Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نُتابِع دِراسَتَنا في هذا الصباح في إنجيل مَتَّى والأصحاح التاسع. ونحن نَصِل، في الحقيقة، إلى مقطعٍ صغيرٍ جدًّا في دَرْسِنا. وأَوَدُّ أن أقرأَهُ لكُم قبل أن ننتقل إلى دراسة ما يُريد روحُ الله مِنَّا أنْ نتعلمهُ مِن هذا المقطع. ولَعَلَّكُم تذكرون أننا توقَّفنا في دِراسَتِنا السابقة معًا عند العدد 33 - أيْ عند معجزة الرَّجُل الأصَمّ والأخرس. وقد كان أصمَّ وأخْرَس بسبب شيطان. ويُسارِعُ مَتَّى إلى التعليق على تلك المُعجزة بجملةٍ تُشيرُ إلى رَدِّ فِعْل. لذا، سنبتدئ القراءة مِنْ مُنتصف العدد 33: "فَتَعَجَّبَ الْجُمُوعُ قَائِلِينَ: «لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ مِثْلُ هذَا فِي إِسْرَائِيلَ!» أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَقَالُوا: «بِرَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ!». وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْب". لذلك فإنَّ مَتَّى يَذْكُر لنا ردَّ الفِعْل على المُعجزات التي صَنَعَها يسوع. فقد كانت هناك الجماهير المُتَعَجِّبَة، والمُتَدَيِّنونَ الرَّافضون.

ولكِنْ قبل الدخول في هذه التفاصيل، سأُحاول أن أُرَكِّزَ فِكْرَكُم على ما يقوله النصّ لنا. فعندما كان الربُّ يسوع طفلاً صغيرًا لا يتجاوز عمرهُ أربعين يومًا، أيْ في طُفولته المُبَكِّرة، أَخَذَتْهُ أُمُّهُ (بِمُرافقة يوسُف) إلى الهيكل لأنها كانت مُطالبة بتقديم ذبيحة تَطْهير بعد ولادَتِها. وبينما كانوا في الهيكل، التقَوْا رَجُلاً تَقِيًّا اسمُه "سِمْعان". وكان سِمعان رجلاً مُتَقدِّمًا في السِنّ. وكان ينتظر طَوال حياته مجيء المسيَّا. وقد حَظِيَ الآن بامتياز رؤية المسيَّا. وَهُوَ يقول في إنجيل لوقا 2: 30: "لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ". فقد رأى ما كانَ يَنتظره. ثم إنه خَاطَبَ مَرْيَمَ قائلاً لها: "هَا إِنَّ هذَا [الطِّفْل] قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيل". فَسِمْعانُ يَقولُ لها: "سوفَ يَصيرُ هذا الطِّفل الخَطَّ الفاصِلَ فيما يَختصُّ بمصير البشر. فقد وُضِعَ لسقوط وقِيام كثيرين". بعبارة أخرى، فقد قالَ سِمْعان لمريم: "سوف يصيرُ هذا الطفل الخطَّ الفاصل الَّذي يُقَرِّرُ المَصيرَ النهائيَّ لكُلِّ فَرْد. فالبعضُ سيرفضونه ويسقطون. والبعضُ سيَقبلونه ويقومونَ ثانيةً".

والحالُ هكذا دائمًا في تدبير الله. فهناك أشخاص يُشبهونَ شَجَرةً مَغروسةً عند جداول المياه فيأتون بِثمر، وهناك أشخاصٌ يُشبِهون العُصَافَة. فهُناك الأشخاصُ غير الأتقياء والأشخاصُ الأتقياء. وهناك الأبرارُ وغير الأبرار. فَهُما فِئَتان فقط. وقد كانَ جَدِّي يقول دائمًا: "هناك نوعان فقط مِنَ الناس في العالم: القِدِّيسون وغيرُ القِدِّيسين". وهذه هيَّ الحقيقة. "هَا إِنَّ هذَا [الطِّفْل] قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ". والحقيقة هي أنَّ هذه المعلومة لم تكن جديدة بالنسبة إلى مريم، مَعَ أنها لم تَسْمع ذلك بهذه الطريقة مِنْ قَبْل عن طِفلِها. ولكِنْ في الأصحاح الأول مِن إنجيل لوقا، عندما كانت تُسَبِّح الله بعد أن سَمِعَت الإعلان بأنها ستحْمِل طفلاً سيكون عظيمًا، قالت عنِ الله: "وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ. أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِين".

وقد كانت مريم تَعْلَم أنَّ واحدةً مِنْ صِفات الله هي أنَّه يَقبل البعض ويَرْفُض البعض، وأنه يُبارِك البعض ويَلْعَن البعض. وأنه يُظْهِر قُدرته للبعض (بأن يَجمعَهُم) ويُفَرِّق البعض الآخر، وأنه يُنْزِلُ الأعِزَّاءَ ويَرْفَع المُتَّضِعين، وأنه يُشْبِع الجِياعَ ويَصْرِفُ الأغنياءَ فارِغين. بعبارة أُخرى، سوف يكون هناك دائمًا خَطٌّ فاصلٌ بين أولئك الذين يُبارِكُهُم اللهُ وأولئكَ الذين يَلْعَنُهُم. فَمِنْ جِهة، هناك المُتَبَجِّحون والأغنياء والأقوياء، ومِنْ جهة أخرى، هناك الفُقراء والجياع والمُتَّضِعون. لذلك فقد كانت مريم تعرف ذلك لأنها كانت تعرف اللَّاهوت، أيْ أنها كانت تعرف العهد القديم. وقد أَكَدَّ لها سِمعان أنَّ طِفْلَها سيكون جوهر هذا الأمر. وعندما جاء يسوع وتكلَّمَ، أكَّدَ ذلك لأنَّنا نقرأ في إنجيل لوقا 6: 20 الكلمات التالية عن رَبِّنا: "وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: «طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ، لأَنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ اللهِ. طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْجِيَاعُ الآنَ، لأَنَّكُمْ تُشْبَعُونَ. طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْبَاكُونَ الآنَ، لأَنَّكُمْ سَتَضْحَكُونَ. طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ، وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإِنْسَانِ. اِفْرَحُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَتَهَلَّلُوا، فَهُوَذَا أَجْرُكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاءِ. لأَنَّ آبَاءَهُمْ هكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ. وَلكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الأَغْنِيَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ نِلْتُمْ عَزَاءَكُمْ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الشَّبَاعَى، لأَنَّكُمْ سَتَجُوعُونَ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الضَّاحِكُونَ الآنَ، لأَنَّكُمْ سَتَحْزَنُونَ وَتَبْكُونَ. وَيْلٌ لَكُمْ إِذَا قَالَ فِيكُمْ جَمِيعُ النَّاسِ حَسَنًا. لأَنَّهُ هكَذَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَة".

فهُناك المُبارَكون والمَلْعونون. والكلمة "وَيْل" تعني "مَلعون". لذا فقد أَكَّدَ يسوع مَرَّةً أُخرى وجود خَطٍ فاصِل. فهناك المُبارَكون والمَلْعونون. وقد قال رَبُّنا في الأصحاح السابع مِن إنجيل مَتَّى إنَّ هناك أشخاصًا يدخلون مِن الباب الضيِّق فينالون البَرَكة، وإنَّ هناك أشخاصًا يَدْخلون مِن الباب الواسع ويُدانون. وهناك مَنْ يَبنون بَيتَهُم على الصَّخْر فيصْمُد في يوم الديْنونة. وهناك مَنْ يَبْنون بَيتَهُم على الرمل فينْهار. وهناك مَن يُحاولون أن يتمسَّكوا بحياتِهِم فيخسروها، وهناك مَن يَبذِلون حياتَهُم فيجدونها. وفي كُلِّ صَفَحات الإنجيل التي تُدَوِّن لنا جوهر تعاليم يسوع، نجد أنه يُقدِّم نفسَهُ بصِفَتِهِ الخطَّ الفاصِل.

فَهُوَ يقول في إنجيل مَتَّى 10: 32: "فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِـي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَات". بعبارة أُخرى، إذا قَبِلت يسوع المسيح فإنَّ الله سيقْبَلُك أيضًا كواحد مِن أولاده. أما إذا أنكرتَ يسوع المسيح فإنَّ المسيح سيُنْكِرُك أمام الآب. لذا فإنه يقول: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا. [وهذا يُرينا مَرَّةً أُخرى أنهُ الخَطُّ الفاصل] "فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِه". ويتكرَّرُ هذا الكلام دون توقُّف في كُلِّ إنجيل مَتَّى والأناجيل الأخرى أيضًا. فنحنُ نقرأ: "كَانَ لإِنْسَانٍ ابْنَانِ، فَجَاءَ إِلَى الأَوَّلِ وَقَالَ: يَا ابْنِــي، اذْهَب الْيَوْمَ اعْمَلْ فِي كَرْمِي. فَأَجَابَ وَقَالَ: مَا أُرِيدُ. وَلكِنَّهُ نَدِمَ أَخِيرًا وَمَضَى. وَجَاءَ إِلَى الثَّانـِــي وَقَالَ كَذلِكَ. فَأَجَابَ وَقَالَ: هَا أَنَا يَا سَيِّدُ. وَلَمْ يَمْضِ. فَأَيُّ الاثْنَيْنِ عَمِلَ إِرَادَةَ الأَبِ؟» قَالُوا لَهُ: «الأَوَّلُ». قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الْعَشَّارِينَ وَالزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ الله»". بعبارة أخرى، فقد قالَ الابنُ الأوَّل: "ما أُريد". وهذا يعني أنَّه لم يكن مُتديِّنًا، بل كانَ يعيشُ حياةَ عِصْيان لوالده. ولكنَّهُ نَدِمَ ومَضى. أمَّا الابنُ الثاني فقال: "سأذهب". فقد كانَ مُتديِّنًا. والحقيقة هي أنَّه كانَ يبدو مُتديِّنًا. فقد تظاهَرَ بأنه مُطيع وتَظاهرَ بأنهُ خاضِع، ولكنَّه لم يذهب. فالابن الأول الذي قال إنه لن يذهب ثُمَّ ذهب يَرْمِزُ إلى جُباة الضرائب والعشَّارين والخُطاة. والابنُ الثاني الذي قال إنه سيذهب ولكنه لم يذهب يَرْمِز إلى الفَرِّيسيِّين والمُرائين ورجال الدِّين الزَّائفين. وقد قال يسوعُ إنَّ العشَّارين والزُناة سيدخلون الملكوت قبل رجال الدِّين. ومَرَّةً أُخرى، نَرى أنَّ هناكَ خَطًّا فاصِلاً. والأمر لا يختص بالأشخاص المُتديِّنين أو غير المُتديِّنين، بل يختص بالأشخاص الذين يُطيعون مشيئة الآب. وقد تَمَّ التعبير عن مشيئة الآب بهذه الكلمات. فقد تَكلَّمَ الآبُ مِنَ السَّماءِ وقال: "هذَا هُوَ ابْنـِــي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا". فالمسيحُ هُوَ الخَطُّ الفاصِل.

والرسول بُولس يتحدَّث عن نفس هذه الفكرة بأنَّ الجنسَ البشريَّ كُلَّه ينقسم إلى مؤمنين وغير مؤمنين؛ أيْ إلى أشخاصٍ سيذهبون إلى السماء وأشخاص سيذهبون إلى جَهَنَّم؛ أيْ إلى أشخاصٍ مُباركين وأشخاصٍ مَلعونين؛ أيْ إلى أشخاصٍ ينالون المكافأة وأشخاص يُدانون. وَهُوَ يقولُ إنَّ الخطَّ الفاصلَ هو إيمانُهم أو عدم إيمانهم بالربِّ يسوع المسيح. وسوف تلاحظون في رسالة كورنثوس الثانية 2: 14 أنَّ بُولس يرفع صلاةً قصيرةً يقولُ فيها: "وَلكِنْ شُكْرًا ِللهِ الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ". بعبارة أُخرى، فإنَّ هناك رائحةً مُعيَّنةً يَمْلِكُها المؤمنُ، أو عَبيرٌ مُعَيَّن، أو نَكهةٌ مُعَيَّنة [إنْ شئتم]، أو شَذى مُعَيَّن، أو أريجٌ مُعَيَّن يُمَثِّلُ الله. فنحن نتلامس مع العالم فَيَشْتَمُّونَ مِنَّا رائحةَ الله: "لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ للهِ، فِي الَّذِينَ يَخْلُصُونَ وَفِي الَّذِينَ يَهْلِكُونَ". بعبارة أُخرى فإنَّ المُخَلَّصين والهالِكين (وَهُما الفئتان الوحيدتان الموجودتان: المُخَلَّصون والهَالِكون) يَشْتَمُّونَ رائحةَ المسيح مِنْ خلال حياتنا. وهذا يحدث مِن خلال شَهادتنا الحيَّة وشهادَتنا اللَّفظِيَّة. ثم نقرأ في العدد 16: "لِهؤُلاَءِ رَائِحَةُ مَوْتٍ لِمَوْتٍ، وَلأُولئِكَ رَائِحَةُ حَيَاةٍ لِحَيَاةٍ". بعبارة أُخرى، فإنَّ ما يقوله بولس هو أنه بِصِفَتِنا مؤمنينَ نَحْيا الإنجيل ونَكِرز به، فإنَّنا في الحقيقة نُشِعُّ تلك الحقيقة للمُخَلَّصين والهالكين. وهي للهالِكين رائحة موتٍ لموت. بعبارة أُخرى، فإنهم أمواتٌ أصلاً بسبب رفضِهِم للمسيح. وكُلَّما زاد سماعُهُم للإنجيل، زادَ ضَلالُهم.

ويُعَبِّر كاتب الرسالة إلى العِبرانيِّين عن الفكرة نفسها فيقول إنَّ هؤلاءِ دَاسُوا تحتَ أقدامهم دَمَ العهد وحَسِبوهُ شيئًا دَنِسًا. بعبارة أُخرى، فإنَّ الرفض المُستمر للإنجيل يُعَمِّق الموت. لذلك فإننا نَصيرُ (مِنْ خلال حياتِنا وكرازتِنا) رائحة موتٍ لموت لغير المؤمنين - أيْ إنَّ هَلاكَهُم يزداد وجَحيمَهُم يزدادُ هَوْلاً بزيادة رَفْضِهِم للحقّ. مِنْ جهة أخرى، حين نَكْرِزُ بالإنجيل لأولئك الذين يَحْيَوْنَ أصلاً في المسيح، فإنَّ الإنجيلَ يكونُ لهم رائحة حياةٍ لحياة. فذلك بالنسبة إليهم تَوَسُّعٌ، وانطلاقٌ، وازديادٌ، وتَعَمُّقٌ في فَهْمِ غِنَى الحياة في المسيح. لذا فإنَّ كُلَّ شخصٍ هو إمَّا مَيِّت أو حَيّ بالمعنى الروحيّ لأنه إمَّا أنْ يَقبل كلمة الله كرائحة: إمَّا رائحة موتٍ لموت (إذْ إنه يَتَعَمَّقُ في موتِهٍ بسبب خطاياه وبسبب زيادة مُساءلَتِهِ أمام الله؛ الأمر الذي يؤدِّي إلى المزيد مِنْ أهوال جهنم الأبديَّة)، أوْ أنْ يَقْبَلَها كرائحة حياةٍ لحياة.

ويسوعُ هو هذا الخَطّ الفاصِل. ومَتَّى يُبيِّن ذلك بوضوحٍ تامٍّ في الأصحاحين الثامن والتاسع. لذلك، أرجو أن تفتحوا على الأصحاح التاسع إنْ لم تكونوا تفتحون عليه أصْلاً. وما يُريدُ مَتَّى أنْ يفعله لأجلنا هو أنْ يُساعِدَنا على فهم أنَّ المسيح هو المُخَلِّص، وأنه ينبغي لكل فرد أن يأخذ قرارًا. وقد قال كاتبٌ بريطانيٌّ اسمُه "هايوود" (Haywood): "إنَّ مشكلة البشريَّة تتلخص في الآتي: أنَّ البشريَّة تقف على مُفْتَرَق طُرُق، وأنَّ جميع اللَّافِتاتِ قد سَقَطَت". ولكنَّ الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى البَشير مَتَّى لأنَّ اللَّافِتاتِ لم تَسْقُط. فهو يَرْفَعُها عاليًا لكي نَراها بكل وضوح. وهو يدعونا إلى اتخاذ القرار الصحيح، أيْ أن نختار الحياة، وأنْ نختار البِرَّ والصلاحَ، وأنْ نختار أن نُؤمن. فهذا هو ما يُريدُنا مَتَّى أن نفعلَهُ. ولكي يُساعدَنا في اتخاذ القرار بقبول المسيح، فإنه يُقدِّم في الأصحاحين الثامن والتاسع دليلاً قاطعًا على أنَّ المسيحَ هو ابن الله، والمَسِيَّا، والمُخَلِّص. لذلك فإنَّ مَتَّى يرفع لافِتَةً تقول: "هذا هو الطريقُ الضَّيِّق! اسلُكوا في هذا الطريق. فهذا هو طريق الإيمان بالمسيح".

ولكي يُقنعنا مَتَّى بأنَّ مَزاعِمَ المسيح صحيحية، فإنَّهُ يُدَوِّن في الأصحاحين الثامن والتاسع تِسْعَ مُعجزات، وهي تِسْعُ مُعجزاتٍ عجيبة. وهي تِسْعُ مُعجزاتٍ تَفوق قُدرة أيّ إنسانٍ - لا أنْ يَصْنَعَها فقط، بل حتى أن يَستوعِبَها. وهي لا تُغَطِّي كل نطاق معجزاته، بل هي نماذج فقط. وأعتقد أنه مِنَ المهم أن تتذكروا مثلاً ما جاء في إنجيل يوحنا 20: 30 إذْ نقرأ: "وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَاب". ثم إنهُ يقول في الأصحاح 21 والعدد 25: "إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَة". فهذه مجرَّد نماذج مِنْ معجزاتٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى صَنَعَها يسوع.

ولَعَلَّكُم تَذكرون هذه المُعْجِزات، وسوف أَسْرُدُها بسرعة. لذلك ابْقَوْا معي لكي أُوَضِّح هذه الفكرة. فربما تَذكرون أنَّ مَتَّى يُقدِّم تسع معجزات. وهو يُقَسِّمُها إلى ثلاث مجموعات تَضُمُّ كُلٌّ منها ثلاث معجزات. وبعد كل مجموعة ثلاثيَّة فإنه يُقدِّم تجاوبًا – أيْ كيفَ تجاوبَ الناسُ مع هذه المُعْجِزات. فأولاً، هناك المُعْجِزات المُختصَّة بسُلطانه على الأمراض. فقد شَفى رجلاً أبرَص. وقد شفى غُلامَ قائد المئة مِنْ مرض الشَّلَل. ثُمَّ إنه شَفى حماةَ بُطرس مِنَ الحُمَّى. وفي مجال الاضطرابات فقد هدَّأ العاصفة، وسكَّنَ الأمواج والبحر. وهذا اضطرابٌ في العالم الماديّ. وفيما يختص بالاضطراب الروحيّ، فقد طَرَدَ كتيبةً كاملةً مِنَ الشياطين. وفيما يختص بالاضطراب الأخلاقيّ، فقد شَفى رجلاً مشلولاً وغَفَرَ خطاياه. ثُمَّ إنه تعامل مع الموت فأعاد الحياة إلى لِسانٍ أخرس، وعَيْنَيْنِ غير مُبْصِرَتَيْن، وحتَّى أنه أقام ابنة يايِرُس مِنَ الموت. وكُلُّ مُعْجِزة مِن هذه المُعْجِزات تُظْهِر قُدرة المسيح في نطاقٍ آخر، وتُمثِّل معجزاتٍ كثيرة أُخرى صَنَعَها في نفس تلك الفئات. وبعد كل مجموعة مِن المُعْجِزات نقرأ عن ردود فِعْل الناس. وهذا هو تمامًا ما نراه في الأعداد مِنْ 33 إلى 35.

والحقيقة هي أنَّ ما جاءَ في العدد 35 يُشبه ما جاء في الأصحاح الرابع والعدد 23، وَهُوَ يُلَخِّص كُلَّ خِدمته في الجليل بصورة خاصَّة جدًّا. فمثلاً، إذا رجعتم إلى مَتَّى 4: 23، مِنَ الجيِّد أنْ تُلاحظوا ذلك. فنحنُ نقرأ: "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب". ثم نقرأ الشيءَ نفسَهُ في الأصحاح التاسع والعدد 35: "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْب". فهذا العدد موجود هناك لتوضيح سِياق العِظة على الجبل وكلَّ تلك المُعْجِزات التي صَنَعَها. فقد كان ذلك هو جوهر خدمته في الجليل.

والآن، أَودُّ أن نبدأ مِنَ العدد 35، ثُمَّ أن نَرْجِع إلى الوراء لدراسة هذه الأعداد الثلاثة القصيرة. لذا، لننظر أوَّلاً إلى أعمال الربّ، ثُمَّ سننظر إلى ردود فِعْل الناس في العددين 33 و 34. لاحظوا ما جاء في العدد 35 إذْ نَقرأ: "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ ...". وبالمُناسبة، فإنَّ الفعل "يَطوف" يَنطوي على فكرة الجهد الدَّؤوب والمتواصِل والمُستمرّ. فقد كانَ يَقومُ بذلك الأمر دائمًا ويَفعل ذلك باستمرار. ويمكنكم أنْ تَرَوْا السَّببَ إذا نَظَرْتُم إلى الآيات السابقة. فنحنُ نقرأ هنا أنهُ كانَ "يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى". ونقرأ في الصحاح الرابع والعدد 23 أنَّ هذه المُدُن والقُرى هي "الجَليل": أي الجُزء الشَّماليّ مِنَ البلاد. وهي المنطقة الخِصبة، والمنطقة الَّتي كانَت تُزْرَعُ فيها المحاصيل (أو الجُزءَ الأكبر مِنها). ويُخبرنا "يوسيفوس" (Josephus) أنَّهُ في زمن يسوع، كانت هناكَ على الأرجح 204 مدن وقرى. وللعِلْمِ فقط، فإنَّ الفرقَ بين المدينة والقرية هو وجود سُوْر. فإنْ كانَ المكان مُحاطًا بسور يكونُ مدينة. أمَّا إنْ لم يكون هناك سُور، فإنها قرية. فالقُرى الصغيرة لم تكُن تُحصِّن نفسها أمَّا المدن فكانت تفعل ذلك. لذلك، سواء كانت مدينة أو قريَّة، فقد طافَها جميعًا. ونحنُ نتحدَّثْ هنا عن مِساحة يُقدَّر طولُها بنحو 70 ميلاً وعرضُها بنحو 40 ميلاً. وهي تَضُمّ نحو مِئَتَي مدينة، أو ربما مِئَتَيْن وخَمْس مُدن (أو مِئَتَيْن وأربع مُدن). وقد كان يسوعُ يَطوفُ كُلَّ هذه المُدن بسرعة. ويكتُبُ "يوسيفوس": كانت المُدُن كثيرة، وكانَتِ الُقرى مُنتشرة في كُلّ مكان ومُزدحمة بالناس بسبب خصوبة الأرض. لذلك فقد كانت أصغرُ القرى تَضُمّ أكثر مِنْ خمسةَ عَشَرَ ألفَ شخص". وبعمليَّة حسابيَّة بسيطة، يمكننا أنْ نَعرف أنَّهُ كان هناك ثلاثة ملايين شخص يستطيع يسوع أنْ يَصِلَ إليهم في منطقة الجليل وحدها مِنْ خلالِ اختلاطه بالناس.

لذا، فقد كانَ يَسُوعُ "يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى" يَشفي، ويَكْرِز، ويُعَلِّم. وهذه هي الأشياء الثلاثة الَّتي نُريد أنْ نُرَكِّز عليها في العدد 35: التَّعليم في المَجامِع، والكرازة بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَشِفاء كُلِّ مَرَضٍ وَكُلّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْب. وأودُّ أن أعترف لكم، يا أحبَّائي، في هذا الوقت أنَّنا لن نتمكَّنَ مِنْ دراسة هذه الأشياء الثلاثة (أوْ أيٍّ منها) دراسة وافية إلى أنْ يَحدُثَ الاختطاف - أيْ إذا تَحدَّثنا عن تعليم يسوع، أو عنِ الكرازة الَّتي كان يقوم بها، أو عنِ الشِّفاء الَّذي كان يقوم به. لذلك، لن نتمكَّنَ مِنْ دراسةِ كُلّ هذه الأمور دراسة مُستفيضة. ولكِنِّي سأحاول أنْ أُقَدِّم لكم بعض الأفكار. فسوف ننظر إلى هذه العناصر الثلاثة في خدمة يسوع.

أوَّلاً، التعليم في مجامِعِهِم. وما الذي يعنيه ذلك؟ أينما كان هناك يهود، كان هناك مَجْمَع (أيْ: مَكانٌ يجتمعون فيه). وكان المَجْمَع هو مَرْكَز حياة الشعب اليهوديّ. فقد كان يُشبه الكنيسة، ويُشبه المَجْلِسَ البَلديَّ، والمحكمةَ المحليَّة. فقد كان كُلَّ شيء. وبصورة عامَّة، كان المَجْمَعُ المكانَ الذي يَجتمع فيه اليهود معًا في المجتمع. وقد تَمَّتْ إضافة المَجْمع في وقتٍ لاحقٍ إلى اليهوديَّة. فهو لم يوجد إلَّا بعد السَّبْيِ البابليّ. فقد كانت كُلُّ عِبادتهم تتركَّز في الهيكل. ولكن بعد سَبْيِهِمْ، وبعد تدمير الهيكل، وبعد أنْ ذهبوا إلى بابل سبعين سنة، أينما وُجِدَت جماعة صغيرة مِنَ اليهود كانوا يجتمعون معًا، ويَلتقون معًا، ويُؤسِّسون هذه المجامِع الصغيرة أو أماكن الاجتماع الصغيرة هذه. وحيث إنَّهُم لم يتمكنوا مِن إعادة بِناء هيكلهم، فقد بقيت المجامع حتى هذا اليوم. فبالقُرب مِنْ هنا، يوجد مَجْمَعٌ يهوديّ. وَهُمْ يُسَمُّونَهُ هيكلاً، ولكنه ليس هيكلاً. فهناك مكانٌ واحد يُمكن أن يكون فيه الهيكل. لذلك فإنَّه مَجْمَع. والمَجامع موجودة في كُلّ مكان. ففي مدينتنا، وفي جميع مُدن العالم الَّتي يوجد فيها يهود، أينما وُجِدَ عَشْرَة يهود، يُمكنهم أنْ يُؤسِّسوا مَجْمَعًا. لذلك فإنَّ المجامع موجودة في كل مكان.

وفي زمن الربّ، كان يوجد في الجليل مجامع في جميع المُدن والقُرى الصغيرة. وقد كانت المجامع تُبْنى عادةً فوق تَلّ. وإن لم يكُن هناك تَلّ، كانت المجامع تُبنى في أعلى مكانٍ مُتوفِّر. وإنْ لم يكُن هناك مكان عالٍ، كانوا يَبنون المجامع عند شواطئِ الأنهار. وغالبًا ما كانوا يتركون المبنى دون سقْف (كما كانت حال الهيكل) لكي يتمكنوا مِنْ رؤية السماء، ولكي ينظروا خليقة الله، ولكي ينظروا إلى السماء كجزءٍ مِن عبادتهم. وكانوا يُمَيِّزون مجامعهم عادةً بعَمودٍ طويل جدًّا يرتفع في الهواء (تمامًا كما أنَّ كلَّ كنيسة جديدة في إنجلترا في أيِّ بلدة صغيرة تمتاز بوجود بُرْج). لذلك، كان مِنَ السَّهل على المرء دائمًا أن يعرف مكان وجود المَجْمَع. وإنْ جاء زائرٌ يَهوديٌّ إلى المدينة، يُمكنه أن يَرى العَمودَ البعيدَ وأنْ يَصِلَ بسهولة إلى المَجْمَع.

وفي كُلِّ سبت، كان اليهودُ يجتمعون معًا للعبادة. وكانت لديهم عبادة خاصة في اليوم الثاني وفي اليوم الخامس مِن كل أسبوع، وكانوا يجتمعون في كل عيد، وكل احتفال، وكل يوم مُقدَّس. والحقيقة هي أنَّ عِبادتهم كانت بسيطة جدًّا ولا تختلف عن الخِدمة الكنسيَّة اليوم. فقد كانوا يبتدئون اجتماعهم بالشُكر وطلب البركة - كما نبدأ نحن بالترنيم والتسبيح. فقد كانوا يَطلُبونَ بَرَكة الربِّ ويشكرونه على ما صَنَع. وكان يَلي ذلكَ صلاة. وكانت الصلاة تُخْتَم بترديد الكلمة "آمين" مِنَ الرعيَّة. ثُمَّ كان قَارِئٌ مُعَيَّن يقف ويقرأ مِنْ شريعة مُوسى (أيْ مِنْ واحدٍ مِن الأسفار الخمسة التي كتبها مُوسى - أيِ التَّوراة). وكانت القراءة باللغة العِبْريَّة، وهي اللغة الأصليَّة للعهد القديم، تَتلوها ترجمة مِنَ المُتَرْجِم باللغة الآراميَّة التي كانت اللغة المحكيَّة في ذلك الوقت. ثُمَّ كان يَعْقُب ذلك قراءة مِنْ مقطعٍ مِنَ واحدٍ مِن الأسفار النبويَّة التي كانت تُقْرأ أيضًا بالعبريّة ويَعْقُبُها ترجمة مِن المُتَرْجِم باللغة الآراميَّة. وبعد القراءة مِن التَّوراة ومِنْ الأنبياء، كانت هناك عِظَة تَعقُبُها صلاة، ثُمَّ ترَدِّد الرَّعيَّة الكلمة "آمين".

وكان اليهود يُفكِّرون دائمًا في المَجْمَع كمكانٍ للتعليم ومكانٍ للتَّوجيه. فقد كانوا يجتمعون معًا للتعلُّم. وما زالت بقايا ذلك موجودة حتى يومنا هذا. فالكلمة الَّتي يَستخدِمُها يهود أوروبا بمعنى "مَجْمَع" هي "شُول" (schul)، أيْ: "سكول"، ومَعناها: "مَدرسة". وهي تُلْفَظ: "إس-سي-إتش-يو-إل" (S C H U L). إذنْ، فقد كانوا ينظرون إلى المَجْمَع كمكان للتعليم. وكانوا ينظرون إليه أيضًا كمحكمة. ولأنهم خضعوا للاحتلال مِن وقتٍ لآخر في تاريخهم، كان ينبغي أنْ تُمْنَحَ هذه المَجامِع سُلطة قضائيَّة مِنَ الحكومات المُحتلَّة. ولكنْ بعد حصولهم على تلك السُّلطة القضائيَّة، كانوا يُمارسون السُّلطة الموجودة في مجامعهم. فعلى سبيل المثال، قال الربُّ يسوع إنه سيأتي يوم يجلدونكم فيه في مجامعهم. فقد كانوا يُصْدِرون الحُكم ويُنَفِّذونَ العقاب في المَجْمَع. وقد صارت المجامع مدارِس عامة لتدريب الصِّبيان على التَّلمود. وقد صارت المجامع أيضًا مدارِسَ لاهوت. وقد كانت شؤون المجامِع تُدار بواسطة عَشْرة شيوخ للمَجْمَع. وكان ثلاثةٌ مِنْ هؤلاء يُدْعَون رؤساء المَجْمَع. وكانوا يحكمون أيضًا بوصفهم قُضاة. وكان الشيخ الرابع يُدعى "ملاك الجماعة" (أيْ قائد الثلاثة الآخرين). وكان واحدٌ منهم المُترجمَ الفوريَّ الذي يُترجم مِنَ العبريَّة إلى الآراميَّة. وكان واحدٌ منهم مسؤول عن كليَّة اللَّاهوت، وهَلُمَّ جَرَّا. بعبارة أُخرى، فقد كانوا يتقاسمون المسئوليَّات بينهم كشيوخ.

وأعتقد أنَّ المؤرِّخ "فايلو" (Philo) أَبْدَى ملاحظةً مُهمة إذْ قال: "كان الهدفُ الرئيسيُّ مِنَ المجامع هو قراءة الكتاب المقدس وتفسيره بدقَّة". وهذه ملاحظة مهمة. فقد كانوا يجتمعون معًا بهدف قراءة الكتاب المقدَّس وتفسيره. ونجد أنَّ هذا التَّوَجُّه نحو الكتاب المقدَّس موضَّح لنا في الأصحاح 17 مِن سِفر أعمال الرُّسُل. فقد وَصَلَ الرسول بُولس إلى بلدة بيريَّة الصغيرة. وقد قال إنه ذهب إلى مَجْمَع اليهود هناك. وقد قال إنَّه كَرَزَ بالكلمة، وإنهم "قَبِلوا بِكُلِّ نَشَاطٍ فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا". بعبارة أُخرى، فقد كان المَجْمَع موجودًا لهذا السبب (أيْ: لِفَحْص الأسفار المقدَّسة). وعندما كانت هناك عِظَة في أيِّ يوم، كان يُمكن أنْ تُقدَّم بواسطة أيِّ قائدٍ للرعيَّة يمتلك معرفةً واسعة واطلاعًا واسعًا على الأسفار المُقدَّسة. فقد كان يقف ويَعِظ. ولكنْ إنْ صَادَفَ وجود زائِرٍ بارزٍ أو مُعَلِّمٍ زائِر، كان مِنَ اللائق والشائع أنْ يَجعلوا ذلك المُعَلِّم يُعَلِّم ويَعِظ. وهذا هو ما يُسمى بحريَّة المَجْمَع. وبالمناسبة، أعتقد أنَّ الربَّ قَصَدَ أنْ يَجْعَلَ الأمْرَ هكذا لأنَّه أَرْسَلَ بعض الوُعَّاظ المُتَجَوِّلين إلى الثقافة اليهوديَّة. وقد أراد أن يكون لهؤلاء مِنَصَّة يَعِظونَ منها. والشَّخصان البارِزان اللَّذان يَخْطُران بذهني هُما: يسوع وبولس. وبسبب ما يُعْرَف بحُرِّيَّة المَجْمَع، فقد أُتيحتْ لهما الفرصة دائمًا للوعظ والتعليم في المَجْمَع.

أمَّا نَمَط التعليم في المَجْمَع فكان قائمًا على تفسير الكتاب المقدس. وهذا يعني قراءة الكتاب المقدس، وتفسيره، وتطبيقه. فهذا هو ما كانوا يفعلونه بحسب ما يقوله "نَحَمْيا" إذْ نقرأ أنهم كانوا يقرأون الأسفار المُقدَّسة ويُفسرونَ المَعْنى. وقد يقول الناس: "لماذا تُصِرُّ على تعليم الكتاب المقدس مَعَ أنَّ هذا مُختلف تمامًا عَمَّا اعتدنا عليه؟" ولكنْ يجب أنْ تعلموا أنَّ هذا الأمرَ ليسَ جديدًا، يا أحبَّائي. فقد كان هذا الأمر هو الشائع دائمًا، وينبغي أنْ يكون كذلك دائمًا. فهذه الأماكن موجودة لقراءة الكتاب المقدَّس وتفسيره. فهذا هو ما كانوا يفعلونه في المَجْمَع. وهذا هو ما كانوا يفعلونه حتى في زمن نَحَمْيا إذْ إنهم كانوا يَقرأون الكتاب المقدَّس ويُفسرونَهُ. أمَّا أَبْرَعُ شخصٍ في القيام بذلك فَهُوَ ربُّنا. انظروا إلى الأصحاح الرابع مِنْ إنجيل لوقا. وأرجو أن تُعَجِّلوا قليلاً لئلَّا نتأخر في مُتابعة دراستنا. ولكنْ أُريدُ أنْ أُبَيِّنَ لكم هذا المَثَل التوضيحيَّ في إنجيل لوقا 4: 15. فقد عَلَّمَ يسوعُ في المَجْمَع. وقد رأيناهُ يَفعل ذلك في إنجيل مَتَّى 9: 35؛ وهي الآية الَّتي نَدْرِسُها. ولكننا نَرى الشيءَ نفسَهُ في إنجيل لوقا 4: 15. فقد عَلَّمَ يسوعُ في المَجَامِع.

ونجد هنا مَثَلاً جيِّدًا جدًّا على كيفيَّة قيامه بذلك. فنحن نقرأ في العدد 16: "وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى. وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْت. [وبوصفِهِ مُعَلِّمًا زائِرًا] قَامَ لِيَقْرَأَ". وهُوَ لم يقرأ مِنَ التَّوراة، بل قرأَ مِنْ سفرِ النبيِّ إِشَعْيَاء. فقد سَلَّموهُ إيَّاه ليقرأَ منه. "وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ: «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ»".

فقد كان كلُّ يهوديٍّ في المَجْمَع يَعرف أنَّ ذلك المقطع يُشير إلى مَنْ؟ المسيَّا. فقد كانوا يعرفون ذلك. وقد وَعَظَ عِظَةً قصيرةً جدًّا. "ثُمَّ طَوَى السِّفْرَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْخَادِمِ، وَجَلَسَ". وقد كانوا يَجْلسونَ دائمًا لكي يُعَلِّموا. "وَجَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ كَانَتْ عُيُونُهُمْ شَاخِصَةً إِلَيْهِ. فَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ: «إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ»". بعبارة أخرى: "أنا التَّحقيقُ الحَيُّ لهذا المقطع. وإليكُم التَّفسير الصَّحيح لهذا النَّصّ: أنا". ولا شَكَّ أنَّ هذا الخَبَرَ كانَ صَادِمًا لَهُمْ، يا أصدقائي. وقد قالَ أمورًا أخرى. وعندما انتهى مِنَ الكلام، نقرأ في العدد 28: "امْتَلأَ غَضَبًا جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ حِينَ سَمِعُوا هذَا، فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَجَاءُوا بِهِ إِلَى حَافَّةِ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلٍ. أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى".

لذلك فقد عَلَّمَ يسوعُ في المَجامِع. كيف؟ مِن خلال تفسير كلمة الله. وفي حالته، كان التَّطبيقُ مُباشرًا. ولكنهم لم يُحِبُّوا تفسيرَهُ البتَّة، بل حاولوا أن يقتلوه بسبب ذلك. ولكنَّ هذه حادثة واحدة فقط. ولا أدري كم مَرَّة اضْطُرَّ فيها إلى النجاة بحياته. ولكنَّهُ كان يَطوفُ جميعَ القُرى والمُدن (بحسب ما جاء في إنجيل مَتَّى 9: 35) ويُعَلِّم في المجامع. والسبب في أني أُوْمِنُ بالوعظ التفسيريّ هو أنَّ يسوع كان يُعَلِّم هكذا. وأعتقد أنَّ هذا ما يزالُ الشيءَ الرئيسيَّ الذي ينبغي لشعب الله أنْ يَفعَلَهُ عندما يجتمعون معًا. ولكِنْ هُناك عنصرٌ آخر لخدمة يسوع. انظروا مَرَّةً أخرى إلى العدد 35. فقد كان أيضًا يكْرِز ببشارة الملكوت. والآن ما المقصود بأنَّه كان يكْرِز؟ إنَّ الكلمة المُستخدمة هنا مُختلفة: "كيروسُّو" (kerusso)، ومعناها: يُذيع، أو يُعْلِن على المَلأ، أو يُنادي. فالأمرُ لم يكن يَقتصر على التعليم في المجامع بطريقة تفسيريَّة، بل إنَّه كان أيضًا يَخرُج إلى الشوارع، وإلى التِّلال، وإلى الشَّاطئ، ويذهب إلى البيوت، ويمشي في الطُّرقات، وفي الحقول، وفي كُلِّ مكان، ويَكْرِز ببشارة الملكوت.

والأمر يَتركَّزُ أكثر هنا على التَّبشير. فقد كان التركيز الأكبر هنا يَنْصَبُّ على الأشخاص الَّذين هُمْ خارج البيئة الدينيَّة. وقد كانت رسالَتُهُ هي نفسها دائمًا: البشارة. فهذا هو معنى الكلمة "إنجيل". وسوف نتحدَّث عن ذلك في هذا المساء أثناء دراستنا لرسالة رومية. إنها البشارة. ولكنَّها بشارة بخصوص ماذا. بخصوص الملكوت. وقد طال انتظار اليهود للملكوت إذِ انتظروه طويلاً. والآن، هذا هو الخَبَرُ السَّارُّ المُختصُّ بالملكوت. ولكنَّ هذا لم يكُن تفسيرًا للعهد القديم كما كان يفعل في المَجْمَع، بل كان إعلانًا للعهد الجديد. وقد كان ذلك كَشْفًا للأسرارَ التي كانت مَخْفِيَّةً عنِ الناس في السابق. فهذا هو العهد الجديد، والإعلان الجديد، والخبر الجديد. وهو يَختصُّ دائمًا بالملكوت. فهو يَختصُّ دائمًا بالملكوت: "طُوبَـى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. ... اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ. ... عندما تُصَلُّون قولوا: لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ". والحديثُ هنا هوَ ليسَ فقط عنِ الملكوت المُستقبليّ. فعندما كانَ يَكْرِز بالملكوت، كانَ يدعو الناسَ إلى الإيمان به. وفي اللَّحظة الَّتي يُؤمن فيها أيُّ شخصٍ بالمسيح، فإنه يَدخل الملكوت. وكما يقول بولُس، فإنه يَنتقل مِنْ ملكوت الظُّلمة إلى ملكوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ. فهذا يحدث حالاً. فأنت تدخل الملكوت إنْ آمنتَ بالمسيح. وهذا يَصُحُّ عليَّ أنا أيضًا. فالمسيح هو المَلِك. وهو يُهيْمن على حياتي. وأنا خاضعٌ له. وهو يُشبعني بموارده الغنيَّة غير المحدودة.

لذلك، فإنَّه باستطاعة الإنسان أنْ يدخل الملكوت الآن. وهذا هو سبب حديث يسوع عن الباب الضيِّق. فَهُوَ يُشير إلى حُكْم المسيح وسُلطانه على هذه الأرض في هذا الزَّمان. وَهُوَ يُشير أيضًا إلى الملكوتِ الآتي في المستقبل. لذا فقد كان يسوعُ يَكْرِز ببشارة الملكوت ويقولُ إنَّ الملكوتَ مُتاحٌ لجميع الذين يُؤمنون به ويقبلونه، وأنَّ ذلك الملكوت يَحوي بَرَكاتٍ كثيرة جدًّا. إذنْ، نحن نجد هنا أنَّ رَبَّنا كان يقوم بخِدْمَتَيْن: التعليم التفسيريّ للعهد القديم إذْ كان يضع الأمور في نِصابِها الصحيح ويتحدَّث عن تحقيقها. وفضلاً عن هذا كُلِّه، فقد كان يُعلِن العهد الجديد، ويكشف الأسرار، ويُميطُ اللِّثَامَ عنِ الإعلان الذي لم يُعْرَفْ مِنْ قَبْل فيما يختصُّ به. وهذا يُعَلِّمُنا نحن أيضًا أهميَّة هاتَيْن الخِدْمَتَيْن (أيْ: ضرورة أن تجتمع الكنيسة حتى في وقتنا الحاضر لتفسير كلمة الله، وضرورة الخروج إلى كُلِّ مكان لإعلان رسالة بشارة الملكوت).

والآنْ ثالثًا، فإنَّ هاتَيْن الخِدمَتَيْن الكَلامِيَّتَيْن قد تأكَّدَتا بواسطة المُعجزات. وهذهِ هي النُّقطة الثالثة. فالعبارة التي تقول إنه كان يشفي كُلَّ مرضٍ وكلَّ ضُعْفٍ في الشعب تأتي في مكانها المناسب كنقطة ثالثة لأنها لم تكن الشيء الرئيسيّ. فقد كان ذلك مجرَّد طريقة لتأكيد صِحَّة الخِدْمَتَيْن الأولى والثانية. ويقول "ب. ب. وورفيلد" (B. B. Warfield): "عندما جاءَ رَبُّنا إلى الأرض، جَلَبَ السماءَ مَعَهُ. فالعلامات الَّتي صاحَبَتْ خِدْمَتَهُ كانت مُجَرَّدَ سحاباتِ مَجْدٍ مُرافِقَة أَحْضَرَها معه من السماء الَّتي هي مَسْكَنُه". فقد جَلَبَ المجدَ معهُ. وقد أَكَّدَ رسالته بواسطة مُعجزاته. وقد أثبت أنَّ الملكوتَ باتَ قريبًا جدًّا. لماذا؟ لأنَّ كلَّ المُعجزات التي صنعها كانت نماذج لما سيفعله المَسِيَّا عندما يأتي الملكوت. ولم تكُن هناك طريقة لِدَحْضِ ذلك. فهل تعلمون أنَّ الفَرِّيسيين لم يُنكروا يومًا معجزاتِه؟ فقد أنكروا فقط مَصْدَرَها لأنها لم تكُن قابلة للإنكار. فقد كانت مُذهلة بكُلِّ معنى الكلمة.

لذلك فإننا نَرى عَمَلَ الربّ. ولكِنْ لِنَحْصُرْ أفكارَنا في النَّظَر إلى رُدودِ فِعْلِ الناس. ولا يتطلب الأمر وقتًا طويلاً لملاحظة ذلك. فقد رأينا للتوّ بعض ردود الأفعال. وقد عرفنا للتوّ شيئًا عن ردود أفعال الناس. فالمعجزات الثلاث الأولى التي ذَكَرَها مَتَّى في الأصحاح الثامن يُرافِقُها رَدُّ فِعل. ولعلَّكم تَذكرون المقطع الصغير إذْ إنَّ الرجال الثلاثة قالوا: "نُريد أنْ نَتْبَعَكَ، يا رَبّ". ولكِنْ لأنهم أحَبُّوا راحتَهم الشخصيَّةَ وغِناهُم الشخصيَّ وعلاقاتِهِم الشخصيَّة، فقد أَدارُوا ظُهورَهُم وانْصَرَفوا. هل تذكرون ذلك؟ وَهُمْ جميعًا يُظْهِرونَ رَدَّ فِعْلٍ واحدٍ إذْ إنَّهُمْ يُظهِرون اهتمامًا سَطحيًّا لا يُزْهِرُ حقًّا. وَهُوَ رَدُّ فِعْلٍ مُؤقَّتٍ لا يَزيدُ عن كَوْنِهِ إعجابًا ليست له جذور حقيقيَّة. ثُمَّ في المجموعة الثانية الَّتي تَضُمُّ ثلاثَ مُعجزاتٍ أُخرى، كان هناك رَدُّ فِعْلٍ أيضًا. فقد كان أَوَّلُ رَدِّ فِعْلٍ هو اهتداءُ مَتَّى. وكان ثاني رَدّ فِعْلٍ هو غَضَبُ الفَرِّيسيين. وكان ثالثُ رَدِّ فِعْلٍ هو التَّشويش الَّذي أصابَ تلاميذ يوحنَّا المعمدان. ومَرَّةً أخرى، فإنَّ مَتَّى يُقدِّم لنا رُدود فِعْلٍ مختلفة. فهناك أشخاصٌ كثيرون مُعجبون بيسوع. فَهُمْ يَبتدِئون بالتعبير عن رغبتهم باتِّباعه، ولكِنْ لأنهم يُحِبُّونَ راحتَهم الشخصيَّةَ أوْ غِناهُم الشخصيَّ أوِ العلاقاتِ في حياتهم، فإنَّهم لا يُبْدونَ استعدادًا للتخَلِّي عن هذه الأشياء فيتراجعون. ثُمَّ هناك الأشخاصُ الذين يُشْبِهونَ مَتَّى في أنَّهم يُؤمنون حَقًّا، ويَخرجونَ، ويَدْعُونَ جميع زُملائِهِم العَشَّارينَ، ويدعون الزُّناةَ لكي يُؤمنوا أيضا. ثُمَّ هناك الأشخاص الذين يُشبهون الفَرِّيسيينَ في أنَّهم يَغضبونَ بسبب ما يقولُهُ يسوع لأنَّه يُواجِهُهُمْ ويَكشف لهم حالَتَهُم الرَّاهِنَة. وهناك أشخاصٌ يُشبهونَ تلاميذ يوحنا المعمدان الذين بَقَوْا طَوالَ حياتهم مُسْتَعْبَدينَ لنظامٍ دِينيٍّ مُعَيَّن فشَعَروا بالتَّشويش بسبب هذا الشيء الجديد الذي سَمِعوه.

ونأتي الآن إلى المجموعة الثالثة مِن المُعْجِزات، وإلى المجموعة الثالثة مِنْ رُدود الفِعْل. ونجد هنا رَدَّيْ فِعْل اثْنَيْن. فنحن نقرأ في العدد 33: "فَتَعَجَّبَ الْجُمُوع". ونقرأ في العدد 34 أنَّ القادة الدِّينيِّين رَفضوه وقالوا إنَّه يفعل ذلك بقوة الشيطان. فَهُمْ لم يتمكَّنوا مِنْ إنكار قيامه بذلك. ولكنهم أَنْكَروا أنَّ المصدرَ هو الله. وهذان نوعانِ آخرانِ مِنْ رُدود الفعل. وأودُّ أيضًا أنْ أُضيفَ أنَّه فَضْلاً عنْ أنَّ مَتَّى اختارَ المُعْجِزات، فقدِ اختارَ أيضًا في الأصحاح التاسع بعض المُعْجِزاتِ الرائعة التي نال فيها الناسُ ليس الشفاء فقط، بل أيضًا: الفِداء. فمِنَ الواضح أنَّ الرَّجُلَ المشلول (في العدد الثاني) قد عَبَّرَ عن قدرٍ كافٍ مِنَ الإيمان لكي يَخْلُص. ومَتَّى العَشَّارُ (في العدد التاسع) نال الخلاص أيضًا. ورئيسُ المَجْمَع (في العدد 18) نالَ الخلاص. والمرأة نازفة الدم (في العدد 21) نالت الخلاص. والرَّجُلان الأعْمَيان في العدد 28 نالا الخلاص. لذلك فقد رأينا بعض الأشخاص الذين كانت لديهم رُدود فِعْل صحيحة. فقد آمن البعضُ حَقًّا على طول الطريق. فَهُناك أشخاصٌ يؤمنون، وهناك أشخاصٌ يُعجبون بيسوع فقط، وهناك أشخاصٌ يغضبون، وهناك أشخاصٌ يَشعرونَ بالتَّشويش. ومَتَّى يدعونا جميعًا إلى اتخاذ القرار الصحيح.

وَلْنَنْظُر قليلاً إلى دَهْشَة الجُموع في العدد 33 إذْ نقرأ: "فَتَعَجَّبَ الْجُمُوعُ قَائِلِينَ: «لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ مِثْلُ هذَا فِي إِسْرَائِيلَ!»" فقد قالوا: "إنَّ هذا، دُوْنَ شَكٍّ، أعظمَ عَرْضٍ للقدرة في تاريخ إسرائيل. فقد رأينا مُعجزات عظيمة كثيرة". فقد تَذَكَّروا مُوسى والمعجزاتِ التي حدثت في زمانه. وقد تَذَكَّروا إيليَّا وأليشع والمعجزاتِ التي حدثت في زمانهما. وقد تذكروا الأشياء العجيبة التي صنعها الله. وقد كان بإمكانهم أن يعودوا إلى الوراء إلى زمن موسى وأنْ يتحدثوا عن غرق جيش المِصريين. وقد كان بمقدورهم أن يتحدثوا عن الأشياء العجيبة (كأنْ يَكْتُبَ اللهُ الشريعةَ على لَوْحَيْ حَجَرٍ على جبل سيناء). وكان بمقدورهم أن يتحدثوا عن الكثير مِنَ الأشياء (مِثْلَ سقوط أسوار أريحا). فقد رَأَوْا أمورًا عجيبةً في الماضي، ولكنهم لم يَرَوْا طَوال تاريخهم أمورًا كهذه. فقد كان هذا عرضٌ للقُدرة الإلهيَّة ليس له مثيل في التاريخ اليهوديّ. وهل تَعلمونَ ما الذي حدث؟ لقد تَعَجَّبوا. لقد تَعَجَّبوا. والكلمة "تعجبوا" ("ثوماتزو" [thaumazo]) هي كلمة واسعة النِّطاق وشاملة. فهي قد تعني أنهم دُهِشوا، وأنهم بُهِتوا، وأنهم (في الحقيقة): صُدِموا. وفي إحدى المَرَّات، في إنجيل مَرقُس 12: 17، تَرِد الكلمة "إكثاوماتزو" (ekthaumazo)، وهي تعني أنهم تَعَجَّبوا ودُهِشوا جِدًّا. وفي مَتَّى 27: 14 تُستخدم الكلمة "تعجَّبَ" مُضافًا إليها اللَّفْظ الصغير "ليون" (lion) للإشارة إلى أنَّ الوَالي تَعَجَّبَ جِدًّا. وقد تَعَجَّبوا فوق الوصف بسبب ما فَعَل. وقد كانَ أَمْرًا يَحْبِسُ الأنفاسَ أن يَرَوْا الأشياءَ التي كانَ يصنعُها. فقد كان ذلك أمرًا لا تستوعِبُهُ عُقولُهم البشريَّة. فقد صُدِموا. وقد ذُهِلوا. والكلمة تُشير أيضًا إلى الرُّعْبِ، والخوفِ، والعَجَب - كما حَدَثَ للتلاميذ في القارب إذْ إنهم خافوا حين هَدَّأَ يسوعُ العاصفة أكثرَ مِمَّا خافوا حين كانت العاصفة تُهَدِّد حياتَهُم لأنهم عَلِموا أنهم في القارب مع الله. فحين تَعلمُ أنك في نفس القارب مع الله، وأنه يستطيع أنْ يَرى كُلَّ شيءٍ في قلبك، فإنَّ الأمرَ مُخيفٌ. لذلك فقد تَعَجَّبَ الناسُ حقًّا.

ورُبَّما كانت الآية (لوقا 9: 43) تُلَخِّصُ الأمرَ كُلَّهُ إذْ نقرأ: "فَبُهِتَ الْجَمِيعُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ". وَنقرأُ أيضًا أنَّ الجَمِيعَ كانوا "يَتَعَجَّبُونَ مِنْ كُلِّ مَا فَعَلَ يَسُوع". فقد كانَ الأمرُ يَفوقُ حقًّا قدرةَ عُقولِهم على الاستيعاب. فقد بُهِتُوا. وقد دُهِشوا كثيرًا حتَّى إنهم خَرَجوا في النهاية (في الأصحاح 21 مِنْ إنجيل مَتَّى) باستنتاجٍ واحدٍ إذْ نقرأُ أنَّ الجُمُوعَ [وَهُمْ نفسُ الأشخاصِ الذينَ "بُهِتوا" – وَهِيَ الكلمة العامَّة]، أنَّهم كَانُوا يَصْرَخُونَ قَائِلِينَ: "أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ الآتِــي بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!". وقد طَرَحوا سُعُوفَ النَّخيلِ عندَ قدميه. فهذا هُوَ الجَمْعُ المُتَعَجِّب: "أليسَ هذا رائعًا؟ آه، إنهُ المسيَّا! والشيءُ التَّالي الذي نعرفُهُ هو أنهم سمعوا أنَّهُ يُعارض المؤسسة الدينيَّة، وأنه يكْرِز برسالةٍ لا يريدون أنْ يَسمعوها، وأنه يُهَدِّدُ أَمْنَهُمْ، ويُهَدِّدُ حياتهم. ولكننا نقرأ في الأصحاح 27 مِنْ إنجيل مَتَّى أنَّ الجَمْعَ نفسَهُ صَرَخَ وطالَبَ بصلبِه، وطالب بإطلاق سَراح "باراباس"، وطالَبَ بإعدام يسوع. ولكِنْ هذه هي حالُ الجموع المُتَقَلْقِلَة، كما تَرَوْن! فالجموع المُتَعَجِّبَة صَرَخَتْ في النهاية مُطالبةً بموته. فهذا إعْجابٌ سَطْحِيٌّ يَدُلُّ على التَّخَبُّط، ويُشبه ما جاء في الأصحاح السادس مِنْ إنجيل يوحنا. فقد تَبِعوه مِنْ أجلِ الطعام المجانيّ. أليس كذلك؟ فَهُمْ لم يكونوا مُهتمِّينَ حَقًّا بما قاله. فقد أَحَبُّوه مِنْ بُعْد. وقد أَحَبُّوهُ بسبب المُعْجِزات التي صَنَعَها. فقد كان ذلك مُجَرَّدَ إعجاب. وقد كانوا مَدهوشين إلى حَدٍّ ما. ومع أنهم كانوا خائفين نوعًا ما، فإنَّ بقاءَ الأمرِ ضِمْنَ حُدودٍ مُعَيَّنة هو أمرٌ لا بأسَ فيه. لذلك فقد كان هناك ذلك النَّوع مِنَ الإعجاب.

وأنا أَتَعَجَّبُ مِنَ الناس اليوم! فَهُمْ يذهبونَ لمشاهدة تلك الأفلام التي تُرْعِبُهُم جِدًّا، وتُخيفهم جدًّا، ولكنهم يَجلسون هناك ويَسمحون لأنفسهم أنْ يَخافوا ويرتعِبوا ويَتَعَرَّقوا. وقد يَخْرُجُ البعض مِنْ صالة العرض السِّينمائيَّة في المشاهد المُرْعِبَة. ولكِنْ لماذا يَتزاحَمُ الناسُ لمشاهدة فِيلْمِ "طَارِدِ الأرواح"؟ الحقيقة هي أنهم يُعْجَبونَ بتلك الأفلام. فطالما أنكَ تجلس في مِقعدك المُريح، وتأكُلُ الفُوشار، وتُغادر بعد انتهاء الفيلم، لا بأس في ذلك. ولكنَّكَ لا تَرغبُ في أن تكونَ شخصيًّا في ذلك الموقف. فأنتَ لا تُمانِع في مشاهدة شخصٍ آخر في ذلك الموقف. فهناكَ جاذبيَّة معيَّنة في ذلك الأمر. وأعتقد أنَّه كانت هناك بعض الجاذبيَّة في أذهانِ هؤلاء الأشخاص الذين كانوا يَخافون مِن المسيح، ولكنهم كانوا يُدْهَشونَ ويَتعجَّبون مِنَ الأمور الخارقة للطبيعة. وقد كانوا يَحْرِصون على مُشاهدة ذلك مِنْ بُعْد. أمَّا عندما ابتدأَ الأمرُ يُهَدِّد حَالَتَهُم الرَّاهِنَة فقد كانت تلك هي النهاية لأنهم طَالَبوا بموته.

وقد بُهِتَ أُناسٌ كثيرون مِنْ يسوعَ دونَ أنْ يَعرفوه. فقد قالَ بيلاطُس إنَّ يسوعَ لم يَقترف ذَنْبًا. وبيلاطُس موجودٌ الآنَ في جَهَنَّم – بحسب مَعْرِفَتِنا. وهناكَ أشخاصٌ آخرون سيقضونَ الأبديَّة في جهنَّم، ولكنَّهم قالوا أمورًا جيِّدةً عن يسوع. فقد قالَ "ديديروت" (Diderot) إنهُ كانَ شخصًا لا نَظيرَ لَهُ. وقد قالَ "نابليون" (Napoleon) إنهُ كانَ إمبراطور الحُبّ. وقد قالَ "شتراوس" (Strauss) إنهُ كانَ أَسْمى نَموذجٍ للدِّيْن. وقد قالَ "جون ستيوارت ميل" (John Stewart Mill) إنهُ كانَ مُرْشِد البشريَّة. وقد قالَ "ليكي" (Lecky) إنهُ كانَ أَسْمى نموذجٍ للفضيلة. وقد قالَ "بيكانت" (Pekant) إنه القُدُّوسُ أمامَ الله. وقد قالَ "مارتينو" (Martineau) إنهُ الزَّهرة الإلهيَّة للبشريَّة. وقد قالَ "رينان" (Renan) إنهُ كانَ الأعظم بينَ بني البشر. وقد قالَ "ثيودور باركر" (Theodore Parker) إنهُ كانَ شابًّا يَحملُ اللهَ في قلبه. وقد قالَ "فرانسيس كوب" (Francis Cobb) إنهُ كانَ مُجَدِّد البشريَّة. وقد قالَ "روبرت أوينز" (Robert Owens) إنهُ كانَ لا غُبارَ عليه. وقد قالَ أحَدُ الأشخاصِ إنهُ كانَ نَجْمًا. فالناسُ يَمتدحونه دائمًا بهذه الطريقة. وحتَّى في زَمانِهِ قالوا عنه: "أَيُّ إِنْسَانٍ هذَا؟ نحنُ لا نَجِدُ فِئَةً نَنْسِبُهُ إليها. فنحنُ عاجِزونَ عَنْ وَصْفِه". وفي حركة يسوع اليوم الَّتي تُعَبِّرُ عنْ إعجابها بيسوع، فإنَّنا نَرى فُضولَ الأشخاصِ المُعْجَبينَ بيسوع مَرَّةً أُخرى. فَهُمْ يُصَفِّقونَ ليسوع. وَهُمْ يُحِبُّونَ يسوع ما دامَ رقيقًا ولطيفًا، وما دامَ الأمرُ لا يَصِلُ إلى المُواجَهَة، وما دامَ الوَعْظُ يُرَكِّز على المحبَّة واللُّطْف.

لقد شاهدتُّ قبل بِضعة أيام حَفْلَ توزيع جوائز موسيقيَّة. وقد رأيت أنهم يَحتفلون بنوعٍ جديدٍ مِنَ الموسيقى يُسَمَّى "موسيقى يَسوع الشعبيَّة" (Jesus Pop). وقد كانوا يُقيمون حفلاً كبيرًا، ويَقِفونَ ويَهتفون للفائز بِفئة موسيقى "يسوع الشعبيَّة". فطالما أنَّ يسوع بعيدٌ عنِ الناس، فإنهم يُعجبون به وبشخصيَّته المُدهِشة. والناسُ يرغبونَ في مُشاهدته وإبداءِ إعجابهم به. فَهُمْ يُدْهَشون لذلك. ولكنهم لا يرغبون في الاقتراب منه كثيرًا. وما أعنيه هو أنَّه يُمكنك أنْ تتحدث عن يسوعَ قدر ما تشاء طالما أنك لا تواجه الناس بحقيقة أنَّه يَدينُ الأشخاصَ الذين يعيشون حياةً لا أخلاقيَّة، والذين يَغِشُّون، والذين يكذبون، والذين يُمارسون الجنسيَّة المِثليَّة أوِ الزِّنى أو الفِسْق، والذين لا يعيشون بحسب مشيئة الله، وأنه يَحْكُمُ على هؤلاء الناس بالهلاكِ الأبديّ. فإنْ قُلتَ ذلك للناس، فإنهم لن يُظْهِروا أيَّ حَماسَة.

وقبلَ وقتٍ قصير، أَخْبَرَني أحَدُ الرُّعاةِ أنَّ بعض الطلبة كانوا يَعْقِدون اجتماعًا في الحَرَمِ الجامعيّ لجامعة "لونغ بيتش ستيت" (Long Beach State)، وأنهم يَرَوْنَ أنَّ المشكلة الكبيرة التي تُواجه الطلبة اليوم هي: الأخلاق. لذلك، كان هؤلاء الطلبة المسيحيُّون يَعْقِدون اجتماعاتٍ لتأكيد المعايير الكتابيَّة للأخلاق. وقد كانوا يُلاقونَ التَّرحيبَ إلى أنْ صَرَّحوا بذلك. ففي اجتماعٍ مُعَيَّن، تحدَّثوا عن موضوع الجنسيَّة المِثليَّة. فقد وَقَفَ المُتَحَدِث في تلك الغُرفة التي تُشبه المُدَرَّج الصغير، وراحَ يتحدَّث عن حقيقة أنَّ الله يَدينُ تلك الخطيَّة الشريرة، وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكِنَّ أُستاذًا بارِزًا في الجامعة، وَهُوَ جِنْسيٌّ مِثْلِيٌّ، كانَ يَصْرُخُ ويقولُ كلماتٍ نابيةً وقَذِرَةً طوَال الوقتِ الذي كان المُتَكَلِّمُ يَتكلَّمُ فيه. وبعد ذلك، راحَ بعضُ المِثْلِيِّينَ الجِنسيِّين في تلك الجامعة يَبْصِقون على الطلبة المسيحيِّين.

وكما تَرَوْن، فإنه لا بأس في يسوع طالما أنك لا تواجه الناس بحقيقة الخطيَّة. ولكِنْ ما إنْ يَقتربَ الناسُ بالقدر الكافي ويكتشفون حقيقة يسوع حَتَّى يَتَغَيَّر موقفُهُم بسرعة. فَهُمْ لا يشعرون بالأمان حينَ يقتربون بهذا القدر. ويمكنك دائمًا أن تتعامل مع شخصٍ قِدِّيس مِنْ بُعْد. ومِنَ المُدهش في نظري أنَّ الفَرِّيسيين في زمن يسوع كانوا دائمًا وأبدًا يُكْرِمون الأنبياء. ولكنَّ الناسَ الذين عاشوا في زمن الأنبياء كانوا يَقتلونهم. والنبيُّ الوحيد الذي كان حَيًّا في زمن يسوع هو يوحنا المَعْمَدان، ولكنهم قَتلوه. ثُمَّ كان هناك يسوع، وقد قَتَلوه. فيمكنك دائمًا أنْ تتعامل مع القداسة التي مَضَى عليها قرون عديدة لأنَّ الوقت يجعل الجميع يتظاهرون بالبطولة إنْ لم تكُنْ تعرف الحقائق حقًّا. فالناس يريدون دائمًا أن يُبقوا الأشخاص القدِّيسين بِمَنْأى عنهم. وقد كانتِ الجُموعُ تَنظرُ مِنْ بُعْد إلى يسوع في دهْشةٍ شديدة، ولكِنْ عندما اقتربوا كثيرًا وشارَفَتِ الأمورُ على النهاية، انْضَمُّوا إلى الفئة الثانية هنا، وهي فِئة رِجال الدِّين الرَّافِضين.

انظروا إلى هؤلاء في العدد 34. ونحنُ لن نَتحدَّث عن هذا الموضوع الآن لأنه سيتكرَّر في الأصحاح الثاني عشر. فسوفَ نتحدَّث عنهُ آنذاك. "أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَقَالُوا [ويُمكنكم أنْ تضعوا نجمة صغيرة في كتابكم المقدَّس لأنَّ عداوتهم ليسوع هنا كانت قد وصلت الذَّروة]: «بِرَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ!»". فقد رأَوْا أنه طَرَدَ الشيطان مِنْ هذا الرجل الذي كانَ عاجزًا عن السَّمْعِ والنُّطْقِ لأنَّ الكلمة المُستخدمة هنا تعني كِلا الأمْرَيْن. فَهيَ تُتَرْجَم "أخْرَس" في بعض الترْجمات، ولكنها يُمكن أن تُتَرْجَم "أخْرَس" وَ "أَصَمّ". وقد قالوا: "لقد فَعَلَ يسوع ذلك! فنحنُ لا نُنْكِر هذا الأمر". فَهُمْ لم يحاولوا يومًا أن يُنكروا ذلك. وقد كان مِنَ المستحيل أن يُنكروا ذلك. ولكنهم قالوا: "بِرَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ!". وهذا أمرٌ غبيٌّ حقًّا عندما تُفَكِّرون فيه. وفي جزءٍ آخر مِنَ الأصحاح الثاني عشر، قال يسوعُ لهم: "إنَّ هذا يَكْشِفُكُم على حقيقتِكُم لأنكم تُفَكِّرونَ بأنَّ الشيطان يَطْرُدُ الشيطان. وهذا أمرٌ غيرُ منطقيٍّ البتَّة، وهو مجرَّد هُراء". ولكنهم لم يكونوا مَنْطِقِيِّين بسبب ظُلمة قلوبهم وعدم استعدادهم لأنْ يؤمنوا بالحَقّ. لذلك فقد خَرجوا بأغبى رَدٍّ قد يَتخيَّلُهُ العقل، وأثبتوا جَهْلَهُم الطَّوعيّ. وقد أَبْدَوْا استعدادًا كبيرًا للتخلُّص مِنْ يسوع حتَّى إنهم حين رأَوْا المُعْجِزاتِ قالوا: "بِرَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ!" لذلك، لا عَجَبَ أنَّ يسوعَ قال: "إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُون". لذلك فقد انتقلوا إلى مرحلة مأساويَّة في رفضهم له. فقد قالوا: "إنهُ يَفعل ذلك بقوَّة الشيطان". لذلك، فقد استنتجوا العكسَ تمامًا.

وأرجو، يا أصدقائي، أن تلاحظوا الآتي: إنَّ كِلا هَذَيْنِ التَّجاوُبَيْنِ خاطِئٌ. وكِلاهما ينتهي في جَهَنَّم إلى الأبد. وقد تقولون: "هل تعني بذلك أنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ الكارهين ليسوع، والرَّافضينَ لَهُ، والذين جَدَّفوا عليه وقالوا إنه مِنَ الشيطان لا يختلفون في شيء عن الجموع الذين تعجَّبوا ودُهِشوا مِنْ يسوعَ، وتَبِعوه، وبُهِتوا وصُدِموا، وقالوا: أُوْصَنَّا؟" أجل! لأنَّ هذا ليس التجاوب الصحيح. فالتجاوبُ الصحيح هو أنْ تُؤمنَ بالمسيح وتَقْبَلَهُ - لا فقط أنْ تُعْجَبَ به. فهذا غيرُ كافٍ.

لذلك فقد قَدَّمَ لنا مَتَّى صورةً جيِّدةً عنْ رُدود فِعْلِ الناس تُجاهَ المسيح. فأوَّلاً، هناك الأشخاصُ الذين يقولون: "أريد أن أكون تلميذًا لك، وسوف أتبعك. ولكِنْ ماذا عَنْ راحتي الشخصيَّة، أوْ غِنايَ الشخصيَّ، أوْ علاقاتي الشخصيَّة! لذلك، لا أَظُنُّ أنِّي أستطيعُ أنْ آتي الآن". ثُمَّ هناك الأشخاص الذين يُشْبهون مَتَّى في أنَّهم يأتون حالاً. وهناك أُولئك العشَّارون الذين يَشعرون بِثِقل خطاياهم فيأتون مُسْرِعين إلى المسيح. وهناك فئةُ الأشخاصِ المُتديِّنينَ والغاضبينَ والثائرينَ الذين ابتدأوا بالتعبير عن غضبهم، ثُمَّ صاروا مُجَدَّفين، وأخيرًا صاروا قَتَلة. وهناك الأشخاصُ المُشَوَّشونَ (مِثْلَ تلاميذ يوحنا المَعْمَدان) الذين لا يستطيعون أنْ يُدرِكوا كيف أنهم لم يَعرفوا عن هذا الأمر، أو لماذا هذا الأمر مختلف عَمَّا عَرَفوه. فرُبَّما نَشَأوا في ديانةٍ أُخرى. وَهُمْ يحاولون أنْ يكتشفوا حقيقة الأمر. وهناك الجماهيرُ الحاشدةُ مِن الناسِ الذين لا يَنتمون إلى أيٍّ مِنْ هذه الفئات. فَهُمْ مُجرَّد جماهير مُندهشة. فَهُمْ يقولون: "أجل! إنَّ يسوعَ لطيفٌ جدًّا. ونحن نُحِبُّ عيد الميلاد المجيد، وعيدَ الفِصْح. فَهُما رائعان! ونحن نُحِبُّ موسيقى يسوعَ الشعبيَّة، ونُحِبُّ كُلَّ هذه الأشياء". وهم مسرورون بالوقوف مِنْ مسافة بعيدة ومُراقبة يسوعَ الخارق للطبيعة يفعل تلك المُعْجِزات. ولكنهم، في نهاية المطاف، يقفون معَ مَنْ صَلَبوا يسوعَ ويَصرُخونَ مُطالِبين بِهَدْرِ دَمِه. لذلك، احرصوا، يا أحبَّائي، على الاختيار بدقَّة لأنَّ يسوعَ قد وُضِعَ لقيام وسُقوط كثيرين. دَعونا نُصَلَّي:

نشكُرُك، يا أبانا، لأنَّنا (كما قالَ كاتبٌ بريطانيٌّ): "نستطيع أنْ نُجَاهِرَ بآرائِنا". ونشكُرُك، يا أبانا، لأننا نَعرفُ الحَقَّ، ولأننا نستطيع أنْ نأتي إلى الحقِّ الذي هو يسوع المسيح. ونحن نعرف، يا رَبّ، أنَّ هذه الرسالة في هذا الصباح ستكون للبعض: رائحةَ موتٍ لموت. فلأنهم يَرفضونَها، فإنها سَتُعَمِّقُ أكثر فأكثر ضَلالَهم وتَجعَلُهم أكثرَ مُساءَلةً أمام الله. ولكنها ستكونُ للبعض الآخر: رائحةَ حياةٍ لحياة لأنهم أحياء الآن. وهذه الرسالة ستجعل حياتهم أكثرَ غِنَى. ونحن نُصَلِّي، يا أبانا، أنْ يَعملَ روحُك في قلوبنا جميعًا. فمِنْ جِهَتِنا نحنُ الذين نَحْيا فيك، لَيْتَنا نحصل على فَيْضٍ أكبر. ولَيْتَنا نُكَرِّسٍ أنفسنَا لطاعةٍ أعظم. ومِنْ جهة أولئك الذين لا يعرفونَ سوى الموت، لَيْتَ هذا اليوم يكونُ اليوم الذي يَنالونَ فيه الحياة. نَشكرك باسم المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

< !--Study Guide -->

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize