Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتح كُتُبَنا المقدسةَ على الأصحاح 20 مِن إنجيل لوقا (لوقا – الأصحاح 20) لكي نُتابِعَ سِلسلةَ الفقَراتِ والنُّصوصِ الَّتي كُنا نتأمل فيها أثناءَ دراستنا لأحداثِ الأسبوعِ الأخيرِ مِن حياةِ رَبِّنا إذْ كانَ سيُصْلَبُ يومَ الجُمُعة.

إذًا فقد وَصلنا إلى لوقا 20: 1-8 (لوقا 20: 1-8). وسوفَ أقرأُ هذا النَّصَّ لكي يَكونَ حَيًّا في أذهانِكم حينَ نَستمعُ إلى ما قالهُ الربُّ خِلالَ هذا الحَدَث:

"وَفِي أَحَدِ تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ كَانَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ فِي الْهَيْكَلِ وَيُبَشِّرُ، وَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ الشُّيُوخِ، وَكَلَّمُوُه قَائِلِينَ: «قُلْ لَنَا: بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ أَوْ مَنْ هُوَ الَّذِي أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «وَأَنَا أَيْضًا أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، فَقُولُوا لِي: مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنَ السَّمَاءِ كَانَتْ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟» فَتَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ قَائِلِينَ: «إِنْ قُلْنَا: مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ، فَجَمِيعُ الشَّعْبِ يَرْجُمُونَنَا، لأَنَّهُمْ وَاثِقُونَ بِأَنَّ يُوحَنَّا نَبِيٌّ». فَأَجَابُوا أَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «وَلاَ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هذَا»".

نحنُ هُنا أمامَ حِوارٍ مُحْزن. وهذا هوَ آخِرُ إعلانٍ مِن يسوعَ بأنه لن يقولَ شيئًا آخرَ لإسرائيل ... للقادة. فقدِ انتَهى مِنهُم. والمسألةُ الَّتي أَفْضَتْ إلى هذا الإعلانِ المأساوِيِّ الأخيرِ مِنْ رَبِّنا هو موضوعُ السُّلْطان. ونحنُ نَفهمُ مَعنى كلمة "سُلْطان". ونحنُ نَفهمُ معنى أن تكونَ صاحِبَ سُلْطَةٍ وأنْ تكونَ تَحْتُ السُّلْطَةِ. فالسُّلْطانُ كلمة مُحَمَّلَة بالمعاني المهمَّة. فهي تُشيرُ إلى إعطاءِ الإذْنِ بالقيامِ بشيءٍ ما، وتُشيرُ إلى القُدرة، والامتياز، والحُكْم، والسَّيطرة، والهَيمنة.

وعالَمُنا مُمتلئ بالسُّلطة. فنحنُ نَجِدُها في بيوتنا لأنَّ الآباءَ والأُمَّهاتِ قد أُعطوا سُلطانًا على أبنائهم. ونحنُ نَجِدُها في مدارِسِنا لأنَّ هناكَ أشخاصًا مسؤولينَ عنَّا دائمًا. ونحنُ نَجِدُها في جميعِ أماكنِ عَمَلِنا. ونحنُ نجدها في الحكوماتِ المسؤولةِ عنْ سَنِّ القوانينِ وتطبيقها وتَفعيلِها بسُلطَةٍ. لذلكَ فإنَّنا مُعتادونَ عليها. فنحنُ جميعًا أناسٌ تحتَ سُلطة أعلى مِنَّا. وأحيانًا قد تكونُ هُناكَ بَعْضُ السُّلْطةُ بيدِنا نحنُ أيضًا. لذلكَ فإننا نَفهمُ ذلك، ونُدركُ مَعنى أن يكونَ بيدِ المرءِ سُلطَةٌ. ونحنُ نَعلمُ أيضًا مَعنى أن نكونَ تَحْتَ سُلْطةٍ ما. فجميعُنا أُعْطينا سُلطةً مُعَيَّنةً، ونَخضَعُ (عادةً) لسُلطةٍ أكْبَر وأعظَم.

ولكِنْ عندما نَتحدَّثُ عن يسوعَ المسيح، فإنَّ "السُّلْطانَ" واقعٌ مُختلفٌ جدًّا. فقد قالَ يسوعُ في إنجيل مَتَّى 28: 18: "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ". ... "كُلُّ سُلْطان". فهذا هو مَعنى أنْ تَكونَ صَاحِبَ السُّلْطانِ المُطْلَق. وهذا هو مَعنى ألاَّ تكونَ خاضعًا لأيِّ شخصٍ آخَر، بل أنْ تكونَ صاحِبَ السُّلْطانِ المُطْلَق. وقد أَظهَرَ يسوعُ سُلطانَهُ بطُرقٍ عديدة.

في إنجيل مَتَّى 7: 29، في نهاية العِظَة على الجبل، بعد أن وعظَ يسوعُ تلكَ العظة التبشيريَّة الرَّائعة الَّتي ابتدأتْ بتَفنيدِ الدِّيانةِ اليهوديَّةِ الزَّائفةِ، وانتهَت بالدعوةِ إلى سُلوكِ الطريقِ الضَّيِّقِ، كانَ رَدُّ الناسِ ببساطة هو أنَّهُمْ بُهِتُوا "لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ". فقد كانَ سُلطانُهُ فريدًا جدًّا. وهُم لم يكونوا مُعتادينَ على رؤيةِ شخصٍ يَمتلِكُ سُلطانًا مِن ذاتِهِ. بل كانُوا مُعتادينَ على الأشخاصِ الذينَ يَقتبسونَ أقوالَ شخصٍ آخر، وعلى الأشخاصِ الذينَ يَنتمونَ إلى شخصٍ آخر، أوِ الذينَ يَستمدُّونَ سُلطانَهم مِن شخصٍ آخر. ولكنَّ يسوعَ كانَ يتكلَّمُ بِصِفَتِهِ شخصًا يَمتلكُ سُلْطانًا مِنْ ذاتِهِ.

وفي مَقطعٍ لاحقٍ مِن إنجيل مَتَّى (وتحديدًا في 9: 6-8)، نَقرأُ أنَّهُ كانَ يَمْلِكُ سُلْطانًا أنْ "يَغْفِرَ الْخَطَايَا". وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ هذا السُّلْطانَ يَمْلِكُهُ واحدٌ فقط. وهذا الواحِدُ هوَ الله. وفي إنجيل مَتَّى 10: 1، نَرى بوضوحٍ أنَّهُ يَمْتَلِكُ سُلطانًا على كُلِّ قُوى الجَحيم، وسُلطانًا على الشَّياطين. وفي إنجيل يوحنَّا 1: 12، قالَ إنَّهُ يَمْلِكُ سُلْطانًا أنْ يُخَلِّصَ (أيْ سُلطانًا أنْ يَهَبَ الحياةَ ... الحياةَ الروحيَّةَ والخلاص). وفي إنجيل يوحنَّا 5: 27، نَقرأُ أنَّهُ أُعْطِيَ سُلطانًا أنْ يَدينَ النَّاسَ جميعًا. وقد قالَ في إنجيل يوحنَّا 10: 18: "لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا [أيْ أنْ يَضَعَ حَياتَهُ] وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا". وهذا يعني أنهُ كانَ يَملِكُ سُلطانًا على الموتِ، وسُلطانًا على الحياةِ. وقد تَمَّ التَّعبيرُ عن ذلكَ بطريقةٍ رائعةٍ في سِفْرِ الرُّؤيا إذْ نَقرأُ أنَّ لَهُ مَفاتيح المَوت والهاوِيَة.

ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 17: 2 إنه يَملِكُ سُلطانًا على البشرِ جميعًا. فهو ليسَ تحتَ أيِّ سُلطانٍ سِوى سُلطان الله. وهو في توافقٍ تامٍّ معَ اللهِ لأنه هو الله. لذلك فهو صاحبُ كُلِّ سُلطان. وهو يَملك سُلطانًا مِن نوعٍ لا نعرف عنهُ شيئًا. فهو يملكُ سُلطانًا مُطلقًا ومُنفردًا يُتيحُ لهُ أن يَفعل ما يَشاء، مَتى شَاء، فيما يَختصُّ بأيِّ شخصٍ أو شيءٍ يَشاء.

ولمساعَدَتِكُمْ على فهمِ جَوْهَرِ هذا السُّلطانِ، ينبغي أنْ نَفهمَ كَلِمَتَيْن يونانِيَّتَيْن تُتَرْجَمانِ بمعنى "سُلْطان". الكلمة الأولى هي "دوناميس" (dunamis)، وهي تُتَرْجَم عادةً: "قُوَّة". وهي الكلمة الَّتي تُشْتَقُّ مِنها الكلمة الإنجليزيَّة "داينامايت" (dynamite): أي: "مُتَفَجِّرات". والكلمة "دوناميس" تُشيرُ إلى القُدرة على القيام بشيءٍ ما ... إلى القدرة على القيامِ بشيءٍ ما. أمَّا الكلمة الثانية فهي "إكسوزيا" (exousia). والكلمة "إكسوزيا" هي الكلمة الَّتي تُتَرجم عادةً "سُلْطان" – كما هي الحالُ في هذا النَّصِّ الَّذي تَرِدُ فيه الكلمة "سُلْطان" ثلاثَ مَرَّات. وهِيَ تَعني الحَقَّ في القيامِ بشيءٍ ما. لذلكَ فإنَّ امتلاكَ السُّلْطانَ المُطْلَقَ يَعني القُدرة الكاملة والحقَّ الكاملَ في القيام بكُلِّ شيءٍ وأيِّ شيءٍ يُريدُهُ.

وهوَ يَملكُ القدرةَ على القيامِ بما يُريد. وهوَ لديهِ الحَقّ في القيامِ بما يريد فيما يَختصُّ بأيِّ شخصٍ أو شَيءٍ يَختارُهُ. فَهذا هوَ مَعنى أنَّهُ "دُفِعَ إليهِ كُلُّ سُلْطان". فقد كانَ يملِكُ الـ "دوناميس" والـ "إكسوزيا"، أي أنَّهُ كانَ يَملكُ القُدرة والحَقَّ. وهوُ يَمْلِكُهُما لأنهُ الله. ومعَ أنَّهُ اللهُ المُتَجَسِّد، ومعَ أنَّهُ اللهُ الَّذي جاءَ في جسدٍ بشريٍّ، ومعَ أنهُ أَخْلى نَفسَهُ في صُورةِ عَبْدٍ، فإنَّهُ ما يَزالُ يَمتلكُ القدرةَ والسُّلطانَ للقيامِ بكُلِّ ما يُريدُهُ الآبُ أنْ يَقومَ بِهِ بِحَذافيرِهِ. فلا حُدودَ لقُدرته. ولا يُمكنُ لأحدٍ أنْ يَقِفَ أمامَ قُوَّتِه. ولا توجدُ حُدودٌ لقُوَّتِه. ولا توجدُ حُدودٌ أيضًا لحَقِّه. فهوَ يَمتلكُ الحَقَّ والقُدرةَ على القيامِ بِكُلِّ ما يُريدُ القيامَ بهِ. وهوَ يَفعلُ ما يَتَّفِقُ تمامًا معَ مشيئةِ الآب.

لذلك (وهذِهِ هي النُّقطة المهمَّة)، ... لذلكَ فإنَّ يسوعَ لم يَطلُب طوالَ حياتِهِ على الأرضِ إذْنًا للقيامِ بأيِّ شيء. البَتَّة. فهو لم يَطلب ذلك مِن أيِّ مَصدرٍ عادِيٍّ في خدمته. فلم يكُن هناكَ أحدٌ أعلى مِنه سِوى أبيه. وقد قال: "أنا أفعلُ دائمًا ما يُخبرني أبي أن أفعل. وأنا أفعلُ دائمًا ما يُريني أبي أن أفعل. وأنا أفعلُ دائمًا ما يَشاءُ أبي أن أفعل". فبِغَضِّ النَّظرِ عنِ الشيءِ الَّذي كانَ يُريدُ القيامَ به، لم تَكُن هناكَ سُلْطَة يَرْجِعُ يَسوعُ إليها.

يجب عليكم أن تَفهموا أنَّ هذا الأمرَ كانَ صَادِمًا لليهود – أيْ أن يُعَلِّمَ كما كانَ يَفعل في العِظَة على الجبل، وأن يُهاجِمَ كُلَّ شيءٍ يُقَدِّسونَهُ في دِيانَتِهِم اليهوديَّةِ الناموسيَّةِ، وأنْ يُحَطِّمَهُ، وأنْ لا يكونَ لَهُ سُلْطَة أعلى مِنهُ. فقد كانَ ذلكَ يُثيرُ غَضَبَهُم. فقدِ انْتَقَدَ عَطاءَهُم. وقدِ انتقدَ صِيامَهُم. وقدِ انتقدَ صَلاتَهُم. وقدِ انتقدَ ذَبائِحَهُم. وقدِ انتقدَ بِرَّهُم الذَّاتِيّ. وقدِ انتقدَ كل شيءٍ مُقَدَّسٍ في نَظَرِهم.

وقدِ انتقدَ جوهرَ نِظامِهِمِ الدينيِّ مِنْ خلالِ تَعليمهِ دونَ أنْ يَقْتَبِسَ أقوالَ أيٍّ مِنْ مُعَلِّمي اليهود. وهو لم يَكُنْ حاصلًا على أيِّ إذْنٍ مِنْ أيِّ مَجْمَعٍ. وهوَ لم يكنَ مَسؤولًا أمامَ أيِّ مَجلسٍ مِن مَجالِسِ مُعَلِّمي اليهود. وهوَ لم يَكُنْ مُعَيَّنًا أوْ مَرْسُومًا بالطَّريقةِ المألوفةِ لِتَعيينِ أوْ رَسْمِ جَميعِ مُعَلِّمي اليهود. ولم تَكُن مبادِئُهُ اللاهوتيَّةُ تَحْمِلُ خَتْمَ وموافقةَ السِّنهدريم.

وحتَّى عندما صَنَعَ سَوْطًا في ابتداءِ خِدمتِهِ وطَرَدَ جميعَ المُشْتَرينَ والبَاعَةِ مِنْ بيتِ أبيهِ، فإنَّهُ لم يَطلب إذْنًا مِن أيِّ شخصٍ للقيام بذلك. فهو لم يَذهب إلى المجلسِ الحاكِمِ في الهيكلِ (الذي كانَ يتألَّفُ دونَ شَكٍّ مِنْ رؤساءِ الكهنةِ، والكهنةِ، والقادةِ الأقلِّ شأنًا، وجميعِ الأشخاصِ الذينَ يُديرونَ تلكَ المؤسَّسة) مِن أجلِ الحصولِ على إذْنٍ. وهوَ لم يَذهب إلى السِّنهدريم (وهُوَ المَجلسُ الأعلى لليهودِ والذي كانَ يتألَّفُ مِنْ رؤساءِ الكهنةِ، والكَتَبَة، والشُّيوخ الآخرين، والصَدُّوقِيِّين، والهيرودُسِيِّين). فهو لم يَطلُب أيَّ إذْنٍ حينَ فَعَلَ ذلكَ في المرَّة الأولى، ولم يَطلُب أيَّ إذنٍ أيضًا حينَ فعلَ ذلكَ في المرَّة الأخيرة، كما رأينا في دراسَتِنا يومَ الأحدِ الماضي.

ولعلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في لوقا 19: 45. أليسَ كذلك؟ فقد دخلَ إلى الهيكلِ وابتدأَ يَطردُ الباعةَ ويقولُ لهم: "مَكْتُوبٌ: بَيْتِــي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!" فقد طَرَدَهُم جميعًا. وهو لم يَطلب إذنًا للقيامِ بذلك. وقد كانَ ذلكَ تَعطيلًا كاملًا لكُلِّ ما كانَ يَجري هناكَ دونَ أيِّ سُلْطةٍ للقيامِ بذلك. ولكنَّهُ لم يَطلب يومًا سُلطةً بشريَّةً.

ويجب عليكم أن تُدركوا أنَّ هذا كانَ، بِمَعْنًى ما، إساءة أُخرى لليهودِ الذينَ كانُوا قادةَ إسرائيل. لذلكَ فقد غضبوا، في المقامِ الأولِ، لأنه هاجمَ لاهوتَهُم وهاجمَ مِصداقِيَّتَهُم. فقد أَمَاطَ الأقْنِعَةَ عَنْ وُجوهِهِم وكَشَفَ النِّقابَ عَنْ أنَّهُم مُراءونَ بَشِعونَ جِدًّا. وهوَ يَتدخَّلُ الآنَ بطريقةٍ جسديَّةٍ في نِطاقِ صَلاحيَّتِهم. وهوَ يُعَلِّمُ دونَ أنْ يكونَ مُرتبطًا في السَّابقِ بأيِّ مُرشدٍ أوْ مُعَلِّمٍ، ودونَ إذْنٍ، ودونَ تَعْيينٍ – وهي أمورٌ لم يَكُن يُمكنُ الحصولُ عليها إلَّا مِن خلالِ السِّنهدريم. لذلكَ فإنَّ أَقَلَّ ما يُقالُ في ما فَعَلَهُ هو أنَّهُ أثارَ غَضَبَهُم. ولأنَّهُ فعلَ ذلكَ دونَ إذْنٍ، فقد أثارَ غَضَبَهُم أكثر فأكثر.

لقد كانَ يسوعُ يَستمدُّ سُلطانَهُ مِن ذاتِهِ. وكانَ يتكلَّمُ بكلامٍ نَبَوِيٍّ. وكانَ يَنْطِقُ بالحَقِّ. وكانَ يُفَسِّرُ العهدَ القديمَ تَفسيرًا صحيحًا. وكانَ يَنْطِقُ بكلمةِ اللهِ الحقيقيَّة. وحتَّى إنَّهم أَقَرُّوا بذلك. وقد كانَ يَغفرُ الخطايا. وكانَ يَشفي المَرضى. وكانَ يُقيمُ الأمواتَ. وكانَ يَطرُدُ الشَّياطينَ. وكانَ يَفعلُ ذلكَ دونَ أنْ يَطلبَ يَومًا إذْنًا مِن أيِّ شخصٍ.

والخُلاصةُ هي أنَّهُ كانَ يَتعامَلُ مَعَ نِظامِهِمِ الدِّينيِّ بمُجملِهِ كما لو أنَّهُ غيرُ موجود. فهوَ لم يكن يَكتَرِثُ بالسِّنهدريم. وهوَ لم يكن يَكترثُ برؤساءِ الكهنةِ. وهوَ لم يكن يَكترثُ بالمَجامِعِ. وهوَ لم يكن يَكترثُ بالرَّأيِ العامِّ. وهوَ لم يكن يَكترثُ بأيِّ شَيءٍ. وهو لم يُبالي البَتَّة بالكهنةِ، ولم يُبالي بمُعَلِّمي اليهود، ولم يُبالي بالنَّاموسِيِّينَ أوِ الكَتَبَةِ أوِ اللاهوتِيِّينَ. وهوَ لم يكن يُبالي بنِظامِ الذبائحِ. وهو لم يكن يُبالي بالمؤسَّسة المُتمثِّلة في الهيكل. بل إنهُ كانَ يُعاملها كما لو أنها غير موجودة. فهي لم تكن تَمْلِكُ سُلطانًا على حياتِهِ. وهي لم تكن تَملِكُ سُلطانًا على تَعليمِهِ. وهي لم تكن تملكُ سُلطانًا على ما كانَ يَقولُهُ. والحقيقةُ هي أنَّهُ هاجَمَ تلكَ المؤسَّسَةَ مُنْزِلًا العِقابَ بِها.

ويجب أن تُدركوا أنَّ عَداوةَ القادةِ الدِّينيِّينَ المُتزايدةَ لهُ في هذا الوقتِ كانتْ فوقَ الوَصْفِ حقًّا. فقد كانَ يُعاملُهم بازدراء. ويجب عليكم أن تتذكَّروا أنَّهم كانُوا يَحْظَوْنَ باحترامِ الشَّعْبِ. فقد كانَ هؤلاءِ القادة يَرتدونَ تلكَ الأثوابَ الفَضْفاضَةَ، ويَهتمُّونَ بأنْ تكونَ لها أهْدابٌ طويلةٌ، ويَتظاهرونَ بالقَداسَةِ. وكانُوا يَتظاهرونَ بالصَّوْمِ أمامَ النَّاسِ مِنْ خِلالِ وَضْعِ التُّرابِ على رُؤوسِهِمْ. وكانُوا يُقَدِّمونَ صَدَقاتِهِمْ في الهيكلِ على مَرْأى مِنَ الجميعِ في وقتٍ كانَ أحدُ الأشخاصِ يُبَوِّقُ في البُوْقِ مُعْلِنًا وُصُولَهُم. وكانُوا يَجْلِسونَ في المَجالِسِ الأولى ويُحِبُّونَ أنْ يَرْفَعَ النَّاسُ مِنْ شأنِهِم وأنْ يُلَقِّبُهُمْ النَّاسُ بالسَّادة، والمُعَلِّمين والآباء، وغيرِها مِنَ الألقاب.

فقد كانَ كُلُّ ما يَفعلونَهُ يَرْمي إلى إعْلاءِ شَأنِهِمْ. ولكنَّ يسوعَ كانَ يُعامِلُهُمْ حَرفيًّا بازْدراءٍ شَديد. وقد كانُوا في نَظَرِهِ "نَكِرَة" لأنَّهُ لم تَكُنْ لَهُمْ أيُّ صِلَة باللهِ، ولم تَكُنْ لهم أيُّ صِلَة بملكوتِ اللهِ، ولم تَكُنْ لهم أيُّ صِلَة بشعبِ اللهِ الحقيقيّ. بل كانُوا بَعيدينَ كُلَّ البُعْدِ عن مقاصدِ اللهِ وحياةِ اللهِ.

وليسَ هناكَ ما هوَ أصْعَبُ مِنْ أنْ يُعامِلَكَ أحَدُهُمْ كما لو أنَّكَ غيرُ موجودٍ في حين تَظُنُّ أنَّكَ شخصٌ مُهِمٌّ حقًّا. فإذا وَضَعْنا كُلَّ هذهِ العناصِرِ معًا، نُدْرِكُ سببَ الغَضَبِ الَّذي كانَ مُضْطَرِمًا في داخِلِهِمْ حَتَّى إنَّ أرواحَهُمْ كانَتْ مُشْتَعِلَة بنارِ الكَراهِيَة. وقد كانَتْ هذهِ الكراهِيَة تَتَصاعَدُ بسرعة إلى أنِ انْفَجَرَتْ مِنْ خلالِ صَلْبِهِ يومَ الجُمُعَة.

والآن، اسمحوا أنْ أُوَضِّحَ لكُم خلفيَّةَ ما حَدَث. فقد أَنهى يسوعُ خِدمتهُ القصيرةَ في الجَليل بعدَ أنْ خَدَمَ في اليهوديَّة لفترة طويلة خِلالَ السَّنة الأخيرة مِن حياتِهِ. وقد جاءَ إلى أورُشليم لحضورِ عيدِ الفِصْح قادِمًا مِنْ عَبْرِ نهرِ الأرْدُنِّ، مُرورًا بأريحا، وصُعودًا إلى التَّلَّةِ المُؤدِّيَةِ إلى أورُشَليم. وهوَ الآنَ في مدينةِ أُورُشليم.

وقد وَصَلَ إلى منطقةِ أورُشليمَ في أحدِ أيَّامِ السَّبْتِ في سنةِ 30 ميلاديَّة، في شهرِ نَيْسان العِبْرِيّ استعدادًا للموتِ يومَ الجُمُعَة، وهُوَ اليومُ الَّذي تُذْبَحُ فيهِ حُمْلانُ الفِصْحِ. وقد كانَ هوَ خَروف الفِصْحِ الحَقيقيّ الذي سيُذبَحُ في ذلكَ اليومِ في تلكِ السَّنة، وهي تَمامًا السَّنة الَّتي تَنَبَّأَ عنها دانيال. ولكنَّهُ وَصَلَ يومَ السَّبْتِ إلى منطقةِ أورُشليم. وقد ذهبَ لزيارةِ العائلةِ الَّتي يَعرِفُها ويُحِبُّها: مَريم، ومَرثا، ولِعازَر. وقد بقيَ في بيتهم في قريةٍ تُدعى "بَيْت عَنْيا" تَبْعُدُ مَسافَةَ ثلاثة كيلومترات إلى الشَّرقِ مِن أورُشليم.

وقد بقيَ هناكَ معهم مساءَ يومِ السَّبت. وفي يومِ الأحد، عَلِمَ النَّاسُ أنَّهُ موجودٌ في ذلكَ المكان. وقد خَرَجَتْ جُموعٌ غَفيرةٌ مِن أورُشليم والقُرى المُجاورةِ وجاءتْ إلى بيتْ عَنْيا لرُؤيَتِه، ولرؤية لِعازَر الَّذي أَقامَهُ مِنَ الموتِ قبلَ أسابيعَ قليلة. فهذا هو ما حدثَ يومَ الأحد. فقد بقيَ في بيت عَنْيا، وجاءَتِ الجُموعُ إليه.

وفي يوم الإثنين، دَخَلَ أورُشَليمَ ظَافِرًا، كما تَعلمون، "على حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ" تَتميمًا للنُّبوءةِ الواردةِ في زكريَّا 9: 9 بأنَّ المسيَّا سيَدخُلُ أورُشليم رَاكِبًا "عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ". وقد دَخَلَ مِنَ البوَّابةِ الشَّرقيَّة. وقد هَلَّلَتْ لهُ الجُموعُ الحاشِدَةُ بِوَصْفِهِ المَسِيَّا. ثُمَّ انتَهَى المَوْكِبُ الهائِل عندَ الهيكلِ الواقِعِ داخِلِ البوَّابةِ الشَّرقيَّة. وهكذا فقد دَخَلَ البوَّابةَ وَسَطَ هذا الحَشْدِ الهائلِ وصارَ في مَوْقِعِ الهيكلِ. وكانَ ذلكَ يومَ الاثنين.

ثُمَّ انتهى يومُ الاثنين في الهيكل. فقد غابتِ الشَّمْسُ وصارَ الوقتُ مَساءً. لذلكَ فقد غادرَ أورُشليمَ وسارَ عائدًا في وَسَطِ الحُشودِ إلى بيتِ عَنْيا لقضاءِ اللَّيْلِ هُناكَ معَ مَرْيَم، ومَرثا، ولِعازَر، وتَلاميذِهِ.

وفي يومِ الثَّلاثاء، عادَ في الصَّباحِ في غَضَبٍ مُقَدَّسٍ. فالمشهدُ الأخيرُ الَّذي رآهُ مَساءَ يومِ الاثنين كانَ الهيكل. وحينَ دَخَلَ مِنَ البَوَّابةِ الشَّرقيَّةِ بعدَ دُخولِهِ الظَّافِرِ، ونَظَرَ إلى الهيكلِ، رأى ذلكَ العملَ المُنَفِّرَ والمأساوِيَّ الَّذي كانَ اللُّصوصُ يَفعلونَهُ في المكانِ الَّذي يُفْتَرَضُ أنْ يكونَ بيت الله. وقد بَقِيَ ذلكَ المشهدُ حَيًّا في ذاكِرَتِهِ في تلكَ الليلةِ وفي الصَّباحِ حينَ عَادَ غاضِبًا. وقد جاءَ بغضبٍ مُقَدَّسٍ وَطَرَدَ أولئكَ الأشخاصَ الأشرارَ والفاسدينَ الذينَ كانُوا يُنَجِّسونَ بيتَ أبيه.

ويُخْبِرُنا واحِدٌ مِنْ كُتَّابِ الأناجيلِ الأُخرى أنَّهُ في أثناءَ قِيامِهِ بذلك، فإنَّ بعضَ الأولادِ في الهيكلِ كانُوا يَهْتِفونَ قائلين: "أُوْصَنَّا". وقد زادَ ذلكَ مِنْ غَضَبِ القادَة. ويمكنكم أنْ تَتخيَّلوا المَشْهَدَ. ففيما كانَ يَطْرُدُ هؤلاءِ خارجًا، كانَ الأطفالُ يَهْتِفونَ قائِلين: "أُوْصَنَّا". لذلكَ فقد عَقَدَ القادةُ العَزْمَ على قَتْلِهِ لكي يُوْقِفوا هذا الانتِهاكَ غيرَ المَقبولَ لِحُرْمَةِ تَدَيُّنِهِم الزَّائِف.

فلا يمكنهم أن يَحتملوا شخصًا ثارَ على عِبادَتِهم الباطلة، وكَشَفَ النِّقابَ عَنْ رِيائِهِم المَسْعُور، وفَعَلَ ما فَعَل دونَ إذْنٍ. وبعدَ تطهير الهيكل في يومِ الثَّلاثاء، عادَ إلى بيت عَنْيا. ثُمَّ عادَ يومَ الأَرْبِعاء.

لذلكَ، فإنَّ اليومَ في الأصحاح 20 والعَدد 1 هو الأربعاء. وإنْ كانَ لديكم تفسير الكتاب المقدَّس لجون ماك آرثر فإنَّهُ يَذْكُر أنَّ اليومَ هو الثَّلاثاء. ويجب علينا أنْ نُصَحِّحَ ذلك. وسوفَ نَفعل. ثُمَّ ستُضْطَرُّونَ إلى شِراءِ نُسخة أُخرى. إنَّني أَمْزَح. يمكنكم تَصحيحُ ذلك بأنفسكم. إنَّه يومُ الأَرْبِعاء. وقد عادَ مرَّة أخرى إلى المدينة، وعادَ مرَّة أخرى إلى الهيكلِ الَّذي تَطَهَّرَ الآن. فَهُم لم يَرجعوا ثانيةً. وهذا يُرينا القُوَّة الَّتي أَظْهَرَها لهم. فقد طَهَّرَهُ الآنَ وسَيَصيرُ المَرْكِزَ الرَّئيسيَّ فيه. فقد جاءَ الربُّ إلى هيكَلِه. وكما قالَ النَّبِيُّ: "وَيَأتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ". إذًا فقد جاءَ إلى هَيكَلِه.

كانَ اليومُ هوَ الأَرْبِعاء صَباحًا عندما وَصَلَ إليه. وقد جاءَ ليُعَلِّم إذْ نَقرأُ في العدد 1: "وَفِي أَحَدِ تِلْكَ الأَيَّامِ ..." (ومِنْ خلالِ مُقَارَنَةِ نُصُوصٍ عَديدةٍ نَعلمُ أنَّهُ كانَ الأَرْبِعاء) "... إِذْ كَانَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ فِي الْهَيْكَلِ وَيُبَشِّرُ ...". فقد حانَ الوقتُ لإعلانِ الحَقِّ في الهيكل. وقد آنَ الأوانُ لِكَشفِ الكَذَبَة، والمُخادِعينَ، والمُتلاعِبينَ، والمُعلِّمينَ الزَّائفينَ، والمُرائينَ، والمُحتالينَ، والمُضَلِّلينَ. إنَّهُ وقتُ مَعرفةِ الحقيقة. وهوَ وقتُ المُعَلِّمِ الحقيقيِّ، وكلمةِ اللهِ الحقيقيَّة، وإنجيلِ الخلاصِ الحقيقيّ. إنَّهُ وقتُ الخَبَر السَّارّ. لذلكَ فقد جاءَ وصارَ تَركيزُ الجميعِ مُنْصَبًّا عليه.

وعَودة إلى العدد 47، رُبَّما تَذكرونَ أنَّنا قَرأنا: "وَكَانَ يُعَلِّمُ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ وُجُوهِ الشَّعْبِ يَطْلُبُونَ أَنْ يُهْلِكُوهُ، وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَفْعَلُونَ، لأَنَّ الشَّعْبَ كُلَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَسْمَعُ مِنْهُ". وقدِ استمرُّوا طَوالَ تلكَ الأيَّامِ القليلةِ مُتَعَلِّقينَ بِهِ ويَسمعونَ كَلامَهُ.

وإذا نَظرتُم إلى العَدَد 38 مِنَ الأصحاح 21، فإنَّ الأصحاح 21 يَنتهي بالقول في العدد 37: "وَكَانَ ... يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 38: "وَكَانَ كُلُّ الشَّعْبِ يُبَكِّرُونَ إِلَيْهِ فِي الْهَيْكَلِ لِيَسْمَعُوهُ". لذلكَ، كانَ هذا هوَ عَمَلُهُ اليوميُّ المُعتاد. الأَرْبِعاء، والخَميس بكُلِّ تأكيد. وفي يومِ الجُمعة جَرَت مُحاكَمَتُه وتَمَّ صَلْبُه. لذلكَ، في يومِ الأَرْبِعاء هذا، عادَ يسوعُ مِنْ أجْلِ تَعليمِ الحَقِّ في المكانِ الَّذي لم يكُن يوجدُ فيه سِوى الكَذِب، ومِنْ أجْلِ تَوصيلِ رِسالةِ الله الحقيقيَّة في المكانِ الَّذي لم يكُن يوجدُ فيه سوى خِداع الشَّيطان وأكاذيبه. لذلكَ فقد جاءَ يُعَلِّم النَّاسَ في الهيكل ويُبَشِّر بالإنْجيل.

وقد كانَ هذا اليومُ مُدهشًا! وبالمناسبة، فإنَّ التَّعليمَ يَستمرُّ حتَّى نهايةِ الأصحاح 20 ... حتَّى نِهايَتِهِ. وهناكَ مَزيدٌ مِنَ التَّعليم في الأصحاح 21، ولكِنْ أعتقدُ أنَّ ما تَجِدونَهُ في الأصحاح 20، في الأصحاحِ كاملًا، يَضُمُّ مُحتوى تَعليمِهِ الأساسِيِّ في هذا اليوم، أيِ الأَرْبِعاء. وهذا التَّعليمُ مُهِمٌّ جدًّا حَتَّى إنَّنا نَجِدُ المزيدَ مِنهُ في إنجيل مَتَّى وإنجيل مَرقُس. فهُوَ يومٌ مُهِمٌّ جدًّا. فهيَ المَرَّةُ الأخيرةُ الَّتي يُعَلِّم فيها، وهي المرَّة الأخيرة الَّتي يَتكلَّمُ فيها.

وقد بَشَّرَ النَّاسَ بالإنجيلِ. وقد عَلَّمَ النَّاسَ كلمةَ اللهِ الحقيقيَّة. وهذهِ نِعْمَة. وهذا تَعاطُفٌ. وهذا حُنُوٌّ. وهذِهِ رِقَّةٌ. وهذا صَبْرٌ. وهذِا طُوْلُ أَناةٍ. وهذِهِ رَحْمَةٌ. وهذا هُوَ مِضْمارُهُ. وهِيَ الفُرصةُ الأخيرةُ لدعوةِ إسرائيلَ إلى التَّوبة، ولدعوةِ إسرائيلَ إلى الخلاص. فهوَ ليسَ مُهتمًّا بإجراءِ إصلاحٍ اجتماعيٍّ، أو إصْلاحٍ سِياسِيٍّ، أو إصْلاحٍ عَسكريٍّ ... ليسَ لأُمَّةٍ غيرِ مُؤمِنَة. لذلكَ فقد جاءَ ليُعَلِّمَ الحَقَّ وليَكرِز بالإنجيل.

ويُخبرُنا مَرْقُس أنَّهُ فَعَلَ ذلكَ وهوَ يَمشي في أرجاءِ تلكَ السَّاحةِ الكبيرةِ في الهَيكَل – بجميعِ أجزائِهِ وَأعْمِدَتِهِ وسَاحاتِهِ. فقد كانَ يَتحرَّكُ في وَسَطِ هذا الحَشْدِ الضَّخْمِ. وكانَ القادةُ حاضرينَ هناكَ دائمًا إذْ كانُوا يُلاحِقونَهُ. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 47 مِنَ الأصحاح 19 أنَّهُ "كَانَ يُعَلِّمُ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ وُجُوهِ الشَّعْبِ يَطْلُبُونَ أَنْ يُهْلِكُوهُ، وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَفْعَلُونَ، لأَنَّ الشَّعْبَ كُلَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَسْمَعُ مِنْهُ".

فقد أرادوا أنْ يُمْسِكوا عليهِ أيَّ شيءٍ للإيقاعِ بِهِ. ولكنَّهُم لم يَجِدوا. وكانوا خائفينَ مِنَ الشَّعبِ. وقد كانتْ هذهِ هي طريقةُ مُعَلِّمي اليهود في القيامِ بكُلِّ شيء. فأنتَ تَمشي. وأنتَ تَتحرَّك، وتَتفاعَل، وتَتجاوَب، ويكونُ هُناكَ حِوارٌ، ويكونُ هُناكَ جِدالٌ. وقد كانَ يُعَلِّمُ بتلكَ الطَّريقة.

وما الَّذي قالَهُ؟ لقد كانَ يُعَلِّمُ الشَّعب. وما هي رِسالَتُه؟ رُبَّما هي نفسُ الرِّسالة الَّتي نَقرأُ عنها في أعمال الرُّسُل 1: 3. فقد كانَ "يَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ". فهوَ لم يَتحدَّث عنِ السِّياسة. وهوَ لم يَتحدَّث عنِ الاقتصاد. وهوَ لم يتحدَّث عنِ التَّمَدُّنِ. وهو لم يَتحدَّث عنْ تلكَ الأشياءِ الَّتي أرادَ الشَّعبُ مِنَ المَسِيَّا أنْ يَفعلَها. بل إنَّهُ تَحَدَّثَ عنِ الأمورِ المُختَصَّةِ بالملكوت.

ورُبَّما تَحَدَّثَ عنِ الخطيَّةِ، وعَنِ البُؤسِ النَّاجِمِ عنها، وعن حَماقةِ التَّدَيُّنِ القائمِ على النِّفاق لأنَّهُ لا يُعالِج الخطيَّة. ورُبَّما تحدَّث عن الدينونة، وعن حَتميَّة الدينونة الإلهيَّة وجهنَّم. وربما تحدث عن البِرّ، وعن عَدم جَدوى محاولات الإنسان لتبرير نفسه بنفسه. وأنا مُتيقِّن أنه تحدَّث عن الاتِّضاع، وعن الحاجة إلى إدراك الإفلاس الرُّوحيِّ، والانكسار، والتَّذَلُّل أمامَ الرَّبِّ. وقد تحدَّث عن المحبَّة، وعن شَفَقَة الله على الخُطاة. وقد تحدث عن إمكانيَّة تحقيق السَّلام مع الله، والدخول إلى الملكوت، والحصول على الحياة الأبديَّة، ورجاء المَجْد.

وربما تحدث أيضًا عن حَماقةِ الصَّلواتِ الزائفة، والتَّكرارِ الباطِلِ لها، والقيام بالأعمال الدينيَّة السَّطحيَّة في سبيل الظُّهورِ بمظهرٍ جيِّدٍ أمامَ النَّاسِ والشُّعورِ بالرِّضا بسببِ ذلكَ بدلًا مِن الحصولِ على رِضا الله. وربما تحدث عن التَّواضُعِ الزائفِ، والكبرياءِ الروحيَّة. وربما تحدث عن ثَمَنِ تَبَعِيَّتِه، وعن إنكارِ الذَّات، وعن ضَرورةِ أنْ يَحْمِلَ كُلُّ شخصٍ صَليبَهُ.

وربما تحدث عن الاضطهادِ والألم – لا سِيَّما أنَّهُ اختَبَر هذهِ الأشياءَ بنفسه. وربما تحدث عنِ الأسفار المقدسة، وعن كلمة الله، وعن الصِّدْق، وعن الغُفران، وعن الغِنى الحقيقيّ، وعن الإيمان، وعن النعمةِ وَالرحمة، وعن جميعِ هذه الأمورِ الَّتي تَندرج جميعها تحتَ الكلمة "يوانجاليتزوماي" (euaggelizomai)، وهي كلمة تَرِدُ بصيغةِ الفِعْل وتَعني: يَكْرِز بالإنجيل. وقد تحدَّث عنِ جميعِ الأمورِ المختصَّة بالخلاص.

وقد استمعوا إليه. ولكنَّ القادة كانوا هناك. وهُم لم يَحتملوا ذلك، بل كانوا يبحثونَ عن طريقةٍ للإيقاعِ به والقبضِ عليه. وقد وجدوا صعوبةً كبيرةً جدًّا في القيامِ بذلك. وفي نهاية الأصحاح 19، نقرأُ أنهم لم يَتَوانَوْا عنِ القيامِ بشيءٍ ما لأنهم كانوا غاضبينَ جدًّا. وفي مُنتصف العددِ الأول (مِنَ الأصحاح 20)، نأتي إلى النُّقطة الأولى الَّتي أريدُ مِنكم أن تُلاحظوها في هذا الحَدَث وهِيَ: المُواجَهَة ... المُواجَهة. فنحنُ نَقرأُ أنَّهُ "إِذْ كَانَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ فِي الْهَيْكَلِ وَيُبَشِّرُ، وَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ الشُّيُوخِ".

والفِعل "وَقَفَ" هُوَ في اللُّغة اليونانيَّة "إفيستيمي" (ephistemi)، وهو يَعني "يُهاجِم" أو "يَتَصَدَّى" أو "يَقِف في وَجْه". وقد كانَ ذلكَ أمرًا لا مَفَرَّ مِنه. فهُم لم يتمكَّنوا مِنَ السَّيطرة على غضبهم. وقد كانُوا يُحاولونَ إخفاءَ غَضَبِهِم. وقد فَعلوا ذلكَ مِن خلالِ طَرْحِ سُؤالٍ يُخفي عَداوَتَهُمْ لهُ في شَكْلِ مُعْضِلَة لاهُوتِيَّة. ولكنَّهم كانُوا يُلاحِقونَهُ ويَسْعَوْنَ إلى الانتقامِ مِنه.

وأرجو أن تُلاحظوا أنَّ الحديثَ هُنا هُوَ عنْ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ، وَالْكَتَبَةِ، وَالشُّيُوخ. وهذا أمرٌ مهمٌّ جدًّا. فرؤساءُ الكهنةِ هُم الفِئَة الأعلى رُتْبَة مِنَ الكَهَنَة، وهُم يَعملونَ تحتَ سُلْطَة رئيسِ الكَهَنَة المَسؤول عن جميعِ الكهنةِ الذينَ تَمَّ اختيارهم للإشرافِ على كُلِّ شيء تقريبًا. وهناكَ فئات أُخرى مِنَ الكهنة يُشرفونَ على الكهنةِ ويقومونَ بخدمتهم في الهيكل مُدَّة أُسبوعَيْنِ في السَّنة. وكانَ هناكَ مُختلفُ فِئاتِ المَسؤولينَ ووُجَهاءِ الشَّعبِ. وقد كانُوا جميعًا مُمَثَّلينَ برؤساءِ الكَهَنة.

وكانَ الكَتَبَة يُمَثِّلونَ عُلَماءَ اللَّاهوت. وكانَ العديدُ مِنهم مِنَ الفَرِّيسِيِّين. ومعَ أنَّهم لم يكونوا جميعًا مِنَ الفَرِّيسيِّين، فإنَّ العديدَ منهم كانوا كذلك. وكانَ الشُّيوخُ هُمُ الفئة الأخرى. فقد كانَ رؤساءُ الكهنة يتألَّفونَ في الغالب مِنَ الصَّدُّوقِيِّين. وكانَ الشُّيوخُ يتألَّفونَ في الغالبِ مِنَ الصَدُّوقِيِّين، والبعضُ مِنهُم مِنَ الهيرودِسِيِّين، والبعضُ مِنَ الفَرِّيسيِّين. وكانَ هؤلاءِ يُؤَلِّفونَ السِّنهدريم، أيِ المَجلسَ الأعلى المؤلَّف مِنْ سَبعينَ عُضوًا، والذي يُشْرِفُ على الأمورِ الدِّينيَّة.

إذًا فقد جاءَ وَفْدٌ إليهِ يتألَّفُ مِنْ هذهِ الفئات. والأمرُ المُدهشُ بهذا الخُصوصِ هوَ الآتي: فقد كانتْ هذهِ الفئاتُ مُتَبايِنَة جِدًّا. فقد كانَ للصَدُّوقِيِّينَ آراءهُم. وكانَ للفَرِّيسيِّينَ آراء مُختلفة تمامًا عنهم. وكانَ للهيرودِسِيِّينَ آراءهُم الخاصَّة بهم والمُختلفة عن غيرهم أيضًا. وبالرَّغمِ مِنْ تَبايُنِهِم الشَّديد، فقدِ اتَّفقوا على أمرٍ واحد: أن يَقتلوا يَسوع. فقدِ اتَّحَدَتْ المؤسَّسةُ الدِّينيَّةُ بأسْرِها على هذا الأمر. وقدِ اتَّحَدَتْ جميعُ الفئاتِ الدينيَّة المُتباينة جدًّا مِنْ أجلِ قَتْلِ المسيَّا. وإنْ لم يَكُنْ هذا الأمرُ يُدَلِّلُ على مَدى بُعْدِ اليهوديَّة عَنِ اللهِ، فلا أَعْلَمُ ما الدَّليلُ الأقوى مِن ذلك. فَهُم لم يكونوا يَتَّفِقونَ على أمورٍ كثيرة، ولكنَّهم اتَّفقوا على هذا الأمر. فقد أرادوا أنْ يَقتلوا يَسوع. وهذا دَرْسٌ جَيِّدٌ. فجميعُ الدِّياناتِ لَها اختلافاتُها، ولكنَّ جميعَ الدِّياناتِ الزَّائفة تَتَّفِقُ في مَوْقِفِها المُعارِضِ لإنجيلِ يَسوعَ المسيح.

وما الدِّيانة الزَّائفة؟ الديانة الزائفة هي أيّ ديانة (أيًّا كانَ اسمُها) لا تَتَّفِقُ معَ إنجيلِ يسوعَ المسيح – سواءَ كانَتِ الإسلام، أو البوذيَّة، أو الهندوسيَّة، أو أيِّ هَرْطَقَة تَدَّعي أنَّها مسيحيَّة. فجميعُ الدِّياناتِ الزائفةِ تَتَّفِقُ على مُعاداتِها للإنجيل. وهذا هو أَكْبَرُ هُجومٍ دائمٍ على الحَقّ.

لذلكَ فقد جاءوا معًا لِمُعاداةِ المسيح. وبالمُناسبة، فإنَّهم سيَفعلونَ الشَّيءَ ذاتَهُ في نِهايةِ الدَّهْر. فدياناتُ العالمِ ستَتَّحِدُ معًا ضِدَّ المسيح. ولكنَّهُمْ جُبَناء. فَهُمْ لا يَعرفونَ كيفَ يَتصرَّفونَ في هذهِ المسألة. وَهُمْ لا يَرغبونَ في كَشْفِ حقيقةِ ما يَدورُ في أذهانِهم، أو ما يَعْتَمِلُ في قُلوبهم، أو في كَشْفِ النِّقابِ عَنْ مُعتقداتِهم. لذلكَ فقد حاولوا أنْ يُوْقِعوا يَسوعَ في الفَخِّ إذْ نَقرأُ في العددِ الثَّاني: "وَكَلَّمُوُه قَائِلِينَ: «قُلْ لَنَا: بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ أَوْ مَنْ هُوَ الَّذِي أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟»"

والآنْ، أرجو أن تَسمحوا لي بإعطائِكُم مُلاحظة صغيرة. فقد كانُوا يعيشونَ في عالمٍ تُعَدُّ السُّلْطَةُ فيهِ شيئًا عظيمًا. وقد كانَ الأمْرُ شَبيهًا بِالتَّسَلْسُلِ الهَرَمِيِّ في وِزارةِ الدِّفاعِ الأمريكيَّة إذْ إنَّهُ كانَ مُعَقَّدًا جِدًّا. فقد كانَ هناكَ أُناسٌ مَسؤولونَ عنِ الأمورِ المختصَّةِ بالأعياد، وأُناسٌ مَسؤولونَ عنِ التَّسبيح، والأبواق، والخُبْز، والمِلْح، والحَطَب، والسَّكائِبِ، والقُرْعَةِ، والمُحْرَقاتِ، والماءِ، والعَجائِبِ، والبَخورِ، والسَّتائِرِ، والأثْوابِ، وكُلِّ شيء. فقد كانَ هُناكَ نِظامٌ دَقيقٌ مِنَ الأعلى إلى الأسفل. وكانَ يأتي في قِمَّةِ هذا الهَرَم رئيسُ الكَهَنَة، ثُمَّ يأتي بَعْدهُ الكاهِنُ المَسؤولُ عَنِ الهيكلِ والذي يَليهِ في المَنْصِبِ، ثُمَّ جَميعُ الكَهَنَة الآخرين. لذلكَ لم يَكُنْ أيُّ شخصٍ مِن هؤلاءِ يَتحرَّك دونَ إذْنٍ.

وقد جاءوا جميعًا لأنهم تَعَرَّضُوا جميعًا للإهانَة. وقدِ اتَّفقوا جميعًا على أنَّ هذا الرَّجُلَ إنسانٌ غاضبٌ يَتصرَّفُ تَصَرُّفاتٍ غاضبة دونَ مُراعاتِهِم. وقدِ ظَنُّوا أنَّ السؤالَ الَّذي يَنبغي لهم أنْ يَطرحوهُ عليهِ يَختَصُّ بالسُّلْطان لأنهم كانوا يَظُنُّونَ أنَّ الشَّعبَ سَيَفْهَمُ ذلك. "بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟"

ولكِنْ ما الَّذي قَصَدوهُ بالكلمة "هذا"؟ ما الَّذي قَصَدوه؟ يقولُ البعضُ إنَّهُمْ قَصَدوا تَعليمَهُ. وهذا مُمْكِنٌ. فلا يُمكنُكَ أنْ تُعَلِّمَ في الهيكلِ إلَّا إذا كنتَ مُعَيَّنًا مِنَ السِّنهدريم. ويَرى أُناسٌ أنَّهُمْ قَصَدُوا المُعْجزات. ولعلَّكُم تَذكرونَ أنهُ قامَ ببعضِ المعجزاتِ إذْ شَفى العُمْيَ والعُرْجَ. فرُبَّما تَذكرونَ أنَّهم جاءوا إليهِ فَشَفاهُم. ولكنَّ المقصودَ هُنا هوَ ليسَ هذا. فالشيءُ الَّذي دَفَعَهُم إلى طَرحِ هذا السؤالِ عليه هوَ تَطهيرُ الهيكل. فهذا هوَ ما قَصَدوهُ بسؤالهم لَهُ: "بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟" بعبارة أُخرى: كيفَ تَتَجَرَّأُ على مُهاجَمَةِ هذا المكان؟ فقد كانُوا يُشيرونَ إلى دُخولِهِ الظَّافِرِ، وإلى قَبولِهِ الهُتافَ مِنَ الشَّعْبِ بِوَصْفِهِ المَسِيَّا. وكأنَّ لِسانَ حالِهِمْ يقول: لقد جِئْتَ، وَطَهَّرْتَ الهيكلَ، واستَوليتَ عليهِ. فبأيِّ سُلْطانٍ فَعَلْتَ ذلك؟

وأعتقدُ أنَّ هذا هو ما أشاروا إليه لأننا نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا، وتحديدًا في الأصحاحِ الثاني مِن إنجيل يوحنا، في بدايةِ خِدمتِهِ عندما طَهَّرَ الهيكلَ في المَرَّةِ الأولى، عندما جاءَ في المَرَّةِ الأولى، نَقرأُ: "فَأَجَابَ الْيَهُودُ وَقَالوُا لَهُ: «أَيَّةَ آيَةٍ تُرِينَا حَتَّى تَفْعَلَ هذَا؟»" بعبارة أُخرى، بأيِّ سُلْطانٍ تَفعلُ هذا؟ وهُمْ يَطْرَحونَ السُّؤالَ نَفسَهُ مَرَّة أُخرى. فقد أرادوا أن يَعرفوا مَصْدَرَ سُلْطانِهِ في المرَّة الأولى. وقد أرادوا أن يَعرفوا مَصْدَرَ سُلْطانِهِ في هذهِ المرَّة أيضًا. بأيِّ سُلْطانٍ؟ ومَنْ أعطاكَ هذا السُّلطان؟

وقد كانَ الجميعُ يَفهمُ ذلك. كانَ الجميعُ يَفهمُ ذلك. فقد كانَ الشَّعبُ كُلُّهُ يَفهمُ أنَّ هناكَ قواعِدَ وأنَّ هناكَ أُصولًا يَنبغي أنْ تُراعَى. وقد كانوا يَعرفونَ أيضًا أنَّ يسوعَ كانَ يقولُ دائمًا إنَّ سُلْطانَهُ مِنَ الله. فقد قالَ ذلكَ دائمًا. فقد قال: "أنا أَفعلُ ما يقولُ لي الآبُ أنْ أَفعل. وأنا أفعلُ ما يُريني الآبُ أنْ أفعل. وأنا أفعلُ مشيئةَ أبي". وأعتقدُ أنهم كانوا يأملونَ في أنْ يُجيبَهُم قائلًا: "أنا أسْتَمِدُّ سُلْطاني مِنَ الله"، لكي يُجيبوه: "أنْتَ مُجَدِّف. أنْتَ مُجَدِّف"، ويَرْجُموه.

لذلكَ فقد طَرَحوا عليهِ هذا السُّؤال. ولكنَّهُ لم يَكُنْ يُبالي بالسُّلْطَة. ولِعِلْمِكُمْ (وهذهِ مُلاحَظَة هامِشِيَّة) لم يَكُن مُعَلِّمو اليهود يُعَيَّنونَ مِنْ مَجلسِ اليهودِ الأعلى فحسب، بل كانَ مِنَ المألوفِ أنْ يَرتَدي كُلٌّ مِنْهُم عِمَامَةً على رَأسِهِ تُشيرُ إلى مُعَلِّمِه. لذلكَ فقد كانُوا يُشيرونَ مِنْ خِلالِ العِمَامَةِ إلى مَصْدَرِ سُلْطَتِهِم. ورُبَّما لم يَكُنْ يسوعُ يَرتدي عِمَامَةً على رَأسِهِ في الأصْل. ولكنَّهم كانوا يَهتمُّونَ كثيرًا بالسُّلطة.

وقد جاءَ رَدُّ يَسوع فَكَشَفَهُمْ على حَقيقتِهم. ونحنُ هُنا نَنتقلُ مِنْ مرحلةِ المواجهةِ إلى ما يُمْكِنُنا أنْ نُسَمِّيها "مَرحلة السُّؤال المُقابِل". فنحنُ نَقرأُ في العددِ الثالث سؤالًا مُقابِلًا: "فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «وَأَنَا أَيْضًا أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، فَقُولُوا لِي:" وقد كانَ هذا هُوَ الأسلوبُ التَّقليديُّ الَّذي يَتَّبِعُهُ مُعَلِّمو اليهود. وكانَ المُعَلِّمونَ الأكْفاءُ يَفعلونَ ذلك. ولكنَّ هذا الأسلوبَ كانَ الأسلوبَ التَّقليديَّ لمُعَلِّمي اليهود. فقد كانوا يُجيبونَ السُّؤالَ بسؤالٍ لإرغامِ التلاميذِ على التَّعَمُّقِ في الموضوع أوِ المسألة. لذلك، لم يكن يسوعُ يَتَهَرَّبُ مِنَ السُّؤال، بل كانَ يَكْشِفُ رِياءَهُم.

فقد كانوا يَعلمونَ مَصْدَرَ سُلطانِهِ لأنَّهُ ذَكَرَ ذلكَ مَرَّاتٍ عديدة وكثيرة. لقد كانوا يَعلمونَ ذلك. ولكنَّهم حاولوا أن يَجعلوهُ يَقول ذلكَ لكي يَتَّهِموهُ بالتَّجديف ويَقتلوه. ولكِنْ بدلًا مِنْ أنْ يُجيبَهُم عن سُؤالِهِم، كَشَفَ رِياءَهُم. فقد كانَ يُفتَرَضُ بهم أن يكونوا أعْظَمَ مُعَلِّمي إسرائيل. وكانَ يُفتَرَضُ بهم أن يَعرفوا جميعَ الأسئلةِ المُختَّصةِ بهذهِ الأمورِ. وكانَ يُفتَرَضُ بهم أن يكونوا قَادةَ الشَّعبِ. وكانَ يُفتَرَضُ بهم أن يَمتلكوا مَعرفة واسعة وشاملة بخصوصِ جميعِ المواضيعِ الرُّوحِيَّة واللاهوتيَّة. لذلكَ فقد قالَ لهم: "وَأَنَا أَيْضًا أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً".

وبالمُناسبة، فإنَّ يَسوعَ فَعَلَ ذلكَ مَرَّاتٍ كثيرة وعَديدة. فقد فعلَ ذلكَ في الأصحاح 5، وفي الأصحاح 6، وفي الأصحاح 11. وهوَ سيَفعلُ ذلكَ مَرَّة أخرى في الأصحاح 20 إذْ يَرُدُّ على السُّؤالِ بِسُؤال. وهُوَ يقولُ الآتي في العدد 4: "وَأَنَا أَيْضًا أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، فَقُولُوا لِي". وإليكُم السُّؤال: "مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنَ السَّمَاءِ كَانَتْ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟"

وقد كانَ الجميعُ يَعلمونَ عنْ يوحنَّا. ونحنُ نَتحدَّثُ هنا عن يوحنَّا المَعمدان. أليسَ كذلك؟ عن يوحنَّا المَعمدان، النبيُّ الَّذي خَرَجَ إلى بَرِّيَّةِ نهرِ الأُرْدُنِّ وكانَ يُعَمِّدُ النَّاسَ بمَعموديَّةِ التَّوبةِ ويُهَيِّئُهُمْ لمجيءِ المَسِيَّا. وهَل تَذكرونَ كيفَ ابتدأ إنجيل لوقا؟ فقد جاءَ الملاكُ إلى زكريَّا وقالَ لَهُ: "سوفَ تُنْجِبُ ابنًا بالرَّغمِ مِنْ أنَّ زوجَتَكَ أَليصَابات عاقِرٌ وأنَّكُما كِلَيْكُما مُتَقَدِّمانِ في الأيَّام. أجلْ، ستُنْجِبُ أنتَ وَزوجَتكَ أَلِيصَابَاتُ ابنًا. وسوفَ يكونُ هذا الابنُ مَنْ يُمَهِّدُ الطَّريقَ أمامَ المَسِيَّا".

وقد أَنْجَبا ولدًا وهُوَ يُوحَنَّا. وقد كَبُرَ يوحنَّا وأَعْلَنَ عنْ مجيءِ المَسِيَّا. وكانَ يوحنَّا يُمَهِّدُ الشَّعْبَ لمجيءِ المسيَّا مِنْ خِلالِ دَعوتِهِم إلى المَعموديَّة. تَعالوا واعترفوا بخطاياكُم، وادخُلوا في الماءِ واعتمِدوا مَعموديَّةً تَرْمِزُ إلى التَّطهيرِ مِنَ الخطيَّةِ إذْ تُهَيِّئونَ قُلوبَكُمْ لمجيءِ المَسِيَّا. وقد خَرَجَ كُلُّ شَعْبِ اليهوديَّة إلى يوحنَّا. وقدِ اعْتَمَدَ هؤلاءِ جَميعًا لأنهم أرادوا أنْ يكونوا مُستعدِّينَ عندما يأتي المَسِيَّا.

وذاتَ يومٍ، ظَهَرَ يَسوع. وحينئذٍ قالَ يُوحَنَّا: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!" وقد قامَ يوحنَّا بتَعميدِ يَسوع. وحينئذٍ جاءَ صَوْتُ الآبِ مِنَ السَّماءِ: "هذَا هُوَ ابْنـِــي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ".

لقد كانتْ مَعموديَّةُ يوحنَّا تَشْهَدُ عنْ خِدمَتِهِ النَّبَوِيَّةِ بأسْرِها. فمَعموديَّةُ يوحنَّا لم تَكُنْ تُشيرُ فقط إلى المَعموديَّةِ في ذاتِها. لذلكَ عندما سَألَ رَبُّنا: "مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنَ السَّمَاءِ كَانَتْ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟" كانَ يُشيرُ إلى خِدمةِ يوحنَّا، وإلى أنَّ دَعوَته النَّاسَ إلى التَّوبةِ والمَعموديَّةِ الصحيحةِ كانتْ تُشيرُ خارِجِيًّا إلى أنَّ تلكَ التَّوبةَ كانتْ في الحقيقةِ مَعموديَّةَ تَهْويد. فقد كانتْ تَعني أنَّهُ ينبغي لليهودِ أنْ يَعترفوا بأنهم يُشبهونَ الأُمَم لأنَّ هذهِ المعموديَّة كانتْ تُستخدَمُ لتعميدِ الأُمَمِ الرَّاغبينَ في اعتِناقِ اليهوديَّة.

فلأنَّهم كانُوا دُخَلاء، كانَ هُناكَ طَقْسٌ دينيٌّ ينبغي أنْ يُمارِسوه. وهُوَ يقول: "يجب عليكم أيها اليهودُ أنْ تُعاملوا أنفسكم كما لو أنَّكم مِنَ الأُمَم المَنبوذين، وأن تَعترفوا بخطاياكُم، وأن تَتوبوا عن خطاياكُم، وأن تُمارسوا هذا الطَّقْسَ الَّذي يُعَبِّرُ عن ذلك". إذًا هذهِ هي مَعموديَّة يوحنَّا. ولكي يكونوا مُستعدِّينَ لمجيءِ المسيَّا، أشارَ يوحنَّا إلى يَسوعَ بِوَصْفِهِ المَسِيَّا. ويمكنُكُم أنْ تَقرأوا القصَّةَ كاملةً في لوقا 3. فالتَّفاصيلُ كُلُّها مَذكورة هناك. ولن أهدرَ الوقتَ في التَّعَمُّقِ في ذلك.

لذلكَ فقد كانَ السؤالُ بسيطًا جدًّا. هل كانَ هذا العملُ مِنَ النَّاسِ أَمْ مِنَ اللهِ؟ هل هُوَ مِنَ السَّماءِ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟ وهذهِ مُعْضِلَةٌ لا حَلَّ لها. إنَّها مُعْضِلَة مُستحيلة بالنِّسبةِ إليهم. فقد أرادوا أنْ يقولوا إنَّها مِنَ النَّاسِ. ولكنَّ هذهِ مُشكلة. فَهُمْ لا يُريدونَ أنْ يَقولوا إنَّها مِنَ اللهِ. وهُم لا يُريدونَ أنْ يُصَدِّقوا ذلك. فَهُمْ يَكْرَهونَ تلكَ الفِكرة.

وعَودة إلى الأصحاحِ السَّابعِ مِن إنجيل لوقا نَرى أنَّهم أخذوا موقفًا مِنْ يوحنَّا المَعمدان إذْ نَقرأُ في العدد 29: "وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ سَمِعُوا وَالْعَشَّارُونَ بَرَّرُوا اللهَ مُعْتَمِدِينَ بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا". لذلكَ فقد خرجَ الشَّعبُ كُلُّهُ واعتمدوا بهذهِ المعموديَّةِ وقالوا: "أجل، نحنُ نريدُ أنْ نكونَ مُستعدِّين. أجل، نحنُ نريدُ أنْ نَعتَرِفَ بخطايانا وأنْ نَتوب. ونحنُ نُريدُ أنْ نكونَ هُناكَ عندما يأتي المسيَّا لتأسيسِ مَلكوتِهِ".

ولكنَّنا نَقرأُ في لوقا 7: 30: "وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ وَالنَّامُوسِيُّونَ فَرَفَضُوا مَشُورَةَ اللهِ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ، غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ مِنْهُ". فقد رَفَضوها. وهُمْ لم يَعْتَمِدوا بها لأنَّ ذلكَ سيكونُ إقرارًا منهم بأنهم خارِج العَهْدِ، ولأنَّ ذلكَ سيكونُ إقرارًا مِنهم بأنهم خارج الملكوت. فَهُمْ لم يكونوا مُقَدَّسين. وكانَ مِنَ المُحالِ أنْ يَفعلوا هذا الأمر. لذلك، كانَ جوابُهُم الحقيقيُّ هو: "يوحنَّا ليسَ مِنَ الله، ومَعمودِيَّتُهُ مِنَ النَّاس".

لذلكَ فقد وَضَعَهُمْ يسوعُ في وَرْطَةٍ لا يُحْسَدونَ عليها: "مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنَ السَّمَاءِ كَانَتْ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟" وبالمناسبة، فإنَّنا نَقرأُ في مَقطَعٍ مُشابِهٍ في إنجيل مَرْقُس 11: 30 أنَّ يَسوعَ قالَ لهم: "أَجِيبُونِي". فقد كانَ يَزيدُ الضَّغْطَ عليهم قليلًا. لذلكَ فقد وَقَعُوا في حَيْرَةٍ مِنْ أمرِهِم. فأنْتُمْ إمَّا أنْ تَعترفوا أنَّ يسوعَ هوَ المسيَّا، أوْ أنْ تُنْكِروا أنَّ يوحنَّا المعمدان هُوَ نَبِيٌّ مِنْ عندِ الله. ولكنَّكُم لن تَعترفوا بأنَّ يسوعَ هوَ المسيَّا. فهذا مُستحيل. ولكِنْ مِنَ الأفضلِ ألَّا تُنكروا أنَّ يوحنَّا نَبِيٌّ لأنَّ هناكَ عواقِبَ وخيمة لهذا الإنكار. وما هي؟ العَدَد 5: "فَتَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ". وهيَ كَلِمَة مُثيرة للاهتمام في اللُّغة اليونانيَّة إذْ إنَّها تَعني: "تَشاوَروا". وفي مَقطَعٍ مُشابِهٍ في إنجيل مَتَّى 21: 25 نَقرأُ أنَّهُ استخدَمَ كلمةً أُخرى تَعني "فَكَّروا". لذلكَ فقد تَشاوَروا وفَكَّروا.

وكانوا يَقولون: "إِنْ قُلْنَا: مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟" فإنْ كانَ يوحنَّا نَبِيًّا مِنْ عندِ اللهِ وكانتْ خِدمَتُهُ مِنَ السَّماءِ، فلماذا لم تُؤمنوا بِهِ؟ لماذا لم تؤمنوا بهِ عندما قالَ إنَّ يسوعَ هوَ المَسِيَّا؟ ثُمَّ في العَدَد 6: "وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ، فَجَمِيعُ الشَّعْبِ يَرْجُمُونَنَا، لأَنَّهُمْ وَاثِقُونَ بِأَنَّ يُوحَنَّا نَبِيٌّ".

ولكِنْ لماذا سيَرْجُمونَهُمْ حَتَّى الموت؟ ما السَّبَب؟ بسببِ التَّجديف. فَهُمْ سيَرجِعونَ إلى العهدِ القديمِ، وتحديدًا إلى سِفْرِ الخُروج 17: 4 وسِفْرِ العَدَد 14: 10. وسوفَ يَتَّهِمونَهُمْ بالتَّجديفِ بسببِ الادِّعاءِ بأنَّ هذا النَّبِيَّ الآتي مِنْ عندِ اللهِ هوَ ليسَ نَبِيًّا مِنْ عندِ الله. لذلكَ فقد كانوا في مُشكلةٍ عَويصةٍ هُنا: "إنْ قُلنا إنَّها مِنَ السَّماءِ فلن يكونَ لنا عُذْرٌ في أنَّنا لم نُؤمِنْ بِهِ. وإنْ قُلنا إنَّها مِنْ عندِ النَّاسِ فسوفَ يَرْجُمونَنا حَتَّى الموت".

ويمكنُكُم مِنْ خِلالِ هذهِ الأحداثِ أنْ تُدْرِكُوا خُطورةَ هذا الشَّعْب. أليسَ كذلك؟ وهذا يَجعَلُكُم تُدركونَ مَدى تَقَلُّبِ هذا الحَشْدِ فيما يَختصُّ بِحَماسِهِمِ المؤقَّتِ تُجاهَ يَسوع. لذلكَ فقد كانُوا عاجِزينَ عنْ قولِ الحقيقة. وهُمْ لم يُحْسِنوا التَّصَرُّف. لذلكَ نَقرأُ في العدد 7: "فَأَجَابُوا أَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ". فهُمْ لم يُقَدِّموا جوابًا. فقد كانَ الأمْرُ يَفوقُ مَعْرِفَتَهُم الهائلة المَزعومة. ولكنَّهم كانَ يُفتَرَضُ بهم أنْ يكونوا حُماةَ الحَقِّ في الشُّؤونِ الدينيَّة. وقد دَانُوا أنفُسَهُم بأنفُسِهِم بسببِ عدمِ إجابَتِهِم عنْ هذا السُّؤال. "لا نَعلم!" ولم يَكُنْ بإمكانهم أنْ يَهربوا مِنْ هذهِ الورطة مَرَّة أخرى. وقد فَعَلَ يسوعُ ذلكَ بهم، كما قُلْتُ، مَرَّاتٍ عَديدة.

وهذا يَقودُنا إلى النُّقطة الأخيرة وَهِيَ الدَّينونة. فالمواجهة قادَتْ إلى سُؤالٍ مُقابِلٍ، وأخيرًا إلى الدَّينونة. وهذهِ واحدة مِنَ الجُمَل المُحْزِنَة حَقًّا. "فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: وَلاَ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هذَا". وهذا شَيءٌ مأساوِيٌّ حقًّا. فقد كانَ لِسانُ حالِ يَسوعَ هُوَ: "بسببِ مَا فَعَلْتُموهُ بالمعلوماتِ الَّتي لَدَيْكُم، لن أُقَدِّمَ لكُم المَزيد. لقدِ انْتَهى كُلُّ شيء".

فمَعَ أنَّهُ كانَ يُعَلِّمُ النَّاسَ ويُبَشِّرُ النَّاسَ بالإنجيل، فإنَّهُ لم يَعُدْ لديهِ ما يَقولُهُ للقادة. فقد كانوا يَعرفونَ خِدمةَ يوحنَّا. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ يسوعَ قالَ إنَّهُ ويوحنَّا جاءا مِنْ عِنْدِ اللهِ. فقد كانَ يوحنَّا ويسوعُ لا يَنفَصِلان. فإذا قَبِلْتَ أحَدَهُما ينبغي لكَ أنْ تَقبلَ الآخَر. ولم تَكُنْ هناكَ فائدة تُرْجى مِنْ طَرْحِ الدُّرَرِ قُدَّامَ الخَنازير. فقد رَفَضوا كُلَّ النُّورِ طَوْعًا. لذلك، لم يَكُنْ هناكَ ما يَدعو لإعطائهم المَزيد. وهذهِ هي الدَّينونةُ الَّتي حَلَّتْ على قادةِ إسرائيلَ الدِّينيِّين. إنَّها الدَّينونة.

ثُمَّ نقرأُ في الأصحاح 22 والعدد 66: "وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ اجْتَمَعَتْ مَشْيَخَةُ الشَّعْبِ: رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ (وَهُمْ نَفْسُ الجَماعَةِ مَرَّة أُخرى)، وَأَصْعَدُوهُ إِلَى مَجْمَعِهِمْ قَائِلِينَ: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمسِيحَ، فَقُلْ لَنَا!» فَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ قُلْتُ لَكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ، وَإِنْ سَأَلْتُ لاَ تُجِيبُونَنِي وَلاَ تُطْلِقُونَنِي. مُنْذُ الآنَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ قُوَّةِ اللهِ»". بعبارة أُخرى، لم يَبْقَ لَكُمْ سِوى الدَّينونة. "فَقَالَ الْجَمِيعُ: «أَفَأَنْتَ ابْنُ اللهِ؟» فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا هُوَ». فَقَالُوا: «مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شَهَادَةٍ؟ لأَنَّنَا نَحْنُ سَمِعْنَا مِنْ فَمِهِ»" ... اقْتُلوه.

لم يَكُنْ هناكَ أيُّ نَفْعٍ مِنْ إخبارِهِمْ أيَّ شيءٍ. فقد كانُوا مُصِرِّينَ على عِنادِهِمْ. لذلكَ نَقرأُ في الأصحاح 23 والعدد 8: "وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا، لأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيل أَنْ يَرَاهُ، لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَتَرَجَّى أَنْ يَرَى آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ. وَسَأَلَهُ بِكَلاَمٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ".

فقد ظَنَّ هيرودُسُ أنَّهُ كانَ شخصًا مُهِمًّا جِدًّا. ولكنَّ يسوعَ لم يُجِبْهُ عنْ أيِّ سُؤالٍ طَرَحَهُ عليه. فلم يَكُنْ لديهِ ما يَقولُهُ لهُ. لم يَكُنْ لديهِ ما يَقولُهُ لهُ. وهذِه هيَ الدَّينونة. وهذا هوَ ما جاءَ في سِفْرِ التَّكوين 6: 3: "لاَ يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ". فهناكَ حَدٌّ لِطُوْلِ أناةِ اللهِ. ونحنُ نَقرأُ في سِفْرِ نَحَمْيا 9: 30: "فَاحْتَمَلْتَهُمْ سِنِينَ كَثِيرَةً، وَأَشْهَدْتَ عَلَيْهِمْ بِرُوحِكَ عَنْ يَدِ أَنْبِيَائِكَ فَلَمْ يُصْغُوا، فَدَفَعْتَهُمْ لِيَدِ شُعُوبِ الأَرَاضِي".

وهناكَ وقتٌ يَقولُ اللهُ فيه: "لَمْ يَعُدْ لديَّ مَا أقولُهُ لَكُم". وهذا هوَ ما نَقرأهُ في إشَعْياء 63: 10 إذْ نَقرأ: "وَلكِنَّهُمْ تَمَرَّدُوا وَأَحْزَنُوا رُوحَ قُدْسِهِ، فَتَحَوَّلَ لَهُمْ عَدُوًّا، وَهُوَ حَارَبَهُمْ". ونَقرأُ في الأصْحاحِ الحادي عَشَر مِنْ سِفْرِ إرْميا شيئًا مُشابهًا جدًّا إذْ جاءَ في العَدَدَيْن 7 و 11: "لأَنِّي أَشْهَدْتُ عَلَى آبَائِكُمْ إِشْهَادًا يَوْمَ أَصْعَدْتُهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، مُبْكِرًا وَمُشْهِدًا قَائِلاً: اسْمَعُوا صَوْتِي". ولكنَّهُم لم يَسْمَعوا. ثُمَّ في العدد 11: "لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا جَالِبٌ عَلَيْهِمْ شَرًّا لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهُ، وَيَصْرُخُونَ إِلَيَّ فَلاَ أَسْمَعُ لَهُمْ".

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في إنجيل لوقا 19: 41: "وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا قَائِلاً: إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ".

فبالنِّسبة إلى الشَّعبِ، كانَ بابُ الرَّحْمَةِ ما يَزالُ مَفتوحًا، وكانَ الإنْجيلُ ما يَزالُ يُكْرَزُ بِهِ، وكانتِ الرِّسالةُ ما تَزالُ تُقَدَّمُ لهم. وفي يومِ الخمسين، كانَ هناكَ ثلاثةُ آلافِ شَخْصٍ سيُؤمنون، والآلافُ غَيْرُهُمْ لاحقًا. أمَّا بالنِّسبةِ إلى القادة، كانَ الأمْرُ قدِ انْتَهى والبابُ قد أُغْلِق. وحتَّى بعدَ القِيامَة، أيْ بعدَ قِيامَتِهِ مِنَ الأمواتِ، فإنَّهُمْ لن يُؤمِنوا. بل سَيُلَفِّقونَ كِذْبَةً لتَمويهِ الأمْر.

ولا يَسَعُني إلَّا أنْ أُفَكِّرُ في رَعِيَّةٍ كهذهِ في هذا الصَّباح. فهناكَ أشخاصٌ يُشْبِهونَ الشَّعْبَ. وما يَزالُ الرَّبُّ يَمُدُّ لَهُمْ يَدَهُ. وهُناكَ أشخاصٌ يُشبهونَ القادةَ في أنَّ البابَ قد أُغْلِقَ في وَجْهِهِمْ إلى الأبَد. فَكَمْ مَرَّة سَتَسْمَعُ الإنجيلَ وتَرْفُضُهُ قبلَ أنْ يَقولَ الرَّبُّ لَكَ: "لم يَعُدْ لَدَيَّ ما أَقولُهُ لَكَ"؟ لا تَسْمَحْ بحدوثِ ذلك.

وإذْ نَأتي إلى الصَّليبِ في هذا الصَّباح، احْرِصْ على أنْ تَكونَ مَعْرِفَتُكَ بالمَسيحِ المَصلوبِ هِيَ مَعرفة شَخصيَّة، وَحَمِيْمَة، ومُغَيِّرَة للحَياة، وليسَتْ فقط مَعرفة تاريخيَّة.

أَبَانا، إذْ نَأتي الآنَ إلى مائِدَتِكَ في هذهِ اللَّحَظاتِ الأخيرة، فإنَّنا نُعَبِّرُ عنِ اهتمامِنا، بلِ اهتِمامِنا العَميقِ، بقلوبِ وحياةِ الأشخاصِ الحاضِرينَ هُنا لكي نَكونَ رَعِيَّةً تَعْرِفُكَ مَعرفةً حقيقيَّةً. فالتَّدَيُّنُ قد يكونُ مكانًا جَيِّدًا لاخْتباءِ المُرائين. ولكنَّنا نُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ تَكْشِفَ زِيْفَ أيِّ قَلْبٍ مُرَاءٍ، وأنْ تَقودَ جَميعَ الأشخاصِ الذينَ لا يَتَمَتَّعُونَ بعلاقةٍ سليمةٍ معكَ إلى أنْ يَخْشَوْا مَجيءَ اليومَ الَّذي قد تَقولُ لَهُمْ فيه: "لَمْ يَعُدْ لَدَيَّ ما أقولُهُ لَكُم"، وَأنْ يَخْشَوا مَجيءَ الدَّينونةِ، وَاخْتِفاءَ النُّورِ، وَحُلولَ الظَّلامِ الدَّامِسِ والدَّائم.

ولكِنْ قَبْلَ أنْ يَحْدُثَ ذلك بالنِّسبةِ إلى الأشخاصِ الذينَ سَمِعُوا وسَمِعُوا وسَمِعوا، وقاوَمُوا وقاوَمُوا وقاوَموا، لَيْتَ هذا اليومَ يكونُ يَوْمَ تَوْبةٍ حَقيقيَّةٍ وقَبولٍ للإنجيل. وإذْ نأتي نحنُ المؤمنونَ إلى الصَّليب، ليتَنا نُدرك أنَّ هذهِ الكَراهِيَةَ وهذهِ المَرارةَ الَّتي قادَتْ هؤلاءِ الرِّجالِ إلى إهاجَةِ هذا الشَّعْبِ (الَّذي كانَ يَبْدو مُوالِيًا ليسوعَ ذاتَ يومٍ) وإلى تَحريضِهِمْ على القولِ: "اصْلِبْهُ، اصْلِبْهُ"، ليتَنا نُدركُ أنَّهُ بالرَّغْمِ مِنْ فَظاعَةِ ذلكَ، فإنَّ الصَّليبَ كانَ أعْظَم عَمَلٍ مِنْ أعمالِ النِّعمةِ بالمُطْلَق.

فَمِنْ خِلالِ كَراهِيَّتِهِمْ وقَتْلِهِمْ لابنِ اللهِ، حَصَلْنا على الكَفَّارَةِ لِخَطايانا. ومعَ أنَّنا نَمْقُتُ ما فَعلوهُ بمُخَلِّصِنا، فإنَّنا نُحِبُّ ما فَعَلْتَهُ أنْتَ مِنْ خِلالِهِ. لذلكَ فإنَّنا نَأتي بِقُلوبٍ مُمْتَنَّةٍ وقُلوبٍ تائبةٍ، مُتَذَكِّرينَ مَوْتَهُ لأجْلِنا. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize