Grace to You Resources
Grace to You - Resource

يا لهُ مِنَ امتيازٍ لنا في هذا الصباح أن نعود إلى دراستنا لإنجيل مَتَّى. افتحوا كِتابَكُم المقدَّس، مِنْ فَضلِكُم، واستعدُّوا للنظر معي إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح الثَّامِن. مَتَّى والأصحاح الثامن. فقدِ انتَهَتْ عُطلَتُنا الصَّيفيَّة. وكُنَّا قد توقَّفنا عن دراستنا لإنجيل مَتَّى للمشاركة في بعض المواضيع مِنْ رسالة بطرس الثانية والأصحاح الأول. وأعتقد أنَّ كل شيء سَارَ بحسب مشيئة الربّ. أمَّا الآن فإننا نعود بفرحٍ عظيم وتَوَقُّعٍ كبير لمتابعة دِراستنا لإنجيل مَتَّى. وقد كُنَّا قد انتهينا مِنَ الأصحاحاتِ السَّبعة الأولى. والآن، سنُكْمِل دراستنا لهذا الإنجيل العظيم والرائع.

إنَّ الأصحاحات مِنْ بداية الثَّامِن إلى نهاية الثَّاني عشر مُهمَّة جدَّا مِنْ نواحي عديدة لِفهم حياة المسيح ورسالة إنجيل مَتَّى. ففي هذا المَقطع، يُدَوِّنُ مَتَّى مجموعة مِنَ المُعجزات التي أَجْراها يسوع المسيح. وهناك آلافٌ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى مِنَ المُعجزات التي أُجْرِيَتْ. ولكنه يَذْكُرُ تِسْعَ مُعجزاتٍ فقط كأمثلة على قدرة يسوع المسيح. فهي حقًّا أوراق اعتماده بوصفة المسيَّا. وهي المُعجزات التي تُشير، مِن دون شكٍّ، إلى لاهوتهِ لأنه لا يُمكن لأحد سوى الله أن يفعل الأشياء التي يفعلُها. والأمرُ المُحزن هو أنه بَعْدَ تلك المُعجزات المذكورة في الأصحاحَيْن الثَّامِن والتَّاسِع، وَبَعْدَ الوَعْظ المذكور عَقِبَ ذلك، فإنَّ اليهود يَستنتجون في الأصحاح 12 أنَّ يسوع هو مِنَ الشيطان. فقد كان هذا هو استنتاجهم. وِبِشَتَّى الطُّرُق، فإنَّ هذا يَصيرُ جوهر رسالة إنجيل مَتَّى. فالمسيح يفعل كُلَّ شيءٍ ممكنٍ لإظهار لاهوته، ولكنهم يَستنتجونَ العكس تمامًا. ثُمَّ في الأصحاح الثَّالِث عَشَر، يَنْتَقِلُ المسيحُ مِنَ اليهودِ إلى تأسيس كنيسة الأمم. وهذا مقطعٌ مهمٌّ جدَّا في كلمة الله. وسوف تُلاحظون أنَّ هذا المقطع يبتدئ بثلاث مُعجزاتٍ: مُعجزة شِفاء الأبرص (في الأعداد الأربعة الأولى)، وشفاء الرَّجُل المَفْلوج (في الأعداد مِنْ 5 إلى 13)، وشفاء المرأة المُصابة بالحُمَّى (في العَدَدَيْن 14 و15). وهذه هي المُعجزات الثلاث الافتتاحيَّة. فهناك تِسْعُ مُعجزاتٍ في هَذَيْنِ الأصْحاحَيْن. وهي تأتي في ثلاثِ مَجموعاتٍ يَضُمُّ كُلٌّ منها ثلاث مُعجزات: ثلاثُ مُعجزاتٍ ثُمَّ تَجاوُب؛ وثلاثُ مُعجزاتٍ ثُمَّ تَجاوُب؛ وثلاثُ مُعجزاتٍ ثُمَّ تَجاوُب. وكُلُّها تَرْمي إلى إظهار لاهوتِ يسوعَ المسيح.

والمُعجزاتُ، كما تَرَوْن، هي طريقة الله في الشَّهادة عنْ لاهوتِ ابنه. فهي مُعجزاتٌ تَختصُّ بالقُدرة على الخَلْق. وهي تُظهِر قدرةً لا تَنْطَبِق إلَّا على جوهر الله. وهي أشياء لا يُمكن للإنسان أن يفعلها البتَّة. فهي خارقة للطبيعة. وهذا الأسلوب في تأكيد مِصداقيَّة المسيَّا مِنْ خلال المُعجزات لا يَقتصِر على مَتَّى فقط، بل هو أسلوب يوحنَّا أيضًا. انظروا معي قليلاً إلى إنجيل يوحنَّا إذْ أُريد فقط أن أَستخدم ذلك كَمَثَلٍ توضيحيٍّ لكي تَرَوْا أهمية هذا الموضوع. إنجيل يوحنَّا 1: 14. فنحن نقرأ في إنجيل يوحنَّا 1: 14: "وَالْكَلِمَةُ" [وهذه تُشيرُ، مِنْ دون شَكّ، إلى اللاهوتِ تَحديدًا، أي إلى الله نفسه] "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا". فهذا هو ما يقوله يُوحَنَّا. ثم إنه يقول: "وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ". فيوحنَّا يقول إنَّ اللهَ صارَ إنسانًا وإنَّنا رأينا لاهوتَهُ. فهذا هو ما يقوله: "لقد رَأَيْنَا مَجْدَهُ. فقد رأينا اللهَ في هيئة بشريَّة. وقد رأينا اللَّاهوتَ أساسًا. لقد رأينا الله". كيف يا يوحنَّا؟ كيف رأيتم ذلك؟ وأين أُظْهِرَ ذلك؟ هذا سؤالٌ سهلٌ بالنِّسبة إلى يوحنَّا. ثم يُتابع يوحنا الكلام بعد تلك الجُملة مُتَحَدِّثًا في إنجيله عن سلسلةٍ مِنَ المُعجزاتِ التي أَجْراها يسوعُ وأَظْهَرَ مِنْ خلالها مِلْءَ اللَّاهوت في شخصه. وفي كُلِّ الإنجيل، فإنَّ الروح القدس يدعونا إلى استخلاص ذلك.

افتحوا على إنجيل يوحنا 5: 19. وسوف أُعطيكم فقط لمحةً سريعةً عن هذا الإنجيل. إنجيل يوحنا 5: 19: "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمُ [أيْ لليهود]: ’الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ‘". بعبارة أخرى، فإنَّ يسوع يقول: "إنَّ ما تَرَوْنَني أفعله هو تمامًا ما يستطيع الله أن يفعله". وهذا، مِنْ دُوْنِ شَكٍّ، بَيانٌ خطير. فنحن نقرأ في العدد 20: "لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الابْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ، وَسَيُرِيهِ أَعْمَالاً أَعْظَمَ مِنْ هذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ". بعبارة أخرى، فإنَّ يسوعَ يقول: "اسمعوني: إنَّ ما أفعله هو شيء لا يستطيع أحد سوى الله أن يَفعله. وهذا ينبغي أنْ يَجعلكم تتعَجَّبون". ثم نقرأ في العدد 36 مِن الأصحاح نفسه: "وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا". فهناكَ شهادة أعظم مِن شهادة يوحنَّا المَعمدان: "لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي". إذًا، كيف أَظْهَرَ اللَّاهوت؟ ليس فقط مِن خلال ما قاله، بل بالحريِّ مِن خلال ما فَعَلَهُ: أي مِن خلال قُدرته الخارقة على الخَلْق. فالله هو الوحيد القادر أن يَخلق. وقد كانت مُعجزاتُ يسوع هي مُعجزات خَلْق.

ونقرأ عن ذلك أيضًا في إنجيل يوحنَّا 10: 25: "أَجَابَهُمْ يَسُوعُ [والحديث هنا أيضًا هوَ عنِ اليهود]: ’إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ‘". فأنتم لم تؤمنوا بما قُلته. وأنتم لم تؤمنوا بكلامي. اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي [أو: بقُدرة أبي] هِيَ تَشْهَدُ لِي". فأنتم تُنكرونَ أقوالي، ولكن كيف يمكنكم أن تُنكروا أعمالي؟ ثم نقرأ في العدد 32: "أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: ’أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي. بِسَبَبِ أَيِّ عَمَل مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟‘" وهذه سُخرية. فَمِنَ الواضحِ أنَّ هذه المعجزات خارقة للطبيعة. "بِسَبَبِ أَيِّ عَمَل مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟". ثم نقرأ في العدد 37: "إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي". فإنْ لم أكُن قادرًا على القيام بما يقوم به الله، لا تؤمنوا بي. وإنْ لم أكن قادرًا على إظهارِ أنِّي الله، لا تؤمنوا بذلك. وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ". ونقرأ في الأصحاح 14 والعدد 10 الشيء نفسه تقريبًا: "أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟" بعبارة أخرى، فإنه يقول في إنجيل يوحنَّا 14: 10: "ألستَ تؤمن أنِّي أنا والله واحد؟ فهل لديك مشكله في تصديق ذلك؟" – "الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. صَدِّقُوا، حَرْفِيًّا، كلامي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا".

وفي الأصحاح 15 نجد الشيء نفسه في العدد 24: "لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ عَمِلْتُ بَيْنَهُمْ أَعْمَالاً لَمْ يَعْمَلْهَا أَحَدٌ غَيْرِي، لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيَّةٌ [أيْ خَطِيَّة الرَّفْض]، "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ رَأَوْا وَأَبْغَضُونِي أَنَا وَأَبِي". فقد رَأَوْا ذلك. وَهُمْ لم يقدروا أنْ يُنكروا أنَّ الله هو الَّذي يَعمل. ولكنَّهم أَظْهَروا أنهم يُبغضوني لا أنا فقط، بل أنهم يُبغضونَ اللهَ أيضًا". وهذه هي القضيَّة في إنجيل يوحنَّا؟ أتَرَوْنَ المُعجزات؟ فقد استنتجوا أنَّ الله هو الَّذي يَصنع تلك المُعجزات. والحقيقة هي أنَّ هذه هي الغاية مِن كتابة هذا الإنجيل - بِحَسَب ما جاء في الأصحاح 20 والعدد 30. فما جاء في يوحنَّا 20: 30 هو الجُملة الرئيسيَّة: "وَآيَاتٍ [أوْ عَجائب أو مُعجزات] أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ". فيوحنِّا يقول: "لقد أعطيتُكم لَمحةً فقط، كما فَعَلَ مَتَّى. إنَّها لَمحة فقط. فهناك مُعجزات كثيرة أخرى صَنَعَها. لماذا؟ "وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيح". وما المقصود بالكلمة "هذه"؟ هذه الآيات، أو هذه المُعجزات. "وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ". أَتَرَوْن!

إنَّ قَصْدَ يوحنَّا بمُجمله يَتلخَّص في تقديم مُعجزاتِ يسوع بوصفها تأكيدًا لِلاهوتهِ، لكي يعرف الناسُ، ويُؤمنوا، وينالوا الفداء. والآن، لِنَرْجِع إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح الثَّامِن لِنَرى أنَّ هذا هو تمامًا ما قَصَدَهُ البَشيرُ مَتَّى أيضًا. فهذه هي أوراقُ اعتمادِ المَلِك. وهذا هو الدَّليل على أنه الله. وبالمناسبة، فإنَّ ذلك يأتي في نقطة حرجة جدًّا في إنجيل مَتَّى لأنَّ يسوعَ كان قد قدَّم عِظَةً قويةً في الأصحاحات 5 و 6 و 7. فقد قَلَبَ حَرفيًّا العالمَ الدِّينيَّ رأسًا على عَقِب. فقد قال لهم، في الحقيقة، إنَّ تعليمَهم خاطئٌ، وإنَّ حياتَهم خاطئة، وإنَّ سلوكَهم خاطئ، وإنَّ كُلَّ ما يُدافعون عنه ويُؤمنون به ويَرجُونَهُ خاطئ. وَهُوَ لَمْ يَقْتَبِس يومًا أيًّا مِنْ أقوال مُعَلِّميهم أوِ المصادرِ المعروفة لديهم، بل إنه اكتفي بالقول مِرارًا وتَكرارًا بصورة نهائية وحاسمة وقاطعة: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ". والحقيقة هي أنَّه قالَ مِرارًا: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ". "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ". وقد قالَ ذلك مِرارًا وتَكرارًا. "فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَال" (في العدد 28): "فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ [في الأصحاح السَّابع والعَدَد 28] بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ". لماذا؟ نقرأ في العدد 29: "لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَة".

وما أعنيه هو أنه قال تلك الأشياء بكل حَزْم. ولكِنْ كيف كان الكَتَبَة يفعلون ذلك؟ لقد كانوا يَقتبسون أقوال المُعلِّمين الآخرين. فقد كانوا مُعَرَّضين للخطأ. لذلك، فقد كانوا بحاجةٍ إلى مجموعةٍ مِنَ المصادر غير المعصومة الأخرى لتدعيم أقوالهم. ولكنَّ يسوع كان يقول كُلَّ شيءٍ بيقينٍ وسُلطانٍ عَظيمَيْن. وقد قَلَبَ نِظامَهُمَ الدينيَّ رأسًا على عَقِب. وقد عَرَّاهم تمامًا. وقد أزال الأقنعة عن وُجُوههم وكَشَفَ أنهم مُجَرَّد قادةٍ دينيِّينَ زائفين. ومن الواضح أنَّ ذلك قد طرح سؤالاً مُهمًّا جدًّا. فقد كان اليهودُ في القرن الأول يَطرحون الأسئلة التالية: "مَن هو هذا الذي يقول هذه الأشياء؟ وبأيِّ سُلطانٍ يتكلم؟ ولماذا ينبغي لنا أن نسمع هذا الكلام؟ ولماذا ينبغي لنا أن نُصْغي إلى هذا الكلام؟ ولماذا ينبغي أن نُصَدِّقَ هذا الكلام؟ وما الذي يُعطيه الحَقَّ في قَوْلِ هذه الأشياء وفي تأكيد صِحَّتِها؟"

والأصحاحان 8 و 9 هُمَا الجوابُ عن تلك الأسئلة. وسوف أُخبركُم حَقيقَةَ الشيءِ الذي كانَ يُعطيهِ الحَقَّ. فَهُوَ الله. وهذا هو العامل الحاسم. وهذا هو ما يقوله مَتَّى في الأصحاحَيْن 8 و 9. فهو يُبَيِّنُ، مِنْ دون أدنى شَكٍّ، أنَّ يسوعَ هو الله. وكيف نَعْلَمُ أنه الله؟ لأنَّ اللهَ هو الوحيد القادر أن يَخْلِق. ونحن نَجِد في هَذَيْن الأصحاحَيْن تسعة أمثلة على أنَّ يسوع يَخْلق المواقف والظروف التي لم تكن موجودة أصلاً، ويَخلق أعضاءَ جسديَّة فنرى مِن خلال ذلك أنَّ اللهَ يَعمل. وهذا يُجيبُ عنِ السؤال: "بِأَيِّ سُلْطَانٍ يَقولُ هذَا؟"

والآن، لِنَنْظُر أوَّلاً وقبل كُلِّ شيءٍ إلى المُعجزاتِ الثلاثِ الأولى. وأُودُّ أن أُعطيكم صُورةً عَامَّةً عنها. فهناك ثلاثُ مُعجزاتٍ وَهِيَ: شِفاءُ رَجُلٍ أَبْرَص، وشِفاءُ شَخْصٍ ذُكِرَ أنه "مَفلوج"- أيْ أنه كانَ مَشلولاً، وهو مَرَضٌ قد ينشأ لأسبابٍ عديدة. ثُمَّ شفاءُ امرأةٍ مُصابة بالحُمَّى. فهذه هي المُعجزاتُ الثلاث. وهناك نِقاطٌ رئيسيَّة عديدة يُمكننا أن نُلاحِظَها بخصوص المُعجزاتِ الثلاثِ الأولى: أنها تَبتدئ في أدنى مستوياتِ الحاجاتِ البشريَّة وهي الحاجة الجسديَّة. فالحياةُ تَحوي أمورًا تَفوقُ في أهَمِّيَّتِها الأمور الجسديَّة. أجل! ولكِنَّ يسوعَ يَتعاطَفُ أيضًا مَعَ العِلَلِ البَدَنِيَّة. ومِنَ الجميل أنْ نَعلمَ أنَّ مُعجزاتِ يسوعَ لم تكُن مُعجزاتٍ تَختصُّ بالأمور الروحيَّة فقط، ولم تَكُنْ تَختصُّ بالرَّاحةِ أوِ الغِنى أوِ الظُّروفِ أوْ سَدِّ الحاجات، بلْ إنها كانت تَلْمَسُ الإنسانَ في أدنى مستوياتِ حاجاته؛ وهي الحاجة الجسديَّة. فهو يَصِلُ إلى أعماقِ المَرَضِ البشريّ. ولاحقًا، في المجموعة الثانية مِنَ المُعجزات، فإنه يَتعاملُ أكثرَ مِنَ السَّابِق مع الاحتياجاتِ الروحيَّة. وفي المجموعة الثالثة مِنَ المُعجزات، فإنَّه يَلْمَسُ العَدُوَّ الأكبر للإنسان وَهُوَ: الموت نفسهُ إذْ إنه أَقام شخصًا مَيْتًا. ولكِنْ عند هذه النقطة، فإنه يتعامل مع أدنى مستوى مِنَ الحاجات البشريَّة. وهذا يُرينا ليس قدرة المسيح فقط، بل أيضًا تعاطُف المسيح.

والشيءُ الثاني الذي أَراهُ في هذه النظرة العامة هو أنه يتجاوب في جميع الحالات الثلاث مَعَ طِلْباتِ الناس ... مَعَ طِلْباتِ الناس. وهذا يُظهِر لنا تعاطُفَهُ. ففي الحالة الأولى، جاءَ أَبْرَصُ إليه وقال: "إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِــي". وفي الحالة الثانية، قالَ أصدقاء قائد المئة إنَّ العبدَ مَطروحٌ في البيت مَفلوجًا. وقد قالَ يسوعُ: "أنا آتي". وفي الحالة الثالثة (بِحَسَبِ ما يُضيفُهُ لوقا في المَقطعِ المُوازي)، فإنَّ أصدقاءَ عائلة بُطرس يقولون ليسوع إنَّ حَماةَ بُطرسَ مريضة، وإنه سيكون مِنَ الرائع أنْ يأتي إلى هناك ويَشفيها. وفي جميع الحالات الثَّلاث، استجابَ يسوعُ لتلك الطِّلبات النَّابعة مِن قلوب الناس.

والأمر الثالث الذي ينبغي أن نُلاحِظَهُ في هذه المعجزات الثلاث هو أنه في كل حالة منها فإنَّه يَعْمَلُ بِمُقتضى مشيئته. فمع أنه مُتَفَهِّمٌ، ومع أنه - في الوقتِ نَفْسِهِ - مُتعاطفٌ جدًّا، فإنه صاحِبُ السُّلطان. وهذا أمرٌ مهمٌّ جدًّا. ففي كل حاله، فإنهُ يتصرف بمُقتَضى مَشيئَتِه الشخصيَّة. "أُرِيدُ، فَاطْهُرْ". ... "أَنَا آتِــي وَأَشْفِيهِ". ... "فَلَمَسَ يَدَهَا فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى".

رابعًا، وهي نُقطةٌ رائعةٌ، فإنَّه في كُلِّ معجزة مِنْ هذه المعجزاتِ يَلْمَسُ شخصًا كان في نَظَرِ وَفَهْمِ الفَرِّيسيين واليهود مِنْ أَدنى فِئاتِ البَشَر: فقد لَمَسَ [أوَّلاً] شخصًا أبْرَصَ كان يُعَدُّ حُثالَةَ الأرض. وقد لَمَسَ [ثانيًّا] شخصًا أُمَمِيًّا. وقد لَمَسَ [ثالثًا] امرأةً. وبسبب ذلك فقط، فإنَّ هناك دِقَّةً تُحَطِّمُ الكبرياء اليهوديَّ، أيْ كبرياءَ الفَرِّيسيِّين. ونَرى هنا أين يَنْصَبُّ تَركيز يسوع: على المُتَّضِعينَ، وعلى المساكين، وعلى المَنبوذين. وهل تَعلمون أنَّ أوَّلَ شخصٍ أَعْلَنَ لَهُ أنه المسيَّا كانت زانيَّةً مِنَ السَّامرة، وأنها لم تَكُن يهوديَّة؟ وقد كان ذلك يُوَّجِّهُ رسالةً إلى المُجتمع اليهودي في زمانه. لذلكَ فقد كانَ قد وَضَّحَ تمامًا منذ البداية أنه سيؤسِّسُ سُلطانَهُ مِنْ خلال صُنْعِ المعجزات. ولكنه سيُبَيِّنُ أيضًا تعاطُفَهُ مع الأشخاص المتألِّمين في أدنى مُستويات الحاجات البشريَّة. وسوف يتجاوب بتعاطفٍ معَ صَرَخاتِ أصدقائهم وأولئك الذين هُمْ في حاجة. ومع ذلك فإنه سيعمل بسيادةٍ بوَصْفِهِ الرَّبّ. والشيءُ المُحْزِنُ، أيِ الشيءُ الذي يَكْسِرُ القلبَ حقًّا، هو أنه بالرغم من هذا كله فقد أداروا ظهورهم له. وقد استنتَجوا (بحسب ما جاء في الأصحاح 12) أنَّ ما يفعله إنما يفعلهُ بقوة بَعْلَزَبُول، أيْ: رئيسِ الشياطين. فقد كرهوه. والحقيقة هي أنهم تآمروا لقتله لأنه زَعْزَعَ أَركانَ نِظامِهم الدينيّ.

وفي هذا الجزء، نَرى أنَّ قُدرته هي قُدرة هائلة، يا أحبَّائي. إنها قدرة هائلة. فهو يُطَهِّرُ الأبرص، ويَشفي العَبْد، ويُقيمُ امرأةً، ويُسيطرُ على البحر، ويَطْرُدُ الشياطين، ويَجعلُ العُميان يُبصرون، ويجعل المَشلولين يَمشون، ويجعل الصُّمَّ يتكلمون، ويشفي كل شخص مريض يأتي إليه. وهذا إظهارٌ مُذْهلٌ للقُدرة. وإذا نَظَرْتُم إلى الوراء قليلاً في إنجيل مَتَّى، ورَجَعتم، وابتدأتم مِنَ البداية، سَتَرَوْنَ أنَّ هذا الجانبَ هوَ جانبٌ واحدٌ فقط مِنْ تأكيد مَسيحانِيَّة المسيح. ففي الأصحاح الأول، هناك سِلْسِلَة نَسَبِه. وهذه شَهادة للمؤهِّلات القانونيَّة للمسيَّا. وفي الأصحاح الثاني، هناك وِلادَتُه التي كانت تَحقيقًا لجميع النُّبوءاتِ التي كانت تَشهد عنِ المؤهِّلات النبويَّة للمسيَّا. ثُمَّ نأتي إلى معموديته التي تَشهد عنِ الموافقة الإلهيَّة على مَسيحانيَّته. ثُمَّ نأتي إلى تَجْرِبَتِه التي تَشهد عنْ مؤهِّلاته الروحيَّة لأنْ يكون المسيَّا. ثُمَّ نأتي إلى عِظَتِهِ، وهي تَشهد عنْ مؤهِّلاته اللَّاهوتيَّة. والآن نأتي إلى مُعجزاته، وهي الشهادة الرئيسيَّة عنْ كُلِّ شيءٍ، والدليل على أنه الله ... على أنه الله.

وبالمناسبة، فإنَّ الأصحاح الثامن يبتدئ حيث انتهى الأصحاح الرابع. وتأتي العِظَة على الجبل في الوسط. ولكن عندما انتهينا مِن الأصحاح الرابع، هل تذكرون ماذا كان يفعل يَسوع؟ في العدد 23؟ "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب. فَذَاعَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ سُورِيَّةَ. فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَجَانِينَ وَالْمَصْرُوعِينَ وَالْمَفْلُوجِينَ، فَشَفَاهُمْ. فَـتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْعَشْرِ الْمُدُنِ وَأُورُشَلِيمَ وَالْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ". وكما تَرَوْن، فإنَّ يسوع يبتدئُ مِنْ حيث انتهى. أليس كذلك؟ فقد صَعِدَ إلى الجبل ووعظ تلك العِظة ثُمَّ نَزَل، ثُمَّ ابتدأَ ذلك ثانيةً. وهناك آلافٌ لا تُعَدّ ولا تُحْصَى مِنْ مُعجزات الشفاء إذْ إنه شَفى كُلَّ مَنْ جاءوا إليه. وقد استعرضنا مُقدمة المعجزات الثلاث الأولى. وفي هذا الصباح، سنتأمل في المعجزة الأُولى. وهي قصة جميلة ورائعة. واسمحوا لي أن أقرأها لكم كما جاءَت في الأعداد مِنْ 1 إلى 4. وهي قصة قصيرة: "وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ. وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: «يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِــي». فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً: «أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!». وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ بَرَصُهُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «انْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ. بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمِ الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ»".

هذهِ هيَ كُلُّ القصَّة. ورُبَّما كان الشيءُ الأوَّلُ الذي يَخطُر ببالك هو: "أليسَ ما حدث رائعٌ؟" إنها قصَّة صغيرة رائعة. ولكِنْ لِنَرى إنْ كان بمقدوري أن أساعدكم على التعمُّق فيها لمعرفة ما تقوله القصَّة في الحقيقة. فنحن نقرأ في العدد الأوَّل: "وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْجَبَل". أيُّ جَبَل؟ إنهُ الجبلُ الَّذي أَلقى عليه عِظَتَهُ بالقُرب مِن قرية كَفْرناحوم. "تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ". لماذا؟ هل تريدونَ أن تَعلموا شيئًا؟ لم يكن ذلك لأنهم أَحَبُّوه. ولم يكن ذلك لأنهم كانوا يُقَدِّرونه. ولم يكن ذلك لأنهم آمنوا به. بل إنهم فعلوا ذلك بسبب فُضولهم في المقام الأوَّل. وقد فعلوا ذلك لأنهم لم يسمعوا يومًا شخصًا يتحدث بهذا السُلطان، ولأنهم لم يَرَوْا يومًا شخصًا يُجُولُ ويشفي الناس. فقد اجتذبَ يسوعُ حشدًا كبيرًا، وقد نزلوا مِنَ الجبل ولَحِقُوا بِهِ. وقد كانوا جميعًا مستعدين لرؤية ما سيحدث. وقد حدث ذلك في العدد الثاني: "وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ" [أو حَرفيًّا في اليونانيَّة: "قَدِ اقتَرَب"]. وهذه كلمة مُدهشة. فقدِ اقترَبَ ذلك الأبرَص. والأمر المُدِهش هو أنَّ البُرص لم يكونوا يقتربون مِن أحد. ولكنَّ هذا الأبرص فعل ذلك. وهل تعرفون أيَّ شيءٍ عنِ البَرَص أو عنِ الشخص الأبرص في الكتاب المقدَّس. فالكلمة مُشتقَّة مِن الكلمة اليونانيَّة "ليبروس" (lepros) المُشتقَّة مِنَ الجذر "ليبيس" (lepis)، وهي تعني "حَرَاشِف" أو "حُرْشُفِيّ". وبصورة أساسية فإنَّ الَبَرص، كما هو مُترجم هُنا، هو ترجمة لهذه الكلمة اليونانيَّة: "ليبروس". وفي العهد القديم، هناك كلمة عِبْرِيَّة أخرى تُترجم أيضًا "بَرَص"، وهي مُشتقَّة مِنْ كلمة عِبْرِيَّة تعني "حَراشِف" أو "حُرْشُفِيّ" أيضًا. لذا، فإنها تُشيرُ في كِلتا الحالَتَيْن إلى نوعٍ مِن الأمراض الجلديَّة الحُرْشُفِيَّة المرئيَّة على أقل تقدير لأنَّ الجِلْدَ كان جزءًا مِنْ ذلك المرض. فقد كان مرضًا جلديًّا. وقد كان مرضًا جلديًّا حُرْشُفِيًّا. وقد يَتَغَلْغَلُ المرضُ أكثر مِنْ ذلك بكثير كما نقرأ في سفر اللَّاويِّين 13، ولكِنْ هذا هو اللَّفْظُ الذي كانوا يستخدمونه.

وهناك الكثير مِنَ الجَدَل والكثير مِنَ النقاش حول ما إذا كان هذا البَرَص (كما كان يُسَمَّى) والبَرَص المعروف في العهد القديم هو المرض نفسهُ المعروف اليوم بِمَرَض "هانسُن" (Hanson’s disease)، أي ما إذا كان هو البَرَص المَعروف لدينا. وهناك أُناسٌ كثيرون يُجادلون بشأن الكلمات المستخدمة وما إذا كانت تُشير إلى نفس نوع البَرَص أَمْ لا. ونحن لا نَمْلِكُ معلومات مؤكَّدة لأنه على مَرِّ العصور، قد تأخذُ الأمراضُ أشكالاً عديدة أيًّا كانت الأسباب، ولأن الناس يَبْنُون المناعات، أو لأية أسباب أخرى في المجتمع البشريّ، أو بسبب وجود جراثيم معينة، وبكتيريا، وهَلُمَّ جرَّا. فالأمراض قد تأخذ أشكالاً مختلفة. وقد تزول أمراضٌ بأسْرِها. لذلك لا يُمكننا أن نعرف حقًّا إنْ كان هذا هو نفس المرض تمامًا. ولكِنْ مِنَ الأفضل أنْ نَفترض مِن خلال الوصف المذكور في لاوِيِّين 13 (الذي سنراهُ بعد قليل)، أنه كان مرضًا مُشابهًا جدًّا. والمُقارنة الوحيدة الحقيقيَّة التي يُمكنُنا أن نستخلصها عن حقيقة هذا المرض تأتي مِنْ خلال فَهْمِنا لمرض البَرَص. فطَوال تاريخ دراسة هذه الأشياء، كان الناس وما يزالون يُقارنون بين الأشياء. لذا، سأفعل الشيءَ نفسَهُ أثناء تأمُّلِنا في هذا النَّصِّ في هذا الصباح.

فقد وَجَدَ مَرَضٌ مُرَوِّعٌ طريقه إلى حياة بني إسرائيل. وهذا المرض (أيِ "البَرَص" كما يُدعى في الكتاب المقدَّس) كان مِنْ دون شَكٍّ مُنتشرًا في مِصْر. فغالبية الكُتَّاب الكلاسيكيون يعتقدون أنَّ البَرَص نشأ في مِصر. وبالمناسبة فقد نشأ (كما باتَ معروفًا في العُلوم الطِّبِّيَّة اليوم) بسبب بكتيريا تُدعى "مايكروبكتيريوم ليبري" (mycobacterium leprae). وقد تَمَّ العُثور على هذا المرض في مومياء واحدة على الأقل تَمَّ اكتشافُها في مِصْر، وهُوَ ظاهرٌ في جسد تلك المومياء بسبب التحنيط إذْ تَبَيَّنَ أنَّ ذلك الشخص كان مُصابًا بالبَرَص. لذلك، نحنُ نَعلم أنَّ هذا المرض كان مُنتشرًا في الأزمنة القديمة. ومِنَ المؤكَّد أنَّ هذا المرض قد انتقل إلى بني إسرائيل عندما كانوا في أرض مِصر. وعندما جاءوا إلى أرض المَوْعِد، حَمَلوا ذلك المرض معهم.

وقد كانت تلك مُشكلة بسبب الرُّعب الناجم عنِ المرض نفسه. لذلك، كما أنَّ اللهَ قد وَضَعَ العديد مِنَ الشَّرائِع لحياة بَني إسرائيل لحمايتهم مِنَ الأوبئة والأمراض، فقد أعطاهم شرائع مُختصَّة بالبَرَص لحمايتهم مِنَ الإصابة بهذا المرض. والبَرَص في يومنا هذا لا يُصيب إلا ما نسبته نحو عَشْرَة بالمئة مِنَ الناس. بعبارة أخرى، فإنَّ أكثرَ مِنْ تسعين بالمئة مِنَ الناس في وقتنا الحاضر لا يُصابون بالَبرَص حتى عندما يَتعرَّضون لتلك البكتيريا وذلك بسبب تكوين أجسامنا اليوم. ولا ندري إنْ كان هذا المرض سَارِيًا أكثر في تلك الأيام. وهناك عِبارة في إنجيل لوقا 4: 27 تقول إنه كان هناك بُرْصٌ كثيرون في إسرائيل، وإنه لم يُطَهَّر واحدٌ منهم إلَّا نُعْمان. لذلك، ربما كان هذا المرض ساريًا جدًّا آنذاك، ولكنَّهُ ليس ساريًا في أيامنا.

وبالمناسبة، ربما يَهُمُّكُم أن تَعلموا أنَّ هذا المرض يزداد انتشارًا في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وأنَّ الولاية التي تُسَجِّل أعلى نسبة إصابة بالبَرَص هي كاليفورنيا. فقبل عشر سنوات كانت لدينا ثلاثون إلى أربعون حالة جديدة في السنة. أمَّا الآن فإنها تزيد عنِ الثلاثمئة. وأعتقد أنهم يُسيطرون على هذا المرض اليوم بواسطة دواء يُدعى "دي دي إس دابسون" (DDS Dapsone) على ما أَظُنّ. وهو دواءٌ يُستخدم للتحكُّم في الظواهر السطحيَّة للبَرَص فقط. فهو لا يستطيع أن يقضي عليه تمامًا لأنه مَرَضٌ لا يُمكنُ القضاءُ عليه. فهو يبقى هناك إلى أن تموت، بحسب ما يُخبرنا الأطباء. وربما تكون هناك بعض حالات الشفاء. ولكِنْ هذا هو ما يحدثُ عادَةً.

لذلك، فقد كان هذا المرض مُنتشرًا في إسرائيل. وقد أراد اللهُ أن يحميهم فأعطاهم تعليماتٍ واضحةً جدًّا بخصوص مُعالَجَتِه. وسوف أقرأ لكم مِنَ الأصحاح 13 مِنْ سفر اللَّاوِيِّين. وسوف أقرأ ذلك لَكُم مِنَ الترجمة الأمريكيَّة القياسيَّة الجديدة لأنها تُوضِّح بعض المُصطلحات. ويُمكنكم أن تُصْغُوا فقط، أو يُمكنكم أن تقرأوا النصَّ إنْ كُنتم تَملُكون تلك الترجمة. ولكني سأقرأ بعض المقاطع الطويلة الآن لتوضيح ذلك. وسوف تَرَوْنَ أنَّ تعليمات الله إليهم كانت مُدهِشة حقًّا.

فنحن نقرأ في سِفْر اللَّاويِّين 13: 1: "وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلاً: «إِذَا كَانَ إِنْسَانٌ فِي جِلْدِ جَسَدِهِ نَاتِئٌ أَوْ قُوبَاءُ أَوْ لُمْعَةٌ تَصِيرُ فِي جِلْدِ جَسَدِهِ ضَرْبَةَ بَرَصٍ، يُؤْتَى بِهِ إِلَى هَارُونَ الْكَاهِنِ أَوْ إِلَى أَحَدِ بَنِيهِ الْكَهَنَةِ". بعبارة أخرى، إذا أُصيبَ أيُّ شخصٍ بالبَرَص، أحضِروهُ إلى الكاهِن. "فَإِنْ رَأَى الْكَاهِنُ الضَّرْبَةَ فِي جِلْدِ الْجَسَدِ، وَفِي الضَّرْبَةِ شَعَرٌ قَدِ ابْيَضَّ، وَمَنْظَرُ الضَّرْبَةِ أَعْمَقُ مِنْ جِلْدِ جَسَدِهِ [أيْ: إذا لم تَكُن مُجَرَّدَ مَرَضٍ جِلْديٍّ سَطْحِيٍّ؛ وَهُوَ أمرٌ يُستدلُّ عليهِ مِن خلال ابْيِضاضِ الشَّعْرِ مِنَ الجُذور بسببِ إصابتها بالمرض لأنَّ مَنْظَرَ الضَّرْبَةِ أعمَقُ مِنَ الجِلْد]، فَهِيَ ضَرْبَةُ بَرَصٍ. فَمَتَى رَآهُ الْكَاهِنُ يَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ. لكِنْ إِنْ كَانَتِ الضَّرْبَةُ لُمْعَةً بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ جَسَدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَنْظَرُهَا أَعْمَقَ مِنَ الْجِلْد" [بعبارة أخرى، إنَّها ليست مُجَرَّد مَرَض جِلديّ]، "وَلَمْ يَبْيَضَّ شَعْرُهَا، يَحْجُزُ الْكَاهِنُ الْمَضْرُوبَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ". وهذا فقط لإبقائه مَعزولاً وفَحْصِهِ لمعرفة ما يَحْدُث. "فَإِنْ رَآهُ الْكَاهِنُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ وَإِذَا فِي عَيْنِهِ الضَّرْبَةُ قَدْ وَقَفَتْ، وَلَمْ تَمْتَدَّ الضَّرْبَةُ فِي الْجِلْدِ، يَحْجُزُهُ الْكَاهِنُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثَانِيَةً [أيْ: أُسْبوعَيْن]. فَإِنْ رَآهُ الْكَاهِنُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ ثَانِيَةً وَإِذَا الضَّرْبَةُ كَامِدَةُ اللَّوْنِ، وَلَمْ تَمْتَدَّ الضَّرْبَةُ فِي الْجِلْدِ، يَحْكُمُ الْكَاهِنُ بِطَهَارَتِهِ. إِنَّهَا حِزَازٌ" [أيْ إنَّها مُجَرَّد صَدَفِيَّة أوْ أكزيما أو ما يُسَمَّى "بُهاقًا"، أو أيَّ شيءٍ مُشابِه. ولكنَّها ليست شيئًا خطيرًا]. "... لكِنْ إِنْ كَانَتِ الْقُوبَاءُ تَمْتَدُّ فِي الْجِلْدِ بَعْدَ عَرْضِهِ عَلَى الْكَاهِنِ لِتَطْهِيرِهِ، يُعْرَضُ عَلَى الْكَاهِنِ ثَانِيَةً. فَإِنْ رَأَى الْكَاهِنُ وَإِذَا الْقُوبَاءُ قَدِ امْتَدَّتْ فِي الْجِلْدِ، يَحْكُمُ الْكَاهِنُ بِنَجَاسَتِهِ. إِنَّهَا بَرَصٌ". فهي تَزدادُ سُوءًا.

وقد كانت هناك بعض الحالات الواضحة التي لا يَتعيَّن فيها إجراء فَحص لمدة أسبوعين، ونحنُ نقرأُ عنها في العدد التاسع: "إِنْ كَانَتْ فِي إِنْسَانٍ ضَرْبَةُ بَرَصٍ فَيُؤْتَى بِهِ إِلَى الْكَاهِنِ. فَإِنْ رَأَى الْكَاهِنُ وَإِذَا فِي الْجِلْدِ نَاتِئٌ أَبْيَضُ، قَدْ صَيَّرَ الشَّعْرَ أَبْيَضَ، وَفِي النَّاتِئِ وَضَحٌ مِنْ لَحْمٍ حَيٍّ، فَهُوَ بَرَصٌ مُزْمِنٌ فِي جِلْدِ جَسَدِهِ. فَيَحْكُمُ الْكَاهِنُ بِنَجَاسَتِهِ. لاَ يَحْجُزُهُ لأَنَّهُ نَجِسٌ. لكِنْ إِنْ كَانَ الْبَرَصُ قَدْ أَفْرَخَ فِي الْجِلْدِ، وَغَطَّى الْبَرَصُ كُلَّ جِلْدِ الْمَضْرُوبِ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ حَسَبَ كُلِّ مَا تَرَاهُ عَيْنَا الْكَاهِنِ، وَرَأَى الْكَاهِنُ وَإِذَا الْبَرَصُ قَدْ غَطَّى كُلَّ جِسْمِهِ، يَحْكُمُ بِطَهَارَةِ الْمَضْرُوبِ. كُلُّهُ قَدِ ابْيَض"َّ. بعبارة أخرى، إنْ كانَ ذلك الشَّيء الأبيض يُغَطِّي كُلَّ جسمه دونَ أنْ يَتَسَبَّب في تَقَرُّحات جلديَّة مُلتهبة ومَفتوحة، فهو ليس بَرَصًا أو شيئًا خطيرًا. وقد كَتَبَ القُدماء (مِثلَ "هيرودوتُس" [Herodotus] وَ "أبُقراط" [Hippocrates]) عن مرضٍ يُعرَفُ باسم "الوَضَح" (leucodermia)، وهو مَرضٌ يُهاجمُ صِبْغَة الجلد ويَجعل جلدَ الشخصِ أبيضَ اللَّون أو يحوي بُقَعًا فاتِحَة اللَّون. وربَّما كان هذا هو المقصود هنا. أو ربما كان "أكزيما" أو "صَدَفِيَّة" أو بُهاقًا" أو أيَّ مَرَضٍ آخر غيرَ مُؤْذٍ، أيْ إنَّهُ واحدٌ مِنْ تلكَ الأمراض الجلديَّة غير الخَطِرَة البَتَّة. بعبارة أخرى، إنْ كان الشخصُ مُصابًا في جميع أنحاء جسمه بذلك المرض الَّذي يَقتصر على تحويل الجلد إلى اللَّون الأبيض أو إلى وجود بُقَع باهِتَة اللَّون في الجلد، فهو ليس شيئًا خطيرًا. لذلك، يمكن للكاهن أن يُعْلِنَ طَهارَتَهُ. والحقيقة هي أنكم إذا نَظرتُم إلى مَرَض البَرَص في وقتنا الحاضِر، وهو المَرَض المُشار إليه هنا، ستجدون أنَّهُ يَنقسم إلى نوعَيْن: فهناك نوعٌ يُسَمَّى "الجُذَام الوَرَمِيّ" (lepromatous)، وهو شَديدٌ وخطير. وهناكَ نوعٌ يُسَمَّى "الجُذام الدَّرَنِيّ" (tuberculoid leprosy)، وهو نوعٌ غيرُ مُؤْذٍ يَتسبَّب فقط في جعل الجلد مُرَقَّطًا، وهو يختفي في نحو سنة إلى ثلاث سنوات.

لذلك، هذه هي الاختبارات الَّتي أوصاهُم اللهُ أنْ يُجْروها. وقد كان ينبغي لهم أنْ يُجروها بدقَّة مُتناهية. فإنْ كان الشَّخصُ مصابًا بالبَرَص الخطير، فإنَّ الجُزءَ المُتَبَقِّي مِنَ الأصحاح 13 يَتحدَّث عن ذلك. فما الَّذي يفعلونه بذلك الشخص؟ حسنًا! نقرأ ابتداءً مِنَ العدد 38: "وَإِذَا كَانَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ فِي جِلْدِ جَسَدِهِ لُمَعٌ، لُمَعٌ بِيضٌ، وَرَأَى الْكَاهِنُ وَإِذَا فِي جِلْدِ جَسَدِهِ لُمَعٌ كَامِدَةُ اللَّوْنِ بَيْضَاءُ، فَذلِكَ بَهَقٌ قَدْ أَفْرَخَ فِي الْجِلْدِ". وهذه هي الطَّريقة الَّتي ترجموا بها الكلمة العِبريَّة. فهو شيءٌ لا يُعَدُّ مَرَضًا خطيرًا. "إِنَّهُ طَاهِرٌ. وَإِذَا كَانَ إِنْسَانٌ قَدْ ذَهَبَ شَعْرُ رَأْسِهِ فَهُوَ أَقْرَعُ. إِنَّهُ طَاهِرٌ". وَمِنَ المؤكَّد أنَّ البعضَ مِنكم يَتنهَّدُ تَنهيدةً طويلةَ الآن. "وَإِنْ ذَهَبَ شَعْرُ رَأْسِهِ مِنْ جِهَةِ وَجْهِهِ فَهُوَ أَصْلَعُ. إِنَّهُ طَاهِرٌ. لكِنْ إِذَا كَانَ فِي الْقَرَعَةِ أَوْ فِي الصَّلْعَةِ ضَرْبَةٌ بَيْضَاءُ ضَارِبَةٌ إِلَى الْحُمْرَةِ، فَهُوَ بَرَصٌ مُفْرِخٌ فِي قَرَعَتِهِ أَوْ فِي صَلْعَتِهِ". بعبارة أخرى، فإنَّهم يُجْرونَ فحصًا آخر.

والآنْ فإنَّ العدد 45 هُوَ المِفتاح: "وَالأَبْرَصُ الَّذِي فِيهِ الضَّرْبَةُ، تَكُونُ ثِيَابُهُ مَشْقُوقَةً، وَرَأْسُهُ يَكُونُ مَكْشُوفًا، وَيُغَطِّي شَارِبَيْهِ [أيْ: فَمَهُ]، وَيُنَادِي: ’نَجِسٌ، نَجِسٌ‘". فالمرض يَنتقل – وهذه معلومة قرأتُها في عَدَدٍ حديث مِن صحيفة "لوس أنجليس تايمز" (LA Times journal) في التَّحليل الطِّبيّ لمرض "هانسُن". فالبَرَص ينتقل مِن خلال تَنَشُّقِهِ عبر الهواء. فهو ينتقل مِنَ الفم إلى الفم. وهذه واحدة مِنْ طُرق انتقاله. لذلك عندما يَتَنَقَّل الأبْرَصُ فإنَّهُ يُغطِّي فَمَه. كذلك، فقد اكتشفوا أنَّ الناس يُصابون بالبَرَص عندما يتلامسون مع الأشياء نفسها، وأنَّ البكتيريا المُسَبِّبَة للبَرَص يُمكن أن تُوجد في الأشياء نفسِها. فعلى سبيل المثال، هناك حالاتٌ لأشخاصٍ ذهبوا لعمل وُشُومٍ في أجسادهم. وعندما حصلوا على تلك الوُشُوم بنفس الإبرة المُلَوَّثَة، أُصيبوا بنفس نوع البَرَص. لذلك فقد كانوا يأخذون ثياب الأبرص ويتخلَّصون منها أيضًا. ثم إنَّ الشخص الأبرص كانَ يَصرِف بقية حياته في التَّنَقُّل وهو يُغَطِّي وجهه ويقول: "نَجِس! نَجِس!" فقد كان ينبغي أن يُعْلِن ذلك في كل مكان يذهب إليه لكيلا يقترب أحدٌ منه. ويقوُل التَّلْمود إنه لا يُمكنك أن تقترب أكثر مِنْ مسافة مِتْر ونِصْف مِنَ الشخص الأبرَص، وإنه إنْ كانت هناك ريحٌ، يجب أن تترُك مسافةَ خمسةٍ وأربعينَ مِتْرًا. وقد كانت هناك واحدةٌ وسِتُّونَ نَجَاسة في اليهوديَّة. وقد كانت النجاسة الأولى في اللَّائحة هي: الجسد الميت. أمَّا النجاسة الثانية فكانت: الشخص الأبرَص. فلا يجوزُ لأيَّ شخصٍ أن يقترب منه. ولا يجوزُ لأيِّ شخصٍ أن يَلمَسَهُ. ويُشير "آر. كي هاريسون" (R.K. Harrison) في مَقالةٍ مُهمة جدًّا عن الكلمة المُستخدمة في العهد القديم للإشارة إلى البَرَص فيقول إنَّ جميع الأعراض المذكورة في سِفر اللاويين 13 قد تُشير سريريًا إلى مَرَض البَرَص. وهذا أمرٌ مُحتملٌ جدًّا ويتطلب تمييز هذا المرض. وهذا هو سبب وجود كل هذه الاختبارات، وسبب عَزْل الحالات الواضحة مِنَ البَرَص مِنْ خلال نَبْذ الأشخاص المُصابين بالبَرَص. والحقيقة، يا أحبَّائي، هي أنَّ البَرَصَ الخطيرَ هو مَرَضٌ مُريعٌ جدًّا جدًّا. فأولاً، يُمكننا أن نُسيطر على هذا المرض اليوم. لذلك، يُمكن للناس أن يعيشوا حياةً طبيعيَّة. ولكِنْ في تلك الأيام، كانَتِ السَّيطرة عليه مُستحيلة. وعَدا عنِ الأعراضِ الجسديَّة المَرئيَّة (أيِ البُقَع وما شابه ذلك) فإنَّ الشيء الأول الذي يَفعله البَرَص هو أنه يُهاجمُ الجهاز العصبيّ ويُخَدِّر الأطرافَ حالاً.

ويقول بعض الأشخاص إنَّ أُنُوفَ البُرْصِ كانت تَسْقُط، وإنَّ أصابعهم كانت تسقط. ولكنَّ هذا ليس كلامًا دقيقًا تمامًا. فجزءٌ مِنَ المشكلة هو أنهم عندما كانوا يفقدون إحساسَهُم، كانوا يُؤذون أنفسهم. وقد وجدوا في مُستشفى الجُذام في "كارفيل" (Carville) بولاية "لويزيانا" (Louisiana) أنه عندما دَرَسوا حالاتِ الأشخاصِ المُصابين بالبَرَص أنَّ هذا هو ما يحدث. فمثلاً، فإنَّ الشخصَ الأبرصَ قد يَلبَسُ حِذاءً ضَيِّقًا. ولأنهُ لا يستطيع أن يشعر بقدميه، فإنَّهُ قد يؤذي أصابع قدميه. كذلك فإنَّ السيِّدة التي تَعمل بيديها قد تؤذي أصابعها لأنها لا تَشعُر بما يحدث ليديها. لذلك فقد كانوا يُؤذونَ وُجوهَهُم بالطريقة نفسها. عَدا عن ذلك، فإنَّ البَرَصَ يُهاجِمُ نُخاع العظم ثُمَّ الأوعية الدَّمويَّة. وحينئذ، تبدأ العظام بالنَّشَفان. وعندما تَنْشَف العظام، فإنَّها تجْذُب معها الجلد والأنسجة فيبدو أنَّ البُرْصَ لديهم أصابع يَدَيْن كالمخالب، وأقدام كالمخالب أيضًا. ثُمَّ هناك تلك التَّقَرُّحات التي تحدث، والأمراض الجلديَّة المُلتهبة. في ضَوْء جميع هذه الأعراض مُجتمعةً، عندما يَستخدم الأبرصُ أصابِعَهُ المُلتهبة والمُتَقَرِّحة، قد يؤذيها فتسقُط مِن مكانِها. وهذا أمرٌ مُريع! فقد كانوا يَفْقِدونَ أطرافَهُم حَرفيًّا.

وقد كان البَرَص يُهاجم العَيْنَيْن ويُؤدِّي إلى العمى وسقوط الأسنان. وقد كان يُهاجم الأعضاء الداخليَّة ويؤدِّي إلى العُقْم. والحقيقة هي أنه لم يكُن مرضًا مؤلمًا جدًّا، ولكنه كانَ أبشع شيءٍ يُمكنُ تخيُّلُه في العالم. فهو يبتدئ ببقعة بيضاء أو وَرْدِيَّة اللَّوْن على الحاجِبِ، أو الأُذُنِ، أوِ الأنف، أوِ الذقن، أوِ الخَدّ. ثُمَّ إنه يبتدئ في الانتشار ويصير إسْفِنْجِيًّا، ومُتورِّمًا، وبارزًا، ومنتفخًا في جميع أنحاء الوجه. ثُمَّ إنه ينتشر انتشارًا واسعًا ويبتدئ في الوصول إلى الكبد، ونُخاع العظم، والأوعية الدَّمويَّة. وحينئذٍ فإنَّ الشخص يفقد شعوره ويُصاب بالعَمى.

وقد كَتَبَ الدكتور "هويزينغا" (Huizinga) عن هذا المرض فقال: "إنَّ المرض الذي ندعوه اليوم "بَرَص" يَبتدئ عادةً بألم في مناطق معينة مِنَ الجسم. ثُمَّ يَلي ذلك شعورُ بالخَدَر. وسُرعان ما يفقد الجلد في مناطق مُعيَّنة لونه الأصليّ، ويزدادُ سماكةً، ويصيرُ لامعًا وحُرْشُفِيًّا. ثُمَّ يَزدادُ المرضُ سُوْءًا فتصير البُقَعُ السميكةُ قُرُوحًا مُلتهبة بسبب عدم تدفق الدم إلى تلك المناطق. ويبتدئ الجلد حول العينين والأذنين بصورة خاصة بالانكماش والتجعُّد في المناطق المنتفخة فيصير وجه الشخص المُصاب بالبَرَص شبيهًا بوجه الأسد. وتبدأ الأصابع بالانكماش والانحناء إلى الدَّاخل. وتتأثر أصابع القدمين بطريقة مُشابهة ويسقط شعر الحاجِبَيْنِ والرموش. وفي هذهِ المرحلة، يصير مِنَ الواضح أنَّ هذا الشخص الذي هو في حالةٍ مُزْرِيَةٍ هو شخصٌ أبرَص. وبِلمسةِ إصبع، يُمكنك أن تشعر بذلك. ويُمكنك أن تشُمَّ ذلك لأنَّ الأبرَصَ يُصْدِرُ رائحةً مُزعجةً. وفي ضَوْء حقيقة أنَّ هذا المرض يُنتج بكتيريا تُهاجِم الحَنْجَرة، فإنَّ صوت الأبرَصِ يَصير أَجَشًّا. فحنجرته تصير خَشِنَة. والأمر لا يقتصر على أنك ترى الأبرَصَ، وتشعرُ به، وتشمُّه، بل يُمكنك حتى أنْ تسمع الأبرَص. وإذا بقيت معه بعض الوقت ستشعرُ بطعمٍ مُعَيَّنٍ في فمك. فكُلُّ الحواسِّ البشريَّة تَنْفُرُ مِنَ الأبرَص".

وقد كان الناس يَخْشَوْنَ هذا المرض ويرتاعون منه. وسواءٌ كان هذا المرض قادرًا على مُهاجمةِ جميعِ الناسِ أو أعدادٍ قليلةٍ منهم، فإنَّ ذلك كانَ سببًا كافيًا لإقصاءِ هؤلاء عنِ القرية أو المدينة مِنْ أجل حماية الناس. فقد كان البُرْصُ يُرْغَمونَ على مُغادَرَةِ المُجتمع. ونجد في سفر صموئيل الثاني 3: 29 جملةً مُذهلةً إذْ إنَّ داودَ أَطْلَقَ لعنةً على يوآب الشرير فقال: وَلاَ يَنْقَطِعُ مِنْ بَيْتِ يُوآبَ أَبْرَص". وهذا أسوأ شيء كان يُمكِنُ أنْ يُقال لأيِّ شخص لأنَّ ذلك المرض لم يكُن له علاج.

ولكِنْ هل تعلمون أنهُ كان هناك ما هو أكثر مِن ذلك؟ وهو أمرٌ يَصْعُبُ تصديقُه. فإنْ لم يَكُن يكفي أن يكون البُرْصُ بَشِعين جِدًّا، يُمكنكم أن تُضيفوا إلى ذلك أنهم كانوا يُصَنَّفون بأنهم نَجِسون طَقْسِيًّا، وقد كان للهِ قصدٌ مِنْ ذلك. فيجب أن تعلموا أنَّ البَرَصَ هُوَ أوضَحُ استعارةٍ استخدَمَها اللهُ للخطيَّة. فالخطيَّة تُنجِّس الجسد كُلَّهُ. والخطيَّة بَشِعة. والخطيَّة بغيضة. والخطيَّة لا عِلاج لها. والخطيَّة مُعدية. والخطيَّة تَفصِل الناس وتُبعِدُهُم وتجعلُهم منبوذين. لذلك لم يكُن الأمر يقتصر على أنَّ الأبرَص يشعر بوصمةِ عارٍ بسبب مَرَضِه، بل إنه كان يعيش وهو يعلم أنه صورة حيَّة عن الخطيَّة. فهو نَجِسٌ طَقْسِيًّا. وهو بائسٌ. وقد قال واحِدٌ مِنَ المُعَلِّمين في التَّلمود: "عندما أَرى البُرْصَ، فإنني أَرمي الحجارة عليهم لِئَلَّا يقتربوا مِنِّي". وقد قال مُعَلِّمٌ آخر مِنْ مُعَلِّمي اليهود: "لا يُمكنني أنْ آكُلَ بيضةً اشتُريت مِنْ شارعٍ مَشى فيه شخصٌ أبرَص". فقد كانوا يكرهونهم. وقد كانوا يحتقرونهم. وقد كانوا يخافونهم. لذلك، أليس مِنَ الصاعِق أن نعلم أنَّ يسوع قدَّم أوراق اعتماده بوصفه المسيَّا مبتدئًا برجلٍ كهذا، ومتجاهلاً جميع الفَرِّيسيِّين المرضى في البلدة؟

والآن، لننظر إليه. فلنعُد إلى العدد الثاني. والحقيقة هي أنني أنسى نفسي عندما أتحدث عن هذه الأشياء. فقد نَسيتُ تقريبًا أنَّ هناك آية هنا. فهل تعلمون سبب وجود الكلمة "وإذا" هنا؟ هل تَعلمونَ السَّبَب؟ فالكلمة "وإذا" تعني بالعاميَّة: "إنَّكُمْ لن تُصَدِّقوا ذلك". "وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ". فالبُرْص لا يقتربون. فهذا أمْرٌ مَحْظور. وهذا أمرٌ لا يُمْكِن تَخَيُّلُه. وهذا عارٌ شخصيّ. فلا ينبغي أن يَراك أحد. فأنتَ وَصْمَةُ عارٍ على المجتمع. وهذا هو ناموس العهد القديم. وهذه هي الشريعة الطقسيَّة. فأنت لا تفعل شيئًا كهذا. بل إنَّك تَبتعد، وتختبئ، وتُغَطِّي نفسك، وتُدَمْدِم قائلاً: "نَجِسٌ! نَجِسٌ! نَجِسٌ!" لكي لا يقترب أيُّ شخصٍ. وهذا أمرٌ لا يُعْقَل. فهناك أربعة أشياء نقرأُها عن هذا الأبرَص: أوَّلاً، لقد جاء بثقة إذْ نقرأ: "وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاء". وكم أُحِبُّ ذلك! فهو لم يزحف، ولم يَتَسَلَّل، ولم يلجأ إلى أساليب غريبة. بل إنه جاء وحسب. وأنا أُحِبُّ ذلك. والفِعْلُ في اللغة العبريَّة يُعطينا فكرة جيدة إذْ إنه يعني أنه اقترب. فقد اقتربَ وحسب. ويُمكنني أن أتخيل أنَّ الناس تَفَرَّقوا سريعًا في ذلك المكان. وهل تعلمون ما الذي أراه في هذه الحادثة؟ إنني أرى رَجُلاً يُدرك حاجته الماسَّة ولا يكترث بما يُفكر به الآخرون. أليس كذلك؟ وأنا أُحِبُّ ذلك. فالأشخاص المُماثِلون يكونون مُحَطَّمينَ اجتماعيًّا ولا يظهرونَ بين الناس. ولكنَّ هذا الرجل ظَهَر. فهو لم يَعُدْ يَشْعُر بالعار. وهو لم يَعُدْ يشعُر بِوصْمة العار الاجتماعيَّة. بل إنه اقترب. وهو لم يُفكِّر حتى في ذلك. وهذا يَدُلُّ على عُمْق حاجته. ويُخبرنا المُؤرخ "يوسيفوس" (Josephus) أنَّ البُرْص كانوا يُعاملونَ كالأموات. ولكنَّ ذلك لم يكُن سَبَبًا كافيًا لإيقافِه. صحيحٌ أنه كان مَيْتًا في أعين الجميع، ولكنه جاء. وقد جاء لأنه أدرك حاجتهُ العميقة وأراد المُساعدة أكثر مِمَّا أراد أنَّ يُنقذ سُمعَتهُ. ويُمكنكُم أن تَكتُبوا ذلك في مكانٍ ما.

ثانيًا، لقد جاء بتوقيرٍ شديد. وكم أُحِبُّ ذلك: "وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ". ومع أننا لا نستطيع أن نقول الكثير عن جسده، فإنَّنا نستطيع أن نقول الكثير عن روحه. أليس كذلك؟ فقد كان الفَرِّيسيُّون يهتمون بِمظهرِهم الخارجيَّ ويرتدون الملابس الفاخرة والأرواب الفاخِرة. وكانوا يَرتدون تلك القُبَّعات الصغيرة. وكانوا يهتمون بِقَصِّ لِحاهِم. ولكنهم كانوا مِنَ الداخل بائسين وَمُنْتِنينَ ويُشْبِهونَ عِظامَ الموتى. أمَّا هنا فإننا أمام شخص أبرَص يبدو مِنَ الخارج نَجِسًا وبائسًا وقَذِرًا، ولكنه يَتَّصِفُ مِنَ الداخل بالجمالِ والتَّوقيرِ والعِبادة. وهل تعلمون ما الذي أُوْمِنُ به؟ أنا أُوْمِنُ أنه عندما قال: "يا سَيِّد". فإنه لم يستخدم هذه الكلمة بمعنى الاحترام فقط. فأنا أُوْمِنُ أنه كان يعرف أنه يقف في حضرة الله. وإلَّا لماذا سَجَدَ له؟ فالكلمة اليونانيَّة "بروسكونيئو" (proskuneo) تعني أنه سَجَدَ له. فقد جاء إلى يسوعَ وسَجَدَ أمام يسوع وقال: "يا رَبّ". ولا أدري مِنْ أين جاء بمعلوماته، ولكنَّ أمورًا كثيرةً كانت تجري في منطقته، وكان يسمع بها. فقد كانت هناك شِفاءاتٌ وشِفاءاتٌ وشِفاءات. وربما شُفيَ واحدٌ مِنْ أصدقائه. ولكنه جاء وسَجَد. والناس يَسجدون أمام الملوك وأمام الله. وأنا أعتقد أنه جاء لأنه كان يَمتلكُ قلبَ عابد. وأنا أُوْمِنُ أنه كان في حضرة الله وأنه عَلِم ذلك. ومِنَ الرائع أنْ نَرى أنَّ روحَهُ كانت مُتَّجِهة إلى الله. وقد جاء في المقام الأوَّل ليعْبُدَهُ. والسَّبُ في ذلك هو أنه فَهِمَ أنَّ الروح مُهمة أكثر مِنَ الجسد. لذلك فقد جاء عابدًا. وقد جاءَ لِيُمَجِّد الله. فقبل أن يطلب أيَّ شيءٍ لِنفسه، طَلَبَ مَا هو لله. وأرجو أن تُدَوِّنوا ذلك في مكانٍ ما إنْ شِئْتُم. فهذه نُقطة أُخرى مُهمَّة.

ثالثًا، لقد جاء باتِّضاع. أَلا تُحِبُّونَ ذلك؟ فقد قال: "يا سَيِّد، إنْ شِئْتَ" ... إنْ شِئْتَ. وهذه دَلالةٌ على اتِّضاعِه. فَهُوَ لم يطلب أيَّ شيء. وَهُوَ لم يُعَبِّر عن مشيئته كما لو أنَّ المسيحَ كانَ مُضطرًّا للإصغاء إليه. وهو لم يأتِ ويَبتدئ في ذِكْر الأسباب المُوجِبة لِشِفائه. وهو لم يأتِ ويحاول أن يُؤكِّد استحقاقه. وهو لم يتذمَّر لأنه مُصاب بذلك المَرَض في حين أنَّ الآخرين ليسوا مُصابين به. وهو لم يتحدث عن حُقوقه. وهو لم يتحدث عمَّا يرغب به. وهو لم يَقُل: "أرغب في أنْ أُشْفَى". وحتَّى إنه لم يَقُلْ ذلك، بل إنه قال وحسب: "إنْ شِئْتَ، ... إنْ أَرَدْتَ تَقْدِر. فأنا لا أستطيع أن أقول لك مَا ينبغي أن تفعل لأنك أنت الربّ". أَلا تُحبُّون ذلك؟ فهي صرخة مُختلفة عن الأشياء التي نسمعُها اليوم إذْ إنَّ الناسَ يطلبون الشفاء مِنَ اللهِ ويطلبون موفورَ الصِّحَّة، ويَزْعُمونَ أنهم شُفوا. فذلك الرجل لم يشعُر بأيِّ استحقاقٍ للمطالبة بذلك. بل إنه سَجَدَ أمام الربِّ أوَّلاً ولم يطلب أيَّ شيء، بل قال: "أنا أعلم أنك تقدر إنْ أردتَ". وأعتقد أنني أتفق مع "لينسكي" (Lenski) بأنَّ ذلك الأبرَص كانَ مُستعدًا للبقاء في تلك الحالة المُزرية إنْ كانت تلك هي مشيئة يسوع. وأعتقد أنني أُوْمِنُ أنه كان سيمضي وهو مُحتفظ بإيمانه حتَّى لو بقي أبرصَ؛ وإلَّا لما سَجَدَ له في المقام الأوَّل، ولَما طَلَبَ شيئًا لنفسه. وهذا يَدُلُّ على طهارة قلبه.

وأخيرًا فقد جاء بإيمان: "إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِــي". والكلمة "تَقْدِر" هي ترجمة للكلمة اليونانيَّة "دوناساي" (dunasai) أو "دوناماي" (dunamai) أو "دوناميس" (dunamis)؛ وهي تُشير إلى القوة والقدرة. فهذا هو مَعنى هذه الكلمة في اللُّغة اليونانيَّة: "أنت تمتلك القُوَّة، وأنت قادرٌ على ذلك. وأنا أعلم ذلك. وأنا مُقتنعٌ بذلك". وبالمناسبة، فإنَّ لوقا يُخبرنا دائمًا عن كُلِّ شيء مِنْ وجهة نَظَر سَريريَّة تَحليليَّة لأنه كان طبيبًا. فهو يقولُ إنَّ ذلك الرجل كان "مَمْلوءًا بَرَصًا"، ولكنَّهُ قال: "يُمكنك أنْ تفعل ذلك". ولكنْ مِنْ أين جاء بتلك المعلومة؟ ربما كان يُراقب مَا جَرى في إنجيل مَتَّى والأصحاح الرابع، وأنه رأى كُلَّ مَا حدث. "أنتَ تَقْدِر". وعندما تقولون، يا أحبائي: "إنْ أردتَ، تقدِر" فإنَّ هذا هو الإيمان في أعلى مستوياته لأنك تُقِرُّ بإنَّ الله قادرٌ، وبأنكَّ تخضع لسيادته. وهناك أُناسٌ كثيرون يُؤمنون، أو يقولون إنهم يُؤمنون أنه قادر، ولكنهم يُريدون أن يَحْصُروا الله في الزاوية ويُرغموه على القيام بما يُريدون. وهناك أشخاصٌ آخرون يَشُكُّون في قدرته. أمَّا الإيمان الحقيقي فيقول: "أنا أعلم أنك تستطيع، ولكني لا أدري إنْ كانت هذه هي مشيئتك". وهذا أعلى مستوى مِنَ الإيمان: "وأيًّا كانت مشيئتك، فإنَّ هذا خِيارُك. لذلك فقد جاء ذلك الأبرص بثقة لأنَّ حاجته كانت مُلِحَّة. وقد جاء بتوقيرٍ شديد لأنه رأى الله. وقد جاء باتِّضاع لأنه أدرك أنَّ الله هو صاحب السِّيادة. وقد جاء بإيمان لأنه كان يعلم أنَّ يسوع قادرٌ على ذلك. وما الذي حدث؟

راقبوا ما حدث في العدد الثالث: "فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلَمَسَهُ". فهذا هو كُلّ ما يقولُه هذا النَّصُّ. ويمكننا أنْ نتخيَّلَ جَميعَ الحاضِرينَ يَفْتَحونَ أفواهَهُمْ في دَهْشَة. فلم يَكُنْ أحدٌ يَجرؤ على لَمْسِ شخصٍ أبرَص. ونحن نقرأ في سِفر اللَّاويين 5: 3 أنه لا يجوز لك البتَّة أن تَلمَس نجاسة إنسان. ولكن هل تعلمون مَا الذي كان الشخص الأبرص بحاجة إليه أكثر مِنْ أيِّ شيءٍ آخر في العالم كله؟ فقط أن يَلمَسه شخصٌ طاهرٌ. وقد لَمَسهُ يَسوع. ولم يكُن يسوعُ مُضطرًّا إلى لَمْسِهِ. فقد كان بمقدوره أنْ يَصعد إلى سطح أحد المنازل وأن يقول: "أطْهُر". وقد كان بمقدُره أن يجعل الملائكة تُرَنِّم، وأنْ يُزَلْزِلَ الأرضَ، وأنْ يَجعل السماء تُرْعِد. ولكننا لا نقرأ هنا عنْ أحداثٍ مُثيرةٍ كهذه. وأنا أُحِبُّ ذلك. فأنا أُحِبُّ ... أُحب هذه البساطة. فواحدٌ مِنْ أبسط وأعظم الأدِّلة على وَحْيِ الكتاب المقدس هو أنَّ كُتَّاب الكتاب المقدس لم يذكروا تفاصيل كثيرة. وما أعنيه هو أنني لو كنتُ أنا مَنْ سيكتب هذه القصة، لَكُنْتُ قد كَتَبْتُ أكثرَ مِنْ ثماني عشرةَ صفحة، ولكنتُ قد تَحدَّثتُ عنِ الأصابع وعنْ كُلِّ شيء. ولكننا لا نقرأ هنا عن ذلك. فلا توجد معلومات كثيرة. وواحدٌ مِنْ أعظم البراهين على وَحْي الكتاب المقدس هو عَدَم ذِكْر ذلك لأنَّ الإنسان يميل إلى تهويل هذه الأمور. ولكِنْ لا! فقد لَمَسَهُ وحَسْب.

فقال: "أُرِيدُ [أُريد. فهذه هي مشيئتي]، فَاطْهُرْ! وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ بَرَصُهُ". للوقت، فجميع مُعجزات يسوع حدثت حالاً. وما يُزعجني هو أنْ يقول الناس: "لقد ذهبتُ إلى أحد الأشخاص الذين يمتلكون موهبة الشفاء ونِلْتُ الشِّفاء. وأنا منذ ذلك الحين أتحسَّنُ تدريجيًّا". وكما تعلمون، فإنَّ هذا ليس شِفاءً. "فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلَمَسَهُ". وكما تعلمون، عندما نَلمَسُ شيئا نَجِسًا فإننا نتنجَّس. ولكن عندما يَلمَس يسوع شيئًا نَجِسًا فإنه تلك النجاسة تختفي. وعندما نُلامِسُ مَرَضًا فإننا نَلتقطُ العَدوى. ولكِنْ عندما يُلامِسُ يَسوعُ مَرَضًا فإنَّ المرض يختفي. وهذه قُدرة. ومع أنَّني لا أدري كيف كان المشهد، ولكِنْ يُمكنني أن أتخيل ذلك. فقد ابتدأتْ تلك الأصابعُ الشَّبيهَةُ بالمَخالِب تَصيرُ يَدَيْنِ جَميلَتَيْنِ حالاً، وصار جِلْدُهُ شبيهًا بِجِلْدِ طفلٍ صغير. وكذلك الحال بالنسبة إلى القَدَمَيْنِ والوجه. فهو أمرٌ مُذهِل. فقد لَمَسَهُ يسوع. وقد طَهُرَ حالاً. فقد كانت قُدرة يسوع مُدهِشة جدًا. فقد كانت جَبهة الأبرص متآكلة. وقد كانت العَيْنان بِلا حواجب أو رموش. وقد كان جِلْدُهُ حُرْشُفيًّا وَدَامِيًا. وقد كان أنفُه وحنجرتُه وعيناه في حالةٍ يُرثى لها. وقد كانت أصابع يديه وأصابع قدميه تُشبه المخالِب ومُهترِئة. ولكنهُ صَحَّ حالاً. وأنا أقول لنفسي: إنَّ جميع حالات الشفاء المزعومة في وقتنا الحاضر تتلاشى تمامًا أمامَ هذا النوع مِنْ إظهار القدرة. فيمكنُكم أن تُحْضِروا جميع الأشخاص الذينَ يَدَّعون القدرة على الشفاء في العالم. ويُمكنُهم أن يُحْضِروا أيَّ شخصٍ أبرص يُريدونه. ولكنَّهم لن يتمكنوا مِنَ القيام بهذا الأمر. لذلك، لِيَصْمُت جميعُ الأشخاص الذين يَدَّعون امتلاك القدرة على الشفاء. فادِّعاءاتهم هي مُجَرَّد حَماقة بالمقارنة مع قُدرة المسيح. فتلك الأمور التي نقرأ عنها في كل أنحاء العالم وفي كل حضارة عن أولئك الأشخاص الذين يدَّعون القُدرة على الشفاء هي مُجرد حَمَاقة. فهيَّ ليست شيئًا كهذا. فهم لا يخلقون أصابع. وهم لا يخلقون قدمين. ولكنَّ يسوع فَعَلَ ذلك حالاً.

والآن، لاحظوا ما جاء في العدد الرابع: "فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ’انْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ‘". أيْ: لا تَقُل كلمة عن هذا لأيِّ شخص. وكم هذا مُحْزِنٌ ومؤلم! "لا تَقولَ لأحدٍ، بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ للكاهِن" [وقدِ استخدَمَ حَرفيًّا الكلمة: "هَيْكَل"، أيْ: "لِلْكَاهِنِ في الهيكَل"]، وَقَدِّمِ الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ‘". فما هو الأمر الأوَّل الَّذي يُطالبك به المسيح عندما يَدْخُل حياتك؟ إنها كلمة واحدة صغيرة تبدأ بحرف الطَّاء: الطَّاعة. فهو يقولُ له: "حسنًا، لقد نِلْتَ الشِّفاء. والآنْ افعل هذَيْن الأمرَيْن: أوَّلاً، افعل ما أَمَرَ بهِ مُوسى – أيِ أَطِعْ نَاموس الله". وقد كان موسى في العهد القديم يفعل شيئًا مُدهِشًا. فعندما كان الشَّخصُ الأبرَصُ يَطْهُر، كان ينبغي له أن يذهب إلى الهيكل. وهذا أمرٌ مُدهِش. ولكي أُبَيِّن لكم ذلك، سأُطلعكم بسرعة كبيرة على ما كان يجري. وإليكم ما كان يحدث وَفقًا لما جاء في الأصحاح 14 مِنْ سِفْر اللَّاويِّين. فلنفترض أنَّ شخصًا اعتقدَ أنه شُفِيَ مِنْ بَرَصِه. حسنًا؟ في حالة حدوث ذلك، وكما قُلت، فإنَّ هناك حالاتٍ مُنفصلة تَمَّ فيها الشفاء.

أوَّلاً، كان يجب أن يُؤْخَذَ عُصْفوران وأنْ يُذْبَحَ العُصفورُ الأوَّلُ فوقَ ماءٍ جَارٍ. كذلك، كان يجب أن يأخذوا خَشَبَ أَرْزٍ وَقِرْمِزًا وَزُوفَا ويَغمسوها معَ العُصفورِ الحَيِّ في دَمِ العُصفورِ المَذبوح، ثُمَّ يُطْلَقُ العُصفورُ الحَيُّ. وهذه صُورة للقيامة. ثم كان ينبغي للشخص الَّذي شُفِيَ مِنَ البَرَص أن يَستحمَّ، ويَغسِلَ ثيابَهُ، وَيَحْلِقَ كُلَّ شَعْرِهِ. وكان يَنبغي أن يَنتظرَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ قبلَ أنْ يُفْحَصَ ثانيةً. وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ، كانَ يَحْلِقُ كُلَّ شَعْرِهِ: رَأْسَهُ، وَلِحْيَتَهُ، وَحَوَاجِبَ عَيْنَيْهِ، وأنْ يَأْخُذُ خَرُوفَيْنِ صَحِيحَيْنِ وَنَعْجَةً وَاحِدَةً حَوْلِيَّةً صَحِيحَةً وَثَلاَثَةَ أَعْشَارِ دَقِيق تَقْدِمَةً مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ وَلُجَّ زَيْتٍ. ثم كان الكاهنُ يَأخُذُ مِنْ دَمِ ذَبِيحَةِ الإِثْمِ وَيَجْعَلُ الْكَاهِنُ عَلَى شَحْمَةِ أُذُنِ الْمُتَطَهِّرِ الْيُمْنَى، وَعَلَى إِبْهَامِ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَعَلَى إِبْهَامِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى. ثُمَّ يأتي وقتُ الاختبار الأخير. فإنْ كانَ الشِّفاءُ حقيقيًّا، كانَ الشَّخصُ يُعطَى شهادةً تُعَلِّقُها على حائِط بيتِك: "لقد طَهُرَ هذا الأبرَص مِنْ بَرَصِه". فقد كان هذا هو ما ينبغي أن يَفعله: أنْ يُتَمِّم ما جاءَ في لاويِّين 14: اذهب وافعل ذلك. وقد تقول: "حسنًا، يمكنني أن أفهم ذلك. فقد أرادَ مِنْهُ أن يُطيعَهُ". وكما تَرَوْن، فإنَّ يسوعَ لم يأتِ ليَنقُضَ النَّاموس، بل جاءَ لكي ماذا؟ لكي يُكَمِّلَ النَّاموس. ومعَ أنَّه كانَ يُدَمِّرُ نِظامَ الفَرِّيسيِّين، فإنه لم يَشَأ أنْ يَظُنُّوا لَحظةً أنَّه كانَ يَنْقُضُ كلمةَ الله.

وربما تقول: "لماذا قال له ألَّا يُخبِر أحدًا بذلك؟" فكرُّوا في الأمر. فبعض الناس يقولون: "إنه لم يَشَأ أن يُهَيِّجَ الجموعَ لئلَّا يَلحقوا به لأنه يَصنَع المعجزات". وهذا أمرٌ محتملٌ جدًّا لأنه يزيد مِنْ صعوبة قيامه بعمله. أليس كذلك؟ فبعد وقتٍ قصير، صار الجَمْعُ كبيرًا جدًّا، واضْطُرَّ إلى الابتعاد. وهناك مَنْ يقول: "لأنَّ يسوع لم يَشَأ أنْ يراه الناس بوصفهِ شخصًا عظيمًا قادرًا على إلحاق الهزيمة بروما"، أيْ أن ينظروا إليه بوصفه قائدًا سياسيًّا كما كانوا يَفعلون. فهل تذكرون ما جاء في إنجيل يوحنَّا بأنَّهم حاولوا أن يجعلوه مَلِكًا لكي يُلحِقَ الهزيمة بروما؟ وهناك من يقول: "لأنَّ هذا الوقتَ كان وقت اتِّضاعِهِ، وهو لم يكُن يسعى إلى المكانَة الرفيعة". وربما كانت جميع هذه الآراء تحوي جُزءًا مِنَ الحَقّ. ولكن اسمحوا لي أن أُطلِعَكُم على السَّببِ الحقيقيّ. اقرأوا الجُزءَ المُتَبَقِّي: "انْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ". اقرأوا الجزءُ المُتَبَقِّي فقط وستعرفونَ السَّبب: "بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ". لماذا؟ إليكم المسألة بِرُمَّتِها: "اذهب إلى الهيكل، وافعل كُلَّ ما أَمَرَ بهِ مُوسى مِنْ خلال القيامِ بذلك الفحص الَّذي يتطلَّب ثمانية أيَّام. قَدِّم نفسكَ لهؤلاء بوصفِكَ شخصًا أبرَصَ قد تَطَهَّر. ودَعْهُمْ يُجْرونَ الفحوص اللَّازمة. وعندما يَنتهونَ مِن ذلك فإنهم سيقولون: ’إنَّ هذا الأبرَصَ قَدْ تَطَهَّر‘. وحينئذٍ، يمكنك أن تقول: ’هل ترغبون في معرفة مَنْ قامَ بذلك؟‘ إنَّ يسوعَ النَّاصِرِيَّ هوَ الَّذي فَعَلَ ذلك‘. وعندئذٍ، لن يتمكَّنوا مِنْ إنكارِ ذلك". أَتَرَوْن؟ إنهُ سَبَبٌ قويٌّ جدًّا. فسوف يَشهَد الكهنة أنَّ الأبْرَصَ قد تَطَهَّر. وسوفَ يَتَبَيَّن لهم أنَّ يسوعَ هو الَّذي شَفاه. ومِن خلال شَهادتهم وفَحْصِهِم، سيؤكِّدونَ قدرة المسيح. وقد كان كُلُّ شيءٍ يَتوقَّف على ضَرورة التَّعجيل في الذهابِ إلى أورُشَليم دونَ أنْ يَنْشُر الخَبَر – وإلَّا فإنَّ الخبرَ سيَصِلُ إلى هناك بأنَّ يسوعَ هوَ الَّذي فَعَلَ ذلك. وحينئذٍ، لن يَرغب الكَهَنة في فَحْصِ ذلكَ الشَّخص.

ولكِنْ هل تعلمون ما الَّذي حدث؟ إنَّ ذلك الشخص لم يفعل ذلك. فقد أَذاعَ الخبر في كل مكان. ومَرقُس يُخبرنا بذلك. فقد كان مُتحمِّسًا جدًّا حتى إنه لم يُطِع. والقصة، بهذا المعنى، هي قصة مُحزِنة لأنه لم يفعل ما أُمِرَ به. ولكِنْ في هذا الصباح، لا أُريد أن أُركِّز على ذلك. بل أُريد أن تُفكِّروا في الآتي: فقد قال يسوع: "أَيُّمَا أَصْعَب: أنْ تَشفي مَرَضًا أَمْ تَغْفِر خَطِيَّةً؟" وقد قال ذلك مَرَّاتٍ عديدة بصيغ مُختلفة. هل تعلمون لماذا؟ لأنه طَوال الوقت الذي كان يقوم فيه بهذه الأنواع مِن المُعجزات، لم يكن فقط يُعلن قُدرته على المرض، بل إنَّ كُلَّ مُعجزة مِنْ هذه المُعجزات كانت دليلاً على سُلطانِهِ على ماذا أيضًا؟ الخطيَّة. الخطيَّة. وأنا أرى في ذلك استعارَةً. فهذا النَّصُّ، في نظري، يُشبه الاهتداء. وَلْنَخْتُم بهذه الفكرة: فالبَرَص (بوصفهِ نجاسةً طَقسيَّة) يَرْمِزُ إلى الخطيَّة. فهو يُشبه الخطيَّة. فالخطيَّة مُدمِّرة. والخطيَّة بشعة. والخطيَّة بغيضة. والخطيَّة مُعدية. والخطيَّة لا علاج لها. والخطيَّة تجعلُك منبوذًا. ولكنَّ الأبرَص جاء بثقة. لماذا؟ لأنه كان يائسًا جدًّا بسبب بَرَصه. أليس كذلك؟ وهكذا يحدث الاهتداء. فالناس لا يَخلُصون إلَّا عندما يَشعرونَ باليأسِ والاشمئزازِ مِنْ مرَض الخطيَّة. وهذا، يا أحبَّائي، شيءٌ مفقودٌ جدًّا في كِرازَتِنا في أيَّامنا هذه. ولكنَّ ذلك الرجل جاء. فقد خَسِرَ كُلَّ مقامه الاجتماعيّ. وقد فَقَدَ كُلَّ خوفٍ مِنْ أن يكونَ منبوذًا، ولم يَعُدْ يُبالي بذلك. بل إنَّ كُلَّ تركيزِهِ كان مُنْصَبًّا على قَباحَة مَرَضِه. فالمجيء إلى المسيح لم يَكُنْ، في نَظَرِه، انضمامًا إلى الفريق الرابح، بل إنه كان يائسًا ويعلم ذلك.

ثانيًا، لقد جاء عَابِدًا. وأنا أُوْمِنُ أنَّ الاهتداءَ الحقيقيَّ يحدث عندما يأتي الشخص البائس عابدًا الله - لا أنْ يأتي باحثًا عن أشياء لنفسه، بل أنْ يطلب مجد الله، ويطلب جلالهُ، وعَظمَتهُ، ورُبوبيَّتَه. فقد قال: "يا سَيِّد! إنْ أَرَدْتَ". وأنا أعتقد أنَّ الخلاص الحقيقيَّ يتطلب ذلك النوع مِنَ البؤس، وذلك النوع مِنَ الإقرار تقديرًا وعبادةً له بوصفه الرَّبّ.

ثالثًا، لقد جاء باتِّضاع. وأعتقد أنَّ الخلاص الحقيقيّ لا يعني أنك قَدْ صَنَعْتَ معروفًا مع الله. فلا توجد مشيئة شخصيًّة، ولا تركيز على الذات، ولا إحساس بالقيمة أو الاستحقاق، أو شعور بالأهميَّة، أو الحقوق، أو المَطالِب، أو أيّ شيء. فالمساكين هُمُ الذين يَرِثون الملكوت.

وأخيرًا، فقد جاء بإيمان. فقد آمَنَ أنَّ يسوع قادرٌ على القيام بذلك. ولا يُمكنك أن تَخْلُص مِنْ دون إيمان. فيجب أن يكون هناك إحساسٌ باليأس بسبب الخطيَّة. ويجب أن تكون هناك عِبادةٌ لربوبيَّة المسيح. ويجب أن يكون هناك اتِّضاع وإيمان. فسوف يَلمَسُك الرب ويُطَهِّرُك عندما تأتي بهذه الشروط. وينبغي أن أقول إنَّ مرَض الخطيَّة أسوأ بكثير مِن مَرَض البَرَص. وعندما تَخْلُص، هل تَعلم ما الذي يقوله الله؟ افعل شيئين: أوَّلاً، أَطِع ناموس الله ... أَطِع ناموس الله. وثانيًا، اجعلِ الناسَ يكتشفون بأنفسهم أنَّ المسيح غَيَّرَ حياتك لأنَّ الكلام وحده لا يكفي. أليس ذلك شيئًا مُدهِشًا، أيْ ذلك التشبيه؟ فَمِنَ الأفضل ألَّا تقولَ شيئًا وأنَّ تجعل الناس يَرَوْنَ أنَّ يسوع قد غيَّر حياتك مِنْ خلال مُلاحظاتِهم الشخصيَّة، على أن تُكْثِرَ الكلام وتَعجز عن إثباتِ ذلك مِنْ خلال حياتك. فنحن هنا أمام شخصٌ يركض ويقول: "يَسوعُ غَيَّرَ حياتي. انظروا إليَّ يا ناس. فقد كُنت أبرَص. هَلِّلويا!" ثُمَّ يأتي شخصٌ ويقول له: "أنت! لِمَ لا تذهب وتُري نفسك للكاهن؟"

"سوف أفعلُ ذلكَ لاحقًا". إنَّ حياة العِصيان في وَسَط الشهادة هي شيءٌ عديم المعنى. فشَهادةٌ مِنْ هذا النوع هي شِهادة باطلة. كُنْ مُطِيعًا. وفي وَسَطِ طاعتك، سيُظهر اللهُ قُدرة المسيح المُغَيِّرة. فحياتك هي التي تتكلَّم.

لذلك فإنَّنا نَرى في هذه القصة الرائعة شِفاءَ النفس مِنَ الخطيَّة في صورة تشبيهيَّة. وعندما أذهب إلى السماء في يومٍ ما، سأقول لذلك الشخص (لأني أعتقد أنه سيكون هناك. فهو هناك الآن. فسوف أقول له): "ما الَّذي فَعَلْتُه؟ لماذا لم تَذهب إلى أورُشليم؟"

لِنَحْني رؤوسَنا لكي نُصَلِّي:

أشكرك، يا أبانا، على وقتنا معًا في هذا الصباح. ويا له مِنْ شيءٍ رائعٍ وعظيم أنْ نَرى قُدرتك مَرَّةً أخرى تَتحدَّث إلينا عَبْرَ السَّنوات الألفَيْن الماضية منذ أن عاش ذلك الرجل الأبرَص كما لو كانت هذه القصَّة قد حدثت الآن. المِس حياتنا اليوم، ولا سِيَّما حياة أولئك الأشخاص الموجودين في وَسْطِنا والمُصابين ببرص الخطيَّة. طَهِّرهم! فيا ليتهم يَطْهُرون قبل نِهاية هذا اليوم.

وفيما تحنون رُؤوسَكُم وتُغمضون أعيُنَكُم للحظات، إنْ لم تكُن تعرف الربَّ يسوعَ المسيح، وإنْ كانَ البَرَصُ مُخيفًا بالنسبة إليك، فإنك لا تعرف نِصف الحقيقة. فالأسوأُ مِن ذلك هو أن تعيش في الخطيَّة وتحت دينونة الخطيَّة إلى الأبد. وليتَكَ تأتي في هذا اليوم إلى يسوع المسيح. فإنْ كان رُوْحُ الربِّ يُكَلِّم قلبك، وتَشعر به في داخلك، وتشعر بصوته يَجتذبكُ، أَلا أَطَعْتَ هذا الصوت؟ هذا هو ما أرجوه. فهو سيَلمَسُك ويُطَهِّرُك. وهو سيَغفر لك عِصيانك لأنَّ ذلك يُحزنه.

نشكرك، يا أبانا، على وقتنا وعلى عجائب قُدرتك كما رأيناها ماثلةً في المسيح. ونشكرك جدًّا لأنه لَمَسَنا وطَهَّرَنا. وليتَنا نكون أُمناءَ ومُطيعين. وليتَ العالمَ يَفْحَصُنا ويَعرف أنَّ يسوع المسيح قد غيَّر حياتنا. لَهُ كُلُّ المجد. اجْتَذِب إلى غرفة الصَّلاة الأشخاصَ الذين تَشاء أن يأتوا. وساعدنا على أن نَمُدَّ يَدَ العون لهم في هذا القرار المصيريّ جدًّا. باسم المسيح نُصَلِّي. آمين.

This sermon series includes the following messages:

< !--Study Guide -->

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize