Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إنَّ لوقا-الأصحاح 20 هُوَ النصَّ الَّذي سنتأملُ فيه. إنجيل لوقا-الأصحاح 20. وأوَدُّ أنْ أقرأَ على مَسامِعِكُمْ الآيات مِنْ 27 إلى 40. لوقا (الأصحاح 20 والآيات مِنْ 27 إلى 40). وإذْ نتأملُ في هذا النصِّ، نَجِدُ إعلانًا مدهشًا عنْ جَلالِ الربِّ يسوعَ المسيحِ هنا. وقد لا تُوحي لَكُمْ الخلفيَّةُ بهذهِ النتيجةِ لأنها كانتْ هجومًا مِن أعداءٍ يُريدونَ أنْ يقتلوه. ولكِنْ في نهايةِ المطافِ، كما هي الحالُ دائمًا، فإنهُ يَخرجُ ظَافِرًا ومُمَجَّدًا.

العَدَد 27: "وَحَضَرَ قَوْمٌ مِنَ الصَّدُّوقِيِّينَ، الَّذِينَ يُقَاوِمُونَ أَمْرَ الْقِيَامَةِ، وَسَأَلُوهُ، قَائِلِيِنَ: «يَا مُعَلِّمُ، كَتَبَ لَنَا مُوسَى: إِنْ مَاتَ لأَحَدٍ أَخٌ وَلَهُ امْرَأَةٌ، وَمَاتَ بِغَيْرِ وَلَدٍ، يَأْخُذُ أَخُوهُ الْمَرْأَةَ وَيُقِيمُ نَسْلاً لأَخِيهِ. فَكَانَ سَبْعَةُ إِخْوَةٍ. وَأَخَذَ الأَوَّلُ امْرَأَةً وَمَاتَ بِغَيْرِ وَلَدٍ، فَأَخَذَ الثَّانِي الْمَرْأَةَ وَمَاتَ بِغَيْرِ وَلَدٍ، ثُمَّ أَخَذَهَا الثَّالِثُ، وَهكَذَا السَّبْعَةُ. وَلَمْ يَتْرُكُوا وَلَدًا وَمَاتُوا. وَآخِرَ الْكُلِّ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ أَيْضًا. فَفِي الْقِيَامَةِ، لِمَنْ مِنْهُمْ تَكُونُ زَوْجَةً؟ لأَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً لِلسَّبْعَةِ!» فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَبْنَاءُ هذَا الدَّهْرِ يُزَوِّجُونَ وَيُزَوَّجُونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حُسِبُوا أَهْلاً لِلْحُصُولِ عَلَى ذلِكَ الدَّهْرِ وَالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ، إِذْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَمُوتُوا أَيْضًا، لأَنَّهُمْ مِثْلُ الْمَلاَئِكَةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ، إِذْ هُمْ أَبْنَاءُ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا أَنَّ الْمَوْتَى يَقُومُونَ، فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ مُوسَى أَيْضًا فِي أَمْرِ الْعُلَّيْقَةِ كَمَا يَقُولُ: اَلرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ. وَلَيْسَ هُوَ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ، لأَنَّ الْجَمِيعَ عِنْدَهُ أَحْيَاءٌ». فَأجَابَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ وَقَالوا: «يَا مُعَلِّمُ، حَسَنًا قُلْتَ!». وَلَمْ يَتَجَاسَرُوا أَيْضًا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ".

إنَّني أُدْهَشُ دائمًا لأنَّ البشرَ لديهم تَطَلُّعٌ إلى الحياةِ بعدَ الموت. فهذا الأمرُ مَحفورٌ في قلبِ كُلِّ ثقافة، وفي كُلِّ عصرٍ منَ العصور. فيمكنكم الرجوعُ إلى كتابِ المَوْتى المِصْرِيّ (The Egyptian Book of the Dead) لتجدوا فيهِ أنهم كانوا يؤمنونَ إيمانًا راسخًا بوجودِ حياةٍ بعدَ الموتِ في أقدمِ العصورِ في التاريخِ البشريِّ. ففي قَبْرِ الفرعون "خُوْفو" (Pharaoh Cheops) الَّذي بقيَ مختومًا لأكثرِ مِنْ خمسةِ آلافِ سنة، عَثَرَ علماءُ الآثارِ على "سَفينةِ الشَّمسِ" الَّتي بَناها "خُوفو" للإبْحَارِ عَبْرَ السَّماواتِ في الحياةِ الآخِرَة.

وفي الدِّيانةِ اليونانيةِ القديمةِ، كانوا يَضعونَ في أغلبِ الأحيانِ قِطعةً نَقديَّةً فِضِّيَّةً في فَمِ المَيِّتِ ليَدفعوا الأُجْرَةَ عنهُ كي يتمكَّنَ مِنْ عُبورِ نهرِ الموتِ الغامِضِ والدُّخولِ إلى أرضِ حياةِ القِيامَة. وحتَّى إنَّ الهُنودَ في أمريكا كانوا يَضعونَ في قَبْرِ المُحارِبِ المَيَّتِ في أغلبِ الأحيانِ قَوْسَهُ وسِهامَهُ، بل وأحيانًا حِصانَهُ المَيِّت، لكي يكونَ لَديهِ كُلُّ ما يَحتاجُ إليهِ في أرْضِ الصَّيْدِ السَّعيدة. وقد كانَ سُكَّانُ الدُّولِ الإسكندنافيَّة القُدماء يَدفنونَ المُحارِبَ الميِّتَ أيضًا معَ حِصانِهِ الميِّتِ وَدِرْعِهِ لكي يُواصِلَ حَياتَهُ في العالمِ الآتي. وفي "غرينلاند"، كانَ النَّاسُ يَدفنونَ كَلْبًا مَعَ أطفالِهِمْ المُتَوَفِّينَ لكي يَقودُهُمُ الكلبُ في الأراضي المُقْفِرَةِ البارِدَةِ في الحياةِ الأُخرى.

فقد كانَ البشرُ، وما يَزالونَ، يَشعرونَ بوجودِ حياةٍ أُخرى، حَتَّى في المجتمعاتِ البِدائيَّة جدًّا. ولكِنْ حتَّى في أكْثَرِ المجتمعاتِ تَقَدُّمًا فإنَّ "بنيامين فرانكلين" (على سَبيلِ المِثالِ) لم يَكُنْ مَسيحيًّا، ولكنَّهُ كانَ يُؤمنُ بوجودِ حياةٍ بعدَ الموت. وقد كَتَبَ "فرانكلين" النَّصَّ الَّذي سَيُنْقَشُ على شَاهِدِ قَبْرِهِ، والذي ما زالَ موجودًا حتَّى الآن في مقبرة كنيسةِ المسيح في فيلادلفيا. ويُعَبِّرُ هذا النَّصُّ عنْ أشواقِهِ لوجودِ حياةٍ بعدَ الموت.

وإليكم الكلماتِ الَّتي كَتَبها "فرانكلين": "إنَّ جَسَد فرانكلين [عامِل المَطبعَة] يُشبِهُ غِلافَ كِتابٍ قديمٍ يَرقُدُ هنا طعامًا للدُّود. فمُحتواهُ صارَ بالِيًا ومُجَرَّدًا مِنَ الرَّوْنَقِ واللَّمعانِ، ولكنَّ العملَ لن يُفْقَدَ لأنهُ سيعودُ للظُّهورِ في طَبْعَةٍ حَديثةٍ مَزيدةٍ ومُنَقَّحَةٍ تَفوقُ الأولى أَناقَةً. المؤلِّف". هذا هوَ كلامُ فرانكلين. فسواءَ كنتَ تَعيشُ في مجتمعٍ بدائيٍّ قديم أو في مجتمعٍ معاصرٍ حديث، فإنَّ القلبَ البشريَّ يَنْبُضُ بالإيمانِ بالحياةِ الآخِرَة.

ولم يكن اليهودُ مُختلِفين. فقد كان لديهم اعتقادٌ راسخٌ بوجودِ حياةٍ مِنْ خلالِ القيامَة. وهذا واضحٌ مِن خلالِ كِتاباتٍ عديدةٍ لهم. ونجدُ مَثَلًا على ذلكَ في سِفْرِ المَكابِيِّينَ الثَّاني، وَهُوَ سِفْرٌ مِنْ أسفارِ الأبوكريفا – أيْ مِنَ الأسْفارِ غيرِ القانونيَّةِ الَّتي كُتِبَتْ في الفترةِ الفاصِلَةِ بينَ العهدِ القديمِ والعهدِ الجديدِ والتي دامَتْ نحوَ 400 سنة. فهذا السِّفْرُ تحديدًا، سِفْرُ المَكابِيِّينَ الثَّاني، الَّذي كُتِبَ في نحوِ السَّنةِ الأولى قبلَ الميلاد، يَحوي كلامًا مُثيرًا للاهتمامِ عنِ فكرةِ القيامة. وهُوَ كَلامٌ مَبدئيٌّ وغيرُ ناضِجٍ، وَهُوَ كالتَّالي:

فَسِفْرُ المَكابِيِّينَ يَتحدَّثُ عنْ شَيْخٍ اسْمُهُ "رَازيس" (Razis). وقد آثَرَ هذا الشيخُ ألَّا يَقَعَ بأيدي اليونانِيِّينَ البَغيضين. لذلكَ فقدِ اسْتَلَّ سَيْفَهُ وطَعَنَ نَفْسَهُ بهِ. ثُمَّ وَقَفَ "على صَخرةٍ عاليةٍ" (كَما يَقولُ هَذا السِفْرُ غيرُ القانونِيّ) "وأَخْرَجَ الأجزاءَ المُتَبَقِّيَةَ مِنْ أَمْعائِهِ وَطَرَحَها على الجُنْدِ". ويقولُ النَّصُّ أنَّهُ "دَعا رَبَّ الحياةِ والرُّوحِ أنْ يَرُدَّهُما عليهِ" [أيْ أنْ يَرُدَّ حَياتَهُ وَرُوحَهُ إليهِ] (كما جاءَ في سِفْرِ المَكابِيِّينَ الثاني 14: 46). ومعَ أنَّ هذا السِّفْرَ غيرُ قانونِيٍّ، وغيرُ صَحيحٍ، وغيرُ تاريخِيٍّ، وغيرُ كِتابِيٍّ بكُلِّ تأكيد، فإنَّهُ يَدُلُّ على التَّفكيرِ السَّائدِ في ذلكَ الوقت.

وهناكَ سِفْرٌ يَهوديٌّ آخَرُ يَرْجِعُ تاريخُهُ إلى القرنِ الميلاديِّ الأوَّلِ (وَهُوَ سِفْرُ "بَارُوخ") يَحوي الفِكرة نَفْسَها. ويقولُ هذا السِّفْرُ إنَّ الأرض ستُعِيدُ الأمواتَ بكُلِّ تأكيد. وهي لن تُجري أيَّ تَغييرٍ على شَكْلهِم، بل كما أنها تَسَلَّمتهم، فإنها ستَحفظُهم. وكما أنها تَسَلَّمتهُم فإنها ستُقيمهُم أيضًا. وقد كُتِبَ هذا السِّفْرُ أيضًا في القرنِ الأوَّلِ للميلاد، أيْ في زَمَنِ المسيحِ تقريبًا. وقد كانَ الناسُ مُعتادينَ على الفِكرة. فقد كانوا يُدركونَ فِكرةَ وجودِ قِيامة، ولكنهم كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُ عندَما يَقومُ النَّاسُ فإنهم سيقومونَ بالصورةِ ذاتِها الَّتي ماتوا عليها، وبالشكلِ نَفسِهِ، معَ الاحتفاظِ بالعَلاقات.

ويُتابِعُ "باروخُ" كلامَهُ قائلًا إنَّهُ عندما يَتَعَرَّفُ النَّاسُ إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَعرفونَهُم (أيْ إنهم سيَعودونَ إلى الحياةِ كما غادَروها. لذلكَ فإنَّ الجميعَ سيَعرفونَ بَعْضُهُمْ بَعضًا). ثُمَّ إنَّ بَهاءَهُمْ سيَتَجَلَّى في التَّغييراتِ الَّتي ستَحدُثُ لهم. فسوفَ يَتغيَّرونَ إلى أشكالٍ بَهِيَّةٍ كالملائكةٍ، ويَصيرونَ مِثْلَ النُّجومِ، وسيَتغيَّرونَ إلى جميعِ الأشكالِ الَّتي يَرْغبونَ فيها: مِنْ جَمالٍ إلى رَوْعَةٍ، وَمِنْ نُوْرٍ إلى مَجْدٍ عَظيمٍ. بعبارةٍ أُخرى فإنَّ الناسَ يَعودونَ إلى الحياةِ بذاتِ الصُّورةِ الَّتي غادَروا فيها. وحينَ يَتَعَرَّفُ الجميعُ بعضُهُمْ إلى بعضٍ فإنَّ التَّغَيُّرَ يَبْتَدِئُ فيأخُذُ كُلُّ شَخْصٍ الهَيئةَ الَّتي يَرْغَبُ في أنْ يَصيرَ عَليها.

وهُناكَ رُؤيا عِزْرا، ورُؤيا أَخْنوخ، وغَيْرُها مِنَ المؤلَّفاتِ اليهوديَّةِ الَّتي تُعَبِّرُ عنْ نفسِ الرَّجاءِ في القيامةِ، ولكِنَّها لا تَخْلو مِنْ تَشويشٍ مُشابِهٍ. وبالرَّغمِ مِن ذلك، فإنَّ النَّاسَ يَتَشابَهونَ في جَميعِ الأزْمِنَةِ في أنَّهُمْ يَشعرونَ بقوَّة أنَّ هذهِ الحياةَ هي ليستِ النهاية. كذلكَ فإنَّ فِكرةَ قيامةِ الأجسادِ هي فِكرة وَرَدَتْ مرارًا في التَّلمودِ الَّذي هُوَ مَصْدَرُ التَّعليمِ اليهوديِّ الَّذي يَحْوي اللَّاهوتَ اليهوديَّ التَّقليديَّ الأساسِيّ.

ولكِنْ فضلًا عن ذلكَ كُلِّهِ، فإنَّ اليهودَ يَمتلكونَ، دونَ شَكٍّ، الأسفارَ المقدسةَ. وهُمْ يَعرفونَ أنَّ الأسفارَ المقدسةَ قد وَعَدَتْ بوجودِ قِيامَةٍ وحياةٍ بَعْدَها. وقد كَتَبَ داودُ في المزمور 16: 9: "لِذلِكَ فَرِحَ قَلْبِي، وَابْتَهَجَتْ رُوحِي. جَسَدِي أَيْضًا يَسْكُنُ مُطْمَئِنًّا. لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ (أوِ القَبْر). لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا. تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ الْحَيَاةِ. أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ". فَداودُ يُعَبِّرُ عنِ الرجاءِ بأنه حتَّى عندما يموتُ، فإنه لن يبقى في القبر. بل إنهُ سيجدُ سَبيلَ الحياةِ. فاللهُ سيأخذهُ إلى حَضرتِهِ حيثُ سيَحيا إلى الأبد في النَّعيم. وهذهِ نَظرة كِتابيَّة صحيحة.

كذلك، في المَزمور 49 (وسوفَ أَكْتَفي بعَدَدٍ مِنَ الشَّواهِد). ففي المزمور 49: 15 يَقولُ المُرَنِّمُ أيضًا: "إِنَّمَا اللهُ يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ لأَنَّهُ يَأْخُذُنِي". ونَجِدُ هنا الثِّقةَ ذاتَها. وقد قالَ أَيُّوب: "هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ". ويقولُ المُرَنِّمُ: "أَشْبَعُ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ". فقد كانَتْ تلكَ الثِّقةُ ماثِلَةً أمامَهُمْ وَفْقًا لما جاءَ في الأسفارِ المقدَّسةِ.

وهُناكَ شاهِدٌ آخَرُ في المزمور 139. وأعتَقِدُ أنَّهُ موجودٌ في العددِ الثَّامِنِ إذْ نَجِدُ هناكَ جُمْلَةً مُشابِهَةً جِدًّا. وهيَ تَقولُ: "إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ". بعبارة أخرى، أينَما ذَهَبْتَ (أيْ سَواءٌ كُنْتَ في السَّماءِ أو في القَبْرِ) فإنَّكَ ستكونُ في حَضْرَةِ الرَّبِّ. وهذا يَعني أنَّكَ ما تَزالُ موجودًا في حَضْرَتِهِ. ونقرأُ في الأصحاحِ السادسِ مِنْ سِفْرِ هُوْشَعَ الأمْرَ ذاتَهُ. ونَقرأُ في الأصحاح 26 مِنْ سِفْرِ إشَعياء الشَّيءَ ذاتَهُ.

وهناكَ شاهِدٌ آخَرُ أوَدُّ أنْ أقرأَهُ لكُمْ تَحديدًا، وَهُوَ يَرِدُ في نِهايةِ نُبوءةِ دانيال إذْ نَقرأُ في الأصحاح 12 والعددِ الثاني: "وَكَثِيرُونَ مِنَ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ، هؤُلاَءِ إِلَى الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، وَهؤُلاَءِ إِلَى الْعَارِ لِلازْدِرَاءِ الأَبَدِيِّ". فسوفَ تكونُ هناكَ قيامةٌ للجميع. ولكنَّ فِئَةً سَتَقومُ إلى الحياةِ الأبديَّةِ، وفِئَةً إلى الازْدِراءِ الأبديِّ ... فئةً إلى السَّماءِ، وفِئَةً إلى جَهَنَّم.

لذلكَ فقد كانَتْ لَديهم أسفارٌ مُقدَّسَةٌ إلى جانبِ أفكارِهِمِ التَّقليديَّةِ عنِ القيامَةِ والحياةِ بَعْدَها. وقد كانَ اليهودُ يُؤمنونَ طَوالَ تاريخِهِمْ (وفي زمنِ يَسوعَ بِكُلِّ تأكيد) بأنَّهُ ستكونُ هناكَ حياةٌ بعدَ الموت، وبأنَّهُ ستكونُ هناكَ حياةٌ في حَضْرَةِ اللهِ أوْ بَعيدًا عَنْ حَضرةِ اللهِ، وبأنَّهُ ستكونُ هناكَ أجْسادٌ مُقامَة: إمَّا قيامة إلى الحياة، أو قيامَة إلى الازدراءِ والعار. وهذهِ هيَ خَلفيَّةُ النَصِّ الَّذي أمامَنا.

والآنْ، كانَ هناكَ مَنْ لا يُوافِقونَ على هذا الرَّأيِ بينَ اليهود. وقد كانَ هؤلاءِ يُعْرَفونَ بالصَّدُّوقِيِّين. ونَجِدُ وَصْفًا بَسيطًا ومُوجَزًا لما لم يكونوا يؤمنونَ بهِ في العدد 27: "وَحَضَرَ قَوْمٌ مِنَ الصَّدُّوقِيِّينَ، الَّذِينَ يُقَاوِمُونَ أَمْرَ الْقِيَامَةِ". فقد كانَ هؤلاءِ يَقولونَ إنَّهُ لا توجدُ قِيامَة. وبالرَّغمِ مِنَ الاعتقادِ اليهوديِّ السَّائدِ بخصوصِ القيامة، وبالرَّغمْ مِنَ الآياتِ الَّتي تُعَلِّمُ ذلكَ في العهدِ القديم (مِثْلَ تلكَ الآياتِ الَّتي ذَكَرْتُها لكُمْ عنِ القِيامَة)، فإنَّ فئةً واحدةً مِنَ اليهودِ كانَتْ تَرفُضُ تلكَ الفِكرةَ بِعِنادٍ، وَهُمُ الصَّدُّوقِيُّون. وقد قالَ أحَدُ الأشخاصِ إنَّ هؤلاءَ كانوا عابِسينَ دائمًا لأنهم لم يكونوا يؤمنونَ بوجودٍ حياةٍ آخِرَة ولم يَكُنْ لديهم رجاءٌ في المستقبل.

ونَقرأُ مَرَّةً أُخرى في أعمالِ الرُّسُل 23: 8: "أَنَّ الصَّدُّوقِيِّينَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ قِيَامَةٌ وَلاَ مَلاَكٌ وَلاَ رُوحٌ، وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَيُقِرُّونَ بِكُلِّ ذلِكَ" (أي: بالأرواحِ، والملائكةِ، والقيامة). لذلكَ فقد كانوا على النَّقيضِ مِنَ الفَرِّيسيِّينَ الذينَ كانوا يؤمنونَ بالقيامةِ، والملائكةِ، والأرواحِ.

ولم تَكُنْ هذهِ الفِئَةُ اليهوديَّةُ كَبيرةَ العَدَد، بل كانتْ صَغيرةً جِدًّا. ولكنها كانتْ ذات نُفوذٍ هائل. وقد كانَ الصَّدوقيُّونَ مِنَ الطبقةِ الأرستقراطيَّةِ الغنيَّةِ وصَاحِبَةِ النُّفوذِ. ويَرِدُ ذِكْرُ رؤساءِ الكهنةِ في نهايةِ الأصحاح 19 (في العدد 47)، وفي بدايةِ الأصحاح 20، في الآياتِ الأولى مِنْه. فقد كانَ أغلبيَّةُ رؤساءِ الكهنةِ مِنَ الصَّدوقيِّين.

إذًا فقد كانَ رؤساءُ الكهنةِ مِنَ الصَّدُّوقيِّين. وكانَ أغلبيَّةُ أعضاءِ السِّنهدريم الَّذي يَتألَّفُ مِنْ 70 عُضوًا مِنْ قادةِ إسرائيل (وَهُوَ المَجْلِسُ الأعلى للأُمَّة)، كانَ أغْلَبُهُمْ مِنَ الصَّدوقيِّين. لذلكَ فقد كانوا يَتبوَّأونَ مناصِبَ السُّلطةِ والنفوذ معَ أنَّ عددهم لم يكن كبيرًا.

وإذْ نأتي إلى النَّصِّ، لِنَبتدئ بما فَعَلَهُ الصَّدوقيُّون ... بما فعلهُ الصَّدوقيُّونَ في العدد 27. "وَحَضَرَ قَوْمٌ مِنَ الصَّدُّوقِيِّينَ". فقد جاءوا إلى يسوع. وكما تَعلمونَ فإنَّ اليومَ هوَ الأرْبِعاء. أتَذكرونَ ذلك؟ والحقيقةُ هي أنَّ مَتَّى يَذْكُرُ القِصَّةَ نَفسَها الَّتي يَذْكُرُها لوقا وذلكَ في إنجيل مَتَّى 22. ويَذْكُرُ مَرْقُسُ القِصَّةَ نفسها في إنجيل مَرقس 12. ويقولُ مَتَّى إنَّهم جاءوا في اليومِ نَفسِهِ. بعبارةٍ أخرى، فقد جاءوا في اليومِ نَفسِهِ الَّذي طَرَحَ فيهِ الفَرِّيسيُّونَ سُؤالَهُمْ عليه. وهذا يَعني أنَّ ذلكَ حَدَثَ يومَ الأرْبِعاء.

وقد كانَ يومُ الأربِعاءِ يومًا مُزْدَحِمًا بالنِّسبةِ إلى يسوع، لا سِيَّما أنَّ ذلكَ كانَ آخِرَ أسبوعٍ في حياتِهِ. فقد صُلِبَ يومَ الجُمُعَة. وقد كانَ يومَ الأربِعاءِ يُعَلِّمُ في الهيكلِ، ويَتَحَدَّثُ إلى النَّاسِ، ويَخوضُ صِراعًا معَ هؤلاءِ القادَة. فقد كانَ الفريسيُّونَ يُلاحِقونَهُ. وكانَ الهِيرودُسِيُّونَ يُلاحِقونَهُ. والآنْ حانَ وَقْتُ الصَّدُّوقيِّين. وقد كانوا غاضِبينَ مِنْ يَسوع.

وعندما تَدرسونَ الإنْجيلَ برواياتِهِ الأرْبَعَةِ، لا تَقرأونَ كثيرًا عنِ الصَّدوقيِّين. ولا تَرَوْنَهُمْ في خِدْمةِ يسوعَ في الجليل. ولا تُشاهِدونَهُمْ في أثناءِ تَنَقُّلِ يَسوعَ في أرضِ يَهوذا. فأنتُم لا تَرَوْنَهُمْ إلَّا في المكانِ الَّذي اعتادوا الوُجودَ فيهِ دائمًا، أيْ في الهيكل. وقد دَخَلوا المَشهدَ عندما طَهَّرَ يَسوعُ الهيكل.

وكانَ يسوعُ قد فَعلَ ذلكَ في بدايةِ خِدمتِهِ. وقد فَعَلَ ذلكَ أيضًا في نهايةِ خِدمتِهِ (كَما تَذكرونَ إذْ إنَّنا دَرَسْنا ذلكَ في الأصحاح 19). وقد كانَ هؤلاءِ يُديرونَ أعمالَ الهَيْكَلِ الَّتي يَجْنونَ مِنْها أموالًا طائلةً، وكانوا أصحابَ نُفوذٍ كَبيرٍ جِدًّا وثَراءٍ فاحِش. ولأنَّ يَسوعَ قاطَعَ تِجارَتَهُم المُربِحَة فقد أَبْغَضوهُ. وقد كانوا غاضِبينَ مِنْهُ بسببِ ما فَعَلَهُ قبلَ ساعاتٍ قليلةٍ حينَ طَهَّرَ الهيكل وطَرَدَ المُشْتَرينَ، والباعَةَ، والصَّيارِفَة. لذلكَ فقد كانَ ما فَعَلَهُ هُجومًا عليهم كَما كانَ هُجومًا على عقائدِ الفَريسيِّينَ. فقد أَثَّرَ سَلبيًّا في تِجارَةِ الصَّدُّوقيِّينَ الذينَ كانوا يُديرونَ أعمالَ الهيكل.

وأرجو أن تَسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم خَلفيَّةً مُوجَزَةً عنهم. فمِنْ ناحيةٍ سِياسيَّةٍ، كانوا يَتوقونَ إلى التَّعاونِ معَ روما. ولأنهم لم يكونوا يؤمنونَ بالقيامة، ولم يكونوا قَلِقينَ على أيِّ شيءٍ يَختصُّ بالحياةِ الآخِرَةِ، فإنَّ كُلَّ تَركيزِهم كانَ مُنْصَبًّا على هذهِ الحياةِ. لذلكَ فقد سَعَوْا إلى الحُصولِ على أكْبَرِ قَدْرٍ مِنَ السُّلطةِ، وَالثَّراءِ، والمَناصِبِ العُليا، والسَّيطرة.

ولكي يَفعلوا ذلكَ، كانَ ينبغي أنْ يَتعاونوا معَ روما لأنهم كانوا دولةً مُحْتَلَّةً خاضِعَةً لحُكْمِ الرُّومان. وقد كانَ الرومانُ هُمُ الذينَ مَنَحوهُمْ تلكَ السُّلْطَة. فقد كانوا مُفَوَّضينَ مِنَ الرُّومان. لذلكَ فقد فَعَلوا كُلَّ ما في وُسْعِهِم لِتَمَلُّقِ رُوما لكي يَضْمَنوا الحُصولِ على رِضا رُوما مِنْ أجلِ الحِفاظِ على مَناصِبِهم. ولكنَّ الشَّعبَ كانَ يُبغِضُهُم. أجل، لقد كانوا يَكرَهونَهُمْ. وهذا هوَ السببُ في عدمِ وجودِ أعدادٍ كبيرةٍ منهم. فذلكَ لم يَكُنْ أمرًا يَحظى بشعبيَّةٍ كبيرة.

وكانَ الناسُ يُبغضونَهُمْ بسببِ علاقَتِهِم الطَّيِّبَةِ بِروما. وكانوا يَكرهونَهم بسببِ فَسادِ النِّظامِ الَّذي كانَ الشَّعْبُ يَخْضَعُ لهُ في كُلِّ مَرَّةٍ يأتونَ فيهِ إلى الهيكل. فقد كانوا يَسْعَوْنَ إلى تَطبيقِ السِّياساتِ الَّتي تُرْضي رُوما. وكانَ هذا يَعني أنهم يَسْعَوْنَ إلى تَطبيقِ السياساتِ الَّتي تُغْضِبُ اليهودَ. وكانَتْ تِجارَتُهُم الفاسِدَة في الهيكلِ تُثيرُ حَفيظَةَ الأُمَّةِ باستمرار.

وبالمناسبة، فقد تَمَّ تَدميرُ الهيكلِ في سنةِ 70 ميلاديَّة، بعدَ أنْ عَجِزَ الرُّومانُ عَنِ احْتِمالِ اليهودِ الَّذينَ كانوا يَتَمَرَّدونَ عليهم. فقد حَاصَروا أُورُشليمَ ودَمَّروها، ودَمَّروا الهيكلَ، وسَحَقوا الأُمَّةَ، وذَبَحوا الشَّعْبَ في نَحْوِ ألْفِ بَلدةٍ وقَريةٍ في جَميعِ أنحاءِ إسرائيل، وبعدَ أنِ انْتَهى الرُّومانُ مِنْ تَدْميرِ كُلِّ شَيءٍ، لم يَعُدْ للصَّدُّوقِيِّين وُجود. فحالما فَقَدوا مَناصِبَهُمْ الكَهنوتيَّةَ ونُفوذَهُم الكَهَنوتِيَّ، انْتَهَى تاريخُهُم.

ومِنْ ناحيةٍ دينيَّةٍ، كانوا ضَيِّقي الأُفُقِ ومُتَزَمِّتينَ جِدًّا. ويَظُنُّ أُناسٌ أنَّهُمْ كانوا مُتَحَرِّرين. ولكنَّهم كانوا مُتَحَرِّرينَ بِمَعْنى أنَّهم لم يكونوا يؤمنونَ بالقيامةِ، ولا بالملائكةِ، ولا بالأرواحِ. لذلكَ فإنهم يُشْبِهونَ اللاهوتِيِّينَ المُتَحَرِّرينَ في وقتِنا الحاضِر. ولكِنْ مِنْ جِهَةِ تَطبيقِ العَدالَةِ في الأرضِ، ومِنْ جِهَةِ تَطبيقِ النَّاموسِ، كانُوا قُسَاةَ جِدًّا. وقد كانوا يَستخدمونَ قَسْوَتَهُمْ للحِفاظِ على نُفوذِهِمْ.

ويُخْبِرُنا "يوسيفوس" أنهم كانوا أَقْسَى مِنْ أيِّ فِئَةٍ أُخرى مِنَ اليهود. وَيَقولُ يوسيفوس إنَّ الفَرِّيسيينَ كانوا لُطَفاءَ في تَعامُلِهِمْ معَ النَّاسِ بالمقارنةِ معَ الصَّدُّوقِيِّين. فقد كانوا مُتَوَحِّشينَ في فَرْضِ إرادَتِهِمْ على الشَّعْبِ وفي تَفسيرِ ناموسِ اللهِ بطريقةٍ تُمَكِّنُهُمْ مِنَ الحِفاظِ على سُلْطَتِهِمْ وَمناصِبِهِم. لذلكَ فقد كانَ يُنْظَرُ إليهم بِوَصْفِهِمْ أُصولِيِّينَ وتَقليديِّينَ لأنهم كانوا يَرفُضونَ قَبولَ النَّاموسِ الشَّفَهِيِّ وشَريعَةَ الكَتَبَة. أمَّا الفَرِّيسيُّونَ فكانوا يَقبلونَ ذلكَ تمامًا. فقد كانَ الفَريسيُّونَ يَقبلونَ الأسفارَ المقدَّسةَ، والتَّقليدَ الشَّفَهِيَّ، وكِتاباتِ الكَتَبَة. أمَّا الصَّدوقيُّونَ فلم يكونوا يَقبلونَ ذلك، بل كانوا يَقبلونَ الأسفارَ المقدَّسةَ فقط.

وقد كانوا يَفْتَخِرونَ بأنهم مُلْتَزِمونَ بالإيمانِ الصِّرْفِ، ولا شَيءَ سِواه. وكانوا يُفَسِّرونَ النَّاموسَ المُعْطى لمُوسى تَفسيرًا حرفيًّا أكثرَ مِنْ أيِّ جماعةٍ أُخرى، وكانوا مُدَقِّقينَ أكثرَ مِنْ جَميعِ الفِئاتِ الأخرى في أمورِ الطَّهارةِ اللَّاويَّة. وكانوا يُنكرونَ وجودَ أيِّ حياةٍ مُستقبليَّةٍ زاخِرَة بالبَرَكة والمُكافآتِ رَفْضًا قاطِعًا. وكانوا يُؤمِنونَ (كما يَقولُ يوسيفوس) إنَّ الرُّوحَ والجَسَدَ يَهْلِكانِ سَوِيًّا عندَ الموت. ولم يكونوا يؤمنونَ بوجودِ عِقابٍ في الحياةِ الآخِرَة لأنهُمْ لم يَكونوا يؤمنونَ بوجودِ حياةٍ آخِرَة. لذلكَ، لم تَكُنْ هناكَ مُكافآت. وقد كانوا مَشهورينَ بذلكَ. وهذهِ هِيَ الصِّفاتُ الَّتي يَصِفُهُمْ بها العهدُ الجديد.

والسُّؤالُ الَّذي يَطْرَحُ نَفسَهُ هُوَ: كيفَ كانُوا يَدْعونَ أنفسَهُم حَرْفِيِّينَ، وأُصولِيِّينَ، وتَقليديِّينَ، وطَهورِيِّينَ، ومُلْتَزِمينَ بالأسفارِ المقدَّسَةِ إنْ لم يكونوا يَقبلونَ الآياتِ الكِتابِيَّةَ الَّتي قَرأتُها لكم عنِ القيامة؟ والجوابُ هوَ أنهم كانوا، على الأرْجَحِ، يَتَمَسَّكونَ بِسُمُوِّ وتَفَوُّقِ النَّاموسِ المُعْطى لِمُوسَى، أيْ أسفارِ مُوسَى الخَمسَة ... أسفارِ مُوسَى الخمسة، أوِ التَّوراةِ، أوِ الأسفارِ الخَمسَةِ. فقد كانَ كُلُّ شَيءٍ آخَرَ يَقِلُّ شَأنًا في نَظَرِهِمْ عَنْ أسفارِ مُوسَى.

ولَمَّا كانوا يُدافِعونَ عَنِ الإيمانِ الصِّرْفِ، مِنَ الواضِحِ أنهم كانوا يُشَدِّدونَ على السُّمُوِّ المُطْلَقِ لأسفارِ مُوسَى. وقد كانوا يقولونَ إنَّ جميعَ الأسفارِ الأخرى في العهدِ القديمِ ما هي إلَّا تَفسيرٌ لهذهِ الأسفارِ الخمسة. وحيثُ إنَّ هذهِ الأسفارَ الخمسةَ لا تَتَحَدَّثُ البَتَّةَ عنِ القيامة، لم تَكُنْ القيامةُ جُزءًا مِنَ الإيمانِ الصِّرْفِ الَّذي يَعْتَنِقونَهُ. لذلكَ فقد كانوا يَنظرونَ إلى أيِّ محاولةٍ للحديثِ عنِ القيامةِ كما لو كانَ انْحِرافًا عَنِ الحَقِّ، حَتَّى لو كانَ مَنْ قالَ ذلكَ هُوَ كاتِبٌ آخَرُ مِنْ كُتَّابِ الأسفارِ المقدَّسة.

لقد كانوا يقولونَ إنَّ عقيدةَ القيامةِ ليستْ موجودة في أسفارِ مُوسَى الخَمسةِ. لذلكَ، يَنبغي رَفْضُ القيامةِ كَواقِعٍ لأنَّ جميعَ أجزاءِ العهدِ القديمِ هي مُجَرَّدُ شَرْحٍ لأسفارِ مُوسى. ولَمَّا كانَتْ أسفارُ موسى الخمسة تَخلو مِنَ الحديثِ عنِ القيامةِ، لا بُدَّ مِنْ وجودِ طريقةٍ أخرى لِفَهْمِ تلكَ الشُّروحِ عِوَضًا عَنِ الإيمانِ بالقيامَة.

إذًا، فقد كانوا يُعَرِّفونَ عَنْ أنفسهم بهذهِ الطريقة. فقد كانوا يَعيشونَ حياتَهُمْ كما لو لم يَكُنْ هُناكَ غَد. لذلكَ فقد كانوا مُدَقِّقينَ مِنْ جانبٍ ويُعامِلونَ النَّاسَ بطريقةٍ قاسِيَةٍ ووَحْشِيَّةٍ بِحُجَّةٍ النَّاموسِ، ولكنَّهم كانوا يَستخدمونَ هذا كُلَّهُ مِنْ أجلِ الحفاظِ على نُفوذِهِمْ ومِنْ أجلِ التَّمَتُّعِ بأيِّ شيءٍ وَبكُلِّ شيءٍ يَرْغَبونَ فيهِ على حِسابِ الشَّعْبِ.

مِنْ جِهَةٍ أُخرى، كانَ الفَرِّيسيُّونَ مُحَدَّدينَ جِدًّا جِدًّا فيما يَخْتَصُّ بالقيامة. وكانَ الفَرِّيسيُّونَ يُحِبُّونَ أنْ يُناقشوا موضوعَ القيامة. ويبدو لي أنَّهم كانوا يَسيرونَ على نَهْجِ "باروخ" وكُتَّابٍ آخَرين (في أنَّ المَرْءَ يَقومُ مِنَ الموتِ بذاتِ الهَيئةِ الَّتي ماتَ عليها) لأنَّ الفَرِّيسيِّينَ كانوا يُناقشونَ أمورًا مِثْلَ: عندما يَقومُ المَرْءُ مِنَ الأمواتِ، هل يكونَ عُرْيانًا أمْ يَرْتَدي مَلابِس؟

والحقيقةُ هي أنهم لم يكونوا يَستوعبونَ أنْ يكونَ الجميعُ عُرْيانينَ في القيامَةِ. لذلكَ فقدِ اسْتَنْبَطوا أنَّ النَّاسَ سيَقومونَ وَهُمْ يَرْتَدونَ المَلابِس. ثُمَّ يَجيءُ السُّؤالُ: مِنْ أيْنَ سَتَأتي المَلابِس؟ وكانَ الجِدالُ الدَّائِرُ يَخْتَصُّ بما إذا كانَ المَرءُ سيَحصُلُ على ملابِسَ جَديدَة، أو ما إذا كانَ سيَقومُ بنفسِ الملابسِ الَّتي اعْتادَ أنْ يَرْتَديها (أو تَحديدًا بالملابسِ الَّتي دُفِنَ فيها). وكانَ السؤالُ الَّذي يُحِبُّونَ أنْ يُناقِشوه هوَ: إنْ كانَتْ هُناكَ عُيوبٌ في حياةِ الإنسانِ في هذهِ الحياةِ (عُيوبُ جَسَدِيَّةُ، أوْ عَاهاتٌ عَقليَّةٌ، أو أيُّ عُيوبٍ أُخرى)، هل سيَقومُ الإنسانُ مِنَ الأمواتِ وَهُوَ يَحْمِلُ العُيوبَ ذاتَها؟

وقد كانَ العديدُ مِنَ الفَرِّيسيِّينَ يَشْعُرونَ أنَّ الإنسانَ سيقومُ بذاتِ الملابسِ الَّتي دُفِنَ فيها، وأنَّهُ سيقومُ بنفسِ العَاهَاتِ الَّتي كانَتْ لديهِ في هذهِ الحياةِ. والحقيقةُ هي أنَّ بعضًا منهم كانَ يؤمنُ بأنَّ جميعَ اليهودِ (أيْ أنَّ جميعَ اليهودِ الَّذينَ ماتوا طَوالَ التاريخِ) سيقومونَ في أرْضِ إسرائيل. بِعبارةٍ أخرى، أيْنما مَاتَ هؤلاء، فإنهم سَيَقومونَ في أرضِ إسرائيل.

والحقيقةُ هي أنَّ بعضًا منهم كانَ يَرى أنهُ توجدُ تحتَ الأرضِ شَبَكَةٌ هائِلَةٌ مِنَ الأنفاقِ المُتَّصِلَةِ المائِلَةِ. لذلكَ، أيْنَما دُفِنَ اليهودُ في الأرْضِ، فإنهم سَيَنْزَلِقونَ في شَبَكَةِ الأنْفاقِ تِلْكَ إلى أنْ يَحُطُّوا في أرْضِ إسرائيل. لذلكَ فإنهم سَيُوْجَدونَ جَميعًا هناكَ نتيجةَ وُجودِ تلكَ الأنفاقِ المُعَقَّدَةِ ويَقومونَ هُناك.

وكانَ الفَريسيُّونَ مُغْرَمينَ بمناقشةِ هذهِ الأمورِ. وكانوا يُناقشونها أحيانًا معَ الصَّدُّوقِيِّين. ولكِنَّ الصَّدُّوقِيِّينَ كانوا يَنْظُرونَ إلى هذهِ الأمورِ باستخفافٍ (وَهُمْ مُحِقُّونَ في ذلك). وكانوا يَعتقدونَ أنَّ هذهِ الأمورَ غَريبَة، وأنها سَخيفة. لذلكَ فقد كانوا يَسْتَهْزِئونَ ويَسْخَرونَ مِنْ تلكَ الأمورِ السَّخيفة. وقد صَاروا مَشهورينَ بِاسْتِهزائِهم بالقيامة. وقد كانوا مَشْهورينَ جِدًّا بعدمِ إيمانهم بالقيامةِ حَتَّى إنَّهم أَتْقَنوا فَنَّ إغاظَةِ الفَرِّيسِيِّينَ وبقيَّةِ الشَّعْبِ بسببِ مُجادَلاتِهِمْ. وقد صارَ مَوضُوعُ القيامَةِ مُجَرَّدَ نُكْتَةٍ في أعْيُنِهِمْ.

ومِنَ الأشياءِ الغريبةِ وغيرِ العقلانيَّةِ في نَظَرِهِمْ فيما يَخْتَصُّ بالقيامةِ هُوَ أنَّهُ إنْ تَزَوَّجَ أحدُ الأشخاصِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ في حياتِهِ ثُمَّ عادَ في الحياةِ الآخِرَةِ بالثِّيابِ نَفْسِها، والشَّكْلِ نَفْسِهِ، والعُيوبِ نَفْسِها، والعلاقاتِ نَفْسِها، مَنْ سيَكونُ الزَّوجُ أوِ الزَّوجة؟ ومِنَ الواضحِ أنَّ هذا السؤالَ لم يَجِدْ يومًا مَنْ يُجيبُ عنهُ إجابةً وافِيَةً لأنهُ عندما كانَ يَحينُ وَقْتُهُمْ لِطَرْحِ السؤالِ على المُعَلِّمِ الكَبير، كانتْ تلكَ هيَ فُرْصَتُهم الذَّهبيَّة. فقد كانوا ماهِرينَ جدًّا وبارعينَ جدًّا في الدفاعِ عن عدمِ إيمانهم بالقيامة، لا سِيَّما أنهم كانوا يَفعلونَ ذلكَ مُنذُ زمنٍ طويل. لذلكَ فقد كانوا يَبذلونَ أَقْصَى طاقَةٍ لديهم.

وهكذا فقد جاءوا إليهِ يومَ الأرْبِعاءِ وهُمْ عازِمونَ على التَّخَلُّصِ مِنهُ لأنهُ كانَ يُهَدِّدُ وُجودَهُم. ويَتَّضِحُ هذا تمامًا مِن خلالِ ما وَرَدَ في الأصحاحِ الحادي عَشَر مِنْ إنجيل يوحنَّا إذْ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 11: 47: "فَجَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ [الذينَ كانوا مِنَ الصَّدُّوقِيِّينَ] وَالْفَرِّيسِيُّونَ مَجْمَعًا". فَهُمْ لم يكونوا يَتَّفِقونَ على الأمورِ اللَّاهُوتِيَّةِ، ولكنَّهُمْ اتَّفقوا على رَغْبَتِهِمْ في قَتْلِ يَسوع. وقد رَأينا في الأسبوعِ الماضي النَّهْجَ الَّذي اتَّبَعَهُ الفَريسيُّونَ في جَعْلِ الرُّومانِيِّينَ يَقْبِضونَ عليه.

ولكنَّ رؤساءَ الكهنةِ انْتَهَجوا أسلوبًا مُختلفًا. ولا أظُنُّ أنهم أرادوا للرُّومانِيِّينَ أنْ يَعْتَقِلوه. ولا أظُنُّ أنهم كانوا يُبالونَ بذلك. ولكنَّهُمْ وافَقوا على ذلكَ في نهايةِ المَطاف. ولكنَّهُمْ، في رأيي، كانوا يَقلقونَ جِدًّا مِنْ تَدَخُّلِ رُوما في أيِّ شيءٍ، ويَقلَقونَ مِنَ القيامِ بأيِّ شَيءٍ يُغْضِبُ رُوما لأنَّ ذلكَ سيُهَدِّدُ أَمْنَهُمْ. ولكِنْ في هذا الاجتماعِ الَّذي ضَمَّ فَرِّيسيِّينَ وصَدُّوقِيِّينَ (في إنجيل يوحنَّا 11: 47) اتَّحدوا معًا، وعَقَدوا مَجْمَعًا، وَقَالُوا: "مَاذَا نَصْنَعُ؟ فَإِنَّ هذَا الإِنْسَانَ يَعْمَلُ آيَاتٍ كَثِيرَةً".

فَهُمْ لم يُنكروا يومًا مُعْجِزاتِهِ، ولا حَتَّى قِيامةَ لِعازَر مِنَ الموتِ. "إِنْ تَرَكْنَاهُ هكَذَا يُؤْمِنُ الْجَمِيعُ بِهِ، فَيَأْتِي الرُّومَانِيُّونَ وَيَأْخُذُونَ مَوْضِعَنَا وَأُمَّتَنَا". فقد كانَ هذا هُوَ ما يَخْشَوْنَ حُدوثَهُ. فقد كانوا يَخْشَوْنَ فُقْدانَ مَناصِبِهِمْ وفُقْدانَ مَوْضِعِهِمْ. "إِنْ لم نَفْعَلْ شيئًا بِشَأنِهِ، يَأتي الرُّومَانِيُّونَ وَيَأخُذُونَ مِنَّا مَناصِبَنا". فقد كانَ هذا هُوَ الشَّيءُ الَّذي يُؤَرِّقُ رُؤساءَ الكهنة. أمَّا الفَرِّيسيُّونَ فكانوا يَرْغَبونَ في أنْ يَأتي الرُّومانيُّونَ ويَعْتَقِلونَهُ لكي يَرى الشَّعْبُ أنَّهُ ليسَ المَسِيَّا لأنهُ لم يَتمكَّنْ مِنْ دَحْرِ أعدائِهِ.

ولكِنَّ الصَدُّوقِيِّينَ لم يَرغبوا في تَدَخُّلِ الرومانِيِّينَ في هذهِ المَسألةِ لأنهم كانوا يَخْشَوْنَ أنْ يَفْقِدوا مَناصِبَهُم. لذلكَ، قَالَ لَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ رَئيسُ الكَهَنَةِ المَدْعو "قَيَافَا" (وَهُوَ مِنْ جَماعَةِ الصَدُّوقِيِّين): "أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ شَيْئًا، وَلاَ تُفَكِّرُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا!" بعبارةٍ أخرى، يجبُ علينا أنْ نَقْتُلَهُ. فيَنبغي أنْ يَموتَ لِئَلَّا نَموتَ جَميعًا.

إذًا فقدِ اتَّحَدَ الفَرِّيسيُّونَ والصَدُّوقِيُّونَ معًا. وبالرَّغْمِ مِنْ أنَّ الفَريسيِّينَ أرادوا أنْ يَقتلوهُ بِكُلِّ تأكيد، فإنَّ الصَدُّوقِيِّينَ لم يُريدوا قَتْلَهُ بالضَّرورة لأنهم كانوا يَظُنُّونَ أنَّ روما سَتَنْقَضُّ عليهم. وحينئذٍ تَدَخَّلَ قَيافا (الَّذي كانَ رَئيسًا للكَهَنَةِ) وقالَ: "مَهْلًا. يَنبغي أنْ يَموتَ لِئَلَّا نَخْسَرَ كُلَّ شيء". لذلكَ فقد عَقَدوا العَزْمَ على قَتْلِ يَسوع.

وكانَ أُسلوبُ الصَدُّوقِيِّينَ يَقومُ على تَشويهِ صُورَتِهِ أمامَ النَّاسِ مِنْ خِلالِ طَرْحِ سُؤالٍ عليهِ لا يُمكنُ لأحدٍ أنْ يُجيبَ عَنْهُ. وقد كانَ هَذا هُوَ السُّؤالُ المُحَيِّرُ جِدًّا. وأنا على يَقينٍ أنَّ هذا السُّؤالَ كانَ يُحَيِّرُ الجَميعَ في جَميعِ المُجادَلاتِ الَّتي تَجري. وقد كانتْ هذهِ هيَ فُرصَتُهُم الذَّهبيَّة. لذلكَ فقد أرادوا أنْ يُظْهِروهُ بِمَظْهَرِ الإنسانِ الغَبِيِّ قائِلين: "لِنُظْهِرُهُ بمَظْهَرِ الإنْسانِ الغَبِيِّ مِنْ خِلالِ طَرْحِ هذا السُّؤالِ عَلَيْهِ عَنِ القِيامَة".

لذلكَ فإننا نَرى أسلوبَ الصَدُّوقِيِّين. ثانيًا، هُناكَ مَسْألَةُ غَرابَةِ فِكْرَةِ القِيامَة. فقد جَعلوا الأمْرَ يَبْدو سَخيفًا: فقد سَألوهُ قائلينَ (في العدد 28): "يَا مُعَلِّمُ". وقد كانَ مِنَ النُّبْلِ أنْ يُلَقِّبوهُ بهذا اللَّقَب. وقد ذَكَرْنا عندَ دِراسَتِنا للعَدَد 21 أنَّ هذا اللَّقَبَ كانَ يُستخدمُ حَصْرِيًّا لمُناداةِ أَبْرَزِ مُعَلِّمي الشَّريعةِ.

"يا مُعَلِّم" - وَبِذَلِكَ فقد رَفَعُوا مِنْ شَأنِهِ مِنْ خلالِ مُناداتِهِ بأَرْقَى طَريقةٍ مُمْكِنَةٍ. وقد تَوَقَّعُوا مِنْهُ جَوابًا حَكيمًا. "كَتَبَ لَنَا مُوسَى: إِنْ مَاتَ لأَحَدٍ أَخٌ وَلَهُ امْرَأَةٌ، وَمَاتَ بِغَيْرِ وَلَدٍ، يَأْخُذُ أَخُوهُ الْمَرْأَةَ وَيُقِيمُ نَسْلاً لأَخِيهِ". وقد ذَكَروا مُوْسى بِكُلِّ تَأكيد. وقد ذَكَروا أسفارَ مُوسَى الخَمْسَة بِكُلِّ تَأكيد. فَهذا الكَلامُ مُقْتَبَسٌ مِنَ الأصحاح 25 مِنْ سِفْرِ التَّثنية ... سِفْر التَّثنية – الأصحاح 25.

واسمحوا لي بِتَذكيرِكُمْ بذلك. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاح 25 مِنْ سِفْر التَّثنية جُزْءًا مِنْ شريعةِ اللهِ المُعْطاةِ لِبَني إسرائيل. وإليكُمْ ما جاءَ في العددِ الخامِسِ: "إِذَا سَكَنَ إِخْوَةٌ مَعًا وَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، فَلاَ تَصِرِ امْرَأَةُ الْمَيْتِ إِلَى خَارِجٍ لِرَجُل أَجْنَبِيٍّ". فإنْ كانَ هُناكَ إخْوَة يَسْكُنونَ مَعًا فَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمْ وماتَ قَبْلَ أنْ يُنْجِبَ ابْنًا يَحْمِلُ اسْمَ العائِلَةِ، لا يُمْكِنُ لِزوجَتِهِ أنْ تَتَزَوَّجَ مِنْ رَجُلٍ أجْنَبِيٍّ. "أَخُو زَوْجِهَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَيَتَّخِذُهَا لِنَفْسِهِ زَوْجَةً، وَيَقُومُ لَهَا بِوَاجِبِ أَخِي الزَّوْجِ. وَالْبِكْرُ الَّذِي تَلِدُهُ يَقُومُ بِاسْمِ أَخِيهِ الْمَيْتِ، لِئَلاَّ يُمْحَى اسْمُهُ مِنْ إِسْرَائِيلَ".

ففي ذلكَ الوقت، كانَ بَنو إسرائيلَ يَقِفونَ على مَشارِفِ الأرضِ كَما جاءَ في سِفْرِ التَّثنية. وكانُوا سيَدْخُلونَ الأرْضَ. وكانَتْ الأرْضُ سَتُقَسَّمُ بينهم. وكانتِ العَشائِرُ والأسْباطُ ستَحْصُلُ على أجْزاءٍ مُعَيَّنَة مِنَ الأرْضِ. وكانَ مِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ يَبقى لتلكَ الأسْباطِ نَسْلٌ وذُرِّيَّةٌ، وأنْ يَستمرُّوا في الاحتفاظِ بعَهْدِ اللهِ وَوَعْدِهِ بإعْطاءِ تِلكَ الأرْضِ لتلكَ الأسْباطِ. ولكِنْ ماذا سيَحدُثُ إنْ كانَ لِرَجُلٍ زَوْجَة وَماتَ قَبْلَ أنْ يُنْجِبَ مِنْها وَلَدًا؟ في هذهِ الحالةِ، كانَ يَنبغي لأخيهِ أنْ يَتَّخِذَ تلكَ المرأةَ زَوْجَةً لَهُ وأنْ يُقيمَ نَسْلًا يَحْفَظُ اسْمَ العائلةِ لأنَّ ذلكَ كانَ عَهْدُ اللهِ وقَصْدُهُ. وقد كانَتِ الغايَةُ مِنْ ذلكَ هِيَ حِمايَةُ الأُمَّةِ، والحِفاظُ عليها، وعلى هُوِيَّةِ الشَّعْبِ، وعلى الأماكِنِ الَّتي عَيَّنها اللهُ لَهُم. وقد كانَ ذلكَ يُعْرَفُ بِشَريعةِ زَواجِ الأخِ بامْرأةِ أخيهِ المَيِّت.

وبالمُناسَبَة، فقد جاءَ الحَديثُ عن ذلكَ أوَّلَ مَرَّةٍ في العهدِ القديمِ، وتَحديدًا في الأصحاح 38 مِنْ سِفْرِ التَّكوين. وقد حَدَثَ ذلكَ في بيتِ يَهوذا بْنِ يَعقوب. فقد رَفَضَ "أُوْنان" أنْ يَنْصاعَ وَأنْ يُقيمَ نَسْلًا لأخيهِ المُتَوَفَّى فَأَمَاتَهُ اللهُ (كما جاءَ في تَكوين 38). فقد كانَ اللهُ يُريدُ أنْ يَحمي شَعْبَهُ، ويَحْفَظَهُمْ، ويَحْفَظَ أسباطَ شَعْبِهِ مِنْ أجْلِ تَتْميمِ خُطَّتِهِ ونُبوءَتِهِ. وقد كانَتْ هذهِ هي طَريقةُ اللهِ في القيامِ بذلك.

إذًا فقد كانَ الصَّدُّوقيُّون يَعرفونَ أسْفارَ مُوسى الخمسة ويَعرفونَ النَّاموسَ كما هِيَ حالُ اليهودِ جميعًا. لذلكَ فقد طَرَحوا هذهِ المَسألةَ على يسوع. ورُبَّما كانَتِ الصُّورةُ التَّوضيحيَّةُ الأَبْرَزُ على ذلكَ هيَ "رَاعُوث". فأبيمالِك، كما تَذكرون، ماتَ دونَ أنْ يَكونَ لَهُ وَريث. لذلكَ عندما ذَهَبَتْ راعوثُ إلى أرْضِ إسرائيل، تَدَخَّلَ "بُوْعَز" (قَريبُ أبيمالِك) وَاتَّخَذَ راعوثَ زَوجةً لَهُ، وأَنْجَبَ مِنها ولدًا اسْمُهُ "عُوْبِيْد". ومِنْ نَسْلِ عُوْبيد جاءَ يَسَّى. وَمِنْ يَسَّى جاءَ داوُد. وَمِنْ نَسْلِ داوُد جاءَ أخيرًا الرَّبُّ يَسوعُ المَسيح. فقَدْ كانَ لَدى اللهِ قَصْدٌ مِنْ هذهِ الشَّريعةِ في السَّنواتِ الأولى مِنْ تاريخِ هذا الشَّعب.

لذلكَ فقد طَرَحوا هذهِ المَسألةَ، ثُمَّ جاءُوا إلى النُّقْطَةِ الغَريبَةِ فقالوا في العدد 29: "فَكَانَ سَبْعَةُ إِخْوَةٍ". وبالمُناسبة، فإنَّ مَتَّى يَقولُ "فَكَانَ عِنْدَنَا سَبْعَةُ إِخْوَةٍ". فَهَلْ هذا يَعني أنَّ هذهِ الحادِثَةَ وَقَعَتْ حَقًّا؟ لا أدري. ولَكِنَّ النَّصَّ هُنا يَقولُ ببساطَة إنَّ ذلكَ حَدَثَ، رُبَّما افْتِراضِيًّا. فَلَعَلَّهُ قد حَدَثَ ذاتَ مَرَّة في مكانٍ ما. "فَكَانَ سَبْعَةُ إِخْوَةٍ. وَأَخَذَ الأَوَّلُ امْرَأَةً وَمَاتَ بِغَيْرِ وَلَدٍ، فَأَخَذَ الثَّانِي الْمَرْأَةَ وَمَاتَ بِغَيْرِ وَلَدٍ، ثُمَّ أَخَذَهَا الثَّالِثُ، وَهكَذَا السَّبْعَةُ. وَلَمْ يَتْرُكُوا وَلَدًا وَمَاتُوا".

يا للعَجَب! إنَّها سَيِّدَةٌ خَطيرَةٌ! وأعتقدُ أنِّي لو كنتُ الأخَ رَقْم أرْبَعَة، فإنِّي سَأهْرُبُ مِنَ المَدينَة. ومِنَ المؤكَّدِ أنِّي لو كُنْتُ الأخَ الخامِسَ أوِ السَّادِسَ أوِ السَّابِعَ فإنَّ أَحَدًا لن يَعْثُرَ عليَّ في أيَّ مكان. فهذهِ المَرأةُ مُمِيْتَة. يا للعَجَب! فقد تَزَوَّجُ سَبْعَةُ إخْوَة مِنْ هذِهِ المَرأة وَماتُوا جميعًا!

ثُمَّ جاءتِ الرَّحْمَةُ أخيرًا في العدد 32 إذْ نَقرأُ: "وَآخِرَ الْكُلِّ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ أَيْضًا". ويا لَها مِنْ نِعْمَة! ولكنَّنا لا نَقرأُ عَنْ عَدَدِ الأشخاصِ الذينَ نَجَوْا بحياتِهِمْ بسببِ ذلك. وعلى أيِّ حالٍ فقد طَرَحوا عليهِ هذا الموقفَ الغَريبَ، ثُمَّ قالوا: "فَفِي الْقِيَامَةِ، لِمَنْ مِنْهُمْ تَكُونُ زَوْجَةً؟ لأَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً لِلسَّبْعَةِ!"

ويُمكننا أنْ نَرى هُنا ابتسامةً خَبيثَةً على وُجوهِهِم. فكَمْ عَدَدُ المَرَّاتِ الَّتي طَرَحوا فيها هذا السؤالَ مِنْ قَبْل؟ وكَمْ عَدَدُ النُّكاتِ الَّتي قالوها اسْتِهْزاءً بالقيامَةِ باستخدامِ هذا النَّوعِ مِنَ الأمثلةِ التَّوضيحيَّةِ والتَّشبيهات؟ وكانَ الفَريسيُّونَ يَقولونَ إنَّ الحياةَ الآخِرَةَ ستكونُ مِثْلَ هذهِ الحياة: أيْ إنَّ الإنْسانَ سيكونُ الشخصَ نَفْسَهُ بِذاتِ الصِّفاتِ، وذاتِ الملابِسِ، وذاتِ جوانِبِ الضَّعْفِ والقُوَّةِ، وذاتِ العلاقاتِ. حَقَّا؟ وهناكَ مَنْ قالَ (مِثْل "موسى بن مَيْمون") إنَّ هُناكَ أطفالًا سيُولَدونَ بعدَ القيامَة. وَهذا هُوَ "مُوْرمون" الأصْلِيّ. وهذا ليسَ بالأمْرِ الجَديد.

لذلكَ فقد ذَكَروا موضوعَ القيامةِ الغَريب. وقد كانَ الأمْرُ في نَظَرِهم نُكْتَة بِحسبِ فَهْمِهِمْ للموضوعِ في ذلكَ الوقت. ومِنَ الأسلوبِ، إلى الغرابَةِ، نَأتي أخيرًا إلى جَوابِ الكِتابِ المقدَّسِ ... إلى جوابِ الكتابِ المقدَّسِ. فنحنُ نَقرأُ في العدد 34 (وسوفَ نَمُرُّ مُرورًا سَريعًا على ذلك): "فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ" – حَسنًا، يجبُ أنْ أتوقَّفَ هنا. والحقيقةُ أنِّي لا أُحِبُّ أنْ أَفعلَ ذلكَ، ولكنِّي لا أُريدُ أنْ أُفَوِّتَ شيئًا ذُكِرَ في إنجيلِ مَتَّى دونَ أن أَذْكُرَهُ. فالأصحاح 22 مِنْ إنجيلِ مَتَّى (حيثُ نَجِدُ المَقْطَعَ المُوازي للقصَّةِ نَفْسِهِا)، يُضيفُ الآتي إذْ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 22: 29: "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ [اسْتَمِعوا إلى ما قالَهُ]: تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ".

يا للعَجَب! فإذا كنتُم تَظُنُّونَ أنَّهُمْ تَألَّموا عندما حَمَلَ سَوْطًا وطَرَدَ البَاعَةَ الذينَ يَعْمَلونَ لَديهم، فَكَمْ بالحَرِيِّ تَألَّموا عندما تَلَقَّوْا تلكَ الصَّفْعَةَ فيما يَخْتَصُّ بعقيدَتِهِمْ! فقد كانوا يَفْتَخِرونَ بأنَّهُم مُفَسِّرو الأسفارِ المقدَّسَةِ. ولكنَّهُ يَقولُ لهم إنَّهُمْ قد ضَلُّوا. والفِعْلُ المُستخدمَ هُنا مُشْتَقُّ مِنَ الفِعْل "بلاناءو" (planao) ومَعْناهُ: "يُضِلُّ شَخْصًا عَنِ الحَقِّ" أوْ "يَقودُ شَخْصًا إلى الضَّلال". والمَعنى المَقصودُ هُنا هُوَ: "لقد دَفَعْتُمْ أنْفُسَكُمْ إلى الضَّلالِ وَأبْعَدْتُمْ أنْفُسَكُمْ عَنِ الحَقِّ. فَقَدْ زُغْتُمْ عَنِ الحَقِّ وعَنِ الواقِعِ. لذلكَ فإنَّكُمْ لا تَفهمونَ الأمْرَ". لماذا؟ لأنَّكُمْ لاَ تَفْهَمونَ الأسْفارَ المُقَدَّسَةَ. ويا لهُ مِنْ تَوْبيخ!

والحقيقةُ، يا أحبَّائي، أنِّي أسْتطيعُ أنْ أتَحَدَّثَ عن ذلكَ مُطَوَّلًا. ولكنَّنا لَسْنا بِصَدَدِ دِراسَةِ إنجيلِ مَتَّى. لذلكَ، لا يمكنني أنْ أفعلَ ذلك. ولكنِّي أستطيعُ أنْ أتَحَدَّثَ عن ذلكَ مُطَوَّلًا، أيْ عَنْ عَدَمِ فَهْمِ الكتابِ المقدَّسِ. ويمكنني أنْ أتحدَّثَ مُطَوَّلًا عنْ الآثارِ المُتَرتِّبةِ عنْ عدمِ فهمِ الكتابِ المقدَّسِ. ولكنَّ النقطةِ الأساسيَّةَ هنا هي أنَّ عَدَمَ فهمِ الكتابِ المقدَّسِ فهمًا صحيحًا يَجْعَلُ المرءَ لا يَفْهَمُ شيئًا. فالتَّفسيرُ الصحيحُ للكتابِ المقدَّسُ هوَ أَسَاسُ كُلِّ فَهْمٍ حَقيقيٍّ.

"إنَّكُمْ لا تَفهمونَ الأسفارَ المقدَّسَةَ!" ولم يَكُنْ هناكَ شَيءٌ يُمْكِنُ أنْ يَجْرَحَهُمْ أكْثَرَ مِنْ سَماعِ تلكَ الكلمات. "أنْتُم مُفَسِّرونَ جاهلونَ للأسفارِ المقدَّسَةِ. وقد أَسأتُمْ فَهْمَها. وقد قُدْتُمْ أنْفُسَكُمْ إلى الضَّلال. وقدْ حِدْتُمْ عنِ الحَقِّ. إنَّكُمْ لا تَفْهَمونَ الأسفارَ المقدَّسَةَ". وهذهِ الكلماتُ تَصِفُ كُلَّ مُعَلِّمٍ زائِفٍ ... في كُلِّ عَصْر.

لقد كانوا يَفْتَخِرونَ بمعرفةِ الأسفارِ المقدَّسَةِ، ولكنَّهم لم يكونوا يَفْهَمونَها. ثُمَّ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ". فلو كانوا يَعرفونَ الأسفارَ المقدَّسَةَ، أي لو كانوا يَعرفونَ الأسفارَ المقدَّسَةَ حَقَّ المَعرفةِ، لعَرَفوا أنَّ اللهَ وَعَدَ بالقيامة. ولو أنَّهم عَرفوا قُوَّةَ اللهِ لَفَهِموا أنَّ اللهَ قادرٌ أنْ يُقيمَ النَّاسَ بطريقةٍ بَعيدةٍ كُلَّ البُعْدِ عَنْ مَنْطِقِهِمِ السَّخيف. فقد كانُوا عُمْيانًا رُوحِيًّا.

لذلكَ فقد كانَ مُزْمِعًا أنْ يَقولَ لهمُ الحقيقةَ إذْ نَقرأُ في العدد 34: فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "أَبْنَاءُ هذَا الدَّهْرِ يُزَوِّجُونَ وَيُزَوَّجُونَ" ... "أبناءُ هذا الدَّهْرِ". هذا مُصْطَلَحٌ عِبْرِيٌّ مَعْناهُ: "النَّاسُ الذينَ يَعيشونَ في هذا العالمِ"، أيْ نَحْنُ البَشَرُ الزَّائِلون. وما الَّذي قَصَدَهُ يَسوع؟ إنَّ موضوعَ الزَّواجِ، والجِنْسِ، والإنْجابِ، والحَمْلِ، وكُلِّ شَيءٍ يَخْتَصُّ بذلكَ هُوَ لهذهِ الحياةِ، وليسَ للحياةِ الآخِرَةِ ... إنَّهُ لهذهِ الحياةِ، وليسَ للحياةِ الآخِرَةِ. فَهُمْ في هذا الدَّهْرِ يَتَزَوَّجونَ وَيُزَوَّجون. فَهَذا جُزْءٌ مِنْ هذا الدَّهْرِ.

والحقيقةُ هيَ أنَّهُ لا صِحَّةَ لما يَقولُهُ المُورمون بأنَّهم سيَقْضونَ الأبديَّةَ في كَوْكَبٍ خاصٍّ بِهِمْ وأنَّهُمْ سيُمارِسونَ الجِنْسَ على ذلكَ الكَوْكَبِ ويُنْجِبونَ أبناءً خارِقينَ للطَّبيعة. كذلكَ، لا صِحَّةَ لما يَقولُهُ المُسْلِمونَ بأنَّهم سَيَتَّكِئونَ على وَسائِدَ خَضْراءَ ويُمارِسونَ الجِنْسَ مَعَ اثْنَتَيْنِ وسَبْعينَ عَذْراءَ في الحياةِ الآخِرَةِ. فالزَّواجُ هُوَ أَمْرٌ يَقْتَصِرُ على هَذِهِ الحياةِ فقط.

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 35: "وَلكِنَّ الَّذِينَ حُسِبُوا أَهْلاً لِلْحُصُولِ عَلَى ذلِكَ الدَّهْرِ ..." – (أيْ ليسَ هذا الدَّهْر، بل ذلكَ الدَّهْر، أيِ الحَياةِ الأبديَّةِ في حَضْرَةِ اللهِ) – "... وَالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ". فلن يكونَ هُناكَ أيُّ زَواجٍ هُناك. ولن تكونَ هُناكَ أيُّ عائلاتٍ هُناك. لماذا؟ إنَّ الجَوابَ واضِحٌ مِنْ خلالِ العَدَد 36 إذْ نَقرأُ: "إِذْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَمُوتُوا أَيْضًا". فلا أحَدَ سيَموتُ. ولا أَحَدَ سَيُسْتَبْدَل. ولا حاجةَ لكم للتَّناسُلِ لأنَّ أحدًا لن يَموت.

"لأَنَّهُمْ مِثْلُ الْمَلاَئِكَةِ". وهذا فِعْلُ صَاغَهُ لوقا "إيسانجيلوي" (isangeloi) وَمَعْناهُ: "مُشابِهٌ للمَلائِكَة". وَهُوَ لا يُستَخْدَمُ إلَّا هُنا. فالملائكةُ خُلِقُوا جميعًا في وقتٍ واحدٍ. وهُم لا يَتناسلونَ ولا يَموتون. لذلكَ فإنَّ عَدَدَهُم ثابتٌ. ولا حاجةَ لهم للزَّواجِ لأنهُ لا حاجةَ للتَّناسُلِ. ولا حاجةَ لوجودِ أشْخاصٍ بَديلين. ولا حاجةَ لاستمرارِ النَّسْلِ. ولا حاجةَ أيضًا لهذا النَّوعِ مِنَ الاتِّحادِ لأنَّ العلاقةَ باللهِ والمسيحِ بِوَصْفِهِ عَريسَنا الحَقيقيَّ، ووجودَ علاقةٍ كاملةٍ معَ كُلِّ شخصٍ آخَرَ في مَجْدِ السَّماءِ يُلْغي الحاجةَ إلى وجودِ علاقاتٍ أَدْنى شَأنًا.

لذلكَ فإنَّهُ يَقولُ: "أنتُم لا تَفهونَ الأسفارَ المقدَّسَةَ. وأنتُم لا تَفهمونَ قُوَّةَ اللهِ. فالزَّواجُ هُوَ لهذا الدَّهْرِ. وَلكِنَّ الَّذِينَ حُسِبُوا أَهْلاً لِلْحُصُولِ عَلَى ذلِكَ الدَّهْرِ وَالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ".

لاحِظُوا العبارةَ الصغيرةَ في العَدَد 35: "الَّذِينَ حُسِبُوا أَهْلاً لِلْحُصُولِ عَلَى ذلِكَ الدَّهْرِ وَالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ". وهذا يَطْرَحُ السُّؤالَ التَّالي: لماذا يَقولُ ذلك؟ أعتقدُ أنَّهُ تَحْذيرٌ. أعتقدُ أنهُ تحذيرٌ مُباشِرٌ للصَّدُّوقِيِّين. وكأنَّهُ يَقولُ لهم الآتي، أوْ يُلَمِّحُ لهم بالآتي: "مِنَ الواضِحِ أنَّكُمْ لستُمْ أَهْلًا للحصولِ على ذلكَ لأنكم لا تُؤمِنونَ بِهِ". وهذا تَحذيرٌ. "أنتُم لا تؤمنونَ حتَّى بالملائكةِ، ولا بأبناءِ اللهِ، ولا بأبناءِ القيامَةِ، ولا بالدَّهرِ الآتي، ولا بالقيامةِ مِنَ الأمواتِ. فأنتُم تَرفُضونَ ذلكَ كُلَّهُ. ومِنَ الواضِحِ أنَّكُمْ لستُم أَهْلًا للحُصولِ عليه".

مِن جهةٍ أُخرى، كيفَ يمكنُ للمرءِ أنْ يُحْسَبَ أَهْلًا لدخولِ السَّماءِ؟ وكيفَ يمكنُ للمرءِ أنْ يُحسبَ أَهْلًا لأنْ يكونَ ابنًا للهِ، وابنًا للقيامةِ؟ الجوابُ هُوَ: بواسطةِ الإيمانِ بالرَّبِّ يسوعَ المسيح. والكتابُ المقدَّسُ واضحٌ بهذا الخُصوص. فنحنُ لا نَسْتَحِقُّ ذلكَ مِنْ تِلقاءِ أنفُسِنا. فَجَميعُ أَعْمَالِ بِرِّنَا كَثَوْبٍ قَذِرٍ بَالٍ. وقد كانَ العهدُ القديمُ واضحًا في ذلك. فإشعياءُ قالَ ذلك.

إنَّ استحقاقَنا نابِعٌ مِنْ بِرِّ المسيح، أوْ هُوَ نابِعٌ مِنْ بِرِّ اللهِ مِنْ خِلالِ إيمانِنا بالمسيح بِفَضْلِ نِعْمَتِهِ وسِيادَتِهِ. ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ عندما قالَ يَسوعُ لَهُم: "الَّذِينَ حُسِبُوا أَهْلاً لِلْحُصُولِ عَلَى ذلِكَ الدَّهْرِ"، فإنَّهُ كانَ يُشيرُ بوضوحٍ إلى إنهم لم يكونوا يَسْتَحِقُّونَ ذلكَ في ذلكَ الوقت. "وَالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ". انْسوا هذهِ الفِكرة. فَسُؤالُكُمْ غَريبٌ لأنهُ لا يوجدُ زَواجٌ البَتَّة في السَّماء.

لماذا؟ نَقرأُ في العدد 36: "إِذْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَمُوتُوا أَيْضًا، لأَنَّهُمْ مِثْلُ الْمَلاَئِكَةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ". وما مَعنى ذلك؟ المَعنى هُوَ أنهم يَحْصُلونَ على ذاتِ حَياةِ اللهِ ... على ذاتِ حياةِ اللهِ، وَهِيَ حياةٌ غيرُ جِنْسِيَّة. فَهُمْ يَحصُلونَ على ذاتِ حياةِ اللهِ، أيْ على الحياةِ الأبديَّة. وَهُمْ يَصيرونَ أبناءَ القيامة. وأينما رأيتم في الكتابِ المقدسِ الكلمة "ابن" (مَثَلًا: "أبناء هذا الدهر" أو "أبناء الله" أو "أبناء القيامة)، وهيَ كلمة تَتَكَرَّرُ في الأناجيل، فإنها تُشيرُ ببساطة إلى طبيعةِ أو جوهرِ أو صِفَةِ شَيءٍ ما.

فإن كنتَ ابنًا لبليعال، فإن الصفةَ الجوهريةَ هي شيطانية. وإن كنتَ ابنًا للهِ، فإن الصفةَ الجوهريةَ ستكونُ إلهيَّة. وإذا كنتَ ابنًا للقيامة، فإنكَ تَمتلكُ حياةَ القيامة. فهذا هوَ الواقعُ الَّذي يُحَدِّدُ الصِّفَةَ الجوهريَّة. وإنْ كنتَ ابنًا لهذا الدهرِ، فإنَّ واقِعَكَ سيكونُ بَشَرِيًّا. وإنْ كنتَ ابنًا للدهرِ الآتي، فإنَّ واقِعَكَ سيكونُ أبديًّا.

لذلكَ فإنَّهُ يقولُ إنَّ أولئكَ الذينَ يأتونَ إلى دهرِ القيامةِ سيأخذونَ صِفَةَ الملائكةِ الذينَ لا يَتَناسَلونَ، ولا يملِكونَ هذهِ الأنواعَ مِنَ العلاقاتِ، ويأخذونَ صِفَةَ أبناءِ اللهِ – أي أنهم سيَمتلكونَ حياةِ اللهِ الطاهرةِ المُشْبِعَةِ. وهُم سيأخذونَ صِفَةَ القيامَةِ وجِدَّةِ الحَياةِ. فالزواجُ لن يكونَ ضروريًّا. والزواجُ لن يكونَ صِفَةً لازمَةً في أيِّ جانبٍ مِنْ جَوانِبِ الحياةِ في الدهرِ الآتي.

لذلكَ فقد صَحَّحَ رَبُّنا عَقيدَتَهُم. وإنْ أردتمُ قراءةَ المزيدِ عن ذلكَ، اقرأوا رِسالةَ كورِنثوسَ الأولى، الأصحاح 15، ابتداءً مِنَ العدد 35. اقرأوا إلى نهايةِ الأصحاحِ إذْ إنَّ اللهَ يُعطينا مِن خلالِ الرسولِ بولسَ نَظرةً على شكلِ جَسَدِ القيامة. فهوَ سيكونَ جَسَدًا شبيهًا بالجسدِ المُمَجَّدِ الَّذي قامَ بهِ يسوعُ (كما جاءَ في رسالةِ فيلبِّي 3: 21).

لذلكَ فقد صَحَّحَ يَسوعُ مَفهومَهُم. فالزواجُ ليسَ للقيامة. ولنُصَحِّح ذلكَ. فهذا يُلْغي الحاجةَ لِسُؤالِكُم. ولكنَّ هذا ليسَ الجوابَ الرَّئيسيَّ. فالجوابُ الرئيسيُّ يأتي في العدد 37، وَهُوَ جوابٌ قَوِيٌّ. استمعوا إلى هذا: "وَأَمَّا أَنَّ الْمَوْتَى يَقُومُونَ ..." – بعبارةٍ أُخرى، لِنَرْجِع إلى النُّقطةِ الأساسيَّة. انسُوا موضوعَ الزَّواجِ لأنَّنا عالَجنا ذلك. "وَأَمَّا أَنَّ الْمَوْتَى يَقُومُونَ ..." (وَهِيَ المَسألةُ الرَّئيسيَّةُ هُنا. فأنتُم تَقولونَ إنهم لا يَقومونَ). "فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ مُوسَى أَيْضًا". وكَمْ هذا مُدْهِشٌ! فَهُوَ يُهاجِمُهُمْ في عُقْرِ دارِهِمْ. أليسَ كذلك؟ إنَّهُ يَأتيهم في عُقْرِ دارِهِمْ لأنَّ هذهِ هيَ المسألة الرَّئيسيَّة. فالعِلَّةُ ليسَتْ في موسى، ولا يمكنُ أنْ تكونَ كذلك. لذلكَ فإنهُ يَقول: "فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ مُوسَى أَيْضًا فِي أَمْرِ الْعُلَّيْقَةِ" – وَحَرْفِيًّا: "في النَّصِّ المُخْتَصِّ بالعُلَّيْقَةِ" ... في النَّصِّ المختصِّ بالعُليقة. بالعُلَّيقةِ المُشتَعِلَة في الأصحاحِ الثالثِ مِنْ سِفْرِ الخُروج.

ماذا؟ هل تَحَدَّثَ موسى في الأصحاحِ الثالثِ مِنْ سِفْرِ الخُروجِ عنْ حقيقةِ القيامة؟ كيفَ فَعَلَ ذلك؟ لأنها مَذكورة هُناكَ: "كَمَا يَقُولُ: اَلرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ". ولكِنْ ما مَعنى هذا؟ حسنًا، أعتقدُ أنَّ الشيءَ المهمَّ الَّذي ينبغي أنْ تَعرفوه هوَ أنهُ عندما قالَ اللهُ في سفرِ الخروج 3: 6، استمعوا إلى هذا الاقتباس: "أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيم" ... "أنا إِلهُ إِسْحَاق" ... "أنا إِلهُ يَعْقُوبَ". وعندما قالَ اللهُ ذلكَ بطريقةٍ تَوكيديَّةٍ (وَالكلمة "أنا" مُدَوَّنة في الرِّوايةِ بحسبِ البَشيرِ مَتَّى ... رُبَّما في مَتَّى 22: 32) ... عندما قالَ: "أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ"، فإنهُ لم يَقُل: "أنا كنتُ إلهَ إبراهيم، وكنتُ إلهَ إسحاق، وكنتُ إلهَ يَعقوب". بل قال: "أنا" ... "أنا". أي أنَّهُ يَتحدَّثُ بصيغةِ الحاضِر. هَلْ فَهِمْتُم الفِكرة؟ فالأمْرُ يَحتاجُ إلى شَرْحٍ دَقيقٍ لأزْمِنَةِ الأفعال. فَهُوَ لا يقولُ: "أنا كنتُ إلَهَهُمْ". بل يَقولُ: "أنا إلَهُهُم". فَهُوَ يَستخدمُ صيغةَ الحاضِرِ وليسَ الماضي.

وفي سِفْرِ التَّكوين 26: 24 وسِفْرِ التَّكوين 28: 13، يَقولُ اللهُ عن نَفسهِ إنَّهُ "إلَهُ إبراهيم" مَعَ أنَّ إبراهيمَ كانَ قد مات. وفي سِفْرِ الخُروج 3: 6 و 15 و 16، وأيضًا في الأصحاحِ الرابعِ، يَقولُ اللهُ عن نَفسِهِ إنهُ "إلهُ إبراهيمَ، وإسحاقَ، ويَعقوب" مَعَ أنَّ هؤلاءِ الثَّلاثةِ كانوا قد ماتوا. إذًا، هلِ اللهُ إلَهَ أمواتٍ؟ العَدَد 38: "وَلَيْسَ هُوَ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ، لأَنَّ الْجَمِيعَ عِنْدَهُ أَحْيَاءٌ". فَمِنْ وُجْهَةِ نَظَرِنا فإنَّهُم أموات. ولكِنْ مِن وُجهةِ نَظَرِهِ فإنَّهم – ماذا؟ إنهم أحياء. فَهُمْ جَميعًا عِنْدَهُ أحياء.

واللهُ الَّذي يقولُ "أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ" لا يُؤسِّسُ مَجْدَهُ على أساسِ أنَّهُ يُعْبَدُ مِنْ قِبَلِ جُثَثٍ هَامِدَةٍ. فهذا لن يُمَجِّدَهُ بأيَّة طَريقة. ولاحِظْ أنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ كُلِّ شخصٍ مِنْ هؤلاءِ الآباءِ مُنْفَرِدًا: "إِلهُ إِبْرَاهِيمَ"، وَ "إِلهُ إِسْحَاقَ" وَ "إِلهُ يَعْقُوبَ" – مؤكِّدًا الواقعَ الشخصيَّ لكُلٍّ منهم. فكُلُّ واحدٍ مِنهم حَيٌّ للهِ، وفي حَضْرَةِ اللهِ، ويَتمتَّعُ بعلاقةٍ باللهِ بالرَّغمْ مِنْ أنَّهُ مَيِّتُ مِنْ وُجهةِ نَظَرِ العالم.

لا! "لَيْسَ هُوَ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ، لأَنَّ الْجَمِيعَ عِنْدَهُ أَحْيَاءٌ". فبالنسبةِ إلى اللهِ، فإنَّ جميعَ خَاصَّتِهِ أحياء وفي اتِّحادٍ مَعَهُ في حَضْرَتِهِ، كما يَقولُ العهدُ القديم. فالموتُ لا يُنهي وجودَ الإنسانِ. فهناكَ حياةٌ أخرى، حياةٌ آخِرَةٌ، حياةُ القيامَةِ لأولئكَ الذينَ يَنْتَمونَ إلى اللهِ ويُوجَدونَ في حَضْرَتِهِ. وقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا 11: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا". فنحنُ سنَحيا إلى الأبد. وإنْ كُنَّا نَنتمي إلى المسيحِ، فإنَّنا سنَحْيا إلى الأبدِ في حَضْرَةِ المسيحِ وفي حَضْرَةِ اللهِ.

وقد كانَ هذا الكلامُ مُدَمِّرًا. فقدْ قُضِيَ عليهم. والكلمةُ المُناسِبَةُ هي أنَّهُمْ "هُزِموا" وَ "سُحِقوا". فقد واجَهوهُ بأفْضَلِ حُجَّةِ لديهم، وقدْ حاولوا أنْ يَقْضوا على مِصْداقِيَّتِهِ بأفْضَلِ وَسيلَةٍ مُجَرَّبَةٍ ومَضمونَةٍ. ولكنَّهُ سَحَقَهُمْ بأنْ قالَ لهم إنهم لا يَفهمونَ الأسفارَ المقدَّسَةَ ولا قُوَّةَ اللهِ. وقد قَضى على مُعتقداتِهِمِ الخاطئةِ بِخُصوصِ القيامةِ والتي اسْتَخلصوها مِنْ خُصومهم، والقائلةِ بأنَّ النَّاسَ سيَتَزَوَّجونَ في القيامةِ وأنَّ الحياةِ هُناكَ ستكونُ مُشابِهَةً جِدًّا للحياةِ هُنا. ثُمَّ وَجَّهَ إليهم حَقًّا الضربةَ القاضيةَ عندما بَرْهَنَ لهم على أنَّ موسى أكَّدَ في كِتاباتِهِ، وليسَ موسى فحسب، بلِ إنَّ اللهَ نَفْسُهَ أيضًا أَكَّدَ في النَّصِّ الَّذي دَوَّنَهُ مُوسى أنَّهُ إلهُ الأحْياء.

وهذا يَقودُنا إلى النقطةِ الأخيرة وَهِيَ دَهْشَةُ الجُموع، ودَهشةُ الكَتَبَة. وأعتقدُ أنَّهُ باستطاعَتِكُم أنْ تَقولوا أيضًا: دَهشةَ الصَدُّوقيِّين. "فَأجَابَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ وَقَالوا: «يَا مُعَلِّمُ، حَسَنًا قُلْتَ!»". فقد كانَ الكَتَبَةُ هُمْ خُبَراءُ الشَّريعة. وكانُوا هُمُ اللَّاهوتِيُّون. وكانوا هُمُ الأشخاصُ الذينَ يُفَكِّرونَ بِتَدْقيقٍ وعُمْقٍ في الأسفارِ المُقَدَّسَة. ولكنَّهُمْ تَعَجَّبوا وَبُهِتوا.

وهذا الوَصْفُ لا يَفي الأمْرَ حَقَّهُ: "حَسَنًا قُلْتَ". فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 22: 33: "فَلَمَّا سَمِعَ الْجُمُوعُ بُهِتُوا". والكلمة "بُهِتُوا" قد تكونُ تَرجمةً للعديدِ مِنَ الكلماتِ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ. ولكنَّ الكلمةَ المُستخدَمَةَ في إنجيل مَتَّى 22: 33 هي "إكبليسُّو" (ekplesso). وأعتقدُ أنَّ هناكَ مُعْجَمًا يَفي الكلمةَ حَقَّها. فالمَعنى الحَقيقيُّ هُوَ: "يُحَيِّرُ أَشَدَّ الحَيْرَة". وهذا يُشْبِهُ استعمالَ اللُّغة الإنجليزيَّة القديمة. ويمكننا أنْ نَقولَ إنَّ المَعنى هوَ أنَّهُ "أَثارَ جُنونَهُمْ". فهذا هوَ المَعنى المَقصودُ تمامًا. فقدَ أَثارَ جُنونَهُمْ. فقد بُهِتوا مِنْ تَعليمِ يَسوعَ. لَقَدْ بُهِتوا، وتَعَجَّبوا، ودُهِشوا، وتَحَيَّروا.

وماذا عنِ الصَّدُّوقِيِّين؟ لقدِ انْتَهى أمْرُهُم. فنحنُ نَقرأُ في العدد 40 أنهُم فَقَدوا شَجاعَتَهُمْ. والفِعلُ اليونانيُّ يَعني: "يَجْرُؤ" أوْ "يَتَجاسَر": "وَلَمْ يَتَجَاسَرُوا أَيْضًا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ". فقد بَذَلوا كُلَّ جُهْدٍ لديهم. ولَكِنَّهُمْ أَفْلَسوا. فقد طَهَّرَهُمْ اقْتِصادِيًّا، ثُمَّ قَضى عَليهم رُوحِيًّا ولاهُوتِيًّا. فقدِ انْتَهى أمْرُهُم. وقدِ تَوارَوْا عَنِ الأنْظارِ.

وبالمناسبة، فيما يَختصُّ بإنجيلِ لوقا، فإنَّ هذا هوَ السُّؤالُ الأخيرُ الَّذي يَطْرَحُهُ عليهِ أيُّ شَخصٍ. وقد كانتْ تلكَ آخِرُ مواجَهَةٍ لَهُ معَ القادةِ. والآنْ، يَبتدئُ يَسوعُ في العدد 41 بِطَرْحِ الأسئلةِ الَّتي قَادَتْهُ إلى الصَّليب. ولكِنَّ يَنبغي لنا أنْ نَنْظُرَ مَرَّة أخرى إلى ما جاءَ في إنجيل مَتَّى لأنَّ مَتَّى يُدَوِّنُ شَيئًا لا يُدَوِّنُهُ لوقا إذْ يَقولُ إنَّ الفَرِّيسيِّينَ الذينَ لا يَكِلُّونَ ولا يَتْعَبونَ، أرادوا أنْ يُحاوِلوا مُحاولةً أخيرةً. لذلكَ فإننا نَقرأُ في إنجيلِ مَتَّى 22: 33: "فَلَمَّا سَمِعَ الْجُمُوعُ بُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ". وكَما ذَكَرْتُ، فإنَّ ذَلَكَ أثارَ جُنونَهُمْ. "أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُ أَبْكَمَ الصَّدُّوقِيِّينَ اجْتَمَعُوا مَعًا، وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ".

لقد كانوا لا يَكْتَفونَ مِنَ التَّوبيخِ. أليسَ كذلك؟ فقد أَبْكَمَ الصَدُّوقِيِّينَ. وها هُمْ يَأتونَ إليهِ بسؤالٍ آخَر. وهل تَعلمونَ مَا السُّؤال؟ "أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟" ولا شَكَّ أنَّ مَتَّى يَذْكُرُ تلكَ الرِّوايَة.

وبالمناسبة، بعدَ ذلكَ السُّؤال، نَرى أنَّ الفَرِّيسيِّينَ أنْفُسَهُمْ قَدْ أَفْلَسُوا. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 22: 46: "فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ (أيِ الأرْبِعاء) لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً".

لقد واجَهَهُ القادةُ الدينيُّونَ المَملوئينَ حِقْدًا، والذينَ أرادوا أنْ يُفْقِدوهُ مِصْداقِيَّتَهُ. وقد كانَ لِكُلٍّ منهم أسلوبُهُ وطَريقَتُهُ. ولكنَّهُ لم يَتَأثَّر بهُجوماتِهِمِ الضَّاريَةِ عليه، بل إنَّهُ أَظْهَرَ مَجْدًا أعْظَم، وَحَيَّرَهُمْ أكْثَرَ مِنْ ذِي قَبْل، وَأدْهَشَهُمْ أكثَر مِنَ السَّابِق. ويقولُ لوقا إنَّ الأمْرَ انْتَهى عندَ ذلكَ الحَدِّ إذْ إنَّ أحدًا لمْ يَتَجاسَر أنْ يَسْألَهُ أيَّ سُؤالٍ عنْ أيِّ شَيءٍ.

وما الَّذي نَستَخلِصُهُ مِن هذا النَّصِّ؟ إنَّهُ الشيءُ الَّذي نَستخلِصُهُ دائمًا مِن إنجيلِ لوقا، وَهُوَ رَوْعَة شَخْصِ المَسيح. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ مُذْهِلٌ. فهذا هوَ ما نَراه. فنحنُ نَرى حِكْمَةَ يَسوعَ الجَليلَة. وقد مَكَّنَتْهُ حِكْمَتُهُ مِنَ السَّيطرةِ على كُلِّ حِوارٍ وكُلِّ نِقاشٍ مُبَرْهِنًا على حِكْمَتِهِ الفائِقَةِ. والشيءُ الثاني الَّذي أراهُ هُوَ التَّكريسُ للكتابِ المُقَدَّسِ وتَفسيرُهُ تفسيرًا صحيحًا. والشيءُ الثالثُ هُوَ التَّأكيدُ على وَعْدِ القيامَة.

لذلكَ فقد عَمِلَ أعداءُ يَسوعَ (أيِ: الصَّدُّوقِيُّون) على إعطائِهِ الفُرصةَ، بلْ إنَّهُمْ أَعْطوهُ فُرصةً رائعةً ومَجيدةً ... لقد أعطوهُ فُرصةً لإظهارِ حِكمَتِهِ الخارِقَةِ للطَّبيعة، وتَكريسِهِ التَّامِّ للأسفارِ المُقَدَّسَةِ، وتأكيدِ الوعدِ بالقيامة. لذلكَ فإنَّ هذا النصَّ (الَّذي كانَ هَزيمةً لأعدائِهِ) كانَ انتصارًا لِمُحِبِّيه. أليسَ كذلك؟ ومعَ أنَّهم بُهِتوا وصَمَتوا بذهولٍ شديدٍ، فإنَّنا نَفْرَحُ جِدًّا لأنَّ رَبَّنا مُطْلَقُ الحِكْمَة، ولأنَّ رَبَّنا مُكَرَّسٌ للتفسيرِ الصحيحِ والدَّقيقِ للكتابِ المقدَّسِ وتَطبيقِهِ، ولأنَّ رَبَّنا يُؤكِّدُ بِشَفَتَيْهِ الوعدَ الكِتابِيَّ المُختصَّ بالقيامة.

لذلكَ فإني أتَّكِلُ أكثر فأكثر على رَبِّي يَسوعَ المسيحِ الكُلِّيِّ الحكمة، والكُلِّيِّ القدرةِ، والصَّادقِ والحيّ ِدائمًا. وهذا الفرحُ يَخُصُّ فقط أولئكَ الذينَ حُسِبُوا أَهْلًا للحصولِ على ذلكَ الدَّهرِ وعلى القيامةِ مِنَ الأموات. ومَنْ يَكونُ هؤلاء؟ إنهم الأشخاصُ الَّذي وَضَعوا ثِقَتَهُمْ في الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ، وفي ذَبيحَتِهِ، وفي موتِهِ وقيامَتِهِ فقط، دونَ الاتِّكالِ على أعمالهم. وهُم أولئكَ الذينَ يأتونَ تائبينَ وقائلين: "يا رَبُّ، أنا لستُ بارًّا في ذاتي. لذلكَ أتضرَّعُ إليكَ أنْ تَغفرَ لي، وأنْ تَحْسِبَ لي بِرَّ المسيحِ وَتَضَعُهُ في حِسَابي".

وبسببِ إيمانِنا فإننا نَنالُ الغُفرانَ عنِ جميعِ خطايانا، ونَكْتَسي بِبِرِّ المسيح، ونَنالُ الوعدَ بالحياةِ الأبديَّة. وعلى أساسِ اسْتِحقاقِهِ فإنَّنا نُحْسَبُ أَهْلًا للقيامةِ مِنَ الأموات. لذلكَ فإننا نَحيا في ضَوْءِ ذلكَ الرَّجاءِ الذي تُؤكِّدُهُ كلماتُ مُخَلِّصِنا الشَّخصيَّةِ في هذهِ المُواجَهَةِ العَظيمة.

يا رَبّ، إذْ نَأتي إلى خِتامِ هذا الوقتَ معًا، نَأمَلُ في أنْ نَسْتمِرَ في سَماعِ صَدى تلكَ الكلماتِ لوقتٍ طويل: أبناءُ اللهِ، أبناءُ القِيامَة. يا لهُ مِنَ امتياز! يا لَهُ مِنَ امتياز! نَشكُرُكَ على رَجاءِ الحياةِ الأبديَّةِ الموجودِ في المسيحِ، وفي المسيحِ فقط. فلأنَّهُ حَيٌّ فإنَّنا سَنَحْيا أيضًا. وكُلُّ مَنْ يُؤمِنُ بهِ لَنْ يَموتَ أبدًا.

نَشْكُرُكَ لأنَّنا صِرْنا في المسيحِ، وفي المسيحِ فقط، أبناءَ القيامة. ونحنُ سنَدخُلُ حَياةَ قِيامةٍ لا تُشْبِهُ البَتَّةَ هذهِ الحياةَ، بل تُشْبِهُ حياتَكَ، وتُشبِهُ حياةَ الملائكةِ القِدِّيسينَ المُمَجَّدينَ الأبَدِيِّين. ويا لهُ مِنْ وعدٍ مَجيدٍ لا نَسْتَحِقُّهُ! ولكنَّنا نَتَمَسَّكُ باسْتِحقاقِ المَسيح. أَعْطِنا أنْ نَكونَ أُمناءَ لِنَحيا حَياةً تُمَجِّدُهُ نُعْلِنْ مِنْ خِلالِها إنْجيلَهُ. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize