Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نأتي الآنَ إلى التَّأمُّلِ في كلمةِ اللهِ والاستماعِ إلى ما قالَهُ اللهُ في صَفْحاتِ الكتابِ المقدَّس. وإنجيلُ لوقا والأصحاح الحادي عَشر هُوَ نَصُّنا. ونحنُ نَتأمَّلُ في الأعداد 5-13. وهذا مَقطعٌ غَنِيٌّ ومُشَجِّعٌ جدًّا جدًّا مِنَ الكتابِ المقدَّس.

واحدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي كُنتُ أتمنَّى أنْ تكونَ مُختلفة في العالم هو أنْ لا تكونَ الخدماتُ الكَنَسِيَّة مُحَدَّدَةَ الوقتِ كما هي الحالُ في مُجتمَعِنا. فواحدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي أَتَمَتَّعُ بها حينَ أذهبُ إلى رُوسيا أو إلى أماكِن أخرى في العالم هو أنَّهُ يُمكنكَ أنْ تَعِظَ قَدْرَ مَا تَشاء مِنْ دون أنْ يُغادِرَ أحدٌ أوْ يُبالي بِطُولِ العِظَة. ولكِنْ مِنَ الضَّروريِّ في مُجتمعِنا (بسببِ نَظرتِنا إلى العِبادة) أنْ نَعِظَ مُدَّةَ خمسٍ وأربعينَ دقيقة، أو خمسينَ دقيقة، أو خمسٍ وخمسينَ دقيقة، أو على الأكثر ساعة واحدة أحيانًا قبلَ أنْ نَتوقَّف لأنَّ ضِيقَ الوقتِ يُرغِمُنا على الانتقالِ إلى الحَدَثِ الَّذي يَليه.

وبسببِ ذلك، لا يمكنكَ دائمًا أنْ تُقَدِّمَ النَّصَّ كاملاً لأنَّ اللهَ لم يَكتُب كِتابَهُ المُقَدَّس لكي يُوَزَّعَ في عِظاتٍ طُولُ كُلٍّ مِنها ساعة أو 45 دقيقة. فلا يُمكِنُنا أنْ نُحَدِّدَ كُلُّ الأشياءِ بالوقتِ هكذا. وحيثُ إنَّ الشَّيءَ الأهَمُّ هو ليسَ أنْ تَحرِصَ على أنْ يكونَ تَوقيتُكَ سَليمًا، بل أنْ تَحرِصَ على أنْ يكونَ تَفسيرُكَ للنَّصِّ صحيحًا، فإنَّ غِنى الكتابِ المقدَّسِ يَتَدَفَّقُ أُسبوعًا تِلو الآخر. وأنا أقولُ ذلكَ فقط لكي أعتذرَ للأشخاصِ الَّذينَ لم يكونوا مَعنا يومَ الأحدِ الماضي.

فقد صَرَفنا وقتًا رائعًا يومَ الأحدِ الماضي في التَّأمُّلِ في الجُزءِ الأوَّلِ مِنْ هذا النَّصّ. وأنا أنصَحُكُم وَحَسْب أنْ تَحصُلوا على الشَّريطِ أوِ القُرصِ المَضغوط المُتاح في الخارج لأنَّه واحدٌ مِن أروعِ وأجملِ المقاطعِ الكِتابيَّةِ المُشَجِّعة الَّتي دَرَسناها حَتَّى الآن في إنجيل لوقا الرَّائع. والآن، سوفَ نَعودُ ونُنهي هذا النَّصَّ في هذا الصَّباح. وسوفَ يكونُ هذا الدَّرسُ أيضًا بَرَكة لنا جميعًا.

واسمحوا لي أنْ أقرأَ النَّصَّ على مَسامِعِكُم ابتداءً بالعدد 5:

"ثُمَّ قَالَ لَهُمْ [أيْ يَسوعُ]: «مَنْ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ صَدِيقٌ، وَيَمْضِي إِلَيْهِ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُولُ لَهُ يَا صَدِيقُ، أَقْرِضْنِي ثَلاَثَةَ أَرْغِفَةٍ، لأَنَّ صَدِيقًا لِي جَاءَنِي مِنْ سَفَرٍ، وَلَيْسَ لِي مَا أُقَدِّمُ لَهُ. فَيُجِيبَ ذلِكَ مِنْ دَاخِل وَيَقُولَ: لاَ تُزْعِجْنِي! اَلْبَابُ مُغْلَقٌ الآنَ، وَأَوْلاَدِي مَعِي فِي الْفِرَاشِ. لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَقُومَ وَأُعْطِيَكَ. أَقُولُ لَكُمْ: وَإِنْ كَانَ لاَ يَقُومُ وَيُعْطِيهِ لِكَوْنِهِ صَدِيقَهُ، فَإِنَّهُ مِنْ أَجْلِ لَجَاجَتِهِ يَقُومُ وَيُعْطِيهِ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ.

"وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ: اسْأَلُوا تُعْطَوْا، اُطْلُبُوا تَجِدُوا، اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ. فَمَنْ مِنْكُمْ، وَهُوَ أَبٌ، يَسْأَلُهُ ابْنُهُ خُبْزًا، أَفَيُعْطِيهِ حَجَرًا؟ أَوْ سَمَكَةً، أَفَيُعْطِيهِ حَيَّةً بَدَلَ السَّمَكَةِ؟ أَوْ إِذَا سَأَلَهُ بَيْضَةً، أَفَيُعْطِيهِ عَقْرَبًا؟ فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ، يُعْطِي الرُّوحَ الْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ؟»".

إنَّهُ مَقطعٌ رائعٌ جدًّا. وهو يَبتدئُ بِنَظرة بسيطة وعاديَّة جدًّا إلى قَرية صغيرة تَجري فيها هذه القصَّة إذْ إنَّ رَجُلاً احتاجَ إلى بعضِ الطَّعامِ لإطعامٍ صَديقٍ زَارَهُ في مُنتصفِ اللَّيل. والقصَّةُ تَنتهي بلاهوتٍ عميقٍ في الآية الأخيرة. ويمكننا أنْ نَصرِفَ وقتًا طويلاً حقًّا في دراسةِ هذه القصَّة. وقد كنتُ أُفَكِّرُ في القيام بدراسة مُدَّتُها خَمسَةَ عَشَرَ أُسبوعًا عنِ العددِ الثَّالث عَشَر وَحْدَهُ. فَهُوَ غَنِيٌّ جدًّا. والآن، اسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم الصُّورة الكبيرة لهذا المقطع، ثُمَّ إنَّنا سنَرجِعُ إليهِ بتفصيلٍ أكبر.

فاللهُ الواحِدُ الحَيُّ، اللهُ الوَحيدُ، واللهُ الحَقيقيُّ، إلَهُ الكِتابِ المُقدَّسِ، اللهُ الَّذي هُوَ أبُ رَبِّنا يسوعَ المسيحِ مُختَلِفٌ تمامًا عنِ الآلهةِ الأخرى الَّتي هِيَ مِنْ صُنعِ البَشَرِ والشَّياطين. والفَرقُ يَكْمُنُ في طَبيعَتِهِ الجوهريَّة. فهو مُحِبٌّ، ورَحومٌ، ومُنعِمٌ، وغَفورٌ، وقَريبٌ، ومُتاحٌ، وسَخِيٌّ.

وهذا على النَّقيضِ تمامًا مِنْ كُلِّ الآلهةِ الَّتي ابتَدَعَتها الدِّياناتُ البشريَّة على مَرِّ التَّاريخ لأنَّ آلِهَتَهُم ليست مُحِبَّة، وليست رَحيمة، وليست مُنعِمَة، وليست غَفورة، وليست قريبة، وليست مُتاحة، وليست سَخيَّة. فقد تَمَّ ابتِداعُها على شَاكِلَةِ أغلبيَّةِ المُلوكِ والأباطِرة والحُكَّام. وإنْ كُنتُم تَعرِفونَ أيَّ شَيءٍ عنِ التَّاريخِ القديمِ وتاريخِ المُلوكِ، لا بُدَّ أنَّكم تَعلمونَ أنَّهم لم يكونوا عادةً مُتاحينَ أو قَريبينَ مِنَ الشَّعب. والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في سِفْر أسْتير 4: 11 وَصْفًا يَسري على أغلبيَّةِ المُلوكِ. وقد حَدَثَ هذا في الإمبراطوريَّة الفارسيَّة. وإليكُم ما كُتِبَ هُنا:

"إِنَّ كُلَّ عَبِيدِ الْمَلِكِ وَشُعُوبِ بِلاَدِ الْمَلِكِ يَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ رَجُل دَخَلَ أَوِ امْرَأَةٍ إِلَى الْمَلِكِ، إِلَى الدَّارِ الدَّاخِلِيَّةِ وَلَمْ يُدْعَ، فَشَرِيعَتُهُ وَاحِدَةٌ أَنْ يُقْتَلَ". فإنْ لم يَقُمِ المَلِكُ باستدعائِكَ، وَدَخَلْتَ إلى حَضرَتِه، فإنَّهُ يَقتُلُك. "إِلاَّ [بحسب سِفْر أستير 4: 11] الَّذِي يَمُدُّ لَهُ الْمَلِكُ قَضِيبَ الذَّهَبِ فَإِنَّهُ يَحْيَا". فإنْ دَخَلْتَ إلى حَضرةِ الملك، قد تَخسَرُ حَياتَك. فلا يُمكِنُكَ أنْ تَفعلَ ذلكَ كَما تَشاء.

وهذه هي الطَّريقةُ المألوفة الَّتي يَتصرَّفُ بها أغلبيَّةُ المُلوك. فلا يُمكنكَ أنْ تَمثُلَ أمامَهُم إلَّا إذا استدعاكَ المَلِك. ويجب عليكَ أنْ تَمثُلَ أمامَهُ بطريقة مُعَيَّنة. وهناكَ حالاتٌ يَدخُلُ فيها النَّاسُ إلى حَضرةِ المَلِكَ رُجوعًا إلى الوراء (كما نَقرأُ في بعضِ الحالات)، أو أنَّهم يَدخلونَ وَهُمْ مُنْحَنونَ إلى أسفَل، أو في حالاتٍ مُعَيَّنة: وَهُمْ يَزحَفون. وعادةً، كانَ المُلوكَ يَجلسونَ في مَكانٍ مُرتفِع لكي يَظهَرَ للجميع أنَّهُ فوقَ الكُلِّ وأنَّكَ تَحتَ قَدَمَيه. ويجب عليكَ أنْ تَمثُلَ أمامَهُ بطريقة مُعَيَّنة، وهيئة مُعَيَّنة. ولم يَكُن يجوزُ أنْ تَمثُلَ أمامَهُ بِهَدَفِ طَلَبِ أيِّ شيء.

ولكِنَّ إلَهَنا على النَّقيضِ تَمامًا. فهو مُتاحٌ جدًّا، وقريبٌ جدًّا، ومُنعِمٌ، ورَحومٌ، وعَطوفٌ، ولَطيفٌ، ويُمكنكَ أنْ تَأتي إلى حَضرَتِهِ بجُرأة وأنْ تَطلُبَ مِنْهُ مَا تَشاء. ويمكنكَ أنْ تَأتي إلى حَضرَتِهِ في أيِّ وقتٍ مِنْ دونِ أنْ تُقاطِعَهُ. والحقيقةُ هي أنَّهُ يُريدُ مِنكَ أنْ تَفعلَ ذلك.

افتَحوا قليلاً على الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 4: 16 إذْ نَجِدُ هنا آيةً سنَستخِدُمها لِبَدءِ حَديثِنا عن هذا النَّصِّ. فالآية عِبرانِيِّين 4: 16 تُلَخِّصُ المبدأَ الَّذي نَتَعَلَّمُهُ مِنْ هذا المَقطَعِ في إنجيل لوقا. فنحنُ نَقرأُ مَا يَلي في العدد 16: "فَلْنَتَقَدَّمْ". أيْ أنْ نَتقدَّم إلى اللهِ، وأنْ نَدنو مِنْ رَئيسِ كَهَنَتِنا العَظيمِ، ابنِ اللهِ في السَّماء. "فَلْنَتَقَّدمْ..." وبعضُ التَّرجماتِ تَقول: "بِجُرأة". وبعضُ التَّرجماتِ تَقول: "بِثِقَة". ولنَستخدِم الكلمة "بِجُرأة" لأنَّني أعتقد أنَّها تَرجمة دقيقة للنَّصِّ اليونانيّ.

"فَلنتقدَّمْ بِجُرأة إِلَى عَرْشِ..." [وهذه هي التَّحويلة المُدهشة حقًّا] "إلى عَرْشِ النِّعْمَةِ"؛ أيْ إلى العَرْشِ الَّذي يَفيضُ نِعمَةً. فهو ليسَ عَرشَ نَاموسٍ، وليسَ عَرشَ عَدالةٍ، وليسَ عَرشَ دَينونة، بل هُوَ عَرشُ نِعْمَة. "فَلنتقدَّمْ بِجُرأة إِلَى عَرْشِ النِّعمةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ".

والآن، أريدُ مِنكُم أنْ تَرَوْا الكلمة "جُرأة" ["باريسيا" – “parresia”] في اللُّغة اليونانيَّة. "باريسيا". فهي تَعني: "الحُرِّيَّة في التَّعبير" بصورة رئيسيَّة. فهي تَعني: "أنْ تَقولَ ما تَرغب في قَولِه". وهي تَعني: "أنْ تَكونَ جَريئًا في كلامِك". وهي تَعني: "أنْ تَكونَ مُنفَتِحًا وصَريحًا". أوْ كما نَقولُ: "أنْ تَكونَ مُباشِرًا وتَقولَ ما تَشاء كما هُوَ".

اذهب إلى اللهِ بانفتاحٍ، وصراحةٍ، وجُرأةٍ، وثِقة. واطلُب ما تُريد مِن ذاكَ الَّذي يُسْبِغُ نِعمةً ورَحمةً وَعَوْنًا. وهذا وَعْدٌ أعتقدُ أنَّنا نَتَجاهَلُهُ غالبًا إذْ إنَّ كلمةَ اللهِ تُوصينا بأنْ نأتي إلى اللهِ بجُرأة وأنْ نَقولَ كُلَّ ما في قُلوبِنا.

وقد حَدَّثتُكُم عن هذهِ الفِكرة في المَرَّة السَّابقة. وقد أَريتُكُم بعضَ الصَّلواتِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ قالَ فيها النَّاسُ في الحقيقةِ للهِ: "يا رَبُّ، أَصْغِ إليَّ. اسمعني. أعْطِني انتباهَكَ. لا تَختبئ مِنِّي. فهناكَ أمورٌ في قلبي أريدُ أنْ أقولَها لكَ وآمَلُ أنْ تَتَفَهَّمَها. وأنا أريدُ مِنكَ أنْ تَعمل، يا رَبّ، وأنْ تَسمَعني، وأنْ تَستجيبَ صلاتي". ومعَ أنَّ هناكَ قَدرًا مُعيَّنًا مِنَ التَّواضُعِ هُنا، فإنَّ هناكَ أيضًا عُنصُرًا قويًّا جدًّا مِنَ الثِّقة والجُرأة.

وقد جاءَ إليَّ بِضعة أشخاص بعدَ عِظَةِ الأسبوعِ الماضي وقالوا لي: "أتَدري أنَّنا لم نَسمع ذلكَ مِنْ قبل ... فنحنُ لم نَسمع عن هذه الطَّريقة. هل أنتَ مُتَيَقِّنٌ أنَّ هذا جائِز؟" ولأنَّني لا أريدُ أنْ تَظُنُّوا أنَّني اخترعتُ ذلك، فقد فَكَّرتُ في العودة إلى الوراءِ قليلاً وأنْ أُقَدِّمَ بعضَ البراهين التَّاريخيَّة.

وواحدٌ مِن أبطالي هو "مارتن لويد-جونز"، "ديفيد مارتن لويد-جونز". (David Martin Lloyd-Jones) وإليكُم ما قالَهُ لويد-جونز: "إنَّ هذه الجُرأة المُقَدَّسة، وهذه المُحاجَجَة، وهذه العقلانيَّة، وهذه الطَّريقة في عَرْضِ حَالَتِكَ أمامَ اللهِ، وهذا التَّضَرُّعِ القائمِ على وُعودِهِ، إنَّ هذا كُلَّهُ هو السِّرُّ الحقيقيُّ للصَّلاة". وهذا قَولٌ رائعٌ. أليسَ كذلك؟ فهو يُوافِقُني الرَّأيَ. ولكِنَّهُ لا يَعرِفُني. فهو في السَّماء. والحقيقة هي أنَّني أُوافِقُهُ الرَّأي. بِكُلِّ تأكيد!

ولكي أُدَعِّمَ ذلك وأُؤكِّدَ لكم أنَّ هذا التَّعليمَ ليسَ جديدًا، عَثَرْتُ على اقتباسٍ رائعٍ مِنْ "توماس غودوين" (Thomas Goodwin)، الطَّهورِيُّ الإنجليزيُّ. فَهُوَ يَقولُ المَزيد. فتوماس غودوين يَقولُ ما يَلي (وأنا أَقتَبِسُ كَلامَهُ): "عندما تُصَلِّي" [بِحَسَبِ قَولِهِ] "يُمكِنُكَ أن تَذهبَ حَرفيًّا إلى اللهِ، وأنْ تقولَ لَهُ ما في قَلبِكَ، وأنْ تُطالِبَهُ بِوَعدِهِ. والحقيقةُ هي أنَّكَ تستطيعُ أنْ تُطالِبَهُ بأنْ يكونَ أمينًا لِوَعدِه". وإليكُم ما يَقولُ توماس غودوين: "طَالِبوهُ بذلك. طَالِبوهُ بذلك". يا للرَّوعة! "لا تَتركُوا اللهَ وَشأنَهُ، بل ذَكِّروهُ بِوعدِهِ. وقولوا لَهُ إنَّهُ مُلْزَمٌ بأنْ يَفعلَ كُلَّ ما وَعَدَ به. اقتبسوا لَهُ آياتِ الكتابِ المقدَّس" (كما يَقولُ "لويد-جونز"). وهل تَعلمونَ أنَّ اللهَ يُسَرُّ بِسَماعِنا نَفعلُ ذلك، تَمامًا كما يُسَرُّ الأبُ بأنْ يَرى هذا العُنصُرَ في ابنِهِ الَّذي مِنَ الواضِحِ أنَّهُ كانَ يُصغي إلى ما يَقولُهُ لَهُ أبوه. فهذا يُسِرُّهُ.

ويُتابِعُ "لويد-جونز" حَديثَهُ قائلاً: "وقد يكونُ الابنُ جَسورًا قليلاً، ولكِنَّ هذا لا يَهُمّ. فالأبُ يُحِبُّ هذا الأمر بالرَّغمِ مِن ذلك. واللهُ هو أبونا. وهو يُحِبُّنا ويُحِبُّ أنْ يَسمَعَنا ونحنُ نُطالِبُهُ بوعودِهِ، ونَقتبسُ كَلِماتِهِ لَهُ، ونَقولُ لَهُ في ضَوءِ ذلك: ’هل يُمكِنُكَ أنْ تَتراجَع؟‘ فَهذا يُسِرُّ قلبَ الله. طَالِبوهُ بذلك". وهذه جُرأة. أليسَ كذلك؟

ولكنِّي أردتُ وَحَسْب أنْ تَعلموا أنَّ هناكَ أُناسًا آخرينَ رأَوْا ذلكَ في الكتابِ المقدَّس. فهذا هو موقفُ الصَّلاةِ الجريئة الَّتي تَجعَلُنا نَقِفُ أمامَ اللهِ ونَقول: "لقد قَطَعْتَ هذا الوعد. وقد قُلتَ لي أنْ آتي. وقد قُلتَ لي أنْ أقولَ لكَ ما في قلبي. وقد قُلتَ لي أنْ أكونَ جريئًا. لِذا، هَأنذا قد جِئتُ". فهذه الجُرأةُ هي الَّتي يُعَلِّمُها يسوعُ هُنا في هذا المقطعِ الرَّائعِ والغَنِيِّ في إنجيل لوقا والأصحاح 11.

والآن، كما قُلتُ في المَرَّة السَّابقة، نحنُ نَعلمُ أنَّ اللهَ قُدُّوس، وأنَّ اللهَ كُلِّيُّ القُدرة وكُلِّيُّ الحكمة، وكُلِّيُّ المعرفة. ونحنُ نَعلمُ أنَّ اللهَ لا يَتغيَّر. ونحنُ نَعلمُ أنَّ اللهَ هو صاحبُ السِّيادة الكاملة، وأنَّ اللهَ مُهيمِنٌ هَيمنةً مُطلَقةً على كُلِّ الأحوال، وكُلِّ التَّفاصيل. وهو يُنَفِّذُ خُطَّتَهُ بإحكامٍ شديد.

فنحنُ نَعلمُ ذلكَ. وهذا يَطرَحُ السُّؤالَ: إذًا، لماذا أُصَلِّي؟ وإنْ كانَ اللهُ سَيَفعلُ ما شَاءَ أنْ يَفعل، لماذا ينبغي أنْ أُصَلِّي؟ وكيفَ سيكونُ لصلاتي أيُّ تأثيرٍ على ذلك؟ فَمِنَ المؤكَّدِ أنَّني سأدخُلُ إلى حَضرَتِهِ بسُرعة وأخرجُ بأسرعِ وقتٍ مُمكن لأنَّ اللهَ سيفعلُ ما قَصَدَ أنْ يَفعلَ في مُطلَقِ الأحوال. وأنا لا أُريدُ أنْ أُضايِقَهُ أوْ أنْ أُقاطِعَهُ بصلواتي الصَّغيرة التَّافهة. لِذا، كيفَ يُمكنني أنْ أَفهمَ دَورَ صَلواتي؟"

وقد قُلتُ لكم في المرَّة السَّابقة إنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّ اللهَ قد عَيَّنَ سابقًا مَقاصِدَهُ، فإنَّهُ عَيَّنَ سابقًا أيضًا الوَسائل. والمَقاصِدُ ثابتة. وهو يَستخدِمُ وسائِلَ لتحقيقِ مَقاصِدِهِ. وواحدة مِنَ الوسائلِ الَّتي يَستخدِمُها لتحقيقِ مَقاصِدِهِ هي صَلواتُنا. لِذا فإنَّنا نَقرأُ أنَّ "طَلِبَةَ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا". فاللهُ عَيِّنَ سَابقًا مَنْ سَيُخَلِّص مِنْ قبلِ تأسيسِ العالَم. وَقدِ اختارَ أُناسًا للخلاص. ومعَ أنَّهُ اختارَ أنْ يُخَلِّصَهُم (وهذهِ هي الغَايَة)، فإنَّ الوسيلةَ هي إيمانُهُم وتَوبَتُهم.

وقد قَرَّرَ اللهُ أنَّنا سنَصيرُ مُشابهينَ صُورةَ يسوعَ المسيح. فهذه هي الغاية. ولكِنَّ الوسيلةَ هي طَاعَتُنا. واللهُ قَرَّرَ أنْ يَبني كَنيسَتَهُ، ولكِنَّ الوسيلةَ هي خِدمَتُنا وكِرازَتُنا بالإنجيل. وقد قَرَّرَ اللهُ أنَّهُ سَيُوَحِّد كنيسَتَهُ الَّتي هي جَسَد المسيح. والوسيلةُ هي مُمارسةُ مَواهِبِنا الرُّوحيَّة. فاللهُ يُحَقِّقُ غاياتِهِ مِنْ خلالِ وَسائِلِهِ. وإحدى الوسائلِ الَّتي أعطانا اللهُ إيَّاها هي الصَّلاة. فعندما نُصَلِّي فإنَّنا الوسيلة الَّتي يَستخدِمُها اللهُ لتحقيقِ غاياتِه.

وحَتَّى إنَّ أبسطَ صَلواتِنا ليست غير مُهِمَّة لدى الله؛ تمامًا كما رأينا في هذا المَثَلِ التَّوضيحيِّ البسيط جِدًّا. فَكُلُّ ما أرادَهُ ذلكَ الرَّجُل هو ثلاثة أرغفة صغيرة مِنَ الخُبز. وهذا يبدو شيئًا تافهًا، وليسَ حاجةً ضروريَّة، وليسَ حالةً طارئةً، وليسَ حاجةً مُلِحَّة. وهذا هو تَمامًا السَّببُ الَّذي دَفَعَ يسوعُ إلى استخدامِ ذلكَ كَمَثَلٍ توضيحيّ. فما قد يَبدو شيئًا صغيرًا في نَظرِكَ في ضَوْءِ عَظَمَةِ اللهِ واتِّساعِ مَلكوتِه ومقاصِدِهِ الأبديَّة هو ليسَ شيئًا صغيرًا البَتَّة في نَظَرِه.

ولا حاجةَ إلى أنْ تَشعُرَ بالحَرَج عندما تَأتي إلى الله. ولا حاجةَ إلى أنْ تَشعُرَ بأنَّ طِلباتِكَ التَّافهة ليست مُهِمَّة لديه. ولا حاجةَ إلى أنْ تُفَكِّرَ في أنَّهُ حيثُ إنَّ اللهَ هُوَ صَاحِبُ السِّيادة فإنَّهُ ليسَ بحاجة إلى بياناتِكَ أو مَعلوماتِك. ولا حاجةَ إلى أنْ تُفَكِّرَ بأنَّهُ حيثُ إنَّ مَشيئَتَهُ وحِكمَتَهُ وقُدرَتَهُ تَعمل، وإنَّهُ سيفعل ما يَشاءُ أنْ يَفعل، فإنَّ صَلواتِكَ لا قيمةَ لها. فهي قَيِّمة. ويجب عليكَ أنْ تَلتجئَ إليه، وأنْ تُصَلِّي إليهِ بِجُرأة أيًّا كانت طِلبَتُك. فكما هي حالُ أيِّ شيءٍ آخر في خِبرَاتِنا الرُّوحيَّة، فإنَّ غاياتِ اللهِ تَتحقَّق مِن خلالِ وسائل تَتطلَّبُ إرادَتَنا، وطاعَتَنا، ورَغبَتَنا، وأمانَتَنا.

والكلمة الرَّئيسيَّة في لوقا 11 هي الكلمة "لَجاجَة". فهذا هو ما يُشيرُ إليهِ في العدد 8 حيثُ يَقول: "أَقُولُ لَكُمْ: وَإِنْ كَانَ لاَ يَقُومُ وَيُعْطِيهِ لِكَوْنِهِ صَدِيقَهُ، فَإِنَّهُ مِنْ أَجْلِ لَجَاجَتِهِ يَقُومُ وَيُعْطِيهِ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ". واللَّجاجَة [كما قُلتُ لكم] هي كلمة مُدهشة جدًّا: "أنايديان" (anaideian). وهي كلمة غير مألوفة. وهي تَعني “importunity” أيْ: "مُثابَرة".

والكلمة “importunity” تَختلفُ عنِ الكلمة “opportunity”. فالكلمة “opportunity” تَعني ببساطة: "ظَرْفٌ مُلائمٌ لَكَ". أمَّا الكلمة “importunity” فتَعني شيئًا مُختلفًا تمامًا. فالكلمة “importunity” هي كلمة تَعني جُرأة أو جَسارَة زائدة. وهي كلمة تُشيرُ إلى عَدَمِ الحَياء. وهي كلمة تَعني: جَسورٌ جدًّا. وهي كلمة تَعني [كما قُلنا في المَرَّة السَّابقة] أنْ تَكونَ بالِغَ الجُرأة وبَالِغَ الجَسارة. وهي كلمة تَعني [كما تَعلمونَ] أنْ تَندفعوا إلى مَكانٍ تَخشى الملائكةُ أنْ تَدخُلَهُ. فهي تُشيرُ إلى سُلوكٍ مِن هذا النَّوع.

ويسوعُ يَقولُ هنا إنَّ هذا الرَّجُلَ حَصَلَ على ما طَلَبَهُ بسببِ أنَّهُ كانَ جَسورًا. فقد نَهَضَ في مُنتصفِ اللَّيل، وذهبَ إلى هُناكَ، وأَزعَجَ جَارَهُ. ويبدو أنَّهُ لم يُبالي بأنَّ الرَّجُلَ كانَ نائمًا، أو بأنَّهُ كانَ في الفِراشِ مَعَ أفرادِ عائلته. وقد كانَ الوقتُ مُنتَصَفَ اللَّيل، ولكِنَّهُ ذهبَ وأزعَجَ العائلةَ بأسرِها. فقد جَعلَ الجميعَ يَنهضونَ مِنْ نَومِهم. فقد اهتمَّ وَحَسْب بالحُصولِ على الخُبزِ لأنَّهُ كانَ أمامَ واجِبٍ اجتماعيٍّ يُحَتِّمُ عليهِ القيامَ بذلك. إلخ، إلخ. وهذا تَصَرُّفٌ جريء. وهذا تَصَرُّفٌ جَسور. وهذا تَصَرُّفٌ يَتطلَّبُ أعصابًا حَديديَّة لا سِيَّما أنَّهُ يَتطلَّبُ إيقاظَ هذه العائلة بأسرِها في مُنتصف اللَّيل لسببٍ بَسيطٍ يَتَمَثَّلُ في الحُصولِ على ثلاثة أرغفة.

والرَّبُّ يُعَلِّمُنا هُنا شيئًا عنْ كيفيَّةِ المجيءِ إليه. فهو يَدعونا في هذا المقطعِ إلى مُقاطَعَتِهِ بلا حَياء، وإلى الصَّلاةِ الجَريئةِ الَّتي تَجعَلُنا نأتي إلى اللهِ في أوقاتٍ قد لا تَبدو مُناسبةً، لا أنْ نَدخُلَ ونَخرُجَ بسرعة، بل أنْ تَسكُبَ كُلَّ قَلبِك.

وقد رأينا في المَرَّة السَّابقة المَثَل في الأعداد 5-8. وأنا لن أقرأَ هذه الأعداد مَرَّةً أخرى. فقد مَهَّدَ الرَّبُّ لفِكرَتِهِ بقصَّةٍ سَيَفهَمُها الجميع. والهَدَفُ مِنَ القصَّة هو أنَّهُ عندما لا تَشعُرُ بالحَرَجِ مِنَ السُّؤال، فإنَّكَ تَحصُلُ على طِلبَتِك. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما قالَهُ يعقوب: "تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأخُذُونَ". لِذا، لا تَتَرَدَّ في أنْ تَطلُبَ مِن الله. ففي مُنتَصَفِ أيِّ لَيلة، وفي أيِّ ظَرفٍ، ومَهما كانَ الأمرُ صَغيرًا، إنْ لم تَحصُل عليه فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هو أنَّكَ لم تَطلُبْهُ.

فَمِنْ دُونِ حَرَج، نحنُ مُطالَبونَ أنْ نَأتي بقوَّة، وأنْ نأتي بجسارة، وأنْ نَستخدِمَ الدَّعوة المُوَجَّهة إلينا قائِلين: "يا رَبّ، لقدَ وَعَدْتَ. وقد قُلتَ لنا أنْ نُصَلِّي بلا انقطاع. وقد قُلتَ لنا أنْ نَسأل. وقد قُلتَ لنا أنْ نأتي. لِذا، حَاسِبْني إنْ كُنْتُ أتجاوَزُ حُدودي. هأنذا". لِذا، فقد تأمَّلنا في المَثَل وكانَ مِنَ المُمتِع جدًّا أنْ نَتأمَّلَ فيه.

والشَّيءُ الثَّاني الَّذي رأيناه، ليسَ فقط المَثَل، بل إنَّنا رأينا في تَطبيقِ المَثَل الوعدَ الرَّائعَ التَّالي. فالنُّقطة الثَّانية هي الوَعْد (في العَدَدَيْن 9 و 10). وسوفَ أَصْحَبُكُم إلى ذلكَ المَقطعِ مَرَّة أخرى. ويسوعُ هُوَ المُتَكَلِّم أيضًا هُنا: "وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ: اسْأَلُوا تُعْطَوْا، اُطْلُبُوا تَجِدُوا، اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ".

وهذا يَفوقُ التَّخَيُّلَ وَحَسْب. فهو مُذهِلٌ. فأنا أقولُ لكم: تَعالَوْا! تَعالَوْا في مُنتصفِ اللَّيلِ. وَتَعالَوْا لأجلِ ما قد يَبدو تافِهًا في نَظركُم. وتَعالَوْا وَذَكِّروني بواجبي كما يُذَكِّرُ المَرءُ صَاحِبَهُ بواجِبِهِ الاجتماعِيِّ في إظهارِ حُسْنِ الضِّيافة تُجاهَ شخصٍ ما لَديهِ حَاجة. وأَلْزِموني بِوَعدي. وأَلزِموني بمسؤوليَّاتي. تَعالَوْا واطلبوا، وأنا سأُعطيكُم. اطلُبوا تَجِدوا. اقرَعوا يُفتَح لَكُم.

وهذا مُدهشٌ جدًّا ويَصعُبُ تَصديقُه لِروعَتِه. فهو مُدهشٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ بعدَ أنْ قالَهُ في العدد 9 فإنَّهُ يُريدُ أنْ يُزيلَ أيَّ شَكٍّ لدينا فإنَّهُ يَقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى في العدد 10. وهذه، مَرَّةً أخرى، دَعوةٌ مِنَ اللهِ إلينا كي نأتي إلى حَضرَتِهِ. وهُناكَ تَدَرُّجٌ. فأنتَ تَبتدئُ بالسُّؤال، ثُمَّ تَزدادُ جُرأةً وتَبتدئُ تَطلُب، وأخيرًا فإنَّكَ تَبتدئُ في القَرْعِ والطَّرق. فَطِلْبَتُكَ تَزدادُ جُرأةً. وهل هذا يُنَفِّرُ اللهَ مِنْكَ؟ وهل هذا يُثيرُ غَضَبَ اللهِ؟ على العَكسِ تَمامًا. فأنتَ تَسأل فتأخُذ. وأنتَ تَطلُب [أيْ تَتَضَرَّعُ] فَتَجِد. وأنت تَقرَعُ [أيْ أنَّكَ تَطلُبُ بقوَّة أعظم] فَيُفتَحُ بابُ بَرَكاتِ اللهِ لَكَ.

وهذه مُراجَعَة وَحَسْب. ونأتي الآنَ إلى النُّقطة الثَّالثة. وسوفَ نُسَمِّيها: المَبدأ". فالمَثَلُ يَبدو مَنطقيًّا بسببِ وُجودِ وَعْد. والوَعْدُ يبدو مَعقولاً بسببِ وُجودِ مَبدأ. والمبدأُ هو مَبدأٌ بَسيطٌ جدًّا. إنَّهُ المَبدأُ التَّالي: الآباءُ يَفعلونَ أُمورًا جَيِّدة لأبنائِهم.

انظروا إلى العدد 11: "فَمَنْ مِنْكُمْ، وَهُوَ أَبٌ، يَسْأَلُهُ ابْنُهُ سَمَكَةً، أَفَيُعْطِيهِ حَيَّةً بَدَلَ السَّمَكَةِ؟ أَوْ إِذَا سَأَلَهُ بَيْضَةً، أَفَيُعْطِيهِ عَقْرَبًا؟ وهذا مَبدأٌ أساسيٌّ. فالآباءُ يُعطونَ أبناءَهُم عَطايا جَيِّدة. فبصورة عامَّة، وبصورة بَشريَّة، فإنَّ الآباءَ يَعْتَنونَ بأبنائهم.

وَهُوَ يُمَيِّزُ هذهِ العلاقة قليلاً عنِ الصَّداقة. فَرَدُّ الصَّديقِ كانَ: "لاَ تُزْعِجْنِي! اَلْبَابُ مُغْلَقٌ الآنَ، وَأَوْلاَدِي مَعِي فِي الْفِرَاشِ. لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَقُومَ وَأُعْطِيَكَ. صَحيحٌ أنَّكَ صَديقي، ولكِنْ لا تُحَمِّلْ هذه الصَّداقةَ فوقَ ما تَحتَمِل. أنا أُحِبُّ أنْ أكونَ صَديقًا لكَ في ضَوْءِ النَّهار. ولكنِّي لستُ أُبالي بأنْ أكونَ صَديقًا لكَ في مُنتصفِ اللَّيل".

فالصَّداقة شيء، والتَّمادي في الصَّداقة شيءٌ آخر. والأُبوَّة شيءٌ آخر. أليس كذلك؟ وهذه [مَرَّة أخرى] طريقة يهوديَّة تقليديَّة في التَّفكير مِنَ الأصغر إلى الأكبر. فإنْ كانَ الصَّديقُ سيتجاوَبُ مَعَكَ بسببِ جُرأتِكَ، كم بالحَرِيِّ سيفعلُ الأبُ؟

والحقيقةُ هي أنَّ أبنائي لم يَكونوا يَتردَّدونَ ولو قليلاً في طَلَبِ مَا يُريدون مِنِّي. فهل يَفعلُ أبناؤُكم ذلكَ أيضًا؟ وَهُمْ لم يكونوا يَتردَّدونَ ولو قليلاً في طَلَبِ ما يُريدون مِنْ أُمِّهم. وقد كانوا يَتوقَّعونَ أنَّهُ إنْ كانَ الطَّلَبُ يَختصُّ بشيءٍ يَحتاجونَ إليهِ، وكُنَّا نَعلمُ أنَّهم بحاجة إليهِ، سوفَ يحصلونَ عليه لأنَّهم يَفهمونَ أنَّ علاقَتَنا معهم قائمة على المحبَّة، والرِّعاية، والمسؤوليَّة، والعطف. وهذه هي النُّقطة الجوهريَّة هنا.

ثُمَّ إنَّ يَسوعَ يَقطَعُ هذا الوعد. يُمكنكُم أنْ تَسألوا، وأن تَطلُبوا، وأن تَقرعوا. وسوفَ تُعْطَوْا، وتَجِدوا، ويُفتَحُ البابُ لَكُم بِناءً على حقيقةِ أنَّكم تأتونَ إلى الآب. وهذا هو التَّشبيهُ هُنا. وهذا هو المبدأُ هنا. ومِنَ المُدهشِ جِدًّا كيفَ وَضَّحَ يَسوعُ ذلك. فهو يقولُ: "تَخَيَّلُوا أنَّ واحدًا منكم أيُّها الآباءُ، أيْ أنَّ واحِدًا مِنَ التَّلاميذِ الَّذينَ كانوا يَستمعونَ إلى هذا المَثَل إذْ إنَّنا نَقرأُ في العدد الأوَّل أنَّهُ كانَ يُكَلِّمُ تَلاميذَهُ: "فَمَنْ مِنْكُمْ، وَهُوَ أَبٌ، يَسْأَلُهُ ابْنُهُ سَمَكَةً". فابنُكَ جائعٌ، وَهُوَ يُريدُ سَمكة. فهو يُريدُ سَمكة". فقد كان السَّمَكُ هو الوَجبة الرَّئيسيَّة.

لِذا، ماذا ستُعطيه؟ هل ستُعطيهِ حَيَّةً عِوَضًا عنِ السَّمكة؟ وما أعنيه هو: إنْ كانَ يُريدُ أن يأكُل، وكانَ جائعًا، لن تَسخَرَ مِنْ جُوعِهِ، ولن تُعطيهِ بِكُلِّ تأكيد حَيَّةً. ويَرى بعضُ المُفَسِّرينَ إنَّ الكلمة المُستخدمة هُنا تُشيرُ إلى ثُعبان الماء. ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ مِنَ الأفضل أنْ نُتَرْجِمَها "حَيَّة". فأنتَ لن تُعطيهِ حَيَوانًا قد يُسَمِّمْهُ. فعندما يُريدُ طَعامًا، ويُريدُ أن يأكُل، لن تُعطيهِ شيئًا قد يَقتُلُه.

ثُمَّ إنَّهُ يُعطي تَشبيهًا بسيطًا آخر: "أَوْ إِذَا سَأَلَهُ بَيْضَةً، أَفَيُعْطِيهِ عَقْرَبًا؟" ولماذا يَستخدِمُ هذا التَّشبيه؟ لأنَّ العَقارِبَ كانت صَفراءَ اللَّون. فهناكَ أجناسٌ مُختلِفة وأنواعٌ مُختلفة مِنَ العقارب. ولكِنَّ المُؤرِّخينَ يَقولونَ لنا إنَّ الأنواعَ الَّتي كانت موجودة آنذاك كانت صَفراءَ اللَّون، ولا تَختلِف كثيرًا عن لَونِ صَفارِ البيض. وقد كانت تَتَكَوَّرُ على نَفسِها فتصيرُ أَشبَه بِكُرةٍ صغيرة وتبدو مِثلَ بيضة صغيرة. لِذا، كانَ هناكَ بعضُ الشَّبَه في هذا التَّشبيه. وَهُوَ يقولُ: "إنْ كانَ ابنُكَ يُريدُ بيضةً لأنَّهُ جائع، فإنَّكَ لن تُعطيهِ عَقربًا مُميتًا".

وعندما عَلَّمَ يسوعُ هذا التَّعليمَ في مَوضِعٍ آخرَ في العِظَة على الجَبل في إنجيل مَتَّى 7: 9، أَضافَ تَشبيهًا ثالثًا فقال: "فَمَنْ مِنْكُمْ، وَهُوَ أَبٌ، يَسْأَلُهُ ابْنُهُ خُبْزًا، أَفَيُعْطِيهِ [ماذا؟] حَجَرًا؟" فأنتَ لن تَسخرَ مِنْ جُوعِ ابنِكَ. وأنتَ لن تَسخَرَ مِنْ حاجةِ ابنِكَ. وأنتَ لن تُعطيهِ شيئًا لا يَستطيعُ أن يأكُلَه. وأنتَ لن تُعطيهِ شيئًا قد يَقتُلُه. وهذا هو المَبدأ. والمبدأُ هو أنَّ الآباءَ يَعتَنونَ بأبنائهم. وعندما يأتي الأبناءُ وتكونُ لديهم حاجات، فإنَّ الآباءَ يَسُدُّونَ الحاجات.

لِذا فإنَّنا نَرى المَثَلَ الَّذي يُوَضِّحُ أنَّهُ يجب علينا أنْ نأتي في أيِّ وقتٍ، مَهما كانتِ الحاجَةُ بسيطة، وأنْ نَكونَ جَريئينَ جدًّا في سُؤالِنا. والوَعدُ المُرتبِطُ بمجيئِنا هو أنَّهُ مَهما طَلَبنا، إنْ كانَ بِحَسَبِ مشيئَةِ اللهِ، فإنَّنا سنحصُل عليه. وهذا الوعدُ قائمٌ على مبدأِ أنَّ اللهَ هُوَ أبٌ.

وهذا يَقودُنا إلى النُّقطة الرَّابعة والأهمّ. وسوفَ نُسَمِّيها: "الفَرضيَّة". وما أعنيهِ بالكلمة "فَرَضِيَّة" هو: القاعدة أوِ الأساس الَّذي يَستَنِدُ إليهِ كُلُّ هذا الكلام. وَهُوَ مَذكورٌ هُنا في العدد 13: "فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ، يُعْطِي الرُّوحَ الْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ؟" والآن، لقد دَخَلنا في اللَّاهوت. فهذه الآية غَنِيَّة.

فقد استَمعنا إلى مَثَل، ورأينا وَعْدًا، ومبدأً، وتَشبيهًا. والآن، نأتي إلى فَرضيَّة إلهيَّة. ونحنُ نأتي الآنَ إلى عقيدة كِتابيَّة: "فإنْ كُنْتُم وأنتُم أشرارٌ...". ويُمكننا أنْ نتوقَّفَ هُنا وأنْ نُعَلِّمَ عن فَسادِ الإنسان. أليسَ كذلك؟ فأنتُم أشرار. وَهُوَ يَتحدَّثُ إلى تلاميذه، وإلى أتباعِه، وإلى أشخاصٍ قَبِلوه، وإلى أشخاصٍ "مُخَلَّصين". فقد كانَ أولئكَ هُم أولادُهُ، ولكِنَّهُمْ ما زالوا أشرارًا. فَهُوَ لا يَتحدَّثُ عنِ الأشخاصِ الَّذينَ يَفعلونَ شَرًّا، بل عنْ أشخاصٍ أشرار ... عنْ أشخاصٍ أشرار. فالأمرُ لا يتوقَّفُ فقط على ما نَفعلُه، بل إنَّ طَبيعَتَنا شِرِّيرة. "فإنْ كُنْتُم وأنتُم أشرارٌ...". وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "أشرار" هي "بونيروس" (poneros)، بونيروس: "سَيِّئون"، "أشرار"، "بلا قيمة". وهي تُستخدَمُ في إنجيل مَتَّى 5: 37 و 6: 13 وتُتَرْجَمُ في تَرجماتٍ كثيرة إشارةً إلى الشَّيطانِ بأنَّهُ: "الشِّرِّير". فأنتُم تَشتركونَ في طبيعة أساسيَّة معَ الشَّيطان. "فإنْ كُنْتُم وأنتُم أشرارٌ...". فَحَتَّى أولئكَ الَّذينَ يَتبعونَ يسوعَ المسيح ما زالوا يَمتلكونَ طبيعةً خاطئةً شِرِّيرةً تَعملُ فيهم.

"فإنْ كُنْتُم وأنتُم أشرارٌ...". فقد خُلِقْتُم على صُورةِ اللهِ. وأنتُم تَحمِلونَ بقايا صُورةِ اللهِ الَّتي تَشَوَّهَتْ بالسُّقوط، ولكِنَّها ما تَزالُ موجودة. فأنتُم في الصَّميمِ أشرار: "اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ" (إرْميا 17: 9) .... "لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (رسالة رومية والأصحاح الثَّالث). فنحنُ أشرار. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ: "...تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً". فهذا هو الجُزءُ المُتَبَقِّي فينا مِن صُورةِ الله.

ففي كُلِّ مَرَّةٍ تَرَوْنَ فيها ما يُمكنُنا أنْ نُسَمِّيهِ: "آثارَ لُطفٍ بَشريٍّ" (سَواءَ رأيتُم أُناسًا غير مؤمنين يُرَبُّون أبناءَهُم حَسنًا، ويُحِبُّونَ أبناءَهُم، ويُظهِرونَ لَهُمْ لُطفًا، ويُعطونَ أبناءَهُم ما يَحتاجون، ويُحسِنونَ إلى الآخرين) فإنَّ ما تَرَوْنَهُ هُوَ آثارُ صُورةِ اللهِ الَّتي تَلَطَّخَتْ وَتَشَوَّهَتْ كثيرًا عندَ السُّقوط؛ ولكِنَّها ما تَزالُ موجودة. لِذا فإنَّهُ يَقول: "فإنْ كُنْتُم وأنتُم أشرارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً..." [وَهُنا نَجِدُ المِفتاحَ]: "...فَكَمْ بِالْحَرِيِّ...".

وهذهِ طريقة قديمة كانَ يَستخدِمُها مُعَلِّمو اليهودِ في الجَدَل. فهي طريقة يهوديَّة قديمة في الجَدل. وهي تُعرَفُ بِحُجَّة "كَمْ بالحَرِيّ"، أو بأسلوب "كَمْ بالحَرِيّ". "فَكَمْ بِالْحَرِيِّ [أكثرَ مِنكُم أنتُمُ الأشرار] أبوكُم السَّماوِيُّ (والفِكرة الضِّمنيَّة هنا هي أنَّهُ ليسَ شِرِّيرًا، بل هو كُلِّيُّ القداسة) يُعْطِي". والمقصودُ هُنا هو أنَّكُمْ إنْ كُنتُم أنتُمُ الأشرارُ في الصَّميم تُعطونَ عَطايا جَيِّدة لأولادكم، كم بالحَرِيِّ أبوكُم السَّماويُّ القُدُّوسُ يُعطي أولادَهُ؟ وإنْ كُنتُم بالرَّغمِ مِنْ مَحَبَّتِكُم المحدودة تُعطونَ عطايا جيِّدة لأولادكم، كم بالحَرِيِّ أبوكُم السَّماويُّ الكامل المحبَّة يُعطي أولادَهُ؟ وإنْ كُنتُم بالرَّغمِ مِن حِكمتكم المحدودة تُعطونَ أولادَكُم ما تَظُنُّونَ أنَّهُ الأفضل، كم بالحَرِيِّ أبوكُمُ السَّماويُّ الكُليُّ الحِكمة يُعطي الأفضلَ لأولادِه؟

والأمرُ كُلُّهُ يَصنَعُ فَرْقًا كبيرًا جدًّا في فَهمِنا. فيمكنكَ أنْ تَذهبَ إلى اللهِ لأنَّهُ أبٌ مُحِبٌّ. ولكِنَّهُ أبٌ مُحِبٌّ أكثرَ بكثير مِن أيِّ أبٍ مُحِبٍّ في هذا العالمِ الَّذي بالرَّغمِ مِن طَبيعَتِهِ الشِّريرةِ يَبذلُ أقصى جهدٍ ممكن لكي يُعطي عطايا جَيِّدة مِنْ قَلبِهِ الفاسدِ السَّاقط. فكم بالحَرِيِّ سيُحِبُّكُم أبوكُمُ السَّماويُّ بمحبَّتِهِ الكاملة؟ وكم بالحرِيِّ سيُعطيكُم اللهُ بحِكمتِه الكاملة، وعَطفِهِ الكامل، ورَحمَتِهِ ونِعمَتِهِ الكامِلَتين، وفَهمِهِ الكامِل لوضعِكُم، وصلاحِهِ الكامِل؟

لِذا، عندما تأتي إلى اللهِ، وعندما تأتي إليهِ بجُرأة، وعندما تأتي إليهِ بلجاجة، وعندما تَدخُلُ إلى حَضرَتِهِ وتَسكُبُ كُلَّ ما في قَلبِكَ، وتَسأل، ثُمَّ تَتضرَّع، ثُمَّ تَبتدئ تَقرَع، اعلَم الآتي: أنَّ اللهَ يُسَرُّ بذلك. فهو يُسَرُّ بذلك لأنَّهُ [بمحبَّتِهِ الكاملة، وحِكمَتِهِ الكاملة، وقُدرتِه الكاملة، وموارِدِهِ الكاملة] قادرٌ أنْ يُعطي الأفضلَ لأولادِه. والحقيقة هي أنَّ المزمور 84: 11 يَقول: "لأَنَّ الرَّبَّ...لاَ يَمْنَعُ خَيْرًا عَنِ السَّالِكِينَ بِالْكَمَال"؛ أيْ عَنْ أولادِهِ. فهو لا يَمنَعُ شيئًا عنهم. لِذا، كم بالحَرِيِّ يُعطي أبوكُمُ السَّماويُّ أكثرَ مِنْ أيِّ أبٍ أرضِيٍّ؟

وكما تَعلمونَ، فإنَّنا نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 13: 1: "إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ ["آيس تيلوس" – “eis telos”]. والكلامُ هُنا هو عن يسوع. "إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ ["آيس تيلوس" – “eis telos”]. إِلَى الْمُنْتَهَى، إلى النِّهاية، إلى خَطِّ النِّهاية، تمامًا، كُليًّا، بلا حُدود، مَحَبَّةً مُطلَقَةً. وَمِنْ مُنطَلَقِ تلكَ المحبَّة، وتلكَ الحِكمة، وتلكَ المواردِ، فإنَّ اللهَ يُعطي. وهذا مُختلفٌ تمامًا عن فِكرةِ المَلِكِ الأرضيِّ أوِ الإلَهِ الباطِل.

ولكِنْ هُناكَ هذه الفكرة المُدهشة هُنا إذْ نَقرأ: "فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ، يُعْطِي الرُّوحَ الْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ؟" وقد لا تبدو هذه الكلماتُ معقولة عندما تَقرأونَها أوَّلَ مَرَّة. والحقيقة هي أنَّ المَقطَعَ المُوازي لها في إنجيل مَتَّى 7: 11 (أيِ المُوازي لها في التَّعليمِ فقط، ولكِنَّها قيلت في مُناسبة أخرى) ... استمعوا إلى إنجيل مَتَّى 7: 11 لِتَرَوْا كيفَ أنَّ المَعنى هُنا أكثر وُضوحًا. "فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ...". وَقد عَلَّمَ يَسوعُ هُنا الحَقَّ نَفسَهُ في العِظَة على الجَبل. "فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ؟" وهذا مَقطَعٌ مُشابِه جدًّا. أليسَ كذلك؟ "فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ".

ولكِنَّ المقطَعَ لا يَقولُ ذلكَ هُنا، بل يَقول: "فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ، يُعْطِي الرُّوحَ الْقُدُسَ؟" ولكِنْ كيفَ وَصَلَ الرُّوحُ القُدُسُ إلى هُنا؟ وقد قرأتُ بَعْضَ كُتُبِ الشَّرْحِ قبلَ فترة ليست طَويلةً قالَ فيها الشُّرَّاحُ إنَّ هُناكَ حَصْرًا هُنا ... إنَّ هُناكَ حَصْرًا هُنا. ففي إنجيل مَتَّى، نَقرأُ إنَّ اللهَ يَهَبُ: "خَيراتٍ". فالعَطاءُ هُنا واسعٌ، وعريضٌ، وغير مَحدود. أمَّا هُنا فإنَّهُ يُعطي "الرُّوحَ القُدُسَ" وَحَسْب. لِذا فإنَّهُ يَحصُرُ العَطاءَ في هذا الشَّيءِ المُحَدَّد.

عندما أقَرأُ أمورًا كهذه فإنَّها لا تَبدو صحيحة. فأنا لا أعتقدُ أنَّ المعنى المقصودَ هو أنَّ الرَّبَّ يُضَيِّقُ وَعْدَهُ. فهو يَجعَلُهُ واسعًا جدًّا في مَوضِعٍ مَا إذْ إنَّهُ يَهَبُ كُلَّ شيءٍ صَالحٍ، ثُمَّ إنَّهُ يُضَيِّقُ العطاءَ ويَحصُرُهُ في الرُّوحِ القُدُسِ في مَوضِعٍ آخر! عندما قرأتُ ذلك، جَلستُ في مِقعَدي في حالةِ التَّأمُّلِ المَعهودة مُحاولاً أنْ أَفهَمَ المَعنى المَقصودَ هنا.

والفِكرةُ بِرُمَّتِها هُنا هي ليست أنَّ اللهَ يُضَيِّقُ العَطاءَ لنا ويَحصُرُهُ في بعضِ الأشياءِ المُحَدَّدة إنْ أَصَبْنا الهَدَف، بل إنَّ الفِكرة بأسرِها تَتَلَخَّصُ في أنْ تأتي إليهِ وأنْ تَطلُبَ أيَّ شيءٍ في قلبِك، وأنْ تَدخُلَ إلى حَضرةِ اللهِ وَقتَما تَشاء؛ وأنْ تَأتي إليهِ، بِكُلِّ تأكيد، بِقدرٍ مِنَ التَّواضُعِ والاحترام، وَتَبوحَ لَهُ بما في قلبِك، وتَتكلَّم بجُرأة، وتُصَلِّي بِلَجاجَة، وأنْ تَفعلَ كُلَّ ما يَلزَم، وأنْ تَتوقَّعَ مِنَ اللهِ السَّخِيِّ أنْ يُعطيكَ كُلَّ ما هُوَ خَيْر. ولكِنْ ما عَلاقَةُ الرُّوحِ القُدُس؟

اسمحوا لي أنْ أُبَسِّطَ ذلكَ لكم. حسنًا؟ إنَّ الآيةَ لا تَعني أنْ تَطلُبوا الرُّوحَ القُدُسَ بالضَّرورة، بل تَقولُ إنَّهُ: "يُعْطِي الرُّوحَ الْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ". فعندما تَذهبُ لِتَطلُبَ مِنَ اللهِ ما تَشاء، أيًّا كان، فإنَّ اللهَ يُعطيكَ الرُّوحَ القُدُس. واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم ما أعنيه. فإنْ طَلبتُم تَعزيةً فإنَّهُ يُعطيكُم مُعَزِّيًا. أليسَ كذلك؟ وإنْ طَلَبْتُم عَونًا فإنَّهُ يُعطيكُم مُعينًا. وإنْ طَلبتُم أنْ تَعرِفوا الحَقَّ فإنَّهُ يُعطيكُم مُعَلِّمًا للحَقِّ. وإنْ طَلبتُم قُوَّةً فإنَّهُ يُعطيكُم رُوحَ القُوَّة. وإنْ طَلبتُم حِكمةً فإنَّهُ يُعطيكُم رُوحَ الحِكمَة. وإنْ طَلبتُم إرشادًا فإنَّهُ يُعطيكُم المُرشِد. وإنْ طَلبتُم مَحَبَّةً، وفرحًا، وسلامًا، ولُطفًا، وصلاحًا، وإيمانًا، ووداعةً، وتَعَفُّفًا، فإنَّهُ يُعطيكُم الرُّوحَ الَّذي وَهَبَكُمْ ثَمَرًا في حياتِكُم.

وكما تَرَوْنَ، هذا هو سَخاءُ اللهِ. فأنتَ تَطلُبُ العَطِيَّةَ فيَهَبُكَ المُعْطي. وأنتَ تَطلُبُ التَّأثيرَ فيُعطيكَ الشَّيءَ المُؤثِّر. وأنتَ تَطلُبُ الإمدادَ فيُعطيكَ المَصْدَر. أليس هذا سَخاء؟ فهو يُعطيكم حَسَبَ غِناه، لا مِنْ غِناه. فأنت تَطلُبُ مِنَ اللهِ [كما لو كُنْتَ ذاهبًا إلى المَصرِفِ] وتَطلُبُ بَعْضَ المَالِ فَيُعطيكَ المَصْرِفَ. فهذا هو المَعنى المقصود. فسوفَ أُعطيكُم وَحَسْب الرُّوحَ القُدُسَ. وحينئذٍ فإنَّكم ستَحصلونَ على كُلِّ شيء لأنَّهُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ تأتي القُوَّة. وَمِنَ الرُّوحِ القُدُسِ تأتي المَسحَة الَّتي تُعَلِّمُكُم كُلَّ شيء. وَمِنَ الرُّوحِ القُدُسِ تأتي المواهِب. وَمِنَ الرُّوحِ القُدُسِ يأتي الثَّمر. وَمِنَ الرُّوحِ القُدُسِ يأتي التَّوجيهُ والإرشاد. وَمِنْ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ يأتي كُلُّ شيء. وَمِنَ الرُّوحِ القُدُسِ تأتي الشَّفاعة نِيابةً عنكَ حَتَّى تَعمَلُ كُلُّ الأشياءِ معًا لِلخَير. فسوفَ أُعطيكُم وَحَسْب: الرُّوح.

فالمعنى المقصودُ هُوَ السَّخاء. فقد تأتي إلى اللهِ وتقول: "يا رَبّ، أنا أحتاجُ إلى التَّعزية. ويا رَبُّ، أنا أحتاجُ إلى بعضِ القُوَّةِ كي أجتازَ هذا الظَّرفَ وهذهِ المُعاناة. وأنا بحاجة إلى بعضِ الحِكمة". وَمِنَ الجُرأةِ أنْ نَفتَرِضَ ... لِنَقُل إنَّكَ إذا كُنتَ تِلميذًا، أوْ إنْ كانَ بمقدورِنا أنْ نَضَعَ أنفُسَنا في ذلكَ الموقف بأنْ نَذهبَ إلى اللهِ ونقول: "يا رَبّ، أنا لا أُريدُ ... لا أُريدُ نِعمةً لهذهِ اللَّحظة، ولا أُريدُ تَعزيةً لهذهِ اللَّحظة، ولا أريدُ إرشادًا لهذهِ اللَّحظة. أَلا نَزَلْتَ وَسَكَنْتَ في قلبي؟ أَلا فَعَلْتَ ذلك؟" فإنَّ هذهِ ستكونُ جُرأة كبيرة. أليسَ كذلك؟

وما أعنيهِ هو أنَّ الأمرَ يتطلَّبُ جُرأةً كبيرةً في أنْ تَطلُبَ مِنَ اللهِ القُدُّوسِ أنْ يَسكُنَ في هذا الإناءِ الخَزَفِيِّ، وأنْ يَسكُنَ اللهُ القُدُّوسُ في إنسانٍ فاسِد. فهذهِ جُرأة كبيرة. أَلَنْ تَقولَ: "حسنًا، هأنذا قد جئتُ يا رَبّ. وأنا لا أريدُ ثلاثةَ أرغفة. فأنا لا أريدُ ثلاثة أرغفة لصديقي. بل إنَّني أقولُ لكَ: ألا نَزَلْتَ مِنْ فَضلِكَ وسَكَنْتَ فِيَّ دائمًا؟" ويا للعَجَب! فهذهِ جُرأة تَفوقُ الوَصفَ.

ولكِنَّ هذا هو تمامًا ما يَحدُث. هذا هو تمامًا ما يَحدُث. فَما مَدى سَخاءِ اللهِ؟ وماذا يُمكِنُهُ أنْ يَفعلَ أيضًا؟ فهذا ليسَ تَضييقًا، بل إنَّهُ تَخصيصٌ. فهو لا يُعطيكُم فقط عَطايا جَيِّدة، بل يَزرَعُ فيكم دائمًا المَصدَرَ لِكُلِّ عَطِيَّة مِنْ هذهِ العطايا. فأنتُم (كما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى 6: 19-20): هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ". فأنتُم هيكلٌ للرُّوحِ القُدُس. لِذا فإنَّ الأمرَ يَتَوَقَّفُ فقط على أنْ تَتَقَوَّوْا بِروحِهِ في الإنسانِ الباطِن. أليسَ كذلك؟

ثُمَّ نَقرأُ في رسالة أفسُس 3: 20: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ [أيْن؟] فِينَا". فاللهُ يَقولُ في الحقيقة: "إنَّهُم بحاجة إلى أمورٍ كثيرة جدًّا. فَهُمْ بحاجة إلى قوَّة كبيرة، وحِكمة كثيرة، وإرشادٍ كثير، وعَوْنٍ كبير. لِذا، سوفَ أَضَعُ وَحَسْب رُوحي فيهم. وحينئذٍ فإنَّهم سيحصلونَ على المُعطي، والمَصدَر، والأصل".

وما أعنيه هو أنَّ السَّخاءَ في هذا العَطاءِ مُذهلٌ جِدًّا. فأنْ يُعطينا الرُّوحَ القُدُسَ تَحديدًا لا يَعني شيئًا أقَلَّ مِنْ أنْ يُعطينا عَطايا جَيِّدة، بل هو أكثر مِنَ العطايا الجيِّدة. فالرَّبُّ يأخُذُنا إلى مُستوىً أَعلى. فهو يقول: "سوفَ أُعطيك عطايا جَيِّدة". وهو يقولُ الآن: "سوفَ أُعطيكم العطيَّةَ الصَّالحةَ المُتَمَثِّلة في الأقنومِ الثَّالثِ في الثَّالوث. فسوفَ أُعطيكُم عطيَّةً مُتَمَثِّلَةً في اللهِ نَفسِهِ، الله الرُّوح، ليأتي وَيَسكُنَ في حَياتِكُم".

والآن، لقد كانَ هؤلاءِ التَّلاميذ يَعرفونَ عنِ الرُّوحِ القُدُس. وقد كانَ اليهودُ يَعلمونَ عنِ الرُّوحِ القُدُس. وكانَ بمقدورهم أنْ يَقولوا حقًّا تلكَ الجُملة الَّتي وردت في قانونِ إيمانِ الرُّسُل وهي: "أنا أُوْمِنُ بالرُّوحِ القُدُس". فقد قرأوا سِفْرَ التَّكوين. وقد كانَ رُوحُ اللهِ هو الَّذي يَرِفُّ على وَجْهِ المِياه. أليسَ كذلك؟ وهو الَّذي أعطى الخليقَةَ شَكلاً. والأصحاحُ الأربعونَ مِنْ سِفْر إشعياء يَنسِبُ الخَلْقَ إلى الرُّوحِ القُدُس. وفي سِفْر أيُّوب 33: 4، يُقَدِّمُ "أليهو" الشَّهادة التَّالية: "رُوحُ اللهِ صَنَعَنِي". فَروحُ اللهِ هو الخَالِق. لِذا فقد كانوا يَعرِفونَ عَمَلَ رُوحِ اللهِ في الخَلْقِ.

وقد كانوا يَعلمونَ أيضًا أنَّ رُوحَ اللهِ حَلَّ على القُضاةِ في العهدِ القديم، وأنَّهُ أَعانَهُم في قِيادَتِهم لإسرائيل. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ روحَ اللهِ حَلَّ على الحِرَفِيِّينَ الَّذينَ صَنعوا خَيمةَ الاجتماع وَبَنَوْا الهَيكل، وأنَّ رُوحَ اللهِ حَلَّ على قادَةٍ مِثلَ المَلِكَ داوُد، وعلى أنبياء مِثل حِزْقيال وميخا وزَكَرِيَّا. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ رُوحَ اللهِ حَلَّ لكي يُعطي قُوَّةً ونُبوءةً، ولكي يَعملَ أعمالاً مُعَيَّنة.

ولكِنَّهم كانوا يَعلمونَ أيضًا (وهذه نُقطة مُهمَّة حقًّا)، لقد كانوا يَعلمونَ أيضًا أنَّهُ عندما يأتي المسيَّا فإنَّهُ سيكونُ هُناكَ سَكْبٌ خاصٌّ للرُّوحِ القُدُس. والأصحاح 61 يُقَدِّمُ المسيَّا بالكلماتِ التَّالية: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ". ولَعَلَّكُم تَذكرونَ في إنجيل لوقا والأصحاح 4 أنَّ يسوعَ جاءَ وقال: "لقد تَمَّمْتُ ذلك". لِذا فقد كانوا يَعلمونَ أنَّهُ عندما يأتي المسيَّا فإنَّهُ سيكونُ قد أُعطِيَ قُوَّةً مِنَ الرُّوحِ. وقد كانَ المسيَّا هكذا حقًّا.

فقد وُلِدَ مِنْ عذراء حُبِلَ بها مِنَ الرُّوح. وقد مُسِحَ بالرُّوحِ عندَ معموديَّتِه. وقد كانُ مُمتلئًا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ ومُنقادًا بالرُّوحِ القُدُس في تَجربتِه وخِدمَتِه. وقد كانَ رُوحُ اللهِ يُعطيهِ القُوَّة. ويمكنكم أنْ تَرَوْا ذلكَ في كُلِّ إنجيل لوقا حينَ تَنظرونَ إلى كُلِّ تلكَ العَناصِرِ في حَياةِ يسوع. لِذا فقد كانوا يَعلمونَ أنَّ الأمرَ سيكونُ هكذا، وأنَّ هذا هو ما قالَهُ العهدُ القديمُ؛ أيْ أنَّ المسيَّا سيكونُ مَمسوحًا مِنَ الرُّوحِ القُدُس.

ولكِنَّهم كانوا يَعلمونَ أيضًا أنَّهُ عندما يأتي المسيَّا فإنَّهُ سيأتي بملكوتٍ يُهيمِنُ عليهِ الرُّوحُ القُدُس. وكيفَ عَلِموا ذلك؟ لأنَّ سِفْرَ يوئيل 2: 28-29 يَقول: "وَيَكُونُ بَعْدَ ذلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ". فسوفَ يكونُ هُناكَ حُلولٌ للرُّوحِ القُدُس بِطريقةٍ لم يَرَوْها مِنْ قَبْل.

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ بُطرسَ قالَ في يومِ الخَمسين: "إنَّ ما رأيتُموه في يومِ الخمسين هو لَمْحَة عَمَّا قالَهُ يوئيل. فالرُّوحُ القُدُسُ سيُسكَبُ على كُلِّ بَشَر. وستكونُ هناكَ نُبوءاتٌ، ورُؤى، وأحلام". فهذا سيَحدُثُ في المملكة المُستقبليَّة، ولكِنَّ اللهَ أَعطى لَمحةً عن ذلكَ في يومِ الخمسين.

لِذا فقد كانوا يَقرِنونَ الرُّوحَ القُدُسَ بمجيءِ المَسِيَّا، وبحياةِ المسيَّا الشَّخصيَّة وخِدمَتِه، وبملكوتِ المسيَّا أيضًا. ولكِنْ يوجد عُنصرٌ ثالث. فقد كانوا يَعلمونَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سيأتي بِمِلئِهِ لِيَسكُنَ في المؤمنينَ الَّذينَ كانوا جُزءًا مِن ذلكَ الملكوت. وكيفَ عَلِموا ذلك؟ بسببِ ذلكَ المَقطعِ الرَّئيسيِّ الَّذي كانَ جَميعُ اليهودِ المُثَقَّفينَ يَعرفونَهُ وَهُوَ: حِزْقيال والأصحاح 36، في ذلكَ المقطعِ الرَّائعِ عنِ العهدِ الجديدِ؛ وَهُوَ مَقطعٌ كانَ نيقوديموس يَعرِفُهُ تَمامًا بوصفِهِ مُعَلِّمًا في إسرائيل.

وهذا هو ما يَعِدُ بهِ العهدُ الجديد: "أَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ. وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ". بِعبارةٍ أخرى: "سوفَ أُجَدِّدُ تمامًا رُوحَكُم وداخِلَكُم".

ثُمَّ نَقرأُ ما يَلي: "وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَ بِهَا". لِذا، فقد كانوا يَعلمونَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سيأتي، وأنَّهُ سيأتي فيهم، وأنَّهُ سَيُمَكِّنُهُم مِنَ السُّلوكِ بالطَّاعةِ في كلمةِ الله. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ هذا هو وَعْدُ العهدِ الجديد. وقد كانوا يَعلمونَ ما قالَهُ بولسُ في رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاح الثَّالث بأنَّ: "الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ [ماذا؟] يُحْيِي".

لِذا فإنَّ يَسوعَ يَفهمُ أنَّهم كانوا يَنتظرونَ الرُّوحَ القُدُس. ... أنَّهم كانوا يَنتظرونَ الرُّوحَ القُدُس. وَقد كانوا يَعلمونَ أنَّ كُلَّ المِلءَ سَيَحِلُّ في الرُّوح، وأنَّهُ عندما يأتي الرُّوحُ وَيَسكُنُ فيهم فإنَّهم سيُطيعونَ ناموسَ اللهِ، وسيَسلُكونُ في وَصاياه. لِذا، فقد كانَ يَسوعُ يَعلمُ أنَّهُم يَفتكرونَ في ذلكَ في قُلوبهم. لِذا فإنَّهُ يقولُ لهم: "فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ..." [الكامِلِ والصَّالِحِ صَلاحًا مُطلَقًا] سيُعطيكُم ما تَحتاجونَ إليهِ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر. والشَّيءُ الَّذي تَحتاجونَ إليهِ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر هو الرُّوحُ القُدُسُ لأنَّهُ بِحُصولكم عليه فإنَّكم تَحصُلونَ لا فقط على الإمداد، بل تَحصُلونَ على المَصدَر. أليسَ كذلك؟

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ يسوعَ قالَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14 للتَّلاميذ: "لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ..." [مُشيرُا إلى الرُّوحِ] "...وَيَكُونُ فِيكُمْ". فهُناكَ مِلْءٌ جَديد. وقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 7 إنَّهُ عندما يَسْكُنُ رُوحُ اللهِ فيكُم فإنَّهُ سَتَجري مِنْ بُطونِكُم "أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ". فسوفَ تَصيرونَ يَنابيعَ ماءٍ مُتَدَفِّقة بالبَرَكَةِ الإلهيَّة. والرُّوحُ سيقودُكُم إلى كُلِّ الحَقّ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُم. وَهُوَ سَيُرشِدُكم، ويَقودُكُم، ويُبَكِّتُكُم.

وهل تُدركُ أنَّ كُلَّ شيءٍ حَدَثَ لكَ بِوَصفِكَ مُؤمنًا هو نِتاجُ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُس؟ وعندَ هذا الحَدِّ، يُمكنُنا أنْ نَتحدَّثَ عَمَّا يُسَمَّى عِلْمُ الرُّوحِ القُدُس، أوْ دِراسَة الرُّوحِ القُدُس. فبوصفِكَ إنسانًا خاطئًا، تَمَّ تَبكيتُكَ مِنْ خلالِ الرُّوحِ القُدُس (يوحنَّا 16). فهكذا أَدركتَ أنَّكَ خاطئ. وعندما اعترفتَ بيسوعَ رَبًّا، فَعلتَ ذلكَ بسببِ الرُّوحِ القُدُس. "لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُس" (رسالة كورِنثوس الأولى 12: 3). وقد حَصَلتُم على مَعرفةِ حَقِّ اللهِ مِن خلالِ الرُّوحِ القُدُسِ لأنَّهُ الرُّوحُ الوحيدُ الَّذي يَعرفُ الأمورَ المُختصَّةَ بالله (رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاحِ الثَّاني). وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُها.

وقد أُعْتِقْتَ مِنْ نَاموسِ الخطيَّة وناموسِ الموتِ مِنْ خلالِ الرُّوحِ القُدُس: "حَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ [كَما جاءَ في رسالة كورِنثوس الثانية 3: 17] هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ". وقد خُتِمْتُم للحياةِ الأبديَّة بواسطةِ الرُّوحِ القُدُس (أفسُس 1). وقد سَلَكْتُم في البِرِّ بواسطةِ الرُّوحِ القُدُس (رومية 8). وقد اعتَمَدْتُم بالرُّوح (رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 12). وحَرفيًّا: "تَغَطَّستُم في حَياتِهِ وقُوَّتِه". وقد سَكَنَ فيكم الرُّوحُ القُدُس (رسالة كورنثوس الأولى 6: 19-20). وأنتُم مَملوؤونَ بالرُّوح (أفسُس 5: 18). وأنتُم حَصَلتُم على مواهِبِكُم مِن خلالِ الرُّوح (رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 12).

وقد أُعطيتُم فَضائلَ إلهيَّة بواسطةِ الرُّوح، أيْ ثَمَرَ الرُّوحِ (غلاطيَّة 5). وقد نِلْتُم قُوَّةً مِنَ الرُّوحِ للكِرازة (أعمال الرُّسُل 1: 8). وأنتُم يُشفَعُ فيكم دائمًا بواسطةِ الرُّوح (رومية 8) الَّذي يَشفَعُ فيكُم بأنَّاتٍ لا يُنْطَقُ بها. وأنتُم تَقَدَّستُم بواسطةِ الرُّوح (رسالة تسالونيكي الثَّانية 2). وقد صِرتُم مُشابهينَ للمسيحِ بواسطةِ الرُّوحِ إذْ إنَّكُم تَنتقلونَ مِنْ مُستوىً مِنَ المَجدِ إلى المُستوى الَّذي يَليه لتصيروا أكثرَ شَبهًا بالمسيح (رسالة كورنثوس الثَّانية 3: 18). وأنتُم لديكم رجاء في الرُّوح (رومية 8: 23). والرُّوحُ هو العُربون، والضَّمانة، والدُّفعة المُقَدَّمة، وخاتَمُ الخِطبة الَّذي يَضْمَنُ مَجدَكُم الأبديَّ المُستقبليّ.

وتَلخيصا لِمَا سَبق، عندما أعطاكُمُ الرَّبُّ الرُّوحَ القُدُسَ، فإنَّهُ أعطاكُم كُلَّ شيء ... كُلَّ شيءٍ بالمُطلَق. ومِنْ خلالِ حُضورِهِ، وقُدرَتِهِ، ونِعمَتِهِ، فإنَّنا نَحصُلُ دائمًا على كُلِّ شيءٍ نَحتاجُ إليهِ لا سِيَّما أنَّهُ "الْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا [مِنْ ماذا؟] مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ". فأنتُم لديكم مَوارِد في الرُّوحِ القُدُسِ أكثر مِمَّا تَتَخَيَّلون.

فَكُلُّ شيءٍ يَفوقُ الحَدَّ في هذا المَقطعِ بِمُجمَلِه. فاللهُ يُعطيكُم المزيد مِن خلالِ إعطائِكُم الرُّوحَ القُدُس، بل أكثرَ جِدًّا مِمَّا يُمكِن أنْ تَفهموا يومًا. لِذا فإنَّ بولسَ يُصَلِّي أيضًا أنْ يُعطينا اللهُ رُوحَ الحِكمةِ والمَعرفةِ حَتَّى نَفهمَ ما نَملِك. وَهُوَ مُتاحٌ لِلَّذينَ يَسألون. فإنْ طَلبتُم فإنَّهُ لا يُعطيكُم ما للرُّوحِ، بل يُعطيكُم الرُّوحَ.

فاللهُ ليسَ مِثلَ ذلكَ الجَار. أليسَ كذلك؟ فذلكَ الجارُ انزعجَ وقالَ: "اذهب"؛ ولكِنَّهُ رَضَخَ أخيرًا. ولكِنَّ اللهَ سَخِيٌّ جدًّا. وَهُوَ يُعطينا أكثر مِمَّا نَفتَكِر لأنَّهُ حيثُ إنَّنا لا نستطيعُ أنْ نَستوعِبَ اللهَ، أو قُدرَتَهُ، أو حِكمَتَهُ، أو موارِدَهُ، فإنَّنا لا نستطيعُ أنْ نَستوعَبَ الرُّوحَ؛ مَعَ أنَّهُ يَسكُنُ فينا. لِذا فإنَّهُ قادرٌ أنْ يَفعلَ أكثر جِدًّا مِمَّا نَطلُب أو نَفتَكِر. لِذا، لا تُقَلِّل مِنَ احترامِكَ للهِ بسببِ شَكِّكَ في سَخائِهِ، بل اذهب إليهِ في مُنتصفَ اللَّيلِ عَالِمًا أنَّهُ لا يُمكِنُكَ أنْ تُقاطِعَهُ. فَهُوَ يُسَرُّ بمَجيئِكَ إليه. وَذَكِّرْهُ بوعودِهِ، وَصَلِّ بِلَجاجَة، واطلُب مِنْهُ أنْ يَستمعَ إليكَ وأنْ يُعطيكَ ما هو أفضل. هل سَاعَدَكُم ذلكَ على النَظَرِ إلى الصَّلاةِ نَظرةً مُختلفة؟ هذا جَيِّد!

إنَّ هذا كُلَّهُ مُذهِلٌ بالنِّسبةِ إلينا، يا أبانا. فنحنُ لا نَستأهِلُ ذلكَ ولا نَستحقُّ ذلكَ على الإطلاق. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ، فإنَّكَ تُعطينا أكثر جِدًّا مِمَّا نَفتَكِر. فنحنُ نَطلُبُ عَطِيَّةً فتُعطينا المُعْطي. ولا يَسَعُنا إلَّا أنْ نَقولَ لَكَ: "شُكرًا". لِذا فإنَّنا سنأتي، ونَتضرَّعُ، ونُصَلِّي، ونَسأل، ونَطلُب، ونَقرَع لأنَّكَ قُلتَ لنا إنَّنا بهذه الطريقة سنأخُذ، ونَجِد، وأنَّ أبوابَ البَرَكاتِ سَتُفْتَحُ لنا.

نحنُ نُحِبُّكَ ونَشكُرُكَ لأنَّكَ إلَهٌ سَخِيٌّ، بل سَخِيٌّ جِدًّا. ومعَ أنَّهُ لم يَكُن بمقدورِنا أنْ نَكونَ جَريئينَ جدًّا حَتَّى نَطلُبَ مِنْكَ أنْ تَسكُنَ فينا، فإنَّ هذا هو ما قُمْتَ بِهِ. ونحنُ نَشكُرُكَ على ذلك. ونحنُ نَشكُرُكَ لأنَّ الرُّوحَ مَوجودٌ كي يُقَوِّينا، ويُعَلِّمَنا، ويُرشِدَنا، ويُعَزِّينا، ويُعينَنا، ويَشفَعَ فينا، ويَحفَظَنا، ويَختِمَنا إلى المجدِ الأبديّ. لأجلِ هذا نَشكُرُكَ باسمِ المسيح.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize