Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كَمْ تَفرح قُلوبُنا بالعودةِ إلى دراستِنا لإنجيل لوقا الَّذي يَحْوي أحداثًا تاريخيَّةً رائعةً مُوْحَى بها عن حياةِ رَبِّنا يسوعَ المسيحِ وخِدمتِه. وأرجو أن تَفتحوا كُتبكَم المقدسة على الأصحاح 20 مِن إنجيل لوقا. وإذْ نأتي إلى العدد 9 نَجِدُ مَثَلًا نَبويًّا ... مَثَلًا نَبويًّا يَختصُّ بقَتْلِ ابنِ الله.

وإنْ كُنتم مَعنا في الأيامِ السابقةِ في أثناءِ دراستِنا لإنجيل لوقا، فإنكم على دِرايةٍ جَيِّدة جدًا بحقيقةِ أننا وَصَلنا الآن إلى الأسبوعِ الأخيرِ مِن حياةِ رَبِّنا قَبلَ موتِه. وإذْ نأتي إلى هذا المَقطعِ، فإنَّهُ يوم الأَرْبِعاء ... يومِ الأرْبِعاءِ مِن أسبوعِ الآلام. فَهُوَ سَيُصْلَبُ يومَ الجُمُعَة. وهُوَ سيقومُ مِنَ الأمواتِ يومَ الأحَد. ولكنَّنا الآنَ في يومِ الأرْبِعاء.

وقد صَرَفَ رَبُّنا يومَ الأربعاءِ في منطقةِ الهيكلِ يُعَلِّمُ عنِ الحقِّ المختصِّ بالملكوت ويُبَشِّرُ بالإنجيل كما قرأنا في الأصحاح 20 والعدد 1. وفي اليومِ السَّابقِ، أي في يومِ الثَّلاثاء، كانَ قد طَهَّرَ الهيكل. فنحنُ نقرأُ في الأصحاح 19 والعدد 45: "وَلَمَّا دَخَلَ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِيهِ قَائِلاً لَهُمْ: «مَكْتُوبٌ: إِنَّ بَيْتِي بَيْتُ الصَّلاَةِ. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!»" أوْ "وَكْرَ لُصوص".

وكانَ قد دَخَلَ المدينةَ ظَافرًا في يومِ الاثنين. وقد دخلَ إلى الهيكلِ في مساءِ يومِ الاثنين، ونَظَرَ إلى ما كانَ يَجري هناك، ورَجَعَ صباحَ يومِ الثَّلاثاء، وطَهَّرَ الهيكلَ، وطَرَدَ أصحاب المَحالِّ التِّجاريَّةِ الَّتي كانتْ تَعملُ هناكَ بصورةٍ غيرِ مَشروعة، والتي كانت تُدَنِّسُ وتُنَجِّسُ اسمَ اللهِ وبيتَ اللهِ. وبعدَ أنْ طَهَّرَهُ، سَيْطَرَ عليهِ واستخدمَهُ كمكانٍ لتعليمِهِ وتَبشيرِه. وقد شَفَى أيضًا الناسَ العُرْجَ وَالعُمْيَ، وعَلَّمَ عنِ الحَقِّ المُخْتَصِّ بالملكوت، وبَشَّرَ بالإنجيل.

ولكنَّ طَرْدَهُ لهؤلاءِ التُّجَّارِ الَّذينَ كانوا يُدَنِّسونَ الهيكلَ، وتَعطيلَهُ للأعمالِ التجاريةِ الَّتي كانتْ تُدارُ في الهيكلِ تحتَ إشرافِ الكهنةِ ورؤساءِ الكهنةِ كانَ القَشَّةَ الَّتي قَصَمَتْ ظَهْرَ البَعير (إنْ شِئْتُم). وقد كانَ ذلكَ هوَ الهجوم الأخير على القادةِ اليهود، وعلى المؤسسة الدينية اليهودية. لذلكَ فقد أرادوا أن يَقتلوه. وكانوا قد أرادوا أن يَقتلوه منذ وقتٍ طويلٍ جدًّا جدًّا. وقد صاروا تدريجيًّا أكثرَ عداوةً وأكثرَ رَغبةً في إنهاءِ حَياتِهِ. وقد جاءت هذهِ الحادثةُ فَأجَّجَتْ رَغْبَتَهُمْ إلى أَقصى الحُدود.

وكانَ يسوعُ يَعلمُ أنَّ هذا هوَ ما سيَحدُث. ولكنَّهُ فَعَلَ ذلكَ لأنه الصواب. وقد كانَ يَعلمُ أنَّ تلكَ الحادثة ستَجعلهم يُعَجِّلونَ في موتهِ يومَ الجُمُعَة، ولكنَّ ذلكَ كُلَّهُ كانَ بِخُطَّةٍ إلهيَّةٍ لأنَّهُ كانَ ينبغي أنْ يموتَ يومَ الجُمُعَة لأنَّ هذا هوَ اليومَ الَّذي كانَتْ تُذبَحُ فيهِ حُمْلانُ الفِصْحِ، ولأنهُ كانَ سيموتُ بِوَصْفِهِ ذبيحةَ الفِصْحِ الحقيقيَّة عنِ الخطيَّة. ولكنَّ ذلكَ كانَ سيَحدثُ بعدَ يَوْمَيْن. أمَّا اليوم فهوَ الأرْبِعاء. وفي تَعبيرٍ أخيرٍ عنْ تَعاطُفِهِ، ورِفْقِهِ، ولُطفِهِ، وصلاحِهِ، ونِعمتِهِ، صَرَفَ رَبُّنا هذا اليومَ، واليومَ التالي أيضًا (أيِ الخميس) يُعَلِّمُ ويُبَشِّرُ بالإنجيل مِن أجلِ توصيلِ رسالةِ الخلاصِ والغُفرانِ والحياةِ الأبديَّةِ للشَّعب.

وقد كانوا يَستمعونَ إليهِ ويُصغونَ باهتمام. فقد كانوا ما زالوا في ذُروةِ الحماسةِ العاطفيَّةِ بعدَ دُخولهِ الظَّافر يومَ الاثنين. وكانوا ما زالوا يَأمَلونَ في أنهُ سيكونُ الملك والمسيَّا الموعود، وأنهُ سيُتَمِّمُ جميعَ وعودِهِ الَّتي قَطَعَها لإبراهيم وداود، والتي تَنَبَّأَ عنها الأنبياءُ في كُلِّ العهدِ القديم. وقد كانوا ما زالوا يأملونَ في أنْ يكونَ المُنْقِذ الَّذي طالَ انتظارُهُ والذي سيَسْحَقُ أعداءهم ويقودُ إسرائيلَ إلى تأسيسِ مَملكتها الشهيرة والمَجيدة.

لذلكَ فقد كانُوا يَستمعونَ إليه، بل كانوا يَستمعونَ إليه بانتباهٍ شديد. وكانَ القادةُ يَستمعونَ إليه أيضًا. فَهُمْ لم يُفَوِّتُوا شيئًا مِمَّا قالَهُ. فقد كانوا يُحيطونَ بِكُلِّ حَشْدٍ ويَدْخُلونَ في كُلِّ حَشْدٍ يُكَلِّمُهُم. وقد أرادوا أنْ يَقتلوه، وكانوا يبحثونَ عن خُطُواتٍ تُفْضِي إلى ذلك. ولكنَّ الأمرَ لم يَكُنْ سهلًا. ويَنتهي الأصحاح 19 بهذهِ الكلمات: "وَكَانَ يُعَلِّمُ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ وُجُوهِ الشَّعْبِ يَطْلُبُونَ أَنْ يُهْلِكُوهُ، وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَفْعَلُونَ، لأَنَّ الشَّعْبَ كُلَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَسْمَعُ مِنْهُ".

وكما رأينا في المَرَّة السابقة، فقد كانوا خائفينَ مِنْ أنْ يُقاوموه لأنهُ كانَ يَحظى بشعبيَّة واسعة جدًّا. وبالرَّغمِ من ذلك، كانُوا مُتَلَهِّفينَ لرؤيتهِ مَيْتًا لأنهُ كانَ يُهَدِّدُ لاهُوتَهُمْ، وديانَتَهُم، وإمبراطورِيَّتَهُم الاقتصاديَّة.

لذلك، معَ أنَّ يسوعُ كانَ يُخاطِبُ الشَّعبَ، فإنَّهُ يُخاطِبُ الشَّعبَ المَذكورَ في هذا المَثَل عَنِ القادة. والمَثَلُ الَّذي سنَقرأُهُ ابتداءً مِنَ العددِ التَّاسِعِ هوَ واحدٌ مِنْ ثلاثةِ أمثالٍ تَتَحَدَّثُ عنِ القادة. ويَذْكُرُ لنا البَشيرُ مَتَّى هذهِ الأمثالَ جميعًا. أمَّا لوقا فيَذْكُرُ مَثَلًا واحدًا فقط.

ففي أثناءِ اليوم (أيْ يومِ الأَرْبِعاء)، مِنَ الصَّباحِ الباكرِ إلى وقتٍ مُتأخِّرٍ مِنَ اليوم، كانَ يَسوعُ يَمشي في الهيكلِ ويُعَلِّم. ورُبَّما أعادَ هذا المَثَلَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ وأَدْخَلَ عليهِ تَغييراتٍ بَسيطةٍ في كُلِّ مَرَّة. فالبشيرُ مَتَّى يَذْكُرُ هذا المَثَلَ بصورة مشابهة جدًّا، معَ تَغييراتٍ طفيفة. والبشيرُ مَرْقُس يَذْكُرُ هذا المَثَلَ بصورةٍ مُشابهةٍ جدًّا، معَ تغييراتٍ طفيفة. لذلكَ، مِنَ المُرَجَّحِ أنهُ أثناءَ سَيْرِهِ بينَ الجُموعِ، كانَ يُعيدُ سَرْدَ هذا المَثَل وهذهِ الأفكار. ولكِنْ لا توجدُ اختلافاتٌ جوهريَّة بينَ الأناجيلِ الَّتي تَذْكُرُ هذا المَثَل. وكما قُلتُ، فإنَّنا نَجِدُ في إنجيل مَتَّى مَثَلَيْنِ آخَرَيْن. ويأتي هذا المَثَلُ بَيْنَهما. أمَّا لوقا فيَذْكُرُ لنا هذا المَثَلَ فقط.

واسْمَحوا لي أنْ أَحكي لكُم القِصَّة الَّتي سَرَدها يسوع، وهُيَ مَثَلٌ نَبَوِيٌّ يَبْتَدِئُ مِنَ العدد 9: "وَابْتَدَأَ يَقُولُ لِلشَّعْبِ هذَا الْمَثَلَ: «إِنْسَانٌ غَرَسَ كَرْمًا وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ زَمَانًا طَوِيلاً. وَفِي الْوَقْتِ أَرْسَلَ إِلَى الْكَرَّامِينَ عَبْدًا لِكَيْ يُعْطُوهُ مِنْ ثَمَرِ الْكَرْمِ، فَجَلَدَهُ الْكَرَّامُونَ، وَأَرْسَلُوهُ فَارِغًا. فَعَادَ وَأَرْسَلَ عَبْدًا آخَرَ، فَجَلَدُوا ذلِكَ أَيْضًا وَأَهَانُوهُ، وَأَرْسَلُوهُ فَارِغًا. ثُمَّ عَادَ فَأَرْسَلَ ثَالِثًا، فَجَرَّحُوا هذَا أَيْضًا وَأَخْرَجُوهُ.

فَقَالَ صَاحِبُ الْكَرْمِ: مَاذَا أَفْعَلُ؟ أُرْسِلُ ابْنِي الْحَبِيبَ، لَعَلَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ يَهَابُونَ! فَلَمَّا رَآهُ الْكَرَّامُونَ تَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ قَائِلِينَ: هذَا هُوَ الْوَارِثُ! هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ لِكَيْ يَصِيرَ لَنَا الْمِيرَاثُ! فَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ. فَمَاذَا يَفْعَلُ بِهِمْ صَاحِبُ الْكَرْمِ؟ يَأتِي وَيُهْلِكُ هؤُلاَءِ الْكَرَّامِينَ وَيُعْطِي الْكَرْمَ لآخَرِينَ»". هَذِهِ هِيَ القِصَّة.

والآنْ، حينَ نَنظُرُ إلى هذهِ القِصَّة وإلى العباراتِ اللَّاحقةِ الَّتي قالها رَبُّنا بَعْدَ سَرْدِهِ لَها، فإنَّنا نَجِدُ إشاراتٍ إلى موتِ المسيحِ ومَفاعيلِهِ. لذلكَ فإنَّ هذا المَثَلَ مُهِمٌّ جدًّا لأنهُ يُشيرُ إلى هذا الحدثِ الَّذي كانَ وَشيكًا. وهوَ مُهِمٌّ جدًّا أيضًا لأنهُ يُشيرُ إلى كُلِّ تاريخِ إسرائيل. فهوَ قِصَّة مؤثِّرة وشامِلة سُرِدَتْ بلُغةٍ بسيطةٍ جدًّا. ولكنَّها قصَّة مُذهلة، وقِصَّة مُحَمَّلة بالمعاني، وقِصَّة غريبة وصَادِمَة حقًّا.

وإذْ نَتأمَّلُ في تَفاصيلِ القِصَّة، سأُوَجِّهُ أنْظارَكُمْ إلى أربَعِ سِماتٍ: أوَّلًا، الصُّورة التَّوضيحيَّة (أيِ القِصَّة نفسِها). ثانيًا، التَّفسير. وفي الأسبوعِ القادِمِ سنَتأمَّلُ في التَّوَسُّع والتَّطبيق. ولكِنَّنا سنبتدئُ بالحديثِ عنِ التَّشبيهِ والتَّفسير.

العَدَد 9: "وَابْتَدَأَ يَقُولُ لِلشَّعْبِ هذَا الْمَثَلَ". فهوَ يُكَلِّمُ هذا الحَشْد الكبيرَ الَّذي كانَ يُحيطُ بهِ منذُ دُخولِهِ إلى المدينةَ قبلَ بِضعةِ أيَّام. وقد كانَ هذا الحَشْدُ الكبيرُ موجودًا آنذاك في مِنْطَقَةِ الهيكل. وهُوَ يُخاطبهم. ولا شَكَّ أنَّ القادةَ كانُوا قدْ دَخَلوا بينهم واختَلطوا بهم. وقد قالَ يسوعُ القِصَّةَ للشَّعبِ على مَسامِعِ القادَة. والأهَمُّ مِن ذلكَ هو أنَّ القصة كانتْ عنِ القادة.

وكانتِ القِصَّة سَهلةَ الفَهْم: "إِنْسَانٌ غَرَسَ كَرْمًا". وهذا أمْرٌ مألوفٌ جِدًّا في إسرائيل. والحقيقةُ هي أنَّهُ مِن وجهةِ نَظَرٍ نَباتِيَّة أوْ مِن وُجهةِ نَظَرٍ زِراعيَّةٍ، فإنَّ إسرائيلَ تُقْسَمُ إلى نوعَيْنِ مِنَ الأرْض: التِّلالُ والسُّهول. وقد كانوا يَزرعونَ الحُبوبَ في السُّهول. وكانوا يَزرعونَ الكُرومَ في التِّلال. فقد كانوا يُمَهِّدونَ أراضِي الكُروم، ويُزيلونَ الأحجارَ مِنها، ويَبنونَ جُدرانًا صغيرةً تَسْمَحُ لهُم بتمهيِدِ الأرضِ، ثُمَّ يَملأونَ تلكَ التِّلالَ المُمَهَّدةَ بالكُروم. لذلكَ، كانَ هذا الأمرُ شائعًا جدًّا جدًّا.

وفي رِوايَةِ مَتَّى لهذهِ القِصَّة (والتي رُبَّما تكونُ الرِّواية الأكْمَلْ للقِّصَّة، أو رُبَّما تكونُ القِصَّة نَفسَها، ولكِنْ أُضيفَتْ إليها تَفاصيلُ صغيرة أُخرى ذَكَرَها يسوعُ في مَوْضِعٍ آخرَ في ذلكَ اليوم في أثناءِ تَعليمِهِ في الهيكل)، يُبَيِنُ لنا البَشيرُ "مَتَّى" العِنايةَ الشَّديدةَ الَّتي بَذَلَها صَاحِبُ الكَرْمِ في زِراعَةِ كَرْمِهِ. فهُوَ يَقولُ إنَّهُ أَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجًا لكي يَكونَ هناكَ شَخْصٌ جالِسٌ لمُراقَبَتِهِ لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ للهجومِ والتَّخريبِ مِنَ الحَيَواناتِ أوِ الأعداء.

لذلكَ فقد غَرَسَ صاحِبُ الكَرْمِ كَرْمَهُ بكُلِّ عِناية. وقد كانتِ الصُّورةُ مألوفةً جدًّا جدًّا لديهم، وشائعة جِدًّا. فجميعُ تِلالِ إسرائيل (وَهِيَ كَثيرة) كانتْ مُغَطَّاة بتلكَ الكُروم. "وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ". وَهُوَ أمْرٌ مألوفٌ أيضًا. وهذا يَعني أنَّ صاحِبَ الكَرْمِ لم يَكُنْ يُشْرِفُ على الكَرْمِ بنفسِه. فهوَ لم يَكُنْ مُقيمًا هُناك، ولا يَعيشُ هناك. فهوَ يَمْلِكُ الكَرْمَ، ولكنَّهُ ليسَ حاضِرًا دائمًا. فقد كانَ هؤلاءِ مُزارِعونَ مَأجورون (إنْ جَازَ القَوْل). فهذا هوَ الاسمُ الدَّارِجُ لهُم في بَلَدِنا، أوْ هُمْ مُزارِعونَ يَتِمُّ التَّعاقُدُ معهم فيأتونَ للعملِ دونَ امتلاكِ أيِّ أرْضٍ. فَهُمْ يَمتلكونَ مهاراتٍ زِراعِيَّةً مُعَيَّنةً فيَستأجرونَ الأرضَ مِنْ صاحِبِ الأرْضِ الغائبِ بعدَ الاتِّفاقِ معَهُ على إنتاجِ الغِلالِ ودَفْعِ نِسبةٍ مُعَيَّنةٍ مُتَّفَق عليها مُقَدَّمًا لِصاحبِ الأرضِ. لذلكَ فقد كانُوا عُمَّالًا مأجورين يُعْطَوْنَ امْتيازَ استغلالِ الأرْض.

وقد كانَ هؤلاءِ العُمَّال يَتمتَّعونَ بأفضلِ المَزايا حقًّا. فهُمْ يَملكونَ الحُرِّيَّةَ في العملِ في الأرضِ بالطَّريقةِ الَّتي يَشاءون. لذلكَ، كانَ بِمَقدورِهِمْ أنْ يَكونُوا مُبْدِعينَ قَدْرَ ما يَشاءون. فَلا أَحَدَ يُراقِبُهُمْ أوْ يَقِفُ فوقَ رُؤوسِهِم. وهذهِ فُرصة رائِعَة. وهذا امتيازٌ عَظيمٌ ومَسؤوليَّة كبيرة أيضًا. فقد كانَ بإمكانهم أنْ يَعملوا بِجِدٍّ، وأنْ يُنتِجُوا المحاصيل، وأنْ يَدفعوا لصاحبِ الأرضِ النِّسبة المُتَّفَق عليها، وأنْ يأخُذوا الباقي لأنفسهم.

لذلك فإنَّهم لم يكونوا مُلْزَمينَ بشراءِ الأرضِ، بل كانُوا يَمْلِكونَ امتيازَ الحُصولِ على خَيراتِها، وكانَ بِمَقدورهم أنْ يَعملوا بِجِدٍّ وأنْ يَجْنُوا دَخْلًا جَيِّدًا جِدًّا. ونَقرأُ عَنْ صَاحِبِ الكَرْمِ (إذا رَجَعْتُمْ إلى العَدَد 9) أنَّهُ: "سَافَرَ زَمَانًا طَوِيلاً". ... زَمانًا طويلًا. فقد كانتْ جميعُ الرِّحْلاتِ تَستغْرِقُ وقتًا طويلًا في تلكَ الأيَّام. ويبدو أنَّ تلكَ كانتْ رِحلة طويلة جدًّا، بل أطْوَل مِنَ المُعتاد. والحقيقةُ هي أنَّهُ غَابَ فَترةً طويلةً جدًّا حَتَّى إنَّهُ لم يَرْجِعْ طَوالَ الوقتِ المُمْتَدِّ مِنَ اتِّفاقِهِ مَعَ هؤلاءِ الأشخاصِ إلى وقتِ الحَصاد. لذلكَ فقد غابَ زَمانًا طويلًا.

وقد كانَ النَّاسُ جَميعًا يَفهمُونَ هذا الموقفَ جَيِّدًا. فقد كان هناكَ أُناسٌ يَملِكون أرضًا في إسرائيل ولا يعيشونَ في إسرائيل، بل كانوا يهودًا انتَقلوا للعَيْشِ في مكانٍ آخر. لذلكَ فقد كانَ هذا هوَ السِّيناريو المَألوف.

ثُمَّ جاءَ موسمُ الحَصادِ في العدد 10: "وَفِي الْوَقْتِ [أيْ في الوقتِ المُناسِبِ] أَرْسَلَ إِلَى الْكَرَّامِينَ عَبْدًا". والكلمة المُتَرجمة "عَبْد" هُنا هي "دُولوس" (doulos). وقد جاءَ هذا العَبْدُ بصِفَتِهِ مُمَثِّلًا مُفَوَّضًا عنْ صاحبِ الأرضِ. وقد جاءَ لغايةٍ واضحةٍ وهي "لِكَيْ يُعْطُوهُ مِنْ ثَمَرِ الْكَرْمِ". وهِيَ الحُصَّةُ الَّتي اتَّفقوا عليها في العَقْد. فقدِ وافقوا هُمْ على ذلك. وقد وافقَ صاحِبُ الكَرْمِ على ذلك.

وقد حانَ الوقتُ لمَجيءِ صاحِبِ الكَرْمِ وحُصولِهِ على حُصَّتِهِ مِنَ المَحصولِ لأنَّ هَذا مِنْ حَقِّهِ. فقد حانَ وَقْتُ حُصولِهِ على نَصيبِهِ. ولا يوجد أيُّ شيءٍ غيرِ عادِيٍّ هُنا. فقد كانَ هذا الإجراءُ عاديًّا جدًّا. وبالمناسبة، فإنَّ هذا النوعَ مِنَ الزِّراعةِ ما يزالُ مُستخدَمًا اليوم. فهُوَ مُتَّبَعٌ اليوم في جميعِ أنحاءِ العالمِ كما كانَ قبلَ قُرونٍ مَضَت، وقَبلَ آلافِ السِّنين في العالم، فالزَّراعةُ بواسطةِ مُزارِعينَ مَأجورينَ شيءٌ مألوفٌ جدًّا جدًّا.

ولكنَّ الشيءَ غيرَ المألوفِ هوَ رَدُّ فِعْلِ المُزارِعينَ المَأجورين. فنحنُ نَقرأُ في العدد 10: "فَجَلَدَهُ الْكَرَّامُونَ [أيْ إنَّهم جَلدوا العَبْدَ الَّذي جاء] وَأَرْسَلُوهُ فَارِغًا". وهذهِ هيَ الصَّدمة في هذهِ القِصَّة. والكثيرُ مِنَ القصصِ الَّتي سَرَدها الرَّبُّ في الكتابِ المقدسِ والتي نَعرفُها جيدًّا تَحوي هذهِ اللَّحظةَ الحاسِمَةَ، وهذهِ اللَّحظةَ الصَّادِمَةَ، وهذه اللحظةَ المُخْزِيَةَ، وهذا السُّلوكَ غيرَ المقبولِ أوْ رُبَّما الإجرامِيّ. والمستمعونَ يَجِدونَ في هذا التَّصَرُّفِ سُلوكًا بَعيدًا عن رُوْحِ الامْتِنان، وسُلوكًا شِرِّيرًا، وإجراميًّا، وغيرَ مَشروعٍ.

فَعَدَمُ الدَّفْعِ لَهُ لم يَكُنْ أمْرًا مَشروعًا. أمَّا أنْ يَجلدوا العَبْدَ ويُرسلوهُ فارغًا فكانَ عملًا خَسيسًا وإجراميًّا. والكلمة "جَلَدوه" هي كلمة قويَّة قد تَعني أنَّهُم لَكَموهُ ورَكَلوهُ في جَميعِ أنحاءِ جِسْمِه. بعبارةٍ أُخرى، فقد آذوهُ حَقًّا. وقد أَرسلوهُ فارغًا. ثُمَّ نقرأُ في العدد 11 ما فَعَلَهُ صَاحِبُ الكَرْم. "فَعَادَ وَأَرْسَلَ عَبْدًا آخَرَ، فَجَلَدُوا ذلِكَ أَيْضًا وَأَهَانُوهُ". ونَجِدُ هُنا الفِعْلَ اليونانِيَّ الَّذي تُشتقُّ منهُ الكلمة الإنجليزيَّة "تروماتايز" (traumatize) أيْ: يُؤذي. "وَأَرْسَلُوهُ فَارِغًا. ثُمَّ عَادَ فَأَرْسَلَ ثَالِثًا، فَجَرَّحُوا هذَا أَيْضًا وَأَخْرَجُوهُ".

وفي الرِّوايةِ بحسبِ مَتَّى، أرْسَلَ صاحبُ الكَرمِ مَزيدًا مِنَ العَبيدِ، ولكنَّ بعضًا مِنْهُم لاقَى حَتْفَهُ، وبعضًا منهم ماتُوا رَجْمًا. فقد تَصَرَّفَ هؤلاء المزارعون الأجيرونَ بطريقة سَيِّئة جدًّا. فقد أُعْطوا امتيازًا رائعًا. وقد أُعطوا فُرصةً ثَمينةً حقًّا. وقد أُعطوا مُطْلَقَ الصَّلاحِيَّة والحُرِّيَّة. وقد تَعَهَّدوا ووعدوا أنْ يَحترموا ما اتَّفقوا عليهِ. ولكنَّهم أظْهَروا أنانيَّةً، وامتعاضًا، وتمرُّدًا، وسُلوكًا إجراميًّا، بل إنَّهم قَتَلوا. فقد كانُوا مُجرِمينَ أشرارَ ولا يَحترمونَ أحدًا.

ومِنَ المُدهشِ أنَّ صاحبَ الكَرْمِ في القصة، والذي أَظْهَرَ حَتَّى الآن صَبْرًا مُدهشًا، كانَ لهُ مُطْلَقُ الحَقِّ بعدَ أنْ ضَرَبوا العبدَ الأولَ وأرسلوهُ فارغًا، كانَ لهُ مُطلقُ الحَقِّ في أنْ يأتِيَ، ويَستدعِيَ السُّلُطاتِ الرَّسميَّة، ويُطالبَ بتحقيقِ العَدالةِ ومُجازاتِهِم. ولكنَّهُ لم يَفعل. بل إنهُ أَرسَلَ عبدًا آخرَ. وهذهِ رَحْمَة. وهذا لُطْفٌ وَصَبْرٌ. ولكنَّهم فعلوا الشيءَ نَفسهُ بالعبدِ الثاني. وقد أَرسلَ عبدًا ثالثًا. ولكنَّهم عامَلوهُ بالطريقةِ نفسها. إنَّهُ صاحِبُ كَرْمٍ صَبور جِدًّا إذْ إنَّهُ أعطاهُم الفُرصةَ، تِلوَ الفُرصة، تِلوَ الفُرصة، للقيامِ بما هوَ صائِبٌ، وبما وَعَدوا بالقيامِ بهِ، وبما اتَّفقوا عليه.

لذلكَ فإنهُ يَطرحُ السُّؤالَ التالي في العدد 13: فَقَالَ صَاحِبُ الْكَرْمِ: مَاذَا أَفْعَلُ؟" وقد يبدو هذا السُّؤالُ سخيفًا. أليسَ كذلك؟ فالكُلُّ الآنَ يَنتظرُ انتقامًا. انتقامًا بعدَ مَقتلِ العبدِ الأوَّل، وانتقامًا مؤكَّدًا بعدَ مَقتلِ العبدِ الثاني والعبدِ الثالث. وقد يَسألُهُ أحَدُ الأشخاصِ قائلًا: لماذا تَطرحُ هذا السُّؤال؟ ولماذا تُناجي نَفسكَ هُنا؟ وهل مِنْ دَاعٍ لهذا السُّؤال؟ "ماذا أَفعل؟" فالأمرُ واضِحٌ جدًّا. وقد كانَ النَّاسُ سيَقِفونَ في صَفِّ صاحِبِ الكَرمِ المَظلوم. وقد كانوا سَيَقولون: "هناكَ شيءٌ واحدٌ يُمكنُكَ أنْ تَقومَ بهِ. اذْهَب وانتَقِم. واثْأر مِن هؤلاء. فالعَيْنُ بالعَيْن. والسِّنُّ بالسِّنّ. والنَّفسُ بالنَّفس".

ولكنَّ صاحِبَ الكَرْمِ كانَ صبورًا جدًّا هذهِ المَرَّة أيضًا، وقَرَّرَ أنْ يُحاولَ مَرَّةً أخرى. فنحنُ نَقرأُ في نهايةِ العدد 13: "أُرْسِلُ ابْنِي الْحَبِيبَ، لَعَلَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ يَهَابُونَ!" وفي رِوايةِ هذا المَثَلِ بحسبِ البشيرِ مَتَّى، يَقولُ مَتَّى: "فَأَخِيرًا أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ". فأخيرًا وآخِرًا، أُرْسِلُ ابني الحبيب لَعَلَّهُمْ يَهابونَهُ.

وهذهِ العِبارةُ تَعني ببساطة: "هذا هُوَ ما أتوقَّعُ أنْ يَحدُث. فسوفَ يُظْهِرونَ لهُ الاحترام، أو باليونانيَّة: "إنتريبو" (entrepo)، وهيَ تَعني حَرفيًّا: أنْ يَخْجَلوا مِنْ أنفُسِهِمْ ويَحْتَرِموه. فبعدَ جميعِ الأشياءِ المُخْزِيَةِ الَّتي فعلوها حتَّى هذهِ اللَّحظة، لا يُمكِنُني إلَّا أنْ أتوقَّعَ مِنْهُم مُعاملةً لائقةً ومُتَمَدِّنَةً لابني الوحيد الحبيب. فربما كانُوا يَحْتَقِرونَ العَبيد. وربما كانوا يَنْظُرونَ إلى العبيدِ بذاتِ الطريقةِ الَّتي كانَ كثيرونَ مِنَ النَّاسِ في العالمِ العِلمانِيِّ والأُمَمِيِّ يَنظُرونَ فيها إلى العبيدِ كَما لو كانوا حَيَوانات. لذلكَ فقد فَكَّرَ صاحِبُ الكَرْمِ تَفكيرًا مَنطقيًّا بأنَّهم سيُظْهِرونَ احترامًا لابنِهِ لأنَّهُ لم يَكُنْ عَبْدًا.

ولكِنِ التَفِتوا إلى ما حَدَثَ في العدد 14. "فَلَمَّا رَآهُ الْكَرَّامُونَ" – وَمِنَ الواضِحِ أنَّ هذا حَدَثَ قَبلَ حتَّى أنْ يَتمكَّنَ مِنْ قَوْلِ أيِّ شَيء إذْ لم تَكُنْ كلمة واحدة قد خَرَجَتْ مِن شَفَتَيْهِ بَعْد. فقد رأوهُ وعَرَفوا مَنْ يَكون. لذلكَ فقد "تَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ" – وباليونانيَّة: "ديالوغيتزوماي" (dialogizomai)، فقد تَحاوَروا، وتناقشوا، وخَرَجوا بالآتي قَائِلِينَ: "هذَا هُوَ الْوَارِثُ! هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ لِكَيْ يَصِيرَ لَنَا الْمِيرَاثُ!" فَقَدْ خَطَّطوا جَيِّدًا. وقد كانوا يَعلمونَ تمامًا مَن يكون. وقد تآمروا على قَتْلِهِ لكي يُحْكِموا سَيْطَرَتَهُمْ على كُلَّ شيء ويَمتلكوا كُلَّ شيء. فهُمْ لم يُريدوا أنْ يُنَغِّصَ حَياتَهُم. وهُمْ لم يُريدوا أنْ يأخُذَ مِنهم كُلَّ شيءٍ يَظُنُّونَ الآنَ أنَّهُ لهم. والطريقةُ الوحيدةُ لتحقيقِ ذلكَ هي أنْ يَقتلوه.

وقد يَتخيَّلُ مَن يَسمعُ القصَّةَ أنَّهم رُبَّما ظَنُّوا أنَّ أباهُ قد مات، وأنَّ هذا هو السَّبَب في مجيءِ الوَريثِ لأنهُ لم يَقُل أيَّ شيء. ورُبَّما افتَرَضُوا عندما ظَهَرَ أنَّ المالِكَ، أوْ صَاحِبَ الإرْثِ، أوْ صَاحِبَ الكَرْمِ قد نَقَلَ ملكيَّةَ الأرْضِ لابْنِهِ، وأنَّ كُلَّ ما ينبغي فِعْلُهُ هوَ أنْ يَقتلوا الابنَ فيَصير الكَرْمُ لَهُمْ.

وبِحَسَبِ التَّلْمود، إذا انْقَضَتْ ثلاثُ سَنواتٍ دون أنْ يُطالِبَ أحدٌ بالأرض، فإنَّ ملْكِيَّتَها تَؤولُ إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَعملونَ فيها. لذلكَ، إذا تَخَلَّصوا مِنَ الابْن، على افتراضِ أنَّ الابنَ قد جاءَ لأنَّ أباهُ رُبَّما قد مات، فإنَّ الأرضَ ستَصيرُ لَهُم. وقد أرادوا لهذا الميراثِ أنْ يكونَ لَهُمْ كاملًا. وهُمْ لم يريدوا أنْ يكونَ للابْنِ أيُّ سُلْطَةٍ أوْ سُلْطانٍ أوْ هَيمَنَةٍ عليهم.

وقد فَعلوا حالًا ما خَطَّطُوا لَهُ إذْ نَقرأُ في العدد 15: "فَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ". ويا لها مِنْ قِصَّة صَادِمَة، كما هيَ حالُ العديدِ مِنْ أَمْثالِ يَسوع! فهي تَحوي رَدَّ فِعْلٍ عَنيفٍ وَصَادِمٍ يَرْمي إلى تَأجيجِ الغَضَبِ وجَعْلِ المُستمِعينَ يَغْتاظونَ جِدًّا مِنَ المُزارِعينَ الأَجيرين. فما حَدَثَ غيرُ مَقبولٍ لِشَعْبٍ مُتَدَيِّنٍ يَخضَعُ للشَّريعةِ. وهُوَ ليسَ مَقبولًا لشعبٍ يَشعُرُ أفرادُهُ أنَّهُمْ شَعْبٌ صَالِحٌ، وأنَّهُم يَعبُدونَ اللهَ، وأنهم يُحاولونَ أنْ يَفعلوا الصَّواب. فهذا جُنون. وهذا سُلوكٌ شَبيهٌ بسلوكِ الوَثَنِيِّين. لذلكَ فقد تعاطَفوا تمامًا معَ صَاحِبِ الكَرْمِ، وقد غَضِبوا على الكَرَّامينَ الأَجيرين.

ثُمَّ نَقرأُ في نهايةِ العدد 15: "فَمَاذَا يَفْعَلُ بِهِمْ صَاحِبُ الْكَرْمِ؟" وهُنا يَطْرَحُ يسوعُ السُّؤالَ الَّذي جَعَلَهُمْ يَحْبِسونَ أنْفاسَهُمْ. "فَمَاذَا يَفْعَلُ بِهِمْ صَاحِبُ الْكَرْمِ؟" فصاحِبُ الكَرْمِ ليسَ مَيْتًا. بل هُوَ حَيٌّ. فماذا سيَفعل؟ وقد طَلَبَ (يسوعُ) مِنْ مُسْتَمِعيهِ أنْ يُكْمِلوا المَثَل ... أنْ يُكْمِلوا المَثَل.

وسوفَ تُلاحِظونَ في العدد 16 أنَّهُ يَقول: "يَأتِي وَيُهْلِكُ هؤُلاَءِ الْكَرَّامِينَ وَيُعْطِي الْكَرْمَ لآخَرِينَ". ويبدو كأنَّ يسوعَ أَجَابَ عنِ السُّؤالِ ولم يُعْطِهِمْ فُرْصَةَ الإجابةِ عَنْهُ. ولكِنْ إذا تأمَّلْتُمْ في رِوايةِ البَشير مَتَّى، وكما قُلْتُ لَكُمْ مِرارًا، فإنِّي أَعْتَقِدُ أنَّ المَغزى الكامِلَ لهذهِ القِصَصِ يَتَّضِحُ مِنْ خلالِ مُحْتَوى الأمثالِ المذكورةِ في الأناجيلِ المُستَقِلَّة. فمثلًا، استمعوا إلى التَّفاصيلِ الَّتي يُضيفُها البَشيرُ مَتَّى أثناءَ سَرْدِهِ لهذِهِ القِصَّةِ، وَهِيَ تَفاصيل مُهِمَّة جدًّا. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 21: 41: "قالوا لَهُ" – والمقصودُ هُنا هوَ أنَّ هؤلاءِ النَّاسِ الَّذينَ سَمِعوا القِصَّةَ قالوا لَهُ عندما سَألهم: "فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُ الْكَرْمِ، مَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْكَرَّامِينَ؟" قَالُوا لَهُ: "أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاَكًا رَدِيًّا".

ولا شَكَّ أنَّ هذا الجوابَ ليسَ مُسْتَهْجَنًا. فقد كانَ ذلكَ هُوَ ما سيَفعلونَهُ لو كانُوا مَكانَهُ. ولكِنْ مِنَ المهمِّ أنْ نُلاحِظَ أنَّ النَّاسَ أكَّدوا ذلك. فقد قالوا لهُ: "أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاَكًا رَدِيًّا". وقد قالوا لهُ أيضًا: "وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ الأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا". فقد كانَ هذا هُوَ الجَوابُ الَّذي خَرَجَ بِهِ الشَّعْبُ. لقد كانَ هذا هوَ جَوابُهُم.

أجل، فهوَ سيَفعلُ أَمْرَيْنِ اثنَيْن إذْ إنَّهُ سيُهْلِكُهُمْ ويُسَلِّمُ الكَرْمَ إلى كَرَّامينَ آخَرين. فهذا هوَ الجوابُ الوَحيدُ المَعقول. وهُوَ الجَوابُ الوَحيدُ العَقلانِيّ. وهذا هوَ تمامًا ما قالهُ الشَّعب. وقد أَكَّدَ رَبُّنا ذلكَ في العدد 16 إذْ نَقرأُ: أجَلْ! "يَأتِي وَيُهْلِكُ هؤُلاَءِ الْكَرَّامِينَ وَيُعْطِي الْكَرْمَ لآخَرِينَ". هذا صَحيحٌ تمامًا. والجميعُ يَعلمُ ذلك. ومِنَ الواضِحِ أنَّكَ إذا أرَدْتَ أنْ تُهْلِكَهُمْ فإنَّكَ ستُعطي الكَرْمَ لأشخاصٍ آخرينَ يَعْتَنونَ به. وهذهِ دَينونةٌ عادلةٌ ولا يُمكنُ لأحد أن يَعترِضَ عليها. وهذا هوَ تمامًا ما قالهُ الشَّعْبُ. "يَأتِي وَيُهْلِكُ هؤُلاَءِ الْكَرَّامِينَ وَيُعْطِي الْكَرْمَ لآخَرِينَ". فهذا هوَ ما قالهُ النَّاسُ. وقد كانوا مُحِقِّينَ تمامًا. وَقدْ صارُوا الآنَ داخِلَ القِصَّة. وقد تَفاعَلوا الآنَ مَعَ القِصَّة.

وما هُوَ التَّفسير؟ ما هُوَ مَعنى هذهِ القِصَّة؟ فهذا هُوَ المَثَلُ التَّوضيحِيُّ. والآنْ، استَمِعوا إلى تَفسيرِهِ. فنحنُ نَقرأُ في النِّصفِ الثاني مِنَ العدد 16: "فَلَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: «حَاشَا!»" وهذا غَريبٌ حَقًّا! ما الَّذي تَعنيه؟ عندما سَمِعَ النَّاسُ ذلكَ قالوا: "ماي غينويتا" (me genoito)، وهي أَقوى صِيْغَةِ نَفْيٍ مُمْكِنَةٍ في اللُّغةِ اليونانيَّة. "لا، لا، لا" ... لا، لا يُمكن! لا يَجوز! أبدًا، أبدًا، أبدًا.

ولكِنْ ما دَامُوا قد قالوا: "يَأتِي وَيُهْلِكُ هؤُلاَءِ الْكَرَّامِينَ وَيُعْطِي الْكَرْمَ لآخَرِينَ"، فلماذا يقولون: "لا، لا، لا، لا. حاشَا أنْ يَحْدُثَ ذلك! هذا لا يُمْكِن"؟ سأقولُ لكم السَّبَب. لأنهم فَهِموا المَعنى. أرجو أن تُلاحِظوا الجُملةَ مَرَّةً ثانيةً في نهايةِ العدد 16: "فَلَمَّا سَمِعُوا" – سَمِعوا؟ والفِعْلُ اليونانِيُّ هُوَ "آكُوو" (akouo)، وهي نفسُ الكلمة الَّتي اشْتُقَّتْ مِنها الكلمة "أكوستيك" (acoustic). والمَعنى المَقصودُ هُنا هُوَ: "يَسْتَوْعِب". وَهِيَ تَعني: "يَستوعِبُ مِنْ خِلالِ السَّمْعِ". وهيَ تَعني: "يَفْهَمُ". وهِيَ تَعني: "يُدْرِكُ". وهِيَ تَعني: "أنَّهُمْ فَهِموا المَغزى".

فمثلًا، نَقرأُ في الأصحاحَيْن 2 و 3 مِنْ سِفْرِ الرُّؤيا هذهِ العِبارة المُتَكَرِّرة: "مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ". وهذهِ العِبارةُ تَتكرَّر مِرارًا وتَكرارًا: "مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ". والحديثُ هنا هوَ ليسَ عنْ سَماعِ الأصواتِ، وليسَ عنْ سَماعِ الكلماتِ، بلْ عَنْ فَهْمِ الرِّسالة. وهذا هوَ المَعنى المقصودُ بالكلمة "آكُوو" في كُلِّ العهدِ الجديد. فالسَّمْعُ هُنا يأتي بِمَعنى الفَهْم.

إذًا فقد قالوا: "أَهْلِكْ هؤُلاَءِ الْكَرَّامِين، وَاسْتَبْدِلْ هؤلاءِ الكَرَّامينَ بآخَرين". ثُمَّ فَهِموا المَغزى. وربما حَدَثَ ذلكَ إمَّا لأنَّ القصَّة كانتْ واضحةً جدًّا أو لأنَّ يسوعَ فَسَّرَها لهم. ولكنَّهم فهموها. وحالَ فَهْمِهِم لها قالوا: "لا، لا، لا ... لا، لا، لا ... مَهلًا، مَهلًا. لا يُمكنُ لهذا أنْ يَحْدُث. لا يُمكن لهذا أنْ يَحدُث. لا ينبغي فِعْلُ ذلك. لا يَنبغي قَتْلُ هؤلاءِ الأشخاص. ولا يَنبغي أنْ يُؤخَذَ الكَرْمُ مِنهم. لا يمكن لهذا أنْ يَحْدُث. لقد فَهِموا القصَّة. وقدْ فَهِموا المَغزى مِنْها فأُصيبوا بالذُّعْر.

ولكِنْ ما الَّذي فَهِموه؟ سوفَ أُخبركم. لنَرْجِع إلى القصَّة مَرَّة أخرى لنَرى ما فَهِموه. "إنْسانٌ غَرَسَ كَرْمًا". والإنسانُ هُنا يَرْمِزُ إلى الله، والكَرْمُ إلى إسرائيل. ومِنَ الواضحِ أنَّ المَعنى هنا هوَ أنَّ اللهَ أَسَّسَ أُمَّةَ إسرائيل. فمُنْشِئُ إسرائيلَ وَمالِكُها هُوَ الله. فإسرائيلُ شَعْبُهُ المَدعو والمُخْتار مِنْ صُلْبِ إبراهيم، والذي جاءَ عَبْرَ نَسْلِ الآباءِ وازْدَهَرَ وَصَارَ أُمَّةً. وقد حُرِّروا مِنَ العُبوديَّةِ في مِصْر. هذا هوَ إسرائيل. وهذا واضِحٌ تَمامًا مِنْ خِلالِ الأعدادِ الافتتاحيَّةِ السَّبْعَةِ الأولى الرَّائِعَة مِنَ الأصحاحِ الخامِسِ مِنْ سِفْرِ إشَعْياء إذْ يَقولُ إشَعْياء إنَّ اللهَ غَرَسَ كَرْمًا. وهُوَ يُجيبُ عَنِ السُّؤالِ المُخْتَصِّ بحقيقةِ هذا الكَرْم. فالكَرْمُ هُوَ بيتُ إسرائيل (كما جاءَ في إشعياء 5: 7).

ونَجِدُ وَصْفًا دقيقًا لِغَرْسِ اللهِ لإسرائيل. فقد غَرَسَهُمُ اللهُ "عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ" (إشارَةً إلى أرْضِ كَنْعانَ الرَّائعة). وقد غَرَسَهُ "كَرْمَ سَوْرَقَ"، أيْ كَرْمًا مِنَ النَّخْبِ الأوَّل (إشارةً إلى أنَّ نَسْلَ اليَهودِ هوَ مِنْ أنْبَلِ الأنْسالِ البَشَرِيَّة). وقد سَيَّجَ اللهُ مِنْ حَوْلِهِمْ، وحَماهُمْ، وحَفَرَ خَنْدَقًا حولَهُم، ووضعَ سِياجًا حَوْلَهُمْ، وبَنى مِعْصَرَةً. ورُبَّما كانتِ المِعْصَرَةُ تَرْمِزُ إلى نِظامِ الذَّبائِحِ. وبَنى بُرْجًا لِحِمايَتِهِمْ. فقد فَعَلَ اللهُ كُلَّ ما يَلْزَم. لذلكَ فقد كانَ مِنْ حَقِّهِ أنْ يَتوقَّعَ عِنَبًا جَيِّدًا (كما يَقولُ إشَعْياء). ولكنَّهُ حَصَلَ على "بِوؤُشِيم" (beushim)، أيْ على عِنَبٍ حَامِضٍ.

لقد فَعَلَ اللهُ كُلَّ ما يَلزَمُ لِغَرْسِ إسرائيلَ لكي تُعْطي ثَمَرًا جَيِّدًا. ولكنَّ اللهَ لم يَحصُل على شيء. لذلكَ فإنَّ إشعياء يقول إنَّ اللهَ سيَجْعَلُ كَرْمَهُ خَرابًا، ولن يَسْمَحَ للسَّماءِ أنْ تُمْطِرَ عليه. لذلكَ سوفَ يَهْدِمُهُ ويَجْعَلُهُ خَرابًا. ويَصِفُ إشعياءُ هُنا إسرائيلَ المُرْتَدَّةَ، وغيرَ الأمينةِ، والعاصِيَةَ، والمُتَمَرِّدَةَ، والمُجَدِّفَةَ الَّتي كانَتْ على وَشْكِ الوقوعِ في السَّبْيِ البابِلِيِّ في سنةِ 586 قبلَ الميلاد.

ونَجِدُ هنا أيضًا لُغَةً تُذَكِّرُنا تمامًا بما جاءَ في الأصحاحِ الخامسِ مِنْ سِفْرِ إشعياء إذْ يقولُ يَسوعُ إنَّ الحالَ لم تَتَغَيَّر. فكُلُّ شيءٍ باقٍ على حَالِهِ. وإسرائيلُ هيَ الكَرْمُ الذي غَرَسَهُ اللهُ. وبإضافةِ العَناصِرِ الَّتي يَذْكُرُها البشيرُ مَتَّى، نَرى أنَّ هناكَ مِعْصَرَةً، وبُرْجًا، وسِياجًا للحِمايَةِ، وكُلَّ شيء. فقد غَرَسَ اللهُ إسرائيل. ونَجِدُ هذهِ اللُّغَة أيضًا في المزمور 80: 8-16 إذْ يُشَبِّهُ اللهُ إسرائيلَ بِكَرْمٍ. ونَجِدُ في إرْميا 2: 21 صورةً مُشابهةً جدًّا لإسرائيل. لذلكَ، فقد كانتْ هذهِ صُورة مَألوفة جدًّا للشَّعب. فقد كانُوا يَعلمونَ جيِّدًا حقيقةَ السَّبْيِ البابِلِيِّ. وقد كانوا يَعلمونَ جيِّدًا مَعْنى النَصِّ الَّذي كَتَبَهُ إشَعْياءُ لأنَّهُ يَعْقُبُهُ حالًا (في الأصْحاحِ السَّادِسِ) رُؤيا إشَعْياء العَظيمة لله.

ولكِنْ مَنْ هُمُ الكَرَّامون؟ فقد غَرَسَ اللهُ كَرْمًا. ولكَنْ مَنْ هُمُ الكَرَّامون؟ إنهم الأشخاصُ الَّذينَ أعطاهُم اللهُ مسؤوليَّةَ العِنايةِ بِكَرْمِهِ، أيْ بأُمَّتِهِ. ومَنْ يكونُ هؤلاء؟ إنَّهُمُ القادةُ الدِّينيُّونَ المسؤولونَ عنْ قيادةِ الشَّعْبِ في طريقِ اللهِ، وفي قيادَتِهِمْ في طريقِ الطَّاعةِ والعبادةِ الحقيقيَّةِ، والذينَ أَوْكَلَ اللهُ إليهم مَسؤوليَّةَ رِعايَةِ شَعْبِهِ. فَهُمْ لم يكونوا يومًا أصْحابَ الكَرْمِ، بل هُمْ دائمًا وُكَلاءَ على أملاكِ اللهِ. فاللهُ هُوَ المالِكُ الحَقيقيُّ لأُمَّتِهِ. أمَّا هُمْ فقد أُعْطُوا مسؤوليَّةَ قيادَةِ الأُمَّة روحيًّا. وهذا يَضُمُّ المُلوكَ، والكَهَنَةَ بصورةٍ رئيسيَّةٍ، وحتَّى بعضَ الأنبياءِ الكَذَبَة الَّذينَ عَيَّنُوا أنْفُسَهُمْ بأنْفُسِهِمْ، وأيَّ أشخاصٍ مَسئولينَ عنِ الحالةِ الروحيَّةِ لإسرائيل، ولا سِيَّما رِجال الكَهَنوت.

لذلكَ فقد أَسَّسَ اللهُ شَعبَهُ مِنْ صُلْبِ إبراهيم. وقد وَضَعَ اللهُ شَعْبَهُ بينَ أيْدي الكَهَنَةِ وبعض الحُكَّامِ (أيْ بَعْض الرِّجالِ الأتقياءِ، والشُّيوخ، والرِّجالِ الحُكَماءِ). ثُمَّ ذهبَ اللهُ في رِحلةٍ طويلةٍ. وما مَعنى ذلك؟ إنَّها إشارةٌ إلى ألْفَيْ سَنَةٍ مِنْ تاريخِ العهدِ القديم. ... ألْفَيْ سنةٍ مِنْ تاريخِ العهدِ القديم.

وقدِ استمرَّتِ الحالُ هكذا إلى أنْ قَرَّرَ اللهُ في أوقاتٍ مُعَيَّنَةٍ أنْ يُرْسِلَ عَبيدَهُ لأخْذِ حُصَّتِهِ مِنْ ثَمَرِ الكَرْمِ. فقد بَقِيَ بعيدًا ولم يأتِ فِعليًّا إلى أنْ جاءَ في هَيْئَةِ ابْنِهِ. ولكنَّ الرِّحلةَ الطَّويلَةَ تُشيرُ إلى تاريخِ العهدِ القديم. فقد أَعْطى اللهُ قادةَ إسرائيلَ الدِّينيِّينَ والرُّوحيِّينَ مسؤوليَّةَ العِنايةِ بالأُمَّة. وهذا يَشْمَلُ المُلوكَ والكَهَنَةَ مِنْ زَمَنِ الآباءِ، أيْ مِنْ زَمَنِ إبراهيمَ فَصاعِدًا. وفي زَمَنِ يَسوع، كانَ هناكَ رؤساءُ الكَهَنَةِ، والكَهَنَة، والكَتَبَة، والفَرِّيسيُّونَ، والصَدُّوقِيُّونَ، والشُّيوخُ، والقادَةُ. فقد كانَ هؤلاءِ مَسؤولينَ عنِ الحالةِ الرُّوحِيَّةِ للشَّعْبِ.

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 10 (كما جاءَ حَرْفِيًّا في النَّصِّ اليونانِيِّ): "وَفِي الْوَقْتِ"، أيْ "في الوَقْتِ المُعَيَّنِ"، أوْ "في الوقتِ المُناسِبِ". ويمكنُنا أنْ نَقولَ: "في وَقْتِ الحَصادِ" (كَما جاءَ في التَّرجمةِ الأمريكيَّة القياسيَّة الجديدة). ففي أوقاتٍ مُناسِبَةٍ مِنْ تاريخِ إسرائيل، أَرْسَلَ اللهُ عَبيدَهُ. ومَنْ يَكونُ هَؤلاء؟ إنَّهُمُ الأنبياء، الأنبياءُ الحَقيقيُّونَ، أنبياءُ العهدِ القديمِ الَّذينَ أُرْسِلُوا إلى إسرائيلَ لِتَثْبيتِ ناموسِ اللهِ، ولإعادةِ الأُمَّةِ إلى شَريعةِ اللهِ، وإلى الطَّاعَةِ والبِرِّ. فقد جاءَ الأنبياءُ في الأوقاتِ المُعَيَّنَة لَهُم لِدَعوةِ الأُمَّةِ إلى إنْتاجِ ثَمَرٍ رُوحِيٍّ يُمَجِّدُ اللهَ.

ومِنْ زَمَنِ مُوسَى إلى زَمَنِ يُوحَنَّا المَعمدان، كانوا جَميعًا قد أُعْطوا المَسؤوليَّةَ ذاتَها. فقد كانُوا جميعًا مَسؤولينَ عَنْ دعوةِ الشَّعْبِ إلى السُّلوكِ بِحَسَبِ شَريعةِ اللهِ، وإلى أنْ يُحِبُّوا اللهَ، وأنْ يَتوبوا عنْ خَطيئَتِهِمْ، وأنْ يَرْجِعوا إلى اللهِ، وأنْ يَصْرُخوا إلى اللهِ طَلَبًا للغُفرانِ والخلاصِ، وأنْ يُطيعوا نَامُوسَهُ. فقد كانتْ هذهِ هي رِسالةُ جميعِ الأنبياءِ الحقيقيينَ وخِدمتِهِم. فقد كانوا مُرسَلينَ مِنَ اللهِ لِرَدِّ الشَّعبِ عنْ خَطيئتهِم وإرْجاعِهِم إلى اللهِ الحقيقيّ. وقد كانوا مُرسَلينَ لإرْجاعِ الشَّعبِ إلى شريعةِ اللهِ، وإلى القداسةِ، وإلى التَّوبةِ والسُّلوكِ في البِرّ. وقد جاءَ كثيرونَ مِنهُم طوالَ فَترةِ الألْفَي سَنَة (أوْ أكْثَر) المُمتدَّة مِنْ مُوسى إلى يوحنَّا المَعمدان.

وما المُعامَلَة الَّتي تَلَقَّاها هؤلاء؟ بِحَسَبِ القِصَّةِ، لقد عُوْمِلوا مُعاملةً سَيِّئة. فقد ضُرِبوا، وقد عُومِلوا بازْدِراءٍ. وقد جُرِّحُوا. وقد طُرِدوا. وللَّتعبيرِ عنْ ذلكَ كُلِّهِ فقد قُتِلوا. وقد رُجِموا. فتاريخُ بني إسرائيلَ هوَ تاريخُ ارْتِدادٍ، وفَسادٍ، وتَمَرُّدٍ رُوحِيٍّ. وتاريخُ بني إسرائيل هوَ تاريخُ أنبياءٍ جاءوا لِدَعْوةِ إسرائيلَ إلى الرُّجوعِ (إلى اللهِ)، ولكنَّ الأنبياءَ تَعَرَّضوا للرَّفضِ، والمُعاملةِ السَّيِّئةِ، والتَّعذيبِ، والضَّربِ، والقَتل.

وفي حِوار "جَسْتِن مارتِر" (Justin Martyr) مع "تريفو" (Trypho)، فإنَّهُ يَتَّهِمُ اليهودَ بأنَّهُم نَشَرُوا إشَعْياء إلى نِصْفَيْن بِمِنْشارٍ خَشَبِيٍّ. فَهُوَ واحِدٌ مِنَ المُشار إليهم في الرسالة إلى العِبرانيين 11: 37 بأنهم "نُشِروا". وقد أُسِيْئَتْ مُعاملة إرْميا دائمًا. فقد طُرِحَ في حُفْرَةٍ. والتَّقليدُ يَقولُ إنَّ اليَهودَ رَجَموهُ حَتَّى الموت. وقد لاقَى حِزْقِيال نفسَ الكَراهِيَةِ والعَداوَةِ. وقدِ اضْطُرَّ عاموس إلى الهربِ مِنْ أجْلِ النَّجاةِ بحياتِهِ. وقد رُفِضَ زَكَرِيَّا وَرُجِمَ. وقد لُكِمَ مِيخا في وَجْهِهِ.

ويقولُ أَحَدُ الكُتَّابِ: "إنَّ العَداوَةَ المُتَشابِهَةَ الَّتي أَظْهَرَها الملوكُ والكهنةُ والشعبُ للأنبياءِ هي واحدة مِنْ أَبْرَزِ السِّماتِ في تاريخِ اليهود. ومعَ أنَّ العَداوَةَ كانَتْ مُتَفاوِتَةً في المِقْدارِ، وتُعَبِّرُ عن نَفْسِها بِطُرُقٍ مُختلفةٍ بِصُورَةٍ عَامَّةٍ، وتَتفاوَتُ في حِدَّتِها، فإنَّها كانتْ موجودة دائمًا. ومعَ أنَّ اليهودَ نَاحُوا كثيرًا على تَوَقُّفِ الأنبياءِ بعدَ موتِ مَلاخي، فإنَّهم كانُوا عادَةً مُعارِضينَ للأنبياءِ الَّذينَ يُرْسِلُهُمُ اللهُ إليهم. وإلى أنْ جاءَ الوقتُ الَّذي حَرَمَهُمُ اللهُ فيهِ مِنْ هذهِ الهِبَة، كانُوا يَشعرونَ بقليلٍ مِنَ الزَّهْوِ بسببِ هذهِ النِّعمةِ الاستثنائيَّةِ الَّتي أُعْطِيَتْ للأُمَّةِ، ولم يكونوا يُقَدِّرونَ هذهِ النِّعمة أو يَشكرونَ اللهَ عليها".

ولعلَّكُم تَذكرونَ ما قالَهُ الفَرِّيسيُّونَ والكَتَبةُ ليَسوع. فقد قالوا لَهُ: "لو كُنَّا أحْياء عندما أَساءَ آباؤنا مُعاملةَ الأنبياءِ لما فَعَلْنا ذلك". وكانَتْ قدِ انْقَضَتْ أكثر مِنْ 400 سنة منذُ مجيءِ آخِرِ نَبِيٍّ إلى مجيءِ المسيح. ولكنَّهم كانوا يَشعرونَ أنهم لم يكونوا سيَفعلونَ بالأنبياءِ ما فَعَلَهُ آباؤُهُم، وأنهُ لو جاءهم أنبياءٌ في هذا الوقتِ لما فَعَلوا بهم ذلك. ولكِنَّ كلامَهُمْ كانَ مَغلوطًا لأنهم كانُوا مُتَلَهِّفينَ جِدًّا لا لِقَتْلِ الأنبياءِ فحَسْب، بل لقتلِ الابْنِ نَفْسِهِ.

ولِكي نَفْهَمَ ذلك، افتحوا كُتُبَكُمْ على الأصْحاحِ السَّابعِ مِنْ سِفْرِ إرْميا إذْ أَوَدُّ أنْ أُريكم (دونَ الدُّخولِ في التَّفاصيلِ المُختصَّةِ بكُلِّ نَبِيٍّ على حِدَة، بل مُجَرَّدَ مُلاحَظاتٍ عامَّةٍ)، أوَدُّ أنْ أُريكُم ما قالَهُ اللهُ عنْ هذا الموضوع. فنحنُ نقرأُ في إرْميا 7: 23 ... إرْميا 7: 23. فنحنُ نَجِدُ هُنا مَقْطَعَيْنِ يُوَضِّحانِ هذِهِ النُّقطة. إرْميا 7: 23: "بَلْ إِنَّمَا أَوْصَيْتُهُمْ بِهذَا الأَمْرِ قَائِلاً: اسْمَعُوا صَوْتِي فَأَكُونَ لَكُمْ إِلهًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي شَعْبًا، وَسِيرُوا فِي كُلِّ الطَّرِيقِ الَّذِي أُوصِيكُمْ بِهِ لِيُحْسَنَ إِلَيْكُمْ. فَلَمْ يَسْمَعُوا وَلَمْ يُمِيلُوا أُذْنَهُمْ، بَلْ سَارُوا فِي مَشُورَاتِ وَعِنَادِ قَلْبِهِمِ الشِّرِّيرِ، وَأَعْطَوْا الْقَفَا لاَ الْوَجْهَ".

ثُمَّ اسْتَمِعوا إلى هذهِ الكلماتِ إذْ نَقْرَأُ في العَدَد 25: "فَمِنَ الْيَوْمِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ آبَاؤُكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ كُلَّ عَبِيدِي الأَنْبِيَاءِ" (وهذا يُرينا أنَّ العَبيدَ هُمْ خُدَّامُ اللهِ الأنبياء)، "مُبَكِّرًا كُلَّ يَوْمٍ وَمُرْسِلاً. فَلَمْ يَسْمَعُوا لِي وَلَمْ يُمِيلُوا أُذُنَهُمْ، بَلْ صَلَّبُوا رِقَابَهُمْ. أَسَاءُوا أَكْثَرَ مِنْ آبَائِهِمْ". فقد كانَ الوضعُ يَزدادُ سوءًا حَتَّى عندما أَرْسَلَ اللهُ أنبياءَهُ.

ثُمَّ نَقرأُ في إرْميا 25: 4: "وَقَدْ أَرْسَلَ الرَّبُّ إِلَيْكُمْ كُلَّ عَبِيدِهِ الأَنْبِيَاءِ [الكَارِزينَ] مُبَكِّرًا وَمُرْسِلاً فَلَمْ تَسْمَعُوا وَلَمْ تُمِيلُوا أُذُنَكُمْ لِلسَّمْعِ، قَائِلِينَ: ارْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيءِ وَعَنْ شَرِّ أَعْمَالِكُمْ وَاسْكُنُوا فِي الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَاكُمُ الرَّبُّ إِيَّاهَا وَآبَاءَكُمْ مِنَ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ. وَلاَ تَسْلُكُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لِتَعْبُدُوهَا وَتَسْجُدُوا لَهَا، وَلاَ تَغِيظُونِي بِعَمَلِ أَيْدِيكُمْ فَلاَ أُسِيءَ إِلَيْكُمْ". فهذِهِ هيَ الرِّسالةُ الَّتي نَادَى بها الأنبياءُ مِرارًا وتَكرارًا، والمَرَّة تِلْوَ المَرَّة تِلْوَ المَرَّة. العَدَد 7: "فَلَمْ تَسْمَعُوا لِي، يَقُولُ الرَّبُّ، لِتَغِيظُونِي بِعَمَلِ أَيْدِيكُمْ شَرًّا لَكُمْ". ثُمَّ نَقْرَأُ عنْ إعلانِ الدَّينونةِ والدَّمارِ على يَدِ نَبوخَذْنَصَّر والبابِلِيِّينَ إذْ نَقرأُ في العدد 11: "وَتَصِيرُ كُلُّ هذِهِ الأَرْضِ خَرَابًا وَدَهَشًا، وَتَخْدِمُ هذِهِ الشُّعُوبُ مَلِكَ بَابِلَ سَبْعِينَ سَنَةً". فقد كانَ السَّبْيُ البابِلِيُّ دينونةً مِنَ اللهِ لِشَعْبٍ مُتَمَرِّدٍ، ومُرْتَدٍّ، وعَاصٍ، ويَرْفُضُ أنْ يُصْغي إلى الأنبياء.

والآنْ افتحوا على إنجيل مَتَّى، الأصحاح 23 في العهدِ الجديد، وَهُوَ أصْحاحٌ مَعروفٌ جِدًّا. فهذهِ الأفكار ستُساعِدُكم على فَهْمِ أنَّ تاريخَ قتلِ الأنبياء كانَ أمرًا معروفًا جدًّا بينَ اليهود. ففي الأصحاح 23 مِنْ إنجيل مَتَّى، يَتحدَّث يسوع عنِ القادة فيقولُ في العدد 29: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَتُزَيِّنُونَ مَدَافِنَ الصِّدِّيقِينَ". فقد كانَ هذا الأمْرُ جُزْءًا مِنْ رِيائِهِم. فقد كانوا مُرائينَ في كُلِّ شيء. ولكنَّ جانبًا مِن جوانبِ رِيائهم هو أنَّهم كانوا يحاولونَ تَكريمَ الأنْبياءِ الَّذينَ أبْغَضَهُمْ آباؤُهُم، وآذوهُمْ، وَأساءوا مُعاملَتَهُم، وقَتلوهم. وما كانوا يَفعلونهُ هو أنهم كانوا يُحاولونَ أنْ يُزَيِّنوا أضْرِحَةَ الأنبياء. فَهُمْ لم يريدوا أن يَعتقدَ الناسُ أنهم يُشبِهونَ آباءَهُم، بل إنَّهُمْ أفضَلُ مِنهم بكثير. وهم لا يمكنُ أن يَفعلوا ذلكَ بأيِّ نَبِيٍّ حَقيقيٍّ. لذلكَ فقد كانوا يَبْنونَ قُبورًا عَظيمةً لتَكريمِ الأنبياءِ، ويُزَيِّنونَ مَدافِنَ الصِّدِّيقين.

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 30: "وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِي دَمِ الأَنْبِيَاءِ". وَكما قُلتُ قَبْلَ لحظاتٍ، فقد أرادوا أنْ يَظْهَروا بمَظهرٍ أفضلَ مِنْ آبائهم لأنَّ آباءَهُم كانُوا مَشهورينَ جِدًّا بِقَتْلِ الأنبياء.

ولكنَّ يسوعَ لم يَكُنْ يَراهُمْ بتلكَ الطَّريقة. فنحنُ نَقرأُ في العدد 33: "أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟ لِذلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً، فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ، وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ". وكأنَّ يَسوعَ يقولُ لهم: "أنتُم لا تَختلفونَ عنهم لأنَّهُ ما إنْ يَخْرُجُ رُسُلي للكِرازةِ بالإنجيل، فإنَّكم ستَفعلونَ الشيءَ نَفسَهُ الَّذي فَعَلَهُ آباؤكم بالأنبياء في القديم. فسوفَ تَضْطَهِدونَهُم وتُعْدِمونَهُم". وهذا هوَ ما فَعلوه. فجميعُ الرُّسُلِ (ما عَدا يُوحَنَّا) اسْتُشْهِدوا. فقد كانَ القَتْلُ مُستمرًّا.

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 35: "لِكَيْ يَأتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ". فَإلى أيِّ حَدٍّ كانُوا مُرْتَدِّين؟ لقد قَتلوا آخِرَ الأنبياءِ الَّذينَ قُتِلوا في الهيكلِ بينَ المَذبَحِ والمكانِ المُقَدَّسِ.

ثُمَّ يَقولُ يَسوعُ في العدد 37: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا". فهذا هوَ تَاريخهم. هذا هوَ تاريخُ بني إسرائيل. فَقد كانوا مُرتدِّينَ، وعَاصِينَ، وغيرَ مؤمنينَ، ومُتمرِّدينَ، وعَبَدَةَ أوثانٍ، ومُجَدِّفينَ، وقَتَلَةَ أنبياء.

وفي إنجيل لوقا 6: 22 و 23، بينما كانَ رَبُّنا يَذْكُرُ التَّطويبات، فإنَّ واحِدَةً منها هي: "طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ". فنحنُ نَقرأُ في لوقا 6: 22: "طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ، وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإِنْسَانِ". ويسوعُ يَقولُ ذلكَ لأنهُ يَعرفُ أنَّ هذا هوَ ما سيَحدُث لذلكَ الجيلِ الأوَلِ مِنَ اليهودِ المؤمنين على أيدي القادةِ اليهود. لقد كانَ يَعرفُ ذلك. ثُمَّ يقولُ في العدد 23: "اِفْرَحُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَتَهَلَّلُوا، فَهُوَذَا أَجْرُكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاءِ. لأَنَّ آبَاءَهُمْ هكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ". فَمَا مِنْ شَيءٍ جَديد. مَا مِنْ شَيءٍ جَديدٍ البَتَّة.

وفي الأصحاح 11 مِنْ إنجيل لوقا، وفي العدد 49 أيضًا: "لِذلِكَ أَيْضًا قَالَتْ حِكْمَةُ اللهِ: إِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَ وَرُسُلاً، فَيَقْتُلُونَ مِنْهُمْ وَيَطْرُدُونَ لِكَيْ يُطْلَبَ مِنْ هذَا الْجِيلِ دَمُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ الْمُهْرَقُ مُنْذُ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا الَّذِي أُهْلِكَ بَيْنَ الْمَذْبَحِ وَالْبَيْتِ. نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يُطْلَبُ مِنْ هذَا الْجِيلِ!" أيْ: مِنْ هذهِ الأُمَّة.

فهذهِ هي الأُمَّة الَّتي ظَلَّتْ طَوالَ تاريخِها، طَوالَ تاريخِها الطَّويل، أيْ طَوالَ زَمَنِ العهدِ القديم، هذهِ هي الأمَّة الَّتي كانتْ تُؤذي، وَتَضْطَهِد، وتَقتُل الأنبياءَ والخُدَّامَ الذينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ للمطالبةِ بِحَقِّهِ في العِنَبِ الجَيِّدِ مِنَ الكَرْمِ الَّذي غَرَسَهُ هُوَ.

وفي الأصحاحِ الثالث عَشَر مِنْ إنجيل لوقا (ولَعَلَّكُمْ تَذكرونَ هذا المَقْطَعَ لأننا تأمَّلنا فيهِ مُنذ وقتٍ ليسَ بِبَعيد)، نَجِدُ اللُّغةَ نَفسها. لوقا 13: 34: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ". إنَّهُ نفسُ الكلامِ المَذكور في إنجيل مَتَّى 23: "وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا". فهذا هُوَ ما تَفعلونَهُ. ونَقرأُ في الأصحاحِ السَّابِعِ مِنْ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل عِظَةَ استفانوس (أوَّل شَهيدٍ مَسيحيٍّ). فاستمعوا إلى ما يقولُهُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 7: 51: "يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ ...". وهُوَ يُكَلِّمُ هُنا اليهودَ في أورُشليم. "... أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذلِكَ أَنْتُمْ! أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ؟" يا للعَجَب! فاستِفانوس يَسْأل: "أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ؟ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ، الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ".

لقد قَتلتُم الأنبياءَ الَّذينَ أنْبأوا عنْ مَجيءِ البارّ. والآنْ قَتَلْتُم البارَّ نَفْسَهُ. "فَلَمَّا سَمِعُوا هذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ وَصَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ عَلَيْهِ". وقد رَجَموهُ حَتَّى المَوتْ فَمَات. وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيًا بِقَتْلِهِ. بل إنَّهُ رَاحَ يَنْفُثُ تَهَدُّدًا وَقَتْلاً، ويَتَوَعَّدُ الكنيسةَ بالانتقامِ. لذلكَ فقد خَرَجَ لمُطاردةِ وقَتْلِ الجيلِ الأوَّلِ مِنَ المسيحيِّين. وقد كانَ يَظُنُّ أنَّهُ يُدافعُ عنِ اليهوديَّة. وقد كانَ الأمرُ هكذا دائمًا.

ولكنَّ اللهَ طَويلُ الأناة. فقد جاءَ نَبِيٌّ، ثُمَّ نَبِيٌّ آخر، ونَبِيٌّ آخر، ونَبِيٌّ آخَر، ولكنَّهُمْ لاقَوْا نَفسَ المُعاملة ... نَفسَ المُعاملة. وأخيرًا، في هذا الجُزءِ المُختصِّ بتَفسيرِ القِصَّة، لنَرجِع إلى الأصحاح 20 مِنْ إنجيل لوقا. فقد طَرَحَ صَاحِبُ الكَرْمِ السُّؤالَ الأكثرَ أهميَّةً إذْ نَقرأُ في العدد 13: "مَاذَا أَفْعَلُ؟ أُرْسِلُ ابْنِي الْحَبِيبَ، لَعَلَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ يَهَابُونَ!" وهذا أمْرٌ لا يُمْكِنُ أنْ يُساءَ فَهْمُهُ. أليسَ كذلك؟ إنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ أنْ يُساءَ فَهْمُهُ. فاللهُ أَرْسَلَ ابنَهُ الحَبيب كما جاءَ في إنجيل لوقا 3: 22 إذْ قالَ اللهُ عندَ مَعمودِيَّتِهِ: "هذا هُوَ ابْني الحَبيب". ونقرأُ في إنجيل مَتَّى 17: 5 أنَّ اللهَ قالَ في حادِثَةِ التَّجَلِّي على الجَبَل: "هذا هوَ ابني الحبيب". ويَقولُ مَرْقُس في رِوايَتِهِ لهذا المَثَلِ نَفْسِهِ: "فَإِذْ كَانَ لَهُ أَيْضًا ابْنٌ وَاحِدٌ حَبِيبٌ إِلَيْهِ". ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 3: 16: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ".

فَهُوَ مُختلفٌ عنْ جميعِ الرُّسُلِ الآخرين. فَهُوَ ليسَ عَبْدًا، بل هُوَ ابْنٌ. واللهُ لَهُ ابْنٌ وَحيدٌ. وَهُوَ آخِرُ رُسُلِ العهدِ القديمِ، وأَعْظَمُ نَبِيٍّ في كُلِّ الأنبياء. وهُوَ وارِثُ كُلّ ما للآب. وَهُوَ صَاحِبُ كُلّ سُلْطانٍ إلهِيٍّ، وكُلّ حَقٍّ إلهِيٍّ في الحُصولِ على الطَّاعةِ والإكرامِ، وكُلّ حَقٍّ إلهيٍّ أيضًا في أنْ يَدين. وقد كانَ ينبغي لهم أنْ يَحترموه. وكانَ ينبغي لهم أنْ يُوَقِّروه. وكانَ يَنبغي لهم أنْ يَهابوه. وكانَ ينبغي لهم أنْ يَخْجَلوا مِنْ أنفسهم بسببِ سوءِ مُعامَلَتِهِمْ للأنبياءِ الَّذينَ تَنَبَّأوا عنْ مَجيئِه.

والحقيقةُ هي أنهم لم يكونوا يَجهلونَ هُوِيَّتَهُ. فأرجو أنْ تُلاحِظوا القِصَّة: "فَلَمَّا رَآهُ الْكَرَّامُونَ". فقد كانتْ حياةُ يسوعَ بأسْرِها تُبَرْهِنُ بالأدِلَّةِ القاطِعَةِ على أنَّهُ ابْنُ اللهِ والمَسِيَّا. لذلكَ، كانَ الأمْرُ واضحًا ولا يُمْكِنُ أنْ يُساءَ فَهْمُه. إذًا فقد تآمَروا فيما بينَهُمْ قائلين: "هذَا هُوَ الْوَارِثُ!" ويا لها مِنْ تُهْمَة! "هذا هُوَ الوارِثُ!"

فقد كانوا يَعلمونَ ما يَقولُهُ عن نَفسِه. وقد كانُوا يَعلمونَ أنَّهُ دَعَّمَ أقوالَهُ مِنْ خِلالِ سُلْطانِهِ على المَرَضِ، وسُلْطانِهِ على المَوْتِ، وسُلطانِهِ على الشَّياطين. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّهُ يَمْلِكُ قُدرةً على القيامِ بالمُعجزات. وقد كانوا يَعلمونَ أنهُ لا يوجدُ تَفسيرٌ آخرُ لِهُوِيَّتِهِ سِوى أنَّهُ الله. ولكِنْ لماذا لم يُؤمِنوا بِهِ؟ اسْتَمِعُوا إلى ما جاءَ في إنْجيل يوحنَّا 12: 42: "وَلكِنْ مَعَ ذلِكَ آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّهُمْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، لِئَلاَّ يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ أَحَبُّوا مَجْدَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْدِ اللهِ".

فالأمْرُ لم يَكُنْ يومًا يَخْتَصُّ بالبراهين. البَتَّة! بل إنَّهُمْ قالوا لَهُ: "نَعْلَمُ أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ بكلامِ اللهِ". وهُمْ لم يُجادلوهُ يومًا فيما يَختصُّ بمُعجِزاتِه. وهُمْ لم يُنكروا مُعجِزاتِهِ البَتَّة. ولكِنْ لم يَكُنْ مَقبولًا لديهم أنْ يؤمنوا بهِ لأنَّهُمْ كانُوا يُحِبُّونَ دِيانَتَهُمْ ومَدْحَ النَّاسِ أكْثَرَ مِمَّا يُحِبُّونَ اللهَ. لذلكَ فإنَّ الأمرَ لم يَكُنْ يَختَصُّ بالاقتناعِ العَقلِيِّ، بل كانَ يَخْتَصُّ بالقلبِ. فهُوَ المَسِيَّا. وهُوَ ابْنُ اللهِ الوَحيدِ والحَبيب.

لذلكَ، فقد كانَ يَسوعُ يَقولُ مِنْ خِلالِ هذهِ القِصَّةِ الَّتي فَهِمَها النَّاسُ، كانَ يَقولُ للقادةِ الَّذينَ يتآمَرونَ لِقَتْلِهِ إنَّهُ يَعْلَمُ تمامًا ما سَيَفْعَلونَهُ بعدَ يَوْمَيْن. فَهُمْ سَيَقْتُلونَهُ. وهُمْ سَيَقتُلونَهُ لأنهم يُريدونَ أنْ يأخُذوا المِيراثَ لأنفُسِهم: "هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ لِكَيْ يَصِيرَ لَنَا الْمِيرَاثُ!" فقد أرادوا أنْ يُحْكِموا السَّيطرةَ على النِّظامِ الدِّينيِّ. وقد أرادوا أنْ يُحْكِموا السَّيطرةَ على مَلَكوتِ اللهِ وَفْقًا لِفَهْمِهِمِ الخاصِّ لَهُ.

لقد أرادوا أنْ يَحْرِقوا الهَراطِقَةَ. وقد تَمَّ القيامُ بذلكَ طَوالَ التَّاريخِ المسيحيِّ مِنْ قِبَلِ أولئكَ الَّذينَ عَيَّنُوا أنفُسَهُم بأنْفُسِهِمْ وُكَلاءَ على مَلَكوتِ اللهِ. فقد أرادوا السَّيطرةَ. وقد أرادوا أنْ يَكونَ عَالَمُ مَجْمَعِهِمْ وعالَمُ هَيْكَلِهِمْ بالطَّريقةِ الَّتي يَشاءون. وقد كانَ يَسوعُ مُشْكِلَةً حَقيقيَّةً. لذلكَ فقد قالوا: "لِنَقْتُلْهُ لكي نُحْكِمَ السَّيْطَرَةَ على دِيانَتِنا".

هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ. ما مَعْنى ذلك؟ إنَّهُ يَعْني الصَّلْبَ بعدَ يَوْمَيْن. فقد كانُوا يُخَطِّطونَ لذلكَ منذُ وقتٍ طويل. وقد أرادوا أنْ يُنَفِّذوا ذلكَ بسرعة. فنحنُ نَقرأُ أيضًا: "فَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ". ... "فَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ". وما الَّذي يُشيرُ إليهِ ذلك؟ إنَّهُ يُشيرُ إلى الرَّفْضِ التَّامِّ إذْ إنَّهُم طَرَدوهُ مِنْ أُمَّتِهِمْ وصَارَ في نَظَرِهِمْ مَنْبوذًا. ويَرى مُفَسِّرونَ هُنا إشارَةً إلى أنَّهُ كانَ سَيُصْلَبُ خارِجَ المدينة، وهُوَ أمْرٌ فَعَلوهُ حَقًّا – رُبَّما إشارَةً إلى رَفْضِهِمْ لهُ مِنَ الأُمَّةِ. فقد ماتَ خارِجَ المدينة.

هَذا هُوَ تاريخُهُمْ. وَهُوَ تَاريخٌ مُخْجِلٌ. وعندما فَهِمَ النَّاسُ القِصَّةَ، أَدْرَكوا ما قالوه: "يَأتِي وَيُهْلِكُ هؤُلاَءِ الْكَرَّامِينَ وَيُعْطِي الْكَرْمَ لآخَرِينَ". ما الَّذي قُلْناه؟ فقد حَكَمْنا بالدَّينونةِ على دِيانَتِنا وعلى أُمَّتِنا. لذلكَ فقد اسْتَدْرَكوا أنْفُسَهُمْ وقالوا في نهايةِ العدد 16: "حَاشَا!" لا، لا، لا. نحنُ نَسْحَبُ كَلامَنا ونَرْجِعُ عَمَّا قُلْناه. إنَّنا نَسْحَبُهُ. فلم يَكُنْ يَجْدُرُ بِنا أنْ نَقولَ ذلك البَتَّة. لم يَكُنْ يَجْدُرُ بِنا أنْ نَقولَ ذلك".

"يُهْلِك"؟ ما مَعنى ذلك؟ فنحنُ نَقرأُ في العدد 16: "يَأتِي وَيُهْلِكُ هؤُلاَءِ الْكَرَّامِينَ". إنَّها الدَينونة الإلهيَّة الَّتي تَمَّ التَّنَبُّؤُ عنها في إنجيل لوقا 13: 35 إذْ نَقرأُ: "هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا!" ارْجِعوا إلى الأصحاح 19 والعَدد 42: "إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. فَإِنَّهُ سَتَأتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ". إنَّها إشارَةٌ إلى الوقتِ الَّذي افْتَقَدَكِ فيهِ ابْنُ اللهِ.

إنَّهُ الدَّمار. فهذهِ نُبوءَةٌ عنْ دَمارِ أورُشَليم في سنةِ 70 ميلاديَّة على يَدِ الرُّومان. فقد تَمَّ قَتْلُ عَشَراتِ الآلافِ، بل رُبَّما مِئاتِ الآلافِ مِنَ اليهودِ، عَدا عَنْ هَدْمِ المدينةِ والهيكلِ تمامًا. ومِن تلكَ اللَّحظةِ فصاعِدًا، لم يَعُدْ هناكَ كَهَنوتٌ البَتَّة في إسرائيل، ولا هَيكَل، ولا ذبائِح، ولا طُقوس، ولا صَدُّوقِيُّون، ولا فَرِّيسيُّون، ولا كَهَنَة، ولا رُؤساءُ كَهَنة. فالنِّظامُ بِمُجْمَلِهِ انْتَهى ولن يَعودَ ثانِيَةً أبدًا. وقد فَهِمَ الشَّعبُ القِصَّةَ وأُصيبوا بالذُّعْر. فهيَ تَرْمِزُ إلى هَلاكِ قادَتِنا. وهيَ تَرْمِزُ إلى حِرْمانِنا مِنَ البَرَكَة.

ولكنَّ الأمْرَ لم يَدُمْ طويلًا. فبعدَ أيَّامٍ قليلَةٍ فإنَّ هؤلاءِ النَّاس المَذعورينَ هُنا والقائلين: "لا، لا، لا، لا، لا. نُريدُ أنْ تَكونَ أنْتَ مَلِكًا عَلينا. ولا نريدُ أنْ تَفعلَ ذلك. فنحنُ لن نَقْتُلَ الابْنَ يومًا. نحنُ لن نَقتُلَ الابْنَ يومًا. بل نريدُ أنْ تَكونَ المَسِيَّا علينا". إنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ أنفُسَهُم الَّذينَ قالوا هذا الكلامَ هُنا، سَيَقولونَ في الحقيقةِ: "اصْلِبْهُ، اصْلِبْهُ، اصْلِبْهُ". وسوفَ يَتْبَعُ الشَّعْبُ قادَتَهُمْ إلى الدَّينونة، وإلى الدَّمار، وإلى الهَلاك.

وهناكَ عُنصرٌ آخر: "وَيُعْطِي الْكَرْمَ لآخَرِينَ". ولكِنْ مَنْ هُمُ الآخرون؟ سوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ في الأسبوعِ القادِم. وهذهِ هيَ النُّقطةُ الجوهريَّةُ في القِصَّة. وهِيَ ذُرْوَةُ القِصَّة.

وقد تَقولُ: "مَهْلًا، إنَّهُم الكَنيسَة". لا، فالأمْرُ ليسَ بهذهِ البَساطَة. فلو كانَ الأمرُ سَهلًا، لقُلْتُهُ الآن. ولكنَّ الأمْرَ أكْبَر مِن ذلك. وهُوَ حَقٌّ عَميقٌ حَقًّا. لذلكَ سنُرْجِئُ الحَديثَ عَنْهُ للأسبوعِ القادِم.

وكيفَ نَجْمَعُ هذهِ الأجزاءَ مَعًا؟ هذا سَهلٌ جِدًّا ... حَقًّا. فالعواقِبُ أبديَّة للأشخاصِ الَّذينَ يَرفضونَ يسوعَ المسيح – سواءَ كانوا مِنَ اليهودِ في أيَّامِهِ، أوْ مِنَ اليهودِ والأُمَمِ في الوقتِ الحاضِرِ، أو في أيِّ يومٍ بينَ هذينَ الوَقْتَيْنِ أوْ بَعْدَهُما. فإمَّا أنْ تُحِبَّ الرَّبَّ يَسوعَ المسيحَ أوْ تَكونَ مَلْعُونًا.

وإمَّا أنْ تَعتَرِفُ بهِ بِصِفَتِهِ ابْنَ اللهِ، والمُخَلِّصَ الوحيدَ، وأنْ تَضَعَ ثِقَتَكَ فيهِ وتُؤمِنَ بهِ، أوْ أنْ تكونَ مُدانًا ومَلعونًا. والدينونةُ هي شَيءٌ وَعَدَ اللهُ بِهِ جَميعَ الَّذينَ يَرْفُضونَ المسيح. فالكتابُ المقدَّسُ يَقول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ مَلْعونًا" – أيْ: لِيَكُنْ مُدانًا.

لقد أعطاكَ اللهُ امتيازاتٍ مُعيَّنة لِسَماعِ الحَقِّ، ولمعرفةِ الحَقِّ، ولسماعِ رسالةِ المسيح. وهذا الامتيازُ ليسَ مُتاحًا لجميعِ النَّاسِ في العالم. ولكنَّكَ حَصَلْتَ عليه. وبهذا المَعنى، صِرْتَ خاضِعًا لِمَعرفةِ الحَقِّ. وهذا يَتَرَتَّبُ عليهِ مَسؤوليَّة. فما الَّذي ستَفعَلُهُ بهذا الحَقّ؟ هل ستَتَمَثَّلُ بِقادةِ بني إسرائيلَ بسببِ وُجودِ شيءٍ آخَرَ أكثر أهميَّةٍ لديكَ، أو بسببِ حُبِّكَ لخَطاياك، أوْ بسببِ نِظامِكَ الخاصّ، أو بسببِ فَلسفتِكَ الخاصَّة، أو بسببِ علاقاتِكَ – فَتَرْفُض المسيحَ وتَتَمَسَّك بالأشياءِ الَّتي تَجْعَلُكَ تَحْتَ الدَّينونة واللَّعنة؟ إنَّ هذا الوقتَ مُناسِبٌ للتَّخَلِّي عن كُلِّ شيءٍ، وَوَضْعِ ثِقَتِكَ بالمسيح لِئَلًّا تَهْلِكَ وتَلْحَقَ بالأشخاصِ الكثيرينَ الَّذينَ تَخَلُّوا عَنْ كُلِّ هذِهِ النّعْمَةِ والبَرَكاتِ المُرْتَبِطَةِ بمَلَكوتِهِ.

إذْ نأتي، يا أبانا، إلى نِهايةِ هذا النِّقاشِ في هذا الصَّباحِ، وليسَ إلى نِهايةِ هذا النَّصِّ، فإنَّنا نُدْرِكُ أهميَّةَ أنْ نَعرِفَ يسوعَ المسيحَ رَبًّا ومُخَلِّصًا. وبالنسبةِ إلى الأشخاصِ الَّذينَ حَصَلوا على امتيازِ مَعْرِفَةِ هُوِيَّتِهِ الحقيقيَّةِ فإنهم أمامَ مسؤوليَّة أنْ يُؤمِنوا بِهِ ويَقبَلوهُ مُخَلِّصًا، وإلَّا فإنهم سيواجهونَ العواقِبَ الأبديَّةَ الرَّهيبة. لَيْتَ نِعْمَتَكَ تَفيضُ اليومَ في العالمِ الَّذي تَقْطُنُهُ أغْلَبِيَّةٌ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ لا يَعْرِفونَ المسيحَ ولا يُحِبُّونَهُ.

وليتَنا لا نَسيرُ خَلْفَ الأكثريَّة، ووراءَ الكثيرينَ مِمَّنْ يَسيرونَ في طريقِ الهلاك. بل ليتَ كُلَّ شَخْصٍ هُنا يَسْلُك في الطَّريقَ الضَّيِّق، ويَقْبَل يسوعَ المسيحَ رَبًّا ومُخَلِّصًا بقلبٍ تائبٍ لكي نَدْخُلَ إلى مِلْءِ الفَرَحِ والبَرَكة، ولكي نَصيرَ جُزءًا مِنَ الشَّعبِ الَّذينُ هُمُ الوُكلاءُ الجُدُد على حَقِّ الملكوت وَبَرَكَتِه - لا لوقتٍ قصيرٍ فقط، بل إلى أبدِ الآبِدين. وليتَ عَمَلَ نِعْمَتِكَ القويّ وَخَلاصَكَ يَعْمَلُ في القلوبِ اليوم. اجْتَذبْ كَثيرينَ إلى ابْنِكَ الذي نَرْفَعُ صَلاتَنا باسْمِهِ. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize