Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أرْجو أن تَفتحوا الكِتابَ المُقَدَّسَ عَلى الأصحاح 20 مِنْ إنجيل لوقا إذْ سنَعودُ إلى أسبوعِ الآلامِ، أيِ الأسبوعِ الَّذي صُلِبَ فيهِ رَبُّنا يسوعُ المسيح، لِنَنظرَ إلى نَصٍّ آخَرَ في سِلسِلةِ النُّصوصِ الَّتي يُقَدِّمُها لنا لُوقا ويُسَجِّلُها عنِ التاريخِ الأرْضِيِّ والرُّوحيِّ لهذا الأسبوعِ العظيم. إنجيل لوقا والأصحاح 20. وأوَدُّ أنْ أبتدئَ القراءةَ مِنَ العَدَدِ التَّاسِعِ لكي نَقرأَ المَثَلَ الَّذي دَرَسْناهُ في المَرَّةِ الأخيرةِ لأنَّ ذلكَ مُهِمٌّ لِما سيأتي بَعْدَهُ – أيْ للموضوعِ الَّذي سنَتحدَّثُ عنهُ في هذا الصَّباح.

إنجيل لوقا 20: 9: "وَابْتَدَأَ يَقُولُ لِلشَّعْبِ هذَا الْمَثَلَ: «إِنْسَانٌ غَرَسَ كَرْمًا وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ زَمَانًا طَوِيلاً. وَفِي الْوَقْتِ أَرْسَلَ إِلَى الْكَرَّامِينَ عَبْدًا لِكَيْ يُعْطُوهُ مِنْ ثَمَرِ الْكَرْمِ، فَجَلَدَهُ الْكَرَّامُونَ، وَأَرْسَلُوهُ فَارِغًا. فَعَادَ وَأَرْسَلَ عَبْدًا آخَرَ، فَجَلَدُوا ذلِكَ أَيْضًا وَأَهَانُوهُ، وَأَرْسَلُوهُ فَارِغًا. ثُمَّ عَادَ فَأَرْسَلَ ثَالِثًا، فَجَرَّحُوا هذَا أَيْضًا وَأَخْرَجُوهُ. فَقَالَ صَاحِبُ الْكَرْمِ: مَاذَا أَفْعَلُ؟ أُرْسِلُ ابْنِي الْحَبِيبَ، لَعَلَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ يَهَابُونَ! فَلَمَّا رَآهُ الْكَرَّامُونَ تَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ قَائِلِينَ: هذَا هُوَ الْوَارِثُ! هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ لِكَيْ يَصِيرَ لَنَا الْمِيرَاثُ! فَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ. فَمَاذَا يَفْعَلُ بِهِمْ صَاحِبُ الْكَرْمِ؟ يَأتِي وَيُهْلِكُ هؤُلاَءِ الْكَرَّامِينَ وَيُعْطِي الْكَرْمَ لآخَرِينَ». فَلَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: «حَاشَا!»

"فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «إِذًا مَا هُوَ هذَا الْمَكْتُوبُ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟ كُلُّ مَنْ يَسْقُطُ عَلَى ذلِكَ الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ!» فَطَلَبَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ أَنْ يُلْقُوا الأَيَادِيَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَلكِنَّهُمْ خَافُوا الشَّعْبَ، لأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ قَالَ هذَا الْمَثَلَ عَلَيْهِمْ. فَرَاقَبُوهُ وَأَرْسَلُوا جَوَاسِيسَ يَتَرَاءَوْنَ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ لِكَيْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ، حَتَّى يُسَلِّمُوهُ إِلَى حُكْمِ الْوَالِي وَسُلْطَانِهِ.

"فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ بِالاسْتِقَامَةِ تَتَكَلَّمُ وَتُعَلِّمُ، وَلاَ تَقْبَلُ الْوُجُوهَ، بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ. أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيَةً لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟» فَشَعَرَ بِمَكْرِهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي؟ أَرُونِي دِينَارًا. لِمَنِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟» فَأَجَابُوا وَقَالوُا: «لِقَيْصَرَ». فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ». فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ قُدَّامَ الشَّعْبِ، وَتَعَجَّبُوا مِنْ جَوَابِهِ وَسَكَتُوا".

إنَّ تاريخَ إسرائيل هُوَ قِصَّةٌ طويلةٌ ومأساويَّةٌ عَنْ تَمَرُّدِهِمْ على اللهِ، وعَنْ خَطيئَتِهِم ضِدَّ اللهِ، وعَنْ عدمِ اكتِراثِهِمْ بإعلانِ اللهِ، وعَنْ عِصيانِهم لناموسِ اللهِ ومشيئةِ اللهِ حَتَّى إنهم قَتَلوا الأنبياءَ وقَتَلوا الرُّسُلَ الذينَ جاءوا ليُخبِروهُمْ عنِ نِعْمَةِ اللهِ، ورَحمَتِهِ، وغُفرانِهِ، وبَرَكاتِهِ، وخَلاصِهِ، وعنِ الحياةِ الأبديَّة. وقد وَصَلَتِ الحَرْبُ ضِدَّ اللهِ إلى نُقْطَةِ الذُّروةِ عندَ قَتْلِ ابنِ اللهِ – أيِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح. وقد تَمَّ تلخيصُ ذلكَ التَّاريخ في المَثَلِ الَّذي قَرأتُهُ ابتداءً مِنَ العَدَد 9 إلى نِهايَةِ العَدَد 18.

وبالرَّغْمِ مِن كُلِّ إعلاناتِ العهدِ القديمِ النَّبَوِيَّةِ التي تُشيرُ بِكُلِّ تأكيدٍ إلى يسوعَ المسيحِ، فإنَّ هذا الجِيْلَ هُوَ الَّذي سيَقومُ بالعَمَلِ الأخيرِ الموصوفِ في هذا المَثَلِ – أيْ أنَّهُمْ سيَقتلونَ الابْنَ، ويَرفُضونَ ذاكَ الَّذي هُوَ دُوْنَ أدْنى شَكٍّ: المَسِيَّا خَاصَّتَهُمْ. وقد كانوا يَعرِفونَ عنْ وِلادَتِهِ مِنْ عَذْراء، وعنْ حياتِهِ الخالِيَةِ مِنَ الخَطيَّة، وعنْ كلماتِهِ الإلهيَّةِ، وعنْ أعمالِهِ الإلهيَّة. وقد كانوا يَعرِفونَ أنَّهُ يَمْلِكُ سُلْطانًا على الشَّياطينِ، والأمراضِ، والموت. وقد كانوا يَعرفونَ أنَّهُ يَمْلِكُ سُلْطانًا على العالمِ المَخلوقِ إذْ إنَّهُ سَكَّنَ الأمواجَ والعاصِفَةَ، وَكَثَّرَ الطَّعامَ. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّهُ جَاءَ بِمَلكوتِ اللهِ، والخَلاصِ، والحياةِ الأبديَّةِ، والبَرَكَةِ.

وكُلُّ هذِهِ الأُمورِ الَّتي تَصُحُّ عليهِ كانتْ مُرْتَبِطَة بوعودِ العهدِ القديمِ ونُبوءاتِهِ. وبالرَّغمِ مِن ذلك، رَفَضوهُ بطريقةٍ تَتَوافَقُ تمامًا معَ تاريخِ إسرائيل. فَمَعَ أنَّهُمْ لم يُنْكِروا يومًا قُدرَتَهُ، ولم يُنكِروا مُعجِزاتِهِ، ولم يُنكِروا حِكمَتَهُ، فإنَّهُمْ رَفَضوه. وقدِ ابتدَأَ الأمْرُ بالقادةِ الذينَ أَثَّروا بِدَوْرِهِمْ في الأُمَّة.

ولكِنْ لماذا رَفَضَهُ القادةُ الدينيُّونَ، والأشخاصُ الَّذينَ كانوا يَتَباهُونَ بأنَّهُم النُّخْبَة، وأصْحابُ العِلْمِ والدِّرايَةِ بالعهدِ القديم مِمَّنْ كانُوا يَظُنُّونَ أنفُسَهُم أكْثَرَ تَدَيُّنًا مِنَ الآخرين، وَمِمَّنْ كانَ يُفْتَرَضُ بِهِم أنْ يكونوا مُتوافِقينَ مَعَ اللهِ والأسفارِ المقدَّسَةِ أكْثَرَ مِنَ الآخَرين؟ لماذا رَفَضوه؟ إنَّ الجوابَ ليسَ مُعَقَّدًا. فقد رَفَضوهُ لأنَّ قُلوبَهُم كانتْ تُهَيْمِنُ عليها الخَطِيَّة، بَلْ عُقْدَةُ أبْشَعِ نَوْعٍ مِنَ الخَطِيَّةِ - كَما سنَرى.

واسْمَحوا لي أنْ أُعْطيكُمْ فِكرةً سَريعةً عَمَّا كانَ يَحْدُث. فقد كانَ اليومُ هوَ الأَرْبِعاء في أسبوعِ الآلام ... الأرْبِعاء. وكانَ يَسوعُ سَيُصَلبُ يومَ الجُمُعَة. وفي يومِ الأَرْبِعاءِ هذا، صَرَفَ يَسوعُ اليومَ في الهيكلِ وكانَ مُحَاطًا بالجُموعِ الذينَ تَدَفَّقُوا إلى أورُشَليمَ للاحتفالِ بعيدِ الفِصْح. وعندما جاءَ يَسوعُ إلى المدينة، امْتَلأوا رَجاءً وَتَمَنَّوْا أنْ يَكونَ هُوَ المَسِيَّا الَّذي طَالَ انْتِظارُهُمْ لَهُ. لذلكَ فقدِ احْتَفَلوا بِدُخولِهِ الظَّافِرِ وكانوا ما زالوا مُتَعَلِّقينَ بكُلِّ ما فَعَلَهُ وبِكُلِّ كَلِمَةٍ قالَها يومَ الأربِعاءِ في الهيكل. فقد كانَ يُعَلِّمُ هذا الحَشْدَ الهائِل.

ولكن في كُلِّ حَشْدٍ، كانَ القادةُ الدينيُّون حاضِرين. وكانت هناكَ مواجهاتٌ مُتكرِّرة بينَ يسوعَ وهؤلاءِ القادة الدينيِّين. فقد أرادَ النَّاسُ أنْ يَسمعوهُ يُعَلِّم. وقد أرادوا أنْ يَقولَ الأشياءَ الَّتي كانُوا يَتوقونَ إلى سَماعِها. ولكنَّ القادةَ الدينيِّينَ أرادوا أنْ يَوْقِعُوهُ في الفَخِّ الَّذي نَصَبوهُ لهُ مِنْ خِلالِ كَلامِهِ. وقد كانَ الشَّعبُ يَعلمُ أنَّهُ يَعْمَلُ مُعجِزاتٍ. وكانوا يَعلمونَ أنهُ أَقامَ لِعازَرَ مِنَ الأمواتِ. وقد تَمَنّوا أن يكونَ هوَ المسيَّا الَّذي طالَ انتظارُهُم لَهُ. وفي هذا الوقتِ، أي في يومِ الأرْبِعاء، كانوا ما زالوا يَأمَلونَ أنْ يكونَ المسيَّا المُنْتَظَر حَقًّا.

ومعَ أنَّ الأحوالَ لم تَنْقَلِب عليه، فإنَّ القادةَ الدينيِّينَ أَبْغَضوهُ منذُ وقتٍ طويل. فقد كَرِهوهُ منذُ سَنواتٍ طويلة. وقد أرادوا أنْ يَرَوْهُ مَيْتًا، بل أرادوا ذلكَ بسُرعة. وسوفَ تَتَحَقَّقُ طُموحاتُهم يومَ الجُمُعة. فالشَّعْبُ نَفْسُهُ الَّذي هَتَفَ "أُوصَنَّا" في يومِ الاثْنينِ سيَصْرُخُ "اصْلِبْهُ" في يومِ الجُمُعَة. فالتَّغيُّرُ في موقِفِهِم سيكونُ كبيرًا، 180 دَرَجة. وسيكونُ القادةُ الدينيُّونَ، السَّبَبَ الرئيسيَّ في هذا التَّغيير. فَهُمْ نَابِغُون.

فكيفَ يمكنكَ أنْ تُحَوِّلَ وَلاءَ مِئات الآلافِ مِنَ الشَّعْبِ في بِضْعةِ أيامٍ مِنَ الهُتافِ لشخصٍ ما بِوَصْفِهِ المَسِيَّا إلى المُطالَبَةِ بِسَفْكِ دَمِهِ بِوَصْفِهِ مُجْرِمًا ومُخادِعًا؟ لقد كانوا أذْكياءَ بصورةٍ ماكِرَةٍ، وكانوا يريدونَ في كُلِّ يومٍ أنْ يَرَوْهُ مَيْتًا أكثرَ مِنَ اليومِ السَّابقِ. وقد أرادوا أنْ يَرَوْهُ مَيْتًا في كُلِّ ساعةٍ أكثرَ مِنَ السَّاعةِ الَّتي سَبَقَتْها. وكانَ كُلُّ ما يَقولُهُ يُؤَجِّجُ عَداوَتَهُمْ لَهُ. وكانتْ كُلُّ مواجَهَةٍ لهم معهُ تُعَزِّزُ هَدَفَهُمْ وقَصْدَهُم.

وفي الوقتِ الَّذي نَأتي فيهِ إلى هذا النَّصِّ الَّذي يَبتدئُ بالعدد 19، كانوا قد بَلَغوا قِمَّةَ اليأسِ. فيسوعُ باتَ يَتمتَّعُ بشَعْبِيَّة، بل بِشَعبيَّةٍ واسِعَةٍ. وهُوَ يَجْتَذِبُ انتباه الجُموعَ ويُخبرهم أمورًا مُدَمِّرَةً عنْ أولئكَ القادةِ الدينيِّينَ. وقد كانَ الناسُ يَعرِفونَ ذلك. انْظُروا إلى العدد 19:

"فَطَلَبَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ أَنْ يُلْقُوا الأَيَادِيَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَلكِنَّهُمْ خَافُوا الشَّعْبَ، لأَنَّهُمْ (أيِ: الشَّعْب) عَرَفُوا أَنَّهُ (أيْ: يَسوعَ) قَالَ هذَا الْمَثَلَ عَلَيْهِمْ (أيْ: على القادةِ الدينيِّين). فقد فَهِمُوا الأمْرَ. فيسوعُ لم يَكُن يُعَلِّمُهُم اللَّاهوتَ فقط، بل كانَ يَكْشِفُ زِيْفَ هؤلاءِ القادةِ الدينيِّينَ للشَّعبِ. فَهُمُ الذينَ قَتَلوا الأنبياءَ في الماضي. فقد كانَ ذلكَ يَتِمُّ دائمًا بأيدي القادةِ الزَّائِفين. وَهُمُ الأشخاصُ الذينَ سيَقودونَ إعْدامَ ابْنِ اللهِ أيضًا.

كانتِ المُجازَفَةُ كَبيرةً حقًّا. فقد كانَ الشَّعْبُ مُؤيِّدًا ليسوعَ ومُعارِضًا أكثرَ فأكْثَرَ للفرِّيسيِّينَ، ومُعارِضًا للصَدُّوقِيِّينَ، ومُعارِضًا للهيرودُسِيِّينَ، وجميعِ الجَماعاتِ الَّتي تُشَكِّلُ القادةَ الدينيِّينَ الأقوياء والمُتَنَفِّذين. لذلك، فقد عَقَدوا العَزْمَ على أنْ يَضَعُوا حَدًّا لذلك. وقد عَقَدوا العَزْمَ على قَلْبِ الشَّعْبِ ضِدَّ يَسوع. ولكنَّ تلكَ المَهمَّة لم تكن سَهلة. ولو كانَ الأمْرُ بِيَدِهم لَرَجَموهُ حَالًا بالطَّريقةِ اليهوديَّةِ التَّقليديَّةِ المَعروفةِ بِأنْ يَجِدوا مَكانًا عاليًا يَطْرَحونَهُ مِنْ فَوْقِهِ ثُمَّ يَسْحَقونَهُ تَحْتَ الحِجارة. ولكنهم لم يكونوا قادِرينَ على القيامِ بذلك. فقد نَزَعَ القَيْصَرُ مِنهُم هذا الحَقَّ في تَنفيذِ عُقوبةِ الإعدامِ. فقد كانَ القَيصَرُ هوَ الَّذي يَمتَلِكُ الحَقَّ في إصْدارِ حُكْمِ الإعْدام. أمَّا اليهودُ فَلا يَحِقُّ لهم أنْ يَفعلوا ذلك. لذلكَ كانَ ينبغي لهم أنْ يَعْثُروا على طريقةٍ للتخلُّصِ مِن يَسوعَ، وللحِفاظِ على مَكانَتِهِمْ، ولتَغييرِ الرَّأيِ العامِّ 180 دَرَجة في الاتِّجاهِ المُعاكِس. ونَرى في هذا النَّصِّ دَهاءَهُمْ وَخُبْثَهُمْ في القيامِ بذلك.

والحقيقةُ هي أنَّ هناكَ طُرُقًا عديدةً لتَقسيمِ هذا النَّصِّ وفَهْمِه. ولكِنَّ الطريقةَ المباشِرَةَ أكثرَ مِنْ غَيرها في رَأيي هي أنْ نَنْظُرَ إلى النَّصِّ كما لو كانَ مَجموعةً مِنَ الخَطايا، وأنْ نُسَمِّي هذا التَّحليلَ: "تَشْخيصُ رَافِضِي المَسيح". فسوفَ نَقومُ بِتَشْخيصٍ رُوحِيٍّ نَنْظُرُ مِن خِلالِهِ إلى هذهِ الخَطايا المُحَدَّدَةِ الَّتي كانتِ السِّمَةَ المُمَيِّزَةَ لِجُهودِهِم. ولنبتدئ بخطيئةِ الكَراهِيَةِ في العدد 19. فقد كانَ هذا هُوَ الواقِعُ السَّائِدُ. فقد كانوا يُبْغِضونَ يَسوع.

العَدَد 19: "فَطَلَبَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ أَنْ يُلْقُوا الأَيَادِيَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ". فلو كانَ الأمرُ بيدِهم لقَتلوهُ في ذلكَ المكانِ وذلكَ الوقتِ حالًا. والنَّصُّ يَذْكُرُ الكَتَبَةَ والفَرِّيسيِّين. والكَتَبَةُ كانوا، كَما تَعلمونَ، العُلَماءَ، أيْ عُلَماءَ الشَّريعَةِ، أوِ اللاهوتِيِّين. أمَّا رُؤساءُ الكَهَنَةِ فكانوا الرُّتْبَةَ الأعْلى مِنَ الكَهَنَة.

والبَشيرُ مَتَّى يُدَوِّنُ الحادِثَةَ نَفسَها في إنجيل مَتَّى والأصْحاحِ الثاني والعِشرين. ومَرْقُسُ يُدَوِّنُها أيضًا في إنْجيل مَرْقُس والأصحاحِ الثاني عَشَر. لذلكَ فإنَّ لدينا ثَلاثَ رِواياتٍ مُختلفة لهذِهِ الحادِثَة تَتناغَمُ معًا بطريقةٍ رائعةٍ. وسوفَ أُشيرُ إلى تلكَ الرِّواياتِ أثناءَ دِراسَتِنا لهذا النَّصِّ. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 22: 15 أنَّ الفَرِّيسيِّينَ كانُوا حاضِرينَ أيضًا. لذلكَ فقد كانَ هناكَ رُؤساءُ الكَهَنَة، والكَتَبَة، والفَرِّيسيُّون. وفي هذا الوقتِ، كانَتْ كَراهِيَةُ رؤساءِ الكهنةِ والكَتَبةِ والفَريسيينَ قد بَلَغَتْ أَوْجَها. ويُخبِرُنا مَتَّى (ومَرْقُسُ أيضًا) أنهُ كانَت هناكَ مجموعةٌ أخرى وَهُمُ الهِيْرودُسِيُّون.

والهِيرودُسِيُّونَ هُمْ مجموعة أخرى. وَهُمْ حِزْبٌ سِياسِيٌّ يَتَألَّفُ مِنَ اليَهودِ المُوالينَ لهيرودُس. وَهُمْ جماعةٌ مَنبوذَةٌ في الحقيقية. فاليهودُ لم يكونوا يُحِبُّونَ الهيرودُسِيِّينَ بصورةٍ خاصَّة. وُهُمْ لم يكونوا يَهودًا بالمَعْنى الحَقيقيِّ، بل كانوا مِنَ الحَشْمونِيِّين. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فقد كانَ لهم نُفوذٌ كبيرٌ في أرضِ إسرائيل. ولم يَكُنْ هذا الأمْرُ مَقبولًا لَدى اليهودِ، ولا سِيَّما الفَريسيِّينَ والآخرينَ الذينَ كانُوا غَيورينَ على اليهوديَّة. ولكِنْ كانَتْ هناكَ فِئَةٌ ارْتَأتْ أنْ تَكونَ مُوالِيَةً للسُّلالةِ الهيرودُسِيَّة لأنَّهُمْ كانُوا أغنياءَ وأصْحابَ نُفوذٍ كَبير. وقد كانَ الفريسيُّونَ يَكْرَهونَ الهيروُدسِيِّينَ بصورةٍ خاصَّةٍ بسببِ انْخِراطِ الهيرودُسِيِّينَ في شُؤونِ السِّياسَةِ، ورَغبتِهِمْ في التَّقَرُّبِ مِنَ الفئةِ الحاكِمَةِ، وتَنازُلاتِهِمِ الكثيرةِ في سَبيلِ الحُصولِ على رِضَا رُوما. والحقيقةُ هي أنَّ الفَرِّيسيِّينَ كانُوا يَفعلونَ ذلكَ إلى حَدٍّ ما، ولكِنَّهُمْ لم يُقَدِّموا يومًا تَنازُلاتٍ كتلكَ الَّتي قَدَّمَها الهيرودُسِيُّون.

ولكِنْ مِنَ المُدهِشِ أنَّ الفَريسيِّينَ والهيرودُسِيِّينَ اتَّحَدُوا معًا مِنْ أجلِ التخلُّصِ مِن يسوع، وهُوَ أمرٌ ليسَ جَديدًا. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَرقُس 3: 6 عنْ أمْرٍ حَدَثَ قَبلَ وقتٍ طَويلٍ مِنْ هذهِ الحادثةِ، وتَحديدًا عندما ابتدأَ يسوعُ خِدمَتَهُ في الجليل. فنحنُ نَقرأُ: "فَخَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ لِلْوَقْتِ مَعَ الْهِيرُودُسِيِّينَ وَتَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ". لذلكَ فقدِ اتَّحَدَتْ هاتانِ المَجموعَتانِ لسنواتٍ طويلةٍ بِهَدَفِ التخلُّصِ حَرْفِيًّا مِنْ يَسوع.

لذلكَ فقدِ اتَّحَدَ الجميعُ على هذا الأمْر: الكَتَبَة، والفَريسيُّونَ، والكَهَنَة، والهيرودُسِيُّون. ولا شَكَّ أنَّ جُزْءًا مِنَ الكَهَنَةِ كانُوا مِنَ الصَدُّوقيِّينَ أيضًا. وقد كانَ الصَدُّوقيُّونَ رِجالَ دِيْنٍ مُتَحَرِّرين. أمَّا الفَريسيُّونَ فكانوا رِجالَ دِيْنٍ أُصولِيِّينَ أوْ مُتَشَدِّدين. وكانَ الهيرودُسِيُّونَ رِجالًا يَسْعَوْنَ وَراءَ أهدافٍ سِياسِيَّة. ولكنَّهُمْ جميعًا، بالإضافةِ إلى تلكَ المجموعةِ الَّتي كانَتْ تُعْرَفُ بالكَتَبَة، كانوا يَسْعونَ إلى غايةٍ واحِدَةٍ وهيَ التَّخَلُّصُ مِنْ يَسوع.

لذلكَ فنحنُ هُنا أمامَ النُّخْبَةِ اليَهودِيَّةِ في ذلكَ الوقت. ويُخبِرُنا مَتَّى أنَّهم كانُوا يَتآمَرونَ معًا. وقد كانَ هذا الاجتماعُ العالي المُستوى والمُتَعَدِّدُ الأطْرافِ قَدْ ضَمَّ جَميعَ العُقولِ النَّابِغَةِ لِهَدَفٍ واحِدٍ وَهُوَ التَّخَلُّصُ مِن يَسوع. فقد أرادُوا حقًّا أَنْ يُلْقُوا الأَيَادِيَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ. وهُمْ لم يَرغبوا في الانتظارِ ساعةً واحدةً أُخرى، بل أرادُوا أنْ يُلْقوا القَبْضَ عليهِ وأنْ يَقتُلوه. ولكنهم لم يَتَمَكَّنُوا مِنَ القيامِ بذلك.

لماذا؟ لأنَّهُمْ "خَافُوا الشَّعْبَ، لأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ قَالَ هذَا الْمَثَلَ عَلَيْهِمْ". فإنْ فَعَلوا أيَّ شَيءٍ مُشابِهٍ لما قالَ يَسوعُ إنَّهُمْ سيَفعلونَهُ، فإنَّهم سيؤكِّدونَ تلكَ النُّبوءةَ بأنفسهم ويَجلِبونَ غَضَبَ الشَّعبِ على رُؤوسِهم. لذلكَ، كانَ يَنبغي أنْ يَفعلوا ذلكَ بِحَذَرٍ شَديد. ويجب عليهم أنْ يَجِدوا طريقةً لِقَلْبِ الرَّأيِ العامِّ المُسَانِدِ ليسوعَ إلى رَأيْ عامٍّ مُعارِضٍ ليسوع، ولِجَعْلِ النَّاسِ الذينَ يُريدونَهُ ملكًا عليهم يُطالِبونَ بِموتِهِ. ولكَنْ كيفَ سيَفعلونَ ذلك؟

كانتْ هناكَ طريقة واحدة فقط. فقد كانتْ هناكَ سُلْطة واحدة يَحِقُّ لَها أنْ تُنَفِّذَ حُكْمَ الإعْدامِ في الأرْضِ وَهِيَ رُوْما. لذلكَ، كانَ يَنبغي لروما أنْ تَقْتُلَهُ في نِهايَةِ المَطاف. ولكنهم لم يكونوا بِحاجَةٍ إلى قَتْلِهِ لِتَحريضِ النَّاسِ عَليه. فقد كانَ يَكفي أنْ تُلقي رُوما القَبْضَ عليه. فقد كانوا جَميعًا مُناهِضينَ لِروما بِالمَعنى الحَقيقيِّ للكلمة. صَحيحٌ أنهم كانوا يَتَنازَلونَ عَنْ أُمورٍ كثيرةٍ أمامَ رُوما في سَبيلِ الاحتفاظِ بِنُفوذِهِم، ولكنَّهم كانوا يَكرهونَ جِدًّا كُلَّ ما هُوَ رُومانِيٌّ ويَعلمونَ أنَّ الشعبَ يَكرهُ كُلَّ شيءٍ رُومانِيٍّ. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فقد كانوا بحاجةٍ إلى مساعدةِ رُوما، ليسَ فقط لإعدامِ يَسوعَ، بل إنهم كانوا بحاجةٍ إلى رُوما للقبضِ عليهِ. وقد أرادوا أنْ يَتِمَّ ذلكَ بسرعة. ولكِنْ كيفَ سيفعَلونَ ذلك؟ لقد كانتْ رُوما مُتَشَدِّدَةً جِدًّا تُجاهَ جَريمَةٍ واحِدَة وَهِيَ الثَّوْرَة ... الثَّورة.

فقد كانَتْ رُوما فَخورَةً بحِفاظِها على السِّلْم. وكانَ الرُّومانُ فَخورينَ بِقُدرتهم على قَمْعِ الثَّوْرات. وقد كانُوا فَخورينَ بِإعْدامٍ الثَّائِرينَ والمُتَمَرِّدين. لذلكَ، كانَ ينبغي لقادةِ اليهودِ أنْ يُوْقِعُوا يَسوعَ في فَخِّ قَوْلِ أيِّ شيءٍ ضِدَّ رُوما لكي يَقومَ الهِيرودُسِيُّونَ بِتَبْليغِ السُّلُطاتِ الرومانيَّةِ عنهُ لأنهمْ كانوا على تَواصُلٍ دائِمٍ مَعَ الرُومان. وحينئذٍ سيقومُ الرُّومانُ بإعْدامِ هذا الثَّائِرِ بسُرعة كما فَعَلوا بالثُوَّارِ الآخَرين.

لذلكَ فقدِ اتَّحَدَ الفريسيُّونَ، والكَتَبَةُ، ورؤساءُ الكَهَنَةِ، والهِيرودُسِيُّونَ معًا. فقدِ اجتمعوا معًا للتَّخطيطِ والخُروجِ بطريقةٍ لتحقيقِ ذلكَ الهَدَف. وكُلُّ ما كانُوا بحاجةٍ إلى القيامِ بهِ هوَ جَعْلُ الرُّومانِ يُلْقونَ القبضَ عليهِ. فهذا يَكفي لِجَعْلِ الشَّعْبِ يَنْقَلِبونَ عليه.

لماذا؟ لأنَّ الشعبَ كانَ يُؤمِنُ بأنَّ العهدَ القديمَ وَعَدَ بأنَّ المسيَّا سيأتي لتأسيسِ المَلكوتِ. أليسَ كذلك؟ وهُمْ لم يكونوا مُخْطِئينَ في ذلك. ولكنهم كانوا يُؤمنونَ بأنَّ المسيَّا سيأتي لتأسيسِ عَرْشِهِ في أورُشَليمَ في إسرائيلَ، ولِتَحريرِ إسرائيلَ مِنْ هَيْمَنَةِ الأُمَمِ لكي تَصيرَ إسرائيلُ الأُمَّةَ المُهَيْمِنَة على العالمِ كُلِّهِ. وكانوا يَؤمنونَ أنَّ المسيَّا سيأتي لتأسيسِ مَمْلَكَةٍ تَكْسِرُ ظَهْرَ جَميعِ الأُمَمِ الوَثَنِيَّةِ، والمُجَدِّفَةِ، والعَابِدِةِ للأوثانِ، والطَّاغِيَةِ.

لذلكَ، كانَ يَنبغي لأيِّ شخصٍ يَدَّعي أنَّهُ المَسِيَّا، ولأيِّ شَخْصٍ يُريدُ للنَّاسِ أنْ يَقبلوهُ بِصِفَتِهِ المَسِيَّا، أنْ يَكونَ مُناهِضًا للأُمَمِ، ومُناهِضًا لِرُوما. لذلكَ، إذا تَمَكَّنوا مِنْ جَعْلِ يَسوعَ يَظْهَرُ بِمَظْهَرِ المُعادي لِرُوما، فإنَّ رُوما سَتتدَّخَلُ سَريعًا. وحالما يَظْهَرُ أنَّ رُوما أقوى مِنْ هذا الرَّجُلِ الَّذي يَدَّعي أنَّهُ المَسِيَّا، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يَغْلِبَ رُوما، فإنَّ الشَّعْبَ سَيَنْقَلِبُ عَليهِ لأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يكونَ المسيَّا. ولكِنْ كيفَ سيَفعلونَ ذلك؟ أيْ كَيْفَ سيَجعلونَ يَسوعَ يَظْهَرُ بمَظْهَرِ الثَّائِرِ الخَطير؟ لقد كانَ الرُّومانُ يَعلمونَ أنَّ ليسوعَ تأثيرٌ كبيرٌ على الشَّعْبِ. وقد كانُوا يَرَوْنَ ذلكَ بأعْيُنِهِمْ.

وكانَ بيلاطُسُ في أورُشَليمَ في ذلكَ الوقتِ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّهُ لم يكن حاضِرًا هناكَ دائمًا. فقد كانَ مَسْكَنُهُ الدَّائِمُ في قَصْرٍ آخَر. ولكنَّهُ كانَ هُناكَ بسببِ عيدِ الفِصْحِ إذْ إنَّ المدينةَ كانَتْ مُحْتَشِدَة بأعدادٍ هائلةٍ مِنَ الحُجَّاجِ. لذلكَ كانَ حاضرًا هناكَ مِنْ أجْلِ الحِفاظِ على كُلِّ شيءٍ تحتَ السَّيطرة. لذلكَ، كانوا يُخَطِّطونَ لِجَعْلِ الرُّومانِ يَقبضونَ على يَسوع. فهذا يَكْفي لإثباتِ أنَّهُ ليسَ المَسِيَّا. ولكِنْ كيفَ سيَجعلونَ رُوما تَقْبِضُ عليهِ؟ نَقرأُ في الجُزءِ الأخيرِ مِنَ العدد 20 أنَّهُمْ راحُوا يُخَطِّطونَ للإيقاعِ بِهِ "حَتَّى يُسَلِّمُوهُ إِلَى حُكْمِ الْوَالِي وَسُلْطَانِهِ". فقد كانَتْ تِلْكَ هِيَ الغايةُ الرَّئيسيَّة.

لذلكَ فإنَّ ما نَراهُ هُنا هُوَ غَضَبٌ ناجِمٌ عَنْ عَجْزِهِمْ. فقد كانوا يُبْغِضونَهُ كثيرًا. وكانَتْ كَراهِيَّتُهُمْ لهُ قد بَلَغَتْ ذُرْوَتَها. فقد أرادوهُ مَيْتًا، ولكِنْ كانَ يَنبغي لهم أنْ يُحافِظوا على مَناصِبِهِمْ لأنَّهُمْ كانُوا يَخافونَ الشَّعبَ. وهذا يَصِفُ كَراهِيَّتَهُمْ وَخَطيئةً أُخرى وَهِيَ كِبْرِياءَهُمْ ... كِبْرِياءَهُمْ. فنحنُ نَقرأُ في العدد 19: "وَلكِنَّهُمْ خَافُوا الشَّعْبَ، لأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ قَالَ هذَا الْمَثَلَ عَلَيْهِمْ". أيْ أنَّهُمْ الأشخاصُ الذينَ قالَ عنهم إنَّهُمْ سيَقتلونَ ابْنَ اللهِ. لذلكَ فقد خافوا الشَّعْبَ.

وما المَقصودُ بأنَّهُمْ "خافُوا الشَّعْبَ"؟ لقد خافوا أنْ يَخْسَروا احْتِرامَ الشَّعْبِ وثِقَتَهُ بِهِمْ. فقد كانوا يَسْتَمِدُّونَ الشَّعبيَّةَ، والقَبولَ، والرِّفْعَةَ، والكَرامَةَ، والاحترامَ مِنَ الشَّعْبِ. وقد كانوا يَتَغَذَّوْنَ على ذلك. والحقيقةُ هي أنَّ ذلكَ كانَ ضَرورِيًّا لإشْباعِ بِرِّهِمِ الذَّاتِيِّ. فقد كانوا يُحِبُّونَ أنْ يَجْذِبوا الانتباهَ لأنفسِهِم. وقد كانوا يُحِبُّونَ أنْ يَرْتَدوا ملابِسَ مُعَيَّنة، وأن يَتصرَّفوا بطريقةٍ مُعيَّنة، وأنْ يَسْلُكوا بطريقة مُعيَّنة لِجَذْبِ أنْظارِ الناسِ إليهم، وللظُّهورِ بِمَظْهَرِ الأشخاصِ الأتْقياءِ، والقِدِّيسيَن، والمُرْتَفِعينَ، والأبرار. وقد كانوا يُحِبُّونَ المَجالِسَ الأولى في الولائِمِ، كما قالَ يَسوعُ في إنْجيل مَتَّى 23. وقد كانوا يُحِبُّونَ أنْ يَدعوهُمُ النَّاسُ بالآباءِ والمُعَلِّمينَ والسَّادة. وكانُوا بِحاجَةٍ إلى النَّاسِ على غِرارِ جَميعِ القادةِ الدينيِّينَ الزَّائِفين.

وقد كانُوا يَستمدُّونَ كُلَّ كَرامَتِهِمْ، وكُلَّ تَقديرِهم، وكُلَّ مَكانَتِهِمْ، وكُلَّ شُهْرَتِهِمْ مِنَ النَّاسِ. وكان الناسُ حتَّى هذهِ اللَّحظةِ يَشْعُرونَ بِالحَماسِ بسببِ دُخولِ يَسوعَ الظَّافِرِ إلى أورُشَليم لأنَّهم كانُوا يَرْجُونَ أنْ يَكونَ المَسِيَّا. ونقرأ في إنجيل مَتَّى 21: 46 أنَّ هؤلاءِ القادة "خَافُوا مِنَ الْجُمُوعِ لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلَ نَبِيٍّ". فقد كانَ في نَظَرِهِمْ نَبِيًّا على أقَلِّ تَقدير. لذلكَ فقد خافوا أنْ يَفعلوا شيئًا ضِدَّ إرادةِ الشَّعْبِ لأنهم كانوا بحاجةٍ إلى الشَّعْب.

وبالمناسبة، فإنَّ كلماتِ العهدِ الجديدِ وكلماتِ الرَّبِّ نفسِهِ في إنجيل مَتَّى 23 تُرينا أنَّ هؤلاءِ القادة لم يكونوا يُحِبُّونَ الشعبَ ... لم يكونوا يُحِبُّونَ الشعبَ. والحقيقةُ هي أنهم كانوا يَستغلُّونَ الشعبَ ويُسيئونَ إلى الشَّعْبِ. فقد كانوا يَضَعونَ عليهِ أَحْمَالًا ثقيلةً، ويَفْرِضونَ عليهِ نَواميسَ ثَقيلَة، ولم يكونوا يَرفعونَ إصْبَعًا لمساعدتهم على حَمْلِ تلكَ الأحْمال. وقد قالَ يَسوعُ إنهم كانوا يَضعونَ على الشعبِ نِيْرًا لا يمكنُ لأحدٍ أنْ يَحمِلَهُ. وقد كانوا يَسُودونَ على الشَّعْبِ بواسِطَةِ التَّرهيبِ والتَّرويع – وهيَ الطريقةُ الَّتي يَتَّبِعُها ويَستخدِمُها جميعُ القادةِ الدينيِّينَ الزائفين. فقد كانوا يَزْرَعونَ الرُّعْبَ في قُلوبِ الشعبَ قائلينَ لهم إنهم إنْ لم يُطيعوهُمْ ويَفعلوا ما يَقولونَهُ لَهُمْ فإنَّهم سَيَذهبونَ إلى جَهَنَّم ويَخسَرونَ ملكوتَ اللهِ. لذلكَ فَهُمْ لم يكونوا يَفعلونَ أيَّ شيءٍ لأجْلِ الشعب. بل إنهم صَنَعوا مِنْهُمْ أبناء لِجَهَنَّمَ وجَعَلوهُمْ في حَالٍ أسْوَأَ مِنْ ذِيْ قَبْل بسببِ عَقائِدِهم الخاطِئَة.

وَقد كانوا يَحْتَقِرونَ الشَّعبَ، ويَسْتَخِفُّونَ بِهِمْ، ويَظُنُّونَ أنَّهم أقَلُّ مِنهم شَأنًا. ولم يكونوا يَدعونَهُمْ إلى بُيوتِهِمْ، ولا إلى الغَداءِ، ولا إلى العَشاءِ، ولا إلى وَلائِمِهِمْ. ولم يكونوا يَحْتَكُّونَ بِهِمْ. ولم يكونوا يَسْعَوْنَ إلى إرْضاءِ اللهِ، ولا إلى إرْضاءِ الشَّعْبِ أيضًا. بل كانُوا يَسْعَوْنَ إلى إرضاءِ أنفُسِهم، وإلى إشْباعِ نُفوسِهِم المُتَكَبِّرَةِ على حِسابِ أولئكَ النَّاسِ الَّذينَ كانُوا يُرْعِبونَهُمْ وَيُسيئونَ مُعامَلَتَهُمْ. وقد كانوا يَعرفونَ أنَّهُ إنْ تَمَّ اعتقالُ يَسوعَ بأيدي الرُّومان، فإنَّ رَجاءَ الشَّعْبِ فيهِ سيَتَحَطَّمْ، وأنهم سيتمكَّنونَ مِنَ التخلُّصِ مِنْهُ وَمِنْ ضَمانِ اسْتِمْرارِ مَكانَتِهِمْ.

لذلكَ فقد كانوا مَملوئينَ كَراهِيَةً ومَملوئينَ كِبرياءً. وقد كانُوا مُضْطَرِّينَ لإيجادِ طريقةٍ أخرى لأنهم لم يتمكَّنوا مِنْ مُجَرَّدِ إلْقاءِ الأيادي عليهِ (أيْ مِنَ القَبْضِ عليهِ وَأخْذِهِ بَعيدًا عَنِ الأعْيُنِ إمَّا لِقَتْلِهِ أوْ لِجَعْلِ الرُّومانِ يَقتُلونَهُ) إلَّا إذا كانَ هُناكَ سَبَبٌ. فإنْ فَعلوا ذلكَ دونَ سَبَبٍ ظاهِرٍ أمامَ الشَّعْبِ، فإنَّ الشعبَ سيَنْقَلِبُ عليهم. لذلكَ فقد فَكَّروا في طَريقَةٍ لِتَحْريضِ النَّاسِ عَليهِ.

وقد قادَهُمْ ذلكَ إلى خَطيئةٍ ثالثةٍ في عُقْدَةِ الخَطيئَةِ هَذِهِ وَهِيَ: الرِّياء. فقد عَقَدُوا العَزْمَ على لَعِبِ هَذِهِ اللُّعْبَة، وَهِيَ لُعْبَةٌ كانُوا مُعتادينَ جِدًّا عليها ألا وَهِيَ الرِّياء. فجميعُ القادةِ الدينيِّينَ الزَّائِفينَ مُرائين ... آنَذاكَ، والآنَ، ودائمًا. وَهُمْ بارِعونَ في التَّنَكُّرِ. لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ في العدد 20 أنَّهُمْ "رَاقَبوه". فقد قاموا بِمُلاحَقَتِهِ وَمُراقَبَتِهِ. ولكِنْ ما الَّذي كانُوا يَبْحَثونَ عنهُ؟

"وَأَرْسَلُوا جَوَاسِيسَ يَتَرَاءَوْنَ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ لِكَيْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ، حَتَّى يُسَلِّمُوهُ إِلَى حُكْمِ الْوَالِي وَسُلْطَانِهِ. فقد كانتِ الخُطَّةُ بِرُمَّتِها تَرْمي إلى الإيقاعِ بِهِ بِيَدِ بيلاطُسَ، وَهُوَ الوَالي الرومانِيُّ المُعَيَّنُ مِنْ قِبَلِ القَيْصَرِ. وكانَتْ مُهِمَّتُهُ تَقضي بِمَنْعِ أيِّ مَشاكِلَ في إسرائيل، وبالتَّصَدِّي لأيِّ مُتَمَرِّدٍ أو ثائِرٍ. لذلكَ فقد كانوا يَرْمُونَ إلى الإيقاعِ بِهِ بِيَدِ الوَالي.

ومِنْ أجْلِ الإيقاعِ بِهِ بيدِ الوالي، كانَ يَنبغي أنْ يُمْسِكوهُ بِكَلِمَةٍ تَجْعَلُ الرُّومانَ يَرغبونَ في اعتقالِهِ وإعْدامِه. ولكي يُمْسِكوهُ بِكَلِمَةٍ مِنْ هذا النَّوع، كانَ يَنبغي أنْ يُمْسِكوهُ في اللَّحْظَةِ المُناسِبَةِ. لذلكَ راحوا يُراقِبونَهُ وأرْسَلوا جَواسيسَ يَتَظاهَرونَ بأنَّهُمْ باحِثونَ حَقيقيُّونَ عنِ الحَقِّ.

وبالمُناسبةِ، فإنَّ مَتَّى يَقولُ إنَّ الجواسيسَ كانوا مِنْ تَلاميذِ الفَريسيِّينَ مَعَ الهِيروُدِسِّينَ لأنَّ الهيرودُسِيِّينَ كانوا على اتِّصالٍ مُباشِرٍ بِالرُّومان. لذلكَ فقدِ اشتركوا جميعًا في المؤامرةِ. وقد كانتِ الفِكرةُ هيَ أنْ يُمْسِكوا عليهِ شَيئًا فيُسارِعُ الهِيرودُسِيُّونَ إلى الرُّومانِ. وحيثُ إنَّ الهيرودُسِيِّينَ لا يَملكونَ أهدافًا دينيَّةً في المقامِ الأوَّلِ، بل أهدافًا سياسيَّةً، فإنَّ رِوايَتَهُمْ سَتَلْقى قَبولًا إذا قيلَتْ بِواسِطَةِ الهيرودُسِيِّين.

أمَّا العبارةُ الصَّغيرةُ الَّتي تَقولُ إنهم راحُوا "يَتَرَاءَوْنَ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ" فهيَ عِبارةٌ شائعةٌ كانتْ تُستخدَمُ آنذاكَ للإشارةِ إلى الديانةِ الباطلةِ – كَما هِيَ الحالُ دائمًا. فقد تَظاهَروا بأنَّهُمْ أبرار. ولكنَّ ما أرادوهُ حَقًّا هُوَ أنْ يُوْقِعُوا بِهِ، وأنْ يُمْسِكوا عليهِ كَلِمَةً تُعَرِّضُهُ للاعتقالِ والأسْرِ مِنْ قِبَلِ السُّلُطاتِ الرومانيَّةِ، وتُعَرِّضُهُ للإعدامِ بِوَصْفِهِ قائِدًا لِتَمَرُّدٍ مَا، وثائِرًا.

وكما ذَكَرْتُ، فإنَّ بيلاطُسَ كانَ هُناك. وقد كانوا يُخَطِّطونَ لِجَعْلِ بيلاطُسَ يَحْكُمُ على يَسوعَ بالإعدام. ولكِنِ اسْمَعوا هذا: هُمْ لم يَكونوا مُضْطَرِّينَ لِقَتْلِ يسوعَ مِنْ أجْلِ تَحريضِ الشَّعْبِ عليهِ. ولكنهم أرادوا أنْ يَقتلوه، وسوفَ يُحَقِّقونَ أُمْنِيَتَهُمْ. فَكُلُّ ما كانوا بحاجةٍ إليهِ هُوَ أنْ يَتِمَّ اعتِقالُهُ. فهذا هُوَ كُلُّ ما في الأمْر. فقد كانَ اليهودُ والشَّعْبُ والنَّاسُ يَتوقَّعونَ أنْ يأتي المسيَّا لِدَحرِ الأُمَمِ الطُّغاة، ولتأسيسِ المملكةِ الَّتي وَعَدَ بها الأنبياءُ، ولتحريرِ إسرائيلَ مِنَ الأُمَمِ، ولِجَعْلِ إسرائيلَ فوقَ جَميعِ الأُمَم.

فقد كانَ ينبغي لأيِّ شخصٍ يَدَّعي أنهُ المسيَّا أنْ يَكونَ مُستعدًّا للتَّصَدِّي للأُمَم. وكانَ ينبغي لأيِّ شخصٍ يَدَّعي أنهُ المسيَّا أنْ يَنْظُرَ إلى رُوما بِوَصْفِها أُمَّةً غيرَ مَرْغوبِ فيها، وشِرِّيرَةً، ووثنيَّةً، ومُجَدِّفَةً، وَدَخيلَةً، وغاصِبَةً. لذلكَ، كانَ يَنبغي للمسيَّا أنْ يكونَ ثائِرًا بِطَبيعَتِهِ. وكانَ يَنبغي أنْ يأتي لتأسيسِ مَمْلَكَةٍ، ولتحريرهم مِنْ نُفوذِ الأُمَمِ، ولوضعِ حَدٍّ لعبادةِ الأوثانِ، ولتأسيسِ ملكوتِ اللهِ.

وهذا صَحيحٌ. فقد قالَ الأنبياءُ هَذا كُلَّهُ. وفي المَرَّةِ الثانيةِ الَّتي سيأتي بِها، سَيَفعلُ ذلك. وقد تَحدَّثَ الأنبياءُ أيضًا عنْ حَقيقةِ أنهُ سيأتي ويكونُ ذبيحةً عَنِ الخطيَّةِ في مَجيئِهِ الأوَّل. ولكنَّهمْ كانوا يَنظرونَ فقط إلى النهاية. وكانَ اليهودُ جميعًا يُرَدِّدونَ بصوتٍ واحدٍ أنَّ المسيَّا سيأتي ويُهْلِكُ الأُمَمَ المُجَدِّفَةَ الَّتي تُهَيْمِنُ على هذهِ الأرْضِ، وأنَّهُ سيُقيمُ ثانِيَةً حُكْمَ اللهِ ومَملكةَ اللهِ هُنا. وقد كانَ القادةُ الدينيُّونَ يَعلَمونَ أنَّ الشعبَ يُريدُ ذلك. وقدِ افتَرَضوا أنَّ يسوعَ سَيُرْغَمُ على المُوافقةِ على ذلك. فإنْ أرادَ يَسوعُ أنْ يَستمرَّ في الحصولِ على استِحْسانِ الناسِ بِوَصْفِهِ المسيَّا، يجبُ عليهِ أنْ يُوافِقَ على ذلك.

والحقيقةُ هي أنَّهم لم يكونوا يُصَدِّقونَ أنَّ يسوعَ هوَ المسيَّا. بل إنهم كانوا على ثِقَةٍ تامَّةٍ بأنهُ ليسَ المسيَّا. فقد كانوا يَظُنُّونَ أنهُ مُجَرَّدُ شخصٍ يُحاوِلُ أنْ يُقْنِعَ الناسَ بأنهُ المسيَّا. ولكي يَسْتَمِرَّ في هذهِ اللُّعْبَةِ، يجبُ عليهِ أنْ يَقْبَلَ الرَّأيَ العامَّ بضرورةِ إلْحاقِ الهَزيمَةِ برُوْما. لذلكَ فقد كانَ كُلُّ ما يَنبغي لهم أنْ يَفعلوهُ هوَ أنْ يُرْغِموهُ على قَوْلِ ذلك. وما إنْ يَقْبُضَ الرُّومانُ عليهِ ويَتَبَيَّنُ للناسِ أنَّ روما أقوى مِنْهُ، وأنهُ ليسَ أقوى مِنْ رُوما، فإنَّ الناسَ سيَرْتَدُّونَ عنهُ حالًا. وسوفَ يَنتهي الأمْرُ وَيَقْتُلُهُ الرُّومان.

لذلكَ فقد كانوا يَبحثونَ عنْ فُرْصَتِهِمِ الثَّمينَةِ. وقد قادَهُمْ ذلكَ إلى خَطيئَتِهِمِ الرابعةِ وهيَ: "التَّمَلُّق". وأخيرًا وَجدوا فُرصَتَهُمْ إذْ نَقرأُ في العدد 21: "فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ" ... ولاحِظُوا كيفَ حاوَلوا أنْ يُوْقِعوا بِهِ مِنْ خِلالِ التَّمَلُّقِ: "يَا مُعَلِّمُ". وقد كانت تلكَ الكلمة تُستخدَمُ فقط لكِبارِ مُعَلِّمي اليهود. لذلكَ فقد حاولوا أنْ يَرفَعُوا مِنْ شَأنِهِ. ولا شَكَّ أنَّ قِيامَهُمْ بِذلكَ كانُ مُؤلِمًا بالنسبةِ إليهم. فقد كانوا يُبغِضونَهُ. ولكنَّهُم قالوا ما ظَنُّوا أنَّهُمْ بِحاجة إلى قَوْلِهِ.

وهناكَ سَبَبانِ لِتَحَدُّثِهِمْ بتلكَ الطريقة: السَّببُ الأوَّلُ هوَ أنْ يَرْفَعوا شَأنَ يَسوعَ في عَيْنَيِ نَفْسِهِ لكي يَشْعُرَ بالكِبرياءِ ويَتصرَّفَ بطريقةٍ تتوافَقُ معَ ما قالوه. والسَّببُ الثاني هو أنهم أرادوا أنْ يُظْهِروا أنَّهم يَتَّفِقونَ معَ الشَّعْبِ لأنَّ هذا هوَ رَأيُ الشَّعْبِ فيه. "يا مُعَلِّم". فقد كانَ الشعبُ يَرى أنَّهُ مُعَلِّم، بل مُعَلِّمٌ بارِزٌ. لذلكَ فقد قالوا لهُ: "نَعْلَمُ أَنَّكَ بِالاسْتِقَامَةِ تَتَكَلَّمُ وَتُعَلِّمُ". فقد كانَ ذلكَ الرَّأيَ الشَّائِع. ويمكننا هُنا أنْ نَسْمَعَ رأيَ النَّاسِ فيهِ هُنا. فَهُمْ يُخْبِرونا عَنِ الحِكمةِ المَعهودَةِ، وعَنْ آراءِ النَّاسِ. "نَعْلَمُ أَنَّكَ بِالاسْتِقَامَةِ تَتَكَلَّمُ وَتُعَلِّمُ، وَلاَ تَقْبَلُ الْوُجُوهَ، بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ".

وقد كانَ هَذا التَّصَرُّفُ تَمَلُّقًا صِرْفًا. وكانَ هَدَفُهُمْ هوَ التَّخَلُّصُ مِنْه. وهذا صَحيحٌ أيضًا. أليسَ كذلك؟ فكُلُّ ما قالوهُ صَحيح. فَهُوَ مُعَلِّمٌ. وَهُوَ يَتَكَلَّمُ ويُعَلِّمُ بالاستقامة. وَهُوَ لا يُحابي بينَ النَّاسِ. وَهُوَ يُعَلِّمُ طَريقَ اللهِ بالحَقِّ ولا شَيءَ غيرَ الحَقِّ. فهذا صَحيحٌ. وقد كانتْ هذهِ أيضًا الطَّريقةُ الَّتي يَنْظُرُ فيها الناسِ إليه. فأنْتَ تتكلَّمُ وتُعَلِّمُ بالاستقامة. والكلمةُ اليونانيَّةُ المُستخدمةُ هُنا هي "أورثوس" (orthos) ... "أورثوس". وقد ذَكَرْتُ هذهِ الكلمةَ لأنَّها الكلمةُ الَّتي اشْتُقَّتْ منها الكلمة "أورثوبيديك" (orthopedic) والَّتي تَعني: "تَجْبير" أو "تَقويم". فَهِيَ تَعني ببساطة: "مُسْتَقيم" أو "قويم". ولدينا أيضًا الكلمة "أورثودُكس" (orthodox) والتي هي مُشتقَّة مِن كلمتَيْن: "أورثوس" (orthos) و "دوكسولوجي" (doxology) أو "دوكسا" (doxa) والتي تَعني: "إعطاءُ الكَرامَةِ الصحيحةِ لله". لذلكَ فقد قالوا له: أنْتَ تتكلَّمُ بالاستقامةِ والحَقِّ. وأنْتَ لا تُحابي أحَدًا.

ولكنَّ النَّصَّ في إنجيل مَتَّى مُختلفٌ قليلًا إذْ يَقولُ حَرفيًّا كَما جاءَ في اللغةِ اليونانيَّةِ: "لأَنَّكَ لاَ تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ". بعبارة أخرى، أنتَ لا تُعَدِّلُ رِسالتَكَ بحسبِ الرُّدودِ الَّتي تَحصُلُ عليها أوْ بحسبَ الأشخاصِ الذينَ تُكَلِّمُهُم. أوْ أنْتَ لا تَتلاعَبُ بالكلماتِ وَفْقًا لآراءِ النَّاسِ أوِ العَواقِبِ.

وقَدْ كانَ هذا كُلُّهُ صحيحًا تمامًا. ولكنَّهم لم يكونوا يُصَدِّقونَ ذلك. بل كانَ ذلكَ هوَ الرَّأيُ العامُّ، وَهُوَ الحقيقةُ أيضًا. ثُمَّ وَصَلوا إلى النقطةِ الرئيسيَّة لديهم: "بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ" ... "بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ". لقد كانوا حَاقِدينَ مُنافِقينَ ومُتَكَبِّرينَ لأنَّ كُلَّ ما أرادوهُ هوَ أنْ يَتَمَلَّقوا يَسوعَ، وأنْ يَجْعَلوهُ مَغرورًا لكي يُرْغِموهُ على فِعْلِ شيءٍ يَتوافَقُ معَ الطريقةِ الَّتي صَوَّروهُ فيها عَلَنًا أمامَ النَّاسِ دونَ أنْ يَفْقِدَ اعْتِبارَهُ، ودونَ أنْ يَخْسَرَ سُمْعَتَهُ الَّتي صَوَّروهُ بِها.

فبعدَ أنْ تَمَلَّقوهُ عَلَنًا وَنَفَخوهُ أمامَ النَّاسِ، لن يَرْغَبَ في مُناقَضَةِ كُلِّ ذلكَ المَديح. لذلكَ فقد وَضَعوهُ في موقفٍ صَعْبٍ لكي يُرْغِموهُ على تَقديمِ جَوابٍ صَريحٍ ... عَلى جَوابٍ صَريحٍ يَعتقدونَ أنهُ يُوافِقُ اللهَ. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ هذا الجوابَ الصَّريحَ هوَ نَفْسُ الجَوابِ الَّذي سيقولُهُ الناسُ جميعًا. لذلكَ، إنْ أرادَ أنْ يَكْسَبَ الشَّعْبَ، يجبُ عليهِ أنْ يَقولَ ذلكَ أيضًا.

وإلى جانبٍ خَطيئةِ الرِّياءِ والتَّمَلُّقِ، كانَتْ هُناكَ خَطيئةُ الخِداعِ أيضًا. وَهِيَ الخطيئةُ الخامسةُ في العدد 22. وهُنا يأتي السُّؤال. وأنا أتساءَلُ عنِ الوقتِ الَّذي صَرَفوهُ في التَّفكيرِ في هذا السُّؤال. فَهُوَ سُؤالٌ ذَكِيٌّ مِنْ وُجهةِ نَظَرِهِم. وهُوَ أفْضَلُ سُؤالٍ تَمَكَّنُوا مِنْ صِياغَتِهِ: "أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيَةً لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟"

ويَنبغي أنْ تتذكَّروا أنهم جاءوا يَتَظاهرونَ بأنَّهُم أبرار (في العدد 20). ولكِنَّ لوقا يَقولُ في العدد 23 إنَّهُ "شَعَرَ بِمَكْرِهِمْ". لذلكَ فإنَّنا نَأتي إلى الخطيئةِ الخامسةِ وهيَ الخِداع ... الخِداع. فقد أرادوا مِنْهُ أنْ يَقولَ شيئًا مُعادِيًا لروما. وكانوا سَيُبْلِغونَ عَنْهُ، ويَتَسَبَّبونَ في اعتِقالِهِ لِعِلْمِهِمْ أنَّ الرُّومانَ سيُعدِمونَهُ بسببِ وُجودِ أتْباعٍ كَثيرينَ لَهُ.

وقد كانَ أعظَمُ شَرَفٍ يُمكنُكَ أنْ تَمْنَحَهُ لأيِّ مُعَلِّمٍ مُحتَرَمٍ هوَ أنْ تَطْرَحَ عليهِ سُؤالًا. فقد كانَ أعظَمُ شَرَفٍ هُوَ أنْ تَطْرَحَ سُؤالًا، بل رُبَّما سؤالًا صَعبًا، ولا سِيَّما سؤالًا عَنْ شَريعَةِ اللهِ. وقد كانَ هذا السُّؤالُ مِن هذا النَّوعِ. "أيَجوزُ لَنا؟" – لا مِنْ جِهَةِ القانونِ الرومانيِّ، بل أَيَجوزُ لنا مِنْ جِهَةِ شَريعَةِ اللهِ؟ "أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيَةً لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟"

ففي أذهانِهم، كانَ هناكَ جَوابٌ كِتابِيٌّ واحدٌ فقط وَهُوَ "لا". وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ الناسَ سيقولونَ "لا! نحنُ مُرْغَمونَ على دَفْعِ الجِزيةِ لقيصَر. ولكِنْ لا يَجوزُ لنا أنْ نَدفعَ الجِزيةَ عنِ المَحاصيلِ، والزيوتِ، ونِتاجِ الكَرْمَةِ، والأرْضِ، والدَّخْلِ الَّذي يُعْطينا اللهُ إيَّاهُ في أرْضِهِ، في هذهِ الأرْضِ. فَكُلُّ ما تُنْتِجُهُ الأرْضُ هُوَ للهِ. ولا يجوزُ لنا أنْ نُعطي هذا للعَدُوِّ الأُمَمِيِّ الوَثَنِيِّ المُحْتَلِّ الَّذي يَقْهَرُ شعبَ اللهِ ولا حَقَّ لَهُ في أرْضِ اللهِ". فقد كانَ الناسُ سيقومونَ ويقولونَ بصوتٍ واحِدٍ: "لا! هذا لا يَجوز، ولكنَّنا نَدْفَعُها رَغْمًا عَنَّا".

وبالمناسبة، كانَ اليهودُ يَكْرَهونَ أنْ يَدْفَعُوا الضَّرائبَ لِروما، لا فقط لأنهم كانوا يَكرهونَ التَّخَلِّي عنْ ذلكَ المال، بل أيضًا لأنهم كانوا يَكرهونَ أنْ يُعطوا المالَ للمُحْتَلِّينَ الوَثَنِيِّينَ الذينَ يَعبُدونَ الأصنامَ. والكلمة "جِزْيَة" هُنا تَرِدُ بصيغَةِ الجَمْعِ، وهِيَ مُجَرَّدُ كلمةٍ عامَّةٍ "فوروس" (phoros) تَعني: "ضَريبَة". وقد كانَتْ هناكَ ضَرائِبُ كثيرة. فقد كانتْ هناكَ ضَريبةٌ على الأرْضِ (وَهِيَ عُشْرُ المَحْصولِ، وخُمْسُ الزَّيْتِ والخَمْرِ)، وضَريبَةٌ على الاستيرادِ. فقد كانَتْ كُلُّ المَوانِئِ والحُدودِ وبُوَّاباتِ المُدُنِ تَخْضَعُ للضَّرائِبِ عندَ مُرورِ السِّلَعِ مِنْها.

وكانَتْ هُناكَ ضَريبَةٌ على الدَّخْلِ تُقَدَّرُ بِواحِدٍ بالمِئَة مِنَ الأجْرِ. وكانتْ هُناكَ ضَريبَةٌ تُسَمَّى ضَريبَةُ الرُّؤوس ... ضَريبةُ الرُّؤوس. وكانَ الجَميعُ يَدْفَعُها. وكانَتْ قيمةُ هذهِ الضَّريبةِ دينارًا واحدًا في السَّنة. وبالمُناسبة، فإنَّ ضَريبةَ الرُّؤوسِ هَذِهِ هيَ الضَّريبةُ الَّتي ذَهَبَ يوسُفُ ومَرْيَمَ لِدَفْعِها في بيتِ لَحْمٍ، وحينئذٍ وُلِدَ يَسوع. ويَستخدِمُ مَتَّى الكلمة "جِزْيَة" في الحقيقة، وَهِيَ الكلمة "كينسَس" (kensos) الَّتي اشْتُقَّتْ مِنْها الكلمة "سِنْسَس" (census) أيْ: "إحْصاءُ السُّكَّان". وقد كانوا يَكرهونَ دَفْعَ الضرائبِ لروما لأنَّ الرُّومانَ كانوا شَعبًا مُجَدِّفًا، ووثنيًّا، ولا يَعرِفونَ اللهَ.

ويُطْلِعُنا المؤرِّخُ "يوسيفوس" على بعضِ المعلوماتِ التاريخيَّةِ المُدْهِشَةِ عنِ الفترةِ الَّتي سَبَقَتْ وِلادَةَ يَسوع. فقد جاءَ رَجُلٌ يُدعى "يهوذا الجَليليّ" وَقادَ ثَوْرَةً ضِدَّ الرُّومانِ. وقد قادَ هذا العِصْيانَ ضِدَّ الرُّومانِ على أساسِ أنهُ لا يَجوزُ لهم أنْ يَدفعوا الجِزْيَة. وقد كانَ يَقولُ: "إنَّ اللهَ هُوَ رَبُّنا وَحاكِمُنا الوَحيد". وقد ثارَ على دَفْعِ ضَريبَةِ الإحْصاءِ وأيِّ ضَريبةٍ أُخرى على أساسِ أنَّ تلكَ الضَّرائبِ كانَتْ تُستَخدَمُ لتَمويلِ المُمارَساتِ الوَثَنِيَّةِ وعِبادَةِ الأصْنامِ.

ولكنَّهُمْ قَتَلوه. لقد قَتَلوه. وقد تَشَتَّتَ جَميعُ أتْباعِ ثَوْرَتِهِ في كُلِّ مَكانٍ. ولكِنَّ الحَماسَ الَّذي أَلْهَبَهُ يَهوذا ظَلَّ موجودًا ومُشْتَعِلًا في صُدورِ الشَّعْبِ. وقد كانُوا جَميعًا يَتذكَّرونَ ذلكَ بالرَّغْمِ مِنْ مُرورِ أكثرِ مِنْ ثلاثينَ سَنَة على ذلك. وقد كانَ ذلكَ الأمْرُ جُزْءًا مِنْ تاريخِهِمْ المَعروفِ إذْ كانُوا يَقولونَ بَعْضُهُمْ لبعضٍ: "أتَذْكُرونَ عندما حاوَلَ يَهوذا أنْ يُخَلِّصَنا مِنْ دَفْعِ تلكَ الضَّرائِبِ؟" ويَقولُ المؤرِّخُ يوسيفوس إنَّهُ في سَنة 66 ميلاديَّة، عندما ابتدأتِ الثَّورةُ الكُبرى (وهي ثورة انْتَهَتْ في سَنَةِ 70 ميلاديَّة بِهُجومِ الرُّومانِ وتَدميرِ أورُشَليمَ وَذَبْحِ الشَّعْبِ)، يَقولُ إنَّ تلكَ الثَّورةَ الَّتي حَدَثَتْ في سنةِ 66 ميلاديَّة (أيْ بعدَ اثْنَتَيْنِ وسَبعينَ سَنَةً بَعْدَ يَهوذا) قدِ اشْتَعَلَتْ للسَّبَبِ نَفْسِهِ، أيْ بسببِ عَدَمِ الرِّضا عَنْ دَفْعِ الضَّرائِب.

لذلكَ فقد كانتْ تلكَ القَناعَةُ راسِخَةً في قُلوبِ الشَّعْبِ لأنَّ الواقِعَ اليوميَّ المُعاشَ كانَ تَذْكارًا دائمًا لَهُمْ بواقِعِ الاحتلالِ الرومانِيِّ والوَثَنِيَّةِ الرومانِيَّةِ. وقد كانَ اليَهودُ يَرَوْنَ حَقًّا أنَّ دَفْعَ الضَّرائبِ لروما هِيَ خِيانَةٌ للهِ لأنَّهُ المَلِكُ الحَقيقيٌّ الوَحيدُ لإسرائيل.

وقد كانَ القادةُ واثِقينَ أنَّ يسوعَ سَيُضْطَرُّ إلى قَوْلِ ما يَقولُهُ الشَّعْبُ عندما يَسألوه "أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيَةً لِقَيْصَر؟" وقد قالوا لهُ للتَّوِّ إنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ إلَّا بالحَقِّ الإلَهِيِّ، وإنهُ لا يَتكلَّمُ إلَّا بالاستقامَةِ والصِّدْقِ، وإنَّهُ لا يُبالي بالعَواقِبِ. لذلكَ فقد ظَنُّوا أنَّهُمْ حَصَروهُ في الزَّاوِيَةِ. وحالَما يَقولُ ما يَنْبَغي أنْ يَقولَ (أيْ عِنْدَما يَقولُ: "لا! لا يَجوزُ أنْ تَفْعَلوا ذلكَ لأنَّهُ مُنافٍ لِشَريعَةِ اللهِ")، فإنهم سَيُرْسِلونَ الهيرودُسِيِّينَ إلى الرُّومان. وعندما يأتي الرُّومانُ وَيَرَوْنَ الحُشودَ، سيَعْتَقِدونَ أنَّهُ يُنادي بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الأفْكارِ، وَأنَّ ثَوْرَةً أُخرى على وَشْكِ الانْدِلاعِ. وحينئذٍ فإنَّهُم سيَعتَقِلونَهُ. وحالَ اعْتِقالِهِمْ لهُ فإنَّ الجَميعَ سيَعلمونَ أنهُ ليسَ المَسِيَّا لأنهُ الآنَ، دُوْنَ شَكٍّ، ضَحِيَّة هؤلاءِ الأُمَمِ أنْفُسِهِمْ. لذلكَ فقد وَضَعوهُ في ذلكَ الموقِفِ.

ولكنَّهُ شَعَرَ بِمَكْرِهِمْ. ومَتَّى يَقولُ: "فَعَلِمَ يَسُوعُ خُبْثَهُمْ". فَلُوقا يَدْعو ذَلِكَ مَكْرًا. أمَّا مَتَّى فَيَذْهَبُ إلى مَا وَراءِ المَكْرِ لِيَكْشِفَ الخُبْثَ الَّذي كانَ الدَّافِعَ لذلك. وقد عَلِمَ يَسوعُ ما يَعْتَمِلُ في قُلوبِهِمْ. ولكِنْ كيفَ عَلِمَ مَكْرَهُمْ؟ لأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ما في دَاخِلِهِمْ. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 2: 25 أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِ الإِنْسَان. فَهُوَ اللهُ. وَقَدْ كَشَفَ قُلوبَهُمْ على حَقيقَتِها.

العَدَد 24: وقالَ لَهُمْ: "أَرُونِي دِينَارًا". ورُبَّما اضْطُرُّوا للبحثِ عنْ دينارٍ في مكانٍ ما بينَ الحُشودِ لأنَّ اليهودَ لم يكونوا يُحِبُّونَ أنْ يَحْمِلوا تلكَ العُمْلَةَ. فقد كانَتْ تلكَ عُمْلَة رُومانيَّة، وكانَ حَمْلُها يُشْبِهُ حَمْلَ صَنَمٍ صَغيرٍ في جُيوبِهِمْ. ولم تَكُنْ هُناكَ أيُّ أصْنامٍ في إسرائيلَ بعدَ السَّبْيِ البابِلِيِّ تاريخيًّا. فقد كانوا يَحملونَ العُمُلاتِ النُّحاسِيَّة والشَّاقَلَ العِبْرِيَّ. ولَعَلَّكُمْ سَمِعْتُمْ تلكَ الكلمة. فَهُمْ لم يكونوا يُحِبُّونَ أنْ يَحملوا العُمْلَةَ الرومانيَّةَ. وكانَ الدِّينارُ أُجْرَةَ العاملِ في يومٍ واحدٍ تقريبًا. لذلكَ فقد كانَ عُمْلَةً ثَمينَةً مَصنوعَةً مِنَ الفِضَّةِ أحيانًا، أوْ مِنَ الذَّهَبِ. وقدِ اسْتُخْدِمَتْ هذهِ العُمْلَةُ بينَ سَنَةِ 300 قبلَ الميلاد وسَنَة 300 ميلاديَّة (أيْ نَحْوَ 600 سَنَة أوْ سِتَّةِ قُرون). وكانَتْ تُسَكُّ بأمْرٍ مِنَ الإمبراطور. وكانَتْ تَحْمِلُ صُورَةَ الإمبراطورِ الحاكِمِ آنَذاك.

لذلكَ، طَوالَ فترةِ حُكْمِ القَياصِرَةِ، كانَتْ وُجوهُهُمْ مَطْبوعَةً على العُملاتِ الَّتي كانَتْ تُسَكُّ في عَهْدِهِمْ. فقد كانتِ العُمْلَةُ تَحْمِلُ صورَةَ القَيْصَرِ على أَحَدِ وَجْهَيْها، ونَقْشًا بالمعلوماتِ اللَّازِمَةِ على الوَجْهِ الآخَر. وكما قُلْتُ، فإنَّ اليهودَ لم يكونوا يَحْمِلونَ هذهِ العُمْلَةَ لأنها كانَتْ أصْنامًا صَغيرَةً في نَظَرِهِمْ. ولكنَّ يَسوعَ قالَ: "أَعْطوني دينارًا ... أَرُوني دينارًا. لِمَنِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟" وقد كانَ الجَميعُ يَعْلَمُ جَوابَ ذلكَ السُّؤال. "لِقَيْصَرَ". أنا على يَقينٍ أنَّهُ في هذهِ اللحظةِ، فإنَّ الجواسيسَ والمُحَقِّقينَ ورُبَّما جَميعُ المُتآمِرينَ كانوا حاضرينَ هُناكَ، وليسَ فقطِ الجَواسيس. بل إنَّ الجميعَ كانوا هُناكَ. وقد كانُوا يَفْرُكونَ أيْدِيَهُمْ ويُفَكِّرونَ قائلين: "لقدِ انْطَلَتْ عليهِ الحِيْلَةُ كَما تَوَقَّعْنا. فَهُوَ يَقولُ عَنْهُمْ إنَّهُمْ يَنْتَمونَ إلى القَيْصَرِ. وبذلكَ فإنَّهُ مُجَدِّفٌ وَعابِدٌ للأصْنامِ".

وبالمناسبة، فقد سَكَّ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ عُمْلاتٍ نَقديَّة في سنةِ 17 قبلَ الميلاد. وقد قالَ عنْ نَفسِهِ إنهُ ابْنُ اللهِ. وهذا هُوَ ما جَعَلَ اليهودَ يَنْفُرونَ مِنْ تلكَ العُمْلاتِ تَحْديدًا. وكانَ طيباريوس قيصَر قد سَكَّ نُقودًا ونَقَشَ عليها ما يُشيرُ إلى أنَّهُ رَئيسُ كَهَنِةِ اللهِ. وحيثُ إنَّ يَسوعَ ادَّعى أنَّهُ ابنُ اللهِ، وحيثُ إنَّهُ ادَّعى إنَّهُ الوسيطُ بينَ الإنسانِ واللهِ (وَهُوَ كذلكَ حَقًّا)، فإنْ كانَ هُوَ المَسِيَّا حقًّا، وكانَ نَبيًّا حقيقيًّا للهِ، فإنَّهُ سَيَرى تلكَ العُملاتِ التَّجديفيَّةَ الوَثنيَّةَ على حَقيقَتِها. ويا لها مِنْ خُطَّةٍ ذَكِيَّة حقًّا.

ولكنَّهُمْ لم يَقبلوا جَوابَهُ إذْ نَقرأُ في العدد 25: فَقَالَ لَهُمْ: "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ". والحقيقةُ يا أحبَّائي هو أنَّهُ لا يَنبغي أنْ نُضَيِّعَ عُمْقَ هذهِ الكلماتِ بِسَبَبِ بَساطَتِها. وقد يَقولُ أحَدُ الأشخاصِ: "هل هذا يَعني أنهُ قالَ لَهُمْ: ادْفَعُوا الضَّرائِبَ المُستحقَّةَ عليكُمْ؟" إنَّ الأمْرَ بَعيدٌ تَمامًا عَنْ ذلكَ. ولكنَّ الجَوابَ هُوَ: أَجَلْ. ومعَ ذلكَ فإنَّ الأمْرَ بَعيدٌ جِدًّا عنْ ذلكَ. فالفِعْلُ "أَعْطُوا" هُوَ باليونانِيَّة "أبودوتي" (apodote)، وهُوَ يَعني: "أنْ يَرُدَّ المَرْءُ شَيئًا أَخَذَهُ في الأصْلِ مِنْ شخصٍ آخَر لأنَّه مِلْكٌ لَهُ". لذلكَ فإنَّ المَرْءَ يَرُدُّهُ لِصاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ يَسْتَرِدُّهُ.

فهناكَ أشياءٌ في العالمِ تَنْتَمي إلى العالَمِ. وهُناكَ أشياءٌ في العالمِ تَنْتَمي إلى الأرْضِ بِمَعْنى أنَّها أرْضِيَّة. وهناكَ أشياءٌ تَنْتَمي بِمُقْتَضى العِنايةِ الإلهيَّةِ إلى العالمِ الزَّائِلِ. لذلكَ، قوموا بواجِبِكُمْ المؤقَّتِ تحتَ العِنايةِ الإلهيَّةِ في التَّاريخِ لأنَّ اللهَ نَفْسَهُ هُوَ الَّذي وَضَعَ إسرائيلَ تحتَ حُكْمِ الرُّومان. فاللهُ هُوَ الذي سَمَحَ لهم بالوجودِ هُناك. وقد كانَ القَيْصَرُ مَلِكَهُمْ الأرْضِيَّ. وقد كانَ القيصَرُ حاكِمَهُم الأرْضِيَّ. وقد كانَ ينبغي لهم أنْ يَدْعَموا حُكْمَهُ لأنَّ جميعَ الحُكوماتٍ مُرَتَّبَة مِنَ اللهِ (كما جاءَ في رُومية 13). فالقُوى الأرْضِيَّة مُرَتَّبة مِنَ اللهِ، وهيَ لا تَحملُ السيفَ عَبَثًا. فالحكومةُ مُرَتَّبَة لكي تَحمي الأبرياءَ وتُعاقِبَ فَعَلَةَ الشَّرِّ.

وقد كانَ الرُّومانُ يَفعلونَ ذلك. فقد كانوا أقوياءَ عسكريًّا وكانوا يَحْفَظونَ السِلْمَ والأمْنَ، ويَحْمونَ الشَّعْبَ، ويَفْتَحونَ الطُّرُقَ الجيِّدَةَ، ويَشُقُّونَ القَنواتِ البحريَّةَ أمامَ السُّفُنِ، ويُسْهِمونَ في تَوْفيرِ الحياةِ المُريحةِ للنَّاسِ. وهذهِ أُمورٌ لها قيمَتُها. لذلكَ يجبُ عليهمْ أنْ يَدْفَعوا مُقابِلَ الحُصولِ عليها. ونحنُ نَفهمُ ذلك. فنحنُ نَعيشُ في عالَمَيْنِ بِوَصْفِنا مَسيحيِّين. فنحنُ نَعيشُ في عالمٍ أرْضِيٍّ ويَنبغي لنا أنْ نَدْفَعَ لهذا العالمِ الأرْضِيِّ ما نَدينُ بِهِ لَهُ. وبسببِ العِنايةِ الإلهيَّةِ فإنَّنا نَعيشُ في الولاياتِ المُتَّحِدَةِ الأمريكيَّةِ. لذلكَ، إذا أرادتِ الحُكومَةُ أنْ تَفْرِضَ عليَّ الضَّرائبَ مِنْ أجلِ توفيرِ الطُّرُقِ وإصْلاحِ الجُسورِ والقيامِ بأمورٍ أُخرى، فهذا مِنْ حَقِّها. فهذا هوَ العالمُ الَّذي أَعيشُ فيه. وهلْ هُوَ عَالَمٌ يُمَجِّدُ المَسيحَ وَيَرْفَعُ اسْمَ اللهِ عالِيًا؟ لا! ولكِنْ لا يَنْبَغي لنا أنْ نَفْتَرِضَ أنَّهُ سيَفْعَلُ ذلك.

إنَّ دَفْعَ ضَرائِبِنا الَّتي تَفْرِضُها الحكوماتُ الأرضيَّةُ، وحتَّى الحكوماتُ الوثنيَّةُ، والحُكوماتُ المُجَدِّفَةُ على اللهِ، والحكوماتُ الشيوعيَّةُ، والحُكوماتُ الطَّاغِيَةُ، والحكوماتُ الأوتوقراطِيَّةُ، وحتَّى الحكوماتُ الوثنيَّةُ، بل وحتَّى الحكومَةُ الَّتي كانَتْ على وَشْكِ إعْدامِ ابْنِ اللهِ، هِيَ جميعُها حُكوماتُ مُعَيَّنَةٌ مِنَ اللهِ. لذلكَ، فإنَّنا مَدينونَ لها بالدَّيْنِ الَّذي تَفْرِضُهُ علينا.

ونحنُ نَقرأُ في رسالةِ بُطرسَ الأولى: "أَكْرِمُوا الْمَلِكَ ... كُونُوا خَاضِعِينَ بِكُلِّ هَيْبَةٍ لِلسَّادَةِ". لذلكَ، لا يَهُمُّني إنْ كانَ النِّظامُ ديمُقراطِيًّا في الكُونْغرسِ الأمريكيِّ أوِ السُّلُطاتِ المحليَّةِ، أوِ الشُّرْطَةِ، أوْ إنْ كانَ الحاكِمُ دِكتاتورًا شُيوعيًّا أوْ قَيصَرًا. فالقَيْصَرُ نالَ مَنْصِبَهُ بمشيئةِ اللهِ. ونحنُ نَدينُ بِما نَدينُ بِهِ في نِطاقِ العِنايةِ الإلهيَّةِ للحكومةِ الَّتي تُطالِبُنا بِدَفْعِ ما عَلَينا. وقد أَكَّدَ يسوعُ دَوْرَ الحُكومةِ، وحَقَّ الحُكومةِ في اسْتيفاءِ الضَّرائِبِ مقابِلَ دَعْمِها لأنها مُرَتَّبَة مِنَ اللهِ مِنْ أجْلِ مَصْلَحَةِ النَّاسِ وحِمايَتِهم. فبدونها لن يكونَ لدينا نِظامٌ، بل مُجَرَّد فَوضَى ودَمار.

وقد تَقولونَ: "وماذا إنْ كانتِ الحُكومةُ تأمرُنا بالقيامِ بأمورٍ يَنهانا اللهُ عنها؟" أوْ "ماذا إنْ كانتِ الحُكومَةُ تَنْهانا عَنِ القيامِ بأمورٍ يُوصينا اللهُ بِها؟" في هذهِ الحالةِ فإنَّنا نُطَبِّقُ ما جاءَ في أعمالِ الرُّسُل 5: 29 بأنْ نَسألَ أنفُسَنا: "هل يَنبغي أنْ نُطيعَ اللهَ أمِ النَّاس؟" فإنْ كانتِ الحُكومةُ تَقولُ لي أنْ أتوقَّفَ عنِ الكِرازَةِ بإنجيلِ يسوعَ المسيحِ، فإنَّي سأقول: "آسِف. فأنا لديَّ أَمْرٌ مِنْ سُلْطَةٍ أعلى مِنْكُم. فَهُناكَ تَعارَضٌ بَيْنَ السُّلْطَتَيْن. لذلكَ فإنِّي سَأُطيعُ اللهَ. وأنْتُمْ يُمْكِنُكُمْ أنْ تَفْعَلوا بي ما شِئْتُم".

ومُنْذُ وَقْتِ انْتِهاءِ المملكةِ الثيوقراطيَّةِ (أيِ: الدِّينيَّةِ) في العهدِ القديمِ إلى وقتِ مَجيءِ مَملكةِ المسيحِ الثيوقراطيَّةِ المستقبليَّةِ عندَما يَعودُ لتأسيسِ مَلكوتِهِ على الأرْضِ، لا يوجَدُ مُجتمَعٌ مُقَدَّسٌ ... لا يوجدُ مُجتَمَعٌ مُقَدَّسٌ.

فنحنُ نَعيشُ في عالَمَيْن. فنحنُ مواطِنونَ في هذا العالمِ الزَّائلِ الخاضِعِ لحكومَاتٍ بَشريَّةٍ، ونحنُ في الوقتِ نَفسِهِ مواطِنونَ في ملكوتِ اللهِ وتحتَ حُكْمِ اللهِ نَفْسِهِ والمَسيح. لذلكَ، لا ينبغي للكنيسةِ أنْ تَحِلَّ مَحَلَّ الحُكومةِ المَدنيَّةِ. ولا يَجوزُ للكنيسةِ أنْ تَتَمَرَّدَ على الحكومةِ المَدنيَّةِ. ولا يجوزُ للكنيسةِ أنْ تَكونَ مُناهِضَةً للحكومةِ المَدنيَّةِ، لا مِنْ خِلالِ الحَرْبِ، ولا مِنْ خِلالِ العِصْيانِ المَدَنِيِّ، ولا مِنْ خلالِ استِغْلالِ النُّفوذِ السِّياسِيِّ للتَّحَكُّمِ في الحكومةِ المَدنيَّةِ. فهذا ليسَ مُجتمَعًا مُقَدَّسًا. وهذهِ ليستْ مَملكةً دينيَّةً. فأمريكا ليستْ كذلك. ولا توجدُ أُمَّة أخرى على الأرْضِ كذلك.

أَعْطوا ما لِقَيْصَر لِقَيْصَر، واشْكُروا اللهَ الَّذي وَفَّرَ لَكُمْ مِنْ خلالِ عِنايَتِهِ الإلهيَّةِ أنْ تَعيشوا في ظِلِّ الحُكومةِ الَّتي تَخْضَعونَ لها لأنَّ هناكَ أماكِنَ كثيرة في العالمِ وَعَبْرَ التَّاريخِ أسوأ بكثيرٍ جِدًّا مِنْها. ولكِنْ أيًّا كانَتْ هذهِ الحكومةُ، يَنْبَغي أنْ نُعْرَفَ بأنَّنا مُواطِنونَ صَالِحون. وهذهِ هيَ رسالةُ الرسولِ بولُس إلى تيموثاوُس وتيطُس إذا كُنْتُمْ تَذكُرون.

ولَكِنَّ الأمْرَ الأكْثَرَ أهَمِّيَّةً مِن ذلكَ هِيَ الرِّسالةُ التي يُوَجِّهُها يَسوعُ إليهم، وَهِيَ دَعْوَةٌ مُمْتَلِئَةٌ نِعْمَةً وَرَحْمَةً: "وَمَا للهِ للهِ". فما الَّذي يَمْنَعُكُمْ مِنْ إعْطاءِ ما للهِ للهِ؟

وما هُوَ الشَّيءُ الذي لله؟ إنَّهُ رُوْحُكَ. أليسَ كذلك؟ إنَّهُ رُوْحُكَ أوْ كِيانُكَ الأبَدِيُّ. فكما أنَّكَ تَدينُ بأمورٍ مُعَيَّنَةٍ للحكومةِ، فإنَّكَ تَدينُ بأمورٍ مُعيَّنَةٍ للهِ. فأنْتَ تَدينُ للحُكومَةِ بِما لَها. وَهِيَ سَتُخْبِرُكَ بِما تَدينُ لَها بِهِ بموجِبِ القانونِ الَّذي تُطَبِّقُهُ. وأنْتَ تَدينُ للهِ بما يَخُصُّ اللهَ. وما الَّذي يَخُصُّ اللهَ؟ إنَّ اللهَ يَمْلِكُكَ. إنَّ اللهَ يَمْلِكُكَ. وَهُوَ يَقولُ لَهُمْ: "لِمَ لا تَسْجُدوا للعَرْشِ الأعْظَمِ والأهَمِّ والدَّائِمِ؟ أعْطُوا المَجْدَ للهِ".

فاللهُ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، والتَّسبيحَ، والإكْرامَ، والتَّمجيدَ، والطَّاعَةَ، والمَحَبَّةَ، والثِّقَةَ. لذلكَ ينبغي أنْ أُقَدِّمَ لهُ حَياتي وكُلَّ شَيءٍ. فَهُمْ لم يكونوا يُعْطونَ اللهَ ما يُطالِبُهُمْ بِهِ: قُلوبَهُمْ، وأرواحَهُمْ، وحَياتَهُم. فالعُمْلَةُ هِيَ لِقَيْصَر. أمَّا أنْتُمْ فَلِلَّهِ. والعُمْلَةُ تَحْمِلُ صُوْرَةَ القَيْصَر. وأمَّا أنْتُمْ فمَخْلوقينَ على صُورَةِ اللهِ. إنَّ العُمْلَةَ هِيَ لقيصَر. أمَّا أنْتُمْ فَلِلَّهِ. لقد كانتْ هذهِ هيَ دَعْوَتُهُ. وَهَذِهِ الدَّعوةُ مُوَجَّهَةٌ لكَ اليوم.

وقَدْ قادَهُمْ ذلكَ إلى خَطيئَةٍ أخيرَةٍ. فقد رأينا الكَراهِيَةَ، والكِبرياءَ، والرِّياءَ، والتَّمَلُّقَ، والخِداعَ. أمَّا الخطيئةُ السَّادِسَةُ فَهِيَ العِنادُ. وسوفَ أَخْتِمُ حَديثي الآن. فنحنُ نَقرأُ عنِ العِنادِ في العدد 26: "فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ قُدَّامَ الشَّعْبِ، وَتَعَجَّبُوا مِنْ جَوَابِهِ وَسَكَتُوا". وكمْ كُنْتُ أَتَمَنَّى أنْ أقْرَأَ أنَّهُمْ تَابُوا. ولكنَّهُمْ كانُوا عَنيدينَ جِدًّا. وهذا أمْرٌ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ، ومَوْقِفٌ لا يُمْكِنُ مُعالَجَتُهُ. فقد غادَروا المَكانَ وَهُمْ يَشْعُرونَ بالإحْباطِ لأنهم فَشِلوا في إمْساكِ كَلِمَةٍ عليهِ أمامَ النَّاسِ لكي يَتِمَّ القبضُ عليهِ وإعدامُهُ.

وبدلًا مِنْ أنْ يَمْضُوا مُتَعَجِّبينَ وقائلينَ: "إنَّ حِكْمَتَهُ مُذْهِلَةٌ. وَهِيَ مُدْهِشَةٌ. ونحنُ أمامَ الْتِزامٍ تُجاهَ اللهِ. لذلكَ يجبُ علينا أنْ نُفَكِّرَ في تُعَهُّدِنا أمامَ اللهِ". ولكنَّهُمْ كانُوا عَنيدينَ جِدًّا. وأعتقدُ أنَّ الكلمةَ المُستخدمةَ هُنا هِيَ تَرْجَمَةٌ لكلمةٍ قَديمةٍ تُشيرُ إلى التَّعَنُّتِ، أيِ العِناد. وهذِهِ مَجموعَةٌ مِنَ الخَطايا الَّتي لا رَجاءَ مِنْها ... لا رَجاءَ مِنْها.

وبالمُناسَبَة، افْتَحوا على الأصْحاحِ الثالثِ والعِشرين والعَدَدِ الثَّاني (23: 2). بل إنَّنا نَقْرَأُ في العددِ الأوَّلِ أنَّهُمْ جاءُوا بيسوعَ إلى بيلاطُس. وسوفَ نَتحدَّثُ لاحقًا عَمَّا حَدَثَ بينَ هَاتَيْنِ الحَادِثَتَيْنِ. ولكنَّهُمْ جاءوا بيسوعَ إلى بيلاطُس. فنحنُ نَقرأُ في العددِ الأوَّلِ: "وَجَاءُوا بِهِ إِلَى بِيلاَطُسَ، وَابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: «إِنَّنَا وَجَدْنَا هذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ، وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ»". وهَذِهِ كِذْبَةٌ كَبيرة. وَهِيَ كِذْبَةٌ وَقِحَة. فقد كانوا يَعْلَمونَ أنَّ هذهِ الكِذْبَةَ هِيَ الَّتي ستَجْعَلُهُمْ يُلْقونَ القبضَ عليهِ ويُعْدِمونَهُ. وَإنْ لم يَقُلْ شيئًا فإنَّهُمْ سَيُلِفِّقونَ التُّهْمَةَ لَهُ.

هل هذا عِنادٌ؟ فأنْتَ تَصيرُ كاذِبًا مُبَرَّرًا في عَيْنِ نَفْسِكَ في مُحاوَلَةٍ لِرَفْضِ المَسيح. ومِثْلُ هذهِ الكَراهِيَةِ هِيَ، بِطَريقَةٍ مَا، لا يَسْتَوْعِبُها عَقْلٌ. ولكنَّها عُقْدَةُ الخَطيئَةِ الَّتي لا عِلاجَ لها، والتي سَتَجْعَلُهُمْ (حَسَبَ خُطَّةِ اللهِ) يَنْجَحونَ في دَفْعِ الرُّومانِ إلى اعْتِقالِهِ وإعْدامِهِ، وفي دَفْعِ الشَّعْبِ إلى الصُّراخِ مِنْ أجْلِ سَفْكِ دَمِهِ وَإعادَةِ ثِقَتِهِمْ بِهِمْ بِوَصْفِهِمْ الأبْطالَ الرُّوحِيِّينَ في أعْيُنِهِمْ.

وما أرْجوهُ هُوَ أنْ لا يُغادِرَ أحَدٌ هذا المَكانَ اليومَ مِنْ دونِ يَسوعَ المَسيح. اخْتَرْ جانِبًا. فأنْتَ إمَّا أنْ تَكونَ مَعَهُ أوْ مَعَهُمْ.

يا أبانا، يا لَهُ مِنْ أَمْرٍ عَظيمٍ بالنِّسبةِ إلينا أنْ نَرى تِلْكَ المُواجَهَةَ. وليتَ ذلكَ يَنْطَبِقُ على كُلِّ شَخْصٍ بِطَريقَةٍ مُباشِرَةٍ، ومَقصودَةٍ ومُحَدَّدَةٍ. فنحنُ لا نُريدُ، يا رَبّ، أنْ نَقِفَ مَعَ هؤلاءِ الرَّافِضينَ العَنيدين، بل نُريدُ أنْ نَأتي إلى المَسيح. اعْمَلْ عَمَلَكَ، يا رَبّ، في قُلوبِ جَميعِ الأشخاصِ الحاضِرينَ هُنا والذينَ ما زالُوا يَرْفُضُونَكَ. وليتَهُمْ يتوقَّفونَ عنِ الشُّعورِ بالرَّاحَةِ وَهُمْ يأتونَ المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّةِ في حالَةِ رَفْضٍ. لذلكَ، أَسْبِغْ نِعْمَتَكَ عَليهم لِيَأتوا إلى المَسيحِ بمحبَّة، وتَوْبَة، وإيمان. نُصَلِّي هذا باسْمِهِ. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize