Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباح، وفي أثناء دراسَتِنا لكلمةِ اللهِ، نأتي إلى الأصحاحِ التَّاسِع عَشَر مِنْ إنجيل مَتَّى. افتحوا كتابَكُم المقدَّس، مِنْ فَضْلِكُم، ولننظُر معًا إلى إنجيل مَتَّى 19: 1-12. ففي هذا المَقطعِ تحديدًا مِن إنجيل مَتَّى، نَقرأُ تَعليمَ الرَّبِّ يسوعَ المسيح عن موضوعِ الطَّلاق. ولا توجد سِوى مواضيع قليلة أخرى وَثيقة الصِّلة بوقتِنا الحاضِرِ مِثْلَ هذا الموضوع. استمعوا في أثناء قراءتي لإنجيل مَتَّى 19: 1-12 مِنْ أجلِ الاستعدادِ للتَّأمُّلِ في كلمةِ الله.

"وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذَا الْكَلاَمَ انْتَقَلَ مِنَ الْجَلِيلِ وَجَاءَ إِلَى تُخُومِ الْيَهُودِيَّةِ مِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ هُنَاكَ. وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: «هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟» فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْـثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ».

قَالُوا لَهُ: «فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَق فَتُطَلَّقُ؟» قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِــي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِــي».

قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: «إِنْ كَانَ هكَذَا أَمْرُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ، فَلاَ يُوافِقُ أَنْ يَتَزَوَّجَ!» فَقَالَ لَهُمْ: «لَيْسَ الْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هذَا الْكَلاَمَ بَلِ الَّذِينَ أُعْطِيَ لَهُم، لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَانٌ وُلِدُوا هكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ»".

والآن، سوفَ يكونُ هذا المَقطعُ الرَّائعُ هو المَقطعُ الَّذي سنَدرُسُهُ في الأسابيع القادمة إذْ نَتأمَّلُ في تعليمِ رَبِّنا عن موضوعِ الطَّلاق. وفي مَجَلَّةِ "نيوزويك" (Newsweek) مؤخَّرًا، طَرَحَ صِحَافِيٌّ سُؤالاً بسيطًا ولكِنَّهُ عَميقٌ إذْ قال: "هل بَقِيَ أيُّ شخصٍ في الأرض لم يَسمع صَديقًا أو طِفلاً أو أُمًّا أو أبًا يَتَحَدَّثُ عن أَلَمِ الطَّلاق؟" وأعتقد أنَّ الإجابة عن هذا السُّؤال هي: "لا!"

فالطَّلاقُ لم يَعُدْ آفَةً فحسب، بل وَبَأً مُتَفَشِّيًا حَتَّى إنَّنا جميعًا تأثَّرنا بِهِ في عائِلاتِنا أوْ دَوائِرِ أصدقائِنا. فقد كانَت هُنا في السنة الماضية في الولاياتِ المتحدة أكثر مِن مَليون حالة طلاق. وفي هذهِ السنة، ستكونُ هناكَ مَليون حالة طلاق جديدة على الأقل. وتحتَ أنْقاضِ هذهِ الإحصائيَّاتِ المُذهلة، هناكَ الحَياةُ المُحَطَّمَةُ للرِّجالِ والنِّساءِ والأطفال.

فإنْ كانَ هناكَ مَليون حالة طلاق، هناكَ مَليونَيْ زَوْج وزوجة، ورُبَّما مَليوني أوْ ثلاثة ملايين طفل. لذا، رُبَّما نَتحدَّثُ هنا عن خمسة أو ستَّة ملايين شخص في السَّنة يتأثَّرونَ بالطلاق. والعَدَدُ يَتزايد سنة تِلو الأخرى، تِلو الأخرى.

فالطَّلاقُ مُشكلة عويصة ومؤلمة. وثماني وأربعونَ ولاية مِنْ أصلِ الولاياتِ الخمسين لا يوجد فيها قانون يُطالِب المُتَزَوِّجين بِأسبابٍ مُقْنِعَة للطَّلاق. وهذا يَجْعَلُ الطَّلاقَ سهلاً كالزَّواج، باستثناءِ أنَّكَ لستَ بحاجة إلى إجراءِ فَحْصٍ للدَّمّ. وفي السَّنواتِ السابقة، كانت العائلاتُ والزِّيجاتُ مُتماسكة. لِذا فإنَّ ظاهرةَ الطَّلاقِ هي ظاهرة جديدة نسبيًّا. فَمُعَدَّلُ الطلاقِ في أمريكا تَضاعَفَ خلال السَّنوات العِشرين الأخيرة. وَهُوَ يُهَدِّد بالتَّضاعُف مَرَّة أخرى في السَّنوات العشرين القادمة.

ولكن في السنوات السابقة، كان الزواج أكثر تماسُكًا. وأعتقد أنَّ هناك ثلاثة أسباب لذلك: السبب الأول، كانت هناك قُوَّة أخلاقيَّة عائليَّة. بعبارة أخرى، كانت لديك عائلة، وكانت هذه العائلة تعني شيئًا لكَ. فقد كانتِ الأُمُّ تَعني شيئًا، وكانَ الأبُ يَعني شيئًا. وهذا يَصِحُّ على زَوْجِكِ، وعلى زَوْجَتِكَ، وعلى أبنائِكُما، وعلى أعْمامِكَ وأخوالِكَ، وعلى عَمَّاتِكَ وخالاتِك، وعلى إخوتكَ وأخواتِك. بعبارة أخرى، كانت العائلة مهمة حقًّا. وكانت الحياة تَتمحور حول العائلة. وكنت هناك محبة، وكانت هناك رعاية، وكان هناك رجاء، وكانت هناك راحة. وكُلُّ الأشياءِ الَّتي يَعنيها الأمان كانت تَجِدُ مكانَها في العائلة.

ثُمَّ عندما ابتدأت العائلة تَتَفَكَّك مَعَ غَزْوِ التِّلفزيون، وَمَعَ ذَهابِ جميعِ الناسِ إلى العمل، ومعَ سُهولةِ التَّنَقُّلِ في مُجتمعِنا، ومعَ اختراعِ السيَّارات، ومعَ كُلِّ الأشياءِ الأخرى، ابتدأتِ العائلةُ تَتَفَكَّك ولم تَعُد هناكَ وَحْدَة مُتماسكة تَقْدِرُ أنْ تَفرِضَ نِظامَ قِيَمٍ أخلاقيَّة على أعضائِها.

ولكي أُعطيكُم مَثلاً توضيحيًّا على ذلك، لَدَيَّ صَديقٌ كانَ يَرعى كنيسة كبيرة جِدًّا تَضُمُّ مِنْ ألفين إلى ثلاثةِ آلافِ شخص. وقد قالَ إنَّ سِتِّينَ بالمئة من الناس في الرَّعيَّة يَعيشونَ بمفردهم. سِتُّونَ بالمئة. فهؤلاءِ أشخاصٌ حُرِموا مِنَ العلاقاتِ العائليَّة الطبيعيَّة.

وهناكَ عامِلٌ ثَانٍ كانَ يَجْعَلُ الزَّواجَ مُتماسِكًا وهو تَوَقُّعاتُ المُجتَمَع، ووجودُ تقاليدٍ اجتماعيَّة مُعَيَّنة، وَقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ ضَغْطِ الرِّفاق. فقد كانَ الشَّخصُ المُطَلَّقُ فَضيحَةً قبلَ خمسٍ وعِشرينَ سنة. وقد كان هناك ضَغطٌ مُعَيَّنٌ يُمارَسُ عليه مِنْ خلال تُوَقُّعاتِ المُجتمع الَّذي يُقَدِّرُ الزَّواجَ. ولكِنَّ هذا الشَّيءَ صَارَ شيئًا مِنَ الماضي أيضًا. فالمجتمعُ اليومَ قد تَخَلَّى عن ذلك التقليد. وإنْ كانَ قد بَقِيَ أيُّ تَقليدٍ، فإنَّ العُثورَ عليهِ صَعبٌ جِدًّا.

وهناكَ عُنصرٌ ثالثٌ. ورُبَّما هو أقوى العناصر الَّتي كانت تُبقي الزِّيجات مُتماسِكَة، وهو: عَقيدة الكنيسة. ولكِنَّ ذلكَ هُجِرَ أيضًا شيئًا فشيئًا مَعَ تَرَدِّي الأوضاع. والآن، باتَ هُناكَ (حَتَّى في الكنيسة المسيحيَّة) تَجاهُلٌ للتَّعليمِ الكِتابيِّ المُختصِّ بالطَّلاق. لِذا فقد أَذْعَنَتِ الكنيسةُ لِإلحاحِ جَماهيرِها الَّتي تُطالِبُ بالمزيدِ والمَزيدِ مِنَ التَّنازُلاتِ طَوالَ الوقت.

لِذا فقد صارَ الطَّلاقُ واقعًا صَاعِقًا. فالعائلة لم تَعُد قادرة على المُحافظةِ على الزَّواج، ولا المُجتمَعٌ قادرٌ على ذلك. ويبدو أنَّ الكنيسة مُستعدَّة للتخلِّي عن دَورِها كالبقيَّة. وما يُدهشُني هو القضايا القانونيَّة الكبيرة في بَلَدِنا، أيْ تلكَ الَّتي تَصِلُ إلى قاعاتِ المحاكِم. فالقضايا الَّتي تَحتلُّ المَرتبة الأولى مِنْ حيثِ العَدَد تَختصُّ بالقانونِ العائليّ. فهي أكبرُ لائحةٍ في قَوائِمِ مَحاكِمِنا المَدنيَّة في الولايات المُتَّحِدة. وأحيانًا تَبقى القضايا مُعَلَّقة سَنوات وسَنوات وسَنوات وسَنوات.

والآن، مُقابِل كُلِّ زَواجَيْن، هُناكَ طَلاقٌ واحِد. وأعتقد أنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَتَلَخَّصُ في إعلانٍ رأيتُهُ في صَحيفة "ذا ديلي نيوز" (The Daily News) قبلَ فترة ليست طويلة. وقد كانَ الإعلانُ كالتَّالي. وكانَ مَوْضوعًا في مُرَبَّعٍ صغير في مَكانٍ بارِزٍ جِدًّا في الصَّحيفة: "مُعاملة طَلاق بخمسةٍ وعشرينَ دولارًا. مَرْكِز الطَّلاق في كاليفورنيا. اتَّصِل بالرَّقْم كذا". ثُمَّ يَقولُ الإعلان: "تَخَلَّصْ مِنْ ذلكَ العِبْء!" [عَلامة تَعَجُّب]. تَخَلَّص مِنْ ذلك العِبْء! وهذا يُرينا أينَ وَصَلْنا!

وهناكَ سَيِّدة مَعروفة تَظهرُ على شاشاتِ التِّلفزيونِ والسِّينما تَعرِفونَها جميعًا (إذا كنتُم تُتابعونَ التِّلفزيون)، وهي تَدَّعِي أنَّها مَسيحيَّة مَولودة ثانيةً. وَهِيَ تُمَثِّلُ مَوقِفَ أُناسٍ كثيرينَ حَتَّى في الكنيسة اليوم. وهي تَقولُ إنَّها طَلَّقَتْ زَوجَها لكي تَتمكَّنَ مِنْ مُتابَعَةِ مِهْنَتِها. فهو عِبْءٌ. وهي تَقولُ ما يَلي: "أنا أكثرُ سَعادةً مِمَّا كنتُ قبلَ الطَّلاق لأنَّني الشَّخصُ الوحيدُ الَّذي آخُذُ قراراتي بنفسي". فالأنانيَّةُ باتَتْ فَضيلةً رائعةً. وهي لا تُؤمِنُ (بِحَسَبِ قولِها) ... وقد أَضَفْتُ أنا العِبارة الأخيرة. وهي لا تُؤمِنُ (بِحَسَبِ قَوْلِها) ... لقد أَدْرَكْتُم هذا. أليسَ كذلك؟

إنَّها لا تُؤمِنُ (بحسبِ قولِها) بأنَّ الطَّلاقَ يُؤثِّرُ في مُعتقداتِها الدينيَّة بأيَّة طريقة ذاتِ قيمة. وأنا أَقْتَبِسُ كَلامَها هُنا إذْ تَقول: "في ذِهني، اللهُ أَبٌ غَفورٌ. وَهُوَ يُحِبُّني بالرَّغْمِ مِنْ طَلاقي. لِذا، أرجو أنْ لا تَحْكُموا على إيماني المسيحيِّ بسببِ الطَّلاق. فأنا وَ ’شَكْ‘ [Chuck] أكثر سعادة بأنْ نَكونَ صَديقَيْنِ مُطَلَّقَيْن على أنْ نَكونَ عَدُوَّيْنِ مُتَزَوِّجَيْن" [نِهايةُ الاقتباس]. وهذا يَبدو كلامًا لَطيفًا جدًّا!

ونحنُ مُرْغمونَ اليومَ على قَبولِ الواقِعِ والتَّعامُلِ مَعَهُ، وَهُوَ واقِعٌ مُزْعِجٌ جِدًّا يَقولُ إنَّ رِباطَ الزَّواجِ المُقدَّس آخِذٌ في التَّمَزُّقِ بسُرعة هائلة. وَحَتَّى إنَّ الكنيسة لم تَصْمَدُ أمامَ هذا الواقِع، بل إنَّها تَقَبَّلَتْ النَّظرة العالميَّة أكثر مِمَّا كانَ ينبغي أنْ تَفعل، وَتَرَكَتْ العقيدة الكِتابيَّة.

والآن، هذا يَقودُنا إلى النَّصِّ الَّذي أمامَنا وإلى مَوضوعِنا. ونحنُ أمامَ خِيارَيْن: إمَّا أنْ نُصغي إلى وُجْهَةِ نَظَرِ العالَم، أو إلى كَلِمَةِ الله. وهذانِ هُما الخِيارانِ الوحيدان. فإمَّا أنْ نَسيرَ معَ التَّيَّارِ الجاري في مُجتمعِنا ونَخْضَع للنِّظامِ كُلِّهِ، وإمَّا أنْ نَتمَسَّكَ بكلمةِ اللهِ ونقول: "هذا هو ما يُوْصينا بِهِ اللهُ". أمَّا أنا وَبَيتي، فإنَّنا سَنَسْتَمِعُ إلى كلمةِ الرَّبِّ.

والآن، قد تَقول: "ولكِنْ حَتَّى حينَ تَقولُ ذلك، يا جون، فإنَّكَ سَتَقَعُ في مُشكلة لأنَّ هناكَ على ما يبدو تشويشًا كثيرًا جِدًّا بخصوصِ ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس. فقد تَجِدُ شخصًا يُمْسِكُ الكتابَ المقدَّسَ ويُعَلِّمُ أيَّ شيءٍ عنِ الطَّلاق". اسمحوا لي أنْ أَرى إنْ كانَ بمقدوري أنْ أُساعِدَكُم على التَّفكيرِ قليلاً في هذا الموضوع. فأنا أُدْهَشُ ... وأنا أقولُ حَقًّا إنَّني أُدْهَشُ بصراحة لوجودِ كُلِّ هذا التَّبايُن لأنَّني لا أَظُنُّ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ غير واضِح إلى هذا الحَدِّ. فأنا أعتقد أنَّ الكتابَ المقدَّسَ واضحٌ جِدًّا بخصوصِ ما يَقولُهُ عنِ الطَّلاقِ والزَّواجِ ثانيةً. فهو واضحٌ كُلَّ الوُضوح. وهو يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ مُنْذُ أنْ كُتِب.

وأنا أعتقد أنَّ المشكلة لا تَكْمُنُ في أنَّ الكتابَ المقدَّسَ غير واضح، بل تَكْمُنُ في أنَّ التَّفكيرَ مُشَوَّش. وما يُشَوِّشُ تَفكيرَ الناسِ هو أنهم يَقرأونَ الكتابَ المقدَّسَ بِفِكْرٍ مُسَبَّقٍ مُعَيَّن. فمثلاً، هناكَ أشخاصٌ يَنظرونَ إلى مُعَدَّلِ الطَّلاقِ ويقولون: "يجب علينا أنْ نُوْقِفَ الطَّلاق. لِذا، لكي نُوقِفَ الطَّلاق، يجب علينا أنْ نَأتي بعقيدة تقولُ إنَّهُ لا يُسْمَحُ بالطَّلاق في أيِّ وقتٍ، ولأيِّ شخصٍ، ولأيِّ سَبَبٍ". وهكذا، هناكَ أشخاصٌ يَفعلونَ ذلك وَيقولونَ إنَّهُ لا يوجد طلاق لأيِّ شخصٍ إلى الأبد أيًّا كانَ السَّبب، وإنَّهُ لا يُمْكِن لأيِّ شخصٍ أنْ يَتزوَّجَ مَرَّةً أخرى أيًّا كانَ السَّبب.

وقد يبدو هذا الأمرُ جَيِّدًا جِدًّا. والحقيقة، كنتُ أَتمنَّى أنْ يكونَ بمقدوري أنْ أُوْمِنَ بتلكَ العقيدة لأنَّها سَتَضَعُ حَدًّا لمشاكل كثيرة. فسوفَ نَقولُ وَحَسْب: "كُلُّ الطَّلاقِ خطأ. نُقْطَة. فَقْرَة جديدة". لِذا، لا يوجد زَواج مَرَّة أخرى. ونحنُ لسنا بحاجة إلى تقديمِ المشورة إلى الناس. مِنَ الرَّائعِ أنْ يكونَ الأمرُ قاطِعًا بهذهِ الصُّورة. ولكِنْ لا يُمكنكم أنْ تَنظروا إلى المشكلة الموجودة في العالم وأن تقولوا إنَّهُ لكي نَمنَعَ المشكلة، يجب علينا أنْ نأخُذَ المِعيارَ المذكورَ في الكتابِ المقدَّسِ وأنْ نَرْفَعَهُ. فهذا لا يَجوز.

ولكِنْ مِن جهة أخرى، هناكَ أشخاصٌ يَنظرونَ إلى العالَم ويقولون: "انظروا إلى المشكلة. يجب علينا أنْ نُساعِدَ هَؤلاءِ النَّاس. ويجب علينا أنْ نَهْتَمَّ بهؤلاءِ النَّاس. ويجب علينا أنْ نُحِبَّ هؤلاءِ النَّاس. ويجب علينا أنْ نَقْبَلَ هؤلاءِ النَّاس. لِذا، سوفَ نُخَفِّض المِعيارَ كي نَتَمَكَّنَ مِنْ قَبولِ كُلِّ شخصٍ حَتَّى لا نَضَعَ أيَّ ضَغْطٍ كَبيرٍ عليهم. فبصورة رئيسيَّة، نحنُ نُريدُهم جميعًا أنْ يكونوا سُعداء. لِذا، سوفَ نَقولُ لهم أنْ يَبذلوا كُلَّ جُهْدِ مُمكن، وإنَّ الرَّبَّ سَيَغْفِرُ لهم".

لِذا، مِنْ جِهة، هناكَ أشخاصٌ يريدونَ أنْ يَرفعوا المِعيارَ. وَمِن جهة أخرى، هناكَ أشخاصٌ يُريدونَ أنْ يُخَفِّضوا المِعيارَ. وما يجب أنْ نَفعلَهُ هو أنْ نَعودَ ونَرى ما قالَهُ يَسوعُ، وما قالَهُ اللهُ في صَفْحاتِ الكتابِ المقدَّس. وسوفَ نَفعلُ ذلكَ مِنْ خِلالِ دراسةِ الأعداد 1-12.

ولنَبتدئ بالآيتين الأولى والثَّانية. وهذه هي الخَلفيَّة لِتَعليمِ الرَّبّ. العدد 1: "وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذَا الْكَلاَمَ انْتَقَلَ مِنَ الْجَلِيلِ وَجَاءَ إِلَى تُخُومِ الْيَهُودِيَّةِ مِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ هُنَاكَ". وهذا نَصٌّ مُهِمٌّ جدًّا. وأغلبيَّةُ الأشخاصِ الَّذينَ يَدرسونَ الكتابَ المقدَّسَ يَقرأونَهُ قِراءةً سريعةً ويَذهبونَ إلى المادَّة الدَّسِمَة في العدد 3 بخصوصِ الفَرِّيسيِّينَ، وَسُؤالِهم، ومَا إلى ذلك.

ولكنِّي أريدُ منكم أنْ تتوقَّفوا معي قليلاً عندَ هَاتَيْنِ الآيتينِ الأولى والثانية لأنَّهما يُشيران إلى نَقْلَة مُهِمَّة جدًّا جدًّا في حياةِ رَبِّنا. فهاتانِ الآيتانِ الأولى والثَّانية تَذكُران نِهايةَ خِدمَتِهِ في الجَليل. وهي لَحظة مُهمَّة جدًّا في حياةِ رَبِّنا. فابتداءً مِنَ الأصحاحِ الرابع مِن إنجيل مَتَّى والعدد 12 تقريبًا، عندما ابتدأَ الرَّبُّ خدمتَهُ في الجليل، كانَ يَطوفُ تلكَ المنطقة مِن فِلَسطين يَخْدِمُ، ويَكْرِزُ، ويُعَلِّمُ، ويَشفي. فإلى جَليلِ الأُمَم جاءَ النُّورُ. ولكِنْ كما هي الحالُ دائمًا فإنَّ النَّاسَ أَحَبُّوا ماذا؟ الظُّلمة أكثر مِنَ النُّور. وطَوالَ وَقْتِ وُجودِ النُّورِ هُناكَ، لم يأتِ أغلبيَّةُ النَّاسِ إلى النُّور. وقد انطفأَ النُّورُ بِمَعنى أنَّ جُزءًا مِن خِدمَتِهِ قدِ انتهى.

فَلِمُدَّةِ سَنتينِ تَقريبًا، كانَ يَخْدِمُ في الجَليل. وقد صَرَفَ الأشهُرَ القليلة الأخيرة في تلكَ السَّنتين معَ التَّلاميذ إذْ كانَ يُهَيِّئُهم لما هُوَ آتٍ. ولكِنَّ هذهِ كانت نِهاية خِدمَتِه. وقد انتَقَلَ الرَّبُّ مِنَ الجَليل في الشَّمال مُتَّجِهًا جَنوبًا. وأينَ اتَّجَه؟ لقدِ اتَّجَهَ إلى أورُشَليم. ونحنُ نَنتقلُ الآنَ إلى المَرحلةِ الأخيرةِ مِنْ حياةِ رَبِّنا حيثُ إنَّهُ ابتدأَ يَقتَرِبُ مِنَ الصَّليب. يَقْتَرِبُ مِنْ آلامِهِ وَمِنْ قِيامَتِه.

لِذا فإنَّها نُقطة مُهِمَّة جِدًّا. والعبارة القصيرة "انْتَقَلَ مِنَ الْجَلِيلِ" هي عِبارة رُبَّما ينبغي لكم أنْ تَضَعوا خَطًّا تَحتَها لأنَّها تُشيرُ إلى نِهايةِ خِدمَتِهِ في الجَليل. فقد حَصَلَ النَّاسُ على فُرصَتِهم، وقد عاشوا يَوْمَهُم في الشَّمسِ، وقد اختبروا الحقيقة. والآن، انْتَهى ذلكَ بالنِّسبة إليهم. وكَمْ هُوَ مُحْزِنٌ ومُؤسِفٌ أنَّهُ رُفِضَ. وَحَتَّى في بَلْدَتِهِ، حاولوا أنْ يَقتُلوه.

ونَقرأُ أيضًا: "فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ..."؛ وهي عبارة صغيرة مُدهشة جدًّا. فما الَّذي تُشيرُ إليه؟ حسنًا! مِنَ الواضحِ أنَّها تُشيرُ إلى الأقوالِ الواردة في الأصحاح 18؛ أيْ: لَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ تَعليمَهُ عَنْ طَبيعة المُؤمِن الطُّفوليَّة. وهل تَذكرونَ أنَّ الأصحاح 18 كانَ خُطْبَةً؟ فقد كانت خُطْبَةً، أوْ عِظَةً، أو دَرْسًا، أوْ تَعليمًا. ولِعِلْمِكُم، في أثناءِ دراسَتِنا لإنجيل مَتَّى، سَوفَ نَجِدُ الكثيرَ مِنَ الخُطَبِ، أوِ العِظاتِ، أوِ الدُّروسِ الَّتي قَدَّمَها الرَّبُّ.

وقد كانَ الأصحاح 18 خُطبة رائعة عنِ طَبيعة المُؤمِن الطُّفوليَّة. فقد كانَ في كَفْرَناحوم. وقد كانَ في مَنْزِلٍ. وكانَ قد أقامَ وَلَدًا في وَسْطِهم، واستخدَمَهُ كَمَثَلٍ توضيحيٍّ، وَعَلَّمَ كُلَّ تلكَ الحقائق العظيمة في الأصحاح 18. والآن، نَقرأُ: "فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ...". وهذهِ الجُملة القصيرة نَفسُها مُدهشة جدًّا لأنَّها تَظْهَرُ مَرَّات عديدة في إنجيل مَتَّى. وهي تَظهَر في خِتامِ عِظَاتٍ مُهِمَّة. فهي تُشْبِهُ التَّوقيعَ على خُطْبَة مُهِمَّة.

فمثلاً، إنَّ أوَّلَ خُطبة مُهِمَّة في إنجيل مَتَّى تَرِدُ في الأصحاح 5 و 6 و 7؛ وهي العِظة الَّتي تُعْرَفُ بالعِظَة على الجَبل. أليسَ كذلك؟ والعِظَة على الجبل تَنتهي بالطريقة نفسِها. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاح 7 والعدد 28: "فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ...". وهي عِبارة مُماثلة أو شَبيهة جدًا بالعبارة نفسِها. ثُمَّ عندما نَصِلُ إلى الأصحاحِ العاشِر، نَجِدُ العِظَة الرَّائعة الَّتي تَليها. ففي الأصحاح 10، نَجِدُ العظة عنِ التَّلمذة. والأصحاح 11 يَبتدئُ بالطَّريقة نفسِها: "وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ...". ثُمَّ نأتي إلى الأصحاح 13 فَنَجِدُ العِظَة العظيمة عن أمثالِ المَلكوت. وهي تَنتهي بالطريقة نفسِها في العدد 13: 53 إذْ نَقرأُ: "وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَمْثَالَ...".

ثُمَّ تَجِدونَ ذلكَ هُنا في الأصحاح 19 إشارةً إلى الأصحاح 18. ثُمَّ تَجِدونَ العِبارة نفسَها في الأصحاح 26 في نهايةِ العِظَة على جَبَلِ الزَّيتون: "وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ...". لِذا، إنَّها تَوقيعٌ مُهِمٌّ جدًّا استخدَمَهُ مَتَّى لكي يُنَبِّهَنا إلى حقيقةِ أنَّ الرَّبَّ قد أَنْهى خُطْبَةً عظيمة، أو عِظَة عظيمة، أو درسًا عَظيمَ الأهميَّة.

لِذا فقد أَنْهى الرَّبُّ هذهِ الخُطبة. ثُمَّ نَقرأُ أنَّهُ انتقلَ مِنَ الجَليل. وأينَ ذَهب؟ لقد جاءَ إلى تُخُومِ [أوْ مِنْطَقَةِ أوْ نَاحِيَةِ أوْ حُدود] الْيَهُودِيَّةِ مِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ. وأنتُم تَعلمونَ أرضَ فِلَسطين. أليسَ كذلك؟ فهي تَنْقَسِمُ مِنَ المُنتصف حَقًّا بواسِطَةِ نَهْرِ الأُرْدُنِّ. وَهُوَ يَجْري مِنْ أقصى الشَّمالِ لِيَصُبَّ في بُحيرَةِ جَنِّيسَارَت (أوْ بَحْرِ الجَليل)، ثُمَّ يُتابِعُ جَرَيانَهُ مِنْ هُناكَ لِيَصُبَّ في البحرِ المَيِّت.

وَنَهْرُ الأُرْدُنِّ هو نُقطة مُهمَّة جدًّا في وَسْطِ إسرائيل. والجليلُ هي في الشَّمال، واليهوديَّة في الجنوب. والجليلُ منطقة ريفيَّة. ويهوذا هي أكثرُ منطقة مأهولة بالسُّكَّان حيثُ توجد أورُشليم. والرَّبُّ يُغادِرُ الجليلَ، ولكِنْ عِوَضًا عن أن يَذهبَ مُباشرةً إلى اليهوديَّة فإنَّهُ يَذهبُ شَرقًا ويَعْبُرُ نهرَ الأُردنِّ، ويَنْحَدِرُ إلى الجِهَة الخَلفيَّة مِنَ الأُردُنِّ في الجهة الشَّرقيَّة. وَهُوَ سَيَعْبُرُ مَرَّة أخرى جَنوبًا عندَ أريحا، وَيَصْعَدُ الجَبَلَ إلى أورُشَليم. فهذه هي الطَّريقُ الَّذي سَلَكَهُ.

وَمِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنَّهُ سَلَكَ ذلكَ الطَّريق لأنَّهُ يأخُذُهُ إلى منطقة مُدهشة جدًّا. فالمنطقة الَّتي هي عَبْرَ الأُرْدُنِّ كانت تُعْرَفُ عندَ اليهودِ باسْمِ "العَبْر". فهكذا كانوا يَدْعونَها: "العَبْر". لِماذا؟ لأنَّها كانت عَبْرَ الأُرْدُنِّ. والمُصطلح هو: "بيران" (peran). والكلمة "بيران" هي الاسمُ أوِ اللَّفْظُ الَّذي اشْتُقَّ مِنْهُ الاسمُ "بيريَّة" والتي تَعْتي "العَبْر".

لِذا فقد ذَهَبَ يَسوعُ إلى ما يُعْرَفُ بِمنطقة بيريَّة ... بيريَّة. إذًا، مِنَ الخِدمة في الجليل [لاحِظوا ما سأقول] نأتي إلى الخِدمة في بيريَّة. والأصحاحان 19 و 20 يَتحدَّثان عن خِدمةِ رَبِّنا في منطقة بيريَّة، وهي المنطقة الواقعة إلى الشَّرقِ مِنْ نَهْرِ الأُردُنِّ. وفي السَّنواتِ السَّابقة، لم تَكُن تلكَ المنطقة مأهولة كثيرًا بالسُّكَّان، ولكِنَّها صارت منطقة مأهولة جدًّا. وفي زَمَنِ رَبِّنا، كانَ عَدَدُ السُّكَّانِ فيها قد زادَ كثيرًا. كذلك، كانت تلك المنطقة تَحْتَ سَيطرة [وهذهِ نُقطة مُهِمَّة جدًّا] تحت سيطرة هيرودس أنتيباس. فقد كانت منطقته. وَلَعَلَّكم تَذكرون أنَّه هو الَّذي قَطَعَ رأسَ يوحنَّا المَعمدان.

إذًا، بعدَ أنْ خَدَمَ الرَّبُّ في الجليل، ذَهَبَ شَرقًا إلى عَبْرَ الأُرْدُنِّ لكي يَخْدِمَ في بيريَّة لأنَّهُ كانَ هُناكَ يهودٌ كثيرونَ يَسكُنونَ هُناك. كذلك، كانَ أيُّ يَهوديٍّ يُسافِرُ مِنَ الشَّمالِ إلى الجنوب يَذهبُ مِنْ ذلك الطَّريق لأنَّكَ إنْ ذَهَبْتَ مُباشرةً إلى الجنوب فإنَّكَ سَتَمُرُّ بأرضِ السَّامرة. ولم يَكُن اليهودُ يَرغبونَ في القيامِ بذلك لأنَّهم كانوا يَعتقدونَ أنَّ السَّامريِّينَ شَعْبٌ نَجِسٌ وَشَعْبٌ خَطيرٌ أيضًا. لِذا فقد كانوا يَذهبونَ شَرقًا إلى منطقة بيريَّة تلك. وهذا يعني أنَّهم إنْ سافَروا في وقتِ عيدِ الفِصْح وموسِمِ الأعياد، سوفَ يكونُ هناكَ مُسافرونَ كثيرونَ في ذلكَ الطَّريقِ أيضًا. لِذا، كانَ بمقدورِ الرَّبِّ أنْ يَكْرِزَ إلى سُكَّانِ بيريَّة، وأيضًا إلى المُسافرينَ في طريقهم إلى أورُشليم. لِذا، فقد فَعَلَ الرَّبُّ ذلكَ بِتَرَوٍّ شَديد في أثناءِ سَفَرِهِ إلى أورُشليم مِنْ هذا الطَّريق.

لِذا فقد مَضى شَرقًا ثُمَّ نَزَلَ إلى أورُشليم مِنَ الجِهَة الخَلفيَّة مِنْ نَهْرِ الأُردُنّ. ونَقرأُ في العددِ الثاني: "وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ". وقد حَدَثَ ذلكَ أيضًا في الجَليل إذْ نَقرأُ في الأصحاح 4 والعدد 25 أنَّهُ عندما ابتدأَ خِدمَتَهُ هُناكَ "تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ". ونَقرأُ أيضًا أنَّهُ "شَفَاهُمْ هُنَاكَ". وقد كانت تلكَ الشِّفاءاتُ إعلانًا عَنْ مِصداقِيَّتِهِ بِوَصْفهِ المَسِيَّا. فقد أَظْهَرَتْ تلكَ الشِّفاءاتُ قُدرَتَهُ وَتَحَنُّنَهُ عليهم.

وبالمُناسَبة، فإنَّ النَّصَّ المُوازي لهذا موجودٌ في إنجيل مَرقُس 10: 1. ونحنُ نَقرأُ في إنجيل مَرقُس 10: 1 أنَّهُ "كَانَ أَيْضًا يُعَلِّمُهُمْ". لِذا فإنَّها خِدمة شَبيهة جدًّا بخدمَتِهِ في الجَليل: فالجُموعُ تَبِعَتْهُ. وقد عَلَّمَهُم. وقد شَفاهُم. وقد قَدَّمَ لهم كلمةَ اللهِ. وقد أَكَّدَ لهم صِدْقَها وأكَّدَ أنَّهُ النَّاطِقُ الرَّسْمِيُّ باسْمِ اللهِ مِنْ خلالِ تَعاطُفِهِ المُعْجِزِيِّ وقُدرَتِهِ المُعجِزيَّة.

لِذا ها هُوَ هُنا (مَعَ أنَّهُ كانَ يَتَقَدَّمُ نَحْوَ الصَّليبِ ويَقْتَرِبُ مِنْ مَوْتِه) ها هُوَ يَهْتَمُّ جِدًّا بحاجاتِ النَّاسِ، وبِتَعليمِ الحَقِّ الإلهيِّ، وبِجَعْلِهِم يَفهمونَ أنَّهُ، في الحقيقة، المَسِيَّا. لِذا فإنَّ هذهِ نُقطة مُهمَّة جِدًّا. فأنتُم تُغادِرونَ خِدْمَةَ الجَليل، وتَدخُلونَ خِدمةَ رَبِّنا في بِيريَّة. وَهُما خِدْمَتانِ تَتْبَعانِ النَّمَطَ نَفسَهُ. وسوفَ نَتحدَّثُ عن خِدمَتِهِ في بِيريَّة (كما قُلتُ) بِحَسَبِ مَا جاءَ في الأصحاحَيْن 19 و 20.

كذلك، يُمْكِنُكُم أنْ تُدَوِّنوا أيضًا في أذهانِكُم، أو في هَامِشِ كِتابِكُم المُقَدَّس، أو في مُلاحَظاتِكُم، أنَّهُ ابتداءً مِنَ الأصحاح 19 فإنَّنا نَدْخُلُ في المرحلة الأخيرة مِنْ إنجيل مَتَّى. فَمِنْ هُنا فَصاعِدًا، لدينا العَرْضَ الأخيرَ للمَلِك، والرَّفضَ الأخيرَ لِبَني إسرائيل. لِذا فإنَّنا نَنتقلُ إلى الجُزءِ الأخير. فهو يُقَدِّمُ نَفسَهُ. وفي النِّهاية يُرْفَضُ أخيرًا وَيُصْلَب. ومعَ أنَّ هذا يَبدو التَّركيزَ الرَّئيسيَّ لهذهِ المَرحلة الأخيرة مِنْ إنجيلِ مَتَّى، تَذَكَّروا أيضًا أنَّهُ كانَ طَوالَ الوقتِ يُعَلِّمُ تَلاميذَه.

لِذا، نَرى أنَّ يَسوعَ يُقَدِّمُ نَفسَهُ في اليهوديَّة وأورُشليم. وَهُوَ يَقْتَرِبُ مِنْ آلامِه. والجُموعُ هُناكَ. والنَّاسُ هُناكَ. والحُشودُ هُناكَ. ولكِن في خِضَمِّ ذلكَ وفي وَسْطِ ذلكَ، هُناكَ دُروسٌ، ومَزيدٌ مِنَ الدُّروسِ، ومَزيدٌ مِنَ الدُّروسِ للتَّلاميذِ الَّذينَ ينبغي أنْ يُتابِعوا الخِدمة. لِذا فقد كانَ هذا الوقتُ وقتًا انتقاليًّا رائعًا للرَّبِّ.

والآن، بينما كانَ يَتحرَّكُ بينَ الجُموعِ وَيَشفيهم، نأتي إلى العددِ الثَّالث. وهذا يَقودُنا إلى صُلْبِ مَوضوعِنا: "وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ". وسوفَ نَتوقَّفُ هُنا قليلاً. فقد كانَ الفَرِّيسيُّون يَتْبَعونَ خُطُواتِهِ. فَهُمْ لم يَتركوهُ وَشَأنَهُ. فقد كانوا أَلَدَّ أعداءٍ لَهُ. وقد تآمَروا عليهِ بِكُلِّ خُبْثٍ وبصورة دائمة وأرادوا أنْ يَقْتُلوه وأنْ يَطْعَنوا في مِصداقِيَّتِه. ونَحْنُ نَجِدُهُم في الأصحاحِ الثَّالثِ، ونَجِدُهُم في الأصحاحِ الخامِسِ، ونَجِدُهم في الأصحاحِ التَّاسعِ، وفي الأصحاحِ الثَّاني عَشَر، وفي الأصحاحِ الخامِس عَشَر، وفي الأصحاحِ السَّادِس عَشَر. وَنَحْنُ نَلتقيهم مَرَّة أخرى في الأصحاحِ التَّاسع عَشَر. وَنَحْنُ لم نَفْرُغ مِنْهُم بَعْد.

وقد كانَ الفَرِّيسيُّون المؤسَّسة الدِّينيَّة. وكانوا يَتَلَقَّونَ هُجومًا مُباشِرًا مِنْ خِلالِ الحَقِّ الَّذي يَكْرِزُ بِهِ يَسوع. لِذا فقد كانوا يَكرهونَهُ، ويَحتقرونَهُ، ويَرغبونَ في فِعْلِ كُلِّ ما في وُسْعِهم للتخلُّصِ مِنْهُ والقَضاءِ عليه. لِذا، حينَ نأتي إلى العددِ الثَّالث، نَلتقي الفَرِّيسيِّينَ ونأتي إلى النُّقطةِ الأولى في مُخَطَّطِنا في أثناءِ دراسَتِنا لهذا المَقطَع. وسوفَ نُسَمِّي هذهِ النُّقطة: "الهُجوم". الهُجوم. العدد 3.

"وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ". والنَّصُّ يَقولُ إنَّهُمْ جاءوا إليهِ "لِيُجَرِّبُوهُ". وَمِنَ الواضِحِ أنَّهُمْ كانوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يُخْفِقَ في الامتحان. فقد أردوا أنْ يَمْتَحِنوهُ في شيءٍ لا يَستطيعُ أنْ يَنْجَحَ فيه. وقد كانَ هُناكَ أَمْرانِ يَدورانِ في أذهانِهِم. وَمِنَ المُهِمِّ جدًّا أنْ تَفهموا هذا. فقد أرادوا أنْ يُشَوِّهُوا سُمْعَتَهُ أمامَ النَّاسِ لكي يَخسَرَ شَعبيَّتَهُ. ثانيًا، لقد أرادوا أنْ يُدَمِّروه. فقد أرادوا أنْ يُفْقِدوهُ شَعبيَّتَهُ في المَقامِ الأوَّلِ. ثُمَّ أردوا أنْ يَقتُلوه. فهذا هُوَ ما كانَ يَدورُ في أذهانِهم.

لِذا فقد وَضَعُوا اخْتبارًا. فهذا ليسَ سُؤالاً خَطَرَ بِبالِهِمْ فَجأةً فَسَألوهُ. وهذا ليسَ شيئًا خَطَرَ بِبالِ واحِدٍ مِنَ الفَرِّيسيِّينَ وَحَسْب. بل إنَّهُ سُؤالٌ مَحسوبٌ، ومَدروسٌ، ومُتَرَوَّى فيه. فقد جاءوا لِيَختبروه، ويَطْعَنوا في مِصداقِيَّتَهُ، ويُدَمِّروه. لِذا فإنَّهم يَقولونَ في العددِ الثَّالث: "هَلْ يَحِلُّ..." [وَهُمْ يَتَحَدَّثونَ هُنا مِنْ جِهَةِ النَّاموسِ الإلهيِّ] "هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟" فهذا هو السُّؤال.

والآن، يبدو في الظَّاهِرِ أنَّهُ سُؤالٌ بَريء، ولكنَّهُم فَكَّروا فيهِ مَلِيًّا. فهو سُؤالُ ذَكِيٌّ. وَهُوَ سُؤالٌ مَاكِرٌ. وَهُوَ سُؤالٌ خَبيثٌ. وَهُوَ سُؤالٌ شِرِّيرٌ يَرْمي إلى مُهاجَمَةِ يَسوعَ المسيحِ، والطَّعْنِ في مِصداقِيَّتِهِ قبلَ كُلِّ شَيءٍ. ويَرمي، ثانيًا، إلى تَدميرِه. والآن، اسمحوا لي أنْ أقولَ لكم السَّبب.

أوَّلاً، اسمحوا لي أنْ أقولَ لكم كيفَ عَقدوا العَزْمَ على الطَّعْنِ في مِصداقيَّتِه. فقد كانَ الطَّلاقُ مَسألةً خَطيرةً بينَ اليهود. فقد كانَ مَسألةً كبيرة جِدًّا جِدًّا. وقد كانَ كُلُّ شخصٍ يَعرِفُ عن ذلك. وكانَ الطَّلاقُ شائعًا جِدًّا جِدًّا. فقد كانتِ النِّساءُ يُعامَلْنَ كما لَوْ كُنَّ لا يَمْلِكْنَ أيَّ حُقوق. وكانَ الفَرِّيسيُّونَ قادَةً في هذا، لا فقط مِنْ خلالِ ما كانوا يُعَلِّمونَهُ، بل أيضًا مِنْ خِلالِ القُدوة الَّتي كانوا يُقَدِّمونَها بأنفُسِهم للآخرين. فقد كانوا يُطَلِّقونَ زَوجاتِهم بصورة دائمة ومُستمرَّة. وكانوا يُعَلِّمونَ أيضًا أنَّهُ يمكنكَ أنْ تُطَلِّق زوجَتَكَ لأيِّ سبب. فقد كانت هذهِ هي عقيدَتُهم بِصورة رئيسيَّة. وكانَ هذا هو ما يُؤمِنونَ بِهِ، أوْ ما يُؤمِنُ بِهِ الأغلبيَّةُ مِنهُم. فَرُبَّما كانَ هُناكَ أشخاصٌ قَليلونَ مِنْهُم يَتَمَسَّكونَ بالرَّأيِ الآخَر. ولكِنَّ الأغلبيَّة مِنهم، والأكثريَّة مِنهم ... وبالمُناسبة، كانتِ العقيدة السَّائدة لدى جميعِ النَّاسِ هي أنَّهُ يُمْكِنُكَ أنْ تُطَلِّقَ زوجَتَكَ لأيِّ سَبب. وقد كانت هذه عقيدة سائدة بصورة خاصَّة بينَ النَّاسِ الَّذينَ يَرغبونَ في تَطليقِ زَوجاتِهم. وقد كانَ الطَّلاقُ شَيئًا يُمارَسُ في أَحَطِّ المُستويات. وكانَ يَتَعَامَلُ مَعَ الخُطاةَ في مُستوى خَطِيَّتِهم.

ورُبَّما تَذكُرونَ أنَّهُ كانَتْ هُناكَ خُصومة شديدة بينَ مُعَلِّمي اليهودِ لأنَّهُ كانَ هُناكَ مُعَلِّمٌ يُدْعى "شَمَاي" (Shammai) يَقولُ إنَّ الطَّلاقَ لا يَجوز. ولكِنَّهُ لم يَجِدْ أتباعًا كثيرينَ لأنَّ هذا الرَّأيَ لم يَجِدْ قَبولاً كبيرًا. وكانَ هُناكَ مُعَلِّمٌ آخر يُدعى "هِلِّيل" (Hillel). وبالمُناسبة، لقد ماتَ هِلِّيل قبلَ عِشرينَ سنة فقط مِنْ خِدمةِ المسيح. لِذا، كانَ تأثيرُهُ ما يَزالُ موجودًا. وكانَ رأيُهُ هُوَ الرَّأيُ السَّائدُ. وقد قالَ إنَّهُ يُمْكِنُكَ أنْ تُطَلِّقَ زَوجَتَكَ لأيِّ سَبَبٍ تُريد.

والحقيقة هي أنَّهُ قالَ إنَّهُ بإمكانِكَ أنْ تُطَلِّق زَوجَتَكَ إنْ أَحْرَقَتْ طَبَقَكَ المُفَضَّل، وإنَّهُ يُمكنكَ أنْ تُطَلِّقَها إنْ أَحْرَقَتْ عَشاءَكَ، وإنَّهُ يُمكنكَ أنْ تُطَلِّقَها إنْ وَضَعَتْ مِلْحًا كثيرًا في طَعامِك، وإنَّهُ يُمكنكَ أنْ تُطَلِّقَها إنْ لَفَّتْ في الشَّارِع وشَاهَدَ أَحَدٌ مَا رُكْبَتَيْها. وإنَّهُ يُمكنكَ أنْ تُطَلِّقَ زوجَتَكَ إنْ أَرْخَتْ شَعْرَها، أوْ إنْ تَكَلَّمت إلى الرِّجال. وَيُمكنكَ أنْ تُطَلِّقَ زَوجَتَكَ إنْ قالت شيئًا غيرَ لَطيفٍ عن حَماتِها. ويُمكنكَ أنْ تُطَلِّقَها إنْ وَجَدْتَ امرأةً أَجْمَلَ مِنْها لأنَّها تَصيرُ حينئذٍ قَبيحَةً في نَظَرِك، ولأنَّها ليست بِجمالِ المرأة الأخرى الَّتي رأيتَها.

فيُمكنكَ أنْ تُطَلِّقَها لأيِّ سبب. ويُمكنكَ أنْ تُطَلِّقَها إنْ كانت لا تُنْجِب. ويمكنك أن تُطلِّقها إنْ لم تُنْجِبْ لكَ مَولودًا ذَكَرًا. وكما تَرَوْنَ، فقد صارَ هذا هو الرَّأيُ السَّائد: تَخَلَّصُوا مِنْ هذا العِبْء. فقد كان هذا هو الرَّأيُ السَّائد. فإنْ أردتَ أنْ تُطَلِّقَ زوجَتَكَ، طَلِّقْها وَحَسْب. فقد كان هذا هو الرَّأيُ الَّذي يُعَلِّمُهُ الفَرِّيسيُّون.

وأنا أعتقد أنَّ الفَرِّيسيِّينَ كانوا يَعلمونَ أنَّ يَسوعَ لم يَكُن يُعَلِّمُ هذا. وكانوا يَعلمونَ ذلك لأنَّهُ قالَ هذا مِنْ قَبل. ففي مُواجَهَتِهِ لهم في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامِس، قالَ لهم: "أنتُم تقولونَ أنَّكم لا تَزْنونَ. ولكِنِّي أقولُ لَكُم إنَّكُم أَحَطُّ الزُّناة. وأنتُم تَنشرونَ الزِّنى في جَميعِ أرجاءِ المكان" فهذا هُوَ ما قَصَدَهُ في إنجيل مَتَّى 5: 31-32 لأنَّكُم تُطَلِّقونَ بلا سَبب. وعندما تُطَلِّقُ زوجَتَكَ بلا سَبب فإنَّكُم تَنشرونَ الزِّنى في كُلِّ مكان لأنَّ الشَّخصَ المُطَلَّقَ الَّذي يَتزوَّجُ مَرَّةً أخرى يَزني ويَجْعَلُ مَنْ يَتَزَوَّجها تَزْني. لِذا فإنَّكَ تَزْني عندما تتزوَّجُ إنْ كُنْتَ مُطَلَّقًا، وتَجعلُ الشَّخصَ الآخَرَ يَزني. وأنتُم تَنشرونَ الزِّنى في كُلِّ مكان بسببِ طَلاقِكُم مِنْ غَيْرِ عِلَّة.

لِذا فقد كانوا يَعلمونَ أنَّ يَسوعَ يأخُذُ الخَطَّ المُتَشَدِّد. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّه يأخُذُ الخَطَّ المُتَزَمِّتَ في موضوعِ الطَّلاق. ولم تَكُن هذهِ عَقيدة تَحظى بالشَّعبيَّة. وَمِنَ الواضِحِ أنَّ هذا هُوَ ما عَلَّمَهُ سَابقًا. وَهُوَ مُدَوَّنٌ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 5 (كَما ذَكَرْتُ للتَّوّ)، وأيضًا في إنجيل لوقا 16: 17-18. ويبدو أنَّ رَأيَهُ عَنِ الطَّلاقِ كانَ مُنتشِرًا كانتشارِ النَّارِ في الهَشيم بسببِ الاهتمامِ الشَّديدِ في هذا الموضوعِ تَحديدًا.

لِذا، أعتقد أنَّ ما كانوا يَأملونَهُ هُنا هو أنْ يَقولَ يَسوعُ كَلِماتٍ قويَّة جِدًّا عنِ الطَّلاق، وأنْ يُنَفِّرَ النَّاسَ وَيُخيفَهُم؛ ولا سِيَّما أولئكَ الَّذينَ لا يَرغبونَ حَقًّا في سَماعِ هذا الرَّأي لأنَّهُمْ رُبَّما كانوا قد طَلَّقوا زَوجاتِهم. وهذا يَعني أنَّهُ سيقولُ لهم: "أنتُم مَجموعة مِنَ الزُّناةِ الخُطاة". وقد كانَ الفَرِّيسيُّونَ يَأملونَ في أنْ يُوْقِعُوا يَسوعَ في فَخِّ الرَّأيِ الضَّيِّقِ المُتَزَمِّتِ والمُتَشَدِّد حَتَّى يَهْدِموا شَعبيَّتَهُ بينَ النَّاسِ. فقد أرادوا أنْ يُظْهِروا يَسوعَ بِمَظهرِ الشَّخصِ غيرِ المُتسامِح. وقد أرادوا أيضًا أنْ يُظْهِروهُ بمظهرِ الشَّخصِ الَّذي لا يَخْضَعُ لأعظمِ تَعليمٍ لَدى مُعَلِّمي اليهودِ وأعظمِ تَعليمٍ لَدى الفَرِّيسيِّين. وقد كانوا يَأملونَ في أنْ يَتمكَّنوا مِنْ هَدْمِ مِصْداقيَّتِهِ مِنْ خِلالِ حَشْرِهِ في الزَّاوية وإظهارِهِ بمظهرِ الشَّخصِ المُتَصَلِّبِ والعَنيدِ والمُعادي للرَّأيِ السَّائد.

فقد كانوا يَتَمَنُّونَ أنْ يقولَ يَسوعُ وَحَسْب: "سوفَ أقولُ لكم الحقيقة المُجَرَّدة. لا يُمْكِنُكُم أنْ تُطَلِّقوا زوجاتِكُم لأيِّ سبب. فإنْ طَلَّقتَ زوجَتَكَ لأيِّ سببٍ غيرَ الزِّنى (كما قالَ في العدد 9) فإنَّكَ تَزْني. وَكُلُّ شخصٍ آخر يَتورَّط في ذلكَ يَزْني". فهذا هو تمامًا ما كانوا يأمَلونَ أنْ يَقولَهُ كَيْ يَبتعدَ الشَّعبُ عنهُ لأنَّهم لم يُريدوا أنْ يَقبلوا تَعليمًا كهذا. ولأنَّهُم مَجموعة مِنَ الخُطاةِ، فقد أرادوا دائمًا أنْ يَعيشوا في أَدنى مُستوىً مُمكِن. وقد كانوا يَأملونَ في أنْ يَرْفُضهُ النَّاسُ.

فَضْلاً عن ذلك، لم يَكُنِ اهتمامُهُم يَقْتَصِرُ على هَدْمِ مِصداقيَّةِ يَسوعَ فقط، بل إنَّهم أرادوا أيضًا أنْ يُميتوه. فقد أرادوا أنْ يَقتلوه. فَحَتَّى لو لم يُصَدِّق أيُّ شخصٍ ما قالَهُ، فإنَّهُ سيبقى شَوْكَةً في حُلوقِهم بسببِ تَصَدِّيهِ القويِّ لأخطائهِم مِنْ جِهَةِ الحياة والعقيدة. لِذا فقد أرادوا أنْ يُهْلِكوه. وقد تقول: "حسنًا! وكيفَ سَيَعْمَلُ سُؤالٌ كهذا على إِمَاتَتِه؟" سوفَ أقولُ لكم كيف.

نحنُ لا نَعرِفُ الكثيرَ عن بيريَّة، ولكِنَّنا نَعرِفُ بِضعةَ أشياءٍ عنها. فنحنُ نَعلمُ أنَّهُ كانت هناكَ مدينة تُسَمَّى "بيت عَنْيا" في عَبْرِ الأُرْدُنِّ. وهي مَذكورة في العهد الجديد. ونحنُ نَعلمُ أيضًا أنَّهُ كانت هناكَ قَلعة أو قَصْر يُدعى "مَكاريوس". وكانت قَلعة مَكاريوس تَضُمُّ سِجْنًا. وكانَ هيرودُس أنتيباس يَمْلك قَصْرًا هُناكَ يُشْبِهُ المَصْيَف. وكانَ لديهِ سِجْنٌ هُناكَ لِسَجْنِ المَساجين. وهُناكَ شخصٌ مَشهورٌ جِدًّا سَجَنَهُ هُناكَ وَهُوَ: "يوحنَّا المَعمدان". فقد كَانَ يُوحَنَّا المَعمدان سَجينًا. وكانَ مَسجونًا في قَلعة مَكاريوس في منطقة بيريَّة. وقد تقول: "وهل هذا مُهِمٌّ؟" أجل، إنَّهُ مُهِمّ. وسوفَ أُبَيِّنُ لكم السَّبب. افتحوا على الأصحاح 14 مِن إنجيل مَتَّى. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ هذا النَّصَّ. وسوفَ تَذكرونَهُ حينَ تَرَوْنَهُ.

فَهُوَ مُدهِشٌ جِدًّا إذْ نَقرأُ في العدد 3: "فَإِنَّ هِيرُودُسَ [أيْ: "هيرودُس أنتيباس" الَّذي كانَ حَاكِمًا في تلك المنطقة] كَانَ قَدْ أَمْسَكَ يُوحَنَّا وَأَوْثَقَهُ وَطَرَحَهُ فِي سِجْنٍ". لماذا؟ "مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا امْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ". وهذه جُملة مُهِمَّة جدًّا. فهل تَعلمونَ مَنْ كانَتْ هيروديَّا؟ لقد كانت هيروديَّا زَوجة هيرودس أنتيباس. وقد تَقول: "إذًا، لماذا يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّها كانت امرأة فيلُبُّسَ أخيه"؟ لأنَّها كانت زوجة أخيهِ فيلُبُّس قبلَ أنْ يُغْويها ويَسْرِقَها مِنْهُ. ولكِنَّ اللهَ لا يَعتَرِفُ في كَلِمَتِهِ بعلاقاتِ الزِّنى ولا يُسَمِّيها زَواجًا. هل تَفهمونَ ذلك؟

فعندما نَقرأُ في الكتابِ المقدَّسِ أنَّ هيروديَّا كانت زوجةَ أخيهِ فيلُبُّس، فإنَّ الأمرَ هكذا في عَينيِّ الرَّبِّ، وينبغي أنْ يبقى هكذا. ولكِنَّ ما حَدَثَ هُوَ أنَّ هيرودُس أنتيباس أَغوى زَوجَةَ أخيهِ، وأَخَذَها مِنْهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَها. وهي لم تكن فقط زَوجَةَ أخيهِ، بل كانَت تَرْبُطُهُ بها أيضًا قَرابَةُ دَمٍ. لِذا، لم يَكُنِ الأمرُ زِنىً فقط، بل كانَ سِفاحَ مَحارِمٍ أيضًا. لِذا، فقد كانَتْ عَلاقَتُهُ بها سِفاحَ مَحارِم وَزِنَى. وَهذانِ أمرانِ لا تَقْبَلهُما كلمةُ اللهِ. فهي تَذْكُرُ مَنْ هِيَ. فهي زَوجَةُ أخيهِ فيلُبُّس. فهي لا تُقِرُّ بِعلاقَةِ الزِّنى بينَها وبينَ هيرودُس.

وقد تَقول: "حسنًا! وما علاقَةُ ذلكَ بِحَديثِ يسوعَ عنِ الطَّلاق". انظروا إلى الآيَةِ الَّتي تَلي ذلك: "لأَنَّ يُوحَنَّا كَانَ يَقُولُ لَهُ: «لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ»". فهل تُريدونَ أنْ تَعلموا لماذا سُجِنَ يُوحَنَّا؟ لقد سُجِنَ لأنَّهُ تَحَدَّثَ عَنْ شَريعةِ اللهِ المُختصَّةِ بالطَّلاق. هل تَرَوْنَ السَّبب؟ فهذا هُوَ السَّببُ الَّذي سُجِنَ لأجلِه، وَالسَّبَبُ الَّذي قُطِعَ رأسُهُ لأجلِهِ في النِّهاية: لأنَّهُ وَاجَهَ ذلكَ الرَّجُلَ الشِّرِّيرَ وشريكَتَهُ الشِّريرة الَّتي اشْتَرَكَتْ مَعَهُ في الزِّنى (أيْ: هيروديَّا). فقد وَاجَهَهُما بخصوصِ حقيقةِ أنَّهُ لا يَحِلُّ أمامَ اللهِ أنْ يَفعلا ما فَعلاه. لِذا فقد قَطَعا رأسَهُ بسببِ ذلك.

والآن، إنْ كانَ يُوحَنَّا المَعمدان قد دَفَعَ حَياتَهُ ثَمَنًا للإيمانِ بذلك، وَثَمَنًا لمواجَهَةِ هيرودُس بخصوصِ ذلك، رُبَّما سيَقولُ يَسوعُ الرَّأيَ نَفسَهُ فَيُقْطَع رأسُهُ هو أيضًا. هل تَفهمونَ النُّقطة؟ لِذا، أعتقد أنَّهم كانوا يَجُرُّونَ يَسوعَ إلى نفس النُّقطةِ الَّتي يَقولُ فيها عَلَنًا إنَّ المَلِكَ الحاكِمَ على تلكَ المنطقة هو زَانٍ وخاطئ؛ وبذلك فإنَّهُ يُعَرِّضُ حَياتَهُ للخَطر. لِذا، لم يَكُنْ هذا السُّؤالُ عَشوائيًّا. هل تَفهمونَ ذلكَ الآن؟ فقد أرادوا أنْ يُفْقِدوهُ مِصداقِيَّتَهُ أمامَ الشَّعبِ، وأرادوا أنْ يُهْلِكوه. فهو هُجومٌ شِرِّير.

ولكنِّي أريدُ مِنكم أنْ تُلاحِظوا رَدَّهُ. فهو رَدٌّ صَاعِقٌ في نَظري. وَهُوَ رَدٌّ عميقٌ وَفَطِن. وَهُوَ يُفْلِتُ مِنْ فَخِّهِمْ بطريقة بَديعة. فهو أمرٌ سَهْلٌ جِدًّا بالنِّسبةِ إليه. فهو الله. ولكِنَّهُ بالنِّسبةِ إلينا نُبوغٌ شَديد. وإليكُم ردَّهُ. فالهُجومُ جاءَ في العدد 3. والجَوابُ جاءَ في الأعداد 4-6: "فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ [وأنا أُحِبُّ ذلك]: «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْـثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ»".

فيسوعُ لم يُجِبْ عن سُؤالهم حالاً مِنْ وُجهةِ نَظَرِهِ الشَّخصيَّة. بل إنَّهُ تَجاوَزَ نَفسَهُ، وتَجاوَزَ التَّقاليدَ، وتَجاوَزَ مُعَلِّمي اليهودِ، وتَجاوَزَ الأشياءَ المُتعارَف عليها. فقد رَجَعَ إلى اللهِ. وَهُوَ يَقولُ: "دَعوني أقْتَبِس لَكُمْ ما قالَهُ اللهُ". ومِنْ خِلالِ ما قالَهُ، وَضَعَ الأمرَ في مَنْظورِهِ الصَّحيح. فهو يقولُ: "إنَّ جِدالَكُمْ ليسَ مَعي أنا، بل إنَّ كلمةَ اللهِ هي الأساسُ لهذهِ المسألة. وكلمةُ اللهِ هي الخَطُّ الفاصِل. فَلْنَرْجِع إلى كلمة الله". ثُمَّ كَمْ أُحِبُّ طَريقَتَهُ في ابتداءِ الكَلامِ إذْ إنَّهُ رَدَّ رَدًّا سَاخِرًا جِدًّا. فَهُمْ يَصْرِفونَ كُلَّ وقتِهم في قراءةِ الأسفارِ المُقدَّسةِ، وتَفسيرِها. وَهُوَ يَقولُ بِسُخرية: "أَمَا قَرَأْتُمْ؟"

وأنتُم تَعلمونَ أنَّهم كانوا يَقرأونَها. وَهُوَ يَقتبِسُ مِنْ سِفْر التَّكوين 1: 27، وَمِنْ سِفْر التَّكوين 2: 24. وَهُوَ يَقولُ: "أَمَا قَرَأْتُمْ؟" وَهُوَ يُشيرُ إلى جَهْلِهِم المُطْبِق. وقد كانت تلكَ صَفعة إلى كِبريائِهم الدِّينيَّة، والى تَبَجُّحِهِم بمعرفةِ النَّاموسِ. وعِوَضًا عَنْ تأكيدِ ذلك فإنَّهُ يَدينُهُم بسببِ جَهْلِهِمِ المُطْبِق. فأنتُم يا مَعْشَرَ الأذكياءِ جدًّا، وَيا مَنْ تَدَّعونَ أنَّكُم تَحفظونَ النَّاموسَ وتُراعونَهُ، ويا مَنْ تُفَسِّرونَ النَّاموسَ: "أَمَا قَرَأْتُمْ حَتَّى ما ذُكِرَ في البِداية؟" ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ كَلامَهُ مُقْتَبِسًا كلامَ اللهِ في سِفْر التَّكوين. وَهُوَ يُقَدِّمُ الجُزءَ الرَّئيسيَّ الَّذي سَيكونُ مِحْوَرَ كَلامِنا في هذا الصَّباحِ إذْ يَذكُرُ أربعةَ أسبابٍ تُبَيِّنُ لماذا لا يَحِلُّ الطَّلاقَ لأيِّ سَبب. وَهُوَ يَقولُ: "لِنَسْمَعِ الجَوابَ مِنَ اللهِ". وَلْنَرَ مَا يَقولُهُ اللهُ وَحَسْب".

فهناكَ أربعةُ أسبابٍ تُبَيِّنُ لِماذا لا يَحِلُّ الطَّلاق. السَّبَبُ الأوَّل: أنَّ اللهَ خَلَقَ رَجُلاً واحدًا لأُنثى واحدة. هل فَهِمْتُم ذلك؟ فقد خَلَقَ رَجُلاً واحدًا لامرأة واحدة. انظروا إلى ذلك في العدد 4. وَهُوَ يَقْتَبِسُ مِنْ سِفْر التَّكوين 1: 27: "أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْـثَى؟ والكلمة المُستخدَمَة هُنا هِيَ "خَلَقَ". فهو يقول: "أمَّا قَرأتُم عَنِ الخَلْقِ، أيُّها الرِّجالُ الفُهماء؟ ألا تَعرفونَ عن ذلك؟ ألم تَقرأوا ذلكَ النَّصَّ؟ هل تَذكرونَ ما يَقول؟ أنَّهُ "خَلَقَهُما ذَكَرًا وأُنثى"؟

وبالمُناسبة، فإنَّ مَوْقِعَ الكلمتَيْن "ذَكرًا وأُنثى" يُؤكِّدُ أنَّ التَّركيزَ في الجُملة يَنْصَبُّ عليهِما. فالكلمتَيْنِ "ذَكرًا وأُنثى" هُما النُّقطة الجوهريَّة. وكما تَرَوْنَ، عندما قامَ اللهُ بعَمَلِ الخَلْقِ، خَلَقَ آدَمَ وَخَلَقَ حَوَّاءَ. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. هل تَفهمونَ ذلك؟ آدَم وحَوَّاء. فهذا هو كُلُّ شيء. فلم يَكُنْ هُناكَ أشخاصٌ احتياطِيُّون. فهو لم يَخْلِق آدَم وحَوَّاء و "إيثيل" (Ethel) تَحَسُّبًا. وهو لم يَخلِق آدم وحوَّاء و "ألبيرت" (Albert) تَحَسُّبًا. وهو لم يَخلِق ثمانية أشخاص، أو تسعة، أو سبعة، أو ثلاثةَ عَشَرَ شخصًا، أو ثلاثة، ولم يَقُل لآدَمَ وَحَوَّاء: "جَرِّبَا أنْ تُنْجِحا العلاقة. وإنْ لم تَنجَح، جَرِّبَا شخصًا آخر". بل إنَّهُ عندما خَلَقَ اللهُ الإنسانَ، خَلَقَ آدَمَ وحَوَّاءَ وَحَسْب. نُقْطَة! فلم يَكُن هناكَ أشخاصٌ احتياطِيُّونَ. ولم تَكُن هناكَ خِياراتٌ. ولم تَكُن هناكَ بَدائِل. وقد كانَ هذا هُوَ قَصْدُ اللهِ مُنذُ البداية: رَجُلٌ واحِدٌ. وامرأة واحدة. وخُطَّة إلهيَّة. ولا بَديل.

فهو لم يُخَطِّط لِتَعَدُّدِ الزَّوجاتِ. وهو لم يُخَطِّط للطَّلاقِ بأنْ خَلَقَ أشخاصًا احْتياطِيِّين. ويبدو لي أنَّ هذهِ النُّقطة واضحة جِدًّا. فلم يكن هناكَ أيُّ شخصٍ آخر. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الطَّلاقَ بينَ آدَمَ وَحَوَّاءَ لم يَكُن شيئًا يُنْصَحُ بِهِ. هل تَفهمونَ ذلك؟ فالحياةُ قد تَكونُ مُوْحِشَة جِدًّا في الجَنَّة. فلم يَكُن هناكَ خِيار. ولو أنَّهُما تَطَلَّقا، يا أصدقائي، لانْتَهى سِفْرُ التَّكوين مِنَ الأصحاحِ الأوَّل، ولانْتَهى كُلُّ شيءٍ آخر. ولكِنْ لم يَكُن هُناكَ خِيار. وهذه هي النُّقطة الجوهريَّة في ما قالَهُ.

فعندما خَلَقَهُما، خَلَقَهُما ذكرًا وأنثى. وهذا هو كُلُّ ما في الأمر. فهو لم يَخلِق رَجُلاً وامرأتين. ولم يَخلِق أربعةَ أشخاصٍ يُمكن أنْ يُنْجِحا الزَّواجَ بأفضل طريقة مُمكِنَة. فَهُوَ أمرٌ واضحٌ جِدًّا. لِذا، في حالة آدم وحَوَّاء، لم يكن الطلاقُ خاطئًا فقط، بل كانَ لا يُنْصَحُ بِهِ قَطّ. وليسَ هذا وحسب، بل كانَ مُستحيلاً. فقد كانَ مُستحيلاً تمامًا. فلم تكن هناكَ أيُّ بَدائِل. ولم يكن هناكَ مَكانٌ يَذهبانِ إليه، ولا أحد يَتحدَّثان إليه، ولا شيء. وهذه هي الطريقة الَّتي قَصَدَها اللهُ في الأصل. فلو لم تَنْجَحِ العلاقةُ بينَ الاثنين، لم يَكُن هناكَ بَشَر. وهذا هُوَ قَصْدُ اللهِ مِنْ خَلْقِ الإنسان: أنْ لا يكونَ هُناكَ خِيار، وأنْ يكونَ الاثنان واحِدًا لا انفصالَ بينَهُما. هل تَفهمونَ ذلك. رَجُلٌ واحدٌ وامرأة واحدة خُلِقا بتلكَ الطريقة.

وعندما فَعَلَ اللهُ ذلك، أرسَلَ مُذَكِّرَةً إلى التَّاريخِ البشريِّ بأسرِه بخصوصِ كيفَ ينبغي أن يكونَ الزَّواج: رَجُلٌ واحدٌ، وامرأة واحدة، وبلا أيِّ خِيارات، وفي اتِّحادٍ لا انفصالَ فيه. وإنْ كانَتِ البَدائِلُ قد وُجِدَت لاحقًا، فإنَّ هذا لا يعني أنَّ خُطَّةَ اللهِ الأصليَّة قد تَغَيَّرت. هل تَفهمونَ ذلك؟ فهذا لم يُغَيِّر الخُطَّة. فاللهُ لم يَشَأ قَطّ أنْ يَتَزَوَّجَ أيُّ شخصين وأنْ يَبْحَثا هُنا وَهُناك عَسَى أنْ يَجِدا شخصًا أفضل. فهذا ليسَ بَديلاً قَصَدَهُ اللهُ يومًا. وهذا وَاضِحٌ مِنْ خِلالِ خَليقَتِه.

والسَّببُ الثَّاني الَّذي يُبَيِّنُ لِماذا لا يَحِلُّ الطَّلاق لأيِّ سَبَبٍ هُوَ الرِّباطُ القَوِيُّ. فالسَّببُ الأوَّلُ هو أنَّ اللهَ خَلَقَ رَجُلاً واحدًا فقط لامرأة واحدة. والسَّببُ الثَّاني هو الرِّباطُ القَويُّ. فعندما أَحْضَرَ اللهُ الرَّجُلَ الواحِدَ إلى المرأةِ الواحدة، جَمَعَهُما مَعًا حَقًّا. فنحنُ نَقرأُ في العددِ الخامِس: "مِنْ أَجْلِ هذَا [أيْ مِنْ أجلِ هذا الاتِّحادِ بينَ الذَّكَرِ والأُنثى] يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ".

فهو يَترُكُ إذْ يَنْفَصِلُ عن بيتِ أَهْلِهِ، ويَلْتَصِقُ بزَوجَتِهِ. وهذا مَذكورٌ في سِفْر التَّكوين 2: 24. والآن، لقد انتقلنا مِن تَكوين 1: 27 إلى تَكوين 2: 24، ولكِنَّنا ما زِلْنا نَرى الإعلانَ الأوَّلَ في الكتابِ المُقدَّسِ قبلَ سُقوطِ الإنسان. وهذا هُوَ تَرتيبُ اللهِ الرَّائع. وهذا هو قَصْدُ اللهِ الكامِل. فقد كانَ ينبغي للرِّجالِ أنْ يَترُكوا آباءَهُم وأُمَّهاتِهم ويَلتَصِقوا بِزوجاتِهم.

والكلمة "يَلْتَصِق" هي الكلمة الَّتي نُريدُ أنْ نُرَكِّزَ عليها. فهي تَعني في الأصل: "أنْ يَتَّحِدَ في رِباطٍ لا يَنْفَصِل". فهي كلمة تُستخدَمُ في الأصل للإشارة إلى الغِراء. وهي تَعني: "يَلْتَصِق بإحْكام". وقد تَقولُ: "إنَّني مُلْتَزِمٌ بهذا النَّصِّ الكِتابِيِّ وأنا مُلْتَصِقٌ بهذهِ المرأة مُنذُ 25 سنة". آسِفٌ، ولكِنَّ هذا هُوَ المَعنى المَقصود تَمامًا. وَهُوَ التصاقٌ سَعيدٌ وليسَ التصاقًا تَعيسًا. فهذه هي الفكرة هنا. ولكِنَّكَ مُلْتَصِقٌ. فأنتَ تَلْتَصِقُ بها. وهذهِ هي الفِكرةُ مِنَ اللَّاصِق. والحقيقة هي أنَّ هُناكَ تَرْجَمَة لا أَذكُرُ اسمَها، ولكنِّي قَرأتُ تَرجمةً تَستخدِمُ الكلمة "يَلْتَصق" في تَكوين 2 للإشارة إلى ذلك. فالرَّجُلُ ينبغي أنْ يَلْتَصِقَ بِزوجَتِه".

والكلمة تَضُمُّ أيضًا فِكرةً أخرى تأخُذُنا إلى العُمقِ أكثر قليلاً إذْ إنَّها تُستخدَمُ أيضًا للإشارة إلى السَّعيِ الدَّؤوبِ وراءَ شيءٍ ما. لِذا فإنَّنا نَجِدُ هُنا الفِكرةَ بأنَّ هُناكَ شَخصَيْنِ مُلتَصِقَيْن. وَهُما كذلكَ لأنَّ كُلًّا مِنْهُما سَعَى جَاهِدًا إلى الالتصاقِ بالآخر. لِذا فإنَّ لَدينا هُنا قَلبَيْنِ مُكَرَّسَيْنِ تَمامًا أَحَدُهما للآخَرِ بِكُلِّ مَحَبَّة. وَهُما مُلتصقِانِ معًا بِرباطٍ لا يَنفصِل. فَهُما مُلتصِقانِ في الذِّهنِ، ومُلتصِقانِ في الإرادة، ومُلتصقانِ في الرُّوح، ومُلتصقانِ في العاطفة.

وأعتقد أنَّ هناكَ تَلميحًا جميلاً لهذا القَصْدِ الإلهيِّ في الخليقةِ الأصليَّةِ تَجِدُ التَّعبيرَ عنها في اللُّغة العِبريَّة. فَهُناكَ كَلِمَة للزَّواج. والكلمة الَّتي يَستخدِمونها للزَّواجِ في اللُّغة العِبريَّة هي: "كيدوشين" (kiddushin). وهي كلمة رائعة جدًّا. ومَعنى الكلمة "كيدوشين" في الأصل هو: يُكَرِّس، أو: "يُقَدِّس". والكلمة يُكَرِّس تَعني: "يَفْرِزُ شيئًا للهِ". والتَّقديسُ يَعني الشَّيءَ نَفسَهُ: أيْ أنْ تَفْرِزَ شيئًا للهِ. فنحنُ نَتحدَّثُ عنِ التَّكريسِ للهِ أوِ التَّقديسِ لَهُ؛ أيْ عَنْ فَرْزِ أنفُسِنا لَهُ بأنْ نَكونَ مُقَدَّسين. وهذا يعني أنْ ننْتَمي فقط للهِ.

وعندما كانَ اليهودُ يَقولونَ إنَّ شيئًا ما هو "كيدوشين"، كانوا يَعنونَ بذلك أنَّهُ مُخَصَّصٌ للهِ. فأيُّ شيءٍ مُخَصَّصٌ للهِ تَمامًا هُوَ "كيدوشين". وهذهِ هي نفسُ الكلمة الَّتي يَستخدمونَها للزَّواج. لِذا فإنَّ الَّزواجَ هو تَكريسُ شَخصينِ أحَدُهُما للآخر. وَهُوَ تَكريسٌ يَعني: "أنا مُنْفَصِلٌ تمامًا ومُفْرَزٌ عَنْ أيِّ شيءٍ آخَر لأكونَ لَكَ. فأنا مُخَصَّصٌ وَمُكَرَّسٌ بالكامِلِ لَكَ". إذًا، فهو اتِّحادٌ بينَ شخصينِ يُكَرِّسُ كُلٌّ منهما نَفسَهُ للآخر، ويَصيرُ كُلٌّ مِنهُما مِلْكا للآخر.

لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 7 إنَّكَ لستَ مِلْكًا لنفسِك، بل أنتَ مِلْكٌ لِشَريكِ حَياتِكَ. وشَريكُ حَياتِكَ هُوَ مِلْكٌ لَكَ. فهي علاقة مُتبادَلة. وهي تَعني أنْ أُخَصِّصَ نَفسي تَمامًا لشريكِ حَياتي. فهذا هو مَعنى الكلمة "كيدوشين". وأنا أرى أيضًا في هذهِ الكلمة اليهوديَّة فِكرةَ أنَّ الزَّواجَ لا يَعني فقط فَرْزَ كُلِّ زَوْجٍ للآخر، وتَكريسَ كُلٍّ مِنهُما للآخر وَحَسْب، بل إنَّها تَعني أيضًا أنَّهُما يَفْرِزانِ ويُكَرِّسانِ ذلكَ الاتِّحادَ بينَهُما للهِ. وهذا هُوَ أَسْمى جَانِبٍ في الزَّواج.

لِذا، عندما كانوا يَتحدَّثونَ عنِ الزَّواجِ في اللُّغةِ العِبريَّة، كانوا يَعْنونَ التَّكريسَ الكامِل، والفَرْزَ الكامِل، والتَّخصيصَ الكامِل، والتَّقديسَ الكامِل حيثُ يَصيرُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الزَّوجَيْنِ مِلْكًا كامِلاً وَحَصْرِيًّا للآخر على غِرارِ الذَّبيحةِ الَّتي كانَ اليهودُ يُحضِرونَها إلى المَذبحِ بِوَصْفِها "كيدوشين" للهِ. لِذا، فإنَّ الزَّواجَ يعني أنَّني أُقَدِّمُ نفسي تمامًا، وبصورة كاملة وشاملة، لِشريكِ حَياتي. فهذا هو مَعنى الزَّواج. وهو اتِّحادٌ لا يَنْفَصِل ولا يوجد فيهِ خِيارٌ آخر. وهو رِباطٌ قَوِيٌّ يَلتصِقُ الواحِدٌ فيهِ بالآخر: ذَكَرًا واحدًا وأُنثى واحدة.

وهناكَ سَبَبٌ ثالثٌ يُبَيِّنُ لماذا لا يَحِلُّ الطَّلاقُ وَهُوَ أنَّ الزَّوجينِ يَصيرانِ جَسَدًا واحدًا. فقد خَلَقَ اللهُ رَجُلًا واحدًا لامرأة واحدة. وَقَدْ جَمَعَهُما في رِباطٍ قَوِيٍّ. وثالثًا: أنَّهُما يَصيرانِ جَسَدًا واحِدًا. فهو يَقولُ في نهايةِ العدد 5: "وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ". والنُّقطة مِنَ الجُملة الثانية (أيْ أنَّهُما "ليسا بَعْدُ اثنين") هي كالتَّالي: لا يُمْكِنُكَ أنْ تَقْسِمَ الواحِد على نفسِه. فالرَّقْمُ "واحد" لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ على نَفسِه. وَالزَّوجانِ ليسا بعد اثنين. لِذا، لا يُمكنكَ أنْ تَفْصِلَ بينَهُما. فقد صارا واحدًا. والرَّقْمُ "واحِد" لا يَقْبَلُ القِسمة. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَحصُلَ على نِصْفِ شخص. فَنِصْفُ الشَّخصُ هُوَ "لا أحد". فقد صارا جسدًا واحدًا مِنْ خِلالِ اتِحادِهِما في الزَّواج. وَهُوَ رَقْمُ لا يَقْبَلُ القِسمة.

والآن، قد تَقول: "وما مَعنى أنَّهُما صارا شخصًا واحدًا؟" أعتقد أنَّها فِكرة إلهيَّة. فعندما يَتَّحِدُ شخصان معًا، فإنَّهما يَصيرانِ حَرفيًّا في نَظَرِ اللهِ شخصًا واحدًا ... شخصًا واحدًا. فَهُما يَتَخَلَّيان عن نَفسيهِما، كُلٌّ لأجلِ الآخر. وَكُلٌّ مِنْهُما يَصيرُ مِلْكًا للآخر. فَهُما واحِدٌ في الفِكر، والرُّوح، والأهداف، والتَّوَجُّه، والعاطفة، والمشاعر، والإرادة. وهذهِ الوَحْدَة تَظْهَرُ بأفضلِ صُورة في الطِّفل الَّذي يُنْجِبانَه لأنَّهُ رَمْزٌ كامِلٌ لاتِّحادِهِما. فَذلكَ الطِّفلُ يَحْمِلُ كُلَّ سِماتِ اتِّحادِهِما معًا ويَصيرُ نَموذَجًا أو رَمْزًا أو صُورةً لِوَحْدَتِهِما.

والواحِدُ رَقْمٌ لا يَقْبَلُ القِسمَة. فلا يُمكِنُكَ أنْ تَتحدَّثَ عَنْ فَصْلِ شَخصين مُتَزَوِّجَيْن. فعندما تَفْسَخُ زَواجًا، فإنَّكَ تَقْسِمُ شخصًا واحِدًا إلى نِصْفَيْن. وما الَّذي تَحصُلُ عليه؟ إنَّكَ تَحصُلُ على نِصْفَيْن. وهذا لا يُشَكِّلُ أَحَدًا (إنْ استخدمنا الاستعارَةَ نَفسَها).

وأخيرًا، أوِ السَّببُ الرَّابعُ، وَهُوَ في نَظري النُّقطةُ الجوهريَّة إذْ إنَّهُ أقوى سَبَبٍ كِتابِيٍّ يُبَيِّنُ أنَّ الطَّلاقَ لا يُعَبِّرُ عَنْ شَوْقِ قَلبِ اللهِ، وَهُوَ مَذكورٌ في نِهايةِ العدد 6: "فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ". والكلمة "يُفَرِّق" الَّتي نَستخدِمُها كثيرًا هي "كوريتزو" (chorizo) ومَعناها: "يُطَلِّق". وهي تُستخدَم في رسالة كورنثوس الأولى 7: 11. فهي الكلمة نَفسُها. وهي تَعني: يُطَلِّق". فما جَمَعَهُ اللهُ، لا تُطَلِّقْهُ.

ولِعِلْمِكُم، فقد سَمِعْتُ أُناسًا يُسيئونَ كثيرًا استخدامَ هذهِ الآية. وَحَتَّى إنَّني قَرأتُها في كُتُبٍ يَقولُ كُتَّابُها: "هذا هُوَ المَنْفَذُ الَّذي كُنَّا نَبْحَثُ عَنْهُ، أيُّها النَّاسُ، لأنَّ اللهَ لم يَكُنْ مُوافِقًا على هذا الزَّواجِ في الأصل. لِذا، يُمْكِنُنا أنْ نَتَطَلَّق". ولا يَسَعُني أنْ أقولَ لكم كَمْ مَرَّة سَمِعْتُ أُناسًا يَقولونَ ذلك. وقد قَرأتُ ذلكَ في كُتُب: "اللهُ لم يَكُنْ مُوافِقًا على زَواجِنا في الأصل. لِذا، يُمكِنُنا أنْ نَتَطَلَّق".

وهذهِ غَباوَة. وهذا كَلامٌ غيرُ كِتابِيّ. وهذا كَلامٌ يُناقِضُ القَصْدَ الكُلِّيَّ لهذا المَقطَع. وقد تقول: "ما الَّذي تَعنيه؟" إنَّ هذهِ الآية لا تَتحدَّثُ عن نَظرَتِنا بَعْضُنا إلى بعض، بل إنَّ اللهَ يُبَيِّنُ الحَقَّ المُختصَّ بالزَّواج. واللهُ قالَ: "أنا مَنْ أَعْقِدُ الزِّيجاتِ. وَلا يَجوزُ لَكُمْ أنْ تَفْسَخوها". وَهُوَ لا يَتحدَّثُ بالضَّرورة عنِ الزِّيجاتِ المسيحيَّة أوِ الزِّيجاتِ غير المسيحيَّة. بل إنَّهُ يَقول: "أنا أَعْقِدُ الزِّيجاتِ. وأنا أُوَحِّدُ النَّاسَ معًا في رِباطٍ واحِد". فالزَّواجُ مُؤسَّسَة أَسَّسَها اللهُ. فاللهُ هُوَ الَّذي جَعَلَ كُلًّا مِنَ الرَّجُلِ والمرأةِ يُكَمِّلُ أَحَدُهُما الآخر حَتَّى يَتَّحدا مَعًا، ويَستمتِعُ كُلٌّ مِنهُما بالآخر، ولكي يُكَمِّلَ الواحِدُ الآخر، ويُقَوِّي الواحِدُ مِنهُما ضَعْفَ الآخر، ولكي يُنْجِبا أطفالاً، ولكي يَملأَ نَسْلُهُما العالَم. وأنا أُوْمِنُ أنَّ الزَّواجَ مُعجِزة مِنَ اللهِ مُتَمَثِّلة في كُلِّ اتِّحادٍ قائِمٍ.

ففي كُلِّ مَرَّة يَتَّحِدُ فيها زَوْجانِ مَعًا، ويَختبران فيها فَرَحَ الشَّرِكَة معًا، أو فَرَحَ الصَّداقةِ بينَهُما، أو فَرَحَ الجِنْسِ، أو أيَّ شيءٍ آخر، فإنَّهما يَختبرانِ مُعجزةَ اللهِ. وهي مُعجِزَةُ أنَّهُ يجب على الرَّجُل أنْ يُحِبَّ المرأة، ويجب على المرأة أنْ تُحِبَّ الرَّجُل حَتَّى يُضَحِّي كُلٌّ منهُما بنفسِهِ لأجلِ الآخر في مِلْءِ هذهِ العلاقةِ ذاتِ المَغزى الَّتي أَسَّسَها اللهُ.

وَحَتَّى إنَّ الأشخاصَ غيرَ المُؤمِنينَ يَستطيعونَ أنْ يَستمتعوا بالفرحِ والعلاقةِ ذاتِ المَغزى لهذا الاتِّحادِ المُحِبِّ. ونحنُ نَعلمُ ذلك. وهذهِ مُعجزة مِنَ اللهِ. وهي تَسري على كُلِّ زَواجٍ. فالآيةُ لا تَتحدَّثُ عَنِ الأشخاصِ الَّذينَ تَزَوَّجوا بحسبِ مَشيئةِ اللهِ. فهذا ليسَ موضوعَ الآية هُنا. بل إنَّها تَقولُ ببساطة إنَّهُ في البداية قالَ اللهُ: أنا أَعْقِدُ الزِّيجات". وعندما تُطَلِّقُ شَريكَ حَياتِكَ (حَتَّى لو كُنتَ وَثنيًّا) فإنَّكَ تَفْسَخُ شيئًا أَسَّسَهُ اللهُ؛ تَمامًا كما قد يَفعلُ المَسيحيُّونَ الَّذينَ يُطَلِّقونَ شَريكَ الحَياة.

ويُمْكِنُكُم أنْ تُقارِنوا ذلكَ بِطِفْلٍ قد وُلِد. فأنا أُوْمِنُ أنَّ كُلَّ طِفْلٍ يُولَدُ في العالَم هُوَ خَليقَةُ اللهِ. هل تُؤمِنونَ بذلك؟ فاللهُ خَلَقَ كُلَّ شخص. ولا يَهُمُّ إنْ كانَ كِلا الأبَوَيْنِ مُؤمِنَيْن. ولا يَهُمُّ إنْ كانا وَثَنِيَّيْنِ يَعيشانِ في قَبيلةٍ مَا في إفريقيا ولا يَعرِفانَ شيئًا عَنِ الله. فذلكَ الطِّفلُ مُعجِزَة مِنَ الله. والشَّيءُ نَفسُهُ يَسري على الزَّواج. فالزَّواجُ الَّذي يُنْشِئُ طِفْلاً هُوَ عَمَلٌ مِنَ اللهِ حيثُ يَتَّحِدُ شَخصانِ يُكَمِّلُ أَحَدُهُما الآخَرُ لكي يَتَمَتَّعا بِمِلْءِ الحياةِ البَشريَّة. لِذا فإنَّهُ أيضًا عَمَلٌ إلهِيٌّ.

لِذا فإنَّني أقولُ الآتي: الإجهاضُ بالنِّسبة إلى وِلادَةِ طِفْلٍ يُشْبِهُ الطَّلاقَ بالنِّسبة إلى الزَّواج. فكما أنَّ الإجهاضَ يَقتُلُ خَليقةَ اللهِ، فإنَّ الطَّلاقَ يَفعلُ ذلكَ أيضًا. وهذا هو تَمامًا مَعنى هذهِ الآية: "فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ". فلا يَجوزُ لَكَ أنْ تَفْسَخَ زَواجًا، يا صَديقي، سَواءٌ كانَ هذا الزَّواجُ زَواجَكَ أوْ زَواجَ شخصٍ آخر. فلا يَجوزُ لكَ أنْ تَفعلَ ذلكَ لأنَّكَ تَعْبَثُ بِعَمَلِ اللهِ العَظيمِ الَّذي أَسَّسَ الزَّواج.

لِذا فقد قالوا ليسوع: "هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟" فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: "استمعوا إلى ما قالَهُ اللهُ. فما قالَهُ اللهُ هُوَ الآتي: رَجُلٌ واحدٌ، وامرأة واحدة، مِنْ دونِ بَدائِل". فَما تَحَدَّثَ اللهُ عَنْهُ هُوَ الرِّباطُ المَتين. وما تَحَدَّثَ اللهُ عنهُ هُوَ أنَّهُما يَصيرانِ جَسَدًا واحِدًا، وَرَقْمًا لا يَقْبَلُ القِسمة. وما قالَهُ اللهُ هُوَ: "أنا أَعْقِدُ الزِّيجات. وإنْ فَسَخْتُموها، فإنَّكُم تَفْسَخونَ شَيئًا صَنَعْتُهُ أنا. وأنتُمْ تَضَعونَ أنفُسَكُم في مَوْقِفٍ حَرِجٍ جِدًّا جدًّا".

لِذا، في المَرَّةِ القادمةِ الَّتي تُحاوِلُ فيها أنْ تَعْبَثَ مَعَ زَوجةِ رَجُلٍ آخر، تَذَكَّر وَحَسْب أنَّكَ إنْ فَسَخْتَ زَواجًا، تَكونُ قد فَسَخْتَ شيئًا صَنَعَهُ اللهُ. ولا تَقُلْ لَنا أيَّ هُراءٍ عَنْ أنَّ اللهَ قَادَكَ إلى ذلكَ الشَّيء. فَكَمْ أَكْرَهُ أنْ أَسمَعَ ذلك! "اللهُ قَادَ كُلًّا مِنَّا إلى فَسْخِ زَواجِهِ وإلى الاتِّحادِ مَعًا". لا، إنَّهُ ليسَ الرَّبّ. بل إنَّكُما تَعَدَّيتُما على ما صَنَعَهُ الرَّبُّ مِنْ خِلالِ ما فَعَلْتُما.

لِذا فإنَّ ما يَفْعَلُهُ يَسوعُ هُنا هُوَ أنَّهُ يُرْجِعُ هؤلاءِ إلى البِداية. وعِوَضًا عَنْ أنْ يَفْقِدَ مِصداقِيَّتَهُ عِنْدَ الشَّعبِ، فإنَّهُ يُعَزِّزُها. أليسَ كذلك؟ لأنَّ كُلَّ ما يَقولُهُ هُوَ ما قالَهُ اللهُ في الكتابِ المقدَّس. وَهُوَ يَجْعَلُ هؤلاءِ الفَرِّيسيِّينَ يَبدونَ أغبياء بأنْ يَقولَ لَهُم: "أَمَا قَرَأْتُمْ هذا؟ وأنا أقولُ لَكُم الشَّيءَ نَفسَهُ". فقبلَ أنْ تُفَكِّروا في الطَّلاقِ، وعندما تَجلِسونَ وَتُحاوِلونَ أنْ تُقَرِّروا صَوابِ الطَّلاقِ أوْ عَدَمِ صَوابِه، هل قَرأتُم هذا؟ فَهُوَ واضِحٌ جدًّا.

هذا هُوَ جَوابُهُ. ولكِنَّ هذا ليسَ الجَوابَ كُلَّهُ. وسوفَ نُتابِعُ ذلكَ في المَرَّة القادِمَة. دَعونا نَحني رُؤوسَنا معًا للصَّلاة:

أبانا، نحنُ نَعلَمُ أنَّ العالَمَ يَضْغَطُ علينا بسهولة شديدة لِفَرْضِ آرائِهِ علينا، ولِجَعلِنا نَتَشَكَّلُ على شَاكِلَتِه، ولكي يُخيفَنا ويَجْعَلَنا نُصَدِّق نَظَرِيَّاتِهِ، ولكي يُغْرِقَنا في بَحْرٍ مِنَ الأكاذيب. ولكِنْ، يا رَبّ، ساعِدنا على أنْ نَكونَ ثَابِتينَ في كَلِمَتِكَ، وفي حقيقةِ أنَّكَ أنتَ مَنْ أَسَّسْتَ الزَّواجَ بينَ شَخْصَيْنِ مَدى الحياة مِنْ دُوْنِ وُجودِ بَدائل حَتَّى يَجْتَهِدَ كُلٌّ منهُما لأجلِ الحِفاظِ على الآخر، وَحَتَّى يُحافِظا معًا على الرِّباطِ القويِّ بينَهُما، وحَتَّى يكونانَ جَسَدًا واحدًا، وحَتَّى يَعيشانِ حَياة مُفعمة بالحماسةِ والفرحِ النَّابِعَيْنِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِما صَنَعَهُ اللهُ. وعِوَضًا عنْ أنْ يَهْدِما ما صَنَعَهُ اللهُ، أنْ يُكَرِّسا نَفسيهِما لِلحفاظِ على ذلك. بارِك كُلَّ زَواجٍ في هذا المكان. ويا أبانا، فيما يَختصُّ بِكُلِّ شَخصٍ خَرَجَ مِنْ زَواجٍ مَفسوخ، اشْفِ جِراحَهُم، وامنحهم قلبًا تائبًا وَرَغبةً قلبيَّةً في أنْ يَسلُكوا مُنذُ هذهِ اللَّحظة فصاعدًا في مَشيئَتِك. نَشكُرُكَ لأنَّكَ تَرُدُّنا.

ويا أبانا، ساعِدنا على التَّمَسُّكِ دُونَ تَزَعْزُع بِمعيارِ الحَقِّ الَّذي وَضَعْتَهُ أنتَ، وعلى تَطبيقِهِ في عالَمِنا المُشَوَّش، وعلى أَلَّا نُخَفِّضَ المِعيارَ، ولا نُغَيِّرَهُ؛ بل أنْ نَتْرُكَهُ حيثُ وَضَعْتَهُ أنتَ. أعْطِنا نِعمةً كي نَكونَ مُطيعينَ للحَقِّ، وامْنَحْنا القُوَّةَ للمُناداةِ بِهِ. ونحنُ نُصَلِّي أنْ تَؤولَ طَاعَتُنا لَكَ إلى تَمجيدِك.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize