبارَ الَّذي التَصَقَ بها خِلالَ سَيْرِنا في العالَم.

فالغُفرانُ الأوَّلُ يَختصُّ بِمقامِنا، والغُفرانُ الثَّاني عَمَلِيٌّ. فالأوَّلُ يَختصُّ بموقِفِنا وَمَقامِنا أمامَ اللهِ. والثَّاني يَختصُّ بحياتِنا في العالَم. والرَّبُّ يَنْفُضُ الغُبارَ عن أرْجُلِنا. وهذا يُشْبِهُ ما قالَهُ يُوحنَّا في رسالَتِهِ الأولى. أليسَ كذلك؟ فنحنُ لَنا شَرِكَة معَ اللهِ، ولكنَّني أكتُبُ هذا إليكم لا لكي تكونَ لكُم شَرِكَة. فأنتُم لَكُم شَرِكَة مِنْ خِلالِ الخلاص. ولكنِّي أكتُبُ لكم هذا لكي يَكونَ فَرَحُكُم ماذا؟ كامِلاً. فالفَرَحُ، والنَّفْعُ، والإنتاجيَّةُ، وصِحَّتُكَ الروحيَّةُ هي النُّقطة الجوهريَّة هُنا. وعندما يَخْلُصُ الإنسانُ، ويُفْدَى قَضائيًّا، وَتُسْتَرُ كُلُّ خطاياه، فإنَّهُ لا يَتوقَّفُ عن مُواجَهَةِ الخطيَّة، ولا يَصيرُ عَديمَ الحِسِّ للخطيَّة، ولا يَتجاهلُ الخطيَّة، بل إنَّهُ يَستمرُّ في الاعترافِ بالخطيَّة (كما جاءَ في رِسالة يوحنَّا الأولى 1: 9). أليسَ كذلك؟ فَالاعترافُ يَصيرُ نَهْجَ حَياة.

فبعدَ أنْ نَأتي بالإيمان، هل نتوقَّفُ عنِ الإيمانِ في تلكَ النُّقطة وَنَهْجُرهُ؟ لا. بل إنَّنا نَسلُكُ بماذا؟ بالإيمان. ونحنُ نَدْخُلُ مِنْ خلالِ الاعترافِ بالخطيَّة. ونحنُ لا نتوقَّفُ، بل نَستمرُّ. فالاعترافُ نَهْجُ حَياة. ونحنُ نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثاني إنَّنا إنْ كُنَّا نُحِبُّ اللهَ، وكُنَّا في الرَّبِّ، فإننا سنَستمرُّ في إظْهارِ مَحَبَّتِنا لإخوَتِنا، وسَنَستمرُّ في إطاعَةِ وَصايا الله. وإذا رَجَعْتُم إلى رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الأوَّل، نَقرأُ أنَّها تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ. فإنْ كُنتَ مُؤمِنًا حقًّا، سوفَ تَستمرُّ في الاعترافِ بخطيئتِك لأنَّ رَهافَةَ الحِسِّ للخطيَّة ستكونُ أكبر بكثير مِنْ أيٍّ وقتٍ سَبَقَ خَلاصَك لأنَّكَ قبلَ أنْ تَخلص كُنتَ تَسلُكُ في الظُّلمة. أليسَ كذلك؟ ولم يكن هُناكَ حَقٌّ مُعْلَنٌ لَكَ. أمَّا بعدَ أنْ صِرْتَ مَسيحيًّا، فإنَّكَ تَسلُكُ في النور، وكُلُّ شيءٍ صارَ ظَاهِرًا لكَ – حَتَّى خطيَّتَك. لِذا فإنَّ ما يتحدَّثُ عنهُ هُنا هو غَسْلُ الأرْجُلِ الَّذي يَقومُ بِهِ الرَّبُّ حينَ يُطَهِّرُنا يومًا فيومًا، وَيُنَقِّينا وَيُقَدِّسُنا؛ لا كَيْ يُخَلِّصَنا، بل كَيْ يَجْعَلَ حَميميَّةَ تلك الشركة قويَّة قَدْرَ الإمكان.

وقدِ استَخْدَمْتُ مَثَلاً توضيحيًّا عن عائلتي. فإنْ أخطأَ أولادي بِحَقِّي وَفَعَلوا شيئًا يُخالِفُ المَعاييرَ الَّتي وَضَعْتُها أنا، فإنَّ ذلكَ لا يَعني أنَّهُمْ صَاروا خَارِجَ العائلة. ولا ينبغي لهم أنْ يَفعلوا أيَّ شيءٍ كَيْ يَعودوا إلى العائلة. ولكن يجب عليهم أنْ يأتوا ويُصَحِّحوا الأخطاءَ كَيْ يُحافظوا على حَميميَّةِ الشَّرِكَة العائليَّة ويَستعيدوها. أَتَرَوْن؟ وهذا هو ما نَتحدَّثُ عنهُ.

لِذا، لقد رأينا أنَّ المُشكلة هي: "الخطيَّة"، وأنَّ العِلاجَ هُوَ: "الغُفران". ثالثًا، الطِّلبة هي: "الاعتراف". فالطِّلبةُ والصَّلاةُ هي أنْ نَعتَرِف بخطايانا، وأنْ نُقِرَّ بها إلى الله. وأنا أقولُ لكم، يا أحبائي، إنكم إن لم تكونوا تفعلونَ هذا، فإنَّكم تُؤثِّرونَ سَلبيًّا في فاعليَّتِكُم الروحيَّة. فالأمرُ بهذهِ البساطة. وقد تقول: "حينَ تَقولُ إنَّهُ يجبُ أنْ نَعتَرِف، ما الَّذي تَعنيه؟" الحقيقةُ هي أنَّني لا أريدُ أنْ أَصرِفَ كُلَّ الوقت في هذا الصباح في الحديثِ عن ذلك، ولكِنْ اسمحوا لي أنْ أقولَ ما يلي عنِ الاعترافِ بالخطيَّة. فالكلمة "يَعتَرِف" تعني: "أنْ تَقولَ الشَّيءَ نَفسَهُ". فهي الكلمة "هومولوجيئو" (homologeo) ومَعناها: "أن تقولَ الشيءَ نَفسَهُ". فهي تَعني أنْ تَتَّفِقَ مَعَ اللهِ بخصوصِ خطيئتِك. وهي تَعني أنْ تُقِرَّ بخطيئتك. وهي تعني أنْ تَتوبَ عن خطيئتك. وهي تعني أنْ تَترُكَ خطيئَتَك. وهي تعني أن تَشكُرَ اللهَ لأنَّهُ غَفَرَها لَكَ. وأيُّ شيءٍ أَقَلُّ مِن ذلك هو ليسَ اعترافًا حقيقيًّا.

"أنا أتَّفِقُ معكَ، يا رَبُّ، بخصوصِ خطيئتي. فأنتَ مُحِقٌّ". وحالما تَفعل ذلك فإنَّكَ تَسْمَحُ للهِ أنْ يُؤدِّبَكَ مِنْ دونِ أيِّ مُمانَعَة. هل تَفهمونَ ذلك؟ لأنَّكَ أَقَرَّيْتَ بأنَّكَ تَستحقُّ التَّأديب. واللهُ لَهُ مُطْلَقُ الحَقِّ في أنْ يَفعلَ ذلك لأنَّهُ عندما لا يُقِرُّ النَّاسُ بخطاياهم، ويؤدِّبُهم اللهُ، فإنَّهُم يَلومونَ اللهَ غالبًا. لِذا فقد قالَ يَشوعُ لِعَخان في سِفْرِ يَشوع 7: 19: "أَعْطِ مَجْدًا لِلرَّبِّ ... وَاعْتَرِفْ لَهُ". بعبارة أخرى: "سوفَ يُعاقِبُكَ اللهُ. ولكِنْ يُمْكِنُكَ أنْ تَعْتَرِفَ أوَّلاً بأنَّكَ تَستحقُّ العِقابَ حَتَّى يَتَمَجَّد اللهُ". لِذا، عندما تَعترِفُ بخطاياك فإنَّكَ تُمَجِّدُ اللهَ حينَ يُعاقِبُكَ لأنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في أنْ يَفعلَ ذلك. ثُمَّ يجب عليك أن تَتوبَ عنها وأنْ تَترُكها. ويجب عليك أن تتخلَّى عنها. ثُمَّ يجب عليكَ أن تَشكُرَ اللهَ لأنَّهُ غَفَرها لَكَ. فهذا هو الشيءُ الَّذي يريدُ الله منك أن تَفعلَهُ يوميًّا في حياتِكَ.

ونحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 1: 9 إنَّنا نَعْتَرِفُ دائمًا بخطايانا، ونَنالُ الغُفرانَ دائمًا. فالاعترافُ يَرِدُ بصيغةِ المُضارِع لأنَّهُ نَهْجُ حياة. وبالرَّغمِ مِن ذلك، أَرى أنَّ مسيحيِّينَ كثيرينَ لا يَعترفونَ بخطاياهم كما ينبغي. فبينَ الحينِ والآخر، حينَ يَعْتَريكَ اليأسُ فإنَّكَ تَفعلُ ذلك. والتَّكرارُ يَتَراوَحُ، والكَثافةُ تَتراوَحُ. وأحيانًا، قد نَعْتَرِفُ للهِ بصورة عامَّة. ولكِنْ يجب علينا أنْ نَتعامَلَ مَعَ خطايانا. وأنا أُوْمِنُ أنَّ هذا الأمرَ جُزءٌ لا يتجزأ مِنَ اختبارِ مِلْءِ البركة في حياتِنا. وفي كُلّ مرَّة تَعترفُ فيها بخطيئتك لله، وتذكرها له بتفصيلٍ شديد، ستجد أنَّ التَّفكيرَ فيها واقترافَها ثانيةً صارَ أصعبَ جِدًّا. وبالمُقابل، أعتقد أنَّ الناسَ لا يَعترفونَ بخطاياهم بالتفصيل لأنهم يريدون أن يُخفوها في الكواليس قليلاً إلى أنْ يَرَوْا إنْ كانوا سيرغبونَ في القيام بها مرَّة أخرى. ولكِنْ مِنَ الأفضل أن يكون المرءُ خاطئًا على أن يَكذِبَ بخصوصِ ذلك. لِذا فإنهم لا يعترفون بها. والآن، ما الَّذي سنَتعلَّمُه حينَ نَنظُرُ إلى النقطة الرابعة؟ لقد رأينا أنَّ المشكلة هي الخطية، وأنَّ الحَلَّ هو الغفران. وهذهِ هي البداية فقط لأنَّ الطِّلْبَة تَخْتَصُّ بالاعتراف. ولكِنْ يوجد مَطْلَبٌ سابقٌ أيضًا. والمَطلَبُ السَّابقُ هو: أنْ نَغفِرَ للآخرين. أنْ نَغفِرَ للآخرين. وهذا مَطْلَبٌ سَابِقٌ مُهِمٌّ جدًّا. فالعددان 14 و 15 يُفَسِّران الجُملة المذكورة في نهاية العدد 12: "كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا".

والآن، فَكِّروا معي. إنَّ المَطلبَ السَّابِقَ هو أنْ نَغفِرَ للآخرين. وقد ذَكرتُ لكم خمسةَ أسبابٍ في البداية تُبَيِّنُ لماذا ينبغي أن نَغفِرَ للآخرين. خمسةَ أسبابٍ للغُفران: طَبيعة القِدِّيسين، واتِّباع مِثال المسيح، والفضيلة، وراحةُ الضَّمير، والإنقاذُ مِنَ التَّأديب، وأخيرًا: كَيْ نَنالَ الغُفرانَ، يجب علينا أنْ نَغفِرَ للآخرين.

انظروا إلى العدد 12، واسمحوا لي أنْ أبتدئَ مِنْ هُنا. ويمكننا أنْ نُتَرجمَ هذهِ الآية هكذا: "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا غَفَرْنا نَحْنُ أَيْضًا...". فالفِكرة هي أنَّهُ قبلَ أنْ نَطلُبَ الغُفرانَ بسببِ ذُنوبَنا ("أوفيليما" – “opheilema”) الَّتي أَذْنَبْنا بها تُجاهَ اللهِ ... قبلَ أن نَفعلَ ذلك، يجب علينا أن نكونَ قد غَفَرنا للأشخاصِ الَّذينَ أساؤوا إلينا. وهذهِ نُقطة قويَّة، يا أحبَّائي. فأوَّلاً، نحنُ نَغفِرُ، ثُمَّ نَنالُ الغُفران. فهذا هو التَّرتيبُ هُنا. وهذا سَببٌ آخَر يُبَيِّنُ أنَّ هذهِ الآية لا تتحدَّثُ عن غيرِ المُؤمِن لأنَّ غيرَ المُؤمِن لا يستطيعُ، ولا يَمتلك أيَّ فَضيلة روحيَّة تُمَكِّنُهُ مِنْ أنْ يَغفِرَ للآخرين كي يَنالَ الغُفران. لِذا فإنَّها تتحدث عن المؤمِن. فقبلَ أن نأتي إلى اللهِ كَي يَغْسِلَ أرْجُلنَا كُلَّ يوم، وقبلَ أن نأتي بخطايانا إلى الرَّبِّ ونقولَ لَهُ: "يا رَبّ، طَهِّرني مَرَّة أخرى واستخدِمني"، يجب علينا أنْ نَتَحَقَّقَ مِنْ أنَّنا غَفَرنا للآخرين. فهذا هو المَطْلَبُ السَّابِق.

رَاجِع حَياتَكَ قليلاً. هل يُمكِنُكُم أن تَفعلوا ذلك؟ وقد تَنْظُر إلى حَياتِكَ وتقول: "جون! أنا آتي إلى الكنيسة طَوالَ الوقتِ، وأقرأُ في الكتابِ المقدَّس، وأستمعُ إلى الأشرطة، وأذهبُ لحُضورِ النَّدْواتِ وغيرِها؛ ولكنِّي لستُ فَرِحًا كما ينبغي. واللهُ لا يَسْتَخْدِمُني. وأنا أشعُرُ أنَّ حياتي ليست كما ينبغي أن تكون. فأنا أَتْعَبُ مِنْ مُحاولةِ بُلوغِ مِعْيارٍ رُوحيٍّ مُعَيَّن. وقد أخبرني أحدُ الأشخاصِ أنَّهُ يجبُ عليَّ أن أُصَلِّي أكثر. وقد حاولتُ أن أفعلَ ذلك. أو أنَّهُ يجب عليَّ أنْ أذهبَ لحضور دروسٍ عنِ النُّموِّ الروحيِّ، أو أنَّهُ يجب عليَّ أن أقرأَ في الكتابِ المقدَّس لأنَّني لا أقرأُ بالقدرِ الكافي. أو أنَّ هناكَ كِتابًا ينبغي أن أقرأهُ. أو أنَّهُ ينبغي أن أقرأَ أمورًا كثيرة وأنْ أقومَ ببحثٍ مُوَسَّعٍ لمعرفةِ نُقْطَةِ الضُّعفِ الروحيِّ لديَّ".

ولكِنْ رُبَّما يكونُ الجَوابُ بسيطًا جدًّا: أنَّكَ لا تَعترِف بخطاياك. فأنتَ لا تَأتي إلى الرَّبِّ وتقول لَهُ: "أنا خاطئ. وأنا أعترفُ بذلك. وأنا أُقِرُّ بذلك. وأنا آتي إليكَ بِخَطاياي. طَهِّرني". وقد تقول: "بَلى! أنا أفعلُ ذلك يا جون. لقد فَعلتُ ذلك. فأنا آتي إلى الرَّبِّ وأقول: ’يا رَبّ، هناكَ خطيَّة في حياتي وأنا آتي بها إليك‘". وهناكَ أشخاصٌ التقيتُهُم كَتَبوا لائِحَةً. أتَعلمونَ ذلك؟ فقد كَتَبوا خَطاياهُم. "ولكنيِّ ما زلتُ أَفْتَقِرُ إلى الفَرح. وأنا ما زلتُ لا أعرفُ مَعنى الشُّعورِ بالرِّضَا. وأنا ما زلتُ لا أرى ما ينبغي أنْ أراهُ يُحْدُثُ في حياتي".

يبدو أنَّكَ لم تَرْجِع إلى الوراءِ بالقدرِ الكافي. ارجِع خُطوة أخرى. فرُبَّما كُلُّ هذا الاعترافِ لم يُحَقِّق ذلك لأنَّ الرَّبَّ لم يُحَرِّرْكَ بعد مِنْ تلكَ الخطايا لأنَّكَ ما زلتَ تُضْمرُ شيئًا ما تُجاهَ شخصٍ ما ولم تَغْفِر لَهُ فَأثَّرَ ذلكَ سَلبيًّا في حَياتِكَ الروحيَّة. فهذا هو ما يَقولُهُ يَسوع. فهذهِ ليست كلماتي، بل هي كلماتُ الربِّ يسوعَ المسيح. ونحنُ نَعْلَمُ أنَّهُ يَعلَم.

ابتَدِئوا في فَحْصِ حياتِكُم، يا أحبَّائي، في هذا المُستوى. وأنا أَعلَمُ أنَّني أفحَصُ حَياتي في هذا المُستوى أيضًا. وقد قالَ "أوزوالد ساندرز" (Oswald Saunders): "إنَّ يَسوعَ يُقَدِّمُ مَبدأً هُنا. واللهُ يَتعامَلُ مَعَ أولادِهِ. فهو يتعاملُ معنا كما نَتعامَلُ معَ الآخرين. وهو يُعامِلُنا بِذاتِ المِعيارِ الَّذي نُعامِلُ بِهِ الآخَرين. فالصَّلاةُ هي ليست: ’اغفِر لنا لأنَّنا نَغفِرُ للآخرين‘، بَل: ’اغفِر لنا كَما غَفَرْنا للآخرين‘". فهذه هي الفكرة. فهو سيتعامَل مَعَنا كما نَتعامَلُ مَعَهُ.

وهناكَ مَثَلٌ توضيحيٌّ آخر واضحٌ جدًّا: فقد قالَ يَسوع: "أَعْطُوا..." [ماذا؟] "...تُعْطَوْا". "لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (إنجيل لوقا والأصحاح 6). وما رأيُكُم بهذا؟ "مَنْ يَزْرَعُ بِالشُّحِّ" يَحْصُدُ كَيْفَ؟ "بِالشُّحِّ أَيْضًا". "وَمَنْ يَزْرَعُ بِالْبَرَكَاتِ" فَماذا؟ "فَبِالْبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُدُ". فاللهُ يَتعامَلُ مَعَنا بذاتِ الطريقةِ الَّتي نَتعامَلُ بها مَعَهُ. وأيًّا كانَ الشيءُ الَّذي نَستثمِرُهُ في مَلكوتِهِ فإنَّنا نَأخُذُ عائِدًا عليه. فإنْ كانت هُناكَ خطايا وضغينة وما شابَهَ ذلك في حياتِنا، فإنَّنا نَفْصِلُ أنفُسَنا عن مَصْدَرِ البَركة الَّتي كان يُمْكِنُ أنْ تكونَ لنا لَولا وُجودِ هذهِ الأشياء. وقد عَلَّمناكُم مَرَّاتٍ كثيرة أنَّهُ حينَ تُعْطُوا فإنَّكم تَستثمِرونَ معَ اللهِ وتَحصُلونَ على عائِدٍ على استثمارِكُم. والشَّيءُ نَفسُهُ يَصِحُّ على اعترافِكُم بالخطيَّة وطَلَبِ الغُفران. فاللهُ يَتعامَلُ مَعَكُم بذاتِ الطريقةِ الَّتي تُعامِلونَ بها الآخرين. ورُبَّما كانَ الضُّعفُ في حياتِكَ الروحيَّة ناجِمًا عن وُجودِ أشخاصٍ في حياتِكَ ما زِلْتَ تَحْمِلُ مَرارَةً أوْ ضَغينَةً تُجاهَهُم، وأنَّ ذلكَ مُستمرٌّ.

وَحَتَّى إنَّ اليهودَ كانوا يَعلمونَ هذا. ففي سنة 200 قبلَ الميلاد، قالَ اليهود: "غُفرانُكَ للأمورِ السَّيِّئَةِ الَّتي يَفعَلُها جَارُكَ يَعني أنَّكَ حينَ تُصَلِّي لأجلِ خَطاياكَ فإنَّها سَتُغفَرُ أيضًا". فقد كانوا يَعلمونَ ذلك. وقد كانوا يَفهمونَ هذا المبدأَ الروحيَّ. ويَقولُ "التَّلمودُ" (وَهُوَ شَرْحُ مُعَلِّمي اليهودِ للعهدِ القديم): "مَنْ يَغْفِرُ خَطايا الآخرينَ سَيحْصُلُ على مُعامَلَةٍ رَحيمةٍ مِنَ الدَّيَّانِ الأعظَمِ نَفسِهِ".

وماذا عن حياتِك؟ هل أنتَ غَفورٌ؟ لأنَّكَ إنْ لم تَكُن غَفورًا فإنَّ اللهَ لن يَغفِرَ خطاياكَ. وهذا يعني أنَّكَ سَتَمشي في العالَمِ بِرِجْلَيْنِ مُلَطَّخَتَيْنِ بالوَحْل. صَحيحٌ أنَّكَ مُبَرَّرٌ قَضائيًّا، وأنَّ بِرَّ المسيحِ مَحْسوبٌ لَكَ. ولكِنَّ الفَرَحَ يَختفي. والعلاقةُ الحَميمةُ معَ اللهِ تَنْقَطِع. ولا تَعودُ نافِعًا للرَّبِّ. وقد تقولُ الآن: "حسنًا يا جون! إنْ كُنْتُ أُضْمِرُ ضَغينَةً كهذهِ تُجاهَ شخصٍ ما، كيفَ يُمْكِنُني أنْ أُعالِجَ ذلك؟"

هُناكَ ثلاثُ خُطْواتٍ أعتقد أنَّها عَمليَّة: أوَّلاً، أَحْضِرْها إلى اللهِ بِوَصْفِها خَطِيَّة. فالأمرُ يَبتدئُ مِنْ هُنا. أَحْضِرْها إلى اللهِ بِوَصْفِها خَطيَّة: "يا رَبُّ، يوجدُ هذا الشَّخصُ. وأنا أَشعُرُ تُجاهَهُ هكذا. وهذهِ خطيَّة. وأنا أَعتَرِفُ بها. وأنا آسِفٌ. وأنا أُقِرُّ بخطيئتي، وأتوبُ عنها، وأترُكُها ". فهذهِ هي نُقطةُ البداية.

الخُطوةُ الثَّانية: اذهب إلى ذلك الشَّخص. وهذا صَعبٌ. أليسَ كذلك؟ ولكنِّي أقولُ لكم هذا لكي تَختَبِروا الفَرحَ الروحيَّ. والقَرارُ يَرْجِعُ لَكَ. فيجب عليكَ أنْ تَتْرُك ما تُضْمِرُهُ مِنْ إدانَة وضَغينة. ثانيًا، اذهب إلى ذلك الشخص وقُلْ لَهُ: "أريدُ أنْ أَطْلُبَ مِنْكَ أنْ تُسامِحَني". وقد فَعَلَ أُناسٌ كثيرونَ ذلكَ مَعي...مَرَّاتٍ كثيرة. ولَيْتَكُمْ تَرَوْنَ التَّحريرَ النَّاجِمَ عن ذلك. وقد أكونُ قد غَفَرْتُ لهم أصلاً. وقد لا أدري حَتَّى أنَّني فَعَلتُ أيَّ شيءٍ يُسيء إليهم. ولكِن اذهب إلى ذلك الشخص.

ثالثًا [إنَّها نُقاطٌ عمليَّةٌ وَحَسْب]: أَعْطِ الشَّخصَ شيئًا تُقَدِّرُهُ كثيرًا جِدًّا. وهي طريقة عمليَّة جِدًّا. واسمحوا لي أن أقولَ لكم السَّبب. لقد قالَ يسوع: "لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ..." [ماذا؟] "...هُناكَ يَكونُ قَلْبُكَ أَيْضًا". فإنْ أَضْمَرْتَ ضَغينةً تُجاهَ شخصٍ ما، أوْ مَرارةً، ورُبَّما يكونُ هذا الشخصُ فَردًا في عائلتك أو شخصًا مِنْ خارجِ عائلتك، أو شخصًا في الكنيسة. ولكِنْ أيًّا كان الشيءُ الذي تُضْمِرُهُ تُجاهَ أيِّ شخص ... ينبغي أنْ تَتعامَلَ مَعَ ذلكَ بالطريقة التالية: أوَّلاً، اعترِف بذلكَ للهِ. ثانيًا، اذهب إلى ذلك الشخص. ثالثًا، أعطِ الشَّخصَ شيئًا قَيِّمًا. واسمحوا لي أن أقولَ لكم الآتي: إذا وَضَعْتَ شيئًا قَيِّمًا، أو شيئًا عزيزًا على قلبِكَ بينَ يَدَيْ ذلكَ الشخص، فإنَّكَ تُعْطيهِ قَلبَكَ مَعَ ذلك الشيء. وهذا سَيُغَيِّرُ مَشاعِرَكَ تُجاهَهُ.

وسوفَ أعتَرِف لكم اعترافًا صريحًا بهذا الخصوص. وأنا لن أَعترفَ بِكُلِّ شيء، بل بأشياءٍ مُنْتَقاة وَحَسْب. فهناكَ أوقاتٌ في حياتي شَعَرْتُ فيها بمشاعر مُعَيَّنة تُجاهَ شخصٍ ما؛ وهي مشاعِر لم يَكُنْ يَنبغي أنْ أشعُرَ بها (كالمَرارة، أو المشاعر السيِّئة أوِ الشُّعور بأنَّهُ قد أَسَاءَ إليَّ). وهناكَ أوقاتٌ حَرَّرْتُ فيها نفسي مِنْ ذلكَ القَيْد مِنْ خِلالِ هذهِ العمليَّة. وقد كانَ المِفتاحُ هُوَ أنْ أذهبَ إلى ذلك الشخص، وأنْ أُعطيهِ كِتابًا اشتريتُهُ. أو رُبَّما أُعطيهِ شِيْكًا. فالأمرُ مُخْتَلِف في كُلِّ مَرَّة. ولكِن عندما كنتُ أعطيهم هديَّة كنتُ أشعُرُ بِالحُريَّةِ في رُوحي. فلا يوجد فَرَح يُضاهي فَرَح العطاء. وهذا هو ما يَقولُهُ الرَّبُّ لنا هُنا. ولكِنَّكَ قد تَعْتَرِف للرَّبِّ كَثيرًا دونَ أنْ تَشعُرَ بحُريَّةِ الغُفرانِ إلى أنْ تُعالِجَ ذلكَ الأمرَ على المُستوى البشريِّ أوَّلاً.

والآن، دَعونا نَرى هذهِ النُّقطة في مَقاطِع عديدة أخرى ثُمَّ نَخْتِمُ. وسوفَ أتحدَّثُ بإيجازٍ وَحَسْب. إنجيل مَتَّى 5: 7. وسوفَ نَكتفي بِذِكْرِ المبدأ. فلا وَقْتَ لدينا للحديثِ عنها بالتَّفصيل. وقد تَحدَّثنا عنها في الماضي. إنجيل مَتَّى 5: 7. استمعوا إلى ما تَقول: "طُوبَـى لِلرُّحَمَاءِ". وهُناكَ فَصْلٌ كامِلٌ عن ذلك في الكِتاب. فهي جُملة رائعة. " طُوبَـى لِلرُّحَمَاءِ لأَنَّهُمْ..." [ماذا؟] "يُرْحَمُونَ". بِعبارة أخرى، إن أردتَ أنْ تَنالَ رَحمةً مِنَ اللهِ، يجب عليكَ أنْ تكونَ ماذا؟ رَحيمًا. فهذا مَبدأٌ مِنْ مَبادئِ الحياةِ الروحيَّة. فالنَّاسُ في ملكوتِ المسيحِ رُحَماء. فَهُمْ يَحتملونَ إهاناتِ النَّاسِ الأشرارِ ويُظْهِرونَ لَهُمْ رَحْمَةً. وفي ذلكَ السِّياق، هُناكَ مَعْنىً أكثر شُمولاً. وأنا لا أريدُ أنْ أتحدَّثَ بإسهابٍ عن ذلكَ مَرَّةً أخرى، ولكِنَّ المَبدأَ هو نَفسُه. ويمكنكم أنْ تُقارنوا هذا بِذاك. فإنْ أردتَ رَحْمَةً، يجب عليكَ أنْ تُظْهِرَ رَحمةً. وسوفَ أُريكُم آيةً أخرى: الأصحاح 5 والعدد 21: ""قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ" (وهي جُملة تُشيرُ إلى تَقاليدِ مُعَلِّمي اليهود). فَتَقليدُ مُعَلِّمي اليهودِ لَديكُم يَقول: "لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْم". بِعبارة أخرى، أنتُم تُعَلِّمونَ ذلك. وَهُوَ تَعليمٌ يَحوي حَقًّا دونَ شَكٍّ. ولكِنَّهُ ليسَ كُلَّ الحَقِّ لأنَّهُ لم يَذْكُر سِوى ذلك.

فَتقليدُكُم يقول: "إنْ لم تَقْتُل ستكونُ على ما يُرام. أمَّا إنْ قَتَلْتَ فإنَّكَ سَتَكونُ في وَرطَة أمامَ النَّاموس". "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ". وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "رَقا" هي كلمة تَعْسُرُ تَرْجَمَتُها. فهي تُشبِهُ القول ... لا أدري ماذا! فهي لا تَعني شيئًا مُحَدَّدًا، بل هي تُشيرُ إلى نَبْرَةِ الكَلامِ أكْثَرَ مِمَّا تُشيرُ إلى كَلِمَة بِعَيْنِها. وبالنِّسبة إليهم، رُبَّما كانت تُشْبِهُ القولَ لشخصٍ ما: "أنتَ أحمَق" أو "غَبِيّ" أو أَخْرَق" أو ما شَابَهَ ذلك. هل شاهَدتُم يومًا المُسلسلَ الكَرتونيَّ الَّذي يَغْضَبُ فيهِ "تشارلي براون" (Charlie Brown) فَتَرَوْنَ النُّجومَ والشَّرَرَ يَتَطايَرُ مِنْ وَجْهِه؟ فهذا هو المَعنى المقصود. فهو أيُّ شيءٍ مُشابِه. وهي كلمة تَعْسُرُ تَرْجَمَتُها.

فعندما تقولُ تلك الكلمة لشخصٍ ما، أو تقولُ لَهُ: "أنتَ أحْمَق"، تكونُ قد وَضعْتَ نَفسَكَ في مَوْقِفٍ خَطير؛ بل خَطيرٍ جِدًّا. لماذا؟ نَقرأُ في العدد 23: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ. كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا".

وسوفَ نَتوقَّفُ هنا. فالنُّقطة هي نَفسُها. صَحيحٌ أنَّ السِّياقَ مُختلِف قليلاً (كما رأينا في دراسَتِنا لهذا النَّصِّ)، ولكِنَّ النُّقطة هي نفسُها. فلا يمكنكَ أنْ تأتي إلى اللهِ وأنْ تُقَدِّمَ لهُ قُرْبانًا لإصلاحِ حَياتِكَ الروحيَّة الشخصيَّة إلَّا إذا أَصْلَحْتَ عَلاقَتَكَ بالآخرين. لِذا، اذْهَبْ واصْطَلِح مَعَ أَخيك.

ورُبَّما جاءَ بَعْضٌ منكم لِعِبادةِ الرَّبِّ في هذا الصَّباحِ ولكِنَّكُمْ عاجِزونَ عن عِبادَتِه. فأنتُم قادِرونَ على الاستماعِ إلى التَّعليمَ، ولكنَّكم عاجِزونَ عن عِبادةِ اللهِ لأنَّهُ لن يَقْبَلَها. فقد جئتم مِنْ أجلِ عِبادةِ الرَّبِّ. وأنتَ تقول: "يا رَبّ، أريدُ أنْ تَعْلَمَ أنَّني أُسَبِّحُكَ. ويا رَبّ، أرجوكَ أنْ تُطَهِّرَني اليومَ". ورُبَّما ستُغادِر كما جِئْتَ لأنَّ هناكَ علاقات مُتَفَسِّخة ولأنَّ هُناكَ عَدَم غُفران لديكَ في بعضِ المواقف. لِذا فإنَّكَ تُضَيِّعُ العِبادةَ الحقيقيَّة. لِذا، اترُك المَذبَح، واذهب واصْطَلِح مَعَ أخيكَ، ثُمَّ عُدْ إلى هُنا. لِذا، رُبَّما أنتَ عاجِزُ عنِ العبادة اليوم. ورُبَّما أنتَ عاجِزٌ عنِ التَّعامُلِ معَ خطاياكَ. ولكِن يمكنكَ أنْ تَتَعَلَّمَ أنْ تَبتدئَ العمليَّة الَّتي سَتَجْعَل ذلكَ يَحْدُث.

فَمَنْ أنا حَتَّى لا أغفِرَ للآخرين؟ مَنْ أَظُنُّ نَفسي؟ "لا يُمْكِنُني أنْ أغفِرَ لَكَ!" فاللهُ غَفَرَ لَهُم! فَمَنْ أَظُنُّ نَفسي؟ والمزمور 23 يقولُ الآتي: "إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي". لماذا؟ لأنَّهُ يجب عليَّ أنْ أحصُلَ على الرَّحمة كُلَّ أيَّامِ حياتي لأنِّي أُخطئ. وما دامَ اللهُ رَحيمًا جدًّا، ولم يَحْجُبْ عَنِّي رَحْمَتَهُ يومًا، مَنْ أنا حَتَّى لا أَرْحَمَ أيَّ شخصٍ آخر! لِذا، لا عَجَبَ أنَّ مُؤمنينَ كثيرينَ يَشعرونَ بالضُّعفِ في حياتِهم. فهناكَ خِلافات كثيرة جدًّا غير مَحلولة مَعَ الآخرين. لِذا، اترُك المَذبَح إلى أنْ تُقَوِّمَ حَياتَك. "إِنْ رَاعَيْتُ إِثْمًا فِي قَلْبِي..." [كما جاءَ في المزمور 66] "...لاَ يَسْتَمِعُ لِيَ الرَّبُّ". فإنْ رَاعيتَ إثْمًا في قلبِكَ، لن يَسْتَمِعَ إليكَ.

ويَعقوبُ يَقولُ مَرَّةً أخرى ... فهذا التَّعليمُ موجودٌ ليسَ فقط في الأناجيل، بل إنَّ يَعقوبَ يَقول في الأصحاح 2 والعدد 13: "لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً". فأنتَ تَضَعُ نَفسَكَ في مَوقِفِ التَّأديب. واللهُ سَيؤدِّبُكَ إنْ لم تَكُنْ رَحيمًا معَ الآخرين. وما أعنيه هو أنَّ كُلَّ شخصٍ يُظْهِرُ نفسَ الضَّعفِ بطُرُق مُختلفة. لِذا، لِنَكُنْ مُتَسامِحين. لقد كانَ "روبرت لويس ستيفنسون" (Robert Louis Stevenson) يَعيشُ في جَنوبِ المُحيطِ الهادئ. وقد اعتادَ أن يَجْمَعَ أولادَهُ حولَهُ كُلَّ يوم. وفي خِتامِ حَديثِهِم اليوميِّ القصير معًا، كانوا يُصَلُّونَ الصَّلاةَ الرَّبَّانيَّةَ (كما يُسَمِّيها). وذاتَ يومٍ ابتدأَ يُصَلِّي الصَّلاةَ الرَّبَّانيَّةَ إلى أنْ وَصَلَ إلى مُنْتَصَفِها. ثُمَّ قامَ وَمَشى إلى الدَّاخِل. وفي ذلكَ الوقتِ مِن حياتِهِ، كانَ يُعاني مَشاكِلِ صِحِّيَّة. لِذا، اعتقدت زوجَتُهُ أنَّهُ كانَ مُتَوَعِّكًا صِحِّيًّا. لِذا فقد ذَهَبَتْ إليهِ وقالت: "هل هُناكَ خَطْبٌ مَا؟" فقال: "فَقَط أنَّني لَسْتُ جَديرًا بأنْ أُصَلِّي هذهِ الصَّلاةَ اليوم". وأعتقد أنَّ الأمرَ يَبتدئُ مِنْ هُنا. أليسَ كذلك؟ فهو يَبتدئُ بالإقرارِ بأنَّكَ لستَ جَديرًا بذلك. فَلا تأتِ طَلَبًا للغُفران إنْ لم تَكُنْ مُستعدًّا للغُفران. وإنجيل مَتَّى والأصحاح 18 يُقَدِّمُ لنا نَظرة أخيرة لتوضيح هذا الحَقِّ العَظيم. إنجيل مَتَّى 18: 21. وبالمُناسَبة فإنَّ النَّصَّ كُلَّهُ الَّذي يَسْبِقُ هذهِ الآية (ابتداءً بالعدد 15) يَتحدَّثُ عن نفسِ النُّقطةِ. ولكِنَّنا لا نَمْلِكُ الوقتَ الكافي للتحدُّثِ عنهُ: "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. ... وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا...شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَة". فالنَّصُّ كُلُّهُ يَختصُّ بالخطيَّة (هذا النَّصُّ كُلُّهُ) وبالغُفران. حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ بُطْرُسُ وَقَالَ (رَدًّا على ما قالَهُ الرَّبُّ بخصوصِ الأخِ الَّذي يُخطئ في الكنيسة) ... فقد قالَ بُطرس: "يا رَبّ! كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟"

وكانَ مُعَلِّمو اليهودِ يَقولونَ: "ثلاثَ مَرَّاتٍ". يجب عليكَ أنْ تَغفِرَ ثَلاثَ مَرَّات. وقد كانَ بُطرُسُ يَظُنُّ أنَّهُ كانَ يُظْهِرُ مُسامَحَةً لا مَثيلَ لها. "هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟" أيْ: "هل نُضَاعِفُ تَقليدَ مُعَلِّمي الشَّريعةِ ونُضيفُ إليهِ مَرَّة أُخرى؟" قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ". أيْ: إلى ما لا نِهاية! بِلا حدود! وبِلا تَوَقُّف! لماذا؟ لأنَّهُ يجب علينا أنْ نَغفِرَ كما غَفَرَ لنا اللهُ في المسيح. وكيفَ غَفَرَ لنا؟ 490 مَرَّة؟ أرْجو أَلَّا يكونَ هذا صَحيحًا! لأنَّهُ إنْ أخطأتَ 491 مَرَّة قبلَ أن تموت، تكونُ قد وَقعتَ في وَرطة حقيقيَّة. ولكنَّهُ يَغْفِرُ لنا إلى ما لا نِهاية. فهذا هو ما يَقولُهُ رَبُّنا.

ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "دَعوني أُوَضِّح ذلكَ لكم" (في العدد 23): "لِذلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ. فَلَمَّا ابْتَدَأَ فِي الْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشْرَةِ آلاَفِ وَزْنَةٍ". والآن، تَوَقَّفوا هُنا قليلاً. لقد كانَ هذا الشخصُ حَقيرًا جِدًّا. وأنا أريدُ منكم أن تَعرفوا ذلك. فقد كانَ حُثالةً وسَيِّئًا جِدًّا. وعشرةُ آلافِ وَزنة هي مَبلغٌ كبيرٌ جِدًّا مِنَ المال يَصعُبُ علينا أن نَستوعِبَهُ. وقد كانَ مَدينًا بعشرةِ آلافِ وَزنة. وقد تَقولُ: "كيفَ يُعقَلُ أنَّ خادِمًا يَدينُ بِكُلِّ هذا المَبلغ؟" يبدو أنَّهُ سَرَقَ مُجوهراتٍ ثَمينة، ورَهَنَها، وَخَسِرَها كُلَّها في استِثمارٍ فاشِل. فبطريقةٍ ما، كانَ يَخْتَلِسُ مِنْ خَزْنَةِ المَلِك. وأنْ يكونَ المَرءُ مَدْيونًا إلى هذا الحَدِّ هو أمرٌ يَعْسُرُ جِدًّا استيعابُهُ في ذلكَ الوقتِ مِنْ تاريخِ العالَم. فذلكَ الدَّيْن الَّذي يُقَدَّرُ بعشرةِ ملايين دولار يَفوقُ استيعابَ أيِّ شخص. وقد كانَ ذلكَ الخادِمُ يَخْتَلِسُ مِنَ المَلِكَ باستمرار.

ثُمَّ نقرأُ في العدد 25 أنَّهُ: "لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي". عَجَبًا! فقد أَهْدَرَ كُلَّ المالِ وكُلَّ النُّقود. وإذا كُنتُم تَظُنُّونَ أنَّهُ لا يُعْقَلُ أنَّهُ حَصَلَ عَليهِ، تَخَيَّلوا كيفَ أَنْفَقَهُ! يا لَهُ مِنْ شخصٍ أحمَق. وقد تقول: "إنَّ هذا الشخصَ ليسَ مُخْتَلِسًا فقط، بل إنَّهُ غَبِيٌّ أيضًا". فَالاختلاسُ شَيءٌ إذْ إنَّهُ مُخْتَلِس، ولكِنَّها حَماقَة شَديدة أنْ يهْدرَ المالَ كُلَّهُ. لِذا فقد كانَ ينبغي لَهُ أنْ يُصَفِّي دُيونَهُ مِنْ خِلالِ الشَّيءِ الوحيدِ الَّذي لَديهِ؛ أيْ مِنْ خِلالِ زَوجَتِهِ وَأَوْلادِهِ. لِذا، نَقرأُ في العدد 25 أنَّ السَّيِّدَ أَمَرَ بأنْ يُباعوا عَبيدًا مِنْ أَجْلِ الحُصولِ على جُزءٍ مِنَ المال. وقد كانَ هذا هُوَ كُلُّ ما سيحصُل عليه. ثُمَّ انظروا إلى العدد 26: "فَخَرَّ الْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ". وهذهِ حَماقة حَقًّا. وما الَّذي أَعنيه بذلك؟ إنَّ ذلكَ الشَّخص غَبِيٌّ كيفَما نَظَرْتُم إليه! وكما تَعلمونَ، قد يكونُ رَدُّ الفِعْلِ الطَّبيعيِّ هي أنْ يَغضَبَ المَلِك. فقد يكونُ هُناكَ شَخصٌ يَدينُ لَكَ بِألْفَيْ دولارٍ فَتَغْضَب إنْ لم يَرُدَّ الدَّيْنَ لَكَ. ولكنِ انظروا! فقد تَحَنَّنَ سَيِّدُ ذلكَ الْعَبْدِ، وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ. وهذا مُدْهِش. وَخَمِّنوا: إلى مَنْ يَرْمِزُ ذلكَ المَلِك؟ إلى الله. وَخَمِّنوا: إلى مَنْ يَرْمِزُ ذلكَ العبد؟ إلينا نحنُ جميعًا. وهل نَحْنُ نَدينُ بِدَيْنٍ لا نَستطيعُ أنْ نَدْفَعَهُ؟ هل نَدينُ بذلك؟ مِنَ الأفضل أنْ تُصَدِّقوا ذلك. وَقد سَامَحَهُ. لماذا؟ لأنَّهُ تَحَنَّنَ عليه. وقد تقول: "كيفَ يُعْقَلُ أنَّ شخصًا يُسامِحُ شخصًا آخرَ بتلكَ الطريقة المُدهشة؟

أريدُ أن أُريكم شيئًا آخَرَ يَختصُّ بذلكَ العَبْد. "وَلَمَّا خَرَجَ ذلِكَ الْعَبْدُ (في العدد 28) وَجَدَ وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ...". وهل تَعلمونَ كَمْ هُوَ ذلكَ المَبلغ؟ أُجْرَةَ العَمَلِ مُدَّةَ ثلاثَةِ أشهُر. فَهُوَ ضَئيلٌ جدًّا. إنَّهُ لا شَيء. فقد خَرَجَ العَبْدُ الَّذي كانَ مَديونًا بعشرةِ مَلايينِ فَوَجَدَ رَجُلاً مَديونًا لَهُ بِمَبْلَغٍ يُساوي أُجرةَ العَمَلِ ثَلاثةَ أشهُر. "فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: ’أَوْفِني مَا لِي عَلَيْكَ‘. فَخَرَّ الْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ". وقد كانَ قادِرًا على القيامِ بذلك. "فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ". ولم يَكُنْ باستطاعةِ ذلكَ الرَّجُل أنْ يَدْفَعَ الدَّيْنَ وَهُوَ مَسجونٌ لأنَّهُ لن يتمكَّنَ مِنَ العمل وَهُوَ في السِّجْن. ولكِنَّ هذا يُريكُم شَرَّ قلبِ ذلكَ الرَّجُل. "فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى". فقد ذَهَبَ العَبيدُ الآخرونَ وَأخبروا المَلِكَ بما فَعَلَهُ ذلكَ الرَّجُل.

"فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ، كُلُّ ذلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟ وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِـيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ. فَهكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَّلاَتِهِ".

هذهِ هي الصُّورةُ، يا أحبَّائي. هذهِ هي صُورةُ الشَّخصِ الَّذي يُريدُ أنْ يأخُذَ كُلَّ الغُفرانِ مِنَ اللهِ، ولكِنَّهُ لا يُريدُ أنْ يُعطيهِ لشخصٍ آخر. هل تَرى نَفسَكَ مَكانَهُ؟ هل تَحْقِدُ على شخصٍ ما؟ وهل نَسَيْتَ بِسُرعة؟ وهل ذاكِرَتُكَ ضَعيفة جدًّا حتَّى أنَّكَ لا تستطيعُ أن تتذكَّر الرَّحمةَ الَّتي حَصَلْتَ عليها؟ لقد قالَ "توماس مانتون" (Thomas Manton): "لا يوجدُ أشخاصٌ يَتَحَنَّنونَ على الآخرينَ مِثْلَ أولئكَ الَّذينَ رُحِمُوا لأنَّهم يَعلمونَ كَمْ تَحَنَّنَ اللهُ عَليهم". والآن، اسمعوني: إنَّ واحدًا مِنَ الأسبابِ الَّتي تَدعوكم إلى الاعترافِ بخطاياكُم حَالَ اقترافِكُم لها، والإقرارِ بها بصورة مُحَدَّدة ودائمة هو أنَّ ذلكَ سَيُذَكِّرُكَ دائمًا بأنَّكَ خَاطِئٌ، وبأنَّ رَحْمَةَ اللهِ دائمة. لِذا، في وَسْطِ ذلكَ التَّذكير، سوفَ تَميلُ أكثر إلى مُسامحةِ الآخرين. ولكِنْ إنْ لم تَعترِف بخطاياكَ، بل تَتَسَتَّرُ عليها ولا تُعالِجها، فإنَّكَ سَتَفقِد عَلاقَتَكَ الحميمة باللهِ، وسَتفقِد فَرَحَك، وَلن تَعودَ نافِعًا لاستخدامِ السيِّد. وسوفَ تَجِدُ نَفسَكَ غيرَ مُتَسامِحٍ مَعَ الآخرين لأنَّكَ لم تَكُن صَادِقًا بخصوصِ غُفرانِ اللهِ لَكَ في حياتِكَ الشخصيَّة.

وقد أَصَابَ "اللُّورد هيربرت" (Lord Herbert)، على ما أعتقد، حينَ قال: "مَنْ لا يَستطيعُ أنْ يَغفِرَ للآخرينَ يَهْدِمُ الجِسْرَ الَّذي يَحْتاجُ إليهِ هُوَ نَفسُهُ للعُبور". ما الَّذي تَعَلَّمناه؟ أنَّ لدينا مُشكلة وهي: الخطيَّة. واللهُ لَديهِ الحَلّ وَهُوَ: الغُفران. واللهُ أعْطانا وَسيلةً لِطَلَبِها وَهِيَ: الاعتراف. وهُناكَ مَطْلَبٌ سَابِقٌ وَهُوَ: أنْ نَغْفِرَ للآخرين. والمُؤمِنُ الَّذي لا يَغْفِرُ للآخرين يُناقِضُ نَفسَهُ. فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ، وأنانيٌّ، ولَديهِ ذاكِرة ضعيفة لأنَّهُ نَسِيَ أنَّ خطاياهُ قد مُحِيَتْ. تَعَلَّموا أنْ تَعْتَرِفوا، يا أحبَّائي. وقبلَ أنْ تَعتَرِفوا، تَعَلَّموا أنْ تَغفِروا.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize