Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إنَّهُ امتيازٌ، بَلْ هُوَ امتيازٌ عَظيمٌ أنْ نَسمَعَ كلمةَ الرَّبِّ دونَ النَّظَرِ إليها كأمْرٍ بَديهِيٍّ. وهذا هُوَ ما سنَفعلُهُ معًا في هذا الصَّباح. افتَحُوا كُتُبَكُم المقدَّسةَ على إنجيل لوقا والأصحاح 19 إذ سنَتأمَّلُ في المقطعِ الأخيرِ مِن هذا الأصحاحِ التاسع عشَر (لوقا 19 والأعداد مِن 45 إلى 48).

وإذْ نَتأمَّلُ في هذا النَّصِّ، يَجْدُرُ بي أنْ أُذكِّرَكُم (بإيجازٍ) أن ربَّنا يسوعَ المسيحَ كانَ قد ابتدأَ الأسبوعَ الأخيرَ مِن حياتِهِ على الأرض. فقد كانَ سيموتُ يومَ الجُمُعة. واليومُ هُنا هُوَ يومُ الثُّلاثاء، وهُوَ اليومُ الَّذي أَعْقَبَ تَتويجَهُ المُتَّضِع. وَهُوَ اليومُ الَّذي أَعْقَبَ دُخولَهُ مَدينةَ أورُشليم. وأنا على يَقينٍ أنكم تتذكرون ذلك جيدًا. وإذا كُنتُم معَنا في الأسبوعين السَّابِقَيْن، فإنَّكُم تَعلمونَ أنَّهُ دَخَلَ يومَ الاثنينِ إلى المدينةِ وكانَ النَّاسُ يَصيحونَ قائلين: "أُوْصَنَّا". وفي يومِ الاثنينِ ذاك، قَدَّمَ نفسهُ إلى إسرائيلَ بِصِفَتِهِ الملكَ الحقيقيَّ. وقد راحَ النَّاسُ يَصْرُخونَ بأنَّهُ الَّذي جاءَ باسمِ الربِّ، وبأنَّهُ ابنُ داود، ووريثُ العَرْشِ، والمسيَّا (أي: المَمْسوح). وقد كانَ مَوْكِبُ يومِ الاثنينِ ذاكَ يَضُمُّ عشراتِ الآلافِ مِنَ النَّاسِ. ويقولُ البعضُ إنَّ الموكِبَ كانَ يَضُمُّ مِئَتَيْ ألفِ شخصٍ على الأرجَح. وقد نَزَلَ يَسوعُ مِنَ المُنحَدَرِ الغَربِيِّ لِجَبلِ الزَّيتونِ بعدَ أنْ صَعِدَ إليهِ مِن مدينةِ أريحا، ثُمَّ جاءَ إلى مدينةِ أُورُشليمَ ودَخَلَ مِنَ البوَّابةِ الشَّرقيَّة. وقد كانذلكَ الاحتفالُ فريدًا مِن نَوعِهِ ولم تَشْهَد أورُشَليمُ مَثيلًا لهُ مُنذُ زَمَنٍ طويلٍ جِدًّا.

وعندما دخلَ تلكَ البوابة الشرقية في يومِ الاثنينِ على هُتافِ الشَّعبِ الصَّاخِبِ والمتواصِلِ (مَعَ أنَّنا نَرى لاحقًا أنَّهُ كانَ هُتافًا مُتقلِّبًا)، فإنَّهُ دخَلَ مُباشرةً إلى الهيكلِ الَّذي كانَ داخِلَ البوَّابةِ الشرقيَّة. ونقرأُ في إنجيل مَرقُس 11: 11 أنَّ الاحتفالَ انتهى في الهيكلِ لأنَّ الوقتَ كانَ مَساءً. لذلكَ فقد عادَ إلى بَيْتِ عَنْيَا لقضاءِ الليلِ معَ أصدقائِهِ (مَريمَ ومَرثا ولِعازَرَ) ومَعَ تلاميذِهِ الَّذين كانوا معهُ هُناكَ أيضًا. ويا لهُ مِنْ يومٍ! فقد جاءَ يومَ الاثنينِ راكبًا على أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ، وراحَ النَّاسُ يَطرحونَ ثِيابَهُمْ وأغصانَ الأشجارِ عندَ قَدَمَيْهِ وهُم يَهتِفونَ لَهُ بوصْفِهِ المَسِيَّا الآتي.

وقد ذهبَ يسوعُ حالًا إلى الهيكلِ. وفي ساعةِ الغُروبِ يومَ الاثنينِ ذاك، مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ نَظَرَ إلى الأحوالِ في الهيكلِ إذْ كانَ كُلُّ شيءٍ مَرْئِيًّا مِنَ السَّاحةِ الخارجيَّةِ الكبيرةِ الَّتي تُدعى "سَاحَةَ الأُمَم". وما رآهُ عندَ غُروبِ شَمْسِ ذلكَ اليوم كانَ هُوَ السَّبَب في ما حدثَ في اليومِ التَّالي. ولكِنْ قَبْلَ حُدوثِ ذلكَ، عادَ مَساءَ يومِ الاثنين إلى بَيْتِ عَنْيا ليَرتاح. وقد كان بيت عنيا مكانًا مُريحًا بالنِّسبةِ إليه، ومكانًا يَجِدُ فيهِ أُناسًا يُحِبُّونَهُ. وقد كانَ بحاجةٍ إلى الرَّاحةِ بعدَ يومٍ طويلٍ وشاقٍّ بسببِ التَّعامُلِ مَعَ الجُموعِ. وكانَ اليومُ الَّذي سَبَقَهُ طويلًا وشاقًّا أيضًا بسببِ التعاملِ معَ الجموعِ الَّتي أَتَتْ لرؤيتهِ في بيتِ عَنْيا بعدَ رحلةٍ طويلةٍ وشاقَّةٍ مِنْ أريحا إلى بيتِ عنيا. ولا شَكَّ أنَّ تَعَبَهُ الشَّديدَ قد جَعَلَهُ يَنامُ نومًا عميقًا ومُريحًا.

وبالمناسبة، فقد كان العثورُ على مَأوى مُشكلةً كبيرة. فقد كان الوقتُ هو عيد الفِصْح. وكانَ نَحْوُ مَليونَيْ يهودِيٍّ يُوجَدونَ في مدينةِ أورُشليمَ وما حَولَها. وكانَتْ هُناكَ فَنادِقُ صغيرة، ولكنَّها سُرعانَ ما امتلأت. وربَّما كانَ أصحابُ تلكَ الفنادقِ يُعْطُونَ الأولويَّةَ لأفرادِ عائلتهم وأقربائهم.

وكانت هناكَ مجموعاتٌ دينيَّةٌ مُتفرِّقة حولَ المدينة (كالأسينيِّينَ، والغَيورينَ، والفَرِّيسيِّينَ، والصَدُّوقِيِّينَ، وغيرهم مِنَ المَجموعاتِ الدِّينيَّةِ الَّتي لها أتباعٌ أيضًا يأتونَ مِنْ خارِجِ المدينةِ للحَجِّ إلى المدينةِ المقدَّسةِ). لذلكَ فقد كانَتْ تلكَ المجموعاتُ تَستَضيفُ الأشخاصَ الَّذينَ يَنتمونَ إليها. ورُبَّما كانَ هناكَ أيضًا أشخاصٌ يؤمنونَ إيمانًا حقيقيًّا بيسوعَ ويَستضيفونَ مؤمنينَ آخرينَ بيسوعَ مِمَّن جاءُوا مِنَ الجَليل.

وكانَتْ توجَدُ حَوْلَ أورُشَليم مَجامِعُ أجنبيَّة تَستَقْطِبُ النَّاسَ الَّذينَ كانُوا يأتونَ مِنْ بُلدانٍ أخرى ويتكلَّمونَ لُغاتٍ أُخرى معَ أنَّهم كانُوا قَدْ اعتَنَقوا اليهوديَّةَ. وكانتْ تلكَ المَجامِعُ الأجنبيَّة تَستضيفُ رَعاياها الَّذينَ كانُوا يأتونَ أيضًا للاحتفالِ بعيدِ الفِصْحِ، ولزيارةِ أورُشليمَ في هذهِ المناسبةِ البارِزَة. وكانَ هناكَ يهودٌ أغنياء يعيشونَ في أماكِنَ أُخرى في أرضِ إسرائيل، ولكنَّهم يَملكونَ منزلًا آخرَ في أورُشليم. لذلكَ فقد كانوا يأتونَ إلى منزلهم ويَفتحونَ أبوابَهُ للأصدقاءِ والضُّيوف. وكانَتْ هناكَ عائلاتٌ غنيَّةٌ ومَيسورة الحالِ جِدًّا تَمتلكُ قُصورًا ضَخْمَةً في أورُشليمَ وما حَولها. لذلكَ فقد كانت تلكَ العائلاتُ تَستضيفُ أُناسًا كثيرين.

ومَعَ أنَّ كُلَّ تلكَ الأماكِنِ كانَتْ تَمتلئُ بالنَّاسِ، فإنَّها لم تَكُنْ تَكفي حاجةَ الجُموع. لذلكَ فقد كانت أورُشليمُ تَصيرُ مَدينَةَ خِيامٍ. فقد كانَ النَّاسُ يَنصِبونَ خِيامَهُم في أيِّ مكانٍ حَوْلَ تُخومِ المَدينةِ. وكانتْ تلكَ الخِيامُ تَمتدُّ مَسافةَ ثلاثة كيلومترات إلى بَيْتِ عَنْيا وإلى الطَّريقِ المُمتدِّ جنوبًا إلى بَيْتِ لَحْمٍ، وفي كُلِّ اتِّجاهٍ آخر. وكانتِ الشريعةُ اليهوديَّةُ تُطالِبُ كُلَّ شخصٍ يَشتركُ في عيدِ الفِصْحِ بالمُكوثِ في أورُشَليم في اللَّيلةِ الَّتي تَسْبِقُ الفِصْحَ. وقد كانَ ذلكَ مُستحيلًا لأنَّ الجُموعَ كانتْ غَفيرَةً. لذلكَ فقد كانُوا يُوَسِّعونَ تُخومَ أورُشليمَ في هذهِ المُناسبةِ لكي تَستوعِبَ المُدُنَ المُمتلئة بالخِيامِ حَوْلَ المدينةِ وسُورِها.

وكانَ بعضُ النَّاسِ يَبْقَوْنَ حولَ الهيكلِ لأنهم لا يستطيعونَ الدُّخولَ إلى الهيكلِ. لذلكَ فقد كانوا يَبْقَوْنَ على أَقْرَبِ مَسافةٍ مُمكنةٍ مِنه. وكانَ للهيكلِ مَبَانٍ مُجاورةٍ في المناطقِ المُحيطةِ بالهيكلِ تُشْبِهُ الشُّقَقَ والفَنادِقَ الَّتي يُمكنهمُ الإقامةُ فيها إذْ كانَ يَتِمُّ تَأجيرُها. ولتبسيطِ الأمْرِ، فقد كانَ المكانُ مُزدحمًا جِدًّا بالنَّاس – فوقَ طَاقَتِهِ الاستيعابِيَّةِ. وكانَ مِنَ المُحَرَّمِ أنْ يَبقى النَّاسُ في الهيكل. لذلكَ كانَ مِنَ الرَّائعِ أنْ يكونَ ليسوعَ وتلاميذه أصدقاءَ في بيتِ عَنْيا، وأنَّ بيتَهُم كانَ كبيرًا لاستضافَتِهِ هُوَ وتلاميذه الاثنَيْ عَشَرَ أيضًا.

لذلكَ، في نهايةِ يومِ الاثنينِ، عندَ غُروبِ الشَّمسِ، يُخبرُنا مَرقُسُ في الأصحاح 11 أنَّ يسوعَ غادرَ أورُشليمَ ومَشى مَسافةَ ثلاثةَ كيلومترات معَ تلاميذِهِ مُرورًا بذلكِ الطَّريقِ الصَّاعِدِ على جَبَلِ الزَّيتونِ وُصولًا إلى قِمَّةِ المُنْحَدَرِ ثُمَّ نُزولًا إلى بيتِ عَنْيا لقضاءِ اللَّيلةِ هُناك. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كانَ يُفكرُ أثناءَ سَيرِهِ في الظَّلامِ وعندَما خَلَدَ إلى النَّوْمِ ... مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كان يُفَكِّرُ في ما رآهُ في الهيكَل. ولم يَكُنِ الأمْرُ غريبًا بالنسبةِ إليه. فقد رأى ذلكَ المشهدَ مرَّاتٍ عديدة. ولكنَّ تلكَ كانتْ زيارَته الأخيرةَ للمكان. لذلكَ فقد كانَ مُزْمِعًا أنْ يَفعلَ شيئًا بخصوصِ ما رآه. وقد فَعَل.

ففي صباحِ يومِ الثُّلاثاء، عادَ يَسوع. ونَبتدئُ القِراءةَ مِنَ العدد 45: "وَلَمَّا دَخَلَ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِيهِ قَائِلاً لَهُمْ: «مَكْتُوبٌ: إِنَّ بَيْتِي بَيْتُ الصَّلاَةِ. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!» وَكَانَ يُعَلِّمُ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ وُجُوهِ الشَّعْبِ يَطْلُبُونَ أَنْ يُهْلِكُوهُ، وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَفْعَلُونَ، لأَنَّ الشَّعْبَ كُلَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَسْمَعُ مِنْهُ".

وهذا حَدَثٌ مُدهشٌ وعَجيبٌ. وهُوَ يُرينا مَرَّةً أُخرى ظُهورَ يَسوعَ بوَصْفِهِ مَلِكًا. وهُوَ يُبَرْهِنُ على هُوِيَّتِهِ الحقيقيَّةِ بِوَصْفِهِ مَلِكًا. فما فَعَلَهُ هناكَ والتَّجاوُبُ الَّذي نَشَأَ عن ذلكَ يُشيرُ إليهِ بوَصْفِهِ المَلِكَ الحقيقيَّ، وبوصفِهِ المَسِيَّا الحقيقيّ، وبوصفِهِ ابنَ اللهِ الأزليّ. وهُوَ يَفعلُ شيئًا صَادِمًا. فالنَّاسُ الَّذينَ كانُوا يَأملونَ أنْ يكونَ المسِيَّا كانُوا يَتوقَّعونَ مِنهُ أنْ يُهاجِمَ قَلْعَةَ أنطونيا الَّتي يُعَسْكِرُ فيها الجيشُ الرُّومانِيُّ، أو رُبَّما توقَّعوا مِنهُ أنْ يُهاجِمَ قَصْرَ بيلاطُسَ (الحاكِمَ المُثيرَ للشَّفَقَة والذي عَيَّنَهُ الرُّومانُ والِيًا على إسرائيل).

ولكنَّهُ لم يُهاجِم الرُومانَ الوثنيِّينَ، والمُحْتَلِّينَ، وَعَبَدَةَ الأوْثانِ. بل إنَّهُ هاجَمَ الهيكَلَ. فقد هاجَمَ مَعْقِلَ اليَهودِيَّةِ. وقد هاجَمَ رُوْحَ الأُمَّةِ. وقد هاجَمَ الأشخاصَ الَّذينَ يَحْظَوْنَ بأكْبَرِ قَدْرٍ مِنَ الاحترامِ والتَّقديرِ والثقةِ في الأرْضِ، والذينَ يُمَثِّلونَ اللهَ في الظَّاهِر. ولكنَّهُ هاجمَ في الحقيقةِ الشَّيءَ الأكثرَ فَسادًا في أورُشَليم (وَهُوَ: التَّدَيُّن الزَّائِف). وقد كانَ هذا صَادِمًا. وقد كانَ هذا صَاعِقًا. وقد أَكَّدَ ذلكَ، مَرَّةً أُخرى، هُوِيَّتَهُ الحقيقيَّة.

واسمحوا لي أنْ أُرِيَكُم عددًا مِنَ الأشياءِ الَّتي تُبيِّنُ أنَّهُ كانَ حقًّا المَلِك المَمسوح مِنَ الله. أوَّلًا، لقد بَيَّنَ أنَّهُ قادِمٌ في مُهِمَّةٍ إلهيَّة. لقد بَيَّنَ أنَّهُ قادِمٌ في مُهِمَّةٍ إلهيَّة. فنحنُ نَقرأُ في العدد 45:

"وَلَمَّا دَخَلَ الْهَيْكَلَ ...". وهذا يَكفي! فقد كانَ قد زارَ أماكِنَ كثيرة جدًّا ... أماكِنَ لا حَصْرَ لها. ولكنَّ هذهِ العِبارَةَ تَقولُ كُلَّ مَا نَحتاجُ إلى مَعرِفَتِهِ.

لقد كانَ الشَّعبُ يَأمَلُ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى بيلاطُسَ أوِ الجيشِ الرومانيِّ. وقد كانُوا يَأملونَ أنْ يُحَرِّرَهُمْ مِنَ الطُّغيانِ وَمِنَ الاحتلالِ الرُّومانِيِّ. وقد كانوا يأملونَ أنْ يُطَهِّرَ البَلَدَ مِنْ كُلِّ الرُّموزِ الوثنيَّةِ الَّتي كانَتْ تَنْتَصِبُ على المُمتلكاتِ الرومانيَّةِ، وأنَّهُ سيُهاجِمُ نِظامَ الضَّرائِبِ الَّذي فَرَضَتْهُ رُوما عليهم.

وقد كانوا يَنتظرونَ تَحقيقَ ذلكَ طَوالَ الوقتِ، وتَحديدًا مُنذُ أنْ أَظْهَرَ قُدرَتَهُ في الجليل في بدايةِ خِدمتِهِ. وقد حاولوا أنْ يُنَصِّبوهُ مَلِكًا رَغْمًا عنهُ حينَ عَلِمُوا أنَّهُ يَمتلكُ سُلْطانًا عَجيبًا على الأمراضِ، وعندما عَلِموا أنَّهُ يَمتلكُ سُلطانًا عَجيبًا على الشَّياطينِ، وعندما عَلِمُوا أنَّهُ قادِرٌ على تَكْثيرِ الطَّعامِ. وقد رَأَوْا فيهِ المُحَرِّرَ العَظيمَ الَّذي سيُحرِّرُهم عسكريًّا، وسياسيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا.

لذلكَ، فقد كانت أنظارُهُمْ مُثَبَّتَةً طَوالَ الوقتِ على الأمورِ الأرضيَّةِ. ولكنَّ يسوعَ الَّذي كانَ قد نُصِّبَ مَلِكًا (بصورةٍ غيرِ رَسميَّةٍ في اليومِ السابقِ) قد جاءَ مِنْ دونِ أسلحةٍ، ومِن دونِ جيشٍ، ولم يَقُمْ بأيِّ هجومٍ على أيِّ مؤسَّسةٍ أرضيَّةٍ أيٍّ كانَت. بل إنهُ هاجمَ الهيكلَ. ولم يَكُنْ هُناكَ أشخاصٌ مُهِمُّونَ برِفقَتِهِ، بل إنَّ رِفاقَهُ كانُوا مُجَرَّدَ أشخاصٍ عادِيِّينَ مِنَ العامَّةِ. وبالرغمِ مِن ذلكَ، فقد صَارَ مِنَ الواضحِ بالنسبةِ إلينا أنَّهُ المَلِكُ المَمسوحُ مِنَ اللهِ لأنَّهُ جاءَ في مُهِمَّةٍ إلهيَّةٍ.

ويقولُ لوقا إنَّهُ دَخَلَ الهيكلَ. ويقولُ مَتَّى إنَّهُ دَخَلَ إلى هيكلِ اللهِ. وقد كانَ ذلكَ هيكل اللهِ حقًّا. ولكنَّ اسمَ اللهِ كانَ قد أُهينَ، وَدُنِّسَ، وَجُدِّفَ عليهِ في ذلكَ الهيكل. وبالنسبةِ إلى يسوعَ، لم تَكُنْ مُشكلةُ إسرائيلَ الرئيسيَّة هيَ الاحتلالُ الرُّومانِيُّ، بل هي الفَسادُ الدِّينيُّ اليهودِيُّ. والرَّبُّ يسوعُ لم يَكُنْ مَعْنِيًّا بعلاقةِ الشَّعبِ بروما. بل كانَ مَعْنِيًّا بعلاقةِ الشَّعبِ باللهِ. وهُوَ لم يَكُن مَعْنِيًّا بِسِياسَتِهِم، ولم يَكُن مَعْنِيًّا بقضاياهم الاجتماعيَّةِ. فهناكَ أمورٌ كثيرةٌ كانَ يُمكِنُهُ انتقادُها. فهناكَ الكثيرُ مِنَ الظُّلْمِ، والإجْحافِ، والبؤسِ، وسُوءِ المُعاملةِ، والاستغلالِ. ولكنَّهُ لم يَتطرَّق يومًا إلى أيٍّ مِن هذهِ القضايا.

ولعلَّكُم تَذكرونَ أنهُ ابتدأ خِدمتَهُ (كما جاءَ في الأصحاحِ الثَّاني مِن إنجيل يوحنَّا) بِتَطهيرِ الهيكلِ. فقد دَخَلَ إلى الهيكلِ حالَ وُصولِهِ في بِدايةِ خِدمتِهِ في أورُشَليم، وجَلَسَ مُتأمِّلًا وهُوَ يَصْنَعُ سَوْطًا، ثُمَّ طَهَّرَ الهيكل. فقدَ ابتدأَ الأمرُ بهذهِ الطَّريقةِ في إنجيل يوحنَّا 2: 13-17. وقدِ انتَهى الأمْرُ بالطريقةِ ذاتِها بعدَ ثلاثِ سنواتٍ – بالهُجومِ الثَّاني على الفَسادِ المُتَفَشِّي في الهَيكَل.

ولكي أُبَيِّنَ لكُم ضَآلَةَ التَّغييرِ الَّذي حَدَثَ خِلالَ تلكَ السنواتِ الثَّلاث، استمِعوا إلى وَصْفِ هُجومِهِ الأولِ على الهيكلِ كما جاءَ في يوحنَّا 2: 13: "وَكَانَ فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيبًا، فَصَعِدَ يَسُوعُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَوَجَدَ فِي الْهَيْكَلِ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ بَقَرًا وَغَنَمًا وَحَمَامًا، وَالصَّيَارِفَ جُلُوسًا. فَصَنَعَ سَوْطًا مِنْ حِبَال وَطَرَدَ الْجَمِيعَ مِنَ الْهَيْكَلِ، اَلْغَنَمَ وَالْبَقَرَ، وَكَبَّ دَرَاهِمَ الصَّيَارِفِ وَقَلَّبَ مَوَائِدَهُمْ. وَقَالَ لِبَاعَةِ الْحَمَامِ: «ارْفَعُوا هذِهِ مِنْ ههُنَا! لاَ تَجْعَلُوا بَيْتَ أَبِي بَيْتَ تِجَارَةٍ!» فَتَذَكَّرَ تَلاَمِيذُهُ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ (في المَزمور 69: 9): «غَيْرَةُ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي»". فقدِ ابتدأ الأمرُ هكذا. وقدِ انتَهى الأمرُ هكذا.

لقد كانت خِدمَتُهُ تَتركَّزُ دائمًا على الأمورِ الرُّوحيَّة. وقد كانت تتركزُ دائمًا على الأمورِ المختصَّةِ بعلاقةِ النَّاسِ بالله. فهُوَ مُهتمٌّ بالعبادةِ الحقيقيَّةِ للهِ الحقيقيِّ بطريقةٍ حقيقيَّةٍ. ولكنَّهُ ليسَ مُهتمًّا بالسِّياسةِ ولا بالأمورِ الأرضِيَّةِ. لذلكَ فقد قالَ في الأصحاحِ الرابعِ مِن إنجيل يوحنَّا (في أثناءِ حَديثِهِ مَعَ المرأةِ السامريَّة) إنَّ اللهَ يَطْلُبُ سَاجِدينَ حَقيقيِّينَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ. فالتَّركيزُ يَنْصَبُّ عِنْدَهُ دائمًا على العِبادة.

ولم يَكُن شيئ قد تَغَيَّرَ بعدَ مُرورِ ثلاثِ سنوات. كذلكَ، فإنَّ تَركيزَهُ لم يَتغيَّر. لذلكَ فإنَّهُ يَعودُ إلى الهيكل. وهُوَ يَتَغاضى عَنْ أمورٍ كثيرةٍ تَختصُّ بالقضايا الاجتماعيَّةِ، والقضايا الاقتصاديَّةِ، والقضايا السياسيَّةِ، والقضايا المُختصَّةِ بالعَدالةِ والظُّلْمِ. فقد كانَ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ هذهِ الأمورِ ليسَتْ صَحيحَة. وقد كانَ يَعْلَمُ أنَّ جَميعَ هذهِ الأمورِ ليسَتْ كما يَنبغي أنْ تَكون. ولكنَّهُ كانَ يَعلمُ أيضًا أنَّ الطريقةَ الوحيدَةَ لمعالجةِ أيِّ خَلَلٍ تَتطلَّبُ علاقةً صحيحةً باللهِ. وقد كانت خِدمتُهُ تُرَكِّزُ دائمًا على الملكوتِ، وعلى العِبادةِ الحقيقيَّة.

وقد كانت هناكَ أمورٌ في تلكَ الأُمَّةِ لا يمكنُ لأحدٍ غيرِ الجُنودِ أنْ يُعالِجَها. وكانتْ هناكَ أُمورٌ في تلكَ الأُمَّةِ لا يمكنُ لأحدٍ غيرِ القادةِ الأبرارِ أنْ يُعالِجَها. وكانت هناكَ أُمورٌ في تلكَ الأُمَّةِ لا يمكنُ لأحدٍ غيرِ النَّاسِ المُحْسِنينَ المُتعاطِفينَ أنْ يُعالجَها. وكانتْ هناكَ أمورٌ تتطلَّبُ إصلاحًا اجتماعيًّا لتغييرها. ولكنَّ هذا كُلَّهُ لم يكُن مُهِمًّا. فقد كانَ هذا كُلُّهُ يُشْبِهُ إعادَةَ تَرتيبِ المقاعِدِ على سَفينةِ التَّايتانيك – لأنَّ الشَّيءَ المُهِمَّ هو العلاقةُ الشخصيَّةُ باللهِ. وقد عَبَّرَ بُطرسُ عَنْ هذا الواقِعِ بقولِهِ: "لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ".

ولو كانَ الرَّبُّ سيَأتي إلى العالمِ اليومَ في هذا المكانِ وهذا الزَّمانِ، فإنَّهُ لن يَذهبَ إلى "واشِنطُن" ولن يُهاجِمَ القُوى السياسية. بل إنهُ سيَذهبُ إلى الكنائسِ، وسيُهاجِمُ الهَراطِقَةَ، والمُنافِقينَ، والاستغلالِيِّينَ، والزَّائِفينَ، والكاذِبينَ. وَهُوَ سيَدعوهُم إلى عِبادةِ أبيهِ عِبادةً حقيقيَّةً. فما دامتِ الأُمورُ ليسَتْ على ما يُرام في الهيكل، فإنَّ كُلَّ شيءٍ آخرَ سيكونُ مُضطربًا. فمِقياسُ أيِّ مُجتمعٍ هُوَ علاقتُهُ باللهِ. فالعبادةُ هيَ المسألةُ الرَّئيسيَّةُ دائمًا. ... دائمًا. والقَضاءُ يَبتدئُ مِن بيتِ اللهِ.

وأنا أَقْتَدي بالمسيح. فلا يمكنني أنْ أَعْلَقَ في الشُّؤونِ السياسيَّةِ، والشؤونِ العسكريَّةِ، والشؤونِ الاجتماعيَّةِ. وأنا أَحْزَنُ على الشَّرِّ المُتَفَشِّي في المؤسَّساتِ حولَ العالم. ولكِنْ في النِّهاية، فإنَّ كُلَّ مَا يَعنيني هو طَهارةُ الكنيسةِ لأنَّ العِلاجَ الوحيدَ يقتضي الوَعْظَ بالإنْجيل مِنْ على مِنْبَرِ كَنيسةٍ حَقيقيَّةٍ. لذلكَ فقد ذهبَ يسوعُ إلى الهيكلِ. وقد كانَ هذا هوَ المكانُ الوحيدُ الَّذي يُريدُ الذَّهابَ إليهِ للقيامِ بعملِ اللهِ.

وما الَّذي وَجَدَهُ حينَ وَصَلَ إلى هُناك؟ إنَّ الكلمة "هَيْكَل" هُنا هي الكلمة العامَّة. فالكلمةُ العامةُ للهيكل هي "هِيئيرون" (hieron). وهي تُشيرُ ببساطةٍ إلى الأرضِ الكبيرةِ كُلِّها ... إلى الأرضِ كُلِّها الَّتي يَقومُ عليها الهيكلُ ومَرافِقُهُ جَميعُها على الجَبَلِ الواقِعِ شَرْقَ أورُشليم، في أعلى المُنحدرِ الصَّاعِدِ مِن وادي قَدْرُون. وكانَ السُّورُ الشَّرقيُّ للمدينةِ هو نَفْسُهُ الحائطُ الشَّرقيُّ للهيكل - أرضِ الهيكل. فهذا هوَ المُصْطلَحُ العامُّ للهيكلِ بكامِلِهِ. وهذا يَعني أنَّهُ دَخَلَ مِنَ البابِ الأوَّلِ إلى أرضِ الهيكلِ الواسِعَةِ – وهي كلمة مُختلفة عن كلمة أخرى تُستخدمُ بمَعنى "هيكل" وهِيَ "نِيياس" (naos).

وإذا رَجعتُم إلى لوقا 1، نَقرأُ أنَّ زَكريَّا كانَ كاهنًا. ثُمَّ نقرأُ في العددِ التَّاسعِ مِن لوقا 1 أنَّهُ دَخَلَ هيكلَ الرَّبِّ لِيُبَخِّر. والكلمة "هيكل" هُنا هي "نيياس" (naos)، وهي تَصِفُ المكانَ المُمتدَّ إلى الدَّاخِلِ حيثُ لا يستطيعُ أحدٌ غيرُ الكهنةِ أنْ يَدْخُلَ لِحَرْقِ البَخُورِ وتقديمِ التَّقدماتِ. أيْ مِنَ الأبوابِ والساحاتِ العديدةِ المختلفةِ إلى الجُزءِ الداخليِّ.

ولا يمكنكم أن تَعرفوا ذلكَ باللُّغةِ الإنجليزيَّةِ لأنَّ كِلتا الكلمتَيْنِ تُتَرْجَمُ "هَيْكَل". وهذهِ كلمة تَعني أرضَ الهَيكلِ الواسعة بمُجملها. وكانَ المكانُ المُقَدَّسُ يَقَعُ عندَ التَّلَّة، عندَ رأسِ التَّلَّة. ومِنَ الواضِحِ أنَّ المكانَ كانَ واسعًا جدًا جدًّا لأنَّهُ كانَ يَستوعبُ عَشَرات الآلافِ مِنَ الناسِ هُناك. وكانَ يُحيطُ بالهيكلِ أسوارٌ عظيمة، وأعمدةٌ، وجميعُ أنواعِ المباني، وكانت هناكَ دَرَجاتٌ صاعِدَة إلى الهيكل.

وكانَ يوجَدٌ، في تلكَ المنطقةِ الكبيرةِ بأسوارِها الخارجيَّةِ، ساحات داخلية عديدة تَصْغُرُ أكثر فأكثر فأكثر إلى أن تَصِلَ أخيرًا إلى الهيكلِ في الداخلِ والذي كانَ يتألَّفُ مِنْ قُدْسِ الأقداسِ والقُدْس. فأوَّلًا، تَدخُلُ ساحةَ الأُمَمِ الَّتي سُمِّيت بهذا الاسمِ لأنَّهُ آخِرُ مكانٍ يُسْمَحُ للأُمَمِ بالوُصولِ إليهِ. وكانَ يُسمَحُ لأيِّ شخصٍ بالدُّخولِ إلى هناك. فقد كانَ بمقدورِ أيِّ شخصٍ بدخولِ سَاحةِ الأُمَم. أمَّا إذا تَجاوَزَ أيُّ أُمَمِيٍّ تلك السَّاحةَ فإنَّهُ يُقْتَل.

وإلى الدَّاخِلِ مِنْ ساحةِ الأُممِ كانت هناكَ ساحةٌ أخرى تُسَمَّى ساحةَ النِّساء، وهي أبْعَدُ مكانٍ يُمكنُ للنِّساءِ الوصولَ إليهِ. ولكِنْ يُمكنُ لأيِّ يهوديٍّ أنْ يَدخُلَ إلى هناك. ويتِمُّ الدُّخولُ مِنْ بَوَّابةٍ تُدعى "الباب الجَميل" – وهيَ بوَّابةٌ مَشهورةٌ يَجلسُ عندها المُتَسَوِّلون. وكانَ يمكنُ لأيِّ يهوديٍّ أن يَدخلَ إلى ما يُعرَفُ بساحةِ النِّساء.

وكانَ بمَقدورِ الرِّجالِ أنْ يَدخلوا الساحةَ الداخليَّةَ التَّالية والَّتي تُعرَفُ بساحةِ الإسرائيليِّين. وقد كانت مُمَيَّزَة ببوَّابةٍ تُعرفَ باسمِ "بوَّابة نيكينور" (Nicanor’s Gate)، وقد صُنِعَتْ في هيكلِ هيرودُس مِنْ برونز مِن مدينةِ كورِنثوس. ولِضَخامَتِها، كانت تَحتاجُ إلى عِشرينَ رَجُلًا لفَتحِها وإغلاقِها. وكانَ النَّاسُ يَجتمعونَ هنا للعبادة، وكانَ بإمكانهم أن يَنظروا مِن خِلالِ المَدْخَلِ إلى السَّاحةِ الأُخرى وهيَ ساحةُ الكَهَنة. ومعَ أنهُ لم يَكُنْ يُسْمَحُ لهم بدخولها، فإنَّهُ كانَ بإمكانهم أن يُشاهدوا ما يَقومُ بهِ الكهنةُ مِنْ إصعادٍ للبَخُورِ وتَقديمٍ للذبائح.

وفي آخِرِ سَاحةِ الكَهَنَة، كانَ هُناكَ الهيكلُ نَفسُهُ الَّذي يَضُمُّ القُدْسَ، وقُدْسَ الأقْداس. لذلكَ، كانَ بمقدورِ الشَّعبِ أنْ يَنظروا عبرَ الأبوابِ وأنْ يَرَوْا الكهنةَ في أوقاتٍ مُعيَّنةٍ وَهُمْ يُقَدِّمونَ الذبائحَ الصباحيَّةَ والذبائحَ المسائيَّةَ، ويُصْعِدونَ البَخُورَ، ويُقَدِّمونَ الذَّبائحَ كُلَّ يومٍ بِكُلِّ تأكيدٍ في عيدِ الفصح. وكانَ المُجَمَّعُ الكبيرُ بمُجْمَلِهِ يُسَمَّى هَيكل الله.

والآنْ، أرجُو أنْ تُرَكِّزُوا أنظارَكُم على ساحَةِ الأُمَم. فحينَ تَدخُلونَ ساحةَ الأُمَمِ في الجانبِ الشرقيِّ مِنْ مدينةِ أورُشليمَ القديمة ستُصْدَمون مِمَّا سَتَرَوْنَهُ. وإنْ كُنتُم تُحِبُّونَ الرَّبَّ وتؤمِنونَ بالعبادةِ الحقيقيَّةِ الطَّاهرةِ، سَتَغضبونَ بشِدَّة. وقد غَضِبَ يَسوعُ لِما رآهُ. وقد غَضِبَ مُنذُ أنْ رأى ذلكَ في اللَّيلةِ السَّابقةِ.

ولكِنْ ما الَّذي كانَ يَجري هناك؟ لقد تَمَّ تَحويلُ ساحةِ الأُمَمِ إلى سُوْقٍ تِجارِيٍّ. وكانتِ التِّجارةُ هي بَيْعُ الحَيَواناتِ الَّتي ستُقَدَّمُ ذَبائِحَ. وقد أَخبرتُكُم قبلَ أُسبوعَيْنِ أنَّ هُناكَ سِجِلًّا يَقولُ إنَّ مِئَتَيْ وَسِتِّينَ ألفَ خَروفٍ قد ذُبِحَتْ في أَحَدِ أعيادِ الفِصْح. لذلكَ، يمكنكم أن تُدركوا عددَ الحَيَواناتِ الَّتي كانتْ هناك.

كذلكَ، كانَ ينبغي للمرءِ أن يَشتري أشياءَ أُخرى للتَّقدِماتِ والذَّبائحِ. لذلكَ، كانَ هُناكَ صَيارِفَةٌ. وقد كانَ هذا كُلُّهُ يُسَمَّى في الأصْلِ "بازار حَنَّان". فقد كانَ حَنَّان وقَيافا رَئيسَيْنِ للكَهَنَة، وكانا يُديرانَ هذهِ التِّجارَةَ الَّتي جَعَلَتْهُما مِن أَغْنَى الأغنياء. وكانا يَسمحانِ لِتُجَّارِ المَواشِي والصَّيارِفَة وتُجَّارِ الزُّيوتِ وغيرِها مِنَ الأشياءِ بممارسةِ أعمالِهِمْ هذِهِ مُقابِلَ مَبالِغَ مِنَ المال. وكانا يَبيعانِ تِلْكَ الرُّخَصَ للتُّجَّارِ مُقابلَ مبالِغَ خَياليَّة ويأخذونَ مِنهُم نِسبةً عاليةً مِنَ الأرباحِ. لذلكَ، فقد كانَتْ ساحةُ الأُمَمِ مُزْدَحِمَة بهذهِ الأعمالِ التِّجاريَّةِ.

وقد كَتَبَ "لايتفوت" (Lightfoot) عن وجودِ سُوْقٍ دائمةٍ في الهيكلِ في ذلكَ المكان. وكانتْ تلكَ المَحَالُّ التِّجاريَّةُ تَبيعُ كُلَّ يومٍ الخَمْرَ والمِلْحَ والزَّيتَ وكُلَّ ما يَلْزَمُ للذَّبائحِ. كذلكَ، كانتِ المَواشي تُباعُ هُناكَ أيضًا.

وإليكُمْ طريقةُ سَيْرِ الأُمورِ. فقد تقولُ: "لِماذا لم يَكُنِ النَّاسُ يُحضِرونَ حَيَواناتِهِمْ بأنفُسِهِم؟" وقد كانَ ينبغي لهُم أنْ يَفعلوا ذلك. وكانَ بمَقدورِهم أنْ يَفعلوا ذلك فيختارُوا أفضَلَ حَمَلٍ صَحيحٍ لا عَيْبَ فيه. ولكِنْ إذا أَحْضرتَ الحَمَلَ بنفسكَ فإنَّ الأمْرَ لا يَخْلُو مِن خَطَرٍ لأنَّ كُلَّ حَيَوانٍ سَيُقَدَّمُ ذَبيحةً ينبغي أنْ يَجْتازَ فَحْصًا يُجريهِ الكهَنَة.

لذلكَ، كانَ مِن مَصلحةِ الكهَنَةِ أنْ يَرفضوا الحَيَوانَ الَّذي تُقَدِّمُهُ لأنَّهُم حينَ يَرفضونَ ذلكَ الحَيَوانَ ستُضْطَرُّ إلى شِراءِ حَيَوانٍ آخَرَ مِنَ السُّوقِ. وسوفَ تُضْطَرُّ إلى شِراءِ حَيَوانٍ بسعرٍ خَيالِيٍّ لأنَّ نِسبةً كبيرةً مِنَ الرِّبْحِ ستَذهبُ (كما ذَكَرْتُ) إلى جُيوبِ رُؤساءِ الكَهَنَة.

إذًا فقدِ أَحْضَرْتَ الحَيَوانَ بنفسكَ ولكنَّهُمْ رَفَضوه. وتقولُ بعضُ السِّجِلَّاتِ إنَّ النَّاسَ كانوا يَدفعونَ عَشَرةَ أضعافِ السِّعْرِ المَعقولِ ... عَشَرَةَ أضعافٍ. وهذِهِ سَرِقَة. وهذا استغلالٌ مِنَ الكَهَنَة. وقد كانَ الصَّخَبُ في المكانِ، والقَذارةُ في المكانِ، ورائحةُ الحَيَواناتِ المُنَفِّرة، والفوضَى العارِمَةُ في هيكَلِ اللهِ مُثيرةً للاشمئزازِ بالنِّسبةِ إلى المسيح. فهناكَ الفسادُ، والسَّرِقةُ، والنَّهْبُ، والنَّاسُ الَّذينَ يَعملونَ دُوْنَ وازِعٍ ودونَ ضَميرٍ على استغلالِ الفُقَراء.

ثُمَّ كانَ هناكَ بَاعَةُ الحَمامِ واليَمامِ لأنَّ أُناسًا كثيرينَ كانُوا فُقراءَ جدًّا ولا يمكنهم تَقديمَ الحُملان. لذلكَ فقد كانَ يُسْمَحُ للفُقراءِ (وَفقًا لما جاءَ في سِفْرِ اللَّاويِّين 12: 6 و 8) أنْ يُقَدِّموا حَمامَتَيْن. وكانَ سِعْرُ الحَمامَةِ يُقَدَّرُ (بعِملةِ اليوم) بنحوِ عَشرة سِنتات. ولكنَّهُم كانُوا يبيعونها هُناكَ بنحوِ عشرة دولارات. لذلكَ كانَ الاستخفافُ، والدَّعارةُ، والانحرافُ، والفسادُ مُتَفَشِّيًا بطريقةٍ مُنحطَّةٍ وفاضِحَةٍ.

ثُمَّ كانَ هناكَ الصَّيارِفَةُ. والكلمة "كولوبوس" (kollubos) هي جزءٌ مِنَ الكلمة المُتَرْجَمَة "صَيارِفَة"، وهي تَعني "عُملة نَقديَّة صغيرة". وكانَ ينبغي لكُلِّ يهوديٍّ أن يَدفعَ نِصفَ شَاقَلٍ كضريبةٍ للهيكل في وقتِ عيدِ الفصحِ تقريبًا. وقبلَ ذلكَ بشهر، كانَ يمكنكَ أنْ تَدفعها مَحَلِّيًّا. أمَّا إذا وَصَلْتَ إلى أورُشليمَ ولم تَكُنْ قد دَفَعتَها بعد، ينبغي لكَ أنْ تَدفَعها في الهيكل. وكانَ يَنبغي أن تَدفعَها بعُملةٍ مُعيَّنَةٍ. وإنْ لم يكُن مَعَكَ المبلغ المطلوب بالضَّبط، ينبغي أنْ تَقومَ بتبديلِ أموالِكَ. وكانَ الصَّيارِفَةُ يَتقاضونَ عُمولةً بنسبةِ 25 بالمئة لتَبديلِ أموالِك.

وقد كانَ ذلكَ يُشبِهُ السَّفَرَ إلى الخارِجِ وتَصريفِ أموالِكَ في المَطار. أليسَ كذلك؟ فمِنَ الأفضلِ لكَ أنْ تَذهبَ إلى المَصْرِفِ قبلَ وصولِكَ إلى المطار. لذلكَ فقد كانَتِ العُمولةُ استغلالِيَّةً. وكانَ الأمرُ بمُجملِه (أي بازار حَنَّان بأسْرِه) فاسِدًا. وقد صارَ هذا السُّوقُ مَكانًا يَرْتادُهُ النَصَّابونَ وَالمُحتالونَ والمُخادِعونَ على اختلافِ أشكالِهِم لِمُمارَسَةِ تِجارَتِهِم الفاسِدَة. فهذا هُوَ المكانُ الَّذي زَارَهُ يَسوع.

لقد كانَ النِّظامُ الدِّينِيُّ فاسِدًا. وقد رَكَّزَ يَسوعُ نَظَرَهُ على هذا الأمرِ. فقد انْتَفَضَ كِيانُهُ كُلُّهُ لِمَا رَآهُ وَشَمَّهُ وَسَمِعَهُ. وقد كانَ يَسوعُ في بَيْتِهِ. لذلكَ فإنَّهُ يقولُ عَنِ الهَيكلِ إنَّهُ "بَيْتُهُ" في العدد 46. وهذهِ هِيَ كلمةُ اللهِ المُقتبسَة مِنَ العهدِ القديمِ في إشَعياء 56: "بيتي. هذا بيتي. وقد جَلَبْتُمْ فَسادَكُمْ إلى بَيتي".

وبيتُ الرَّبِّ هو ليسَ المؤسَّساتِ السياسيَّة الوضيعة الموجودة في العالم، وليسَ مؤسَّساتِ العالمِ الاجتماعيَّة. بل إنَّ بَيْتَهُ هوَ البيتُ الَّذي يَسْكُنُ فيهِ اسْمُ اللهِ. "لقد أَفْسَدْتُمْ عالَمي، وبَيتي، ومَجْدي، وطَهارَةَ العِبادَةِ". فَهُوَ رَبُّ السَّبْتِ. ونقرأُ في إنجيل مَتَّى 12: 6 إنَّهُ رَبُّ الهيكلِ أيضًا. لذلكَ فقد كانَ في مَأمورِيَّة إلهيَّة تَقتضي الهُجومَ على العبادةِ الزائفةِ الَّتي تُجْرَى باسمِ اللهِ الحقيقيِّ. وهذا إعلانٌ عَنْ هُويَّتِهِ الحقيقيَّة. فقد كانَ ذاهبًا للدِّفاعِ عَنِ اللهِ وبيتِ اللهِ في وَجْهِ المُجَدِّفين.

ثانياً، نَرى شَخْصَهُ المُلوكِيَّ ظاهِرًا ليسَ فقط في مأموريَّتِهِ الإلهيَّةِ، بل في سُلْطانِهِ الإلهيِّ أيضًا. فقدِ ابتدأَ في طَرْدِ الباعَةِ والتُّجَّارِ. ولا يمكنني أنْ أُفَسِّرَ ذلكَ بالطَّريقةِ الحَيَّةِ الموجودَةِ في ذِهْني. فكيفَ تَمَكَّنَ شخصٌ واحدٌ مِن إغلاقِ ذلكَ السُّوقِ بمُجمَلِه؟

نَجِدُ هُنا أوَّلَ عَمَلٍ رَسميٍّ للملكِ المُتَوَّجِ. وهُوَ عَمَلٌ قويٌّ وذو سُلطانٍ. فقد طَرَدَ الباعَةَ. وكم مئَة بائِع أو ألف بائِعٍ كانَ هُناك؟ وهل نَفترِضُ أنَّهُمْ اصْطَفُّوا جميعًا وغادروا المكانَ طَوْعًا ... دونَ عِراكٍ، ودونَ جِدالٍ، ودونَ مُقاومة؟

لقدِ ابتدأَ بطَرْدِ الباعَةِ. وقدِ ابتدأَ بعمليَّةِ إخراجِهِمْ جميعًا مِنَ المكانِ، بل إنَّهُ طَرَدَهُمْ حرفيًّا خارِجَ المكانِ. فلم يَكُنْ لدى القادةِ أيُّ غَيْرَةٍ على مَجْدِ اللهِ، وَلا على كَرامَتِهِ. ولكنَّهُ كانَ غَيورًا. ورُبَّما صَنَعَ سَوْطًا آخَرَ. لا أدري. فالنَّصُّ لا يَذكُرُ الشَّيءَ الَّذي استَخدَمَهُ للقيامِ بذلك. ولكِن إذا رَجَعْتُم إلى إنجيل مَتَّى 21 - ولا حاجةَ لأنْ تَفتحوا كُتُبَكُم المقدَّسة. ولكنِّي أُذَكِّرُكُم بذلكَ فقط. وسوفَ تَجِدونَ في مَتَّى 21 وصفًا لذلكَ ابتداءً مِنَ العدد 12. وهناكَ وَصْفٌ آخرُ في مَرقُس 11 ابتداءً مِنَ العدد 15.

ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى: "وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ". فهوَ لم يَقُلْ لَهُمْ بطريقةٍ مُهَذَّبَةٍ: "اسمعوا يا رِفاق، يجب أنْ تَتوقَّفوا عنِ القيامِ بذلكَ وأنْ تَخرُجوا مِن هذا المكان". بل إنَّهُ طَرَدَهُمْ جَسَدِيًّا. فقد ألقى بِهِمْ خارجًا. وقد قَلَبَ الموائِدَ حَرفيًّا. فالصَّيارِفَةُ هي تَرجمة لِكَلِمَة يونانيَّة تُشيرُ إلى مَنْ يُحَوِّلونَ العُملاتِ الصَّغيرة "كولوبوس" (kollubos). وقد طَرَحَهُمْ عنْ مَقاعِدِهِمْ وطَرَدَهُمْ بالمَعنى الجَسَدِيِّ خارِجَ المَكان.

ولا أدري الوقتَ الَّذي تَطَلَّبَهُ هذا الأمر، ولكِنْ مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كانَ أمرًا استَغرقَ بعضَ الوقتِ. ولا بُدَّ أنهم خافوا جِدًّا مِن قُوَّتِهِ الجسديَّة لأنهم غادروا. فقد قَلَبَ موائِدَهُم وبَعْثَرَ نُقودَهُمْ في جَميعِ أرجاءِ المكان.

ويُخبرُنا مَتَّى أيضًا أنَّهُ قَلَبَ كَراسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ. ومِنَ المُرَجَّحِ أنهم كانُوا يَضَعونَ الحمامَ في أقفاصٍ صغيرةٍ ويجلسونَ على مقاعِدَ صغيرة. ولكنَّهُ أمسَكَ بهم وَطَرَحَهُمْ خارجًا، وقلبَ مَقاعِدَهُمْ وَألقاها بَعيدًا لتَتَدَحْرَجَ على أرضيَّةِ الهَيكَلِ. ويُضيفُ مَرقُسُ (في الأصحاح 11 والعدد 16) أنَّهُ "لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجْتَازُ الْهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ". وهذا يَعني أنهم غادروا دونَ أن يأخذوا شيئًا معهم. ولكِنْ كيفَ يمكنُ لشخصٍ واحدٍ أنْ يُفْرِغَ المَكان؟

كم أتَمَنَّى لو كنتُ هناك! وأرجو أنْ يكونَ اللهُ قَدْ صَوَّرَ هذا المَشهدَ وأنْ يكونَ هُناكَ شَريطٌ في السَّماء. فأنا أرغبُ في مشاهدَتِهِ. وإن لم يكُن هناكَ شَريطٌ فإنِّي أرغبُ في التَّحَدُّثِ إلى واحِدٍ مِنَ التَّلاميذِ الذينَ كانُوا حاضِرينَ، وأنْ أسمَعَ القِصَّةَ بتفاصيلها الدَّقيقةِ مِنْهُ. فقد قَلَبَ المَقاعِدَ، وقَلَبَ المَوائِدَ، وَطَرَدَ الباعَةَ خارجًا، ولم يَسمحُ لهم بأخذِ أيِّ شيءٍ. فيا لَهُ مِنْ سُلطانٍ! ويا لَها مِنْ قُوَّةٍ! ويا لَها مِنْ سُلْطةٍ، ويا لهُ مِن أمرٍ مُدهشٍ – فكيفَ يُعْقَلُ أنْ يُهاجِمَ إسرائيلَ، وأنْ يُهاجِمَ الهيكلَ وليسَ أعداءَ إسرائيل الوثنيِّين؟

إنَّني على قَناعةٍ بأنَّهُ لو أنَّ الربَّ يسوعَ جاءَ إلى هذا العالمِ اليوم، فإنَّهُ سَيُهاجِمُ الكنيسةَ، وليسَ واشِنطُن، وليسَ الجامِعات. بل إنَّهُ سيُهاجِمُ الكنيسةَ بسُلطانِهِ الإلهيِّ.

والحقيقةُ هي أنهُ مِنَ المَشروعِ لنا أنْ نُصَلِّي قائلين: "يا رَبُّ، طَهِّرْ كَنيسَتَكَ"، وأن نَضُمَّ صَوتَنا إلى صَوْتِ بُطرُسَ قائلين إنَّ القَضاءَ يَنبغي أنْ يَبتدئَ مِنْ بيتِ اللهِ. فهل مِن أشخاصٍ على غِرارِ "مارتن لوثَر" يُهاجِمونَ الصَّيارِفَةَ والمُجَدِّفينَ الذينَ يَستخدِمونَ اسمَ المسيحِ لاستغلالِ الناسِ ويُمارِسونَ رِيَاءَهُمْ وهَرْطَقاتِهِم على حِسابِ النَّاسِ؟

فنحنُ لدينا أنبياءُ كَذَبَة كما كانَ في ذلكَ الوقت. وهُم يَفعلونَ ذلكَ مِن أجلِ الرِّبْحِ القَبيح. لذلكَ فإنَّ بُطرسُ يُذَكِّرُنا في النَّصِّ الَّذي قرأتُهُ في هذا الصَّباحِ بأنْ لا نَخْدِمَ لأجْلِ المالِ. فَكَمْ يُبْغِضُ الرَّبُّ أولئكَ الَّذينَ يُشَوِّهونَ العبادةَ، ولا سِيَّما أولئكَ الَّذينَ يُشَوِّهونَ العبادَةَ باسْمِهِ، أيْ باسْمِ اللهِ، ويَفعلونَ ذلكَ مِنْ أجلِ المالِ، ويَفعلونَ ذلكَ بِلا أَمانَةٍ، ويَستغلُّونَ النَّاسَ، ويُمارِسونَ النِّفاقَ، ويُقَدِّمونَ للنَّاسِ وُعودًا زائفةً بالشِّفاءِ والرَّخاء. فَهُمْ يَفعلونَ ذلكَ باسمِ اللهِ وباسمِ المسيح.

وأنا أقولُ لكُم إنِّي لا أريدُ أنْ أكونَ مكانهُم عندما يأتي وَقْتُ التَّطهير. وَهُوَ سَيأتي. لذلكَ فإننا نَرى هُويَّتَهُ الحقيقيَّة مِن خلالِ مأموريَّتِهِ الإلهيَّةِ ومِن خِلالِ سُلْطانِهِ الإلهِيِّ.

ثالثًا، لقد أَظْهَرَ تَكريسَهُ للأسفارِ الإلهيَّةِ. لقد أَظْهَرَ تَكريسَهُ للأسفارِ الإلهيَّةِ. فنحنُ نَقرأُ في العدد 46 أنَّهُ قالَ لهُم هذهِ الكلماتِ الَّتي ظَلَّ يُرَدِّدُها طَوالَ قِيامِهِ بذلك: "بَيْتِــي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!" وهُوَ يَقْتَبِسُ آيَتَيْنِ مِنَ العهدِ القديمِ: الأولى مِن سِفْرِ إشَعياء، والثانية مِن سِفْرِ إرْميا. هذا هُوَ بيتُ اللهِ. وهذا مَكانٌ يأتي النَّاسُ إليهِ للشَّرِكَةِ معَ الله. وهذا مكانُ صَلاةِ. والصَّلاةُ هِيَ جَوْهَرُ العِبادة.

وَمَا هِيَ الصَّلاة؟ إنَّها تَواصُلٌ معَ اللهِ. وهذا هوَ ما تَفعلونَهُ في العبادة. أليسَ كذلك؟ هذا هوَ ما تَفعلونَهُ في العبادة. فأنْتُمْ تُمَجِّدونَ اللهِ، وتُكْرِمونَ اللهَ، وتتكلَّمونَ إلى اللهِ، وتُرَنِّمونَ للهِ، وتُسَبِّحونَ اللهَ. وهذا شكلٌ مِن أشكالِ الصَّلاةِ. وأنتُم تَعترفونَ بخطاياكُم. وتَتوبونَ. وقد كانَ الهيكلُ موجودًا لهذهِ الغايَةِ.

وَهُوَ يَقتَبِسُ (أوَّلًا) ما جاءَ في إشعياء 56: 7: "لأَنَّ بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى". ويُضيفُ إشعياءُ قائِلًا: "لِكُلِّ الشُّعُوبِ". وقد ذَكَرَ مَرْقُسُ ذلكَ في إنجيلِهِ.

فقد أَوْجَدَ اللهُ الهيكلَ دائمًا ليكونَ مكانًا للصَّلاةِ، ومكانًا مُقَدَّسًا للعبادةِ، ومكانًا للتَّكريسِ، والتَّأمُّلِ، والخَلْوَةِ، والتَّوبةِ، والانْكِسارِ، والاعترافِ، والتَّسبيح. لكنَّهُ صارَ مَهرَجانًا للتَّجديفِ والسَّرقةِ، ومغارةَ لُصوص. وهذا يُذَكِّرُنا بواحدةٍ مِنَ الأُمَّهاتِ العَظيماتِ في الكتابِ المقدَّسِ وهيَ "حَنَّة". فنحنُ نقرأُ في سِفْرِ صموئيلَ الأوَّل والأصحاح الأوَّل أنها دَخَلَتْ إلى الهيكلِ وراحَتْ تُصَلِّي. فقد وَجَدَتْ في الهيكلِ بيئةً مُناسبةً للتَّأمُّلِ الهادئِ والتَّضَرُّعِ. ولكنَّ ذلكَ لم يَكُنْ يَحدُثُ في الهيكلِ في زمنِ يسوع.

ولتوضيحِ الأمْرِ أكثَر، ارجعوا إلى سِفْرِ الملوكِ الأوَّل والأصحاحِ الثامنِ. فعندما تَمَّ بِناءُ الهيكلِ الأولِ مِنْ قِبَلِ سُليمان، صَلَّى سُليمانُ صَلاةً عندَ تَكريسِهِ. وصَلاتُهُ تُخْبِرُنا عَنِ القَصْدِ مِنْ وُجودِ الهيكَلِ. فنحنُ نَقرأُ في 1مُلوك 8: 27: "لأَنَّهُ هَلْ يَسْكُنُ اللهُ حَقًّا عَلَى الأَرْضِ؟ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ، فَكَمْ بِالأَقَلِّ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَيْتُ؟" فهذا الهيكلُ لَنْ يَتَّسِعَ للهِ. إنَّهُ لن يَتَّسِعَ للهِ غيرِ المَحدود.

"فَالْتَفِتْ إِلَى صَلاَةِ عَبْدِكَ وَإِلَى تَضَرُّعِهِ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي، وَاسْمَعِ الصُّرَاخَ وَالصَّلاَةَ الَّتِي يُصَلِّيهَا عَبْدُكَ أَمَامَكَ الْيَوْمَ". فأنا أَعْلَمُ أنَّ هذا الهيكلَ لنْ يَتَّسِعَ لَكَ، ولكِنِّي أريدُ أنْ أُصَلِّي لِكَيْ يُحَقِّقَ الهَيْكَلُ الغايَةَ مِنْ بِنائِهِ. وما هيَ تلكَ الغايَةُ؟ نَقرأُ في العدد 29: "لِتَكُونَ عَيْنَاكَ مَفْتُوحَتَيْنِ عَلَى هذَا الْبَيْتِ لَيْلاً وَنَهَارًا، عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قُلْتَ: إِنَّ اسْمِي يَكُونُ فِيهِ، لِتَسْمَعَ الصَّلاَةَ الَّتِي يُصَلِّيهَا عَبْدُكَ فِي هذَا الْمَوْضِعِ".

فَهُوَ مَوْضِعُ صلاةٍ. وقد تَمَّ تَكريسُهُ لهذهِ الغايةِ في صلاةِ سُليمان. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 30: "وَاسْمَعْ تَضَرُّعَ عَبْدِكَ وَشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي هذَا الْمَوْضِعِ" – وهذا يَعني أنهُ كانَ بإمكانِ الناسِ أن يُصَلُّوا في الهيكلِ، أو حَوْلَ الهيكلِ، أو في أيِّ مَكانٍ آخَرَ مِنْ خِلالِ التَّوَجُّهِ إلى المَكانِ الَّذي يُوْجَدُ فيه الهَيْكَل. فَهُوَ يَرْمِزُ إلى حُضورِ الله. فعندما يُصَلُّونَ في هذا الهيكلِ الَّذي يَرْمِزُ إلى حُضورِكَ (في العدد 30): "اسْمَعْ أَنْتَ فِي مَوْضِعِ سُكْنَاكَ فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا سَمِعْتَ فَاغْفِرْ".

إذًا، ما نَوْعُ الصَّلاةِ الَّتي كانُوا يُصَلُّونَها؟ صَلاةُ ماذا؟ إنَّها صلاةُ الاعتراف، والتَّوبة، والانْكِسار. ثُمَّ في العدد 31: "إِذَا أَخْطَأَ أَحَدٌ إِلَى صَاحِبِهِ وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَلْفًا لِيُحَلِّفَهُ، وَجَاءَ الْحَلْفُ أَمَامَ مَذْبَحِكَ فِي هذَا الْبَيْتِ، فَاسْمَعْ أَنْتَ فِي السَّمَاءِ وَاعْمَلْ وَاقْضِ بَيْنَ عَبِيدِكَ، إِذْ تَحْكُمُ عَلَى الْمُذْنِبِ فَتَجْعَلُ طَرِيقَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَتُبَرِّرُ الْبَارَّ إِذْ تُعْطِيهِ حَسَبَ بِرِّهِ. إِذَا انْكَسَرَ شَعْبُكَ إِسْرَائِيلُ أَمَامَ الْعَدُوِّ لأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا إِلَيْكَ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْكَ وَاعْتَرَفُوا بِاسْمِكَ وَصَلَّوْا وَتَضَرَّعُوا إِلَيْكَ نَحْوَ هذَا الْبَيْتِ، فَاسْمَعْ أَنْتَ مِنَ السَّمَاءِ وَاغْفِرْ خَطِيَّةَ شَعْبِكَ ...". وتَستَمِرُّ هذهِ الصَّلاة في أغلبيَّةِ هذا الأصحاح.

إذًا، عندما يُصَلُّونَ في هذا المكانِ أوْ وَهُمْ مُتَّجِهونَ صَوْبَ هذا المَكان، اسْمَع صَلاتَهُم. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 35: "إِذَا أُغْلِقَتِ السَّمَاءُ وَلَمْ يَكُنْ مَطَرٌ، لأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا إِلَيْكَ، ثُمَّ صَلَّوْا فِي هذَا الْمَوْضِعِ وَاعْتَرَفُوا بِاسْمِكَ، وَرَجَعُوا عَنْ خَطِيَّتِهِمْ لأَنَّكَ ضَايَقْتَهُمْ، فَاسْمَعْ أَنْتَ مِنَ السَّمَاءِ وَاغْفِرْ خَطِيَّةَ عَبِيدِكَ وَشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ". العَدَد 38: "فَكُلُّ صَلاَةٍ وَكُلُّ تَضَرُّعٍ تَكُونُ مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ كَانَ مِنْ كُلِّ شَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كُلُّ وَاحِدٍ ضَرْبَةَ قَلْبِهِ، فَيَبْسُطُ يَدَيْهِ نَحْوَ هذَا الْبَيْتِ، فَاسْمَعْ أَنْتَ مِنَ السَّمَاء".

فالغايةُ الرَّئيسيَّةُ مِن هذا المكانِ هُوَ أنَّهُ بَيْتُ صَلاة. وقد كانتِ الذبائحُ الَّتي تُقَدَّمُ (مِن خلالِ الذَّبيحةِ الصَّباحيَّةِ والذَّبيحةِ المسائيَّةِ) تَرْمِزُ ببساطةٍ إلى سَماعِ اللهِ صَلاةَ المُصَلِّي لأنَّهُ كُفِّرَ عَنْهُ وَصَارَ مَرْضِيًّا أمامَهُ.

ونُتابِعُ القراءةَ في العدد 42: "لأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ وَبِيَدِكَ الْقَوِيَّةِ وَذِرَاعِكَ الْمَمْدُودَةِ، فَمَتَى جَاءَ وَصَلَّى فِي هذَا الْبَيْتِ" ... وتَستمرُّ هذهِ الصَّلاة إلى العَدَد 61 حيثُ نَقرأُ: "فَلْيَكُنْ قَلْبُكُمْ كَامِلاً لَدَى الرَّبِّ إِلهِنَا إِذْ تَسِيرُونَ فِي فَرَائِضِهِ وَتَحْفَظُونَ وَصَايَاهُ كَهذَا الْيَوْمِ». ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ وَجَمِيعَ إِسْرَائِيلَ مَعَهُ ذَبَحُوا ذَبَائِحَ أَمَامَ الرَّبِّ". فقد كانُوا يُقَدِّمونَ الذَّبائِحَ لتَسْكينِ غَضَبِ اللهِ. وكانُوا يُقدِّمونَ الذبائحَ لإرضاءِ اللهِ. وهذا يَفْتَحُ الطَّريقَ للمُثولِ في حَضْرَةِ اللهِ. لذلكَ فإنَّ هذا البيتَ هُوَ بيتُ صَلاةٍ.

إنَّهُ بيتُ صَلاةٍ. فقد كانَ الهيكَلُ هَكَذا. فقد كانَ مكانًا يَذهبُ النَّاسُ إليهِ للصَّلاة. فهل تُسَبِّحونَ اللهَ. مِنَ المؤكَّدِ أنَّكُم تُسَبِّحونَهُ. وهل تُحِبُّونَ اللهَ وتَعبُدونَهُ؟ مِنَ المؤكَّدِ أنَّكم تفعلونَ ذلك. ولكِنْ قبلَ قيامِكُم بذلك، فإنَّكُم تَعترفونَ بخطاياكُم، وتقولونَ ما قالهُ العَشَّارُ في لوقا 18 إذْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" – أيِ إنَّهُ صَلَّى لكي يَقْبَلَ اللهُ ذَبيحَتَهُ الَّتي قَدَّمَها إليهِ آنَذاك.

ونَقرأُ في المزمور 27: 4: "وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي (أيْ في الهَيْكَلِ)، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ". فَهُوَ مَكانٌ للتَّأمُّلِ. وَهُوَ مَكانٌ للاعترافِ. وهُوَ مكانٌ للصَّلاة.

ونَقرأُ في المزمور 65: 4: "طُوبَى لِلَّذِي تَخْتَارُهُ وَتُقَرِّبُهُ لِيَسْكُنَ فِي دِيَارِكَ. لَنَشْبَعَنَّ مِنْ خَيْرِ بَيْتِكَ، قُدْسِ هَيْكَلِكَ". فهوَ مكانُ الخَيْرِ، ومكانُ الاعترافِ، ومكانُ التسبيحِ، ومكانُ الشَّرِكَةِ معَ اللهِ. ولكنَّ الأمرَ كانَ مختلفًا جدًّا عنْ ذلكَ في سنةِ 30 ميلاديَّة إذْ كانَتِ الفَوضَى عارِمَةً في هيكلِ هيرودُس في عيدِ الفِصْح.

والحقيقةُ هي أنَّ يسوعَ قال: "أَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!" وهذهِ الكلماتُ مُقتبسةً مِنْ سِفْرِ إرْميا 7: 11. "لقد جَعَلْتُم هذا المكانَ المقدَّسَ المُخَصَّصَ للصَّلاةِ والعبادةِ مَغَارَةَ لُصُوصٍ". وحتَّى إنَّ إرْميا 7 يَتحدَّثُ عنْ جميعِ الرَّجاساتِ. "بيتي جَعَلْتُموهُ مَغارةَ لُصُوصٍ". يقولُ اللهُ في إرْميا 7.

فاللُّصوصُ يُحبونَ التجمُّعَ في الكُهوف. ولا عَجَبَ أنَّ قُطَّاعَ الطَّريقِ وما شَابَهَ ذلكَ يَختبئونَ في الكُهوفِ. وقد صارَ الهيكلُ مَكانًا يَختبئونَ فيه. فقد صارَ مَغارَةً للُّصوصِ، ومكانًا يَختبئُ فيهِ السَّارِقونَ، وليسَ مكانًا للعابِدينَ. فقد صارَ مكانًا لِحمايةِ المُجَدِّفين. فلم يكُنْ أحدٌ مِن هؤلاءِ مُضْطرًّا للاختباءِ في الكُهوفِ، بل كانَ بمَقدورِهِ أنْ يَشتري رُخْصَةً للمُتاجَرَةِ في الهيكل.

لقد كانَ الأمرُ سيِّئًا جدًّا. وكانَ ما فَعَلَهُ يَسوعُ عملًا مؤقَّتًا جدًّا. فبعدَ أربعينَ سنة (أي في سنة 70 ميلاديَّة)، أَرْسَلَ اللهُ الجيشَ الرومانيَّ ودَمَّرَ الهيكلَ تمامًا، ولم يُعاد بِناؤُهُ طَوالَ ألْفي سَنَة. فقد كانَ الأمْرُ سَيِّئًا إلى هذا الحَدِّ. وهذا هوَ المكانُ الَّذي ذهبَ إليهِ يسوعُ لأنَّهُ مكانُهُ. وكما ذَكَرتُ، لو أنَّهُ عادَ اليومَ فإنَّهُ لن يُهاجِمَ مُؤسَّساتِ هذا العالمِ، بل سيُهاجِمُ الكنيسةَ – الكنيسةَ الفاسِدَةَ، وغيرَ الأمينةِ، وغيرَ الحقيقيَّة. لذلكَ فإنَّنا نَرى المَلِكَ في مأموريَّة إلهيَّة، وسُلطانٍ إلهيٍّ يُتَمِّمُ كَلامًا إلهيًّا.

رابعًا، لقد أَظْهَرَ تَعاطُفًا إلهيًّا. ومَرَّةً أُخرى، فإنَّ إظْهارَ هُويَّتهُ الحقيقيَّة يُبَيِّنُ مِن جانبٍ آخَرَ تَعاطُفَهُ الإلهِيَّ. فنحنُ نَقرأُ في العدد 47: "وَكَانَ يُعَلِّمُ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ". ويا لها مِنْ جُملةٍ بَسيطَةٍ وَعَجيبةٍ حقًّا! فقد كانَ يُعَلِّمُ كُلَّ يومٍ في الهيكل. وما الَّذي كانَ يُعَلِّمُه؟ وما الشَّيء الَّذي كانَ يَقولُهُ لهؤلاءِ الناسِ؟

انظروا إلى الأصحاح 20 والعدد الأوَّل: "وَفِي أَحَدِ تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ كَانَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ فِي الْهَيْكَلِ وَيُبَشِّرُ (بالإنْجيل) ...". هل هذا تَعاطُفٌ؟ ما الَّذي يَفعَلُهُ؟ إنَّهُ يُبَشِّرُ بالإنْجيل. وما الإنجيل؟ الخبرُ السَّارُّ بماذا؟ بالخلاص، وبالغُفران، وبالسَّماء، وبالحياةِ الأبديَّة. إنَّهُ حَقًّا جَمالٌ بَعْدَ قُبْحٍ.

وصَدِّقوني أنَّ ساحاتِ الهيكلِ لم تَكُنْ نَظيفةً. فَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ الحيَواناتِ كانَتْ مُنتَشِرَة في جميعِ أرجاءِ المكان – لا سيَّما أنَّ أصحابها قد طُرِدُوا خارجًا. وكانتِ الأموالُ مُبَعْثَرَةً في كُلِّ مكان، والطُّيورُ تُرَفْرِفُ، والموائدُ مَقلوبَةً، والمقاعِدُ مُدَحْرَجَةً، والحُطامُ بِمُختلفِ أشكالِهِ مُنتَشِرٌ في كُلِّ مكان. ولكنَّ تَدْنيسَ الهيكلِ توقَّفَ بِضعةَ أيَّامٍ فقط. ولفترةٍ قصيرةٍ سَيْطَرَ ابنُ اللهِ على بيتِ اللهِ بِعَطْفٍ، وكانَ يُعَلِّمُ كُلَّ يوم (أي الثلاثاء، والأربعاء، والخميس).

وقد أعلَنَ المُخَلِّصُ، مَرَّةً أخرى، إنجيلَ الخلاصِ للشَّعبِ العَنيد. والعبارة "كُلَّ يوم" تَعني أنَّهُ فَعَلَ ذلكَ طَوالَ الأيَّامِ المُتَبَقِّيَةِ مِنَ الأسبوع.

وكانَ مُحتَوى تَعليمِهِ هوَ الإنجيل. ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاح 20 والعدد 21: "فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ بِالاسْتِقَامَةِ تَتَكَلَّمُ وَتُعَلِّمُ، وَلاَ تَقْبَلُ الْوُجُوهَ، بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ". أنْتَ تُعَلِّمُ الإنجيلَ ... أنتَ تُعلِّمُ طَريقَ اللهِ.

وفي نهايةِ الأصحاح 21، نَجِدُ نِهايةَ خِدْمتِهِ التَّعليميَّةِ. وبالمناسبة، فإنَّ ما عَلَّمَهُ موجودٌ في الأصحاحَيْن 20 و 21. وفي نهايةِ ذلك (في الأصحاح 21 والعدد 37) نَقرأُ: "وَكَانَ فِي النَّهَارِ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ، وَفِي اللَّيْلِ يَخْرُجُ وَيَبِيتُ فِي الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ. وَكَانَ كُلُّ الشَّعْبِ يُبَكِّرُونَ إِلَيْهِ فِي الْهَيْكَلِ لِيَسْمَعُوهُ".

إذًا كانَ يُعَلِّمُ يومًا بعدَ يومٍ، وكانَ النَّاسُ يَأتون. وكانُوا يَملأونَ المكانَ لِسَماعِهِ يُعَلِّمُ الإنْجيلَ بِتَعاطُفٍ، ويُعَلِّمُ طَريقَ اللهِ – أيْ طَريقَ اللهِ للحَياةِ، وطريقَ اللهِ للسَّماءِ. وهذهِ هي محبَّةُ اللهِ المُعْلَنَة: سَخَطٌ؟ نَعَم. غَضَبٌ؟ نَعَم. تَعاطُفٌ؟ نَعَم. مَحَبَّةٌ؟ نَعَم.

فعندما كانَ يَسوعُ غاضبًا جدًّا، طَرَدَ الباعَةَ. وقد غادَرَ المُذْنِبونَ المَكانَ، ولكنَّ أُناسًا آخرينَ بَقَوْا فيه. وقد غَضِبَ رُؤساءُ الهيكلِ – كَما سنَرى بعدَ لَحَظات. ولكِنْ كانَ هُناكَ أُناسٌ في المكان. وقد أرادَ أنْ يُكَلِّمَهم للمرَّةِ الأخيرة.

وحينَ نَتأمَّلُ في الأصحاحَيْن 20 و 21، سنَكتشف أنَّ هذا هوَ ما عَلَّمَهُ. فقد عَلَّمَ الإنْجيلَ ... طَريقَ الله. فهذا هُوَ الجانِبُ الإيجابِيُّ. ثُمَّ عَلَّمَ بعضَ الأشياءِ السلبيَّة جدًّا جدًّا. فقد تَحَدَّثَ عنِ القادةِ، وعنِ الهَراطِقَةِ، وعنِ المُرائينَ. وقد تَوَعَّدَ بدمارِ أورُشَليم. وقد تَوَعَّدَ بمجيئِهِ شخصيًّا بالدَّينونة. وهذا شَكْلٌ مِنْ أشْكالِ التَّعاطُفِ أيضًا.

فَمِنَ التَّعاطُفِ أنْ يُنادي بالإنجيلِ. ومِنَ التَّعاطُفِ أن يُعَلِّمَ طَريقَ اللهِ. ومِنَ التَّعاطُفِ أنْ يُحَذِّرَ مِنَ القادةِ الزَّائفينَ، والهَراطِقَةِ، والمُرائين. ومِنَ التَّعاطُفِ أنْ يُحَذِّرَ مِنَ الدينونةِ الإلهيَّةِ. فهذهِ كُلُّها أشكالٌ للتَّعاطُفِ ودعوةِ الناسِ إلى الخلاصِ في ضَوْءِ الدَّينونةِ القادِمَة.

ولكنَّ مَتَّى يُخبرُنا شيئًا آخرَ. فَمَتَّى يقولُ إنَّهُ لم يَكُنْ يُعَلِّمُ وحَسْب، بل إنَّ مَتى يَقولُ بعباراتِ جَميلةٍ إنَّ العُمْيَ والعُرْجَ كانُوا يأتونَ إليهِ فَيَبرأون. العُمْيُ والعُرْجُ كانُوا يأتونَ إليهِ ويَبرَأون. فقد كانَ ما يَزالُ يُظْهِرُ عَطْفَهُ، وما يَزالُ يُظْهِرُ سُلْطانَهُ، وما يَزالُ يُظْهِرُ ما نَسْمَعُهُ يَتَرَدَّدُ في المَزمور 103. فَهُوَ يَشْفي كُلَّ أمراضَك. إنَّهُ يَطْرَحُ. أجل. وَهُوَ يَطْرُدَ. أَجَل. ولكنَّهُ أيضًا يَشفي ويُبَشِّر بالإنْجيلِ بتَعاطُفٍ. وقد فَرَّ المُذْنِبونَ وبَقِيَ الآخرون. فالغضبُ والمحبَّةُ ظَهَرا في تَوازُنٍ إلهيٍّ تامٍّ. فقد أَرْعَبَ المُذْنِبينَ واجْتَذَبَ المُتألِّمينَ. فقد جاءُوا دونَ خَوْفَ مِنَ الشَّافي الرَّقيق، ودونَ خَوفٍ مِنَ المُبَشِّرِ بالإنجيل. ولكنَّهُ جَعَلَهُم يَخافونَ بسببِ تَحذيرِهِ لَهُم مِنَ الدينونة.

ويُخبِرُنا مَتَّى أنَّ العُمْيَ والعُرْجَ كانُوا يُوْجَدونَ دائمًا حولَ الهيكلِ لأنَّ النَّاسَ يأتونَ إلى هُناكَ عادةً عندما يَشعُرونَ بالتَّدَيُّن. وقد كانَ ذلكَ المكانُ مُناسبًا للتَّسَوُّل. ولكنَّهُمْ حَصَلوا في هذهِ المَرَّة على ما هو أكثَر مِنْ بِضْعَة قِطَع نَقْدِيَّة. فقد حَصَلوا على البَصَرِ والقُدرة على الحَرَكة. وهذهِ هيَ الأشياءُ الرائعةُ الَّتي قامَ بها يَسوع. وهيَ بَراهينُ رائعة ومُدهشة على لاهُوتِهِ.

ورُبَّما نَظُنُّ أنَّ هذا كانَ كافيًا. فقد كانَ هذا العَرْضُ العَظيمُ المُنْفَرِدُ للمُعجِزاتِ في يومِ الثّلاثاء كافيًا ليَترُكَ في أذهانِ النَّاسِ انطباعًا قويًّا بأنَّ هذا هو المسيَّا حقًّا. ولكنَّ رَدَّ فِعْلِ القادةِ كانَ غَضَبًا عَارِمًا. وفي النِّهاية، فقد نَجَحُوا في إهاجَةِ الجُموعِ الَّذينَ راحُوا يَصْرُخونَ في نِهايةِ الأسبوعِ (كما جاءَ في الأصحاح 23 والعَدد 21): "اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!". فقد كانَ رَدُّ فِعْلِ القادةِ على هذا المَشهدِ المُتَعاطِفِ بمُجْمَلِهِ هُوَ الغَضَب.

وقدْ ثارُوا أكْثَرَ، كما يُخْبرُنا مَتَّى، بسببِ وجودِ أطفالٍ في الهيكلِ يُسَبِّحونَ يَسوعَ تَتْميمًا لنُبوءةِ المزمور 8. فقد كانَ القادةُ يَفقدونَ السَّيطرة. لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ عنْ آخِرِ دَليلٍ يَختَصُّ بهُويَّتِهِ الإلهيَّةِ. فقد جاءَ في مأموريَّةٍ إلهيَّةٍ بسُلْطانٍ إلهيٍّ، وكانَ أمينًا للإعلانِ الإلهيِّ، وأَظْهَرَ تَعاطُفًا إلهيًّا، وتَمَّمَ قَصْدًا إلهيًّا.

ولم يَكُنْ مِنَ العَجيبِ أنْ يَنتهي الأمْرُ بتلكَ الطريقة. فنحنُ نَقرأُ في مُنتصفِ العدد 47: "وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ وُجُوهِ الشَّعْبِ يَطْلُبُونَ أَنْ يُهْلِكُوهُ، وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَفْعَلُونَ، لأَنَّ الشَّعْبَ كُلَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَسْمَعُ مِنْهُ".

فقد كانَ الشَّعْبُ ما يزالُ مُتعاطِفًا جِدًّا مَعَهُ بسببِ مَا حَدَثَ إذْ إنَّهُ طَهَّرَ الهيكلَ. وبالنِّسبةِ إلى أُناسٍ كثيرينَ، كانَ ذلكَ الأمْرُ يُحْسَبُ لَهُ بِصَراحَة. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُمْ كانُوا الأشخاصَ المُتَضَرِّرين. ثُمَّ تَوالَتِ المُعجِزاتُ، ثُمَّ جاءَ هذا التَّعليمُ الرَّائِعُ مِنْ رَجُلٍ فَعَلَ ما فَعَلَ في الهيكلِ مُبَرْهِنا على قُوَّة بدنيَّة هائلة وحُضورٍ رُوْحِيٍّ عظيم. لذلكَ، كانَ مِنَ البَديهِيِّ أنْ يَنْجَذِبوا إليهِ مؤقَّتًا لأنَّ ذلكَ كانَ لِمَصْلَحَتِهِم.

وكانَ هُناكَ رُؤساءُ الكَهَنَة، والكَتَبَة، والقادة. وكانَ رؤساءُ الكهنة يُديرونَ الهَيْكَلَ. وكانَ الكَتَبَةُ يَقومونَ بدورِ المُحامينَ ... المُحامينَ الدِّينِيِّين والعُلَماءِ الذينَ يَدعَمونَهُمْ بدراساتهمِ المَزعومةِ للأسفارِ المقدَّسة. وكانَ وُجَهاءُ الشَّعْبِ مَجموعَةً مِنَ النَّاسِ المَسؤولين، أو رُبَّما أعضاءَ مَجْلِسِ السِّنهدريم، أو على أقَلِّ تَقدير: الطَّبَقة الحاكِمَة. وقدِ اتَّفَقَ جَميعُ هؤلاءِ معًا. فقد أرادُوا أنْ يَقْتُلوا يَسوع. والآن، هُمْ يُريدونَهُ مَيْتًا أكثرَ مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى. وبحسبِ ما جاءَ في إنجيل مَرقُس 11: 18 فقد: "طَلَبُوا كَيْفَ يُهْلِكُونَهُ". فقد كانُوا يَمُرُّونَ بوقتٍ عصيبٍ ويُفَكِّرونَ بكُلِّ اقتراحٍ لأنَّهُ كانَ مَشهورًا جِدًّا في ذلكَ الوقت. فقد كانَ الشَّعبُ كُلُّهُ مُتَعَلِّقًا بِهِ ويَسمَعُ كَلامَهُ.

واللُّغَةُ في العَدَد 48 تَصويريَّة جِدًّا. فَقد كانوا عاجِزينَ دائمًا عنْ إيجادِ طريقةٍ "لأَنَّ الشَّعْبَ كُلَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَسْمَعُ مِنْهُ". وَنَجِدُ هُنا عِبارَةً تَصويريَّةً أُخرى، وَهِيَ تَرجمةٌ حَرفيَّةٌ لِعبارةٍ يونانيَّةٍ تُشيرُ إلى تَعَلُّقِهِمِ الشَّديدِ بِهِ. ولا شَكَّ أنَّهُمْ لم يَسمعوا قَطّ أحدًا يَتكلَّمً مِثْلَهُ.

ومِنَ المؤسِفِ أنَّ تَعَلُّقَ هَؤلاءِ بِهِ اخْتَفى بعدَ أيَّامٍ قليلةٍ إذْ إنَّهُمْ راحُوا يَصْرُخونَ مُطالِبينَ بِقَتْلِه. وبعدَ قِيامَتِهِ، اجْتَمَعَ مِئَةٌ وعِشرونَ مؤمِنًا فقط في اليهوديَّة، وخَمْسُمِئَة في الجَليل. فقد كانَ مَرفوضًا. مَرفوضًا مِنَ الأُمَّةِ، ومَرفوضًا مِنَ القادَةِ. ولكنَّ هذا أيضًا كانَ يُتَمِّمُ قَصْدَ الله. فنحنُ نَقرأُ في إشعياء 53: "مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ".

كانَ كُلُّ شيءٍ يَسيرُ حَسَبَ المُخَطَّط. فقد كانُوا يَطْلُبونَ أنْ يُهلِكوه، ويَبحثونَ عن طريقةٍ لتَنفيذِ ذلك. وقد كانَ هذا كُلُّهُ وَفْقًا للمُخَطَّطَ لأنَّهُ سيموتُ بِوَصْفِهِ الحَمَلَ المُخْتارَ مِنَ اللهِ يومَ الجُمُعَة. وكانَ كُلُّ ما يَبحثونَ عنهُ هُوَ طَريقَة للإيقاعِ بِهِ. وقد وَجَدُوا ذلكَ أخيرًا مِنْ خِلالِ يَهوذا، ومِنْ خِلالِ التَّلاعُبِ بعقولِ الجُموعِ الذينَ نَراهُمْ يومَ الجُمُعَة غيرَ راضِيْنَ عَنْ يَسوعَ لأنَّهُ لم يُحَقِّقْ ما كانُوا يَتوقَّعوهُ مِنْهُ.

وَإلى حَدٍّ ما، ما يَزالُ الأمْرُ هَكذا. فالقادةُ الدينيُّونَ، واللاهوتِيُّونَ، والعُلماءُ، والبيروقراطِيُّونَ يُعارِضونَ يَسوعَ. وأغلبيَّةُ النَّاسِ تَرْفُضُهُ لأنَّهُ لا يُوافِقُ الصُّورةَ الَّتي يَرْسِموها للمَسِيَّا العَظيم، والمُنْقِذ، والمَلِك. وهُناكَ دائمًا فِئَة مِنَ المؤمنينَ الأُمَناء. ولكِنَّ جَلالَهُ يَبقى واضِحًا دائمًا. فهُوَ واضِحٌ مِنْ خلالِ مَأموريَّتِهِ، وسُلطانِهِ، وتَكريسِهِ للأسفارِ المقدَّسَةِ، وتَعاطُفِهِ، وحَتَّى مِنْ خِلالِ رَفْضِهِ. فهذا كُلُّهُ يَتَّفِقُ تمامًا مَعَ خُطَّةِ اللهِ.

ويسوعُ المسيحُ، المَحبوبُ، هُوَ المُطَهِّرُ الإلَهِيُّ. فَهُوَ كاملٌ في مَحَبَّتِهِ، ولكنَّهُ كاملٌ أيضًا في قَداسَتِهِ. وهُوَ كاملٌ في لُطْفِهِ، ولكنَّهُ كاملٌ أيضًا في دَينونَتِهِ. وهُوَ كاملٌ في تَعاطُفِهِ، ولكنَّهُ كاملٌ أيضًا في نَقْمَتِهِ. فهُوَ لا يُطيقُ الشَّرَّ أوِ الخِداع. وعندما يُرْفَضُ بِوَصْفِهِ المُخَلِّص، فإنَّهُ يأتي بوَصْفِهِ الدَّيَّان لِكُلِّ كائنٍ حَيٍّ. وصَلاتي لأجلِكُم هي أنْ تَعرفوهُ بوَصْفِهِ المُخَلِّص وليسَ بوَصْفِهِ الدَّيَّان.

لقد وَصَلنا الآنَ، يا أبانا، إلى خِتامِ وقتِ العِبادةِ، ووصَلنا في هذهِ اللَّحظةِ إلى نُقْطَةِ القَرارِ الحازِمِ الَّذي سيكونُ لَهُ تأثيرٌ أبديٌّ. فنحنُ سنَحيا إلى الأبَدِ إمَّا في عِبادَةِ يَسوعَ المسيحِ بِوَصْفِهِ مُخَلِّصًا، أو في التَّجديفِ عليهِ بِوَصْفِهِ دَيَّانًا. إمَّا في أفراحِ وَأمجادِ نَعيمِ السَّماءِ أوْ في أهوالِ وَأوجاعِ عذابِ جَهَنَّم. فالقضاءُ سيَبتدئُ مِنْ بيتِ اللهِ – أيْ مِنَ الكنيسةِ المُكتَظَّةِ بالنَّاسِ. فهذا المكانُ هُوَ بَيْتُكَ. ويَسوعُ يَأتي إلينا هُنا ويَقولُ لنا: "هل عِبادَتُكُم صَحيحَة؟ أَمْ أنَّكُمْ لُصوصٌ تَخْتَبِئونَ في هذا المَكان؟ وهَلْ أنْتُمْ زائِفونَ، ومُراءونَ، ومُخادِعون؟"

اعْمَلْ، يا رَبُّ، عَمَلَكَ مِنْ خِلالِ نِعمَتِكَ المُخَلِّصَة. تَعالَ إلى هذهِ الرَّعيَّةِ اليومَ، وإلى كَنيسَتِكَ، وَإلى أولئكَ الَّذينَ يَعْتَرِفونَ باسْمِكَ. تَعالَ بِتَعاطُفٍ. تَعالَ واشْفِ، واغْفِرْ، وَخَلِّص، واظْهِرْ طَريقَ اللهِ بالحَقِّ. تَعالَ بالإنجيلِ لكي يَتوبَ الخُطاةُ قَبْلَ أنْ تَأتي وَتَطْرَحَهُمْ خَارِجًا بسببِ تَجديفِهِم.

وكَمْ نَشْعُرُ بالحُزْنِ، يا رَبّ! فنحنُ نُحِبُّ كَنيستَكَ لأنَّنا نُحِبُّكَ. ونحنُ نَحْزَنُ على حالِ الأشخاصِ المُرائينَ، والزائِفينَ، والكاذِبينَ، وَالمُتَحايِلينَ، والمُجَدِّفينَ الَّذينَ يَسْتَخْدِمونَ اسْمَكَ لاستغلالِ النَّاسِ مِنْ أجْلِ مَنفَعَتِهِم الشَّخصيَّة. ونحنُ نَسْألُكَ، يا رَبُّ، أنْ تَطَهِّرَ كَنيسَتَكَ، وأنْ تُنَقِّي كَنيسَتَكَ مِنْ فوق إلى أسْفَل، وَمِنْ جِهَة إلى الأُخرى، وَمِنَ الأمامِ إلى الخَلْف لكي تَكونَ بالفِعْل كَنيسَةً تُمَجِّدُ اسْمَكَ.

تَحَنَّنْ على هَذِهِ الرَّعِيَّةِ، وَأَنِرْ حَرْفِيًّا كُلَّ نَفْسٍ لم تَقْبَلْ بَعْد المَسيحَ بِتَوْبَةٍ وإيمانٍ لكي يَفْعَلوا ذلكَ اليوم. فنحنُ نُريدُ أنْ نَعْرِفَكَ بوصْفِكَ المُخَلِّص، وأنْ نَخْتَبِرَ مِلْءَ الفَرَحِ النَّاشِئِ عَنْ ذلكَ الآنَ وَإلى الأبد، وليسَ بوصْفِكَ دَيَّانًا. اعْمَلْ عَمَلَكَ يا رَبُّ مِنْ أجْلِ مَجْدِكَ أنْتَ. طَهِّرْ هذا المَكانَ وهذهِ الكنيسةَ مِنْ خِلالِ خَلاصِكَ المُتَفاضِلِ الَّذي يَحِلُّ في قلبِ كُلِّ شخصٍ يَبْحَثُ عَنْكَ وبِحاجةٍ ماسَّةٍ إلى مَعْرِفَتِكَ.

نَشْكُرُكَ، يا أبانا، لأنَّكَ أرْسَلْتَ ابنَكَ إلى العالَمِ لا لِكَيْ يَدينَنا، بل لِيُخَلِّصَنا. ونحنُ نُصَلِّي أنْ تَعْمَلَ عَمَلَكَ الخَلاصِيَّ اليومَ لِما يَؤولُ في نِهايَةِ المَطافِ إلى مَسَرَّتِكَ. ونحنُ نَطْلُبُ هذا كُلَّهُ باسْمِ ابْنِكَ. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize

Currently Playing

Today's Radio Broadcast

Playlist

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize