Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نأتي في هذا الصَّباح إلى الأصحاح التاسع من إنجيل مَتَّى فنقرأ ثمانية أعداد رائعة يبتدئ بها هذا الأصحاح. مَتَّى 9: 1-8. وسوف تلاحظون وجود عبارة في نهاية العدد الثَّاني أودُّ أن ألفت انتباهكم إليها كنُقطة بداية. فالربُّ يتحدَّث ويقول: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاك". والفكرة الرئيسيَّة مِنْ سَرْد هذه القصَّة تحديدًا هي إظهار سُلطان يسوع على الخطيَّة. وأودُّ أن نبتدئ بالنَّظر إلى ذلك مِنْ خلال طَرْح سؤال رئيسيّ وَهُوَ: "ما هو الشَّيء الأكثر تَمَيُّزًا الَّذي تُنادي به المسيحيَّة؟" وقد قَدَّمتُ لكم الإجابة للتوّ. فمن الواضح والمؤكَّد أنَّ الشَّيء الأكثر تَمَيُّزًا الَّذي تُنادي به المسيحيَّة هو حقيقة أنَّ الخطيَّة يمكن أن تُغْفَر. فهذا هو قلبُ وشَرْيانُ الرسالة المسيحيَّة. فمعَ أنَّ الإيمانَ المسيحيَّ يحوي قِيَمًا كثيرة، وفضائلَ كثيرة، وله تطبيقات لا تُعَدُّ ولا تُحصى، فإنَّ الرسالة الجوهريَّة الَّتي قَدَّمها اللهُ للإنسان هي أنَّ الإنسان الخاطئ يستطيع أن يَختبر مِلْء الغُفران عن خطاياه. فهذا هو قلب الرِّسالة المسيحيَّة. وهذه هي تمامًا رسالة هذه المعجزة المذكورة في الأصحاح التاسع والأعداد 1-8.

إنَّ مَتَّى يُرَكِّزُ على معجزات الربّ المختلفة في الأصحاح الثامن والأصحاح التاسع. وهذه المعجزات تَرْمي إلى أنْ تُظهر لنا، في المقام الأوَّل، لاهوت يسوعَ المسيح. وفضلاً عن ذلك (ولا أَعني هُنا "فضلاً عنِ اللَّاهوت"، بل فضلاً عن ذلك القَصْد) فإنَّها تُظْهِر لنا لا اللَّاهوت فقط، بل شخصَه بوصفه مَسِيَّا إسرائيل. بعبارة أخرى، فإنَّ القصدَ منها لا يَقتصر على أنَّ مَتَّى يَستعرِض لنا معجزات كثيرة لكي يُبرهن على أنَّ يسوع هُوَ الله، بل إنه يُقَدِّم لنا معجزات مُعيَّنة ترتبط بنبوءات مُحدَّدة جدًّا عنِ المملكة المسيحانيَّة لكي يَعلم إسرائيل أنَّهُ ذاكَ الَّذي سيُتَمِّم دور المسيَّا ويُقَدِّم للعالم ملكوت الله. لذلك فإنَّنا نجد هنا صِفَةً يَهوديَّةً جدًّا، أوْ صِفَةً خاصَّةً جدًّا بالعهد القديم في هذه المعجزات الَّتي يَختارُها مَتَّى بوحيٍ مِنَ الروح القُدُس.

وهناك ترتيبٌ ذُرْوِيٌّ مُعيَّن مِنْ جانب مَتَّى أيضًا. فقد رأينا خمسَ مُعجزات مِنْ أصلِ تِسْعِ معجزاتٍ وردت في هَذَيْن الأصحاحَيْن. ونحنُ نَرى نوعًا مِنَ التقدُّم نحو الذُّروة (أكثر مِمَّا رأينا مِنْ قَبل) بوصولنا إلى الأصحاح التاسع. فمثلاً، عندما نرجع إلى الوراء، نَرى أنَّ الأمر ابتدأ عندما شَفى يسوعُ أبرصًا بلمسةٍ مِنْ يَدِه. ثُمَّ إنه شَفى غُلام قائد المئة مِنْ دونِ أي لَمْسَة. ثُمَّ إنه شَفى حَماةَ بُطرس مِنَ الحُمَّى. ثُمَّ إنهُ صَنَعَ مُعجزات لا تَختصُّ بالجسد عندما ابتدأ يُظهِر سُلطانه على الطَّبيعة مِنْ خلال تهدئة الرِّياح والأمواج. ثُمَّ إنه أَظهرَ سُلطانَه لا على الطَّبيعة فقط، بل على القوى الخارقة للطبيعة (أيِ الشَّياطين) بأنْ طَرَدَ الأرواح الشرِّيرة. والآنْ، فإنه يَفعل ما هو أكثر مِنْ ذلك مِنْ خلال تَصْعيد دراما المعجزات بأنْ يُظهِر سُلطانه على سبب تعاسة الإنسان – أي: الخطيَّة. فهو يَتَصَدَّى لشعور الإنسان بالذَّنب، ونجاسة الإنسان، والشرَّ الَّذي يَفصِل الإنسان عن خالِقِه.

لذا فإنَّ الطبيبَ الأعظم يَقدرُ لا فقط أن يَشفي المرضى، ولا فقط أن يُهَدِّئ العاصفة، ولا فقط أن يُخْرِج الشَّياطين، بل إنه قادر أيضًا أن يَرُدَّ إلى نفس الإنسان الشيءَ الَّذي تحتاج إليه أكثر مِنْ غيرِه وهُوَ: غُفران الخطيَّة. وهذا دليلٌ آخر على سُلطان يسوع المسيح. ويبدو أننا نَرى في إنجيل مَتَّى تركيزًا كبيرًا على سُلطان المسيح. فنحن نَجِد، مَثَلاً، أنَّ قصَّة حياة يسوع تَنتهي تقريبًا في إنجيل مَتَّى بعباراتٍ عن سُلطانه. وفي الأصحاح السابع والعدد 28، بعد العِظَة، نقرأ أنه كان يتكلَّم كَمَنْ لَهُ سُلْطَان. ويمكننا أنْ نُسَمِّي ذلك سُلطانًا أخلاقيًّا، أو سُلطانًا لاهوتيًّا، أو سُلطانًا عَقائديًّا. وفي نهاية الإنجيل، أي في الأصحاح 28 والعدد 18، نقرأ: "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْض". ويمكننا أنْ نُسَمِّي ذلك سُلطانًا إداريًّا، أو سُلطانًا سِيادِيًّا، أو سُلطانًا حَاكِمًا.

ثم إننا نقرأ في هذه الآيات عن سُلطانٍ آخر كان يمتلكه. وسوفَ أُسَمِّي ذلك سُلطانَهُ الفِدائِيّ ... سُلطانَهُ الفِدائيّ. فهو يملك سُلطانًا أن يَغفر الخطيَّة. وهذه جميعها طُرُق يستخدمها مَتَّى للإشارة إلى سُلطان يسوع المسيح: ففي العظة على الجبل، بَيَّنَ لنا سُلطانه على الدِّين. وفي الأصحاح الثامن والأعداد 1-17 بَيَّنَ سُلطانه على المرض. وفي الأصحاح الثامن والأعداد 23-27 بَيَّنَ سلطانه على الطبيعة. وفي الأصحاح الثامن والأعداد 28-34، بَيَّنَ سلطانه على الشياطين. وَهُوَ يُبَيِّن الآن سُلطانه على الخطيَّة. وهذا يعني أنَّ هناكَ حقيقةً تَتَّضِح تدريجيًّا فيما يختصُّ بقدرة يسوع. وكما سنرى، فإنَّ هذا يَتَّضح أكثر في الأصحاح التاسع عندما نرى سُلطانه على الموت نفسه.

وأرجو أنْ تتذكَّروا ما قُلته سابقًا عن أنَّ مَتَّى كان مُهتمًّا بأن يُبيِّن بوضوح أنَّهُ يَليقٌ بيسوع أن يكون المسيَّا، وأنه يَليقُ به أن يكون ذاكَ الَّذي يُؤسِّس الملكوت. وهذا هو تمامًا ما يُركِّز عليه في المجموعة الثُّلاثيَّة الثانية مِنَ المعجزات. والمعجزة الأولى في هذه المجموعة الثانية هي أنهُ أَظهرَ قُدرته على تهدئة العاصفة. وهذا أمرٌ جوهريٌّ لأنَّ نبوءات العهد القديم تقول إنه عندما يأتي المسيَّا فإنه سيؤسِّس مملكةً وأنه سيَرفع اللَّعنة عن العالم الماديّ. فمثلاً، نقرأ في سِفْر إشعياء والأصحاح الثلاثين أنَّه ستكون هناك وفرة في المطر، وأنَّ المحاصيل ستكثُر بطرق لم نشهدها منذ السقوط.

ونقرأ في إشعياء 35 عن أنَّ القَفْرَ سيُزهر كالنَّرجِس. ونقرأ الشيء نفسه في إشعياء 41، وإشعياء 51، وإشعياء 55، ويوئيل 3، وحِزْقِيال 36. فهي جميعُها تتحدَّث عن الجانب الماديِّ منَ الملكوت. والحَيَواناتُ الَّتي توجد بينها عداوة طبيعيَّة لن تبقى كذلك. والأرضُ ستزدهر. والحياةُ ستطول بالمعنى الماديِّ. فإنْ ماتَ شخصٌ عُمره مئة سنة، فإنه سيكونُ كالطِّفل. فسوف يكون هناك تغييرٌ ماديٌّ هائل. لذلك، يجب أنَّ يملك المسيَّا سُلطانًا على العالم الماديّ. لذا، فإنَّ معجزة تسكين الأمواج والرِّيح تُظهر الصِّفة المسيحانيَّة لملكوته. كذلك فإنَّ العهد القديم يتحدث أيضًا عن وقتٍ سيقوم فيه الشيطان بِحَشْدِ كُلِّ أعوانه ضِدَّ شعب الله، ولكنَّه سيُهْزَم. فنحن نقرأ في الأصحاح الثالث مِن سِفْر زكريَّا، وفي دانيال 7، ودانيال 8، ودانيال 11 كيف أنَّ الشيطان يريد أن يَقهرَ شعبَ الله، وكيفَ أنَّ القوى الشيطانيَّة ستأتي في النهاية وأنَّ ضِدَّ المسيح نفسَهُ سيأتي ضِدَّ شعب الله. ولكي يؤسِّس المسيَّا مملكته، يجب أن يكون قادرًا على الانتصار على عالم الشياطين الخارق للطبيعة. وهذا هو تمامًا ما يقوله مَتَّى في معجزة إخراج الشَّياطين.

ثم إنَّنا نقرأ في العهد القديم أيضًا أنَّ الملكوت سيتميَّز بالغُفران. ونحن نقرأ عن ذلك في سِفْر حِزْقيال 36، وفي إشعياء 33، وإشعياء 40، وإشعياء 44، وإشعياء 60. فهذه الآيات جميعُها تتحدَّث عن الغُفران في الملكوت. ونجد هنا (في الأصحاح التاسع والأعداد مِنْ 1 إلى 8) أنَّ الربَّ يسوعَ المسيح (أيِ المسيَّا ... الله الظاهر في الجسد) قادرٌ أن يغفر الخطيَّة. وهذا لا يعني فقط أنَّ المسيحَ هو الله، بل يعني أيضًا أنَّه سيؤسِّس مملكة الله على الأرض وإلى الأبد.

لذا فإنَّ هذه ليست معجزات عشوائيَّة، بل هي مُعجزات مُتدرِّجة. وهي ترمي إلى هدفٍ مُحَدَّد لأنها تشيرُ إلى شيءٍ خاصٍّ جدًّا بخصوص قدرته على تحقيق وعود العهد القديم. وهذا أمرٌ يَجعل رَفْضَ الفَرِّيسيِّين له وعدم إيمانهم به أمرًا أكثر غرابةً واستهجانًا لأنَّ التحقيق كانَ دقيقًا جدًّا.

في ضَوْء ذلك، لننظر إلى المُعجزة الثالثة في المجموعة الثانية. وهي تبتدئ بالعدد الأول: "فَدَخَلَ السَّفِينَةَ وَاجْتَازَ وَجَاءَ إِلَى مَدِينَتِه". فقد كان يسوع قد شَفى الرجل المسْكون بالشياطين على الشاطئ الشرقيّ لبحر الجليل (أو بُحيرة الجليل). ولا ندري الوقت المُنصرم بين نهاية الأصحاح الثامن وبداية الأصحاح التاسع. فَمَتَّى لا يَهتم كثيرًا بالتسلسل الزمنيّ، بل يُركِّز على معجزات محددة تُوافِق قَصْدَهُ الرئيسيَّ كما أَوْحى لهُ الروح القدس. لذلك فإننا لا نعرف الفترة الزمنيَّة بين الأصحاحين. ولكن بعد أن حَقَّقَ ما أراد أن يُحَقِّقَهُ، رَجَعَ في قاربٍ إلى الشاطئ الغربيّ مِن البُحيرة وجاء إلى مدينته.

ولعلَّكُم تعتقدون، بادئ الأمر، أنَّ النَّاصرة هي مدينته. وقد كانت كذلك في وقتٍ مِن الأوقات. ولكِنْ إذا رَجَعْنا إلى الأصحاح الرابع والعدد 13 فإنَّنا نقرأ: "وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُومَ الَّتِــي عِنْدَ الْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِــيِّ". فقد غادر يسوع الناصرة. وإذا قرأتم أيضًا ما جاء في إنجيل لوقا 4: 30-31، مِن المؤكد أنكم سَتَرَوْنَ أنه غادر الناصرة لأنهم طردوه منها. فقد كان نبيًّا بِلا كرامةٍ في وطنه. لذلك فقد اختار مكانًا جديدًا له على بُعْد بِضعة أميال في قرية صغيرة في كَفْرَنَاحُوم بالقرب مِن الشاطئ الشماليّ لِبحر الجليل. ومِن المُرجَّح جدًّا أنه أقام في بيت بطرس. فيبدو أنَّ ذلك البيت هو نفس البيت المذكور في العدد 14 مِن الأصحاح الثامن، أيْ أنه بيت بطرس حيثُ شَفى يسوعُ حَماة بطرس. فمِنَ المُرجَّح أنَّ ذلك البيت صار مَسْكَنًا له. لذلك فقد كان لديه مَسْكَنٌ مؤقتٌ في كفرناحوم في بيت بطرس. والآنْ، ربَّما تذكرون أنه قبل أن يَعْبُر بُحيرة الجليل فإنَّ المُعجزات التي كان يصنعها في كفرناحوم وفي المنطقة المُجاورة قد جعلت أُناسًا كثيرين يحتشدون مِن حوله. فقد كانوا يتبعونه في كل مكان. فقد كان يشفي جميع أنواع الأمراض، ويطرد الشياطين، ويعمل كل تلك الأعمال العجيبة. لذا فقد كان الناس يَزدادون ويَتكاثَرون ويَحتشدون. وعندما رَجَعَ إلى هناك، مِنَ البَديهيِّ أنْ نتوقع أنَّ حشدًا كبيرًا سيأتي إلى المكان الذي يُقيم فيه. وعندما جاء إلى بيت بطرس، كان هذا هو ما حدث تمامًا.

والآن، لنَمْلأ بعض الفراغات لأنَّ مَرْقُس يَذكُر لنا في الأصحاح الثاني القصة نفسَها ويُقدِّم لنا تفاصيل أُخرى. ومِنَ المُدهش كيف أنَّ كلَّ كاتبٍ مِن كُتَّاب الأناجيل الثلاثة في العهد الجديد، (أي: مَتَّى ومَرْقُس ولوقا) يكتبُ عن القصة نفسها، ويَختارُ تفاصيلَ في تلك القصة تُعَزِّز القصد الذي كَتَبَ لأجله. لذلك عندما نَضَعُ ما جاء في الأصحاح الثاني مِنْ إنجيل مَرْقُس وما جاء في إنجيل لوقا 5: 17-26 مَعَ ما ورد هنا، فإننا نرى الصورة الكاملة. فقد دَخَل يسوعُ البيت، والمُرجَّح أنه بيت بطرس. ومِنَ المُرجَّح أيضًا أنهم كانوا يجلسون في الطبقة العلويَّة. فقد كان مِن الشائع في تلك الأيام أن يبني الناس منازل مؤلَّفة مِنْ طَبَقَتَيْن. وفي الطَّبقة الثانية، كانت هناك غُرفة كبيرة تُستخدَم لاستقبال الضُّيوف. ولِعلكُم تذكرون في الحقيقة أنَّ الربَّ في الليلة التي تَناوَلَ فيها العشاءَ مع تلاميذه أنه ذهب إلى عِلِّيَّةٍ. فقد كان ذلك أمرًا شائعًا في أغلبيَّة البيوت. فقد كان المطبخ والغُرف الأخرى في الطبقة السفليَّة. وكانت غرفة الضيوف الكبيرة في الطبقة العلويَّة. وكانَ السَّقْفُ يَعلو تلك الطَّبَقة. وكانوا يَصرِفون وقتًا طويلاً فوق أسطح منازلهم أيضًا. فنظرًا للمُناخ في ذلك الجزء مِن العالم، كان سطح المنزل مكانًا مُنْعِشًا. وكان لكل بيت دَرَجٌ خارجيٌّ يَصعد مِنْ جانبِ المنزل إلى السقف.

وفي هذه الحادثة، كان الربُّ موجودًا في بيتٍ شَبيهٍ بذلك. فقد كان الناس يحتشدون في ذلك المنزل. فقد تجمعوا بأعدادٍ كبيرة فصار الأمر يُشبهُ بعضَ دروس الكتاب المُقدَّس التي تذهبون إليها يوم الجمعة. فقد كان المكان مُزدحمًا جدًّا إذْ إنَّ الناس كانوا يَملأون البيت. وربما كان البعض منهم يَقِف في مداخل الأبواب، والبعض يقِف خارجًا ويستمع. وكان الربُّ موجودًا هناك. وفجأةً، حدث شيءٌ عجيبٌ! وهذا هو ما نَراه ابتداءً مِن العدد الثاني.

والآن، سوف أُقَدِّم لكم سِتَّ كلمات رئيسيَّة تُساعدُكم في فَهْمِ هذا النصّ ... سِتَّ كلماتٍ رئيسيَّة. الكلمة الأولى هي: "الإيمان". وهذا يُساعدنا في فَهْمِ جزءٍ صغير مِنْ معنى هذا النص. فالكلمة الأولى هي "الإيمان" إذْ نقرأ في العدد الثاني: "وَإِذَا مَفْلُوجٌ" [ونقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ هذا التَّعبير يُعَبِّر عن الدَّهشة في اللُّغة اليونانيَّة. فهو يعني: "انتبهوا إلى ما حَدَث. فهو غيرُ عاديٍّ، بل هو فريدٌ، ومُدهشٌ، ورائع]: "وَإِذَا مَفْلُوجٌ يُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهِ مَطْرُوحًا عَلَى فِرَاشٍ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: ثِقْ يَا بُنَيَّ". ويمكنكم أن تتوقَّفوا هنا.

وهذا يوَّضِح لنا جزءًا مِنْ قصد مَتَّى لأنَّ قَصْدَ مَتَّى يَتَّضِح لاحقًا. ولكن عندما نملأ الفراغات مِن خلال ما قاله مَرقُس ولوقا فإنَّ هذا المعنى يتضح بصورة رائعة. فقبل كلِّ شيء، لاحظوا ما كُتِبَ هنا: "وَإِذَا مَفْلُوجٌ يُقَدِّمُونَهُ إِلَيْه". ومَنْ يكون هؤلاء؟ فنحن لا نقرأ عنهم مِنْ قبل في إنجيل مَتَّى، ولكنهم ذُكِروا في إنجيل مَرقُس وإنجيل لوقا. فنحن نقرأ هناك أنَّ هؤلاء هم أربعة أصدقاء أو أربعة أقرباء. فقد كانوا أربعةَ أصدقاء أعِزَّاء (أو أقرباء أعِزَّاء) كانوا يَعْتَنون بذلك الرجل. فقد سمعوا جميعًا أنَّ يسوع في البلدة، وكان شوقُ قلوبِهِم هو أن يأتي صديقهم إلى يسوع. وأنا مُتَيَقِّنٌ أنَّ السبب في ذلك هو أنه عَبَّرَ عن شوق قلبه في القيام بذلك. وربما طَلَبَ منهم ذلك. فكما نرى مِن خلال الأحداث اللاحقة مِنَ القصة، يبدو أنَّ هذه هي أفضل طريقة لفهم ما جرى. فقد أحضروا صديقهم. ولكن لماذا أحضروه؟ لأنه كان شخصًا مفلوجًا. فقد كان مُصابًا بما يُسمى باللغة اليونانيَّة "بارالوتيكوس" (paralutikos). ونحن نَرى مُجَدَّدًا الكلمة نفسَها التي رأيناها في أصحاحاتٍ سابقة. فقد كان مفلوجًا، أي أنه كان مشلولاً.

وأعتقد أنَّ التعريف البسيط لحالته هو فُقدان القدرة على الحركة، أي عدم قدرته على تحريك جسده. وهذا يعني أحيانًا فُقدان القُدرة على الإحساس، وعدم القُدرة على التحرُّك أو الإحساس بدرجة أو بأُخرى. وقد يحدث هذا النوع مِنَ الشَّلَل لأسباب عديدة. فقد يحدث بسبب حادثٍ، أو إصابةٍ في العُنُق، أو إصابةٍ في الظهر. وقد يحدُث بسبب عِلَّة خَلْقيَّة، أو بسبب اعتلالٍ في العضلات، أو بسبب شلل الأطفال. فهناك أسباب عديدة وكثيرة يُمكن أن تُسَبِّب الشَّلَل. ومِنَ الواضح في حالة هذا الرجل أنه كان مُصابًا بحالة متقدمة مِن الشلل. فربما كان مُصابًا بشللٍ في الأطراف الأربعة. وعلى أقلّ تقدير فإننا نعلم أنه كان مَطْروحًا على فِراش. فقد كان مُمَدَّدًا على ظهره. ومِنَ الواضح أنه لم يكُن قادرًا على الحركة بنفسه بأيِّ حالٍ مِن الأحوال، وأنه كان عاجزًا عن مساعدة الأشخاص الذين يَحملونه لأنَّ حَمْلَهُ كانَ يَتطلَّب أربعة رجال. فهذا مُحتملٌ جدًّا. فالكتاب المُقدَّس يقول إنه كان مَطروحًا على فراش أو على سرير، أيْ على شيءٍ يُشبه اللِّحَافَ السميك المُبَطَّن جَيِّدًا، أو على فَرْشَةٍ رقيقةٍ جدًّا يَسْهُلُ لَفُّها وحَمْلُها. فقد كانوا يَفرشونها على الأرض وينامون عليها. وقد أحضروا بعض الأخشاب، وصنعوا إطارًا خَشَبِيًّا، ورَبطوه بِحبالٍ ووضعوا عليه تلك الفرشة الرَّقيقة. ولكنَّ الرَّجُلَ كان مشلولاً ومَطروحًا على فِراش.

وكان هناك مرضٌ آخر في ذلك الوقت منتشرٌ في العالم ويُؤدِّي إلى الشَّلَل وهو مرض الزُهْريّ. ولكننا لا نعلم سبب مرض ذلك الرجل. فقد كانت هناك العديد من الأسباب المُحتملة. ولكنه كان مطروحًا على فراشٍ وغير قادرٍ على الاعتناء بنفسه. وأعتقد أنه طَلَبَ مِن هؤلاء الأشخاص أن يعتنوا به. وفي تلك الأزمنة كان مِن الصعب جدًّا أن يكون المرء مشلولاً. فهو أمرٌ صعبٌ جدًّا الآن. ولكن في تلك الأزمنة كانت الصعوبة مُضاعفة بسبب عدم وجود أجهزة أو أدوات مُساعِدَة، وبسبب عدم وجود المعرفة الطبيَّة الكافية. لذلك فقد كان الشخص المشلول يُعاني كثيرًا ويحتاج إلى العناية في أدقِّ تفاصيل حياته. وأعتقد أنَّ الوَصْمَة الاجتماعيَّة آنذاك كانت أكثر بكثير مما هي عليه الآن. ولكني أَوَدُّ أن أُضيف إلى ذلك شيئًا مِنَ المؤكد أنه كان يَعْتَمِلُ في أعماق قلب ذلك الرجل وهو الشعور بأنه كان مريضًا لأنه كان خاطئًا. فقد كان ذلك هو المفهوم السائد في ذلك الوقت، أيّ أنَّ مَرَضَهُ وعِلَّتَهُ كانت بسبب خطيئةٍ اقترَفَها. وربما تذكرون أنه كان هناك رجلٌ أعمى وأنَّ التلاميذ سألوا يسوع: "يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟".

وقد كان التلاميذ مُحِقِّين في شعورهم بأنَّ جميع الأمراض مُرتبطة بالخطيَّة لأنه لو لم تكن هناك خطيَّة لما كان هناك مَرَض. ولكنهم كانوا مُخطئين لأنهم كانوا يُعَبِّرون عن فكرة سائدة آنذاك وهي أنك تَمْرض لأنك تُخطئ. وإن كنتم تظنون أنَّ ذلك لم يكُن التفكير السائد آنذاك فإنكم مُخطئون. فقد بقيَّ هذا التفكير سائدًا فترةً طويلة. فإذا رجعتم إلى سِفر أيُّوب (الذي ربما كان أوَّلَ سِفرٍ كُتِبَ في الكتاب المقدَّس)، فإنَّ هذا هو تمامًا ما قاله أصدقاء أيوب له: "لقد وقعتَ في المتاعب بسبب خطاياك. فهناك علاقة مُباشرة بينَ الاثنَيْن". لذلك، لم يكن ذلك الرَّجُل المشلول يُعاني بسبب مرضه فقط، بل كان يُعاني أيضًا بسبب وصمة العار المُرافقة للمرض. صَحيحٌ أنَّه كان يُعاني بسبب عجزه وإعاقته، ولكنه كان يُعاني أيضًا بسبب الحقيقة المُرَّة بأنه خاطي وبأنَّ رَجُلاً في مثل حالته هو دليلٌ حيٌّ على خطيئته الشخصيَّة في أعْيُن الآخرين جميعًا. لذلك لم يكُن أمرًا مُستغربًا أن يَطلب هؤلاء مِنَ الآخرين أن يُتْرَكوهم وشأنهم، وأن يبتعدوا عن الجموع. ولكنَّ هذا الرجل أراد أن يأتي إلى يسوع. وأنا مُتيقِّنٌ تمامًا أنَّ رغبته في المجيء إلى يسوع هي بسبب خطيئته وليس مرضه. وأعتقد أنَّ هذا هو السبب الذي جعل يسوع يقول له: "ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ" - لأنَّ الشيء الذي كان يُمزِّقهُ ويجعله يائِسًا لم يكن مرضه الجسديّ بل حقيقة أنه كان إنسانًا خاطئًا.

ولكنَّ المرض ليس مُرتبطًا دائمًا بالخطيَّة. بعبارة أخرى، قد تكون مريضًا لأن لدى الله مقاصد أخرى، وليس بالضرورة لأنك أخطأت. فالمرض ليس كله تأديبًا، ولكنَّ كل الأمراض هي أمثلة حيَّة على القُدرة المُدمِرة التي تعمل في العالم بسبب الخطيَّة. أليس كذلك؟ لذلك، سواء كان ذلك الرجل يشعر بوجود ارتباط مُباشر بين مرضهِ وخطيئةٍ اقترفها (وهذا أمرٌ مُحتملٌ كما جاء في الأصحاح الخامس مِن رسالة يعقوب)، أو كان يَعلم أنَّ هناك خطيَّة في حياته وأراد أن يُعالجها (وهذا أمرٌ كان واضحًا تمامًا بالنسبة إليه بسبب حالته السيئة) - في كلتا الحالتين، أعتقد أنَّ هذا الرجل جاء إلى يسوع بسبب مُشكلة روحيَّة وليس بسبب مُشكلة جسديَّة. لذلك فقد أحضره أصدقاؤه. ولكن ما الذي يجعل هذه القصة إيمانًا عظيمًا؟ فنحن نقرأ: "فَلَمَّا رَأَى [يَسوعُ] إِيمَانَهُمْ ...". فما المقصود بأنه رأى إيمانهم؟ وكيف نعلم أنه كان لديهم إيمان؟ مِنَ المؤكد أنه كان لديهم إيمان. ومِنَ المؤكد أنَّ هؤلاء الرجال شعروا أنَّ يسوع يقدر أن يفعل شيئًا ما، مع أنَّ الرجل المشلول هو الذي طَلَبَ منهم أن يُحضروه إلى يسوع لكي يشفيه. ومع أنه كان الشخص الذي يعرف ما يَعْتَمِلُ في أعماق قلبه، مِن المؤكد أنهم كانوا يُؤمنون أنَّ يسوع قادرٌ أن يشفيه جسديًّا لأننا نقرأ أنَّ يسوع رأى إيمانهم.

ولم يكن مِن الصعب أن يرى يسوع إيمانهم لأننا نقرأ هنا عمَّا فعلوه. فقد جاءوا إلى المنزل (بحسب ما جاء في إنجيل مَرقُس وإنجيل لوقا) ولكنهم لم يتمكنوا مِن الدخول. فقد كان مِن الصعب عليهم أن يَعْبُروا بينَ النَّاس وأن يَشُقُّوا طريقهم بينهم ولا سيما أنهم أربعة أشخاص يحملون سريرًا. لذلك فقد رَأوْا أنَّ هناك طريقة واحدة فقط للدخول. فما كان منهم إلَّا أن تَسَلَّقوا الدرج الخارجيَّ (وهو درج كان موجودًا في أغلبيَّة المنازل)، وصَعِدوا إلى السطح، وابتدأوا في إزالة السقف جُزءًا جُزءًا. ومِنَ المؤكد أنهم تَفَحَّصوا المكان جيدًا لأنهم عندما انتهوا مِن إزالة السقف أنزلوا ذلك المشلول عند قَدَمَي يسوع تمامًا. ويمكنكم أن تتخيلوا ما حدث للأشخاص الذين كانوا في الداخل. فمن المؤكد أنهم كانوا يتساءلون عمَّا كان يجري. وفجأةً، ابتدأت أجزاءٌ مِنَ السقف تختفي. فقد كان إيمان هؤلاء يَتميَّز بالثبات والإصرار والابتكار. فقد أَزالوا السقف وأنزلوا صديقهم عند قدميّ يسوع. وربما كان ذلك الشخص المشلول عاجزًا عنِ التكلم لأنه لم يقل كلمة واحدة. فهو لم يطلب شيئًا، ولم يقُل شيئًا، بل إنه كانَ مَطروحًا عند قدميّ يسوع أمام الجميع والحُزنُ يَملأهُ. وأنا مُتيقن إنه كان يَشعُر بالخوف والذُّعر - كما سنرى الآن. فقد كان يَعلم أنَّ يسوع يشفي الأجساد، وأنا مقتنع أنه كان يأمل في أن يكون يسوع قادرًا على شفاء القلوب أيضًا لأنَّ الشيء الذي كان يُتعبه أكثر مِن أيَّ شيء آخر هو خطيئته. وكما قُلت، ربما كان مرضه ناجمًا عن خطيئة مُعينة وأنه كان مُعذَّب الضمير.

ولكن يا له مِن إيمان! وما أعنيه هو أنَّ أغلبيَّة الناس قد يأتون إلى الباب ويقولون: "لِنَنْسَى الأمر. انظروا إلى الجموع!" ولكنَّ هؤلاء كانوا يملكون إيمانًا عظيمًا. فقد أزالوا السقف لكي يتمكنوا مِن إنزال صديقهم إلى أسفل. وقد كَشَفَ ذلك الرَّجُلُ المشلول بشاعَتَهُ، وعَبَّرَ عَمَّا يَجول في فِكره مِن وَصْمَةِ عارٍ اجتماعيَّة، وكشف خطيئته، وكشف إثْمَهُ أمام الناس جميعًا في سَبيلِ أنْ يأتي عند قدمي يسوع. وهذا اتضاعٌ حقيقيّ. وهو سلوكٌ مَغْبوطٌ. وهو يَنُمُّ عن قلبٍ مؤمن. فنحن نقرأ أنَّ يسوع رأى إيمانهم، أيّ أنه رأى إيمانهم الخمسة جميعًا. وهو لم يكن إيمانًا عاديًّا، بل كان إيمانًا قويًّا وإيمانًا مُلِحًّا. وقد رأى يسوع ذلك. وهناك أوقاتٌ شَفى فيها يسوعُ أُناسًا لم يكُن لهم إيمان. وهناك أوقاتٌ شَفى فيها يسوعُ أُناسًا لديهم إيمانٌ قليل. ولكنه يَشفي بصورة خاصَّة الأشخاصَ الذينَ يملكونَ إيمانًا عظيمًا. والحقيقة هي أننا نرى هذا الأمر في الأصحاح التاسع مَرَّةً أُخرى (في العدد 18) إذْ نقرأ :"وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُهُمْ بِهذَا، إِذَا رَئِيسٌ قَدْ جَاءَ فَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: «إِنَّ ابْنَتِــي الآنَ مَاتَتْ، لكِنْ تَعَالَ وَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهَا فَتَحْيَا». وهذا إيمانٌ عظيم. وقد فعل يسوع ذلك. ونقرأ في العدد 28: "وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْبَيْتِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ الأَعْمَيَانِ، فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: «أَتُؤْمِنَانِ أَنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ هذَا؟» قَالاَ لَهُ: «نَعَمْ، يَا سَيِّدُ!». حِينَئِذٍ لَمَسَ أَعْيُنَهُمَا قَائِلاً: «بِحَسَب إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا»". فقد كانَ يسوعُ يتجاوب بصورة خاصَّة معَ هذا النوع مِنَ الإيمان. لذا، فإنَّنا هنا أمام رَجُلٍ مَطروحٍ عند قدميه. وهذا إيمانٌ صامتٌ. فنحن لا نجد هنا حديثًا، بل فقط إيمانًا صَامِتًا وإجلالاً. فلم يَتَفَوَّه أيُّ شخصٍ بأيِّ كلمة. ولم يَتكلَّم أيُّ شخصٍ إلى أنْ تكلَّم الرَّبّ. وقد قال يسوعُ هذه الكلمات لذلك الرجل المشلول: "ثِقْ يَا بُنَيَّ".

ويا لها مِن كلمة رائعة! فالكلمة "تيكنون" (teknon) تعني "ابْن". وهي كلمة تُشير إلى رِقَّةٍ لا حدود لها. فنحن هنا أمام رَجُلٍ مُثَقَّلٍ بخطاياه. وقد كان يشعر بذلك بسبب نَظرة المجتمع إليه. وقد رَسَخَتْ تلك الفكرةُ في أعماقه بسبب شعوره الهائل بالذنب. فقد كان يَعلم أنه إنسانٌ خاطئ. وكانَ يؤمن أنَّ هذا الإنسان يمتلك قُدرة إلهيَّة. وقد كان لديه الإيمان (بوصفه إنسانًا خاطئًا) أن يقف في حضرة الله القُدُّوس وأن يَرى ما سيحدث له. وقد كان خائفًا. لذلك فإنَّ الربَّ يقول له: "لا تَخَفْ! تَشَجَّع!". وهذا يعني ببساطة: "توقَّف عن الخوف. فلا يوجد ما يَستدعي الخَوْف". وقد كان ذلك الرَّجُلُ خائفًا لأنه خاطئ. ولكنْ ما أَجْمَلَ أن يقول الربُّ له: "يا بُنَيّ". فهي كلمة رقيقة جدًّا. وما أَروعَ أن تقف أمام الله القُدُّوس وأنت تُدرِك مَرَضَك، وتُدرك خطيئَتك، وتشعر بالحزن والخوف والذُّعر، ثُمَّ تسمعه يقولُ لك: "يا بُنَيّ". وهذه هي رِقَّة المسيح. فهو يُحِبُّ الخاطئ مع أنه كان يَكره خطيئَتَه.

والآن أريدكم أن تُفكِّروا قليلاً في الكلمات التي قالها يسوع: "ثِق" أو "تشجَّع". والفعل اليونانيّ المُستخدم هو "ثارسيئو" (tharseo)، وهو فِعْلٌ مُدهشٌ جدًّا. فهو يُشير إلى الشجاعة الذاتيَّة. وأعتقد أنَّ أفضل طريقة لفهم ذلك هي أن نُقارن هذا الفعل بالفعل "تولماؤو" (tolmao)، وهو فِعْلٌ يونانيٌّ آخر يُتَرجم أحيانًا: "تَشَجَّع". فالفعل "تولماؤو" يُشير إلى الشجاعة غير الذاتيَّة. فعندما تستخدم الفعل "تولماؤو" فكأنك تقول للشخص: "اضغط على أسنانك، وتشبَّث، وسيطر على خوفك". فهذا هو معنى الفعل "تولماؤو". فهي تلك الشجاعة التي تقول: "انهض، واعمل، وسيطر على خوفك". أمَّا الفعل "ثارسيئو" فهو ليس كذلك. فالفعل "ثارسيئو" يقول إنه لا يوجد شيء تخاف منه. فالفعل "ثارسيئو" يقول إنه لا يوجد مُبَرِّر للخوف البتَّة. وهذه هي الكلمة التي استخدمها الربّ. فالربُّ لا يقول له: "عليك يا صديقي أن تضغط على أسنانك وأنْ تُسيطر على خوفِك". بل إنه يقول له: "يا بُنيّ، ما الذي يُخيفُك؟ لا مُبَرِّر للخوف". واسمحوا لي أن أقول لكم شيئًا. هناك مُبَرِّرٌ كبيرٌ للخوف إنْ كنتُم ستقفونَ أمام الله بوصفِكُم خُطاةً لم تتوبوا بعد. أليس كذلك؟ فهناك مُبَرِّرٌ كبيرٌ للخوف. ولكِنْ لم يكن هناك مُبَرِّرٌ للخوف عندما جاء ذلك الرَّجُل لأنه كان مكسور القلب وحزينًا. وهذا واضحٌ. فالربُّ لا يغفر خطايا الناس إلاَّ إذا كانوا كذلك. فقد كان قلبه تائبًا. فهو لم يكُن مِنَ النوع الذي يحاول إخفاء خطيئته، أو مِنَ النوع الذي لا يَخشى شيئًا. فالشخص الذي يحاول أن يُخفي خطيئته ينبغي أن يخاف. أمَّا الشخص الذي يَعترف بخطيئته فلا ينبغي أن يخاف. وقد كان ذلك الشخص خائفًا وحزينًا. فقد كان الخوف يَتَمَلَّكه. وقد كان ضَميرُهُ يُعَذِّبُهُ كثيرًا. ولكنَّ الربَّ قال له: "ثِقّ!" فقد استجاب لإيمانه لأنه كانَ إيمانًا حقيقيًّا. وهذا يَقودُنا إلى الكلمة الثانية وهي: "الغُفران".

فنحن نقرأ في العدد الثاني (في نهاية العدد): "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاك". فهذا هو ما تقولهُ الآية: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاك". وهذه معجزة إلهيَّة تَرتقي إلى مرتبة أيِّ معجزة أخرى. فهي كلمات مُباشِرة: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاك". ويا لها مِنْ كلمات قَويَّة نَطَقَ بها الربّ! ولعلَّكم تذكرون أنَّ الرجل لم ينطق بكلمة حتَّى الآن. ولكِنْ كيف عرف الربُّ ما أرادَهُ؟ لأنَّ الربَّ يَعرف القلب. ففي كُلّ هذه القصَّة، كان يقرأ القلب. فقد قَرَأَ قلب الرجل الَّذي كان مريضًا. وقد قَرَأَ قلوب هؤلاء الكَتَبَة. وَهُوَ قادرٌ أن يقرأ قلب أيِّ شخص. وَهُوَ يَعرف الطِّلْبات قبل أن نَطلبها. فَمُعْطي الهِبات الصَّالحة يُعطي قبل حتَّى أن نَطلب. لذلك فإنه يقول: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاك" قبل أن يَنطق الرَّجُل بكلمة – إنْ كان قادرًا على النُّطقِ أصلاً.

وهذا هو، يا أحبَّائي، غُفران الخطايا الَّذي يتحدَّث عنه الكتاب المقدَّس. وهذا هو الخلاص. فهذا هو الغُفران التامّ والكامل الَّذي يَمحو الخطايا. فهو يقول: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاك". وعندما يَمحو اللهُ خطايانا فإنه يُبعِدُها عنَّا كبُعد المشرِق عنِ المَغرب ويَطْرَحُها في أعماق البحر (كما جاء في المزمور المئة والثالث). والكتاب المقدس يقول إنَّهُ لا يعودُ ماذا؟ لا يعودُ يَذْكُرُها في ما بَعْد. وكم أُحِبُّ ما قاله بولس في الأصحاحِ الأوَّل مِنْ رسالته الأولى إلى تيموثاوس إذْ نقرأ: "أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ. ... صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ" ماذا؟ "الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا". مَغفورةٌ لكَ خَطاياك - مَغفورةٌ لكَ خَطاياك.

عندما ذهبَ المُرسَلونَ إلى أَلاسكا للمناداة بالإنجيل إلى أهل الإسكيمو، وأرادوا أن يُترجموا العهد الجديد بلُغتهم، اكتشفوا أنَّه لا توجد كلمة في لُغة الإسكيمو بمَعنى الغُفران. لذلك فقد وقعوا في وَرطة لأنَّ هذه هي الرسالة الرئيسيَّة للمسيحيَّة. ولكنَّهم وجدوا أنَّ لدى أهل الإسكيمو عبارة مُدهشة جدًّا، بل هي كلمة واحدة طويلة جدًّا هي: "إيسوماجي-جوجو-نايينيرميك" (issumagijoujunnainermik). وهذه كُلُّها كلمة واحدة عند أهل الإسكيمو. وهل تَعرفونَ مَعناها؟ عدم التَّفكير في الأمر مَرَّة أخرى. وقد استخدموها في كل الكتاب المقدَّس لترجمة الكلمة "مَغفرة". فاللهُ لا يُفَكِّر في الأمر مَرَّة أخرى. فقد مَحاها. وقد أَزالَها. فقد مَحا خطاياه. فالربُّ أعطاهُ أعظمَ عَطِيَّة تُناسب أعظمَ احتياجٍ لديه.

وأَذكرُ أنَّني عندما كنتُ في سَنتي الدراسيَّة الأخيرة أنَّني لَعبتُ كُرة القدم في الجامعة. وقد أَلقَيْتُ كلمة في نادي "كيوانيس" (Kiwanis). وقد سَلَّموني جائزةَ لاعِب الأسبوع أو شيئًا مِن هذا القَبيل وطَلبوا مِنِّي أنْ أُلقي كَلِمة. فقد دَعوني إلى إلقاء كلمة عن كرة القدم. لذلك فقد ذهبتُ إلى هناك لكي أُلقي كلمة، وقد ألقيتُ كلمة عنِ الربّ. وقد صَرَفْنا وقتًا رائعًا. لقد كانَ وقتًا رائعًا في نَظري، ولكنِّي لا أدري إنْ كان رائعًا في نظرهم. ولكنَّ شخصًا جاءَ إليَّ بعد ذلك وقال إنه يَعرف شخصًا ينبغي أن أتحدَّث إليه، وقد كانت تلك فتاةً في المستشفى. فقد تَلَقَّتْ طلقةً في عُنُقِها أدَّتْ إلى قَطْعِ الحَبْلِ الشَّوكيِّ. وقد طَلَبَ مِنِّي أن أذهبَ لزيارتها لأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ بمقدوري أن أساعدها. وقد كانت تلك الفتاة قائدة فريق المُشَجِّعات في مدرسة مَحليَّة. وكان صَديقُها هوَ الَّذي أطلَقَ النَّار عليها. وقد كان ذلك حادثًا. لذلك فقد ذهبتُ إلى المستشفى فرأيتُها في حالة شبيهة بحالة هذا الرَّجُل إذْ إنَّها كانت مطروحة في الفراش في يأسٍ ومَشلولة مِنَ العُنُق فأسفَل. وكانَ كُلُّ ما استطعتُ أن أفعله هو أن أخبرها عنِ الربِّ يسوعَ المسيح. وقد فعلتُ ذلك وتحدَّثتُ إليها وقتًا طويلًا. وقد أخبرتني أنَّها مستعدَّة للانتحار لو كان بمقدورها ذلك، ولكنَّها عاجزة عنِ القيام بذلك. فلم يكن بمقدورها أن تفعل ذلك. وقد قَدَّمتُ المسيحَ لها. وبعدَ أنِ انتهيت، قالت إنَّها تريد أن تدعو المسيح إلى حياتها. لذلك فقد صَلَّينا معًا وفَعَلَتْ ذلك. ولن أنسى يومًا ما قالتهُ لي. فقد ذهبتُ لزيارتها بضعَ مَرَّات. وذاتَ يومٍ قالت لي: "يمكنني أن أقول بصدق، يا جون، أنَّني مسرورة لأنَّ هذا حدث". قُلْت: "هل تَعنينَ الحادث؟" فقالت: "أجل، لأنَّني لو لم أتعرَّض لهذا الحادث لما التقيتُ المسيحَ ولما غُفِرَتْ خَطاياي".

وكما تَرَوْن، فإنَّ هذا هو أعمق احتياج. وهذا هو أَصْدَقُ حُزنٍ في حياة الإنسان. وعندما قالَ يسوع: "مَغفورةٌ لكَ خَطاياك"، سَدَّ بذلك حاجة ذلك الرَّجُل بأعمق طريقة ممكنة. وهذه هي، يا أحبَّائي، رسالة المسيحيَّة. فهي رسالة غُفران الخطيَّة. ويجب أن تعلموا أنَّ رسالتنا يجب أن تكون عنِ الخطيَّة، وعنْ غُفران الخطيَّة. فالناس يقولون: "لا يجوزُ أن تأتي على ذِكْر الخطيَّة. فهذا تفكيرٌ سَلبيّ". ولكنَّ هذه هي رسالة المسيحيَّة. وإنْ لم نكرز بهذه الرسالة فإنَّنا نَحيدُ عنْ رسالتنا. فالكتاب المقدس يقول إنَّ الإنسان خاطئ. والخطيَّة هي التَّعدِّي على الناموس – بحسب ما جاء في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 4. والخطيَّة مُشَوِّهَة لأنها تُشَوِّهُ صورةَ الله وتُلَطِّخُ النَّفس. فالخطيَّة زَرَعَتْ فينا صورة الشَّيطان. وقد صِرْنا أولادَهُ. والخطيَّة هي التَّمَرُّد على الله. والخطيَّة هي جُحودٌ كبيرٌ لله. والخطيَّة داءٌ عُضال. لذلك فإنَّ إرْميا يقول: "هَلْ يُغَيِّرُ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟" ثُمَّ إنه يقول: "فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَقْدِرُونَ أَنْ تَصْنَعُوا خَيْرًا أَيُّهَا الْمُتَعَلِّمُونَ الشَّرَّ!" فالخطيَّة تؤثِّرُ في الناس جميعًا: "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله". فالخطيَّة مُتأصِّلة في قلب الإنسان حتَّى إنَّ الإنسانَ الَّذي اختبرَ الولادة الجديدة يستمرُّ في الصِّراعِ ضِدَّ الخطيَّة. فالخطيَّة تُسيطر على الفكر. وهي تَلْوي ذِراعَ الإرادة. وهي تُدَنِّس المشاعر. وهي تُلَوِّث الجسد. والخطيَّة تجعل الناس تحت هيمنة الشَّيطان. وهي تجعل الإنسان تحتَ غضبِ الله. والخطيَّة تَجعل الإنسانَ "مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا أَنَّ الْجَوَارِحَ لارْتِفَاعِ الْجَنَاح"، وتَجعلُهُ خاضِعًا للبُطْلِ حَتَّى لا يَختبر السَّلام، بل يَكونُ مَصيرُهُ الهلاك.

وهذا يَصِحُّ على جميع البشر. وإنْ كانَ هذا صحيحًا، فإنَّ أفضلَ بِشارَةٍ يمكنك أن تُقدِّمها للإنسان هي أنَّ الله يقدر أن يغفر الخطيَّة وأنه يَغفرُها. وهذا الرَّجُلُ هوَ دليلٌ حَيٌّ على ذلك. وعندما قال له يسوع: "مَغفورةٌ لكَ خطاياك"، أعتقد أنَّ يسوعَ شَعَرَ في تلك اللَّحظة في قلبه الكبير بمذاق الجُلجُثة لأنه كانَ يَعلم أنَّ الطريقة الوحيدة الَّتي يستطيع مِن خلالها أنْ يَغفر خطيَّة ذلك الرَّجُل هي أن يَموتَ عن خطاياه. لذلك فقد اختبرَ يسوعُ مَرارة الصَّليب وآلامه طَوالَ حياته. ففي كُلِّ مَرَّة غَفَرَ فيها الخطيَّة، كان يَعرف تمامًا أنَّه سيَحمل العقابَ الَّذي رَفَعَهُ عن تلك النَّفس البائسة. إذًا فقد رأينا "الإيمان" و "الغُفران".

أمَّا الكلمة الثالثة فهي: "الغَضَب" – الغَضَب. فنحن نقرأ في العدد الثالث: "وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ" [ولوقا يُخبرُنا أنَّ الفَرِّيسيِّينَ مِنْ أورُشليم كانوا هناكَ أيضًا] "قَدْ قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ" [ومَرْقُس يُخبرُنا إنهم قالوا أوَّلاً: "مَنْ يَقدرُ أنْ يَغفِرَ خَطايا إلَّا اللهُ وَحْدَهُ؟"]: « قَدْ قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ هذَا يُجَدِّفُ!»". والآنْ، اسمَعوني: لقد أرادَ الرَّجُلُ الأوَّل (أيِ الرَّجُلُ المَفلوج)، أرادَ غُفرانًا. وكانَ الشيءُ الَّذي استنتَجَهُ هؤلاء الرِّجال جميعًا هو: "إنَهُ مُجَدِّفٌ". لماذا؟ وما الفَرْق؟ ألَمْ يُريدوا غُفرانًا؟ لا. لأنَّهم لم يشعروا يومًا بحاجتهم الحقيقيَّة لذلك، ولم يعترفوا بذلك. وهذا يُشبهُ ما جرى في قصَّة المرأة الَّتي أُمْسِكَتْ في ذاتِ الفِعْل – كما رأينا قبلَ بِضْعَة أسابيع مَضَت. فقد رأينا تلك المرأة وجميع هؤلاء الفَرِّيسيِّين. وقد قَدَّمَ يسوعُ الغُفران. وقد بَقِيَتْ هي، أمَّا هُمْ فغادروا جميعًا. والحالُ مُستمرَّة على المِنْوال نفسه منذ وقتٍ طويل. فقد أُقَدِّمُ رسالةً عنِ الغُفران فيبقى أُناسٌ ويَفتحوا قُلوبهم للمسيح. ولكنَّ البعضَ سيُغادرون. فَهُمْ ليسوا مُهتمِّين. وَهُمْ لا يَعلمونَ بوجود حاجة لديهم. وَهُمْ لا يُدركون المشكلة. وَهُمْ ليسوا مُستعدِّينَ لقبول الغُفران. وعوضًا عن أن يقولوا: "ما أَجْمَلَ أنْ أَعلمَ أنهُ يَقْدِرُ أن يَغفرَ الخطيَّة! فأنا أشعرُ بِثِقْلٍ شديدٍ في قلبي بسبب شعوري بالذَّنْب، واشعرُ أنَّ نفسي دَنِسَة. ولكِنْ ما أروعَ أنْ أَختبر ذلك الغُفران". بل قالوا: "مَنْ يَقدرُ أنْ يَغفِرَ خَطايا إلَّا اللهُ وَحْدَهُ؟ وحيثُ إنَّ هذا الرَّجُل يقولُ إنهُ يَغفر الخطيَّة، ويَدَّعي أنَّه الله، فإنهُ مُجَدِّفٌ". وكما تَرَوْن، فإنَّ التَّجديفَ الأكبر في نظرهم هو أنْ تَدَّعي أنك الله، أيْ أن تقول إنك الله. فإنْ نَسَبْتَ إلى نفسك أمورًا لا يَصِحُّ أنْ تُنْسَبَ إلَّا إلى الله، فهذا هو أكبرُ تَجديف. وأنتم تَعلمونَ أنهم كانوا مُحِقِّين في النِّصف الأوَّل. فاللهُ هوَ الوحيدُ الَّذي يَقدر أن يَغفر الخطيَّة. فقد كانوا مُحِقِّين في ذلك. فنحن نقرأ في سِفْر إشعياء 43: 25: "أَنَا أَنَا [يَقولُ اللهُ] هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ". فاللهُ هوُ الوحيد الَّذي يَغفر الذُّنوب، ولا أحَد سِواه. وقد كانوا مُحِقِّين في ذلك. ولكنَّهم أخطأوا بخصوص المسيح لأنهُ هُوَ الله.

لاحظوا العدد 3: "وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَدْ قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ" [كما يقولُ مَرْقُس]. "فقد قالوا ذلكَ في قلوبهم". فَهُمْ لم ينطقوا بكلمة. ولكنَّ يسوعَ قرأ أفكارهم. وهذا بُرهانٌ آخر على عِلْم المسيح المُطلَق. فقد كان يَعلم ما في قلب ذلك الرَّجُل المريض. وقد كان يَعلم ما يدور في عُقول وأفكار الآخرين أيضًا. فقد كانَ قادرًا على قراءة الأفكار. فهو الله. واسمحوا لي أن أقول إنه عندما قالوا إنَّ هذا الإنسان يُجَدِّف، فإنَّ أفكارهم هذه ابتدأت في تأجيج النَّار الَّتي قادَتْهُم أخيرًا إلى صلب المسيح. انظروا إلى العدد الثالث. فقدِ اتَّهموه بالتَّجديف. ثم انظروا إلى العدد الحادي عشر: "فَلَمَّا نَظَرَ الْفَرِّيسِيُّونَ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ: «لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟»" فَقدِ اتَّهموهُ هُنا بسُوْء الأخلاق: "إنهُ يُجالِسُ أُناسًا سَيِّئين. لذلك، مِنَ المؤكَّد أنَّه إنسانٌ سَيِّئ. فهو مُجَدِّف وعديم الأخلاق".

ثم نقرأ في العدد 14: "حِينَئِذٍ أَتَى إِلَيْهِ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا قَائِلِينَ: «لِمَاذَا نَصُومُ نَحْنُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيرًا، وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟»" فقد اتَّهموهُ هنا بعَدَم التَّدَيُّن: "أنتَ لا تقوم بالإجراءات الدينيَّة المألوفة. وأنتَ مُجَدِّف. وأنتَ عديمُ الأخلاق. وأنت غير مُتديِّن". ونجد أنَّ الأمر يتصاعد في العدد 34: "أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَقَالُوا: «بِرَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ!»" – أي أنهُ شيطان. والحقيقة هي أنَّ حِقْدَهُم ابتدَأ يتصاعد، وأنَّ غضبهم احْتَدَمَ أكثر فأكثر. ويا لها مِن مُفارَقة! يا لها مِنْ مُفارَقة! فمِنْ جهة، هناك الإيمان والغُفران. ومِن جهة أخرى، هناك الغضب. والمسيح في الوسط. وهذه هي الحالُ دائمًا، يا أحبَّائي، ... دائمًا. فالمسيحُ يأتي برسالة المحبَّة والنِّعمة والغُفران. وهناكَ مَن يعرفون ذلك، ويَقبلون ذلك، ويَفرحون بذلك. وهناك مَن يكرهون ذلك، ويحتقرون ذلك، ويغضبون بسبب ذلك.

الكلمة الرابعة: "المُناظَرة"، وهي كلمة تَعني "الجَدَل". فيسوع يُقَدِّم حُجَّةً لما فعل. فمعَ أنه لا يدافع دائمًا عن أفعاله، فإنه يَفعل ذلك هنا لأنه حَقٌّ مُهمّ. فنحن نقرأ في العدد الرابع: "فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، فَقَالَ: «لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟»" فقد عَرَفَ يسوعُ أفكارَهم. هل فَهِمتُم ذلك؟ فالناس يأتونَ ويقولون: "يسوعُ ليسَ الله". إذًا، لا أدري كيف عَرَفَ أفكارهم. فنحن نقرأ في الأصحاح الثاني مِن إنجيل يوحنَّا أنه "لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي [قَلْبِ] الإِنْسَان." ولا بُدَّ أنَّ أيَّ شخصٍ يَعرفُ الأفكار هكذا هو الله. فنحن نقرأ في سِفْر صموئيل الأوَّل 16: 7: "وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ". ونقرأ في سِفْر الملوك الأوَّل 8: 39: "لأَنَّكَ أَنْتَ وَحْدَكَ قَدْ عَرَفْتَ قُلُوبَ كُلِّ بَنِي الْبَشَرِ". ونقرأ في سِفْر أخبار الأيَّام الأوَّل 28: 9: "لأَنَّ الرَّبَّ يَفْحَصُ جَمِيعَ الْقُلُوبِ، وَيَفْهَمُ كُلَّ تَصَوُّرَاتِ الأَفْكَار". ونقرأ في سِفْر إرْميا 17: 10: "أَنَا الرَّبُّ فَاحِصُ الْقَلْبِ". ونقرأ في سِفْر حِزْقيال 11: 5: "هكَذَا قُلْتُمْ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، وَمَا يَخْطُرُ بِبَالِكُمْ قَدْ عَلِمْتُهُ". فاللهُ يعرف كُلّ ما نُفَكِّرُ فيه. وقد عَلِمَ يسوعُ أفكارَهُم. لذلك فقد قال: "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟" وما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ "لماذا تُريدونَ أنْ تَقتلوني؟" فالقلبُ الشرِّير هو قلبٌ يَتآمَر على الله. ونحن نقرأ في الأصحاح الخامس مِنْ سِفْر أعمال الرُّسُل أنَّ حَنانِيَّا وسَفِّيرة حاولا أنْ يَخْدَعا الله. ولكنَّ بُطرسَ قال: "لِمَاذَا مَلأَ الشَّيْطَانُ قَلْبَكَ لِتَكْذِبَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُس". ونقرأ في الأصحاح الثامن أنَّ سيمون حاولَ أن يَخدعَ الله. فالقلبُ الشرِّير يحاول أن يتآمرَ ضِدَّ الله. لماذا تتآمرون؟ فهذا غير مَنطقيّ! "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟" وقد عَرَّاهُمْ هُنا تمامًا.

ثم لاحظوا الحُجَّة في العدد الخامس: "أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَامْشِ؟" أيُّهُما الأسْهَل؟ والحقيقة هي أنَّهُمْ وقعوا في وَرطة. ولاحظوا أنهم لا يُقَدِّمونَ جوابًا. فلا يوجد جواب لأنَّهُ لا يوجد أمرٌ أَيْسَرُ مِنَ الآخر. فكِلا الأمْرَيْنِ مُستحيلٌ عند البشر. وكِلا الأمْرَيْنِ مُمْكِنٌ عندَ الله. "أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَامْشِ؟" وقد كانوا يَعلمون أنهم لا يستطيعون أن يُجيبوا بهذا أو ذاك. أمَّا هو فكان قادرًا أن يقولَ كِلا الأمْرَيْن. وهو قادرٌ أن يَفعل أيًّا منهما بالسُّهولة الإلهيَّة نفسِها. فكلا الأمْرَيْنِ هَيِّنٌ بالمقدار نفسه. فاللهُ لا يَتعرَّق عند قيامه بأيِّ أمر. فاللهُ هو الوحيد الَّذي يقدر أن يَشفي. واللهُ هو الوحيدُ الَّذي يقدر أن يَغفر. أمَّا هُمْ فكانوا يُعلِّمون أنَّ العِلَل والأمراض هي نتيجة الخطيَّة. لذلك، لم يَكُنِ الفَصْلُ بين هذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُمكِنًا. فالَّذي يقدر أن يَشفي الأمراض يَقدر أن يغفر الخطيَّة. والَّذي يقدر أن يَغفر الخطيَّة يقدر أن يَشفي الأمراض. ولو فَكَّروا في ذلك لعَلِموا أنَّ عقيدتهم تُعَلِّم ذلك. لذلك فقد قال: "أَيُّمَا أَيْسَرُ: الغُفران أَمِ الشِّفاء؟" والجواب هو: لا يوجد شيء أسهل مِنَ الآخر. فكلا الأمْرَيْنِ مُستحيلٌ بالنِّسبة إليهم. إنَّهما أَمْرَيْنِ مُستحيلَيْن. لذلك فقد كانَ الربُّ يقولُ لهم: "انظروا. لقد وَقَعْتُم في ورطة. فما دُمْتُ قادرًا على فِعْلِ هَذَيْنِ الأمرَيْن – أو ما دُمْتُ قادرًا على فِعْلِ واحدٍ منهما فأنا قادرٌ أن أفعل الآخر. وإنْ كنتُ قادرًا على فعل الأمر الآخر فأنا لستُ مُجَدِّفًا، بل أنا الله". وقد وقعوا في ورطة. فقد كانوا يعلمون أنَّه يقدر أن يَشفي. وعندما قال: "هَلِ الأيْسَرُ أنْ أَغْفِرَ" لم يقدروا أن يقولوا: "أجل" لأنَّ ذلك لم يكن أيسَر. فاللهُ هو الوحيدُ الَّذي يقدر أن يفعل ذلك. والله هو الوحيد الَّذي يقدر أن يفعل الأمر الآخر. وهذا يُريكُم فقط أنَّ رفضهم له كان رفضًا طَوْعِيًّا للحقّ. فما دام يسوعُ قادرًا أن يُعالج مشكلة العِلَلَ والأمراضَ والشياطين والكوارِث والموت، فإنه قادر بكل تأكيد أن يُعالج مشكلة الخطيَّة.

وهناك طريقة مدهشة أخرى للنظر إلى هذه الآية مِنْ وُجهة نظر تطبيقيَّة. ولكنِ انظروا إليها مِنْ زاوية القول. واسمحوا لي أن أقرأ الآية بطريقة مختلفة. فالآية تقول: "أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَامْشِ؟" ولكِنْ أيُّ الأمرَيْنِ أسهل تطبيقًا؟ ولا واحد. إذًا، أيُّما أَيْسَرُ أنْ يُقال؟ ولماذا مِنَ الأيسر أن يُقال: "مَغفورة لكَ خطاياك"؟ أليس كذلك؟ فقول ذلك أسهل. فإن نَهَضَ شخصٌ منكم، يمكنني أن أقول له: "مغفورة لكَ خطاياك". وهل تَعلمون شيئًا؟ لا يمكنني أن أُثْبِتَ ما قُلته. أليس كذلك؟ فمِنَ السَّهل أن أقول ذلك. ولكِنْ إذا كان واحدٌ منكم يجلس في كُرسيٍّ مُتحرِّك وقلتُ له: "قُمْ وامْشِ"، مِنَ السَّهل أن تتحقَّقوا مِنْ عدم قدرتي على القيام بذلك. وكما تَرَوْن، منَ الأسهل أن يُقال: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ" إنْ كان الأمر يَقتصر على قول تلك الكلمات فقط. لذلك، لاحظوا ما جاء في العدد السادس: "وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ ...". ولكِنْ ما حاجَتُنا إلى معرفة ذلك؟ لأنَّ الأرضَ هي المكان الَّذي سيأتي عليه الملكوت. أَتَرَوْن! "لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ السُّلطان اللَّازم لغُفران الخطيَّة. وحينئذٍ فإنِّي سأقول لذلك الشَّخص المفلوج والمشلول: قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!". لماذا؟ لأنه لو كان كُلُّ ما قاله هو: "مغفورة لكَ خطاياك"، لما عرفوا أنَّه فعل ذلك. ولكن عندما يقول: "قُمْ وامْشِ"، ويقوم ذلك الرَّجُل ويمشي، ويُظْهِر يسوعُ قُدرتَهُ على القيام بذلك، فإنَّ الشيءَ الوحيد الَّذي يمكنهم أن يَستنتجونه هو: "مِنَ المؤكَّد أنَّه قد غَفَرَ له خطاياه لأنَّ المرض والخطيَّة لا ينفصلان". فقد كانَ ذلكَ عرضًا حَيًّا.

والأمر يُشبه ما حدث عندما طَرَدَ الشياطين مِنَ المَجْنونَيْن في كورة الجَدَرِيِّين وأرسلها إلى الخنازير. لماذا؟ لأنه لو اكتفى بالقول: "أيَّتها الشَّياطين، اخرُجي"، لما عرفَ أحدٌ إنْ كانوا قد خرجوا وأينَ ذهبوا. ولكن عندما رَأَوْا أنَّ ألفَيْ خِنزير تَغْطِسُ – لقد أوشكتُ أن أقول: "تَغْطِسُ كالإِوَزِّ في الماء" – ولكنَّها خَنازيرُ قَفَزت مِنْ فوق جُرْفٍ – فلا يمكنكم أن تتخيَّلوا خِنزيرًا يَغْطِسُ كالإوَزَّة. أليس كذلك؟ ولكِنْ عندما رَأَوْا ألفي خنزير تقفز مِنْ فوق مُنحدَر إلى البحر، عَلِموا تمامًا ما حدث – أيْ أنَّ الشياطين دخلت في تلك الخنازير. وقد كان هذا دليلاً على أنَّهُ طَهَّرَ الرَّجُلَيْنِ المَجْنونَيْن. وقد حدث هُنا الشيء نفسُه. فهو يَشفي الرَّجُل كدليلٍ على قُدرته على مغفرة الخطايا، ولكِنَّ غُفران الخطايا كان هو الأصل. أمَّا المرض فكانَ العَارِض. فإنْ كان قادرًا على القيام بهذا الأمر فإنه قادر على القيام بالأمر الآخر. فقد يأتي أيُّ شخصٍ مُدَّعٍ ويقول: "مَغفورة لك خطاياك". والحقيقة هي أنَّ البعضَ حاوَلوا (على مَرِّ العصور) أن يقولوا ذلك: "مَغفورة لك خطاياك – مَغفورة لكَ خطاياك – أنتَ في حِلٍّ مِنها"، وهَلُمَّ جَرَّا، وهَلُمَّ جَرَّا. لذلك فقد أرادَ يسوعُ أنْ يُؤكِّد لهم أنه ليسَ رَجُلاً مُدَّعِيًا. لذا فقد أَثْبَتَ لهم ذلك. فَمِنْ خلال القيام بالأشياء المنظورة، أَظهرَ قدرته على القيام بالأشياء غير المنظورة. فقد شُفِيَ الرَّجُل حالاً كدليلٍ على أنَّ يسوع قادرٌ أن يَغفر له خَطاياه.

وهذا يقودُنا إلى الكلمة الخامس وهي: "القُوَّة" – القُوَّة، وهي كلمة بسيطة تعني: "القُدرة". فهو يقول: "قُم". فالنصُّ اليونانيُّ يقول: "قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!". ونحن نقرأ في العدد السابع: "فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ". وهل لكم أن تتخيَّلوا ذلك! فَها هُمْ أصدقاؤه الأربعة يُدَلُّونَ رُؤوسهم مِنَ السَّقف. وَهُمْ يُراقبون. والناسُ يُصغون. والفَرِّيسيّونَ لم ينطقوا كلمة واحدة. فما مِنْ أحدٍ تَكَلَّم سوى يسوع. فهذا مشهدٌ مؤثِّر. ولكنَّهُ قرأ ما في قلوبهم وحَشَرَهُم في الزَّاوية مِنْ خلال حُجَّته وبُرهانه. وَهُوَ يقولُ الآن: "قُمِ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ يا صَديقي!" فنهضَ الرَّجُلُ، ولَفَّ فِراشَهُ الصَّغير تَحْتَ إِبْطِهِ، وحَمَلَ الإطارَ الخَشبيَّ الصَّغير. وهل تَعلمونَ أنَّ النَّاسَ ابتَعَدوا مِنْ هُنا ومِنْ هُناك وَهُوَ يَشُقُّ طريقَهُ بينهم إلى الخارج؟ وعندما صارَ في الخارج، هل تتخيَّلونَ ما حدث عندما نَزَلَ أصدقاؤه الأربعة الدَّرَجَ بسُرعة هائلة لمُلاقاته خارجًا؟ وما أعنيه هو أنهم قَفَزوا الدَّرَجَ قَفزًا. فيا لها مِن قُوَّة! فيسوعُ يَقدرُ أن يَغفرَ خطيئتك. وهذا أفضل بكثير مِنْ أن يَشفي مَرَضَك. ولكنَّهُ سيَفعل ذلكَ أيضًا. أليس كذلك؟

وهذا يَقودُنا إلى الكلمة الأخيرة وهي: "الخوف". وأودُّ أن تُصغوا إلى ما سأقول. فهذا أهَمُّ تطبيق. فنحن نقرأ في العدد الثامن: "فَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعُ تَعَجَّبُوا". والكلمة "تَعَجَّبوا" هي ترجمة للكلمة اليونانيَّة "فوبيئو" (phobeo) أو "فوبوس" (phobos)، وهي الكلمة الَّتي اشتقُّت منها الكلمة "فوبيا" (phobia) ومعناها: "رُهاب". فقد "خَافوا ومَجَّدوا الله". فقد علموا أنَّ الله حاضرٌ هناك، وأنَّ الله في وَسْطِهم، وأنه "أَعطى الناسَ سُلطانًا مِثْلَ هذا". فقد عَلِموا أنَّ يسوعَ إنسان. وبالمُناسبة، فإنَّ هذه جُملة عظيمة عن ناسُوتِه. فقد عرفوا أنه كان إنسانًا، ولكنَّهم عرفوا أنَّ اللهَ كانَ في ذلك الرَّجُل. فلا أعتقد أنهم فهموا مِلْءَ الـ "كينوسيس" (kenosis). وأنا مُتيقِّنٌ أنهم لم يفهموا المعنى الكامل لتجسُّد الله-الإنسان. ولكنهم عرفوا أنَّ الله كان حاضرًا هناك، وأنهُ أَعْطَى قُدرةً لذلك الرَّجُل، فخافوا. وأليسَ ذلك نفس رَدِّ الفِعل الَّذي رأيناهُ طوال الوقت؟ "فوبوس" (phobos)، "فوبيئو" (phobeo): إنَّها مَعانٍ عديدة في اللُّغة اليونانيَّة الكلاسيكيَّة، ولكنَّ الكلمة المستخدمة أكثر مِن غيرها في العهد الجديد تُشيرُ إلى العَجَب والإجلال. وما هو ذلك؟ إنه نوعٌ مِنَ الخوف الَّذي يشعر به المرء في حضرة شخصٍ أَسمى منه بما لا يُقاس. واستخدامُها في العهد الجديد هو الَّذي يُضْفي عليها معناها. فقد استُخدمت لوصف رَدِّ فعل التَّلاميذ عندما رَأَوْا يسوعَ يَمشي على الماء. وقد استُخدمت لوصف رَدِّ فعل التَّلاميذ عندما هَدَّأَ يسوعُ العاصفة. وقد استُخدمت لوصفِ رَدِّ فعل الناس بعد أن شَفى هذا الرَّجُل. وقد استُخدمت بعد إقامة ابن أرملة نايين. وقد استُخدمت بعد شفاء الرَّجُلَيْنِ المَجنونَيْن. وقد استُخدمت لوصف مشاعر زكريَّا عندما رأى ملاكَ الربِّ بجانب المذبح. وقد استُخدمت لوصف رَدِّ فعل الناس عندما استعادَ زكريَّا قُدرته على النُّطق في الأصحاح الأوَّل مِن إنجيل لوقا. وقد استُخدمت لوصف رَدِّ فعل الرُّعاة عندما سمعوا ترنيمة الملائكة. وقد استُخدمت لوصف رَدِّ فعل الحُرَّاس عند القبر عندما دَحْرَجَ الملاكُ الحجر. وقد استُخدمت لوصف رَدِّ فعل النِّسوة عندما رَجَعْنَ إلى بيوتهنَّ بعد أنْ رأينَ القبرَ الفارغ. وقد استُخدمت لوصف مشاعر النَّاس في غَمْرَةِ الأحداث المُرعبة الَّتي ستحدث في الأيَّام الأخيرة الموصوفة في الأصحاح 21 مِن إنجيل لوقا.

وإذا انتقلتم إلى سفر أعمال الرُّسل ستجدون أنها استُخدمت لوصف مشاعر الناس عندما رأوا الآيات والعجائب وشعروا بقوَّة الكنيسة الأولى في الأصحاح الثالث مِن سفر أعمال الرُّسُل. وقد استُخدمت لوصف رَدِّ فعل الناس على موت حنانيَّا وسَفِّيرة. وقد استُخدمت لوصف الرَّهبة الَّتي وقعت على الجميع في أفسُس في الأصحاح 19 مِنْ سفر أعمال الرُّسُل. فهوَ تَعَجُّبٌ، وإجلالٌ، وخَشيةٌ لله. ويجب علينا، يا أحبَّائي، أن نُظْهِرَ كُلَّ إجلالٍ للمسيح. والكلمة نفسُها تُستخدَم في أعمال الرُّسُل 9: 31 إذْ نقرأ أنَّ الكنيسة ينبغي أن تَسيرَ "فِي خَوْفِ الرَّبِّ". فَمِنَ الضروريِّ أن نَسيرَ في خوفِهِ. واسمحوا لي أن أقول لكم لماذا. فعندما تقرأون الرسائل فإنكم تَرَوْنَ مثلاً قُدرة الله والرَّهبة في الأناجيل. وأنتم تَرونَ قدرة الله والخوف في سفر أعمال الرُّسل. وعندما تقرأون الرسائل فإنَّها تُطَبِّق رَدَّ الفعل ذاك على سُلوكِنا. فمثلاً، إنهُ مَصدر الحياة الطاهرة. فنحن نقرأ في رسالة بطرس الأولى 3: 2 أنَّ حياتنا الطاهرة ينبغي أن تكون مَقرونة بماذا؟ بالخوف. وهو مَصدر القداسة. فنحن نقرأ في رسالة كورنثوس الثانية 7: 1: "مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ الله". ونقرأ في رسالة كورِنثوس الثانية 7: 11 أنَّ خوفَ الربِّ هو ما يَدفعنا إلى التَّوبة الحقيقيَّة. ونقرأ في رسالة فيلبِّي 2: 12 أنَّ ذلك هو مَصدر حياتنا المسيحيَّة إذْ نقرأ: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَة". ونقرأ في رسالة أفسُس 5: 21 أنهُ أساس الخدمة المُشتركة، والمحبَّة المشتركة، والاحترام المُتبادَل، والخدمة المُتبادَلة. ونقرأ في رسالة كورِنثوس الثانية 5: 11 أنَّه القُوَّة المُحَفِّزة للكرازة: فنحنُ "نُقْنِعُ النَّاسَ" لأنَّنا "عَالِمُونَ مَخَافَةَ الرَّبّ". وإذْ نُوَبِّخ الذينَ يُخطئونَ في الكنيسة ونُطَهِّرهم (كما جاء في رسالة تيموثاوس الأولى 5: 20) فإنَّنا نفعل ذلك أمامَ الجَميع "لِكَيْ يَكُونَ عِنْدَ الْبَاقِينَ خَوْفٌ".

وهذا الخوف، أو هذا الـ "فوبوس" (phobos)، أو هذه الرَّهبة مِنَ الله، هي الأساس الَّذي تَنبع منه جميع السلوكيَّات المسيحيَّة. فقد كانَ المسيحيُّونَ الأوائل يُمَجِّدونَ الله. ويجب علينا نحن أيضًا أن نفعل ذلك. ولكنَّهم كانوا يفعلون ذلك لأنهم يَخافونَ الله، ويَحترمونه، ويَشعرون برَهبة حَضرته. وهذا هو رَدُّ الفعل الصَّحيح. وأرجو أن تكون لديكم هذه الرَّهبة مِنَ المسيح. لذلك فإنَّ يسوع يَغفر الخطيَّة. وهذه هي أعظم رسالة ينبغي أنْ نُقَدِّمَها. وكل ما يمكنني أن أقولَه لكم هو أنَّني أرجو أن تنالوا ذلك الغُفران. فعندما انصرفَ الجَمْعُ آنذاك، كان هناكَ أشخاصٌ حصلوا على الغُفران، وأشخاصٌ غاضِبون. فنحنُ لا نقرأ عن فئة أُخرى معَ أنَّهم كانوا هناكَ أيضًا، وَهُمْ فئة المُتَقَلْقِلين. فقد سَمِعوا الرِّسالة وَانصرفوا. ولكنَّ المسيحَ يُقدِّم الغُفران، ويَمحو كُلَّ الماضي، ويَغسلُ كُلَّ الخطايا. والكلمة المُستخدمة هُنا هي بصيغة الجَمْع لأنَّها تُشيرُ إلى الخطايا الماضية، والحاضرة، والمُستقبليَّة. وهذه هي أعظمُ بِشارَةٍ ستسمعها يومًا. وهي مُتاحةٌ لك. لِنَحْنِ رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

وبينما تَحنونَ رُؤوسَكُم للَحَظات، استمعوا إلى ما كَتَبَتْهُ "إيلين غيلبرت" (Ellen Gilbert)، وهي شاعرة أمريكيَّة مُعاصِرَة:

كما هي حالُ عُصفورٍ مَكسور الجَناح،

عُدْتُ إلى عُشِّي – إليك؛

عُدتُ إلى عُشِّي بعدَ طُوْلِ طَيرانٍ وحُرِّيَّة

لم يُوْجَدا في الأصْلِ لأجلي.

وأنا، الَّذي عَرَفْتُ فَضاءاتٍ أبعَد،

وحرارةَ الشَّمس الحارقة،

لا أطلبُ شيئًا سِوى أنْ أَحتمي بِجَناحَيْكَ،

في نهايةِ هذا اليوم.

فكما هي حالُ عُصفورٍ مَكسور الجَناح،

عُدْتُ إلى عُشِّي، أخيرًا ...

لكي تَضُمَّني إلى قَلْبِكَ مَرَّةً أُخرى،

وَتُخَبِّئَني مِنْ مَاضِيَّ.

هذا هو الغُفران، وهذا هو ما يُقدِّمُهُ المسيحُ لك. وسوف تكونُ غُرفة الصَّلاة مفتوحة بعدَ مُغادرتنا بعد قليل. وهي إلى يَميني في الجهة الأماميَّة. وهناك مُشيرون. وهناك مطبوعات مَجَّانيَّة. فإذا كنتَ عُصفورًا مكسورَ الجَناح طِرْتَ إلى حُرِّيَّةٍ لا تَرغب بها، وإذا كنتَ ترغب في الاقترابِ إلى الربِّ لكي يُخَبِّئكَ مِنْ ماضيك، فإنه سيفعل ذلك إنْ جئتَ إليه بروحٍ مُنكسرة ومُتواضعة مِثل هذا الرَّجُل. وَهُوَ سيَشفي روحَكَ. فهذا هو وَعْدُه. وفي يومٍ ما، سيَشفي جسدَك في مِلْء ملكوته.

ونحنُ نُصَلِّي أيضًا، يا أبانا، في هذا اليوم أن تَضَع هذه الحقائق الَّتي تَعَلَّمناها منك في أعماق قلوبِنا. ساعِدنا أن نَنسى كُلَّ ما هو بَشَرِيّ وأن نتذكَّر ما هو مِنك. اجْمَعْنا ثانيةً في هذا المساء للشَّركة، والمشاركة، وسَماع كلمتك. ونحنُ نُصَلِّي أن تَجذب الآن إلى غُرفة الصلاة الأشخاصَ الَّذين يرغبونَ جدًّا في المجيء إليك. اجعل هذا الأسبوع مُمَيَّزا جدًّا نُقَدِّم فيه الشُّكر، وخصوصًا أن نكون شاكرين جدًّا على غفران الخطيَّة. باسم المسيح نُصَلِّي. آمين. ليُبارِكُكُم الربّ.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize