Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أرجو أن تنظروا معي إلى إنجيل متَّى والأصحاح التاسع. إنجيل متَّى والأصحاح التاسع. فنحنُ نُتابع دِراستنا للأعداد مِن 18 إلى 26. متَّى الأصحاح التاسع والأعداد مِن 18 إلى 26. وقد عَنْوَنَّا هذا المقطع: "سُلطان يسوع على الموت". فما مِن شيءٍ أروع بالنسبة إلينا مِنْ أنْ نَعلم أنَّ المسيح قد غَلَبَ الموت. ويُخبرنا كاتب الرسالة إلى العِبرانيِّين أنَّ يسوعَ جاءَ لِكَيْ "يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْت". ونتيجة لذلك، أنْ "يُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّة" (عبرانيِّين 2: 14 و 15). بعبارة أُخرى، فإنَّ الكاتب يقول إنَّ الناسَ يعيشون حياتهم بأسرِها تحت عبودية الخوف مِن الموت. ولكنَّ المسيح جاء لكي يُحرِّرَهم مِنْ ذلك الخوف. فالموت هو الشَّبَحُ الذي يُطارد حياة كُلِّ شخص. وكُلَّما عِشْتَ أكثر، زادت احتماليَّةُ موتك في المستقبل. ولكن حين نَعلمُ أنَّ المسيح قد غَلَبَ الموت، فإنَّ هذا هو أعظم فرح. ولكنَّ أغلبيَّة العالم لا يعرفون ذلك. لذا فإنهم يخافون مِنَ الموت.

وأعتقد أنَّني كُنتُ أظُنُّ طَوال حياتي أنَّ الرَّجُلَ الذي بَدا مُتماسكًا جدًّا، والرجل الذي بَدا مِنْ خلال نمط الحياة في العالم بأسره، والدِّيانات في العالم، ومِن خلال الشعبيَّة الواسعة ووسائل الإعلام وكلِّ تلك الأشياء - أنَّ الرَّجُلَ الذي يَبرُزُ بوصفه شخصًا فريدًا، على الأقل في فترة حياتي، والذي كان العالم يَظُنُّ أنه مُتماسكٌ أكثر مِنْ أيِّ شخصٍ آخر هو "مَهاتما غاندي" (Mahatma Gandhi). فقد بدا أنه يعيش في سلام. وقد بدا أنه يحيا في سلامٍ تامٍّ مع نفسه. وقد بدا أنه لا يعرف الخوف البتَّة. وقبل خمسَ عشرة سنة مِنْ موت غاندي كَتَبَ يقول: "يَلزمني أن أخبركم بكل تواضُع أنَّ الهندوسيَّة كما أعرفُها تُشبعُ روحي تمامًا. فهي تملأ كِياني بأسرِه، وأنا أجدُ في الـ ’بهاجافاد‘ [Bhagavad] والـ ’أوبانيشاد‘ [Upanishad] تعزيةً لا أجدُها حتَّى في العظة على الجبل". فقد كان يشعر بالسَّلام التامّ والراحة التامَّة في ديانته الهندوسيَّة. ولكنَّهُ كَتَبَ ما يلي قبل موته: "لقد باتَتْ أيَّامي معدودة. فَمِنَ المرجَّح أنَّني لن أعيش وقتًا طويلاً، رُبَّما سنة أو أكثر قليلاً. وللمرَّة الأولى منذ خمسين سنة أجد نفسي في حَمْأة اليأس". مُلاحظة: هذا مُدهش. فمنَ المؤكَّد أنه كان يقرأ كتاب "سياحة المَسيحيّ". ثم إنه قال: "إنَّ الظُّلمةَ تَكْتَنِفُني. وأنا أُصَلِّي بيأسٍ مِنْ أجل النُّور". فحتَّى "مَهاتما غاندي" (الَّذي بَدا مُتماسكًا تمامًا) وَجَدَ عندما ابتدأَ في مواجهة الموتَ الَّذي لا مَفَرَّ منه أنَّ كُلَّ شيءٍ يَنْهار.

والناسُ يفعلون أُمورًا سخيفةً عندما يُفكِّرون في الموت وذلك بسبب خوفِهِم. فهناك رَجُلٌ قرأتُ عنه (وهو صانع ساعاتٍ تُرْكِيّ) قَرَّرَ أنْ يَبني لنفسه قبرًا خاصًا له نافذة علويَّة طولُها عشرون سنتمترًا. وقد خَطَّطَ لِوَضْعِ زِرٍّ وجَرَسِ إنذارٍ كهربائيٍّ في داخل القبر لكي يتمكَّن (في حال دَفْنِهِ حَيًّا بالخطأ) مِنَ الضغط على الزِّرّ وإطلاق جرس الإنذار في غرفة الحارس في المقْبَرة. وقد خَطَّطَ أيضًا لوضع مِصباحٍ كهربائيّ في القبر. وقد أَوْصَى الأشخاصَ الذين سيدفنونه بأنْ يُبقوا المِصباحَ مُضاءً طَوال سبعة أيَّام، وأن يَرجِعوا لتفقُّده بعد سبعة أيام. وفي حال وجدوه مَيْتًا، يُمكنهم أن يُطفئوا المصباح. وفي البرازيل، قام مُهندسٌ مِعماريٌّ بتصميم مَقْبرة على شكل ناطِحَة سحاب تَضُمُّ تسعًا وثلاثين طبقة. وهناك الكثير مِنْ ناطحات السحاب في البرازيل. وأغلبها يَسْكُنُها أُناسٌ أحياء. أمَّا ناطحة السحاب هذه فسوف تَضُمُّ جُثَثًا. وهي تَتَّسِعْ لمئةٍ وسبعةٍ وأربعينَ ألفَ جُثَّة، ويوجد فيها مَهْبِطٌ للطائرات العَموديَّة حَتَّى يَتِمّ نقل الجُثث إليها بسرعة. وسوف تَضُمُّ كنيسَتَيْن وواحدةً وعشرين غُرفةَ صَلاة، وأسِرَّةً مُريحة للأصدقاء النائحين. وسوف تُسْمَعُ الموسيقا الهادئة والمُهدِّئة للأعصاب على مدار الساعة. وهذا كُلُّه مِنْ أجل مُعالجة مشكلة الدَّفْن المُستعصية في البرازيل المُكتظَّة.

وهل تَعلمون أنَّ بريطانيا العُظمى هي أوَّلُ بلد في العالم يَتِمُّ فيها حَرْقُ الجُثث أكثر مِنْ دَفْنِها؟ فَهُمْ يُواجهون حقيقةً لا مَفرَّ منها وهي أنه لم تَعُد هناك أماكن لدفْن الجُثث. وفي اليابان، هناك ازدحامٌ هائلٌ في القبور حتى إنَّ أفراد العائلة الملكيَّة هُمُ الوحيدون الذين يَضمنونَ وجود قبرٍ لهم. وروسيا تملك أكبر مَقبرةٍ في العالم. فهي تَمْلِك مَقبرةً تَضُمُّ خمسِمئةِ ألفِ جُثَّة. ومؤخَّرًا، تَمَّ بناءُ ضَريحٍ ضخمٍ في "سان دييغو". وفي ذلك الضَّريح الضخم، هناك مُتَّسَعٌ لسبعينَ ألفِ جُثَّة. وبِجوار ذلك الضَّريحِ الضخم، هناك حديقة. وفي تلك الحديقة، هناك نسخةٌ طِبْقُ الأصل عنِ القبر الموجود في البستان في أورُشليم، والذي يَعتقدُ كثيرونَ أنَّ يسوع قام مِنَ الموت فيه. وتلك النسخة المُطابقة موجودة في ذلك الضَّريح الضخم. وسوف يبقى ذلك القبرُ فارغًا والبابُ مفتوحًا دائمًا لكي تَرى بعينيك أنَّ قَبْرَ يسوع فارغ. ويبدو أنَّ الرسالة هي أنَّ تلك القبور الأُخرى التي ترْقُد فيها أجسادُ الأشخاص الذين يعرفونه ستصير فارغةً في يومٍ ما أيضًا.

وبالرغم مِن ذلك فإنَّ الأرض مليئة بالقبور. وسواءٌ كانت القبور تحت الأرض أو فوق الأرض، فإنها موجودة في كلِّ مكان. فالموت يُحَوِّم في الأُفُق فوق كُلِّ شخص. لذلك، مِنَ المُدْهِش أنْ نُدرِك أنَّ يسوع جاء لكي يغلب الموت. وأرجو أن تنظروا إلى إنجيل يوحنا والأصحاح الخامس لأنَّني أعتقد أنهُ يَحوي مقطعًا يُرَكِّزُ على هذا الأمر؛ معَ أننا نستطيع أن نُناقشَ مقاطعَ أُخرى عديدة. استمعوا فقط إلى بِضْعِ آيات ابتداءً مِنْ إنجيل يوحنَّا 5 والعدد 21: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاء". العَدد 24: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ". العدد 26: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ". وَهُوَ يقول في الأصحاح الحادي عشر: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَد". بعبارة أخرى فإنَّ يسوعَ يَقول إنه يَملك سُلطانًا على الموت. فقد قال: "الآبُ لهُ سُلطانٌ على الموت، وقد أعطاني سُلطانًا على الموت". وقد قالَ أيضًا: "إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ". فقد كان عمل المسيح يتركَّز على قَهْر الموت وإزالة الخوف مِنَ الموت. أو كما قال الرسول بولس في الأصحاح الخامس عشر مِنْ رسالته الأولى إلى أهل كورنِثوس: "لقد جاء المسيح لكي يَنْزِع شوكة الموت ولكي يَنتصرَ على الهاوية. وفي النهاية فإنَّ المسيَّا سيؤسِّس حالةً أبديَّةً إذْ نقرأ في سِفْر الرؤيا 21: 4: "وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ". فالمسيَّا سيغلب الموت. وإنْ كان هذا صحيحًا، يجب على أيِّ شخصٍ يَزْعُم أنه المسيَّا أن يُبَيِّن سُلطانَهُ على الموت. أليس كذلك؟ انظروا معي إلى إنجيل متَّى 11: 5. فقد أراد يوحنا المعمدان أن يَعرِف إنْ كان يسوع هو المسيَّا حقًّا، ابن داود الموعود. لذلك فقد أَرسلَ يُوحنَّا اثنين مِنْ تلاميذه ليعرفوا الإجابة. ونقرأ في العدد الثالث مِنَ الأصحاح الحادي عشر مِنْ إنجيل مَتَّى أنَّ التِّلميذان جاءا وقالا: "أَنْتَ هُوَ الآتِــي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟" هل أنتَ المسيَّا؟ هل أنتَ الموعود؟ هل أنتَ الشَّخصُ الَّذي كانَ يوحنَّا يُعلنُ عن مجيئه؟" فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمَا: "اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَان". [وما هي هذه الأشياء؟] "اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى [ماذا؟] يَقُومُون". فهذه أوراقُ اعتمادٍ مَسيحانيَّة. فهكذا نَعلم أنهُ الملك. ومَتَّى يُريدُ مِنَّا أن نَفهم ذلك. لذا فقد استعرضَ مَتَّى في الأصحاحَيْن الثامن والتاسع قُدْرةَ المسيَّا المُعجزيَّة. فقد بيَّنَ لنا أنَّ يسوع يَمْلِك سُلطانًا على الأمراض (في الأصحاح الثامن والأعداد مِن 1 إلى 17). وقد بَيَّنَ لنا أنه يَمْلك سُلطانًا على الاضطرابات الماديَّة والروحيَّة والأخلاقيَّة (ابتداءً مِنَ الأصحاح الثامن والعدد 23 إلى نهاية الأصحاح التاسع والعدد 17). والآن، ابتداءً مِنَ الأصحاح التاسع والعدد 18 وحتَّى نهاية العدد 35)، يُبيِّن لنا مَتَّى أنَّ يسوع يَمْلِك سُلطانًا على الموت. فهو يَمْلِك سُلطانًا على المرض، والاضطرابات، والموت. فهو يستطيع أن يُعيد البَصَرَ للعُميْ. وهو يستطيع أن يُعيد السَّمْعَ للصم. وهو يستطيع أن يجعل الخُرْس يتكلمون. وهو يستطيع أن يُقيم الموتى. وهنا تَكْمُن أوراقُ اعتماد المسيَّا. فما نَراه يفعله في حياته على الأرض هو صورة عَمَّا يستطيع أن يفعله في ملكوته الأبديّ.

والآن، في النَّصِّ الذي أمامنا (ابتداءً مِنَ العدد 18)، سنُركِّز على سُلطانه على الموت، وهو العَدُوُّ الأكبر. ونجد هنا ثلاثَ مُعجزات: الأولى هي إقامةُ الصبيَّة الميتة. والثانية هي إعادة البصر لشخصٍ أعمى. والثالثة هي إعادة القُدرة على التكلُّم لشخصٍ أخرس. وبصورة مِنَ الصُّوَر فإنَّ جميع هذه المُعجزات تُظْهِر قُدرته على الموت. ففي حالةٍ مِنَ الحالات، فإنه يُعيد القُدرة إلى النُطْق لصوتٍ مَيِّت. وفي حالةٍ أُخرى، فإنه يُعيد البَصَرَ لعينَيْنِ مَيِّتَتَيْن. والخُلاصة هي أنه قادرٌ ليس فقط على إقامة أجزاءِ الجسد مِنَ الموت، بل إنه قادرٌ أنْ يُقيمَ الجسدَ كُلَّهُ مِنَ الموت كما أقام هذه الصبيَّة مِنَ الموت. وكما قُلنا قبل أُسبوعَيْن (عندما ابتدأنا في دِراسة الأعداد مِنْ 18 إلى 26)، فإننا لا نُريد فقط أن نُرَكِّز على مُعجزة القيامة في ذاتِها، بل نُريد أن نُراقب يسوع لأننا سنتعلَّم هنا كيف كان يُعامل الناس. فنحنُ لا نرى فقط العوامل المُختصَّة بقُدرته بوصفهِ الله المُتجسِّد، بل نَرى أيضًا رِقَّتَهُ في التعامل مع الناس. وهذا يَتَّضِح تمامًا عند تأمُّلنا في هذا المقطع.

والآن، لِنُراجِع بإيجاز أسلوبَ يسوع في مُعاملة الناس، وهذا هو المُخطط الذي سنتْبَعه. أولاً، لقد كان يسوع مُتاحًا. انظروا إلى كيف ابتدأ الأمر في العدد 18 إذْ نقرأ: "وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُهُمْ بِهذَا". أرجو أن تتوقَّفوا هنا. ولِعلَّكُم تذكرون أننا أشرنا في المرَّة الماضية إلى أنَّ يسوع كان مُنهمكًا في الحديث معَ الفَرِّيسيين وأتباع يوحنا المَعْمدان. وفي كُلِّ مكان ذهب إليه، كان هناك حَشْدٌ كبيرٌ مِن الناس الذين يتبعونهُ ويَزْحَمونَهُ. فقد كان دائمًا في وسط الجُموع، وكان دائمًا مُحاطًا بالناس. ونحن نرى ذلك في كُلِّ إنجيل مَتَّى. فإذا رَجعتم مثلاً إلى الأصحاح الرابع والعدد 25، فإنكم تقرأون: "فَـتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ". وعندما نأتي إلى الأصحاح الثامن والعدد الأوَّل فإننا نقرأ: "وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ". ونقرأ في الأصحاح الثاني عشر والعدد 15: "وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ". ويمكنكم متابعة القراءة حتَّى الوصول إلى الأصحاح التاسع عشر والعدد الثاني إذْ نقرأ: "وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ". ونقرأ في الأصحاح 20 والعدد 29: "وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ". ونقرأ في الأصحاح 21 والعدد الثامن أنَّ جُموعًا كثيرةً تَبِعَتْهُ.

بعبارة أُخرى فإنَّ حياته بأسرها كانت مُتاحةً للناس إذْ إنه كان يُجيبُ عن أسئلتهم، ويَسُدُّ حاجاتِهم، ويَعِظ، ويُعَلِّم، ويَشفي، ويطرُد الشياطين. وهذا مبدأٌ رائعٌ، يا أحبائي. فالله مُتاح. واللهُ موجود. وهو يُمكن الوصول إليه. وهو يُمكن العثور عليه. فهو ليس شبيهًا بآلهة الوثنيِّين. وهو ليس إلهًا لا يستطيع شَعْبُهُ أن يَعثروا عليه. وهو ليس إله الشعوب التي كانت تعيش في زمن العهد القديم والذين قال لهم النبيّ: "لَعَلَّهُ مُسْتَغْرِقٌ فِي سَفَرٍ! أَوْ لَعَلَّهُ نَائِمٌ! ادْعُوا بِصَوْتٍ عَال لعَلَّهُ يَستيقظ!". فإلهُنا ليس هكذا. فعندما جاء يسوع المسيح إلى العالم وأخذ هيئةً بشريَّةً مِن خلال التجسُّد، صارَ اللهُ مُتاحًا.

ثانيًا، إنه ليس مُتاحًا فقط، بل إنه مُتَوَفِّرٌ. فنحن ننتقل مِنْ الجموع إلى الفَرْد في العدد 18 إذْ نقرأ: "إِذَا رَئِيسٌ قَدْ جَاء". ونحن نرى هنا شخصًا واحدًا مِنَ الجُموع. ثم نقرأ في العدد 20: "وَإِذَا امْرَأَةٌ". ففي خِضَمِّ كُلِّ شيء، فإنَّ التَّركيزَ يَنْصَبُّ على رَجُلٍ واحدٍ وامرأة واحدة، أيْ على فَرْد. لذا فإنه ليس مُتاحًا فقط بحيث يُمكنك أن تأتي إلى اجتماعاته، بل إنه متوفر أيضًا. فيُمكنك أن تُقابلهُ شخصيًا، ويمكنك أن تنتقل إلى حياته، وأن ينتقل هو إلى حياتك. فقد جاء إلى حياة أفرادٍ إذْ إنهُ لَمَسَ أبرَصًا. وقد ذَهَبَ إلى بيت قائدِ مِئَة كان له غُلامٌ مفلوج. وقد لمَسَ امرأةً مُصابةً بالحُمَّى، وقد شفى رجلاً مسكونًا بالشياطين، وقد شفى رجلاً مشلولاً. وهو يلتقي هنا أبًا ماتت ابنتُه، وامرأةً تُعاني نَزْفًا حادًا. وما أعنيه هو أنه كان دائمًا مُتاحًا للفرد. وهناك شيئان يَختصَّان بهذه المُتاحِيَّة: أولاً، الحاجة؛ وثانيًا، الإيمان. فحيث توجد حاجة عميقة ويوجد إيمان عظيم، فإنه مُتَوَفِّر.

انظروا إلى العدد 18 الذي يقول: "إِذَا رَئِيسٌ قَدْ جَاء". ويُخبرنا الإنجيلان الآخران أنه كان رئيسَ المَجْمَع. فقد كان أعلى شخص في المُؤسسة الدينيَّة. وربما كان أَهَمَّ مُواطِنٍ، وأكثر شخصٍ يَحظى بالاحترام والإكرام، وأكثر شخصٍ مُتديِّن. وقد كان فَرْدًا في المُؤسسة التي كانت غالبًا مُعاديَّةً للمسيح. ولكِنْ بسبب يَأسِهِ الشديد (لأنَّ ابنتَهُ قد ماتت)، جاء إلى يسوع. وفي المرَّة الأولى التي جاء فيها، كانت ابنتُهُ على فراش الموت. ولكنْ عندما يَسْرُد مَتَّى القصة فإنه يَذكُرُ أنَّ الصبيَّة قد ماتت. لذا فقد كان أبوها يائِسًا. وقد جاء بسبب حاجته العميقة. ولكنه عَبَّرَ أيضًا عن إيمانٍ عظيمٍ إذْ نقرأ في العدد 18: "إِنَّ ابْنَتِــي الآنَ مَاتَتْ، لكِنْ تَعَالَ وَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهَا فَتَحْيَا". وهذا إيمانٌ عظيم ... إيمانٌ عظيم. فقد كانت لديه حاجة عميقة، وكان لديه إيمانٌ عظيم. وهنا يَكْمُن الشيء الجوهريّ لالتقاء النفس مع الله. لاحظوا ما جاءَ في مُنتصف العدد 18. فقد سَجَدَ له. لقد سجد له. فقد كان لدى هذا الرجل إيمانٌ مُخَلِّصٌ. والسجود هو واحدة مِنَ الكلمات المُفضَّلة لدى مَتَّى.

وقد يكون السجود زائفًا. قد يكون زائفًا. ففي الأصحاح الثامن عشر مِن إنجيل مَتَّى والعدد 26، أعتقد أنَّ السجود كان زائفًاً. ولَعَلَّكم تَذكرون أنَّ يسوع ذَكَرَ قِصَّةً عنْ رجلٍ كان يَدينُ بمبلغٍ كبيرٍ مِنَ المال يَعجزُ عن سَدادِه. وقد جاءَ وسَجَدَ أمامَ السيِّد وقال: "أرجوكَ أنْ تُسامِحَني. أرجوكَ أنْ تُسامِحَني. أرجوكَ أنْ تُسامِحَني. سوفَ أَدْفَعُ الدَّيْنَ كاملاً". وقد سامَحَهُ سَيِّدُه. ثُمَّ إنَّ ذلك الرجل التقى شخصًا يَدين له بمبلغٍ صغيرٍ مِنَ المال، بل صغيرٍ جدًّا. وقد زَجَّ به في السجن عندما لم يتمكن مِن سداد المبلغ. فقد كان سجود ذلك الرجل زائفًا. وقد كان مُرائيًا. فنحن نقرأ في العدد 26:

"فَخَرَّ الْعَبْدُ [أيْ ذلكَ الرَّجُل] وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ". فقد كان السجود زائفًا. لذا، قد يكون السجود زائفًا. وقد يكون خارجيًّا. وقد يكون لِمَصالِح شخصيَّة. ونحن نجد أيضًا سجودًا أنانيًّا في مَتَّى 20 والعدد 20 في قِصَّة أُمّ يعقوب ويوحنا. فقد أراد يعقوب ويوحنا أن يجلسا عن يمينِ الربِّ ويَسارِه في الملكوت. وقد أرادا أن يَرتفعا فوق جميع التلاميذ. لذلك فقد أَرْسَلا أُمَّهُمَا فجاءت إلى يسوع. ونقرأ أنَّها تَقَدَّمَتْ إِلَيْه "وَسَجَدَتْ وَطَلَبَتْ مِنْهُ شَيْئًا". وقد كان هذا سجودًا لِمَصلحة شخصيَّة. فقد يكون السجود زائفًا أو لِمَصلحة شخصيَّة. ولكنه قد يكون أيضًا حقيقيًّا وصادقًا. وأعتقد أنه عندما جاء هذا الرجل إلى يسوع فإنه جاء بِقلبٍ صادقٍ.

وإذا نَظرتم مثلاً إلى إنجيل مَتَّى 14: 33، أعتقد أنكم ستَرَوْنَ سجودًا حقيقيًّا. فقد كانَ يسوعُ قد مَشى على الماء. وعندما صَعِدَ إلى السَّفينة، جاءَ الناسُ الَّذِينَ كانوا في السَّفِينَة "وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: «بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!»". وهذا هو السجود الحقيقيّ، وهذه هي العبادة الحقيقيَّة. ويمكنكم أن تروا ذلك في الأصحاح 15. أليس كذلك؟ فنحن نقرأ في الأصحاح 15 والعدد 21: "ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَانْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ. وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً: «ارْحَمْنِــي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِــي مَجْنُونَةٌ جِدًّا»". وَهُوَ لم يُجِبْها بكلمة. فقد كانَ مُزْمِعًا أن يُقدِّمَ عرضًا دراميًّا هنا. "فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: «اصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!» فَأَجَابَ وَقَالَ: «لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ». فقد كانَ يُبَيِّنُ لهم أهميَّة ذلك. فقبل أن ينطلق في خدمته إلى الأمم ينبغي أن يذهب إلى اليهود وأن يُقَدِّمَ الملكوت لليهود. ولكنَّها أَتَتْ بإلحاحٍ (كما جاء في العدد الخامس والعشرين) وسَجَدَتْ لهُ قائلةً: "يا سَيِّدُ، أَعِنِّي!". وأعتقد أنَّ سجودَها كانَ صادقًا وحقيقيًّا. وعندما تَظاهَرَ بتجاهُلِها، فإنَّ ذلك سَاعَدَ في إظهار حقيقة إيمانها. "فَأَجَابَ وَقَالَ: «لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب»". بعبارة أخرى: "هَلْ أنا مُلْزَمٌ تُجاهَكِ بأيِّ شيء؟" ألستِ أُمَمِيَّة؟ فَقَالَتْ: "نَعَمْ، يَا سَيِّدُ!" وما الَّذي قَصَدَتْهُ بذلك؟ "أنتَ مُحِقٌّ. فأنا لا أستحقُّ أيَّ شيء. أنا لا أستحقُّ أيَّ شيء". ونحن نَرى هنا رُوْحًا مُتواضِعَةً. "أنا لا أستحقُّ أيَّ شيء، ولكِنْ يا رَبّ: الْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!". حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: "يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!" فهذا سُجودٌ حقيقيّ. فهو ليسَ سُجودًا أنانيًّا. فقد كانت تَعلم أنها لا تستحقُّ أيَّ شيء سِوى الفُتات. لذلك، قد يكونُ السُّجودُ زائفًا، أو قد يكونُ لأغراضٍ شخصيَّة، أو قد يكونُ حقيقيًّا. وإذا رَجعتم الآن إلى الأصحاح التاسع مِنْ إنجيل مَتَّى، أعتقد أنَّكم سَتَرَوْنَ هنا عبادةً حقيقيَّةً: "فَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: ... لكِنْ تَعَالَ وَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهَا فَتَحْيَا". فقد كانَ يُؤمِنُ حقًّا بذلك.

وإذا رَجَعْنا إلى الأصحاح الثامن، رُبَّما تَذكرون أنَّ قائد المئة قالَ في العدد الثَّامن: "غُلامي مَريض. لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأ". وقد قالَ يسوع إنَّهُ لم يَرَ إيمانًا أعظمَ مِنْ هذا في إسرائيل. ولكنَّ ذلك الرَّجُل آمنَ فقط بأنَّ يسوعَ قادرٌ أنْ يَشفي. أمَّا هذا الرَّجُل فآمنَ أنَّ يسوعَ قادرٌ أنْ يُقيمَ الأموات. لذلك، مِنَ المؤكَّد أنَّه كانَ يؤمن أنَّهُ، في الحقيقة، مَسيحُ الله.

وبالمنُاسبة، هذا إيمانٌ أكثر مِنَ الإيمان الَّذي أَظْهَرَهُ التلاميذ في مُناسباتٍ عديدة. أتَعلمونَ ذلك؟ فنحن نقرأ في الأصحاح الثامن أنَّ الأمواج كانت تَضْرب القارب. ثم نقرأ في العدد 26: "فَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ خَائِفِين [وكيفَ وَصَفَ إيمانُهُم؟] يَا قَلِيلِــي الإِيمَانِ؟»". وقد قالَ لهم ذلك مِرارًا وتَكراراً. فنحن نقرأ في الأصحاح الرابع عشر والعدد 31، وفي الأصحاح السادس عشر والعدد الثامن: "يَا قَلِيلِــي الإِيمَان" ... "يَا قَلِيلِــي الإِيمَان". ونقرأ في الأصحاح السادس والعدد 30: "يَا قَلِيلِــي الإِيمَان".

وإن كان التلاميذ يؤمنون ولديهم إيمانٌ قليل، وكان هذا الرجل يَمْتلك هذا النوع مِن الإيمان، مِنَ المُؤكد أنه تَجاوَزَ النُّقطة الَّتي كان فيها إيمانُهُ كافيًا للحصولِ على الفداء. وأنا أُوْمِنُ أنَّ هذا الرجل قد آمَنَ حقًّا. فقد كانت لديه حاجة عميقة. وقد كان يائِسًا. وكان لديه إيمانٌ عظيم. ويسوعُ يتجاوبُ مع الإيمان العظيم. فنحن نقرأ في العدد التاسع عشر: "فَقَامَ يَسُوعُ وَتَبِعَهُ هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ". ونقرأُ في الإنجيلَيْنِ الآخَرَيْن أنَّ الجُموعَ فَعلت ذلكَ أيضًا. إذًا كان هناك جمعٌ كبير يسير في الشوارع الضيقة مُتَّجِهين إلى بيت هذا الرجل. فقد كان يسوع مُتاحًا، وكان مُتوفرًا. فها هو يترك الجُموعَ ويَتبع هذا الرجل المُنفَرِد الذي كانت لديه حاجة مُلِحَّة.

ولكنْ هُناكَ نُقطة ثالثة أُحِبُّها كثيرًا. فقد كانَ يسوع أيضًا قابلاً لِلَّمْس. لقد كان قابلاً للَّمس. فقد استمعتِ الجُموعُ إليه، وقد جاءَ ذلك الرجل المُنفرد وسَجَدَ له. والآن، نلتقي امرأةً لَمَسَتْه. فنحن نقرأ في العدد 20: "وَإِذَا امْرَأَةٌ نَازِفَةُ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً قَدْ جَاءَتْ مِنْ وَرَائِهِ" – وحَرْفِيًّا: "وَأَمْسَكَتْ" أو "تَشَبَّثَتْ بِهُدْبِ ثَوْبِهِ". فقد كانت مُصابةً بِنزفِ دم. وقد كان ذلك نوعا مِنَ النزف الدمويّ، وهو نزفٌ تُصاب به النساء. ومِنَ المُرجَّح أنه كان ناجمًا عن ورمٍ لِيفيّ. وربما كان سرطانًا، ولكِنْ لو كان كذلك لما عاشت اثنتا عشرةَ سنة. وقد جاء في الشريعة (في سِفْر اللَّاويِّين) أنه عندما تُصاب المرأة بمشكلة نَزْفٍ، وعندما تتعرض لمثل هذه المشكلة، فانَّ ملابِسَها تكون نَجِسَةً، والسريرَ الذي تنام عليه يكون نَجِسًا، وأيَّ شيء تجلِس عليه يكون نَجِسًا، وأيَّ شيء تَلْمَسُه يكون نَجِسًا. وقد كانت محرومةً مِنْ دخول المَجْمَع، ومحرومةً مِنْ عائلتها، ومحرومةً مِنْ العلاقة الزوجيَّة. فقد بقيت مُنعزلةً طَوال اثنتي عشرةَ سنة بوصفها امرأةً نَجِسة. ويا لها مِن حالةٍ يائِسة! فقد كانت مَعْزولة عن عائلتها، وأصدقائها، والشركة، والمجْمَع. ولم يكُن بمقدور أحدٍ أنْ يَلْمَسَها مِنْ دونِ أن يتنجَّس. ولكنها سَمِعَت عن يسوعَ وكان لديها هي أيضًا حاجة ماسَّة. وكان لديها هي أيضًا إيمان لأَنَّهَا قَالَتْ فِي نَفْسِهَا (في العدد 21) – أو كما يَقولُ النصُّ اليونانيُّ: "لأنها استمرَّتْ تُرَدِّدُ في نَفْسِها مِرارًا وتَكرارًا: «إِنْ مَسَسْتُ ثَوْبَهُ فَقَطْ شُفِيتُ». فذلك الرَّجُل يملك قُدرة هائلة. فيا ليتَني أستطيعُ أنْ أَلْمَسَهُ".

وقد كان لِكُلِّ يَهوديٍّ أربعةُ شُرَّابات تَتَدَلَّى مِنْ ثوبهِ. وكانت تلك الشُّرَّابات مصنوعة مِنْ خيوطٍ زرقاء. وكانت تَرمِزُ (بحسب ما جاء في سِفْر العدد الأصحاح 15، وسفر التثنيَّة والأصحاح 22)، كانت تَرْمِز إلى التكريس لناموس الله. وكانت تُشير إلى أنَّ ذلك الشخصَ يهوديّ. وبينما كان يسوع يمشي بين الجُموع، كان ذلك الهُدْب يتحرَّك إلى الأمام والوراء في الجزء الخلفيِّ مِنْ ثوبه. وقد مَدَّتْ يَدَها وأمسكت ذلك الهُدْبَ وتَشَبَّثَتْ به. وفي العدد 22، ما الذي حَدث؟ "فَالْتَفَتَ يَسُوعُ وَأَبْصَرَهَا، فَقَالَ: «ثِقِي يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ». فَشُفِيَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ تِلْكَ السَّاعَة". فقد تجاوب يسوع مع ذلك. فقد كان قابلاً للَّمس. وقد كان مُرهف الحِسِّ ومُتجاوبًا. عندما كان السِّير "جيمس سمبسون" (Sir James Simpson)، وَهُوَ قِدِّيسٌ عظيم، عندما كان على سرير الموت، أراد أحد أصدقائه أن يُعَزِّيه فقال له: "الحقيقة، يا جيمس، هي أنك ستتمكن قريبًا مِنَ الارتياح في حِضْنِ يسوع. فأجابه باتِّضاعٍ تامّ: "لا أدري إنْ كان بمقدوري أنْ أفعل ذلك، ولكنْ أعتقد أنه بمقُدوري أنْ أُمْسِك هُدْبَ ثوبه". والحقيقة هي أنَّ تلك المرأة لم ترغب في أن يَراها أحدٌ - تَجَنُّبًا للحَرَجِ والعار. فقد أرادت فقط أن تَمُدَّ يدَها وأن تَلْمَسَه. ولكنها كانت تَمْلِك الإيمان الكافي بأنَّ ذلكَ هُوَ كُلّ ما يَلزَم لأنَّه كان يَملكُ قُدرةً هائلةً. صحيحٌ أنَّ دَافِعَ ذلك الرئيس لم يكن نَقِيًّا تمامًا إذْ إنه أراد، في الحقيقة، أنْ تحيا ابنتُه. وصحيحٌ أنَّ إيمانَ هذه المرأة لم يكُن إيمانًا صحيحًا مئة بالمئة لأنه كان إيمانًا شبيهًا بالخُرافات. ولكنَّ يسوع قَبِلَ كُلًّا منهما وفَداهُما.

والآن، انظروا قليلاً إلى ما جاء في نهاية العدد 21 إذْ إنها قالت في نفْسِها إنها لو استطاعتْ فقط أن تَلْمَسَهُ، ثُمَّ إنَّ يسوع التفتَ فحدث شيءٌ لا يُدَّونهُ مَتَّى. ولكنَّ لوقا دَوَّنَهُ. وأُريد منكم أن تَرَوْا ذلك في إنجيل لوقا والأصحاح الثامن. فهناك الكثير مِنَ الأحداث المُتداخلة هنا حَتَّى إنَّ الإنجيلَيْن الآخرَيْن يَذكران أحداثًا لا يَسَعُنا أنْ نُلِمَّ بها في دراستنا. ولكني أَوَدُّ، على أقلِّ تقدير، أنْ أُريكم هذا الأمر. فنحن نقرأ في إنجيل لوقا 8: 44 أنَّها "جَاءَتْ مِنْ وَرَائِهِ وَلَمَسَتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ. فَفِي الْحَالِ وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا". فقد توقَّفَ وانتهى الأمر. فقد شُفِيَتْ حالاً. وكم أُحِبُّ ذلك! "فَقَالَ يَسُوعُ: «مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟»" ... "مَنِ الَّذي لَمَسَني؟". "وَإِذْ كَانَ الْجَمِيعُ يُنْكِرُونَ، قَالَ بُطْرُسُ وَالَّذِينَ مَعَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، الْجُمُوعُ يُضَيِّقُونَ عَلَيْكَ وَيَزْحَمُونَكَ، وَتَقُولُ: مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟»" "لا بُدَّ أنكَ تَمْزَح. فالناسُ يُضَيِّقونَ عليكَ ويَزْحَمونَكَ مِنْ كُلِّ مَكانٍ في الشَّارِع وأنتَ تقول: مَنِ الَّذي لَمَسَني؟"

ولكنَّ يسوع كان يَعرف الفرقَ بين الجموع المُحتشدة والمُتزاحمة وبين لَمْسَةِ الشخص الصَّادق. "مَنِ الَّذي لَمَسَني؟" وكم أُحِبُّ ما جاء في العدد 46: "فَقَالَ يَسُوعُ: «قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ [قَدْ أَمْسَكَني واحِدٌ]، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي»". وهذه جملة رائعة. وهل تعلمون ما الذي أَفْهَمُهُ منها؟ أنَّ يسوع كان القناةَ لتوصيل مشيئة الآب بأنَّ الآب قادرٌ أن يشفي مِنْ خلاله قبل حَتَّى أنْ يَعلمَ مَنْ لَمَسَهُ. فعندما قال: "لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لأَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي"، كانَ يَعني ذلك. فقد شعر بالقوة تخرج منه. فقد كان قابلاً للَّمس، وكان مُرهَفَ الحِسِّ جدًّا للشخص الذي لَمَسَهُ. وهو يَعرف الفرق بين شخصٍ يَصطدم به، أو شخصٍ فُضوليٍّ، أو شخصٍ مُتحمِّسٍ، وشخصٍ يَتعلَّقُ به بدافع اليأس والإيمان. فقد كان يَعرف القلب المُتعلِّق به. وهو يَعرف الشخص الذي يُريد أن يُخْرِجه مِنْ بين الجموع وأن يقول لَهُ: "أنت هو مَنْ لَمَسَني".

واسمحوا لي أن أُقدِّم لكم فكرةً رابعةً: فهو لم يكُن فقط مُتاحًا، ومتوفرًا، وقابلاً للَّمس، بل إنه كان أيضًا غير مُنْحاز. فهو لم يكن مُنْحازًا. فعندما التفتَ لكي يتحدَّث مع هذه المرأة، أَظهر أنه لم يكُن مُتَحَيِّزًا البتة. فقد كان بمقدُره أنْ يقول: "انظري أيتها السيدة، أرجو أن تَتركي هُدْبَ ثوبي. فأنا أُحاول الوصول إلى بيت الرئيس". أو كما قال أحد الأشخاص: "لا تَعبَثي بِهُدْبِ ثوبي. فأنا أُحاول الوصول إلى ذلك الشخص. اسمعيني جيِّدًا: إن كان بمقدورنا أن نجعل ذلك الشخص يَهتدي فإنَّ ذلك سيكون إنجازًا رائعًا لأنه رئيسُ المَجْمَع. وما أعنيه هو أنهُ ستكون هناك نهضة في هذه البَلْدة. لذلك، أترُكيني. فيجب عليَّ أن أنطلق. فهذا أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا". ولكِنْ لا. فكما تَرَوْن، فإنَّ الله لا يَنظر البتَّة إلى المشاهير، وإلى الأضواء الساطعة، وإلى الأشخاص المعروفين جدًّا. بل إنه يَلتفت دائمًا إلى أشخاصٍ مِثْلَنا. والكتاب المُقدَّس يقول إنَّ النبيّ إشعياء تَنَبَّأ أنه عندما يأتي المسيَّا، فإنه سَيَكْرِز بالإنجيل لمَنْ؟ للمساكين. وقد قال بولس: "لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفاء، ولَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ المُنسحقِينَ والضُّعَفاءَ والوَضيعينَ والجُهَّالَ". فنحنُ المُزْدَرى وغير الموجود. أتَعلمونَ ذلك؟ حقًّا!

لقد كنتُ أقرأُ في هذا الأسبوع كتابًا مُدهشًا بعنوان "قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا" (Fearfully and Wonderfully Made) كَتَبَهُ الدكتور "بول براند" (Dr. Paul Brand) و "فيليب يانسي" (Philip Yancey). وهو كتابٌ ينبغي أن تقرأوه. فهو رائعٌ. وهو يتحدَّثُ في مقطعٍ مِنْ هذا الكتاب عن كيفَ أنَّ شعبَ اللهِ هُمْ المُزْدَرى وغير الموجود. وهو يَقتبس أقوالَ الرِّوائيّ "فريدريك بوكنر" (Frederick Buechner) الَّذي قال: "مِنْ كانَ يتوقَّع أنْ يختارَ اللهُ لا عيسو الصَّادق والجدير بالثِّقة، بل يعقوب المُخادِع والمُتَعَقِّب؟ ومَنْ كان يتوقَّع أنَّ اللهَ سيضع إصبَعَهُ على نوح الَّذي سَكِر؟ أو على مُوسى الَّذي كان يحاول أن ينجو مِنَ العقوبة في مِدْيان بسبب قَتلِهِ رَجُلًا في مِصْر. ولولا أنَّ اللهَ كانَ لهُ قَصْدٌ ومشيئة لَجَعَلَ هارون يُواجِهُ عَواقِبَ أفعالِه. ومَنْ كان يتوقَّع أنَّ الله سيختار الأنبياءَ مِنْ فئةِ الناسِ المُعْدَمينَ والحَمْقى في مُعْظَمِ الحالات".

ثُمَّ يُضيف "بول براند" قائلاً: "يبدو أنَّ الاستثناءَ هو القاعدة. فالإنسانان الأوَّلان الَّلذانِ خَلَقَهُما اللهُ خَرَجا وفَعَلا الشيءَ الوحيدَ الَّذي نَهاهُما اللهُ عنه. والإنسانُ الَّذي اختارَهُ اللهُ أبًا للأُمَّة الجديدة الَّتي ستُعرَفُ بشعب الله كَذَبَ بشأنِ زوجَتِه أمامَ فِرْعونَ الَّذي لم يُساوِرهُ الشَّكّ أصلاً. وعندما قيلَ للزَّوجة نفسِها وهي في سِنِّ الحادية والتِّسعين أنَّ اللهَ سيَجْعَلُها تَلِدُ الابنَ الَّذي وَعَدَها به، ضَحِكَت في وجهِ الله. وراحابُ الزَّانية نالتْ كَرامَةً بسببِ إيمانِها العظيم. وسُليمان، أَحْكَمُ رَجُلٍ عاشَ يومًا، حادَ عنِ الصَّوابِ وكَسَّرَ كُلَّ مَثَلٍ كَتَبَهُ بحِكمة بالِغَة".

وحتَّى بعد يسوع، فقد استمر النمطُ نفسُهُ. فالتلميذان اللَّذان سَاهَما أكثرَ مِنْ غيرهما في نَشْرِ كلمة الله بعد مُغادرته (أيْ: يوحنَّا وبُطرس) هما التِّلميذان اللَّذان وَبَّخَهُما أكثرَ مِنْ غيرهما بسبب روح الخِصام والغباوة. والرسولُ بولس (الذي كَتَبَ أسفارًا أكثر مِنْ أيِّ كاتبٍ آخر مِنْ كُتَّاب الكتاب المقدَّس) اختير للمأموريَّة فيما كان يَجولُ مِنْ بلدةٍ إلى أُخرى ويَنْفُثُ تَهَدُّدًا على المسيحيِّين لكي يَضطهدَهم. فقد كان يسوع جريئًا في تسليم هذه المبادئ السامية المُختصَّة بالمحبة والوَحدة والشركة إلى هذه المجموعة. لذلك، لا عَجَبَ أنَّ المُتَهَكِّمين نَظروا إلى الكنيسة وتَنَهَّدوا قائلين: "إنْ كانت هذه هي المجموعة التي يُفترَض بها أن تُمَثِّلَ الله، فإننا سنُسارِع إلى التصويت ضِدَّها". أو كما قالَ "نيتشه" (Nietzche): "ينبغي أنْ تَظهرَ ملامح الخلاص على تلاميذه أكثرَ مِنْ ذلك إنْ كنتُ سَأُوْمِنُ بِمُخَلِّصِهِم".

نَحْنُ المُزْدَرى وغير الموجود. أليس كذلك؟ فنحنُ الأدنياء والضعفاء والأغبياء. ونحنُ نَشترك جميعًا في صِفَتَيْن وهُما أنَّ لدينا شعورًا بالحاجةِ المُلِحَّة، وأنَّ لدينا إيمان. لذا فإنَّ يسوع لا يُحَابي أحدًا: وكما يقول بولس: "لأَنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ [ماذا؟] مُحَابَاةٌ". لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ، ليسَ غنيٌّ وَلا فقير. لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ.

لذلك فقد أَوْقَفَ يسوعُ كُلَّ شيء لكي يَهتمَّ بأمر المرأة المَنبوذة. وعندما تعامل معها فإنه لم يتعامل معها مِنْ بُعْد، بل لاحظوا ما يقولُهُ لها في العدد الثاني والعشرين مِنَ الأصحاح التَّاسع مِنْ إنجيل مَتَّى: "يَا ابْنَة" – "يا ابنة؟" مَهْلاً. فهذهِ كلمة أَليفَة جدًّا. وهذه كلمة شخصيَّة جدًّا. وهذه كلمة عائليَّة جدًّا. وهذه كلمة رَقيقة جدًّا. وهي تَنْطوي على دِفْءٍ كَبيرٍ جدًّا، وعاطفة كبيرة جدًّا. "يا ابنة". وقد كانَ هذا كافيًا لِجَذْبِها: "ثِقي" ... "ثِقي يا ابنة". يا لها مِنْ رِقَّة! ويا لها مِنْ عَدَم مُحاباة. ثُمَّ إنه يقول هذه الكلمات الَّتي أُحِبُّها: "إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ". فَشُفِيَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ تِلْكَ السَّاعَة. والآنْ مَهْلاً. فقد كانتْ قد شُفِيَتْ أصلاً قبلَ أنْ يقولَ لها ذلك. وقد كانَ ما قالَهُ لها شيئًا إضافيًّا. فقد شُفِيَتْ منذ اللَّحظة الَّتي لَمَسَتْهُ فيها، ولكِنْ عندما أَخْرَجَها مِنْ وَسْط الجموع، قالَ لها: "هناكَ شيءٌ آخر. لم يكن شفاؤُكِ مُرتبطًا بأيِّ شكل مِنَ الأشكال بإيمانِكِ. لا، بل إنها سيادةُ الله". وإذا درستم الأناجيل وقصة المسيح ستجدون أُناسًا كثيرين جدًّا نالوا الشفاء، ولكننا لا نقرأ عمَّا إذا كانوا قد آمنوا أَمْ لا. فهل كان لدى الصبيَّة الصغيرة التي قامت مِن الموت إيمان؟ أعتقد أنَّ الإجابة هي: "لا". وماذا عن غُلام قائد المئة المفلوج الذي شُفي؟ هل كان لديه إيمان؟ لا. والحقيقة هي أنكم إذا نظرتم إلى الأناجيل فإنكم ستجدون مواضع كثيرة جدًّا جدًّا جدًّا عن أُناسٍ نالوا الشفاء مِنْ دون أن توجد إشارة واحدة إلى أنه كان لديهم إيمان. فقد كان الشفاء يحدث بسيادة الله المُطلقة فيما كان يسوع يُظْهِر لاهوتَهُ. وما زال الشفاء يحدُث بسيادة الله المُطلقة. ولكِنْ فَضْلاً عنِ الشِّفاءِ الجَسَديّ، فإنَّه عندما يَذكُرُ إيمانَها لا يستخدم الكلمة "إياؤوماي" (iaomai) والتي تُشيرُ إلى الشفاءِ الجسديّ، بل إنه يستخدم الكلمة "سودزو" (sodzo)، وهي الكلمة المُستخدمة في العهد الجديد بمعنى "يَخْلُص": "إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ". فَخَلَصَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ تِلْكَ السَّاعَة". صحيحٌ أنها شُفيت بمعنى أنَّها تَحَرَّرتْ مِنْ أَهوالِ المرض، ولكِنَّنا نَجِدُ هنا جانبًا فِدائيًّا. فقد خَلَصَت. فهناك ما هو أكثر مِنَ الشفاء الجسديّ.

انظروا إلى مَرقُس 10 واسمحوا لي أن أُبَيِّن هذا الأمر لكم. فهذا في نظري حَقٌّ مُدهِش. مَرقُس 10: 46. وسوف نَرْبِط هذه الأمور معًا. مَرقُس 10: 46:

"وَجَاءُوا إِلَى أَرِيحَا. وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحَا مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٍ غَفِيرٍ [كالعادَة]، كَانَ بَارْتِيمَاوُسُ الأَعْمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ، ابْتَدَأَ يَصْرُخُ وَيَقُولُ: «يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!» [فقد ناداهُ بِلَقَبِهِ المَسيحانِيّ]. فَانْتَهَرَهُ كَثِيرُونَ لِيَسْكُتَ [اصْمُتْ يا بارتيماوس]، فَصَرَخَ أَكْثَرَ كَثِيرًا: «يَا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!» [وقد كانت تلكَ صَرْخةٌ نابعةٌ مِنْ إيمانه العظيم]. فَوَقَفَ يَسُوعُ وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى. فَنَادَوُا الأَعْمَى قَائِلِينَ لَهُ: «ثِقْ! قُمْ! هُوَذَا يُنَادِيكَ». فَطَرَحَ رِدَاءَهُ وَقَامَ وَجَاءَ إِلَى يَسُوعَ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟» فَقَالَ لَهُ الأَعْمَى: «يَا سَيِّدِي، أَنْ أُبْصِرَ!». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ. إِيمَانُكَ [وَهُوَ يَستخدمُ الفِعْل "سودزو"] قَدْ خَلَّصَكَ». فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَ، وَتَبِعَ [مَنْ] يَسُوعَ فِي الطَّرِيق".

وأعتقد في تلك الحالة أنَّ الكلمة "سودزو" تُستخدَم لا فقط للإشارة إلى أنَّ الرجل شُفِيَ، بل إلى أنَّ الرجل نالَ الخلاص أيضًا. فقد كان هناك عُنصرُ خلاص يَختصُّ بالرُّوح. فإنْ كان لديه ذلك النوع مِن الإيمان، فإنَّ ذلكَ كان كافيًا لتخليص رُوحه إنْ آمنَ أنَّ يسوعَ هو الربُّ وأنَّهُ ابنُ داود.

وانظروا إلى لوقا 7: 44. فهي قصة رائعة. وهي قصة مُدهشة. وأُريد أنْ أُبيِّن لكم أنَّ هذا هو أهمُّ مقطعٍ مُشابه. لوقا 7: 44. فقد كانت هناك امرأة. ونحن نقرأ ابتداءً مِن العدد 44:

"ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ [وسوفَ تَعرفونَ القصَّة أثناءَ قِراءَتي لها] وَقَالَ لِسِمْعَانَ: «سِمْعان، أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ [لقد غَسَلَتْ رِجْلَيَّ] بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ. بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلاً». ثُمَّ قَالَ لَهَا: «مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ».

اسمعوني: لقد أَظْهَرَتْ هذه المرأة محبةً كبيرةً، وعبادةً كبيرةً، واحترامًا كبيرًا للمسيح حَتَّى إنها نالت الفداءَ، وحتَّى إنه غَفَرَ لها خطاياها. "فَابْتَدَأَ الْمُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: «مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضًا؟» [مَنْ يَقدرُ أنْ يَفعلَ هذا؟]. فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ [لاحِظُوا الآتي. فهي نفسُ العبارة المستخدمة في الشِّفاء الَّذي قرأنا عنهُ قبل قليل]: «إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ»". فلا يوجد شفاء هُنا، بل فقط غُفران الخطايا. والعبارة التي تحوي الكلمة "سودزو" (كما جاء في النص اليونانيّ) تُسْتَخدم للإشارة إلى خَلاصِها. لذا فإنني أقول إنه ينبغي لنا أنْ نَرى ذلك الجانب عندما تَسْتَخْدِمُ العِبارَةُ الكلمة "سودزو".

لوقا 17. أتذكرونَ القصَّة؟ فقد جاءَ عَشَرَةُ رِجالٍ بُرْصٍ إلى يسوع. "فَنَظَرَ وَقَالَ لَهُمُ: «اذْهَبُوا وَأَرُوا أَنْفُسَكُمْ لِلْكَهَنَةِ» [في العدد 14 مِنْ لوقا 17: "اذْهَبُوا إلى الكَهَنَة"]. وَفِيمَا هُمْ مُنْطَلِقُونَ طَهَرُوا". والآنْ، راقبوا ما حدث: فقد جاءَ عَشَرة، وتَمَّ إرسالُ عَشَرة، وتَمَّ تطهيرُ عَشَرة. والكلمة المستخدمة هنا هي "كاثاريتزو" (katharizo) - "كاثاريتزو"، وهي تَعني: "يَبرأ" أو "يَطْهُر". "فَوَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ شُفِيَ، رَجَعَ يُمَجِّدُ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ [أيْ: عندَ رِجْلَيْ يسوع] شَاكِرًا لَهُ، وَكَانَ سَامِرِيًّا. فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَلَيْسَ الْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ التِّسْعَةُ؟ أَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَرْجِعُ لِيُعْطِيَ مَجْدًا للهِ غَيْرُ هذَا الْغَرِيبِ الْجِنْسِ؟»" واحدٌ فقط رَجِع؟ وما الَّذي قالَهُ لذلك الشَّخص؟ "قُمْ وَامْضِ، إِيمَانُكَ [نفس المُصطَلَح. فهو يَستخدم الفعل "سودزو"] خَلَّصَكَ". فالتَّطهير "كاثاريتزو" شيء، والخلاص "سودزو" شيءٌ آخر. أَتَرَوْن؟ فقد طَهُرَ الرجالُ العَشَرَة. ولكنَّ واحدًا فقط نالَ الخلاص. واحدًا فقط. لذلك عندما تُستخدَم هذه الكلمة للإشارة إلى الخلاص، مِنَ المُؤسف أنَّ تَرْجَماتِ الكتاب المقدَّس لا تُوَضِّح هذا الفرق الَّذي يُشيرُ في اعتقادي إلى جانب الفداء. وكما قُلتُ سابقًا، فإنَّ الإيمان ليس ضروريًّا للشفاء. فهل تعلمون أنَّ هناك أُناسًا مَرضى يَشْفَوْنَ بالرغم مِنْ أنهم ليسوا مَسيحيِّين، وأنَّ هناك مَسيحيِّين يموتون. فهذا شيءٌ يختصّ بسيادة الله. فأحيانًا، قد يُكْرِمُ اللهُ إيمانَنا مِنْ خلال الشفاء، ولكنه يُكْرِم إيماننا دائمًا مِنْ خلال تَخليصِنا. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ يسوعَ أَحَبَّ الناسَ. وقد كانَ مُتاحًا.

ويُمكنكم أن تَرْجِعوا الآنْ إلى الأصحاح التاسع مِن إنجيل مَتَّى. فقد كان يسوع مُتاحًا، وقد كان متوفرًا، وقد كان قابلاً للَّمس، وقد كان لا يُحابي أحدًا. فقد كانت تلك السيدة المنبوذة مُهِمَّة في نظره بقدر أهميَّة رئيس المَجْمَع. وليتَ اللهَ يُحَرِّرُنا مِنْ مُحاباة أصحاب المناصِبِ، ومِنْ تجاهُل المُحتاجين.

في كتاب "ليلة لا تُنْسى" (A Night to Remember)، يتحدَّث "والتر لورد" (Walter Lord) عن غَرَق سفينة "تايتانيك" في سنة 1912، وأعتقد – أعتقد أنَّ ذلك حدث في شهر نَيْسان/إبريل. وعندما نُشِرَ الخَبَر في صحيفة "ذي أميريكان" (The American)، وهي صحيفة تَصْدُر في نيويورك، كانَ العُنوانُ الرئيسيُّ يقول: "المليونير ’جون جيكوب أستور‘ يَموتُ غَرَقًا". فقد ماتَ أُناسٌ آخرون، ولكِنْ هذه هي نظرة العالم إلى الأمر. فالأغنياء والمشاهير هُمْ فقط مَنْ تُنْشَر أخبارُهُم في الصُّحُف. ولكنَّ المسيح ليس كذلك. فانْ أردتم أن تتعلَّموا أيَّ شيءٍ مِن هذه القصة، أرجو ألَّا تتعلموا فقط مدى سُلطانه، بل أن تتعلموا كم كان مُتاحًا، ومتوفرًا، وقابلاً للَّمس، ولا يُحابي أحدًا. فهكذا هو الله. وهكذا ينبغي أن يكونَ الأشخاصُ الذين يُمَثِّلونَهُ.

وأودُّ أن أَخْتِم بهذه الفكرة: خامسًا، لقد كان يسوع مُقْتَدِرًا. لقد كان مُقْتَدِرًا. وقد نَمتلِك الصفاتِ الأربعَ الأولى، ولكنْ مِنَ المستحيل أنْ نمتلِك هذه الصفة. فأنا قد أتعاطفُ معك وأمُدُّ يدي لِمُساندتك، ولكنْ إنْ كنتَ مريضًا، لا يُمكنني أنْ أشفيك، وإنْ كنتَ مَيْتًا، لا يُمكنني أنْ أُقيمَك. وهذا هو ما يُمَيِّزُه.

وكم أُحِبُّ ما جاء في العدد 23 إذْ نقرأ: "وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ الرَّئِيسِ" [فقد كانت الوقفة طويلة فماتت الصبيَّة]، "وَنَظَرَ الْمُزَمِّرِينَ وَالْجَمْعَ يَضِجُّونَ" – والآن، مهلًا! نحنُ هنا أمامَ صَبيَّة مَيِّتة. فلماذا كُلُّ هذه الضجَّة؟ كما تَعلمون، إذا ذهبتم يومًا إلى بيت العَزاء، أو إلى مَأْتَمٍ، ستجدونَ أنَّ المكانَ هادئٌ جدًّا. فالجميعُ يَتكلَّمونَ هَمْسًا، ويَرتدونَ ملابس سوداء، ويَلزمونَ الصَّمت. فأنتَ تمشي بهدوء في القاعات الصغيرة وفي الغُرَف الصغيرة، وتنظر بهدوء إلى ذلك التابوت، وتسمع موسيقى هادئة، فكُلُّ شيءٍ هادئ جدًّا؟ وإنْ أَسقطَ أحدٌ شيئًا فإنَّ هذا يُعدُّ إزعاجًا. ففي ثقافتنا، تَتَّسِمُ الجنازاتُ بالهدوء. أمَّا في ثقافتهِم فإنَّ الجنازات تَتَّسِمُ بالصَّخَبِ، بل بالصَّخَبِ الشَّديد الذي يَعِمُّ المكان بأسره إذْ إنَّ الناس يكونون صَاخِبينَ جدًّا. والآن، اسمحوا لي أنْ أُخبِرَكم عَمَّا كان يَجري. فقد كانت هناك ثلاثة أشياء رئيسيَّة تجري في المآتِم اليهوديَّة. وبالمناسبة، كان قد مَضى على موت الصبيَّة وقت كاف لبدء الجنازة. فقد كانوا يَعلمون أنها مريضة جدًّا، وكانوا قد جهَّزوا كلَّ شيء للجنازة. فقد كانتْ هناك نائحاتٌ أَجيرات. وَهُنَّ نائِحاتٌ بالأُجرة. فقد كُنَّ يَصْرُخْنَ، ويَصِحْنَ، ويَنُحْنَ، ويَفْعَلْنَ كُلَّ شيء. ولكنِ اسمحوا لي أن أُخبركم عن الأشياء الثلاثة الرئيسيَّة التي كانت تجري. أوَّلاً، كانَ النَّاسُ يَشُقُّون ملابِسَهُم. فقد كان ينبغي للمرءِ أنْ يشُقَّ ملابِسَهُ. وكان ذلك يَرْمِز إلى الحُزْن. وكان لَدى اليهودِ تِسْع وثلاثونَ قاعدة وإجراءات مختلفة تَختصُّ بتمزيق الثياب وَفْقًا لما جاء في التَّلْمود. فقد كان ينبغي للمرء أن يَفعل ذلك وَهُوَ واقفٌ. وكان ينبغي أن يَفعل ذلك فوق قَلْبِه أو في مكان قريب مِنَ القلب. فإنْ كانَ النَّائِحُ أُمًّا أو أبًا، ينبغي أن يَفعل ذلك فوق القلب مُباشرة. وإن لم يكُن أُمًّا أو أبًا، يُمكنه أن يَفعل ذلك في مكان قريبٍ مِنَ القلب. وكان ينبغي للمرءِ أنْ يُحْدِثَ في الثَّوْبِ ثُقْبًا نافِذًا يكفي لإدخال اليَدِ فيه. وكان ينبغي إبقاءُ الثُّقْبِ على حالِه سبعة أيام. وفي الأيام الثلاثين اللاحقة، يُمكِنُكَ أن تُصْلِحَ الثُّقْبَ بِقُطَبٍ كَبيرةٍ، ولكنْ لا يُمكنك أن تُصْلِحَهُ بصورة دائمة حَتَّى يَعْلَم الناسُ أنك ما زلتَ حزينًا. ولكيلا تَكْشِف النساءُ أجسادهم بطريقة غير لائقة عند تمزيق ثيابهِن، كنَّ يُمزِّقْن بِطانَةَ الثَّوْبِ ثمَّ يَلْبَسْنَه مقلوبًا. وقد كانت هناك تسعًا وثلاثين قاعدة مختلفة.

وكانَ الأمرُ يبتدئُ هكذا: فقد كان الجميع يقفون ويُمزِّقون ملابسهُم. وصدقوني أنَّ هذه كانت جنازة كبيرة لأنَّ هذا الرَّجُلَ كانَ رَجُلاً مُهمًّا جدًّا. وقد كان جميع مَنْ هناك يُمزِّقون ملابسِهُم. أمَّا الشيءُ الثاني فَهُوَ النَّوْح. وقد كانت هناك نساءٌ أَجيرات يأتينَ ويبتدئنَ بالنَّوح. وكانت هؤلاء النِّسوة يَتقاضَيْنَ أَجْرًا. وَكُنَّ مُطَّلِعاتٍ على تاريخ العائلة بأسرها. لذلك فقد كُنَّ يبتدئنَ بِذكِر أسماء كُلِّ شخص ماتَ في تلك العائلة، وَيُقَلِّبْنَ الأحزانَ التي مَضى عليها وقت طويل قائلاتٍ مَثَلاً: "أَتَذْكُرون أَليس [Alice]، وهل تَذكرونَ تشارلي [Charlie]"، وهَلُمَّ جرَّا، وهَلُمَّ جرَّا. فقد كُنَّ يُفَتِّحْنَ الجروح القديمة، ويَنُحْنَ، ويَصْرُخْنَ، ويَصِحْنَ، ويُحْدِثْنَ ضَجَّةً كبيرة. وقد كُنَّ يُحاوِلْنَ أنْ يَلْمَسْنَ كُلَّ وَتَرٍ حَسَّاسٍ مِن خلال ذِكْرِ اسْمِ كُلِّ شخصٍ مات قبل ذلك.

أمَّا الشيءُ الثالث فتلاحظونه في العدد 23، وَهُوَ يَختصُّ بالموسيقيِّين أو المُزَمِّرين. فقد كانت هناك أنواعٌ مختلفة مِنَ الآلاتِ الموسيقيَّة، ولكنهم كانوا يَنفخون بالمِزْمار. فالتَّلمودُ يقول: "يجب على الزوج أن يدفِن زوجته الميِّتة وأنْ يَرثيها ويَنوحَ عليها بحسب عادة جميع البلدان. ولا يجوز حَتَّى لأفْقَرِ شخصٍ في بَني إسرائيل أنْ يُحْضِر أقَلَّ مِنْ مِزْمارَيْن وامرأة نائحة". فحتَّى لو كُنْتَ فقيرًا جدًّا، ينبغي أن تَستأجِر امرأةً نائحةً واحدةً وعازِفَيْنِ اثنين. أمَّا إذا كُنتَ غَنِيًّا، فإنَّ التَّلمودَ يقول إنَّ ذلك ينبغي أن يكونَ مُتوافِقًا مَعَ غِناك.

لذا فإننا هنا أمام رَجُلٍ غَنِيٍّ حقًّا. وقد كان المكان مُمتلئًا بالمُزَمِّرين. ويُمكنكم أن تتخيلوا الضجة الكبيرة. فقد كانوا يُمَزِّقون ملابِسهم، ويَصرخون، ويَصيحون، ويَنوحون. وكان العازِفون يعزِفونَ المِزْمارَ في جميعِ أرجاءِ المكان. والحقيقة هي أنهم كانوا يفعلون ذلك في العالم الرومانيّ أيضًا. فقد كَتَبَ "سينيكا" (Seneca) أنه كان هناك الكثيرُ مِنَ المُزَمِّرين، وأنه كان هناك الكثير مِنَ الصُّراخ عند موتِ الإمبراطور "كلوديوس" (Claudius) حَتَّى إنهم شَعروا أنَّ كلوديوس نفسَهُ قد سَمِعَ ذلك بالرُّغم مِنْ موته. لذلك، يمكنكم أنْ تَرَوْا كيف كانت الجنازاتُ في تلك الأزمنة. وقد رأى يسوعُ المُزَمِّرينَ والناسَ الَّذينَ يُحْدِثونَ كُلَّ تلك الضَّجَّة. ثُمَّ لاحظوا ما جاء في العدد 24 إذْ نقرأ:

"قَالَ لَهُمْ: «تَنَحَّوْا»" أُخرجوا. فقد وَصَلَ رئيسُ السَّلام. فقد قال: "تَنَحَّوْا". "لماذا؟ إنَّنا نَفْعَلُ الصَّواب. فالتَّلمودُ يُطالِبُنا بذلك. فنحنُ نفعل ما ينبغي لنا أن نَفعلَهُ".

"تَنَحَّوْا. والسَّبب؟ "لأنَّ الصَّبِيَّةَ لَمْ تَمُتْ، لكِنَّهَا نَائِمَةٌ".

"ما قَصْدُك؟" انظروا إلى ما جاءَ في نهاية العدد 24: "فَضَحِكُوا عَلَيْه". "ما الذي يَعنيه بأنَّ الصبيَّة ليست مَيِّتة؟ ألا يَدري؟"

مِنَ المؤكَّد أنه كان يَعلم أنها مَيِّتة. فقد تَمَّ إخبارُه بأنها مَيِّتة. وقد كان يَعلم أنه سيُقيمُها مِنَ الموت. فلا شكَّ أنه كان يعلم أنها ميِّتة. ولكنَّ ما قَصَدَهُ هو: "لا يُمكنكم أن تنظروا إلى موتها كما لو كان موتًا، بل يجب أن تنظروا إليه كما لو كان نَوْمًا لأنه شيءٌ مؤقت". أتَرَوْن؟ فهذا هو ما كان يقصده: "يجب أن تُعاملوها كما لو كانت نائمة فقط". والمعنى المقصود هو: "لأني سأُقيمُها مِنَ الموت". وهذا هو السبب في أنهم ضَحِكوا عليه. فقد ضَحِكوا عليه. "سوف يُوقِظُها!" وهذا يُطلِعكُم قليلاً على حقيقة أنهم كانوا نائِحينَ بالأُجرة. أليس كذلك؟ ولا سيَّما عندما يتحوَّل بُكاؤهم إلى ضَحِك بهذه السرعة. فقد كان بِمقدورِهِم أن يبكوا على هذه الصبيَّة، وأن يضحكوا على يسوع في اللَّحظة نفسِها. لذلك فقد سَخِروا منه في وجهِهِ. والحقيقة هي أنَّ الفِعْلَ المُستخدَم هنا يُشير إلى أنهم ضَحِكوا كثيرًا. فقد ضَحِكوا كثيرًا ضِحْكَةً ساخرةً كما يضحك شَخْصٌ ذَكِيٌّ على شخصٍ غَبِيّ. وبالمناسبة، فإنَّ هذا الفِعْلَ لا يُستخدَم إلَّا في هذه القصة فقط. وهو يُستخدَم في هذه القصة ثلاث مَرَّات. وهي ضِحْكةٌ ساخرةٌ تَرْمي إلى الاستهزاء بشخصٍ غَبِيّ. فالشخصُ الغبيُّ هو الشخص الوحيد الذي يَظُنُّ أنَّهُ قادرٌ أنْ يُقيمَ شخصًا مِنَ الموت.

وكان هؤلاء قد رأوا مُعجزاتٍ أُخرى. فكما تَرَوْن، لقد كانَ هذا الجَمْعُ في كَفْرناحوم، ولكنَّهم لم يُصَدِّقوا يسوع: "إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ". وعلى أيَّة حالٍ، فقد قال: "توقَّفوا. اخرُجوا". وقد ضَحِكوا عليه في وَجهه. ثم نقرأ في العدد 25 أنَّه بعدَ أنْ خَرَجَ النَّاسُ [أيْ بعدَ أنْ أَخْرَجَهُم]، دَخَلَ "وَأَمْسَكَ بِيَدِ الصَّبِيَّة". والإنجيلان الآخَران يقولان: "وَقَالَ لَهَا: «طَلِيثَا، قُومِي!»". وهَلْ تَعرفونَ مَعنى ذلك؟ "يَا صَبِيَّةُ، قُومِي!". "يَا صَبِيَّةُ، قُومِي!". فقد أمسكها مِنْ يدها. "وَلِلْوَقْتِ قَامَتِ الصَّبِيَّةُ". وهل تَعلمونَ ما كُتِبَ هُنا؟ نقرأُ في الإنجيلَيْن الآخَرين أنَّ وَالِدا الصبيَّة بُهِتا "بَهَتًا عَظِيمًا". وقد أَوْصاهُما يسوعُ بعدم إخبار أيِّ شخص. ولكنَّهما لم يتمكَّنا مِنْ مقاومة ذلك. لِذا فقد وَضَعا عليهِ مزيدًا مِنَ الضَّغط لأنَّ عَداوَةَ أعدائِهِ ازدادت.

ونجد في لوقا 8: 55 إضافةً مُهمةً إلى هذه القصة إذْ نقرأ: "فَرَجَعَتْ رُوحُهَا". وهذا يَعني أنَّها كانت مَيِّتة حقًّا. "فَرَجَعَتْ رُوحُهَا وَقَامَتْ". ولِعلمِكُم، فإنَّ يسوع لم يكُن مُضطرًا لِلَمْسِ الصبيَّة، ولم يكُن مُضطرًا للإمساك بيدها. فقد كان يكفي أن يقول كلمة. ولكنها طريقة الله في إظهار رِفْقِه. هل تَفهمونَ ذلك؟ إنها طريقة الله في إظهار لُطْفِه. وهي طريقة الله في إظهار مشاعره ومحبَّتِه. وهي الطريقة التي ينبغي لشعب الله أن يستخدموها في إنْ يُحَيُّوا بعضهم بعضًا بِقُبلة مُقدَّسة لكي يَعكِسوا عاطِفَتَهُ مِنْ نحوهم.

ونقرأ في العدد السادس والعشرين: "فَخَرَجَ ذلِكَ الْخَبَرُ إِلَى تِلْكَ الأَرْضِ كُلِّهَا". وهل تعلمون ما الذي قالوه عنه؟ إنه يملك سُلطانًا على الأمراض، ويملك سُلطانًا على الاضطرابات، ويملُك سُلطانًا على الموت، ويقدر أن يُخلِّص. لذا فإنَّ مَتَّى يَصِلُ إلى الذُروة في حديثه عنْ سُلطان يسوعَ المسيح. وكما يقول يُوحَنَّا، فإنَّه ذاك الذي لَهُ مفاتيحُ الهاوية والموت. وهذا حَقٌّ عظيم! لذلك، يا أحبائي، لا يجوز لنا أن نَرْتَعِبَ مِنَ الموت - البَتَّة. وقد عَبَّر الشاعرُ بهذه الكلمات التي أُحِبُّها: "لا يجوزُ أنْ يَبكي النَّائحونَ بعد الآن، ولا أنْ يَدعو الأطفالَ الرَّاحلينَ أمواتًا. فالموتُ هُوَ مُجَرَّدُ رُقادٍ يَصيرُ فيهِ كُلُّ قَبْرٍ سَريرًا". عندما كانَ "دي. إل. مودي" شابًّا، تَمَّ استدعاؤه فجأةً لإلقاءِ عِظَةٍ تَأبينيَّة. وقد قَرَّرَ أنْ يَرْجِعَ إلى الأناجيل في محاولةٍ للعثور على عِظَةٍ مِنْ عِظات يسوع التَّأبينيَّة، ولكنَّهُ بَحَثَ دونَ جَدْوى. وقد اكتشفَ أنَّه في كُلِّ مَرِّة حَضَرَ فيها يسوعُ جَنازَةً، فإنَّها لم تَعُدْ جَنازة لأنَّهُ أقامَ فيها الميَّتُ مِنَ الموت. لذلك فإنهُ لم يُقدِّم يومًا عِظَةً تأبينيَّة. فعندما كانَ الموتى يسمعونَ صوتَهُ، كانوا يَقومونَ حالاً إلى الحياة.

لذا، يجب علينا أن نفرح بالموت لأننا قد غَلبْنا الموت. "لأَنَّكَ لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا". فهو سَيُعَرِّفُنا سَبيلَ الحياة. أَمَامَهُ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِهِ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ. وأعتقد أنَّ "آرثر بريزبين" (Arthur Brisbane) عَبَّرَ عنْ نَظرتي إلى الجنازات. فقد أرادَ "آرثر بريزبين" أن يُبَيِّنَ ماهيَّة الجنازة فَتَخَيَّلَ جمهورًا مِنَ اليَرَقاتِ الحزينة الَّتي تَرتدي حُلَلاً سوداء. وكُلُّ هذه اليَرَقات تَزْحَفُ نائحةً فيما تَحْمِلُ جُثَّةَ شَرْنَقَةٍ إلى مَثْواها الأخير. وفيما كانت هذه اليَرَقاتُ المِسكينةُ البائسةُ تَبكي، كانت هناكَ فراشةٌ جميلةٌ جدًّا تُحَوِّمُ فوقَها وتَنظر إلى أسفل وَهِيَ لا تُصَدِّقَ عينَيْها. فيسوعُ أعْطانا رَجاءً! وقبل أُسبوعين، عندما وعَظتُ الجزءَ الأولَ مِنْ هذه العِظة، لَمَسَت قَلْبَ فتاةٍ فَكَتَبَتْ إليَّ هذه الرسالة:

"العزيز جون، لقد مُنَيْنا أنا وعائلتي بخسارةٍ فادحة. فقد أَطْلَقَ أَحَدُهُم النار على أخي الشابّ فأرْدَاهُ قتيلاً بعد ظُهر يوم الخميس. فقد كان يعمل خلال السنوات الأربع الماضية في مجال استرجاع السيارات التي لم يدفع أصحابها أَقْساطَها. وكان يعمل أوَّلاً في منطقة "فالي" (Valley)، ثمَّ انتقل إلى "لوس أنجليس" (Los Angeles). وقد قَرَّرَ لاحقًا أن يعود للعمل في منطقة "فالي" لأنه شَعَرَ أنَّ هذا العمل يُناسبه، ولأنَّ "لوس أنجليس" منطقة غير آمنة. وقد عمِلَ في منطقة "فالي" خلال الأسبوع الماضي وبَدَا له أنَّ المكانَ آمِنٌ أكثر.

"وبعد ظُهْر يوم الخميس، ذَهَبَ هو وزَميلُهُ إلى عنوانٍ في "بيربانك" (Burbank)، وهي المدينة التي عاشت فيها عائلتُنا خلال السنوات الأربعَ عَشرةَ الماضية. وقد ذَهَبَا لاستعادة سيارةٍ لم يدفع صاحِبُها أقساطَها. وقد ذهب زَميلُ أخي وقرعَ باب الشُّقَّة التي يعيش فيه صاحبُ السيارة لكي يُخبِرَ الرجل أنهما جاءا لاسترجاع السيَّارة - إلَّا إذا دَفَعَ دُفْعَةً حالاً. وقد قال الرجل لهما: "خُذَا السَيَّارة". وعندما هَمَّ أخي وشريكُهُ بأخذ السيارة، خَرَجَ الرجل مِنْ شُقَّتِهِ فجأةً وهو يَحملُ بندُقيَّةً. وقد قال أخي للرجل إنه لا توجد مُشكلة، وإنهما لن يأخُذا السيَّارة. ولكنَّ الرَّجُلَ أَطلقَ طلقةً واحدةً مِنْ بُندقيته أصابت أخي في صَدْره وأَرْدَتْهُ قَتيلاً حالاً.

"إنني وعائلتي نُواجه وقتًا عصيبًا في التعامل مع هذه الحادثة، مع أننا نَعلم يقينًا أنَّ يَسوعَ سَمَحَ بذلك لسببٍ ما. وقد جاءتْ عِظَتُكَ اليوم عن سُلطان يسوع على الموت في وقتها المناسب وكانتْ سَبَبَ تَعزية كبيرةً لي ولأُخْتَيَّ المؤمِنَتَيْن. وهذه هي المرَّة الأولى الَّتي نأتي فيها إلى هذه الكنيسة. لقد كان أخي شخصًا رائعٍا ومُحِبًا. وكانَ يُساعد أيَّ شخصٍ سواءٌ كانَ غَريبًا أَمْ صديقًا عندما تدعو الحاجة. فقد كان مِنَ النوعِ الذي يُبدي استعدادًا للتوقُّفِ ومساعدة أيِّ شخص تَعَطَّلت سيارَتُه - حتَّى لو كان في طريقة إلى العمل. أنا أشعر أحيانًا أنَّ كلَّ شيءٍ على ما يُرام وأنَّني أعيشُ في سلام لأنني أَعلمُ أنه مع الربّ. ولكِنْ هناك أوقاتٌ أُخرى لا أُفكِّر فيها سوى بأنَّ أخي مُمَدَّدٌ على الشارع، وبأنني على استعدادٍ لِفعل أيِّ شيءٍ لاستعادته. ولكني أَعلمُ أنه سيَرجِعُ عندما يُقيم يسوعُ الأموات. وأنا أترقَّبُ ذلك اليوم بفرح. وأنا أشكرُكَ وأشكرُ الربَّ على رسالة اليوم - لا سيَّما أنَّني أَعْلَمُ أنَّ أخي يَرْقُدُ بسلام. باسم يسوع".

إنه رجاءٌ عظيم. أليس كذلك؟ وهو الشيء الوحيد الذي يقدِر أن يُشَجِّعَنا لأنَّنا نَعْلَمُ أنَّ له سُلطانًا على الموت. لِنَحْنِ رؤوسنا حَتَّى نُصَلِّي:

نشكرك، يا أبانا، على وقتنا في هذا الصباح، وعلى الطريقة التي كَلَّمْتَنا بها مِنْ خلال الكلمة. سَدِّد كُلَّ حاجة في هذا المكان. وفيما يَختصُّ بالأشخاص الذين لا يَعرفونك، ليتَ هذا اليوم يكون اليومَ الَّذي تَفتحُ فيه قُلوبَهُم لكي يؤمنوا. وفيما يَختصُّ بالأشخاص الذين يعرفونك، ليتَهُمْ يَستغلّونَ هذا الوقت لتعميقِ تكريسهم لك. وفيما يَختصُّ بالأشخاص الذين تَدعوهم إلى الانضمام إلى هذه الكنيسة والاتِّحاد بها، لَيْتَهُم يَتجاوبون اليوم ويكونوا مُطيعين.

فيما أنتم تَحنون رؤوسَكُم في هذه اللحظات الأخيرة، إذا كنتَ لا تعرف المسيح، ابقَ في مكانك، وافتح قلبك له. اُدْعوه إلى أنْ يدخل قلبكَ، وأنْ يُخَلِّصَك، وأنْ يَغفر لك خطاياك، وأنْ يُظْهِرَ لك رحمتَهُ وخلاصَهُ، وأنْ يُعطيك نُصْرَةً على الموت. وهو سيفعل ذلك.

يا أبانا، اجْتذِب الأشخاصَ الذين تَشاءُ أنْ تَجْتذبَهُم، والمِسْ حياةَ كُلِّ شخص مِنْ خلال الرجاء العظيم الذي لنا لأنك تملِك سُلطانًا على الموت. واجمعنا ثانيةً في هذا المساء، وأعطِنا أنْ نترقَّب أنْ تُكَلِّمَنا حين نفتح قلوبنا لمشاركة الأشياء التي تَفعلُها هنا. نشكرك على هذا اليوم وعلى هذه الرعيَّة. نُعطيك كُلَّ المجد باسمِ المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

< !--Study Guide -->

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize