Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في دِراستنا لكلمة الله (وهي أعظم فرصة وامتياز لنا في هذا الصباح) نأتي إلى الأصحاح التاسع مِن إنجيل مَتَّى. مَتَّى والأصحاح التاسع. وأعترف لكم أنني أفرح كُلَّ أسبوع عندما أتمكَّن مِنْ تخصيص وقت لِدراسة هذا الإنجيل العظيم. فأنا أترقَّبُ ذلك. وأنا أُحبُّ ذلك. فهذه الدراسة تُنعِش قلبي وروحي. ثُمَّ يأتي الامتيازُ المُضاعَفُ عندما أَقف أمامَكُم وأُشارِكُ معَكُم مُحتواه العظيم. فهذا فَرَحٌ عظيم. ولكنْ يجب أن أعترف لكم أنه إنْ لم يأتِ أحدٌ منكم، ولم تكُن هناك عِظةٌ أَعِظُها، فإنَّ الدراسة في ذاتِها تَستحقُّ كلَّ هذا الجُهد بسبب الغِنى الذي تَنطوي عليه فيما يَخْتَصُّ بشخصِ يسوعَ المسيح. وقد وَصلنا الآن إلى الأصحاح التاسع. وأَودُّ في هذا الصباح أن ندرُس معا الأعداد مِنْ 27 إلى الجزء الأول مِنَ العدد 33. إنجيل مَتَّى 9: 27-33. وقد عَنْوَنَّا هذا المقطع: "مُعْجِزَتَا الصُّورة والصَّوْت".

عندما خَلَقَ اللهُ الإنسانَ، أعطاهُ سُلطانًا على الأرض. فقد كان آدَمُ مَلِكَ الأرض. وكان يَمْلِكُ الحَقَّ في أن يَحْكُم، وفي أنْ يُسَمِّي الحَيَواناتِ، وفي أنْ يَسودَ على النظام المَخْلوق. فقد كان هو المَلِك، وكانت مَملكَتُهُ خليقةً عجيبةً ومُدْهِشةً تَعْكِسُ فِكر الله الذي لا يُضَاهى ولا حُدودَ له. فهيَ مملكة نور، ومملكة مَجْد، ومملكة دَهْشَةٍ وجمال. ولكنَّ الإنسان أَخطأَ وخَسِرَ تاجَهُ، وخَسِرَ هَيْمَنَتَهُ. وقد حَلَّتْ مَحَلَّ مملكة النور مملكة ظُلمة على هذه الأرض. وقد حَلَّ محَلّ سُلْطانُ الإنسان سُلْطان الشيطان. وبسبب هذه الهيمنة، وبسبب مملكة الظُّلمة، صارت هناك دموع، وألم، وحُزن، وعَرَق، وحَسْرة، ومرض، واعتلالات، ومُعاناة، وفساد، وخُصومات، ومُشاحنات، وحروب، واضطراب، وقتل، وكَذِب، وأخيرًا: موت. وقد استمرت الحال هكذا بالنسبة للإنسان في عالمِه وفي حياته. ولكنْ ما إنْ سَقَطَ الإنسان حَتَّى وَعَدَ اللهُ بأنه سيُعيد المملكة إلى سابق عهدِها في يومٍ ما. ففي يومٍ ما سيكون الإنسان مَرَّةً أُخرى مَلِكًا على الأرض. وفي يومٍ ما، سيُؤخذ السُلطان مِنَ الشيطان. وفي يومٍ ما ستنتهي مملكة الظُلْمة وتعود مملكة النور والمجد - في يومٍ ما وإلى الأبد.

والحقيقة هي أننا نقرأ في سِفر التكوين والأصحاح الثالث أنه عندما سقط الإنسان فان الله وَعَدَ بمجيءِ شخصٍ يُدعى "نَسْل المرأة"، وأنَّ ذاك سيَسْحَقُ رأس الحيَّة. ومِنْ ذلك الوقت فصاعِدًا، يَزْخُرُ العهدُ القديمُ بالوعود بأنَّ الله سيُرسِل مُخَلِّصًا، وبأنَّ اللهَ سيُرسِل مَلِكًا، وبأنَّ ذلك الملك سيستعيد المملكةَ ويُؤسِّس مَرَّةً أُخرى حُكْمَ الله، وبأنه سيستأصلُ المرض والموت والألم والاعتلال والحُزْن والحرب والخِصام. وقد قال الأنبياء المَرَّةَ تلو الأخرى، تلو الأخرى، إنَّ ذلك الشخص سيأتي، وإنه سيكون الابنَ الممسوح، وملكَ الملوك، وقاهرَ الشيطان، وغالِبَ الموت، ومُدمِّرَ الخطيَّة، والشافي. واليهود يعرفونه باسم "المسيَّا" (أي: المَمسوح)، وبأنه سيكونُ نَبيًّا، وكاهنًا، وملِكًا أسمى مِن كُلِّ الملوك. وفي يومٍ ما (كما يقول العهد القديم)، فإنه سيأتي. وفي يومٍ ما، فإنهُ سَيُثَبِّت عَرْشَهُ. وفي يومٍ ما سيكون كُلَّ شيء كما قَصَدَ اللهُ أنْ يكون في العالم.

وقَصْدُ مَتَّى مِنَ الكتابة هو أنْ يُخْبرنا أنَّ يسوع هو ذلك المسيَّا، وأنَّ ذلك المسيَّا قد جاء، وأنَّ المسيح هو الملك الموعود، وأنه هو الذي يستطيع أنْ يُصَحِّح الأخطاء، وأنْ يعكِس اللَّعنة، وأنْ يُؤسس المملكة، وأنْ يُدمِّر العدوّ. فهو ذلك الشخص. ولكي يُقنعَنا مَتَّى أنَّ المسيح يَمْلِك القُدرة على القيام بذلك، فإنه يُدَوِّن في الأصحاحَيْن الثامن والتاسع قُدرَةَ المسيح على صُنْع المُعجزات. وهو لا يفعل ذلك بطريقة عشوائيَّة، بل إنه يُدَوِّن قُدرتَهُ المُعجزيَّة، في رأيي، وفقًا لما جاء في نبوءات العهد القديم. فهناك مُعجزاتٌ كثيرة صَنَعَها يسوع. ولكنَّ مَتَّى يَختارُ تِسْعًا منها في الأصحاحَيْن الثامن والتاسع. وهي مُرَتَّبة في ثلاثِ مجموعاتٍ تحوي كلٌّ منها ثلاث مُعجزات. وفي هذه المُعجزات، أَرَى تحقيق نبوءات العهد القديم. فقد كان لِسانُ حَال مَتَّى هُوَ: "هذا هو المسيَّا. فهو يُتَمِّم النُّبوءات. والنبوءاتُ تقول إنه سيفعل كلَّ هذه الأشياء في الملكوت. وقد قَدَّم لكم لمحةً عن ذلك كُلِّه". فالملكوتُ سَيُبرْهِنُ على سُلطانه على المرض، وسُلطانه على الموت، وسُلطانه على عناصر الطبيعة، وسُلطانه على الأرض. وفي مجيئه الأول، قَدَّمَ يسوع لَمْحَةً عنْ ذلك كُلِّه. ولعلَّكُم تَذكرون أنَّ المُعجزات الثلاث الأولى في لائحة المُعجزات التسع تَختصُّ بالمرض، وأنَّ المجموعة الثانية تَختصُّ بالاضطرابات، وأنَّ المجموعة الثالثة تختصُّ (بصورة رئيسيَّة) بالموت. ومع أنه يوجد بعض التَّداخُل بينها، فهذه هي الفكرة العامة.

والآن، ارجعوا معي إلى الوراء قليلاً. فلَعلَّكُم تَذكرون (عندما ابتدأنا في دِراسة الأصحاح الثامن) أنَّ المُعجزاتِ الثلاث الأولى كانت تختصُّ بشفاء الأمراض. والآن، اسمحوا لي أنْ أَضَعَ هذه في السِّياق المناسب. فقد قال النبيُّ إشعياء في الأصحاح 33 والأعداد مِنْ 22-24 (ولا حَاجة إلى أن تفتحوا عليها، بل استمعوا إليَّ أثناء قراءتي لبعض هذه النبوءات بسرعة كبيرة). فقد قال النبيُّ أثناء حديثه عن الملكوت الَّذي سيأتي: "الرَّبُّ مَلِكُنَا؛ هُوَ يُخَلِّصُنَا. ... وَلاَ يَقُولُ سَاكِنٌ: «أَنَا مَرِضْتُ»". بعبارة أخرى، إنَّ هذا سيحدث في الملكوت الأبديِّ الذي سيُؤسِّسُهُ المسيح إذْ إنه لن يكون هناك مَرَض. وفي إشعياء 57: 19، يقول النبيُّ مَرَّةً أُخرى إنه في الملكوت سيكون هناك: "سَلاَمٌ لِلْبَعِيدِ وَلِلْقَرِيبِ، قَالَ الرَّبُّ، وَسَأَشْفِيهِ". لذلك فقد توَّقع اليهود أنَّ المسيَّا سيُنهي المرض في ملكوته المجيد. فكما أنَّه لم يكُن هناك مَرَض قبل السقوط، لن يكون هناك مَرَض بعد استرداد الأرض. والآن، إنْ كان يسوعُ المسيحُ هو الذي يملك القدرة على القيام بذلك، يجب أن يكون قادرًا على إظْهار هذه القُدرة. وهذا هو ما جَعَلَ مَتَّى يُبَيِّن أنه يَمْلِكُ سُلطانًا على المرض.

ثانيًا، إنَّ المعجزات الثلاث التالية التي رأيناها في الأصحاح التاسع تختصُّ بسُلطانه على الاضطرابات. وهذا يُشير إلى الاضطراب في العالم الماديّ، والاضطراب في العالم الروحيّ المُختص بالشياطين، والاضطراب في العالم الأخلاقيّ المُختص بالخطيَّة. وإذا قرأتم ما قاله النبي إشعياء - ولا سيِّما في الأصحاح الخامس والثلاثين - ستقرأون فيما يختص بالعالم الماديِّ مَثَلاً أنه عندما يأتي الملكوت فإنَّ المسيَّا سيُغيِّر الأرض. فالقَفْرُ سيُزهِر كماذا؟ كالنَّرْجِس. والأنهار والينابيع ستنفجر في القَفْر. وطبيعةُ التضاريس ستتغير. والجغرافيا ستتغير حين يُعالِجُ المسيحُ العناصر الماديَّة وعناصر الطبيعة. وإنْ كان المسيَّا سيفعل ذلك، يجب عليه أن يُظْهِر هذه القُدرة. لذلك، نجد في الأصحاح الثامن أنَّ مَتَّى يُشير إلى المعجزة التي صَنَعَها يسوعُ حينَ هَدَّأَ الريح والأمواج كدليلٍ على قُدرته على العالم الماديّ.

كذلك، فيما يختصُّ بموضوع الاضطرابات، فإنَّ المسيَّا سيأتي لكي يهزم الشيطان وأعوانه. ونقرأ في دانيال 9، ودانيال 10، ودانيال 11 عن هذا الصِّراع وهذا التَّصادُم بين الملائكة القدِّيسين والشياطين الساقطين. فهذه الأصحاحات تتحدث عن كيف أنَّ اللهَ وملائكتَهُ سينتصرون في النهاية. وإنْ كان يسوعُ قادرًا على القيام بذلك في النهاية، يجب عليه أن يُظْهِر هذه القُدرة. لذلك فإنَّ مَتَّى يَنتقي المعجزة التي يَطْرُد فيها يسوعُ أكبرَ عددٍ مِنَ الشياطين إذْ إنه طَرَدَ كتيبةً مِنَ الشياطين مِنْ مَجنون كُوْرَة الجَدَرِيِّين كدليلٍ على قُدرته على القيام بذلك في الملكوت.

أمَّا الجانب الثالث مِنَ الاضطراب فيختصُّ بالاضطرابِ الأخلاقيِّ - أيِ الخطيَّة. لذا فإننا نَرى الربَّ في الأصحاح التاسع والأعداد 1-8 يَغْفِر الخطيَّة. لماذا؟ لأننا نقرأ في سِفْر إشعياء 33: 24 أنَّ الشعب الساكن في الملكوت سيكون مَغْفور الإثم. لذا، يجب على المسيَّا أنْ يَغفرَ الإثم وأنْ يَهْزِم الشياطين. ويجب عليه أنْ ينتصر على العالم الماديّ وأنْ يَشفي الأمراض. وإنْ كان يسوع يَزْعُم أنه المسيَّا، يجب عليه أنْ يُثبت ذلك. لذلك فإنَّ مَتَّى يختارُ بعناية هذه المعجزات لكي يؤكد ذلك.

أمَّا المجموعةُ الثالثةُ مِنَ المعجزات (وهي المعجزات التي ندرسها الآن) فإنها تختص بصورة رئيسيَّة بسُلطانه على الموت. وهناك معجزات مُرافقة لذلك، ولكنَّ المعجزة الرئيسيَّة التي تأمَّلنا فيها موجودة في الأعداد مِنْ 18 إلى 26. وقد درسناها في الأسبوع الماضي. فقد أقام يسوعُ ابنةَ "يَايِرُس" مِنَ الموت. وهذا هو تمامًا ما يقوله الأصحاح 65 مِنْ سِفْر إشعياء إذْ نقرأ أنَّ المسيَّا سيمتلك القُدرة على إطالة الحياة. ونقرأ في سِفْر دانيال 12: 2 أنه سيمْلِك القدرة على إقامة الموتى. وإنْ كان يسوعُ هو المسيَّا، يجب عليه أن يُظْهِر تلك القوة. وهذا هو تمامًا ما فَعَله عندما أقام ابنة "يايِرُس" مِنَ القبر.

وقد كانَ يَسوعُ يملك سُلطانًا لا على الأموات فقط، بل إنه كان يَمْلِك أيضًا سُلطانًا على الأجزاء الميِّتة مِنَ البشر الأحياء (مِثْلَ عيونِهِم، وآذانِهِم، وألسِنَتِهِم). وهذا مُبَيَّنٌ في المقطع الذي سندرسه اليوم. واسمحوا لي أنْ أقرأ لكم نُبوءَتَيْن وَرَدَتا في العهد القديم. الأولى وَرَدَتْ في سِفْر إشعياء 29: 18. ويُمكنكم أن تنظروا إليها. إشعياء 29: 18. وهي ترتبط ارتباطًا مُباشرًا برسالتنا اليوم وتتحدث عن الملكوت، وعن اليوم الذي سيأتي فيه المسيَّا إذْ نقرأ: "وَيَسْمَعُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ الصُّمُّ أَقْوَالَ السِّفْرِ، وَتَنْظُرُ مِنَ الْقَتَامِ وَالظُّلْمَةِ عُيُونُ الْعُمْيِ". ثم نقرأ في الأصحاح 35 والعددَيْن 5 و 6 مِنْ سِفْر إشَعْياء عنِ الملكوتِ الآتي: حِينَئِذٍ تَتَفَقَّعُ عُيُونُ الْعُمْيِ، وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ. حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ [أوِ الغَزال] وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الأَخْرَس". لذا فقد قال العهد القديم إنَّ الصُمَّ سيَسمعون وأنَّ الخُرْسَّ سيتكلَّمون، وإنَّ العُميَّ سيُبصِرون، وإنَّ العُرْجَ سيمْشون، وإنَّ المسيَّا سيُحيي الأجزاءَ الميِّتة. وهي مُعجزاتٌ تَختصُّ بالصُّورة والصَّوت. وهذا هو تمامًا ما نَراهُ في الأعداد مِنْ 27 إلى 33 مِنَ الأصحاح العاشر مِنْ إنجيل مَتَّى، وهذا تأكيدٌ آخر وإثباتٌ آخر لحقيقة أنَّ يسوع هو المسيَّا الذي تَكلَّمت عنه النبوءات لأنه يُتَمِّمُها بوضوحٍ تام.

والآن، اسمحوا لي أنْ أُضيفَ ملاحظةً. فكُلَّما زَادتْ دِراسَتُكُم للعهد الجديد، زادَ الأمر وضوحًا بأنَّ يسوعَ في مجيئه الأول أَظْهَرَ بصورةٍ واضحةٍ تمامًا ما سيحدُث في ملكوته. فعلى سبيل المثال، في حادثة التَّجَلِّي على الجبل، حَجَبَ جَسَدَهُ وأَظْهَرَ مَجْدَهُ لتلاميذه. فقد بَيَّنَ لهم بصورةٍ مُصَغَّرةٍ ما سيحدث عند مجيئه ثانيَّةً. وفي وقتٍ لاحق، في يوم الخمسين، امتلأوا جميعًا مِنَ الروح القُدُس وابتدأوا يتكلمون بلغاتٍ أُخرى. ونحنُ نَقرأ: "هذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيِّ". بعبارةٍ أُخرى، فقد كان ذلك نموذجًا عَمَّا سيحدُث بصورة كاملة في ملكوته المجيد. لذا فقد صارت حياتُهُ سِلْسِلةً مِنَ اللَّمَحاتِ عن قُدرته غير المحدودة التي سيُظْهِرُها عندما يُؤسِّس ملكوتَه الأبديَّ على الأرض وفي السماء الجديدة والأرض الجديدة. فَمَتَّى لا يَنتقي هذه المُعجزات عشوائيًّا. وهو لا يَذْكُرُها لمجرَّد أنه أَحَبَّ القصة. بل إنه يَذكُرها تحديدًا لكي يُعطينا نِطاقًا كاملاً مِنَ التَّتْميمِ النبويِّ، ولكي يؤكِّدَ لنا أنَّ يسوعَ هوَ المسيَّا الموعود.

والآن، نأتي إلى مُعجزاتِ الصُّورة والصَّوت. انظروا إلى العدد 27 إذْ نقرأ: "وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاك". ويُمكنكم أن تتوقفوا هنا. مِنْ أين؟ ببساطة: مِنْ بيت يايرُس، ومِنْ حَيِّ يايرُس في اليوم نفْسِه. وكانَ الوقتُ قد صارَ مساءً الآن. فقد كان يومًا حافلاً إذْ إنه أقام الصبيَّةَ الميِّتةَ، وشَفى المرأة المُصابة بنزفٍ دَمَوِيٍّ، وربما خاضَ حِوارًا معَ تلاميذ يوحنا المعمدان والفَرِّيسيِّين. فقد كان يومًا حافلاً جدًّا. وفي المساء، غادَرَ بيت يايرُس. وَلَعَلَّكُمْ تَذكرون أنه كان يوجد أُناسٌ كثيرونَ مِنْ حَوْلِه. والحقيقة هي أنَّ هؤلاء الناس كانوا ينقسمون إلى فريقين: الأشخاص الذين تَبعوه طَوال الطريق. وَهُمُ الأشخاصُ الذين شَقُّوا طريقهم في شوارع كَفْرناحوم الصغيرة والضيقة وُصولاً إلى بيت يايرُس. وهُمُ الأشخاص الذين كانوا موجودين عندما شَفَى المرأة المُصابة بنزفٍ دَمَوِيٍّ. وَهُمُ الأشخاصُ الذين كانوا يبحثون عن مُعجزاته، والذين كانوا مُعجبين به. ثُمَّ هناك فَريقٌ آخرُ انْضَمَّ إلى هؤلاء وَهُمْ فريقُ النائحينَ والموسيقيِّين المَدفوعي الأَجْر، أيْ فَريقُ المُزَمِّرينَ والنساءِ النائِحاتِ الذين كانوا يُشْرِفون على إجراءات دَفْنِ الصَّبِيَّة. فقد انتهت الجنازة عندما أقام الصبيَّة مِن الموت. والآن صار لَدِّيهِ مجموعة كاملة مِن الناس، وهو ينتقل مِن ذلك المكان عائدًا إلى البيت الذي كان مُقيمًا فيه. وبينما كان عائدًا، حدثت هذه القصة. وأَودُ أن نَشُقَّ طريقنا في هذه القصة بِمُخططٍ صغيرٍ وبسيط، وأَودُّ أن تَرَوْا هذه المُعجزة الرائعة والمُدهشة التي صَنَعَها الربُّ.

أوَّلاً، سوف نتحدث عن شِفاءِ رَجُلَيْنِ أَعْمَيَيْن. والشيءُ الأولُ الذي ينبغي أن نُلاحِظَهُ هو حَالَةُ الرَّجُلَيْن - حالة الرَّجُلَيْن في العدد 27. فنحن نقرأ أنه عندما غادر يسوع بيت يايرُس والحيَّ الذي يَسكُن فيه: "تَبِعَهُ أَعْمَيَان". وكان العَمَى مرضًا شائعًا وعِلَّةً شائعةً في مصْر، وفي الدول العربيَّة، وفي إسرائيل. والحقيقة هي أنَّ الأناجيل تتحدث عن مُعجزات شِفاء أشخاصٍ عُمْي أكثر مِمَّا تتحدث عن أيِّ نوعٍ آخر مِنَ الشِّفاء. وقد يُشير ذلك إلى كَثْرة شُيوع العَمَى. وَمِنْ بينِ الأسباب المؤديَّة إلى هذا المَرَض: الفَقْر والظروف غير الصحيَّة المُصاحِبَة لَهُ، والشمس الساطعة، والحرارة الشديدة، والرياح المُحمَّلة بالرمال، والحوادث، والحرب، والالتهابات. فكُلُّ تلك الأشياء كانت تُسْهِمُ في العَمَى. وكان أُناسٌ كثيرون قد أُصيبوا بالعَمَى منذ ولادَتهِم. ومِنَ المُحتمَل جدًّا أنَّ العَمَى الذي أصابهم منذ ولادَتِهِم كان بسبب نوعٍ مِن أنواع مرض السيلان. وأحيانًا، لم تكُن الأُمُّ تَعلمُ أنها مُصابة بذلك المرض. وبالرغم مِن ذلك، عندما يخرج الطفل الصغير مِنَ الرَّحِم، فإنَّ الجراثيم الدقيقة الموجودة في رَحِم الأُمّ تَنتقل إلى مُلْتَحِمة العَيْن وتبدأ بالتكاثُر. وخلال ثلاثة أيام، قد يُصاب الطفل بِعَمىً دائم. لذا فإنَّهم يحْرِصون اليوم على وَضْع قَطْرَة مُطَهِّرة في عين الطفل المولود حديثًا. لذلك فقد استأصلنا تلك المشكلة.

وربما كان هذا أيضًا السؤال الذي يدور في أذهان وقلوب التلاميذ في إنجيل يوحنا 9: 2 عندما رأوا شخصًا أعمى منذ ولادته فقالوا: "مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ؟" وربما كان هذا السؤال ينطوي على فكرة لاهوتيَّة. ولكن ربما كان هذا السؤال ينطوي على جانبٍ طبيّ، أو على جانبٍ جسديٍّ بعض الشيء. فربما كانوا يسألون: "هل هو أعمى بسبب خطيَّة والديه؟" لأنَّه في أغلب الأحيان فإنَّ المَرَض التناسليّ الذي يُصاب به أحد الأبوين بسبب خطيَّة جنسيَّة كان هو السبب في عَمَى الطفل. لذلك فقد كان ذلك سَبَبًا شائعًا عند الأشخاص الذين يُولدون وَهُمْ عُمْيان. كذلك، هناك التهاباتٌ وفايروسات تُؤدِّي عادةً إلى مَرَض التَّراخوما. ولكنَّ الأدويَّة المُضادة للبكتيريا استأصَلَتْ هذه المشكلة في وقتنا الحاضر. ولكنَّ تلك الأشياء مُجتمعةً كانت سَبَبًا في مشكلة العَمَى التي كانت شائعةً جدًّا حَتَّى إنَّ الناس المُصابين بالعَمَى كانوا يُؤلِّفونَ جَماعات. لذلك، لم يكُن أمرًا مُستغربًا أنْ تَرى شَخصَيْنِ أَعمَيَيْنِ يَمشيان معًا. لذا، فقد قال رَبُّنا للفَرِّيسيِّين ذاتَ مَرَّة: "إِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ".

لذلك فإننا نَرى حالة هَذَيْن الرَّجُلَيْن. ثانيّاً، نحن نَرى صَرخةَ هذين الرجلين. وهذه نقطةٌ مهمةٌ جدًّا. فقد تَبِعَهُ الرَّجُلان. فقد شَقَّا طريقَهُما بين الجُموع وحاولا أنْ يَبْقيا معًا بالرغم مِنْ عَماهمَا، وكانا يُزاحِمان الجميع حين غادروا الحيَّ الذي يسْكُن فيه يايرُس. وكانا يَصْرَخَانِ وَيَقُولاَنِ: "يَا ابْنَ دَاوُدَ! ارْحَمْنَا!". والحقيقة هي أنهما كانا جَريئَيْن. فَهُما لم يَخْجَلا، ولم يَتراجَعَا، ولم يَجْلِسا في رُكْنٍ ما، بل شَقَّا طريقَهُما وكانا يَصْرُخان. ومِنَ المؤكد أنهما سَمِعَا عن يسوع. ولا شَكَّ أنهما كانا في وَسْطِ الحَشْدِ الذي كان في بيت يايرُس، وأنهما سَمِعا عَنْ قيامة الصبيَّة.

وأوَدُّ أنْ أتوقفَ وأنْ أُضيفَ ملاحظةً هنا. فنحن نَرى دائمًا أشخاصًا مَكسوري القلب. ونحن نَرى دائمًا أشخاصًا يائسين. فقد كان الأشخاص المتألمون، والمرضى، والمنبوذون، واليائسون، والحزانى، والوحيدون، والخُطاة، والذين يشعرون بالذنب هُمُ الذين يتبعون يسوع. فأنتم لا تَرَوْنَ البتَّة أُناسًا يشعرون بالاكتفاء الذاتيّ. وأنتم لا تجدون البتَّة أُناسًا يعتقدون أنهم يملكون الموارد الكافيَّة. وأنتم لا تجدون أُناسًا ليست لديهم أيَّة أسئلة. وقد تَحَدَّثْتُ في هذا الأسبوع مَعَ رَجُلٍ فقُلتُ له: "يمكنني أنْ أُعَرِّفَك إلى المسيح، ويُمكنني أنْ أُحدِّثَك عنِ المسيح، ويمكنني أنْ أُخبرك عن المسيح إذا رغبت حقًّا في أن تعرف". فقال: "لا أُريد أن أعرف. فأنا ليست لديَّ أية حاجة إلى ذلك". والشيء الوحيد الذي يُمكنك أن تفعله في مثل هذا الموقف هو أن تُصَلِّي وتَطلُب مِنَ الله أن يجعل ذلك الشخص في حاجة ماسَّة لأنَّ الأشخاص الذين يشعرون بالحاجة الماسَّة هم الوحيدون الذين يأتون إليه.

لقد كان هذا الرجل وصديقُه يَصْرُخان. والكلمة المُستخدمة هنا هي كلمة مُدهِشة. فهي كلمة لها نِطاقٌ واسعٌ مِنَ المعاني المُحتملة. ولكنَّ الكلمة تعني بصورة رئيسيَّة: "يَصيح" أو "يَصْرُخ" أو "يُصْدِر صوتًا عاليًا". وهي تُستخدَم في الأناجيل لِوصف شخصٍ مجنون يصيح ويصْرُخ ويقول كلامًا غير مفهوم. وهي تُستخدَم لِوصف الشخص المُصاب بالصَّرَع. وهي تُستخدم في الأصحاح الخامس مِن إنجيل مَرقُس لِوَصف مجنون كُوْرَة الجَدَرِيِّين الذي كانت تَسكُنه أرواحٌ شريرة، وكان يَصيح ويَصرُخ ويُصْدِر صوتًا عاليًا. وهي تُستخدم في الأصحاح الخامس عشر مِن إنجيل مَرقُس لِوصف الربّ يسوع وهو على الصليب إذْ نقرأ: "فَصَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ". وهي تُستخدم في سِفْر الرُّؤيا 12: 2 لِوصف المرأة التي تصْرُخ بسبب آلام الولادة. وهي كلمة لا تُستخدم بالضرورة للإشارة إلى كلامٍ مفهوم أو نُطْقٍ مفهوم. فقد يكون صُراخًا غير مفهوم ناجمًا عن الألم كما هي الحال في هذه الأمثلة. وما يُدهِشُني هو أنَّ النص يقول إنَّ هَذَيْن الرَّجُلَيْن الأعْمَيَيْن لم يكونا فقط يصيحان ويصرخان ويُصدران أصواتًا، بل كانا في أثناء ذلك يقولان بعض الكلمات المفهومة مثل: "يا ابن داود، ارحمنا". ولكنه لم يكُن كلامًا مَحْسُوبًا، وبارِدًا، ومُتَحَذْلِقًا، وأكاديميًّا. بل إنهما كانا يصْرُخان في ألمٍ ويأسٍ وحاجةٍ عميقة، ويَصيحان، ويَتضرَّعان، ويَتوسَّلان. وهذا هو اليأس الذي يَقودُ إلى التجديد.

وعَدا عن صُراخِهِما وصِياحِهِما، كانا يقولان الآتي. انظروا إلى العدد 27 مَرَّةً أُخرى إذْ نجد جُمْلةً مهمةً جدًّا. فقد كانا يقولان: "يَا ابْنَ دَاوُد!" – "يَا ابْنَ دَاوُد!". ولكنَّ لماذا قالا ذلك؟ لماذا دَعَيا يسوعَ الناصريَّ "ابنَ داود"؟ فهل كانا يعرِفان نَسَبَهُ مِنْ يوسُف الذي كان مِن نَسْل داود؟ وهل كانا يعرِفان نَسَبَهُ مِنْ مريم التي كانت أيضًا (بحسب ما جاء في لوقا 3 على ما أعتقد) مِنْ نسل داود؟ لا أدري يقينًا إنْ كانا يَعلمان ذلك. ولكِنْ ما الذي كانا يعرِفاه؟ لقد كان المُصطلح "ابن داود" لَقَبًا يهوديًّا شائعًا للمسيَّا. لقد كان اللَّقَبَ اليهوديَّ الشَّائعَ للمسيَّا: "ابن داود". وكان مَتَّى يَعرف أنَّ هذه النقطة مُتَّفَقٌ عليها عند اليهود. لذلك فإننا نجد في الأصحاح الأول والعدد الأول مِن إنجيل مَتَّى أنه يَبتدئ بهذه الطريقة إذْ يَكتُب: "كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُد". وما المقصود بذلك؟ إنه تأكيدٌ لشخصيَّة المسيَّا. فهو ذاك الموعود. وفي ذلك اللَّقب (أي: ابن داود) تَكْمُنُ كُلُّ فكرة السيادة والسُّلطان والمُلْك التي تحدَّث عنها الأنبياء. وكما تَعلمون فإنَّ العهد القديم يقول إنَّ المسيَّا سيكون قبل كُلِّ شيءٍ "نَسْل المرأة" - أيّ أنه سيكون إنسانًا أو بشرًا. فالمسيَّا سيكون "نَسْل المرأة" الَّتي ستكونُ عذراء. وبالرَّغمِ مِنْ ذلك فإنهُ سيكون إنسانًا.

لذا فقد كان الله مُزْمِعًا أن يفدي الإنسانَ مِن خلال إنسان. ولكِنْ مِنْ بين جميع البشر الذين كان بمقدوره أن يختار منهم، فإنَّه يُضَيِّقُ النِّطاقَ في الأصحاح 22 مِن سِفْر التكوين ويقول إنه سيأتي لا مِن نَسْل المرأة فقط، بل إنه سيأتي مِن نَسْل المرأة ونَسْل إبراهيم. فهو يُضَيِّق النطاق إلى إبراهيم. ومِنْ بين جميع نَسْل إبراهيم فإنه لن يأتِ فقط مِنْ أيِّ شخصٍ مِن هؤلاء، بل إنه سيأتي مِن نَسْل يهوذا. ومِن بين جميع الذين سيأتون مِن صُلْب يهوذا (بحسب ما جاء في سِفْر التَّكوين 49: 10) فإنه يقول: "سوف أُضَيِّقُ النِّطاقَ مَرَّةً أُخرى وأَحْصُرُهُ في نَسْل داود". لذا فقد جاءَ المسيَّا مِن نَسْل إنسان، وتحديدًا مِنْ نَسِل إبراهيم، ومِن نَسِل يهوذا، وأخيرًا مِن نَسِل داود. لذلك فإننا نجد في سِفْر صموئيل الثاني والأصحاح السابع تلك الجملة المُهمة جدًّا في العدد 12 حيثُ أَعْطَى اللهُ الوعد التالي لداود: "مَتَى كَمُلَتْ أَيَّامُكَ وَاضْطَجَعْتَ مَعَ آبَائِكَ، أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ وَأُثَبِّتُ مَمْلَكَتَهُ. هُوَ يَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي، وَأَنَا أُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِ إِلَى الأَبَد. أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا". وهذا لم يتحقَّق في سُليمان. فهذا يُشير إلى المسيح ابن داود. وقد كان كلُّ يهوديّ يعرف كيف يُفَسِّر ما جاء في الأصحاح السابع مِنْ سِفْر صموئيل الثاني. فقد كانوا يعرِفون أنه سيأتي في النهاية "ابن داود".

وفي إنجيل لوقا والأصحاح الأول، يُخبرنا الكتاب المقدَّس في العدد 32 أنَّ الملاك قال: هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِـيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ". وفي العدد 69: "وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ". ونقرأ في الأصحاح الثاني والعدد الرابع: "فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ". وفي سِفْر أعمال الرُّسل والأصحاح الثاني، نقرأ أنَّ المسيح هو تتميم الوعد الذي أُعطيَ لداود. وبولُس يُبيِّن ذلك في رسائله. ويوحنا يُبيِّن ذلك في سِفْر الرؤيا. ونرى مِرارًا وتَكرارًا أنَّ المسيح يُدعى "ابن داود".

انظروا معي قليلاً إلى هذَيْن العَدَدَيْن مِنَ الكتاب المقدَّس إذْ أعتقد أنهما مُهِمَّان جدًّا - مَتَّى 21: 9. وأُوَدُّ أن يكون هذا الأمر راسِخًا في أذهانِكُم إذْ نقرأ هنا عن الوقت الذي دَخَلَ فيه يسوعُ مُنتصرًا إلى المدينة. وكان الجموعُ يَصيحون ويَصرُخون ويَطْرَحُون سَعْف النخيل عند قدميه إذْ نقرأ في العدد التاسع: "وَالْجُمُوعُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرَخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ!»" ثم إنهم قالوا: "«مُبَارَكٌ الآتِــي بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!»". فقد كانوا يقولون إنَّ هذا هُوَ المَسِيَّا. والكلمة "أُوْصَنَّا" تعني: "خلِّص الآن". وقد كانوا يقولون إنه جاء باسم الرب، وإنه يُمَثِّل اللهَ العليَّ، وإنهُ اللهُ نفسُه. وبالمناسبة، فقد كان ذلك الجمع مُتَقَلِّبًا بعض الشيء. ومع ذلك فقد كانوا يُطْلِقون على يسوع ألقابًا مَسيحانيَّة. ومِنْ بين تلك الألقاب المَسيحانيَّة، لم يكُن هناك لَقَبٌ مباشر أكثر مِنْ لقب "ابن داود". افتحوا على الأصحاح 22 مِنْ إنجيل مَتَّى. فما أعنيه هو: حَتَّى الجموع المُتَذَبْذِبَة كانت تَعلم أنَّ ابنَ داود هو اللقبُ الصحيحُ للمسيَّا. وليس هذا فقط، بل إنَّ الفَرِّيسيين كانوا يَعلمون ذلك أيضًا بالرغُم مِنْ أنهم لم يُؤمنوا يومًا بالمسيح. ففي مَتَّى 22، اجتمع الفَرِّيسيُّون. وقد سألهُم يسوع: "مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ [أو: المَسِيَّا]؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟" فأجابَ الفَرِّيسيُّون: "ابْنُ دَاوُد". ويُمكنكم أنْ ترجعوا الآن إلى الأصحاح التاسع مِنْ إنجيل مَتَّى. وبالمُناسبة، فإنَّ الفَرِّيسيين والجموعَ المُتذبذبين، وكُلَّ شخصٍ، كانوا يَعلمون جميعًا أنَّ اللَّقَبَ "ابن داود" كان يُطلَق على المسيَّا.

وعندما جاء الرَّجُلان الأعميان في العدد 27 وقالا: "يا ابن داود"، أعتقد أنهما كانا يؤكِّدان (دون أدنى شك) أنهما يؤْمِنان بأنَّ هذا هو المسيَّا الذي طال انتظاره. فهذا هو الوريث الشرعيُّ، وملكُ إسرائيل. وربما كانا يَذكُران تمامًا ما جاء في إشعياء 35 بأنَّ المسيَّا سيَشفي العُمْيَ عندما يأتي. وبالمناسبة، لا بُدَّ أنَّكُم تَذكرون أنَّ يوحنا المعمدان كانت لديه خِدمة واسعة وفعَّالة. وقد كانت خِدمتُه تتلخَّص في زيادة تَرَقُّب مجيء المسيَّا. وفي ضَوْء ذلك الترقُّب الشديد، كان الناس في هذا الوقت يعيشون بترقُّبٍ شديد. وعندما جاء يسوع وفعل كلَّ تلك الأشياء، بما في ذلك إقامة الموتى، صار واضحًا للبعض، بِمَنْ في ذلك هذَيْن الأعمَيَيْن، أنَّ هذا هو الذي تَمَّمَ تَوقُعاتِهِم. لذلك فقد أَطْلَقا عليه هذا اللقبَ المَسيحانيّ.

وقد تقولون: "حسنًا! ولكنْ هذا هو ما فَعَلَهُ الجَمْعُ المُتَقَلْقِلُ أيضًا". هذا صحيح. ولكن يجب علينا أن ننتظر قليلاً لنرى إنْ كانا أكثر صِدْقًا مِنَ الجَمْعِ المُتَقَلِّب. ولكنهما صَرَخا بشيءٍ آخر يُساعدنا في معرفة القليل عن صِدْقِهِما. فقد قالا: "يَا ابْنَ دَاوُد" [ماذا؟] "ارْحَمْنَا!". ففضلاً عن مَعْرِفَتِهِما، فقد جاءا إليه بموقِفٍ صحيح. فقد شَعَرا بحاجةٍ ماسَّة. وأعتقد أنهما شَعَرا بحاجةٍ روحيَّة عميقة بِقَدر حاجتهما الجسديَّة، أو ربما أعمق بكثير. فقد آمَنَا بأنَّ يسوع هو المسيَّا. وقد آمَنَا مِنْ خلال خِبْرَتِهِما أنه يَمْلِك سُلطانًا على تحقيق برَكات الملكوت. وبالرغم مِن ذلك فقد كانا يعرِفان أنهما غير مُسْتَحِقَّيْن. لذلك فإنهما يطلبان الرحمة. وهذا شيءٌ لا يُمكن أن تسمعوا واحدًا مِن الفَرِّيسيين يطلبُه لأنهم كانوا يَشعرون بالاكتفاء الذاتيّ. فقد كانوا يَظُنُّون أنهم فعلوا كُلَّ ما يتوقعه الله منهم. وقد كانوا يَظُنُّون أنهم يستحقُّونَ كُلَّ ما قد يُقدِّمُهُ اللهُ لهم. لذلك لم تكُن هناك رحمة. فكما تَرَون، فإنَّ الرحمة تُعطيك ما لا تستحقه، وما لا يمكنك أن تَكْسَبَهُ، أو تمنع عنك ما تستحقه.

ولَعَلَّكُم تَذكرون الفَرِّيسيّ في لوقا 18 الذي جاءَ إلى الهيكل لكي يُصَلِّي فقال: "اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاس. فأنا أفعلُ كُلّ ما ينبغي أن أفعل. فأنا أَتصدَّق، وأُعَشِّر، وأُصَلِّي، وأصوم، وأفعل كُلّ هذه الأشياء". وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، وقَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي" [ماذا؟] أَنَا الْخَاطِئ". وقد قالَ يسوع: "إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ". فالفَرِّيسيُّ لم يطلب الرحمة البتَّة لأنه لم يكُن يَظُنُّ يومًا أنه يحتاج إليها. أمَّا هذان الأعميان فقد جاءا ليس فقط بِفَهمٍ صحيح لِهُويَّة المسيح، بل أيضًا بِفَهْمٍ صحيحٍ لِعدم استحقاقِهِما. فقد طَلَبَا رحمةً. فقد جاءا إلى الشخص المناسب. أجل، فقد كان رحيمًا جدًّا.

وفي الكتاب الذي كَتَبْتُهُ بعُنوان "الحياة في الملكوت" (Kingdom Living)، وهو الكتاب الوحيد الذي كَتَبْتُهُ وقَرأتُهُ مِرارً وتَكرارًا لأنَّ التطويبات تملأ قلبي سكينةً. وهناك مقطعٌ أتحدَّثُ فيه عن رحمة الربّ. وقد لَمَسَ هذا المقطع قلبي مَرَّةً أُخرى. واسمحوا لي أن أقرأ بِضعة أَسطر منه:

"كان يَسوعُ أَرْحَمَ شخصٍ عاش على الأرض. فقد كان يَلْمَسُ المرضى ويَشفيهِم. فقد لَمَسَ المشلولين وأعطاهُم سيقانًا للمشي. وقد شَفَى أعيُن العُمي، وآذانَ الصُمّ، وألسنة البُكْم. وقد بَحَثَ عنِ الزانيَّات والعشارين والبائسين والسكارى، وجَذَبَهُم إلى دائرة مَحَبَّتِه، وفَداهُم، وأَطلقَهُم أحرارًا. وقد لَمَسَ حياةَ الأشخاص الذين يشعرون بالوحدة وجَعَلَهُم يشعرون بأنهم محبوبون. وقد اجتذبَ الأطفالَ الصغار وضَمَّهُم بينَ ذراعيه وأَحَبَّهُم. فلم يأتِ شخص على سطح الأرض يملِك رحمة المسيح. وذاتَ مَرَّة، مَرَّتْ جنازةٌ في الشارع، فرأى أُمًّا تبكي ابنها الذي مات. وقد كانت أرملةً، والآنْ لم يَعُد لَديها ابنٌ يعتني بها. فَمَن سيعتني بها؟ وحينئذٍ، أَوْقَفَ يسوع الجنازة، ووضع يده على الكَفَنْ، وأقام ابنها مِنَ الموت لأنه كان يَهتمّ".

فهذا هو الربّ: إنَّه رحيم. فنحن نقرأ في الرسالة إلى العِبرانيِّين 2: 17: "مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا". ونقرأ في رسالة تِيْطُس 3: 5 إنَّهُ خَلَّصَنا "بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ". ونقرأ في سِفْر دانيال الأصحاح التاسع: "لِلرَّبِّ إِلهِنَا الْمَرَاحِمُ وَالْمَغْفِرَةُ". ونقرأ في سِفْر المَراثي أروعَ كلماتٍ عن رحمةِ اللهِ: "إِنَّهُ مِنْ إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَنَّنَا لَمْ نَفْنَ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ لاَ تَزُولُ. هِيَ جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاحٍ. كَثِيرَةٌ أَمَانَتُكَ". فهو إلهٌ رحيم. فهو لديه رَحْمة لكي يشفي، ورحمة لكي يُخَلِّص. وقد كانت رَحْمَتُهُ مُتاحةً لهذين الرجلين اليائِسَيْن. لذلك فقد لَحِقا به. فقد كانت لَديْهِما المعرفة الصحيحة، وكان لَديْهِما الموقف السليم، وكانا يَصرُخان لأنهما كانا يُؤمنان بأنه المسيَّا، وكانا يتوسلان ويتضرعان لكيّ يَرْحَمَهُما بالرغم مِن عدم استحقاقِهِما. والشيء المُدْهِش في نظري هو أنَّ يسوع لم يلتَفِت إليهما - البتَّة. فقد تركهما يَسْكُبان قلبيهِما ويُعَبِّران عمَّا في قلبِهِما، ويُظْهِران بإلحاحٍ صِدْق تَضَرُّعاتِهما لكي يُخرجهما مِنْ دائرة الأشخاص المُتَقَلْقِلين، والمارَّة، والسَّطحِيِّين. فإنْ كان إيمانُهما حقيقيًّا، سَيُلِحَّان عليه. فَهُما لن يُغادرا قبل أن يشْفِيهما، بل سيتبعانه. لذلك فإنه يختبر إيمانَهُما. وهو يترك الأمر إلى النهاية لكي يُبَرْهِن على صِدق إيمانِهِما. لذلك فإننا نرى هُنا حالة صُراخِهِما.

ثالثًا، هناك المواجهة في العدد 28. فهو يستجيب لهما في النهاية. ولكنْ لننظر إلى ما حدث. "وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْبَيْتِ" – ليسَ: "إلى بَيْتٍ"، بَلْ: "إلى البَيْت". أيُّ بيت؟ لا أدري أيَّ بيت، ولكِنَّهُ جاءَ إلى البيت. رُبَّما إلى البيت الَّذي كان يُقيمُ فيه. وفي أيِّ بيتٍ كانَ يُقيم؟ لا أدري يقينًا! ولكِنْ أعتقد أنَّه قد يكون بيت بُطرس في كَفْرَناحوم. فقد كانوا ما زالوا في مدينة كفرناحوم على الشاطئ الشماليّ لبحر الجليل، وكانوا عائدين إلى هناك. فقد كان يسوعُ عائدًا إلى البيت. فقد كان عائدًا إلى المنزل الذي يُقيم فيه. فقد كان لَديه منزل، ربما منزل بطرُس، في الجليل. وكان لديه بيت في اليهوديَّة، وهو بيت مريم ومَرْثا ولِعَازَر. وهذا هو أكثرُ بيت يُمكنُ القول إنه كان بيته. وقد جاءَ أخيرًا إلى البيت بعد يوم حافلٍ بالتعليم، والوعظ، والشفاء، والمَشْي، والتعامُل مع حُشود الناس. وقد دخل إلى البيت. ثُمَّ انظروا إلى ما يقولهُ النص: "تَقَدَّمَ إِلَيْهِ الأَعْمَيَان". وما يُدْهشني جدًّا هو أنَّ الربَّ لم يكُن يمْلِك أيَّ خصوصيَّة. فقد كان ضغطُ الناس هائلاً إذْ كانوا يتبعونه ويلحقون به دونَ كَلَلٍ أوْ مَلَل في كلِّ مكان. فما إنْ دَخَلَ البيت حَتَّى دَخَلَ الأعميان وراءَهُ مباشرةً. ولا أعتقد أنَّ أحدًا مِنَّا يستطيع أن يستوعب كيف كان الأمر عندما كان هؤلاء الناس يلحقون به طَوال خِدمته. فَهُوَ لم يَكُنْ يَعرف طَعْمَ الخصوصيَّة إلَّا عندما كان يذهب في وقتٍ مُتأخِّرٍ مِنَ اللَّيْل إلى مكانٍ هادئٍ لكي يُصلِّي.

وحتَّى عندما جاءَ أخيرًا إلى البيت فإنه لم يتمكن مِنْ تجنُّب الناس. وهناك حَقٌّ مُهِمٌّ، يا أحبَّائي. فكلُّ معجزة شِفاء رأيناها في هذا الأصحاح تُرافِقُها لَجَاجَة. وقد كانت هذه هي طريقة يسوع في كشف الإيمان الحقيقيّ. لذلك فإنَّ جميع معجزات الشفاء التي رأيناها حتى الآن هي ليست شِفاءات جسديَّة فقط، بل هي اهتداءات روحيَّة أيضًا لأنه كان يُخْرِج إيمانَهُم إلى النور. فقد رأينا في حالة الرجل المشلول أنَّ أصدقاءَهُ اضْطُرُّوا إلى إزالةِ جُزْءٍ مِنَ السَّقْف لكي ينال الشِّفاء. وهذهِ لَجاجة. فَهُمْ لم يقولوا: "إنَّ المكان مُزْدَحِمٌ هنا. لذلك لِنرجِع، يا تشارلي، في يومٍ آخر". لا، بل إنهم أزالوا السَّقْف. وقد قال رئيس المَجْمع: "إنَّ ابنتي قد ماتت". وقد ابتدأ يسوعُ بالسَّيْر. ثُمَّ إنه توقَّف (وكان الجَمْعُ حاضرًا) فشَفى امرأةً مُصابةً بنزفٍ دَمَوِيٍّ وتحدث إليها. ويُمكنكم أن تتخيَّلوا أنَّ رئيس المَجْمَع كان قلِقًا جدًّا ومُتوتِّرًا. فقد ماتت ابنتُه، وكان الوقت يَمضي، وكان يَسوعُ متوقِّفًا هناك. ثُمَّ جاءت المرأة النازفة الدَّم وأَمْسَكَتْ بِهُدْبِ ثوبِهِ. ولكنه لم يَسمح لها أن تُغادر، بل إنه قال: "مَنْ الذي لَمَسني". وقد جَذَبَها إلى النور وأَجرى حِوارًا صغيرًا معها. فقد جعلها تُؤكد إيمانها. وهو هنا يجعل هذين الرجلين الأعميين يتبعانه طَوال الطريق إلى البيت. وفي البيت، قبل أن يَستجيبِ إلى طِلْبَتِهِما، فإنه يقول لهما في العدد 28: "أَتُؤْمِنَانِ أَنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ هذَا؟" وقد تقولون: "إنَّهُ سُؤالٌ غَريب!" – "أتؤمنان أنِّي أقدرُ أنْ أفعلَ هذا؟". "لقد شَقَقْنا طريقَنا بصعوبة في وَسْطِ هذا الحَشْد. فلماذا نفعل ذلك لو لم نكن نؤمن؟" إذَنْ، لماذا يَطْرَحُ يسوعُ هذا السُّؤال؟ لا أعتقد أنَّ الهدف مِنَ السؤال هو أنْ يُنْكِرَ إيمانَهُما بأنه المسيَّا لأنهما أَكَّدا ذلك عندما قالا إنه ابنُ داود. ولا أعتقد أيضًا أنَّ ذلك السؤال يَختصُّ بما إذا كانا يُؤمِنان (أو لا يُؤمِنان) بأنه قادرٌ على القيام بذلك. فقد كان يَعلمُ أنَّهما يُؤمنان بذلك. ولكني أعتقد أنه طَرَحَ ذلك السؤال عليهما في المقام الأول لكي يَسمع تأكيدَ إيمانِهِما مِنْ خلال إقرار إيمانِهِما الشَّخصيّ. فالرسول بولس يقول: "لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوع وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ". وأعتقد أنه كان يَسْحَبُ منهما اعترافًا شَفَهِيًّا وتأكيدًا لذلك الإيمان. فربما قالا: "نَعتقد أنه قادرٌ على القيام بذلك". ولكنه أراد منهما أن يُؤكِّدا صِدْقَ إيمانهما لكي يكون ذلك شهادة على الشَّرطِ الأساسيِّ للاهتداءِ الحقيقيّ. فقد قال: "أَتُؤْمِنَانِ أَنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ هذَا؟" قَالاَ لَهُ: "نَعَمْ، يَا [ماذا؟] رَبّ!".

"لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بأنَّ يسوعَ [ماذا؟] رَبٌّ". فقد كان ذلك هو تأكيد إيمانهما. وأعتقد أيضًا أنه أراد أنْ يَفْرِزهُما عنِ الأشخاصِ الذين كانوا يبحثون عن مُخلِّص سياسيّ. فقد كانَ لِسَانُ حالِهِ هو: "هل تُؤمنان أنني موجودٌ هنا للتَّعبير عنِ القُدرة الإلهيَّة، وأنني لستُ مُجَرَّدَ قائدٍ سياسيّ، وأنَّني لستُ مُجَرَّدَ رَجُلٍ يَمتلكُ كارِزْما، ولستُ مُجَرَّدَ إنسانٍ مُقْتَدِرٍ؟ بل هل تُؤمنان أنَّني أُمَثِّلُ القدرةَ الإلهيَّةَ القادرة أنْ تَشفي عَماكُما؟ هل تُؤمنان أنَّني هنا بصفتي مُرْسَلاً مِنَ اللهِ نفسه، وأنَّ مَلَكُوتي إلَهِيٌّ؟ وهل أنتُما مُسْتَعِدَّان لتأكيد رُبوبيَّتي؟

وكما قُلتُ سابقًا، فإنَّ الإيمان ليس شَرْطًا للشفاء. فالأناجيل تَزْخَرُ بالقصص عنْ أنَّ يسوع شَفَى أُناسًا لم يُظْهِروا أيَّ إيمان. فهذه النصوص لا تقول كلمة واحدة عن أنهُ كان لديهم ذَرَّة إيمان. ولكنَّ الإيمانَ شَرْطٌ للخلاص. قد أرادَ يسوعُ أنْ يأتي بهَذَيْن الرَّجُلَيْن إلى آخر الطريق الذي يَسْمَح به إيمانُهُما. فعندما يقول المرء: "ارحمني"، وعندما يقول: "أنت المسيَّا الموعود"، وعندما يقول: "أنا أُوْمِنُ بأنك تمتلك القُدرة الإلهيَّة التي يمتلكها الله"، وعندما يقول: "نعم" ويُخاطِبُهُ قائلًا: "يا رَبّ"، مِنَ المُؤكد أنَّ إيمانَهُ هو إيمانٌ مُخَلِّص. وقد كان يسوعُ يَجْذِبْهُما إلى ذلك. وأعتقد أنهما عندما قالا: "نعم، يا ربَ"، فإنَّ الكلمةَ الَّتي استَخْدَماها قد تكونُ مُجَرَّدَ لقبٍ يَدُلُّ على الاحترام (مِثْلَّ: "يا سَيِّد"، أو ما شابه ذلك). ولكنِّي أعتقد في هذه الحالة، وفي ضَوْء السِيَّاق، أنها كانت تعني أكثر مِنْ ذلك. فأعتقد أنها كانت كلمة مُحَمَّلة بالاحترام والإجلال العظيمَيْن. وأعتقد أنها كانت مُحمَّلةً بالمحبَّة، والعبادة، والسجود، والخضوع، والتكريس. فقد كانت تأكيدًا مُخَلِّصًا: "نعم، يا رَبّ".

لذا، فإننا ننتقل مِنْ تلك النقطة إلى النقطة الرابعة وهي: اهتداء الرَّجُلَيْن. فقد رأينا حالَتَهُما. فقد كانا أَعْمَيَيْن. وقد كانا يَصْرَخَانِ وَيَقُولاَن: "ارْحَمْنَا يَا ابْنَ دَاوُدَ!" ثم رأينا المُواجهة: "أَتُؤْمِنَان؟" - "نَعَمْ، يَا سَيِّدُ!" والآنْ نَرى الاهتداء. وأعتقد أنَّه ينبغي لنا أن نَستخدم هذه الكلمة لأنها أكبر مِنَ الشِّفاء. فنحن نقرأ في العدد 29: "حِينَئِذٍ لَمَسَ أَعْيُنَهُمَا قَائِلاً: «بِحَسَب إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا». فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا. وأعتقد أنَّ الأمر لم يقتصر فقط على فَتْحِ أعينهما الجسديَّة، بل إنَّ إيمانَهُما في تلك اللحظة قد تَفَتَّحَ تمامًا كالزَّهرة فصارا وَلَدَيْنِ مِنْ أولادِ الله.

وما أكثرَ ما لَمَسَ يَسوعُ الناسَ! وما أكثرَ ما عَبَّرَ عنِ الرِقِّةِ الإلهيَّة! فقد لَمَسَ أعيُنَهُما، بِكُلِّ بساطة. وكم أُحِبُّ ذلك! فليست هناك جَعْجَعَة. فهو لا يقول: "ارْجِعُوا إلى الوراء لأنَّ قُدرتي قد تنفجر في أية لحظة". وهو لا يَصْعَد فوق صخرةٍ ضخمة ويقول: "أَبْصِرَا!" فأنتم تَعرفونَ ما يَفعَلُهُ بعضُ الناس. ولكنَّهُ لا يفعل ذلك. فأنت لست مُضْطَرًّا إلى صَرْفِ طاقةٍ كبيرةٍ عندما تكونُ الله، وعندما يكون كُلُّ ما ستفعله هو أنْ تَشفي رَجُلَيْنِ أَعْمَيَيْنِ وحَسْب. فاللهُ الذي يقدر أن يُقيم جميع الأموات الذين ماتوا على مَرِّ العصور وأنْ يُقيمَهُم مِنَ القبور التي حُفِرَت على مَرِّ العصور يَقدرُ بكلِّ تأكيد أنْ يَشفي رجلين أعميين. وكلُّ ما فعله هو أنه لَمَسَ أعيُنَهُما. ونقرأ في العدد 30: "فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا". ويَرِدُ الفعلُ هنا في الزَّمَنِ الماضي البسيط لتأكيد الحقيقة المُدْهِشة بأنَّ ذلك حَدَثَ حَالاً، وللتعبير عنِ فَرَحِهِما العظيم عندما استعادا بَصَرَهُما. ولاحظوا العبارة التي وردت في نهاية العدد 29: "بِحَسَب إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا". ولكِنْ ما الذي تَقْصِدُهُ بالقول: "بحسب إيمانِكُما"؟ فَكَمْ كانَ مقدارُ إيمانِهما؟ وهل كان لديهما القَدْرُ الكافي لِشِفائهما؟ أجل. وهل كان لديهما الإيمان الكافي لكي يَنالا الخَلاص؟ أجل. فإنْ كان لديهِما إيمانٌ كافٍ لكي يخْلُصا، فإنَّ هذا هو ما حَصَلا عليه لأنهما حَصَلا على شيءٍ يُوافِقُ إيمانَهُما. ولا أظنُّ أنَّ الإيمانَ هو شرطٌ للشفاء، ولكنهُ شرطٌ للخلاص. "إنَّ إيمانَكُما كبيرٌ بالقدر الكافي لتخليصِكُما. لذلك، ليكن لكما بحسب إيمانكما". فقد كان إيمانُهما بهذا القدر. وكما تَعلمون، فإنَّ الإيمان في ذاتهِ ليس شيئًا. هل تعرفون ذلك؟ إنه لا شيء.

وقد كَتَبَ الأُسْقُف "ترينش" (Trench) في سنة 1902 الكلمات التالية. وأعتقد أنها كلماتٌ مُدهشة. فقد كانَ يَكْتُبُ عَنْ هذه القصة تحديدًا (كما وَرَدَتْ في إنجيل مَتَّى) فقال: "رغمَ أنَّ الإيمان في ذاتهِ ليس شيئًا، فإنه هو الذي يجعلُنا نَحصُلُ على كُلِّ شيء". والآن، استمعوا إلى هذه الكلمات: "إنَّه حَلْقَةُ الوَصْلِ بين فراغ الإنسان ومِلْء الله. وهنا تَكْمُن كُلُّ قيمة الإيمان". والآن استمعوا: "الإيمان هو الدَّلْوُ الذي نَغْرِفُ بواسِطَتِهِ مِنْ نَبْعِ النعمة الإلهية، والذي لا يستطيع الإنسانُ مِنْ دونه أنْ يَحصُلَ على ماءِ الحياة مِنْ آبار الخلاص. فالآبارُ عميقة، والإنسان لا يمْلِكُ في ذاته أيَّ دَلْوٍ ليغْرِفَ به. والإيمان هو الحقيبةُ التي لا تستطيع في ذاتِها أنْ تجعل صاحِبَها غنيًّا، ولكنها تَغْتَني بالغِنَى الذي فيها". ويا لها مِنْ كلماتٍ رائعة عن الإيمان! فالإيمان هو الدَّلْوُ الذي يَغْرِفُ مِنْ آبارِ الخلاص. والإيمان هو الحقيبة التي ليس فيها غِنى في ذاتِها، ولكنها تَحوي الغِنَى. فالإيمانُ هو الوسيلة التي نَحْصُلُ مِنْ خلالها على ما يُعطينا اللهُ إيَّاه بنعمته. وكأنَّ يَسوعَ قالَ للرَّجُلَيْن: إنَّ حَقيبَتَكُما كبيرةٌ بما يكفي للحصول على كل ما أُريد أنْ أُعطيكُما إيَّاه. ودَلْوُكُما كبيرٌ بما يكفي لِغَرْفِ الماءِ مِنْ آبارِ الخلاص".

"بِحَسَب إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا. فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا". ويا له مِنْ أمرٍ رائع! أجل، فهو يقْدِر أن يُعْطي النور، ويقدِر أن يُخَلِّص. وقد رأينا حالة الرَّجُلَيْن، وصرخَتَهُما، والمواجهة، والاهتداء. والآن استمعوا إلى ما أوصاهُما بهِ يسوعُ في العدد 30: "فَانْتَهَرَهُمَا يَسُوعُ قَائِلاً: «انْظُرَا، لاَ يَعْلَمْ أَحَدٌ!»". "هذا صَعبٌ جدًّا! لاَ يَعْلَمْ أَحَدٌ!". ولكِنْ كيفَ سنَفعل ذلك؟ فهل سنَمشي ونُغْمِضُ أعيُنَنا ونَتَظاهَرُ بأنَّنا نَرتطِمُ بالأشياء؟ فالناسُ الذينَ يَعرفونَنا سيَعرفونَ الحقيقة!". إذَنْ، ما الَّذي يَقْصِدُهُ هنا؟ إنهُ جَادٌّ جِدًّا. فالنصُّ يقولُ إنهُ انْتَهَرَهُما. وبالمناسبة، فإنَّ الفعلَ المُستخدَم هنا قويٌّ جدًّا جدًّا. فَهُوَ يُستخدَم لوصف صَهيل الحِصان. فَهُوَ يَصْهَلُ بقُوَّة. "لا يَعْلَمْ أَحَدٌ". وهذا يَحملُ فكرةَ تَأنيبِ شخصٍ ما - كما جاءَ في إنجيل مَرْقُس 14: 5. ولكِنْ لماذا؟ هناك مَنْ يقول: "لقد أراد يَسوعُ أن يُخْفي حقيقة أنه صانع المُعجزات". ولكنْ مِنَ المُؤكد أنه لم يُرِدْ أنْ يُخفي ذلك. فقد كان يصنع المُعجزاتِ عَلَنًا. فهذا ليس هو السبب. وقد يقولُ قائِلٌ: "ربما لم يرغب في أنْ يَعرفَ أحَدٌ عن ذلك". ولكِنَّ ذلكَ لا يمكن أن يكون صحيحًا أيضًا لأنَّ أصدقاءَ الأَعْمَيَيْن وأهلَهُما سيكتشفون ذلك حالاً. أليس كذلك؟ فسوف يدخُل الأعمى عَليهم فيعلمونَ أنه يَستطيعُ أنْ يَرى.

لذا، لا بُدَّ مِنْ وجودِ شيءٍ أكبر، أو شيءٍ مُختلف عن ذلك. فلا صِحَّة للقول إنه أراد أنْ يُخفي مُعجزاتِهِ – وإلَّا لما صَنَعَها أمام الناس. ولم يكُن السبب هُوَ أنه لا يُريد أن يعرف أحد لأنَّ جميع الأشخاص الذين يعرفون هذا الرجل سيكتشفون الحقيقة. إذنْ، لماذا أَوْصَى الأعْمَيَيْن ألا يَنشُرا الخبرَ في كُلِّ مكان؟ اسمحوا أنْ أقول لكُم السببَ في اعتقادي. قبل كُلِّ شيء، بسبب الإعلان الذي أعلنه الأعميان وهو أنهُ "ابنُ داود". فهذا لَقَبٌ مَسيحانِيّ. وإنْ كانا سيَجولان ويُعْلِنا أنَّ يسوعَ هُوَ المسيَّا ابنُ داود، وأنه وَريثُ العرش، فإنَّ هذا سيُؤدِّي إلى بعض المشاكل. فأوَّلاً، لن يَفهم اليهود ذلك لأنه لم يأتِ مِنْ خلال المؤسَّسة الدينيَّة اليهوديَّة، وثانيًا لن يفهم الرُّومانُ ذلك أيضًا لأنَّ "قَيْصَر" كان هو المَلِك. وأخيرًا، إذا كُنتم تعرفون قصة المسيح، فقد كان ذلك التأكيد نَفْسُهُ (بأنه الملك) هو الذي جَاءَ به إلى الصليب. لذا فإنه يقولُ هنا: "إنَّ الوقت غير مناسب لِنَشْرِ ذلك الخبر". فقد كان اللهُ يَسير بحسب جَدولِهِ الزمنيِّ الإلهيّ. ثانيًا، سوفَ يَميلُ الناسُ عندما يسمعون عن هذه الأشياء إلى النَّظَرِ إليه بوصفِهِ صانعَ مُعجزاتٍ فقط. وقد كانتْ تلك دِعَايَةٌ خطيرةٌ لا مُبَرِّرَ لها.

وهل تذكرون ما جاء في الأصحاح السادس مِن إنجيل يوحنا عندما رَأَوْهُ يُطْعِم الخمسةَ الآلاف وأرادوا حالاً أن يَجعلوهُ مَلِكًا؟ ولعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ يسوع قال لهم بعد أنْ تَبِعوهُ طَوال الطريق: "أنتم لا تتبعوني بسبب أقوالي، بل لأنكم تُريدون طعامًا مَجَانيًّا". لذلك فقد كان يريد أن يُعالج مشكلة أنهم يُريدون أن يجعلوه مَلِكًا. وكان يريد أن يُعالِج مشكلة انتشار الخبر وما قد ينْجُم عنه مِنْ مَدِيح. لذلك فقد قال: "لم يَحِن الوقتُ بعد. لذا، لا تُذيعا الخبر". فنحن لا نقرأ قبل الأصحاح العاشر أنه ابتدأ في إرسال تلاميذه لنشر الرسالة الصحيحة لأنه لم يَشَأ أنْ يُرْسِل أشخاصًا يَحملون رسالة مُرْبِكَةً أو أنْ يُرْسِل أشخاصًا غَيْرَ أكْفاءٍ مِثْلَ هَذَيْن الرجلين. بل إنهُ قال: "لنفعل هذا الأمر بالطريقة الصحيحة ونُرْسِل سُفراء رَسْمِيِّين".

ثالثًا، أعتقد أنه أراد أنْ يَستنتج الناس الحقيقة بأنفُسِهِم. فأعتقد أنه لم يُرِد أن يسمع الناسُ عنه مِنْ خلال أشخاصٍ آخرين، بل أنْ يأتوا ويَرَوْا ذلك بأنفُسِهِم عِوَضًا عنْ إصدار أحكامٍ خاطئة. فإنْ ذَهَبَ هذان الرجلان خارج دائرة معارِفِهِما وتَحَدَّثا عنْ هذا الأمر، قد يقول الناس: "كيف نَعلم حقًّا أنكما كنتما أعمَيَيْن؟ نحن لا نُصَّدق ذلك ولا نَثِقُ بكلامِكُما". لذلك ربما كان مِنَ الأفضل أن يأتي الناس بأنفُسِهِم وأن يفحصوا الأمر بأنفُسِهِم قبل الوصول إلى مثل هذا الاستنتاج.

لذلك، هذه هي بعض الأفكار عن السبب. فهو لم يُرِدْ حَرَكَةً مُتَقَلْقِلَةً وساذَجةً تُنَصِّبُهُ مَلِكًا. وهو لم يُرِدْ حشدًا كبيرًا يتبعهُ دون توبة ودونَ فَهْمِ الملكوت بسبب بَحْثِهِم عن عَرْضٍ مُشَوِّق. وهو لم يُرِدْ أن يبتدئَ ثورةً في المكان الخاطئ والزمان الخاطئ. لذا فإنه يقول: "لا تقولا أيَّ شيء. وأنا جَادٌّ فيما أقول. لا تقولا أيَّ شيء". فقد كان حازمًا جدًّا. وهل تعرفون ما الذي فَعَلاه؟ نقرأ في العدد 31: "وَلكِنَّهُمَا خَرَجَا وَأَشَاعَاهُ فِي تِلْكَ الأَرْضِ كُلِّهَا". فقد فعلا تمامًا ما نَهَاهُما عنه. ونحن نتفهَّم ذلك. فإنْ كنتَ أعمى وأبصرتَ الآن، ستكونُ مُتشوِّقًا لإخبار الناس لأنَّكَ ستكونُ مُتحمِّسًا. قبالنِّسبة إلى الأغلبيَّة فإنَّ الربَّ يُريد مِنَّا أن نقول أمورًا معينة، ولكننا لا نقولُها. ولكنْ هناك أوقاتٌ أُخرى لا يُريدُنا الربُّ أنْ نقول تلك الأشياء، ولكننا نقولُها. وأعتقد أنها خطيَّة لا يُمكِن أنْ يَقْتَرِفَها إلا القلب الشكور. وبالرَّغم مِنْ ذلك فإنها خطيَّة. لذا فقد فَعَلَ ذلكَ الرَّجُلَيْن النَّقيضَ تَمامًا. النَّقيضَ تَمامًا. فقد أَوصاهُما الربُّ بأنْ يَفعلا شيئًا مُحَدَّدًا، ولكنهما فَعَلا العَكْسَ تَمامًا.

ولكنَّ القصة لا تنتهي هنا. وأنا مسرورٌ جدًّا لأنها لا تنتهي هنا. فلا يُمكنني أن أتوقَّف عند العدد 31. وبالمناسبة، سوف نتحدث في الأسبوع القادم عن العدد 31 في سياقٍ آخر. ولكِنِّي أَوَدُّ أن أنتقل إلى العدد 32. فالقصة لا تنتهي هنا. فقد رأينا حالَةَ الرَّجُلَيْن إذْ كانا أَعْمَيَيْن. ورأينا الصَّرخة: "يَا ابْنَ دَاوُد! ارْحَمْنَا!". ورأينا المواجهة: "أَتُؤْمِنَان؟". والاهتداء: "بِحَسَب إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا". والوصيَّة: "لاَ يَعْلَمْ أَحَدٌ!" وفِعْل النَّقيض تمامًا: فقد أَذَاعَا الخَبَرَ في كُلِّ مكان. وأخيرًا فإنَّنا نَرى التَّكريس: أيْ تَكريسَ الرَّجُلَيْن. وربما نَشُكُّ في أنهما كانا وَلَدَيْنِ لله لأنهما خرجا مِنْ هُناك وعَصَيا أَمْرَهُ حالاً. ولكني أُريد أنْ أُريكم شيئًا آخَرَ فَعَلاه. فنحن نقرأ في العدد 32: "وَفِيمَا هُمَا خَارِجَانِ [فقد صارَا الآنَ مُبِصِرَيْن. وقد خَرَجا مِنَ البيت]، إِذَا [أو: "انظروا!" أو "كم هذا مُدهشٌ!"] "إذا إِنْسَانٌ أَخْرَسُ قَدَّمُوهُ إِلَيْه". والكلمة المُستخدَمة هنا هي "كوفوس" (koufos)، وهي تُتَرْجَم في إنجيل مَتَّى 11: 5 "أَصَمّ". ومِنَ المُرجَّح أنها تعني أَصَمّ وأخْرَس.

ومِنَ المُرجَّح أنَّ هذا الشَّخصَ كان صديقَهُما. فقد كانا أعمَيَيْن. وقد كان هو أَصَمَّ وأخْرَس. وقد كانوا جميعًا يُشَكِّلونَ شخصًا كاملاً. أَتَرَوْن؟ فقد خَرَجا حالاً وأحضرا صَديقَهُما الذي كان مسكونًا بشيطان وَجَلَباهُ إليه. وهذا هو التكريسُ الحقيقيّ. فقد كان واحدًا مِنْ أصدِقائِهِما المُتَسَوِّلين. وقد كان الصَّمَمُ مشكلةً شائعةً جدًّا. وكان يحدث نتيجةَ التهابٍ في الأُذن الوسطى أوِ الأُذن الداخليَّة أوْ بسبب اعتلالاتٍ منذ الولادة. وبحسب بعض الكُتَّاب، فقد كان الناسُ يُعانون مُشكلةً كبيرةً تُؤدِّي إلى الصَّمَم وهي أنَّ الرِّمالَ التي كانت تَحْمِلُها الرياحُ كانت تَتَجَمَّعُ على شَمْعِ الأُذن لأنه لم تكُن لديهم وسائل مناسبة لتنظيف الأُذن. وبسبب الإهمال، كانوا يُصابون بالصَّمَم لسببٍ بسيطٍ كهذا. ولكِنْ فيما يَخْتَصُّ بهذا الرجل، لم يكُن مُصابًا بالصَّمَم بسبب واحدٍ مِن هذه الأسباب. فنحن نقرأ عن سبب إصابته بالصَّمم والخَرَس في العدد 32. فقد كان مسكونًا بشيطان. فقد كان مُصابًا بالصَّمم بسبب شيطان، وُمُصابًا بالخَرَسْ بسبب شيطان. وكما رأينا في الكتاب المقدس، قد تؤذي الشياطينُ الناسَ بطريقة جسديَّة. وقد آذَوْا هذا الرجل بهذه الطريقة، ولكنَّ الربَّ يمْلِك سُلطانًا على تلك المملكة أيضًا.

لذلك فإننا نقرأ في العدد 33: "فَلَمَّا أُخْرِجَ الشَّيْطَانُ تَكَلَّمَ الأَخْرَسُ". وحتَّى أننا لا نقرأ كيف فَعَلَ الرَّبُّ ذلك. ومَرَّةً أُخرى، فإننا لا نجد جَعْجَعَةً بشأن قُدرته لأنه كانَ يَمْلِكُ قُدرةً فائقة. فهذا أمرٌ سهلٌ بالنسبة إليه. فقد أَخرجَ الشيطان فَتَكَلَّمَ الأخرس. ولكننا لا نقرأ أيَّ شيءٍ عن إيمان هذا الرجل. ونحن لا نَعلم إنْ كان يدري ما الذي يحدُث. فقد قال: "ابْرَأ" فتحقَّقَ ذلك. ولكننا لا نقرأ شيئًا عن إيمانه ولا نقرأ شيئًا عن خلاصِه. ولكننا نَقرأ أنَّ الرَّجُلَيْنِ الأعمَيَيْن صارا حالاً مُفيدَيْنِ للمسيح لأنهما أَحْضَرا شخصًا آخرَ إليه. وأنا مسرورٌ لأنَّ القصة انتهت بتلك الطريقة. فمعَ أنَّهُما كانا ضَعيفَيْنِ وغيرَ مُطيعَيْن، فإنَّهُما أَظْهَرا تكريسًا كافيًا مِنْ خلالِ إحْضارِ صَديقِهِما المُتَسَوِّل إلى المسيح.

والآن، اسمَعوني. فسوفَ أَخْتِمُ حَديثي. وأودُّ منكم أن تسمعوني بعناية. إنها قصة بسيطة، ولكني أعتقد أنها واحدة مِنْ أجمل القصص التي تُمَثِّل الخلاص في كُلِّ إنجيل مَتَّى. فقد صار عَمَى هَذَيْن الرَّجُلَيْن صُورةً للعَمَى الرُّوحِيّ – أيْ أنْ يكونَ الإنسانُ ضالًّا وأعمى بسبب الخطيَّة. ويُمكنكم أنْ تَقرأوا هذه القصة كما لو كانت تتحدث عن الخلاص. والآنْ، اسمعوني: أولاً، لقد كانت لَديهِم حاجة. فقد كانا أعمَيَيْن. وكانا يُدركان ذلك. وهنا يَبتدئ الخلاص. فلا أحد يأتي إلى الله ما لم يشعُر بوجود حاجة، وما لم يُدرِك أنه لا يستطيع أن يَرى. فَهُوَ أعمى. وهو لا يمتلك أيَّة مصادر. وهو بلا رجاء. وهو لا يستطيع أن يُميِّزَ الحَقَّ. وَهُوَ يَشعرُ باليأس.

وبعد الحاجة تأتي المعرفة. فقد اكتَشَفا هُوِيَّةَ يسوع. وقد عَرَفا أنه المُخلِّص، والمسيَّا، وابن داود. وقد كانت معرِفَتْهما صحيحة. وبسبب حاجتهِما جاءت معرِفتهما. فقد بَحَثَا عن المعرفة ووجدا الحقّ. والخلاصُ يَحْدُثُ هكذا. فأولاً، يجب أن تكون هناك حاجة ماسَّة. ومِنْ تلك الحاجة الماسَّة يأتي البحث عن الحَلِّ الصحيح. ثُمَّ يَعْقُب ذلك أنْ يَشعُرَ المرءُ أنهُ خاطئ. فقد قالا: "ارحمنا. فنحن لم نأتي لكي نقول لك إننا نستحقُّ أيَّ شيء. بل إننا أتينا لكي نقول لك إننا نحتاج إلى شيءٍ لا نستحقُّه". والخلاصُ يحدُث هكذا. فأنت تأتي وتتضرَّعُ لأجل الحصول على الرحمة.

رابعًا، كان هناك إيمان. فقد قالا: "أجل يا رب! فقد تَبِعْناك بإصرار، وصَرَخْنا إليك. ألا تَعتقد أنَّ هذا يَكْفي لإثبات إيماننا؟" فقد تَبِعاه بإصرار. والعهد القديم يقول: "وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ [ماذا؟] قَلْبِكُمْ". لذا فإنَّ الخلاص يبتدئ بوجود حاجة، ثُمَّ مَعْرِفة الحلّ، والشعور بالخطيَّة، وبأنَّك لا تستحقُّ ذلك الحَلّ، ثُمَّ الإيمان الذي يُصِّرُ على البحث، ثُمَّ يأتي الاعتراف. "أَتُؤْمِنَان؟" - "نَعَمْ، يَا رَبّ!". وهذا إقرارٌ بِرُبوبيَّته. فهناك خُضوع، وتكريس، ومحبَّة: "نَعَمْ، يَا رَبّ، نحن نُؤمن!". ثم يأتي الاهتداء: "بِحَسَب إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا". وهل تعلمون ما الذي يأتي غالِبًا بعد الاهتداء؟ الضُعْف. أجل! والعِصيان. لماذا؟ لأنك عندما توُلَد ثانيةً فإنك تكونُ طفلاً في المسيح. أليس كذلك؟ والأطفالُ لا يُمَيِّزونَ جَيِّدًا. فَهُمْ يتأرجحونَ صُعودًا وهُبوطًا. وهُمْ لا يعرفون الأمور العميقة المُختصة بالله. فهُناك ضُعْفٌ إلى حَدٍّ ما. وهناك مَيْلٌ إلى العصيان. وأحيانًا، بالرغم مِنْ حَماسَتِهِم، فإنَّ هناك عِصيانًا.

ولكنْ أخيرًا فإنَّ القصة تنتهي بأنهما كانا نافِعَيْن. فبالرغم مِنْ عِصيانِهِما، فإنَّنا نرى رَغْبَتَهُما في إحضار شخصٌ آخر إلى يسوع المسيح. وهذا يَصُحُّ غالبًا على الشخص حديث الإيمان. صحيحٌ أنهما لم يكونا يعرِفان كُلَّ شيء، ولكنهما أَحْضَرا أقربَ شخصٍ أصَمَّ وأخرَس، وجَلَباهُ إليهِ قائِلَيْن: "ها هو ذا يا ربّ". ولا أعتقد أنَّ الربَّ شفى ذلك الرجل بسبب إيمانه. فالنصُّ لا يقول ذلك. بل أعتقد أنه شفاه لكي يُبَيِّن للرَّجُلَيْن الأعمَيَيْن أنهما سيكونان نافِعَيْن له في نشر ملكوته.

لذلك فإنها صورة جميلة عن كيفيَّة حدوث الخلاص في حياة المرء. فيسوع هو المسيَّا، يا أحبائي. وإنْ لم تُؤمنْ بذلك حتى الآن فأنتَ تعيشُ حياةً تُناقِضُ كُلَّ الأدلة. وإنْ لم تهتدي حَتَّى الآنْ كما حدث في حياة هذين الرجلين، فأنتَ ما زِلتَ تعيشُ في ظلامِ وعَمَى الخطيَّة بلا مُبَرِّر لأنَّ المسيح قَدَّمَ ذاته بوصفه ذاك الذي يَطْرُدُ الظُّلمة.

وقد كَتَبَ "جورج لانسينغ تيلور" (George Lansing Taylor) ما يلي:

أيُّها المُخلِّص، نحنُ عُمْيانٌ وَخُرْس.

لذا فإنَّنا نأتي إليكَ لكي تُعطينا قدرةً على الإبصار والنُّطْق.

المس أَعْيُنَنا بأشعَّة الحقّ السَّاطعة.

وعَلِّمْ شِفاهَنا أنْ تُرَنِّمَ لَكَ وتَسَبِّحَك.

ساعِدنا على أنْ نَشعُرَ بليالينا الحزينة،

وبأنْ نَبحثَ في كل شيء عن نُورِكَ،

إلى أنْ نَسمعكَ تقول:

"بِحَسَب إِيمَانِكُمْ لِيَكُنْ لَكُم".

ثُمَّ إنَّنا سنُحْضِر إليكَ الخُرْسَ بسُرعة،

إلى أنْ يَرى الجميعُ نِعْمَتَكَ ويُرَنِّموا لَك.

لِنَحْنِ رُؤؤسَنا حَتَّى نُصَلِّي: نشكرُك، يا أبانا، على الوقتِ الَّذي صَرَفناهُ في هذا الصباح في دِراسة هذه القصة الرائعة. ونشكرُك لأننا حين ندخُل ذات يوم إلى مَحْضَرِك الأبديّ، سنحظى بشرف مُقابلة هذين الرجلين اللَّذَيْن خَلَّصْتَهُما في ذلك اليوم. ونشكرك لأنك تَترقَّب بالطريقة نفسِها مجيء كل شخصٍ خاطئٍ يشعر بالحاجة، ويَعرف أنه غيرُ مُستحِقّ، ويعرف أنك الحَلّ، ويُثابِر في الإيمان، ويعترف عَلَنًا. فأنت تَتوقُ أنْ تُخَلِّصَ هؤلاء وأن تَستخدمَهُم بالرغم مِنْ ضَعْفِهِم في نَشْرِ ملكوتِك. ونشكرُك، يا رَبّ، على كُلِّ ما فَعلته في حياتنا، وعلى كُلِّ ما أنت قادر أنْ تفعله مِنْ خلالنا بِروحِك. ونحن نَسألُك، يا أبانا، أن تَجْذِب إلى غُرفة الصلاة الأشخاصَ الذين تشاء أنْ يأتوا. نشكُرُك على كلمتك لنا اليوم. اجمعنا ثانيةً في هذا المساء، يا رَبّ، لكي نستمتع بدِراسةِ مُقَدِّمة الرسالة إلى أهل رومية إذْ سنتأمَّل في حياة الرَّجُل الذي استخدمتَهُ استخدامًا عظيمًا لكي يَكتُبَ ذلك السفر كما استخدمتَ آخرين. هَيِّئ قُلوبَنا لتلك الدِّراسة في هذا المساء، واعْطِنا يومًا رائعًا نكونُ فيهِ مُطيعين لكلمتك ومشيئتِك. إكرامًا ليسوع. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize