Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أودُّ أن تنظروا معي في كِتابكُم المقدَّس إلى الأصحاح الثامن مِن إنجيل مَتَّى - مَتَّى والأصحاح الثامن. فسوف نُتابع دِراستنا للأصحاح الثامن الَّذي ابتدأنا بدراسته في المرَّة السابقة. ومِنَ الرائع جدًّا أن ندرس إنجيل مَتَّى لأسبابٍ عديدة. ولكنِّي لا أتوقف عن التفكير في هذا الإنجيل تحديدًا. فَمِنَ المُنعِش جدًّا والممتع جدًّا أن نرى يسوع يمشي في العالم ويَلمَس الحاجة البشريَّة والحياة البشريَّة. وهذا مُختلف عن دِراسة نبوءات دانيال الكبيرة والهائلة. وهذا مُختلف أيضًا عن دِراسة رسائل بُولس الرسول المنطقيَّة واللاهوتيَّة. وهو مُختلف عن دِراسة ما كتبهُ كاتِب الرسالة إلى العبرانيين بأسلوبٍ تاريخيٍّ يختص بالعهد. فهناك شيءٌ مُنعشٌ وحيٌّ وعمليٌّ في رؤية يسوع يمشي في العالم. وهذا هو تمامًا الامتياز الذي أُعطي لنا مِن خلال هذه الدراسة ابتداءً مِنْ هذا الأصحاح الثامن.

وفي الأصحاح الثامن تحديدًا، قُلنا لكُم في المَرَّة السابقة إنَّ رَبَّنا بَيَّنَ سُلطانَهُ. فبعد أن انتهى مِن عِظتهِ الرائعة على الجبل في الأصحاحات 5-7، تَصَدَّى للسؤال الحتميّ وهو: "ما الذي يُعطيك الحق في التكلُّم هكذا؟ ومَنْ تَظُنُّ نفسك؟ ومِنْ أين جئت؟ وما هو سُلطانُك؟" لذا فإنَّ هذا هو السؤال الذي تُجيب عنه الأصحاحات القادمة. والحقيقة هي أنَّ ما يقوله الأصحاحان 8 و 9 هو: "أنا الله. وقد أتيتُ مِنَ السماء، وأنا لديَّ كُلُّ السُّلطان". هذا هو الجواب. فقد أَظْهَرَ اللهُ لاهوتَهُ. وأَظهر قُدرتهُ السماويَّة الفائقة للطبيعة مِن خلال قِيامهُ بالعديد مِن المُعجزات العظيمة التي لا يُمكن أن تُفسَّر إلَّا مِن خلال القول إنَّ الله كان حاضرًا بين البشر. لذلك فإنَّ مَتَّى يُتابع بحذرٍ شديد استعراضَ المسيح بوصفهِ مَلِكًا، ويُقدِّم لنا هنا أوراقَ اعتمادِهِ بوصفه ملكًا، ويُبيِّن لنا أنه كان يَملِك كُلَّ الحَقِّ فيما قاله. وقد كان يملك كُلَّ الحقِّ في فِعل ما فعله بسبب شخصيته الحقيقيَّة. فهو الله. ولا يوجد تفسير آخر لهذه السِّلسلة مِنَ المُعجزات.

والآن اسمحوا لي أن أستعرض لكُم خلفيَّةً صغيرةً. فيجب أن تَفهموا هَوْلَ ما كانَ يحدُث آنذاك. ففي زمن يسوع المسيح كانت الأمراض مُنتشرة جدًّا في العالم. وكان العالم مُبْتَلى حرفيًّا بالأمراض. وبصراحة، لم يكُن العلمُ والطِّبُّ موجودَيْن بطريقة مفيدة عَمَليًّا. لذلك، لم يكُن يمكن التعامل مع الأمراض بطريقة مناسبة. وبسبب ذلك، كانت الأمراض تأخذ مَجْراها. وكان المرضى يبقون على حالهم ويموتون وسط أهلهم في نهاية المطاف. وكان هناك خوف شديد مِنَ المرض. وكان هناك ألم ومعاناة وكَرْب شديد بسبب الأمراض. ولم تكُن هناك أدوية مُعجزيَّة لتخفيف تلك الآلام. وكانت هناك أوبئة تجتاح مُدُنًا كاملةً، وتجتاح بلادًا بأسْرِها. وكان هناك خوفٌ عظيمٌ بسبب ذلك. وكانت الأمراض التي لا شِفاء منها أكثر مما هي عليه الحال اليوم. لذلك فقد كان العالم آنذاك مُبْتَلى حرفيًّا بالأمراض. ولم يكُن الناسُ يعيشون وقتًا طويلاً. فقد كانوا يموتون في رَيْعَانِ شبابِهم، ولم يكُن مِن المُستغرب أن يموت الإنسان وهو في العشرينات بسبب المرض.

ويتحدَّثُ الكتاب المقدَّس عن العديد من الأمراض التي كانت موجودة في زمن المسيح وفي أزمنة العهد القديم. واسمحوا لي أن أُعطيكم فكرة مُوَّسعة عن الأمراض التي جاء بها الناس إلى الرَّبِّ - وهي مجرَّد فئاتٍ قد تَنطوي تحتها العديد مِن الأمراض المختلفة. فالكتاب المقدَّس يتحدث عن العديد مِن الأمراض المختلفة مثل الهُزال. وقد يَشمل الهُزال أمراضًا مثل ضمور العضلات؛ وهيَّ حالة تَرفضُ فيها العضلات امتصاص الطعام الذي يصل إليها مِن خلال الدم، لذلك فإنَّها تَضْمُر وتضعُف. والهُزال يَشمل أيضًا شلل الأطفال؛ وهو مرضٌ كان شائعًا في ذلك الوقت تتسبب فيه جرثومة تُصيب الأمعاء ثُمَّ تُهاجم الجهاز العصبيّ المركزيّ وتُسبب الشَّلَلَ والضُّمور. ويتحدَّثُ الكتابُ المقدَّس عنِ العَمَى. فقد كان العَمَى مُنتشرًا جدًّا. وكان مِن الشائع جدًّا أن يُصاب الناس بالعَمَى منذ وِلادتِهم (أي منذ ولادة الطفل) إذْ كان ينتقل إليه مِن خلال الأُمِّ المُصابة بداء السَّيَلان. وكان هناك عَمَى التَّراخُوما. وكان ذلك العَمَى يَحدث بسبب عدم مُراعاة معايير النظافة. وكان هناك نوعٌ مِنَ العَمى يحدث بسبب أشعة الشمس القويَّة، أو بسبب الحرارة، أو بسبب الرياح المُحَمَّلة بالرِّمال، عدا عن العَمَى النَّاجم عنِ الحروب والإصابات الأخرى. وفي أوقاتٍ كثيرة، كان الناس يُصابون بالبثور. والبثور تَشمَل داءَ الجَمْرات والخُرَّاجات، والغُدد المُلتهِبة وأشياءً مِنْ هذا القَبيل. ثُمَّ هناك الصَّمَم بأنواعه. فهناك الصَّمَم الناجم عن عيوب خَلْقِيَّة، والصَّمَم الناجم عن جروح وإصابات، والصَّمَم النَّاجم عن التهاب الأذن الوسطى أو التهاب الأذن الداخليَّة. والكتاب المقدَّس يتحدث عن الوَذَمَة. والوَذَمَة هي مُسمَّى آخر لداء الاستسقاء إذْ يحتفظ الجسم بالسوائل. وهذا قد يَحدث لأسباب عديدة. ويتحدَّثُ الكتابُ المقدَّس عن البَكَم أوِ الخَرَس، أيْ عدمِ القُدرة على التكلُّم. وهو يتحدث عن الدِّيِزنطاريا التي تحدث بسبب الأميبا أوِ البكتيريا أوِ الدِّيْدان؛ وهو مرض يُصيب القولون والجهاز الهضميّ والأمعاء. وهناك الصَّرَع الذي قد يظهر على شكل نوباتٍ أو صَرَعٍ خفيف أو صَرَعٍ شديد، أو أُمور أخرى. وهناك نَزْفُ الدَّم. فالكتاب المُقدَّس يتحدث عنِ اعتلالاتٍ تَختصُّ بنَزْفِ الدَّم؛ وهي تَضُمُّ الأورام اللِّيفيَّة والسَّرطانيَّة. والكتاب المقدَّس يتحدث عن إعاقاتٍ في النُّطْق ومشاكل في النُّطْق تَندرج تحت مُسَمَّى عدم القدرة على التَّكَلُّم. وهو يتحدث عن مشاكل تَختصُّ بالهضم؛ وربما كانت هذه الأمراضُ عِلَلاً صِحِّيَّةً شديدةً تختصُّ بأمراض المعِدة. والكتاب المقدَّس يتحدث عن الالتهابات. وربما تُشير هذه إلى الالتهابات البكتيريَّة أو العنقوديَّة. وهو يتحدث عن الأوبئة. وهذا يشمل الطَّاعون الذي كان يحدث بسبب الفئران والجِرذان. وهو يتحدث عن الأمراض الجلديَّة. وقد ذَكَرْتُ بعضًا منها في الأسبوع الماضي. وهناك العديد والعديد منها. والكتاب المقدَّس يتحدث عن أمراض تُدعى أورامًا، وهي قد تَشمل نِطاقًا واسِعًا مِن الأورام. وهو يتحدث أيضًا عن التقرُّحات. وهناك ثلاثة أمراض أُخرى تُذكر تحديدًا في العهد الجديد وتظهر مِنْ خلال المُعجزات الثلاث المذكورة في الأصحاح الثامن وهي: البَرَص، والشَّلَل، والحُمَّى.

وخُلاصة الأمر بمُجمله هي أنَّ كُلَّ هذه الأمراض كانت موجودة في زمن يسوع بأشكال عديدة، ولم يكُن يمكن بأيَّ حالٍ مِنَ الأحوال التَّخفيف مِنْ أعراضِها. فلم تكُن هناك أيُّ طريقة البتَّة لمُعالجة هذه الأمراض. لذلك فقد صار الناس يُدرِكون الجحيم الذي يُحَوِّم فوق رؤوسِهم بسبب حَتْمِيَّة تلك الأمراض. ثم جاء يسوعُ ولَمَسَ حياة البشر في ذُرْوَة الألم وفي ذُرْوَة المرَض. وفي مُطلق الأحوال، لا تنسَوْا، يا أحبَّائي، أنَّ يسوع استأصلَ الأمراضَ حرفيًّا في فِلَسطين. وهذا أمرٌ عظيمٌ يَصعُب وصفه. فلا يُمكننا أن نفهم ذلك لأننا نعيش في مجتمع قادر على مُعالجة الأمراض. صحيحٌ أنَّ بعض الأمراض ما زالت مجهولة بالنسبة إلينا. فالسرطان وأمراض القلب قد تُصيبنا عاجلاً أَمْ آجِلاً، ولكن بصورة عامَّة، لقد انتصرنا على الأمراض الأخرى. وحتَّى فيما يَختصُّ بالأمراض الفتَّاكة، فإنَّ لدينا القُدرة على تخفيف الألم مِن خلال الأدوية. أمَّا في ذلك المجتمع فلم يكُن الأمر كذلك. ثم جاء يسوع بقُدرته الهائلة على الشفاء وشَفَى الآلافَ تِلْوَ الآلاف تِلْوَ الآلاف مِنَ الناس. وما أعنيه وهو أنَّ ذلك كانَ إعلانًا مُدهشًا بأنه الله. لذلك فقد رأينا في المَرَّة السابقة أنَّه قال مِرارًا: "صَدِّقوني لسبب الأعمال نفسِها". وكيف يُمكن لأيِّ إنسانٍ أن يُنكِر تلك الشِّفاءات العظيمة والواسعة النطاق التي أجراها!

ونقرأ في إنجيل مَتَّى 12: 15: "فَعَلِمَ يَسُوعُ وَانْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ" [أي أنَّه عَلِمَ بمؤامرة الفَرِّيسيين. ولا حاجة إلى أنْ تَفتحوا على هذا المقطع. فسوف أقرأ آيَتَيْن فقط]. "وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ جَمِيعًا". ونَجِد في إنجيل مَتَّى 14: 14 الشَّي نفسه إذْ نقرأ: "فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ أَبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَــتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ". فقد شَفاهُم جميعًا. فقد شَفى جميعَ الَّذينَ جاءوا إليه. فالكتاب المقدَّس يقول لنا: "وَجاءَ ... فَشَفاه". فقد قَضى على الأمراضِ في فِلَسْطين.

ومِنَ المُهم أن نذكُر مدى اختلاف يسوع عن الأشخاص المُعاصرين الذين يزعُمون القُدرة على الشفاء. وقد ضَمَّنتُ كتابي فصلاً عن الحركة الكاريزماتيَّة حول موضوع الشفاء، وقد ذكرتُ كيف كان يسوع يشفي. واسمحوا لي أن أُذكِرُكُم بأهم تلك النقاط الرئيسيَّة. أولاً، يسوعُ كان يشفي بكلمة أو بلمسة. فلم تكُن هناك حِيَل أو تمارين أو خِدَع أو أساليب ملتوية أو أي شيءٍ آخر، بل إنه كان يشفي بكلمة أو بمُجرَّد لمسة. فقد كان يَكتفي بقول كلمة أو بلمسة. ثانيًا، لقد كان يشفي حالاً ... حالاً. فنحنُ نقرأ في إنجيل مَرقُس أنَّ المرأة المُصابة بنزفِ دَمٍ شُفيت حالاً وللوقت. ونقرأ أنَّ الرجالَ العَشَرَةَ البُرْصَ قد شُفوا حالاً. ونقرأ في الأصحاح الخامس مِن إنجيل لوقا أنَّ الأبرَص شُفِيَ حالاً. ونقرأ أنَّ المشلول عند بِركة بيت حَسْدا شُفيَّ حالاً. ونقرأ أنَّ الرجل الأعمى غسَّل عينيه فرجع بَصَرُه حالاً.

ثالثًا، لقد كان يسوع يشفي تمامًا. فلم يكُن المرض يعود إلى هؤلاء الأشخاص. فهل تتخيَّل أنْ تكون في الخامسة والثَّلاثين مِنَ العُمْر ولم تخطو خطوةً واحدةً، وأنْ يأتي يسوعُ ويَشفي قدميك ويقول لك "قُمْ وامشِ"؟ فحتى لو كانت ساقاك سليمتين فإنَّك لن تتمكن مِن المشي. فيجب أن تكون هناك فترة إعادة تأهيل. ولكن لم تكُن هناك فترة إعادة تأهيل في أيِّ مُعجزة أجراها يسوع - البتَّة. فقد كان الشفاء يحدُث حالاً. وقد كان كاملاً. وقد كان يحدث فورًا.

رابعًا، كان يسوع يشفي كُلَّ شخص. فهو لم يكُن يستثني الحالات الصعبة. بل كان يشفي كُلَّ شخص ... كل شخص. وهو لم يكُن يُخَيِّبُ أمل أشخاص كثيرين كما يفعل مَنْ يزعُمون الشفاء في يومنا هذا. بل كان يشفي كلَّ شخص. فنحن نقرأ في إنجيل لوقا 4: 40: "وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ".

خامسًا، لقد كان يسوع يشفي الأمراض العضويَّة والخطيرة: كالساقين المشلولتين، واليدين الذابلتين، والعينين المُصابتين بالعمى، والشَّلَل، وأنواع شفاءات أُخرى يُؤكِّد الشفاء منها أنها مُعجزة مؤكدة. فهو لم يكُن يشفي بعض آلام الظهر وبعض العِلل الوظيفيَّة المزعومة.

سادسًا [وهذا هو حقًّا ما يُميِّز يسوع عن غيره]. فقد أَقَامَ يسوعُ أمواتًا. وفي خِضَمِّ هذا كُلِّه، ينبغي أن تفهموا، يا أحبَّائي، أنَّ هذا لم يحدُث قَطّ في تاريخ العالم. وما رآه اليهود يحدُث مِن خلال عمل يسوع المُعجزيّ هو شيء له تفسير إلهيٌّ واحد مُحتمل. وهذا هو ما جَعَلَ عدم إيمان الفريسيين أمرًا لا يُصَدَّق، لأنه يُبيِّن عُمق الخطيَّة في قلوبِهم. فقد رفضوا أن يُصدِّقوا بالرغم مِنَ الدليل الحاسِم والقاطِع.

ومع ذلك فإنَّ مَتَّى يَدينُهم مَرَّةً أخرى في هذا المقطع مِن خلال الإشارة إلى أوراق اعتماد يسوع. وبالرغم مِن وجود آلاف المُعجزات، فإنَّه ينتقي ثلاث مُعجزات في هذا الأصحاح. وقد رأينا في الأسبوع الماضي المعجزة الأولى المذكُورة في الأعداد مِن 1-4 عن الرَّجُلِ البائِسِ ... عنِ الرَّجُلِ البائِس. انظروا إلى هذا الأصحاح: "وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ [أيْ بعدَ أنِ انتهى مِنَ العِظَة على الجَبَل] تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ. وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: «يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِــي». فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً: «أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!». وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ بَرَصُهُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «انْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ. بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمِ الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ»".

وكان واحدٌ مِنْ أكثر الناس احتقارًا في المجتمع هو الشخص الأبرَص. فأبشعُ وأسوأُ مرض يمكننا أن نَتخيَّله كان البَرَص. وكان ذلك الشخصُ نَجِسًا طَقْسِيًّا أيضًا. لذلك كان ذلك المرض مَثَلاً حَيًّا على الخطية. لذلك كان ذلك الشخص منبوذًا ليس بسبب المرض فحسب، بل أيضًا لأنه كان مَثَلاً حَيًّا على الخطية. ومع ذلك فقد جاء ذلك الرجل إلى يسوع. وهذه كلمات عظيمة كان ينبغي للفَريِّسيِّين أن يسمعوها. وهي مُعجزة عظيمة دَوَّنها لهم مَتَّى لأنهم لم يكونوا يتخيلون أنْ يُبالي أيُّ شخصٍ برجلٍ أبرص. ولا شكَّ أنه كان يوجد أشخاصٌ كثيرون مِنَ الفريسيين مَرْضَى ويُمكن أن يستفيدوا مِن الشفاء. فلماذا يَشفي يسوعُ شخصًا منبوذًا وبائسًا كهذا؟ ولكننا رأينا روعة اقتراب يسوع مِن أدنى مستويات المجتمع. فقد فعل أمورًا تحدَّى بها تَكَبُّر الفريسيين ورِياءَهُم لأنهم لم يكونوا مُستعدِّين للقيام بذلك. فقد بَيَّنَ أنَّ حدود ملكوته تتخطَّى المُتَرَفِّعينَ والمُتَكَبِّرينَ وتصل إلى الأشخاص الأدنياء. لذلك فقد تنازل وأحتضن بين ذراعيه أشخاصًا لم يكن أحدٌ غَيْرُهُ مستعدًا لِلَمْسِهم. وبذلك فقد أراهُم أنَّ ملكوته ليس كما يظنون، وليس لطبقة الأتقياء والأثرياء المُترفِّعين، بل هو لليائسين والمتألمين. لذلك فقد لَمَس الرجل الأبرَص وشفاه.

وهل تذكرون أنني أشرتُ إلى أربعة أشياء رائعة بخصوص ذلك الرجل؟ أولاً، لقد جاء بثقة. بعبارة أخرى فإنه لم يبالي بكونه أبرَص. فقد تخلَّص مِن وصَمْة العار الاجتماعيَّة وتَخَلَّص مِن الحَرَج. وقد جاء لأنه كان يائِسًا. ثم إنه جاء بتوقيرٍ شديد إذْ إنه جاء عابدًا. ثم إنه جاء باتِّضاع. فقد قالَ: "إنْ أَرَدْتَ". ثم إنه جاء بإيمان: "إن أردت تقدر أن تُطهِّرني. فأنا أُوْمِنُ بذلك". وعندما يأتي المرءُ إلى المسيح في حالة يائسة، ويسجد لهُ باتِّضاع، ويأتي بإيمان، فإنَّ ذلك الشخص يستطيع أن يختبر حقًّا الفداء. لذلك فقد صار شِفاء الأبرص بالنسبة إلينا تشبيهًا للخلاص. ثم قال يسوع للأبرص شيئين: أولاً، أَطِع ناموسَ مُوسى: اذهب إلى الهيكل وافعل ما هو مطلوب منك. ثانيًا، كُنْ شَهادةً لهُم. وهذا ما ينبغي أن يحدث في حياتنا نحن أيضًا بعد أن ننال الفداء. فينبغي أنْ نُطيع، وأنْ نَشْهَد. لذلك فقد رأينا يسوع يشفي الأبرَص. فقد احتضنَ حُثالة المجتمع البشريّ بينَ ذراعيه. ويا له مِن تبكيتٍ للفَرِّيسيِّين المُتعالين والمُتكبِّرين والمنتفخين.

وننتقل مِن قصَّة الرجل الأبرَص إلى قِصَّتنا لهذا اليوم. وهي قصة رَجُل ذي مكانة (في العدد الخامس) ... قصة رجل ذي مكانة. ونجد هنا أيضًا رجلاً آخر كان في نظر اليهود منبوذًا لأنه كان أُمَمِيًّا. والأسوأُ مِن ذلك هو أنه كان جنديًّا رومانيًّا وفردًا في جيش الاحتلال الذي غَزَا أرضهم الغالية على قلوبهم واحتلَّها. لذلك مِنَ البديهيّ أن يكون مكْروهًا وأن يُعامل كالأبرص. ولكنَّ الربَّ شَفَى غُلامَ هذا الشخص. ومَرَّةً أخرى، فإنَّ ما يقوله الرب هو الآتي: إنَّ حدود الملكوت تبتدئ مِن الأشخاص الأدنياء ومِن الأشخاص البعيدين والمنبوذين والأمَمِيِّين لأنها أوسع مِنَ الحدود التي رسمها الفريسيون. بل هي أوسع بكثير.

ولننظُر إلى العدد الخامس: "وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ كَفْرَنَاحُومَ ...". وبالمناسبة، يَرى مُفَسِّرون كثيرون أنَّ جميع هذه المُعجزات الثلاث حدثت في اليوم نفسه. فقد انتهى مِنَ العِظة، ونزلَ مِنَ الجبل، ودخل كَفْرَناحوم، وهذا كله حدث في اليوم ذاته. وهذا مُحتمل. فقد دخلَ كَفْرناحوم. وبالمناسبة فإنَّ كَفْرَناحوم هي تلك المدينة الرائعة الواقعة شمال بحر الجليل، وهي مدينة لم تعُد موجودة اليوم لأنَّ يسوع لَعَنَها. وهي واحدة مِن أجمل البُقَع التي رأيتُها في العالم. ومع ذلك لم تعُد هناك مدينة. فهي مُجرَّد خَرَاب لأنَّ يسوع لعن ذلك المكان. وَهُمْ لم يُعيدوا بِناءهُ. فقد بَنوا أماكن حول المدينة، ولكنَّهم لم يُعيدوا بِناءها. ولكِنْ في ذلك المكان الصغير الرائع، جاء يسوع وبَقيَ هناك ربما في بيت بُطرس، لأنَّ بطرس كان يملك بيتًا هناك. وحتى يومنا هذا، ما تزال هناك أطلالٌ لذلك البيت. وهم يعتقدون أنَّ هذا هو بيته. لذلك فقد دخل يسوع كفرناحوم وصرف وقتًا طويلاً. هناك "جَاءَ إِلَيْهِ قَائِدُ مِئَةٍ يَطْلُبُ إِلَيْهِ". ويُرَكِّزُ مَتَّى على سَرْد الحقائق. ويُرَكِّزُ مَتَّى على التفاعُل بين قائد المئة ويسوع بسبب قصد مَتَّى. ولكن الحقائق موضَّحة أكثر في إنجيل لوقا إذ نجدْ في إنجيل لوقا مقطعًا مُشابِهًا في الأصحاح السابع. ولا حاجة إلى أنَّ تفتحوا عليه، ولكنِّي سأذكر بعض التفاصيل الأخرى مِن إنجيل لوقا. فلوقا يُخبرنا أنَّ قائد المئة لم يذهب بنفسه إلى يسوع، بل إنه أرسل بعض اليهود لِحمل هذه الرِّسالة. لذا فإنَّ يسوع يُخاطب قائد المئة، ولكِنْ مِنْ خلال اليهود الذين جاءوا إليه. فقائد المئة لم يأتِ بنفسه، بل أرسل هؤلاء اليهود. والسبب في ذلك هو أنه كان يشعُر بعدم الاستحقاق في أن يكون في حضرة المسيح، وكان يَشعُر بعدم استحقاقِهِ في أن يأتي المسيح إلى بيته. لذلك فقد أرسل هؤلاء اليهود نيابةً عنه. وقد تحدثوا إلى يسوع نيابةً عنه.

والآن لنتحدث قليلاً عن قائد المئة. ففي كل مَرَّة تقرأون فيها عن قائد المئة في العهد الجديد ستجدون أنه شخص جَيِّد. وهذا أمرٌ مُدهشٌ حقًّا. وكأنَّ الرَّبّ (ولا شَكَّ في أنه كان هناك قُوَّاد مِئة أشرار، وهذا أمرٌ مؤكَّد)، ولكِنْ وكأنَّ الربَّ قَصَدَ أن ينتقي مجموعةً مِن أكثر الناس المكروهين في فلسطين وأن يستخدمهم كأمثلة توضيحيَّة على الصلاح والإيمان والنعمة المُخَلِّصَة، لكي يُبيِّن أنَّ ملكوته يَتَخَطَّى بني إسرائيل. وفي كل مَرَّة تُصادِفون فيها قائد مِئة [سَواءٌ ذلك الشخص الذي كان موجودًا عند صَلب يسوع، أو "كَرْنِيلِيُوس"، أو هذا الشخص] فإنَّهم أشخاصٌ طَيِّبون وينتهي بِهم المطاف [على الأقل الأغلبية منهم] بأن يَخلُصوا. وهذه، إلى حَدٍّ ما، صَفعة مُوجَّهة إلى وجه تلك الحَصْرِيَّة التي كانت موجودة آنذاك والتي لم يكُن فيها مجال لأيِّ شخصٍ أُمَمِيّ، ولا سيما إن كان جنديًا رومانيًّا.

والآن، هل يُمكنني أن أُضيف فكرة أخرى؟ إن لم يكُن يكفي أن يكون المرء أُمَمِيًّا، كان الأسوأُ مِن ذلك هو أن يكون جنديًا رومانيًّا، وإن لم يكُن هذا سيئًا بالقدر الكافي في حَدِّ ذاته، كان هناك ما هو أسوأ مِنه، وهو الآتي: لم يكُن جنود الاحتلال الرومانيّ مُرسلين حقًّا مِن روما. بل كانوا مُدَرَّبين في المجتمع أو المنطقة التي كانوا يَحتلُّونها. وما كانوا يفعلونه بحسب كُتب التاريخ، وما كانوا يفعلونه في فِلَسطين، هو أنهم كانوا يختارون أُناسًا غير يهود مِن تلك المنطقة ويُلْحِقوهُمْ بالجيش الرومانيّ ويُدرِّبوهُم. وقد كان هذا الرجل في كَفَرَناحوم، مِن دون شك، جنديًّا تابعًا لقوات أنتيباس. وإن كان غيرَ يهوديٍّ يعيش في تلك المنطقة، مِن المُرجَّح أنه كان سامريًّا. وإن كان مِنَ السيِّئ أن يكون المرءُ أُمَمِيًّا، فإنَّ أسوأ أنواع الأُمم هو أن يكون الشخص سامريًّا لأنَّ السامريِّين كانوا يهودًا تزاوجوا مع الأُمم. وكان هذا يعني خِيانة الميراث اليهوديّ، وهو أسوأ نوعٍ ممكن مِن النسل المُختلط الأُمميّ.

لذلك فإنَّنا هنا أمام شخصٍ أُممي. بل هو أسوأ نوعٍ مِن الأشخاص الأُمَمِيِّين إذْ إنه كان سامريًّا. وهو أسوأ نوعٍ مِنَ السامريِّين لأنه كان عضوًا في قُوَّات الاحتلال في الجيش الرومانيّ الذين كانوا يضطهدون بَني إسرائيل. وكان السُّؤالُ الَّذي يَطرحُهُ كُلُّ فَرِّيسيٍّ هو: "ما الذي يدفعُك إلى القيام بأيِّ مَعروفٍ لشخصٍ كهذا؟" وهذه هي الفِكرة الرئيسيَّة. فلم يكُن لَديهم أيُّ تَصَوُّرٍ لحدود الملكوت. فقد كان الملكوت محصورًا بِهم فقط: "نحن فقط، ولا أحد سِوانا. والباب قد أُغْلِق". فقد كانتْ هذه هي الخُلاصة. ولكنَّ يسوعَ فَتَحَ الباب على مِصراعيه. وكان هذا الأمر يفوق احتمالَهُم. وقد تَفاقَمَ كُرْهُهُمْ له إلى أن قتلوه في النِّهاية. ولكنَّ قائد المِئة جاء إلى حضرة يسوع مِن خلال هؤلاء الوسطاء اليهود الذين يُخبِرنا لوقا عنهم. وإليكم ما قالهُ إذْ نقرأ في العدد السادس: "يا سَيِّد". وبالمناسبة، فإنَّ الكلمة "سَيِّد" هنا تعني أكثر مِنْ كلمة سَيِّد. فهي تَتضمَّن معنى الرُّبُوبيَّة في تفكير قائد المئة بخصوص لاهوت المسيح. وأعتقد أنه استخدم هذه الكلمة بمعناها الحقيقيّ وبمعناها الإلهيّ: "يَا سَيِّدُ [وَهُوَ يَستخدمُ هنا الكلمة اليونانيَّة "بايس" (pais) ومَعناها: "ابني"]، "غُلاَمِي مَطْرُوحٌ فِي الْبَيْتِ مَفْلُوجًا مُتَعَذِّبًا جِدًّا". إنه مَفلوجٌ. وهو مَشلولٌ، ومُعذَّبٌ جدًّا، أو يعاني كثيرًا، أو يُعاني بشدَّة. والكلمة "بايس" تُستخدم هنا بمعنى "صَبِيّ". ويَستخدم لوقا الكلمة "دولوس" (doulos) التي تعني "عَبْد". والسؤال المطروح هو: هل كان قائد المئة يتحدث عنِ ابنه أَمْ عن عبده؟ والجواب هو: أنه كان مِنَ الشائع أن يكون هناك صَبِيٌّ عَبْدٌ في المنزل، أي صَبِيٌّ صغير. وقد كانت الحالة كذلك. فقد كان ذلك صَبِيًّا عَبْدًا أو عَبْدًا يافعًا. لذا فإنه يقول: "غُلاَمِي العَبْد مَطْرُوحٌ فِي الْبَيْتِ مَفْلُوجًا مُتَعَذِّبًا جِدًّا". ولا ندري إن كان ذلك هو شلل الأطفال أو إن كان مرضًا أصاب جهازَهُ العصبيَّ أو عِلَّةً عَقليَّةً أو وَرَمًا. فنحنُ لا نعرف يقينًا، ولكنه كان مشلولاً ويُعاني ألمًا شديدًا.

وهناك شيءٌ جميلٌ في هذه القصة. فأنا مُعجبٌ بقائد المئة هذا. فأنا مُعجبٌ به [أوَّلاً] لأنه كان مُهتمًّا بعبده، وهذا يجعله مُختلفًا عن كل شخص آخر في العالم الرومانيّ. فالحقيقة هي أنه في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، لم تَكُنْ للعبيد أيُّ أهميَّة. فإنْ تألَّموا فإنَّ ذلك ليس مُهمًّا. وإن عاشوا فإنَّ ذلك ليس مُهِمًّا. وإن ماتوا فإنَّ ذلك ليس مُهمًّا. فلم تكُن لهم أيُّ قيمة. فعلى سبيل المثال، فقد قال أرسطو [وأنا أقتبس كلامه هنا]: "لا يُمكن أن تكون هناك صداقة أو عدالة تُجَاهَ الجمادات، ولا حتَّى تُجاهَ حِصانٍ أو ثورٍ أو عَبْد. فلا يوجد أيُّ شيءٍ مُشترَك بين السيِّد والعَبْد. فالعبد هو مُجرَّد أداة حَيَّة، وَهُوَ مُجرَّد أداةٍ كأيِّ شيءٍ مِنَ الجمادات".

فلم تكُن للعبيد أيَّ حقوق. وقد قال "غايوس" (Gaius) الخبير بالقانون الرومانيّ: "لا نُجانب الصَّواب إنْ قُلنا إنه كان مِنَ المقبول على نِطاقٍ عالميٍّ أن يكون السيد يمتلك سُلطان الحياة والموت على العبد". لقد كان هذا هو ما يَنُصُّ عليه القانون الرومانيّ. فإنْ لم يكُن عبدُك يُعجبك، يُمكنك أن تقتله. وقد قال "فارو" (Varro)، الكاتب الرومانيّ الذي كتب الكثير عن الزراعة: "الفرق الوحيد بين العبد والحَيَوان والعَرَبَة هو أنَّ العبد يتكلم". هذا هو الفرق الوحيد.

وقد كان "كيتو" (Cato) كاتبًا رومانيًّا آخر يحاول أن يُقدِّم النَّصيحة لشخصٍ يُعاني مشكلةً ماليَّة، فقال له: "تَفَحَّص مَواشيك وحاول أن تعْقِد صفقات بَيع. بِعْ ثورك المُنْهَك وماشيتك المَريضة، وخِرافَك المُصابة، وكُلَّ ما فيه عَيْب مِنْ صُوفٍ، وجلودٍ، وعرباتِكَ القديمة، وعبدِكَ القديم، وعبدِكَ المريض، وأيَّ شيءٍ آخر، وأيَّ شيءٍ لا لزوم له". وكما تَرَوْن، فإنَّ الرُّومان كانوا ينظرون إلى العبد كَجَماد. ولكنَّ قائد المئة هذا لم يكُن مثلَهُم. فهو لم يكُن يطلب شيئًا لنفسه، بل إنه كان يقول: "غُلامي العبد مفلوج". فقد كان وَثَنِيًّا رائعًا ... لقد كان وثنيًّا رائعًا.

وهل تعلمون شيئًا؟ لا بدَّ أنه هو الذي طلب مِن هؤلاء اليهود أن يَعملوا على توصيل هذه الرسالة إلى يسوع نيابةً عنه. ولكِنْ إنْ ذهب واحدٌ مِنْ قادة المئة إلى مجموعةٍ مِنَ اليهود (ولا سِيَّما إنْ كانَ قائد مئة أُمَمِيّ سامريّ) وقال لهم: "أريدُ منكم مَعروفًا؟" كانوا يَرُدُّون عليه قائلين: "ماذا؟ مِنَ المؤكَّد أنك تَمزح! اغرُب عنْ وَجْهِنا يا هذا!" لذلك، ما الذي دَفَعَ هؤلاء اليهود إلى المجيء إلى يسوع نيابةً عن ذلك الشخص؟ سوف أُبيِّن لكُم السبب. فما جاء في إنْجيل لوقا 7 مُدهشٌ جدًّا. ويكفي أن تستمعوا إلى هذا العدد: "فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى يَسُوعَ [أيِ اليَهود أو قادة اليهود] طَلَبُوا إِلَيْهِ بِاجْتِهَادٍ قَائِلِين". فقد أرادوا أنْ يُساعِدوا قائدَ المئة. لذلك فقد قالوا: "ليتَكَ تَفْعَل هذا". وقد قالوا لهُ تحديدًا: "إنَّ غُلاَمَهُ مَطْرُوحٌ فِي الْبَيْتِ مَفْلُوجًا مُتَعَذِّبًا جِدًّا". وقد قالوا أيضًا: "افعَل هذا لأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ أَنْ يُفْعَلَ لَهُ هذَا ... إنهُ مُستحقٌّ". ولكِنْ كيف يمكن أن يكون أيُّ أُمَمِيٍّ مُستحقًّا؟ إليكم ما قالوه: "لأَنَّهُ يُحِبُّ أُمَّتَنَا، وَهُوَ بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ". فالأمر له أبعاد اقتصاديَّة وماليَّة إذْ إنَّ هذا الشخص قام باستثمارٍ كبير. فقد أَحبَّ أُمَّتَهُم وبَنى لهم مَجْمَعًا. وأنا أعرف المزيد عن قائد المئة هذا. أجل. فهو يفهم شيئًا ما عن صِحَّة ديانتِهِم. فهو أُمميٌّ يخاف الله مثل كَرنيليوس. وهو يُدرِك أنه يتعامل مع أُناسٍ هُمْ شَعْبُ عهدٍ مع الله الحيّ. وهو يَستثمر فيهم. فقد أَحبَّ أُمتهم وبَنى لهم مَجْمَعًا في كفرناحوم. وقد زُرتُ كفرناحوم. وقد وقفتُ على أطلال المَجْمَع هناك. وهم يقولون إنَّ عَتَبات ذلك المَجْمَع جاءتْ مِنْ هذا الشخص، وربما كان قائد المئة هذا تحديدًا هو الَّذي دفع ثَمَنَها. فهو الذي بَنى لهم المَجْمَع. وعندما تصنع معروفًا لهؤلاء الناس، فإنَّهم يتجاوبون هكذا. لذلك فقد جاء الشيوخ وقالوا ليسوع: "ينبغي أن تفعل هذا الأمر لقائد المئة".

وهل تَعلمون أنَّ ما يُدهشني أيضًا هو أنهم كانوا يعلمون أنَّ يسوع قادر على القيام بذلك. فقد كان كل شخص يعلم أنه قادر على الشفاء. ولم يكُن هناك جدلٌ حول ذلك، ولكنَّ قسوة قلوبهم أَبَتْ أنْ تَخطو خطوةً أخرى وأن تَقبله بوصفه المسيَّا المُخلص. لذلك فإنَّنا هنا أمام أُمَمِيٍّ صالحٍ أَحَبَّ بني إسرائيل. ويجب علينا نحن أيضًا أن نُحِبَّ بني إسرائيل. أجل، يجب علينا أن نُحِبَّهم. فهم شعب الله المُختار. ولا أعتقد أنَّ أيَّ شخصٍ يُحبُّ اليهود أكثر مِنِّي. فَهُمْ شعبي المُفضَّل: مِنْ ابراهيم إلى يسوع وبُولس وتيموثاوس. وأنا أصرفُ وقتًا معهم أكثر مِمَّا أصرف وقتًا مع الأُمم مِنْ خلال دراسة الكلمة.

وقد أَحَبَّهُم قائد المئة أيضًا. فقد أحَبَّ الأمَّة. فقد بنى لهم مجمعًا، ومِن الواضح أنَّه كان أُمميًّا صالحًا. وقد كان رَجُلاً لطيفًا. فقد أحَبَّ عَبْدَهُ. وقد كان متواضعًا. وهل تعلمون أنه لم يأتِ إلى يسوع بنفسهِ لأنه لم يكُن يشعر بأنه مُستحقّ؟ وهل تعلمون أنه لم يرغب في أن يأتي يسوع إلى منزله لأنه كان يعرف ما يكفي عن الطقوس اليهوديَّة وبأنَّ اليهود لا يذهبون إلى منزل شخصٍ أُمَمِيّ. وهو لم يرغب في كَسْر ذلك. فقد كانت لدى اليهود بعض المُعتقدات الغريبة، كما تعلمون، إذْ كانوا يعتقدون أنَّ الأدواتِ التي يستخدمها الأمم نَجِسة. وهم لم يكونوا يأكلون طعام الأمم أو يستخدمون أدواتهم. وقد كانوا يعتقدون أنَّ الأُمم يُجهِضون أطفالهم ويدفنوهم في مكانٍ ما في المنزل. لذلك فقد كان المنزل نجسًا بسبب وجود الجثث. وقد كانت لديهم جميع تلك المُعتقدات الغريبة التي هي مِن اختراع المعلمين اليهود لكي يُبقوا اليهود بعيدين عن الأُمم. وقد كان قائد المئة حريصًا حتَّى على مُراعاة تلك التقاليد الطقسيَّة.

إنه متواضع. وهو مُحِبّ. وهو مُرهَفُ الحِسّ. وهو صاحبُ موقفٍ رائع. وهو مُستعدٌّ للتغيير. وهذا يُمهِّد للخلفيَّة. وعندما يقول: "يا رَبّ" في العدد السادس، فإنها "يا رَبّ" بكُلِّ معنى الكلمة. وإنْ كنتم تَشُكُّون في ذلك، انظروا إلى العدد العاشر. فقد قال يسوع في منتصف العدد: "لَمْ أَجِدْ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ!" فهذا أعظمُ إيمانٍ رأيتُهُ يومًا. إيمان؟ ما الَّذي تَعنيه؟ إنه إيمانٌ بحقيقة شخص المسيح. فهذا هوَ المقصود. فقد آمن أنَّ يسوع هو الله. وهذه هي خُلاصة الإيمان. ويسوعُ يقول إنَّ إيمانَهُ كان مِنْ هذا النوع. فعندما قال: "يا رَبّ"، أَكَّدَ رُبوبيَّة المسيح. وقد كان هذا توبيخًا كبيرًا لليهود. فنحن هنا أمام شخصٍ سامريٍّ، وَهجينٍ، وأُمميٍّ، وجنديٍّ مِن روما. ولكنَّ يسوعَ يقول إنه يمتلك أعظم إيمان رأيته في حياتي. ويا لها مِن صدمة!

وهو لم يطلب شيئًا لِنفسه، بل هو يقول: "غُلاَمِي العَبْد مَطْرُوحٌ فِي الْبَيْتِ مَفْلُوجًا مُتَعَذِّبًا جِدًّا". وهل تعلمون ما الذي أراه في ذلك، وما الشيء الرائع جدًّا؟ أنه ليست هناك طِلْبَة في العدد السادس. فهو يُقدِّم له معلوماتٍ فقط. ثُمَّ إنَّ اليهود يقولون: "افعل ذلك. إنه مُستحِقٌّ. افعل ذلك. افعل ذلك". ولكنَّه لم يكن يعتزم طَلَب ذلك. فصلاتُهُ هي صلاة معلومات: "يا رَبّ، إليك الحاجة. أنا أضعُها أمامك. وأنا أقبل سيادتك وخِيارك". وماذا كان مرض الغُلام؟ لقد كان مفلوجًا، أي إنه كان فاقدًا الحِسَّ، أو لم تكُن عضلاته تعمل جيدًا بسبب إصابةٍ أو مرضٍ في النُّخاع الشَّوكيِّ أوِ الدماغِ أو الأعصاب. ولا ندري سبب ذلك، ولكنَّ مرضه كان شديدًا وقد يُفْضي إلى موته.

ثُمَّ يأتي رَدُّ الرَّبِّ في العدد السابع. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ [أيْ إنه رَدَّ لَهُ خَبَرًا قائلاً]: ’أَنَا آتِي وَأَشْفِيه‘" ... "أَنَا آتِي وَأَشْفِيه". بعبارة أخرى، فإنه يقول لليهود الذين أرسلهم قائد المئة إنه سيأتي إلى بيت ذلك الأُمميّ. فهو سيأتي إلى بيت قائد المئة. وهو سيشفي الغلام. والحقيقة هي أنَّ لوقا يقول إنهم سَاروا جميعًا في الطريق مُتَّجِهينَ إلى البيت. وعندما رآهم قائد المئة تَمَلَّكَهُ الذُّعْر لأنه لم يكُن يشعر بالاستحقاق في أن يكون في حضرة المسيح، ولأنَّه لم يشأ أن يكسروا شريعتَهُم بمجيئهِم إلى بيته. ولكنه لم يكُن يستطيع أن يُخرِج الغلام خارج المنزل بسبب حالته.

لذلك فقد أَرسَلَ إِلَيْهِ قَائِدُ الْمِئَةِ أَصْدِقَاءَ يَقُولُ لَهُ: "يَا سَيِّدُ، لاَ تَتْعَبْ. لأَنِّي لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي". لا تَقترِب، يا سَيِّد! لا تَقترب أكثر. فأنا لا أستحقُّ ذلك. فلا يمكن أنْ أسْمَحَ أنْ تَدْخُل مَنزلي. ولا يُمكن أنْ أسمحَ أنْ تأتي إليَّ. فأنا غيرُ مُستحقٍّ. وكم أُحِبُّ ذلك! وهل تعلمون يا أحبائي أنَّ هناك بعض الأشخاص الذين يظنون أنهم ينبغي أن يصيروا مَسيحيِّين لكي يصنعوا معروفًا مع الله كما لو أنه كان في حاجة إليهِم. ولكننا لا نستحقُّ حتَّى أن نكون في حضرته. "لأني لستُ مستحقًا". ويا له مِن مشهدٍ رائع نراه مِن خلال هذا الرجل، فهو رجلٌ فَريدٌ مِنْ نوعه. ولم يكُن بإمكان المرء أن يصير قائد مِئة مِن خلال الارتقاء مِن العمل المكتبيّ إلى هذه الرُتبة. بل إنَّك تصير قائد مئة مِن خلال شَقِّ طريقك بصعوبة عَبْر الجنود وعَبْر الرُتب. فقد كان ذلك الرجل رجلاً صُلبًا. وقد كان مسؤولاً عن قيادة مئة رجل. فهذا هو ما كان يفعله قائد المئة. فقد كان مسؤولاً عن مئة رجل. وقد كان مسؤولاً عن تدريبهم، وكان رجلاً صُلْبًا ورجل حَرْب. ولكنه كان لطيفًا، ومتواضعًا، ووديعًا، ومُرْهَفَ الحِسِّ، ومُحِبًّا، ورقيقًا. وقد أَظْهَرَ كُلَّ هذه الصِّفات مِن أجل عبده المريض.

ويا له مِنْ قائد مئة أُمَمِيّ يخافُ اللهَ حقًّا! والحقيقة هي أنَّ إيمانَهُ يَظهر في العد الثامن. استمعوا إلى ما يقول: "لا حاجةَ إلى أنْ تَدْخُلَ تحتَ سَقْفي. لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَيَبْرَأَ غُلاَمِي". وقد تقول: "مِنْ أينَ جاءَ بهذه المَعلومة؟" اسمعوا: لقد كانَ مُطَّلِعًا على ما يَجري. وقد رأى ما كان يسوعُ يَفعله. وقد قال: "قُلْ كَلِمَة فقط. فهذا يَكفي. فلا حاجةَ إلى أنْ تَدْخُل. فأنا أَعلمُ السُّلطانَ الَّذي يَخْرُجُ مِنْ فَمِك. يَكفي أنْ تَقولَ كَلِمَة". وأنا أُوْمِنُ أنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّ يسوعَ هوَ الله، وأنهُ في حَضْرة الله: "يَكفي أنْ تقولَ كَلِمَة".

ثُمَّ نقرأ في العدد التاسع أنه قال هذه الكلمات القليلة التي أعتقد أنها رائعة جدًّا: "لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ مُرَتَّبٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ، لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. وَأَقُولُ لِهذَا: اذْهَبْ! فَيَذْهَبُ، وَلآخَرَ: ائْتِ! فَيَأتِي، وَلِعَبْدِي: افْعَلْ هذَا! فَيَفْعَلُ". وما قَصَدَهُ هو: "أنا أفهم سُلطانك. فربما يتساءل البعضُ قائلين: ’مِن أين حَصَلْتَ على هذا السُلطان؟‘ أو ’مَنْ تظنُّ نفسك؟‘ أو ’لأيِّ عِلَّة أو سبب تتحدث بهذه الطريقة؟‘ ولكني أَعلمُ الرجل صاحب السُلطان عندما أراه. وقد رأيتُ ما صَنَعْت. وقد رأيت قُدرة كلماتك. وأنا أفهم مَعنى السُّلطان".

والآنْ راقبوا الحُجَّة المنطقيَّة في العدد التَّاسع. فهي حُجَّة منطقيَّة مِنَ الأصغر إلى الأكبر. فهو يقول: "لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ مُرَتَّبٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ، لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. وَأَقُولُ لِهذَا: اذْهَبْ! فَيَذْهَبُ، وَلآخَرَ: ائْتِ! فَيَأتِي، وَلِعَبْدِي: افْعَلْ هذَا! فَيَفْعَلُ". والآن لاحظوا ما يقول: "أنا رجلٌ تحت سُلطان، وأنا أَفهم السُّلطة، وأنا أُمارس السُّلطة. ومِنَ المؤكد أنَّ سُلطانك أعظم جدًّا مِن سُلطاني لأنَّك لست تحت أيِّ سُلطان، بل أنت صاحب السُّلطان المُطلق في الكون. "فهو يقول: أنا تحت سُلطان، وأنا أستطيع أن آمر جنودي بالقيام ببعض الأمور. ولكنك أنت فوق كُلِّ السُلُطات. لذلك كم بالحَرِيِّ تستطيع أن تنطُق بكلمة فيحدث ما تأمر به". وهذا إيمانٌ عظيم. أليس كذلك؟ "أنت لست مُضْطَرًا إلى المجيء. يكفي أن تقول كلمة".

والحقيقة هي أنَّ العدد الذي يلي ذلك مُدهِشٌ جدًّا إذْ نقرأ: "وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ هذَا تَعَجَّبَ مِنْهُ". وهل تعلمون شيئًا؟ ينبغي أن يكون لديكُم إيمانٌ فريدٌ لكي تُدهِشوا يسوع. فكروا بذلك. لأنه يعلم حقًّا كل شيء. وَهُوَ يَرى كل شيء. وعندما نقرأ إنَّ يسوع تعجَّب فإنَّكم تعلمون أنَّ هذه الجملة ليست قليلة. فهي تُخبرنا أنَّ يسوع [في اتِّضاعه وَناسُوتهِ] قد تَعَجَّبَ حرفيًّا مِن إيمان ذلك الأُمميّ. فقد تَعَجَّب.

وبالمناسبة فقد كان ذلك نموذجًا لأمورٍ ستأتي لأنه سيكون هناك أُمَمِيُّون آخرون كثيرون يمتلكون ذلك النوع مِن الإيمان بالمسيح. والعديد مِن هؤلاء يجلسون هنا في هذا الصباح. وهذا توبيخٌ شديدٌ لليهود. انظروا إلى ما جاء في العدد العاشر: "تَعَجَّبَ مِنْهُ، وَالْتَفَتَ إِلَى الْجَمْعِ الَّذِي يَتْبَعُهُ وَقَالَ: ’أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ ... إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!‘. وقد كان بمقدوره أنْ يَكتفي بهذه الكلمات، ولكنَّهُ قَصَدَ أنْ يقول: "ولا في إسرائيل". والمعنى المقصود هو: "كانَ ينبغي أنْ أجِدَ هذا الإيمان هُنا". فأنتم شعب العَهْد. وأنتم شعب الموعد. وأنتم شعب الميراث. فقد كان ينبغي أنْ تمتلكوا هذا النَّوع مِنَ الإيمان، ولكنِّي لم أَجِدْهُ هُنا! ليسَ هذا النَّوعَ مِنَ الإيمان". إنهُ إيمانٌ عَظيم. وقد أَثْنَى على هذا الأُمَمِيّ.

صَحيحٌ أنَّه وَجَدَ إيمانًا بين اليهود. فلا شك في ذلك. وقد رأينا ذلك في مَتَّى 4. ومِنَ المؤكد أنه وجد إيمانًا، ولكنه لم يجد هذا النوع مِن الإيمان ولا هذا النوع مِن الفضيلة. فما أعنيه هو أنَّ قائد المئة كان مُحبًّا، ومتعاطفًا، ويُفكر في الآخرين، ومتواضعًا، ومُرهَفَ الحِسِّ، وواثقًا تمامًا مِن قُدرة المسيح، ومتيقِّنًا مِنْ أنَّهُ هو الله في هيئة بشريَّة. وكما تعلمون فإنَّ يسوع قال حتى عن التلاميذ: "يَا قَلِيلِــي [ماذا؟] الإِيمَان". فقد كانوا تلاميذَ لَهُ، ولكنهم لم يكُونوا واثقين تمامًا مِن شخصه. فقد قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ بعد قيامته: "أنا لستُ واثقًا تمامًا. أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا". فقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي؟"

ولكنَّ هذا الرجل كان يملك إيمانًا عظيمًا. وهذه لمحة رائعة عن الملكوت الذي يُعطيه يسوع لهم، أيْ أنَّ الأُمم سيكون لديهم إيمان أعظم مِن بني إسرائيل. اسمعوني جيدًا: إنَّ هذا صَحيحٌ حتَّى في يومنا هذا. أليس كذلك؟ فالكنيسة، في أغلبها، هي كنيسة أُمم. ولا يزال بنو إسرائيل يرفضون المسيَّا. وسوف يُوَضِّح يسوع ذلك في واحدةٍ مِن أقوى الجُمَلِ التي قالها إذْ نقرأ في العدد 11: "وَأَقُولُ لَكُمْ [استمعوا إلى هذه الكلمات]: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ". وأرجوا أن تتوقفوا هنا. فهناك ملكوتٌ عظيمٌ ومجيدٌ آتٍ. وهناك مُلْكٌ ألفيٌّ ومملكة أبديَّة في المستقبل. وفي ذلك الملكوت، فإنَّ وعد الله الرائع لإبراهيم وإسحاق ويعقوب سيتحقَّق. فَهُمْ شعبُ العهد. وقد كانوا الشعب الذي أَعْطى اللهُ العَهْدَ مِن خلاله. وهناك يهوديَّة أساسيَّة في مستقبل خُطط الله للعالم، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب تُمثِّل عهد الإيمان العظيم. فالإنجيل جاء مِن خلال نسل إبراهيم. والخلاص جاء مِن خلال نسل إبراهيم. ونحن مُباركون في خِيام سام. ونحن أولاد إبراهيم بالإيمان. وبركتُنا تأتي مِن خلال إبراهيم. لذلك فإنَّنا، في الأصل، جزءٌ مِن نفس ذلك العهد. لذا فإنَّ هناك يهوديَّة مُرتبطة بالملكوت، ولكنَّ ما يقوله في العدد 11 هو الآتي: "إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَهُم". ومَنْ هؤلاء الكثيرون؟ الشرق والغرب. والخط الرئيسيّ أو النقطة الرئيسيّة التي يبتدئ منها هذا الأمر هو بنو إسرائيل، ثُمَّ إنها تَمتدُّ شرقًا وغربًا مِنْ هناك - إلى العالم الأُمميّ. وما يقوله هو إنَّ الملكوت سيَزْخُر بالأُمم.

وهل تُريدون أن تعلموا شيئًا؟ إنهم لم يُصَدِّقوا ذلك. فقد كانت تلك جُملة صَادِمَة. وقد كان ذلك مُخالفًا لكل تعاليمهم. فقد كانوا يُؤمنون أنه قبل مجيء الملكوت فإنَّ جميع الأُمم سيهلكون. أجل. فإذا قرأتم بعض الأدب الأبوكريفيّ (مثل باروخ الثاني والأصحاح 29) ستَرَوْنَ أنَّه يُصَوِّر ما كانوا يَظُنُّون أنه سيحدث في الوليمة العظيمة حيث إنَّ اليهود سيجلسون مع المسيَّا. فنحن نقرأ في ذلك السفر المَنْحول [وهو مقطعٌ لا يعكس تفكير اليهود في هذا الوقت]: "سوف يجلس اليهود في وليمة عظيمة وسوف يأكلون بَهِيموث ولَوِيَاثَان. والكلمة "بَهيموث" تُشير إلى الفيل، والكلمة "لَوِيَاثَان" تُشير إلى وحشِ البحر، أيْ إلى حوتٍ عظيم. وما أعنيه هو أنهم سيشتركون في وليمةٍ لم يَرَوْا مثلها مِن قبل يأكلون فيها الفِيَلَة والحِيْتان. وهذهِ إشارة إلى كميَّةٍ هائلةٍ وغير محدودة وكبيرة جدًّا من الطعام. وسوف تكون وليمة تَفوقُ كُلَّ الولائم. وسوف تكون لليهود. وبالرغم مِن هذه الوليمة المَسيحانيَّة العظيمة، فإنهم لم يؤمنوا، ولو قليلاً، أنَّ الأُمم سيأكلون على المائدة معهم. وما أعنيه هو أنَّ ذلك في نَظرِهم كان سيُفسِد الوليمة لأنها ينبغي أن تكون مُحَلَّلَة. ولكنَّ الملكوت يَضُمُّ أُممًا. أليس كذلك؟ فبعد ألفيْ سنه، ها نحن، إذْ إنَّ الكنيسة تَزْخُرُ بالأُمم. وسوف نجلس ذات يوم في ذلك الملكوت الألفيّ في المستقبل مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

وإن لم يكُن ذلك مُدَمِّرًا بالقدر الكافي، فإنَّ العدد 12 يَدُقُّ المِسْمَارَ الأخيرَ في النَّعْش: "وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ" - ومَنْ يكونُ هؤلاء؟ اليهود. فنحن نقرأ في أعمال الرُّسُل 3: "أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الملكوت". فهذا هو ما قالهُ بُطرس لسُكَّانِ أورُشَليم. أمَّا اليهود "فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ". وهذه كلمات قويَّة جدًّا جدًّا، وجملة مُدمِّرة، وجملة يَصعُب تصديقها. وَهُمْ يُدْعَوْنَ "بَنو الملكوت" لأنهم الورثة الشَّرعيُّون. والوعد لهم. والامتيازاتُ أُعطيت لهم. ولكِنْ عندما يأتي الملكوت، سوف يُطرحون خارجًا. لماذا؟ لماذا؟ لأنكَ لا تدخل الملكوت مِن خلال النسل الجسديّ، أيْ إنَّ كَوْنَكَ يهوديًّا لا يعني أيَّ شيء.

ولِعِلمكم، فإننا نقرأ في الأصحاح الثامن مِن إنجيل يوحَنَّا أنهم أرادوا أن يُجادلوا يسوع بخصوص ذلك. لذلك فقد ابتدأوا ذلك الحديث الصغير بخصوص حقيقة أنهم أولاد إبراهيم وأنهم يَملِكون كل المُقَوِّمات، وأنهم مضمونون – أيْ أنَّ الأمور ينبغي أن تكون هكذا. ولكنَّ يسوع قال: "أَنَا عَالِمٌ أَنَّكُمْ ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ. لكِنَّكُمْ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي [وتُحاولونَ أنْ تَقتلوني] لأَنَّ كَلاَمِي لاَ مَوْضِعَ لَهُ فِيكُمْ. أَنَا أَتَكَلَّمُ بِمَا رَأَيْتُ عِنْدَ أَبِي، وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَا رَأَيْتُمْ عِنْدَ أَبِيكُمْ». أَجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: «أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ». قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ! وَلكِنَّكُمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي". ثُمَّ قال: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ [مَنْ؟] إِبْلِيسُ".

ولا يمكنني أنْ أَصِفَ لكم كم كَرِهوه لأنه قال ذلك: أنَّ أبناء الملكوت سيُطرحون خارجًا. فَهُمْ سيتخلون عن ميراثِهم بسبب عدم إيمانِهم. فَهُمْ لم يُصدِّقوا الوعود التي أُعطيت إليهم. وقد فقدوا حقوق الملكوت الخاصة بهم. وعندما يُطالبون بكبرياء أن يدخلوا سيُطرحون خارجًا. إلى أين؟ نقرأ في العدد 12 أنهم سيُطرحون إلى الظُلمة الخارجيَّة ... إلى الظُلمة الخارجيَّة. وهذه فكرة يهوديَّة. ويسوع يتحدث إليهم وَفقًا لِفَهْمِهِم. فقد كان مُعلِمو اليهود يُعَلِّمون الآتي: "إنَّ الخُطاةَ في جهنَّم سيعيشونَ في ظلامٍ دامس". فهذا هو ما يقوله التَّلمود. وقد كان اليهود يؤمنون أنَّ الخُطاةَ سيذهبون إلى الظُلمة. وقد قال يسوع لهُم: "وهذا هو المكان الذي ستذهبون إليه أنتم، فهو المكان الذي سيذهب إليه الخُطاة بعيدًا عن نور حضرة الله".

وهناك مَن يَشعر بالتَّشويش لأنَّ الكتاب المقدَّس يقول إنَّ جهنَّم مكانٌ كُلُّه ظلام ونار. وهُمْ يتساءلون كيف يمكن أن تكون هناك نار مِنْ دون نور. ولكِنَّ هذه واحدة مِنَ السِّمات العجيبة لجهنَّم لأنها ستكون مكانًا يَجمع بين النَّار (نار العذاب) والظَّلام الدَّامس. فهي شيءٌ أعَدَّهُ اللهُ للعذاب الأبديّ. فالظُّلمة الخارجيَّة هي مكان – كما هي حال السَّماء. ويمكننا أنْ نَرى هَوْلَ ذلك المكان مِنْ خلال العبارة التي وردت في العدد 12 إذْ نقرأ: "هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". فهذا هو تأثير الظُّلمة: فقدان كل السَّعادة، وفقدان كُلّ الفرح، والشُّعور باليأس الشَّديد والعذاب الذي لا يوصف بسبب الظُّلمة الخارجيَّة، والبُكاء وصَرير الأسنان.

ثُمَّ نقرأ في إنجيل مَتَّى 13: 42: "وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". ونقرأ في الأصحاح 13 والعدد 50: "وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". ونقرأ في الأصحاح 22 والعدد 13: "حِينَئِذٍ قَالَ الْمَلِكُ لِلْخُدَّامِ: ’ارْبُطُوا رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ، وَخُذُوهُ وَاطْرَحُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان‘". ونقرأ في الأصحاح 24 والعدد 51: "فَيُقَطِّعُهُ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ الْمُرَائِينَ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". وكُلُّ آيةٍ مِنْ هذه الآيات هي اقتباسٌ لقولٍ مِنْ أقوال يسوع. فقد تحدَّث عن ذلك. وأنا أعلم أنَّ الناس يَظُنُّونَ أنَّ يسوع تحدَّث فقط عن المحبَّة والقلوب والأزهار، ولكنَّ هذا غير صحيح. وهناك أُناسٌ يقولون: "أَتَدري أنَّكَ صَارمٌ جدًّا". ولكنْ يجب أنْ تَعلموا أنِّي لم أَعِظ يومًا عظةً واحدة توازي في قُوَّتِها أيًّا مِنْ عِظات يسوع – البَتَّة. وأنا لم أقل يومًا أيَّ شيءٍ يوازي في صَرامَتِه ما قالهُ يسوع. وقد لاحظتُ مؤخَّرًا أنَّ "بيلي سميث" (Bailey Smith)، رئيس طَائفة المعمدانيِّين الجنوبِيِّين، قال إنَّ الله لا يسمع صلوات اليهود. وقد واجه متاعب كثيرة مع الصَّحافة بسبب ذلك. ولكنَّهُ مُحِقٌّ. فالله لا يسمع صلاةَ أيِّ إنسانٍ لم يُولد ثانيةً. فهذا هو ما يقوله الكتاب المقدَّس.

لقد أجريتُ مقابلةً في هذا الأسبوع مع "الأسوسييتد برس" (Associated Press). وقد طلبوا مقابلتي لأنهم يكتبون قصَّةً محليَّةً عن القتل الجماعيّ. وقد سألوني: "ما سبب كل حوادث القتل الجماعيّ هذه؟" وقد كانوا يريدون وجهة النَّظر اللاهوتيَّة. وقد قلتُ لهم: "الحقيقة هي أنَّ الناس يفعلون ذلك لأنهم أَثَمَة، وأشرار، وخُطاة بائِسون". ثم سألوني: "لماذا تقول ذلك؟" فأجبت: "لأنَّ الكتاب المقدَّس يقول ذلك. وإنْ تُرِكَ الإنسان ليفعل ما يشاء، فهذا هو ما سيفعله". وقد قلتُ: "إنَّ الكتاب المقدَّس يقول إنَّ الإنسان الخاطئ سيَزدادُ سوءًا. فقد كان الإنسانُ يقتلُ فردًا، ثم صار يقتل العشرات، والآن نراهم يقتلون المئات إنِ استطاعوا ذلك لأنَّ الإنسان الشرِّير يزداد سوءًا. وعندما يُزيلُ المجتمعُ كُلَّ الحواجز ويَسمحُ لفساد الإنسان أن يَنتشر، هذا هو ما سنحصل عليه". وبعد مقابلةٍ مُدَّتُها ساعة ورُبع (معَ أنَّهُ كان يُفترض ألَّا تزيد عن عشر دقائق)، أجرينا نقاشًا جيِّدًا في النهاية. وقد قالت لي الفتاة الَّتي كانت لطيفة جدًّا وطَرَحَت أسئلة رائعة: "أتدري أنَّ الناس قد يظُنُّون أنك غريب بسبب هذه الإجابات. ولكن لماذا أنت مُقتنع جدًّا بأنَّ هذه هي الأسباب؟" فقلت: "الجواب بسيطٌ جدًّا: لأنَّ الكتاب المقدَّس يقول ذلك. وهذا هو المهمُّ في نَظَري". فقالت: "هذا يُوَضِّح السَّبب". لذلك، يمكنكم أن تكونوا صارِمين عندما يختصُّ الأمر بكلمة الله. والكلام الَّذي قاله يسوع هوَ أنَّ الناس الَّذين يرفضون المسيَّا، حتَّى لو كانوا أبناء الملكوت، سيُطرحونَ في الظُّلمة الخارجيَّة. فكم بالحريِّ سيحدث للأمم الَّذين لم يدخلوا يومًا في عهدٍ مع الله، بل رفضوا المسيَّا؟

لذا فقد وَعَظَ يسوعُ عِظَةً لا تُنسى في وسط هذه المعجزة. ثم نقرأ في العدد 13: "ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ: ’اذْهَبْ، وَكَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ‘. فَبَرَأَ غُلاَمُهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ". فقد قال يسوع: "يمكنكم جميعًا أن ترجعوا إلى بيوتكم. فقد شُفِيَ الغُلام". وهل تتخيَّلون أنَّ ذلك الغُلام قد شُفِيَ فجأةً؟ فقد قفز مِنْ سريره الصَّغير ووقف على قدميه قائلاً: "لا أدري ما الذي فعلته يا سيِّدي، ولكنِّني شُفيت!" وإنْ كان هذا هو إيمان قائد المئة قبل تلك الحادثة، هل تتخيَّلون إيمانه بعدها؟

وقد تقولون: "فيما يختصُّ بتلك العبارة القصيرة ["كَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ"]، هل يمكننا أنْ نُطالبَ اللهَ بذلك؟" ليسَ بالضرورة. فقد قال يسوعُ ذلك لقائد المئة. وقد كان بولُس يُؤمن بأنَّ الله قادر أن يَشفيه، ولكنَّ الله لم يَفعل. أليس كذلك؟ فهذا أمرٌ يختصُّ بسيادة الله المُطلقة. فأحيانًا قد يَشفي اللهُ أُناسًا لا إيمان لهم. والحقيقة هي أنَّ الكتاب المقدَّس لا يقول إنَّ الغُلامَ كان يملك أيَّ مقدارٍ منَ الإيمان. بل إنَّ يسوعَ شفاه لأجل قائد المئة ولأجل كل شخص آخر في التَّاريخ قد يقرأ هذه القصَّة. وأعتقد أنَّ هناك قائد مئة آخر في السَّماء، ورُبَّما صَبيٌّ آخر. فهل تُلاحظون ما يقوله يسوع هنا؟ "أنا أدعو البُرْصَ وأدعو الأمم المنبوذين لأنَّ ملكوتي يَضُمُّ أولئك الذين يؤمنون ... الذين يؤمنون، وليس الذين ينتمون إلى جنسٍ مُعيَّن".

ولكيلا يَستثني اليهود تمامًا فإنه يُضيف شفاءً آخر في العَدَدَيْنِ اللَّاحِقَيْن. وسوف أتحدَّث عن ذلك باختصارٍ شديد. انظروا إلى ما كُتِب: ""وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ بُطْرُسَ ...". ونقرأ في الأناجيل الأخرى أنَّ ذلك حدث يوم السَّبت بعد أن خرجوا مِنَ المَجْمَع. وكما قلتُ سابقًا، الحقيقة هي أنَّ جميع هذه الأحداث ربما حدثت في اليوم نفسه. فقد ذهبوا إلى بيت بطرس. وكما تَعلمون، فقد كانوا يفعلون ما نفعله نحن. فقد كانوا يذهبون إلى المَجمع (كما نذهب إلى الكنيسة) ثم يعودون إلى البيت ويتناولون الطعام. ولكنَّهم وجدوا مشكلةً بانتظارهم. فالبشيرُ مَرْقُس يُخبرنا أنَّ أندراوُس كان هناك، وأنَّ يعقوب كان هناك، وأنَّ يوحنَّا كان هناك. لذلك، فقد كان هناك بُطرس، وزوجة بُطرس، ويعقوب، ويوحنَّا، وأندراوس، ويسوع. فقد كان هناك ستَّة أشخاص. وقد وجدوا مشكلةً حقيقيَّةً بانتظارهم. فكيف سيأكلون إنْ كانت حَماةُ بُطرس مريضة؟ أليس كذلك؟ فهذا هو ما تفعله الحَمَوات. أليس كذلك؟ فكيف سيأكلون وجبةً شَهيَّةً؟ فهذا يُفْسِد كل شيء. لذا فقد جاء الآخرون إلى يسوع (بحسب رواية مَرْقُس) وقالوا له: "تعال معنا إلى البيت واشفِها حتَّى تُعِدَّ لنا طعامًا نأكله". فكما تَعلمون، الأَهَمُّ فالمُهِمّ! لِمَ لا؟ فلا خطأ في الخدمة. لِنُعْطِها فُرصة للخدمة. "وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ بُطْرُسَ، رَأَى حَمَاتَهُ مَطْرُوحَةً وَمَحْمُومَةً". فقد كان بطرس متزوِّجًا. ونحن نَعلم ذلك بسبب ما جاء في الأصحاح التاسع مِنْ رسالة كورِنثوس الأولى إذْ يقول بولس إنه لا خطأَ في أنْ يأخذَ بُطرسُ زوجته معه عندما يَجولُ خادِمًا. وهذا يعني أنَّ زوجة بطرس كانت تسافر معه في بعض رحلاته. لذا فإنَّنا نقرأ هنا عن حَماتِه.

وقد كان اليهودُ ينهضونَ [ولا سِيَّما الفَرِّيسيِّون]، كانوا ينهضون ويُصَلُّونَ الصَّلاة نفسَها كُلَّ صباح قائلين: "أحمدُكَ لأنِّي لستُ عبدًا أو أُمميًّا أو امرأةً". فقد كانوا يُؤمنون أنَّ الأبرص والأمميَّ والمرأة يَنتمون إلى الفئة نفسها. وقد كانوا ينظرون إلى المرأة نظرة مُتدنِّية. لذلك، كان شفاء يسوع لامرأة هو تُهمة أخرى في نظرهم. ورُبَّما كان الأسوأ مِن ذلك في نظرهم هو أنه شَفى واحدةً مِنَ الحَمَوات. لذلك عندما قام بهذا الأمر، كأنَّهُ وَجَّهَ صَفعةً إلى جميع تقاليدهم. فنحن نقرأ في العدد 15: "فَلَمَسَ [يَسوعُ] يَدَهَا فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى، فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ". وقد سَمعتُ أنَّ هناك جزءًا في منتصف الدِّماغ يتحكَّم بدرجة حرارة الجسم ويُبقيها 37 درجة مئويَّة. وقد لا يعمل هذا العضو كما يجب ربما بسبب التهابٍ في أعضاء أخرى في الجسم. وفي حالة حَماة بُطرس، ربما كانت قد أُصيبت بالملاريا الَّتي كانت شائعة جدًّا في ذلك الجزء مِنَ العالم. وعندما يبتدئ جسمك في محاربة هذا المرض، قد ترتفع حرارة جسمك. ولكنْ أيًّا كان ذلك المرض، قد ترتفع درجة حرارة الجسم إلى 42 درجة مئويَّة. ومع أنَّنا لا ندري سبب عِلَّتِها، فإنَّ الروايات الأخرى تشير إلى أنها كانت مريضة جدًّا ويمكن أن تموت بسبب ذلك. فَلَمَسَ يسوعُ يَدَهَا فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى حالًا، فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ. فقد خَدَمَتهم. وهل تعلمون أنهُ كان ينبغي لها أن تفعل ذلك تعبيرًا عن شُكرها لشفائها؟ وأنا على يقين أنها أَعَدَّت لهم خُبزًا وسمكًا شهيًّا لم يأكلوا مثله مِنْ قبل. ورُبَّما طَهَتْ لهم سمك القدِّيس بُطرس الطَّازج الَّذي تَمَّ اصطياده للتوّ مِنَ البحر. وعلى أيِّ حال، فقد صرفوا وقتًا رائعًا.

وهناك شيءٌ رائعٌ بخصوص هذه القصَّة. فأعتقد أنَّ سبب سَرْد معجزة شفاء حماة بطرس هنا هو أنها كانت يهوديَّة. فربما كان من الصعب على اليهود أن يقبلوا أبرصَ، ثُمَّ أن يقبلوا أُمميًّا، ثُمَّ أن يسمعوا كلمات يسوع بأنهم سيُطردون مِنَ الملكوت. لذلك فقد قام يسوعُ حالًا بشفاء هذه المرأة اليهوديَّة. وكأنَّهُ أرادَ أن يقول لهم: "أجل، لقد التفتُّ إلى الأمم. وأجل، فإنَّ الملكوت سيَضُمُّ أُمَمًا، ولكنِّي لا أُديرُ ظهري لشعبي إسرائيل. فسوف يكون هناكَ شفاءٌ لهم أيضًا". أليس كذلك؟ ألا تجدون ذلك في رسالة رُومية إذْ يقول: بَلى، فالأصل والأغصان كانوا مِنَ اليهود. والأُمَم طُعِّمُوا في الزَّيتونة الأصليَّة. ولكِنْ سيأتي يومٌ ستُطَعَّمُ فيها إسرائيلُ ثانيةً في جذع البَرَكة. فسوف يأتي يومٌ لشفاء بني إسرائيل أيضًا.

وأنا أرى ذلك بوضوح مِنْ خلال بساطة هذه المعجزة. فقد شُفيت حالاً. وبذلك فقد ظهرت قُوَّة يسوع المسيح. فإن كنتَ تُنكر أنه الله في وجه هذه الأشياء، فإنَّ السَّبب لا يرجع إلى عدم وجود دليل، بل يرجع إلى عدم وجود إيمان في قلبك. والسَّبب في عدم وجود إيمان هو أنَّ قلبك عَبْدٌ للخطيَّة. لِنَحْنِ رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

نشكرك، يا أبانا، مرَّة أخرى في هذا اليوم لأنَّنا مَشينا معَ يسوع، إنْ جازَ القول، وصَرفنا اليوم معه. فقد شَعَرنا أنَّنا هناك. وقد شعرنا تقريبًا بالغُبار على أرْجُلِنا، وبهُبوب الرِّياح على وُجوهنا، وبدفء الشَّمس فيما كان هو يمشي على طُرُق كَفْرناحوم. وقد شَعرنا تقريبًا بتسارع دقَّات قلب قائد المئة، وسمعنا تقريبًا أسئلة الغُلام. وقد رأينا الفَرِّيسيين وقادة اليهود يقفون في ذلك الرُّكن ويحاولون تفسير ما لا تفسير له، ويحاولون الخروج بإجابة بخصوص ما سيفعلونه بذاك الَّذي قَلَبَ كل موازينهم. وقد شعرنا بذلك الفرح الَّذي ملأ بيت بُطرس الصَّغير في كَفْرناحوم حين شُفِيَت حَماتُهُ. وقد سمعنا أسئلة التلاميذ الَّذين سألوه كيف فعل ذلك وتَعجَّبوا مِنْ حضور الله في وسطهم.

ولَيْتَنا، يا أبانا، نَعبدُ ابنَ اللهِ بالحقّ. وأُصلِّي ألَّا يكون هناك شخص واحد غير مؤمن في هذا المكان يغادر وينصرف دون أن يعرف يسوع المسيح. نحن نَعلم أنَّ الإيمان هو عطيَّة تُعطيها أنت. ونحن نُصلِّي، يا رَبّ، أن تُعطي الإيمان في هذا اليوم لكيلا يُطْرَد أيُّ شخصٍ إلى الظُّلمة الخارجيَّة ولكيلا يَختبر إلى الأبد البُكاء وصَرير الأسنان.

أمَّا فيما يَخُصُّنا نحن المسيحيُّون، ليتَنا يا رَبُّ نؤمن بمقدار إيمان هذا الأُمَمِيّ بقُدرتك. وليتنا نكونُ أمناء مثل حَماة بُطرس بأنْ نَنهض بعد شفائنا ونَخدم لأنَّ حياتنا قد لُمِسَتْ أيضًا ولأنَّنا شُفينا من الخطيَّة – وَهُوَ أعظم شفاء بالمُطلَق. وليتنا نكون أمناء في الخدمة مِثلها. وليتَ قُلوبَنا تكون مُمْتَنَّة دائمًا وبلا حدود. وليتنا نكون شاكرين كل حين وأن نحيا حياةَ خدمة لذاك الَّذي لَمَسَنا وجَعَلنا كامِلين. ونحن نسألكَ أيضًا أن تَجتذب إليك اليوم كل قلوبنا لكي يأتي الأشخاص الَّذين تشاء أن يأتوا إلى غرفة الصَّلاة والمشورة ويُعالجوا أيَّ مسائل عالقة معك. نُصَلِّي هذا لأجل مجدك. باسم المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize