Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَأتي الآنَ إلى كلمةِ اللهِ مَرَّةً أخرى، وَلوقا 20 هُوَ نَصُّنا (إنْجيل لوقا، الأصحاح 20). وإذْ نَصِلُ إلى نهايةِ هذا الأصحاحِ، سنَتأمَّلُ في الأعْدادِ الثلاثَةِ الأخيرةِ مِنْه: إنجيل لوقا 20: 45-47. واسْمَحوا لي أنْ أُذَكِّرَكُم بها. لذلكَ أرْجو أنْ تُتابِعوني أثناءَ قِراءتي لها. إنجيل لوقا، الأصحاح العِشرون، ابتداءً مِنَ العَدَد 45:

"وَفِيمَا كَانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَسْمَعُونَ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «احْذَرُوا مِنَ الْكَتَبَةِ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ الْمَشْيَ بِالطَّيَالِسَةِ، وَيُحِبُّونَ التَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالْمُتَّكَآتِ الأُولَى فِي الْوَلاَئِمِ. اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ، وَلِعِلَّةٍ يُطِيلُونَ الصَّلَوَاتِ. هؤُلاَءِ يَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ!»".

إنَّها كلماتٌ قَويَّة. وهي كلماتٌ في الصَّميم. وقَبْلَ أنْ نَنْظُرَ إلى هذا النَّصِّ مِنْ بَعيدٍ، ثُمَّ نَقْتَرِبُ إليهِ تَدريجيًّا، يَنبغي لنا أنْ نَتذكَّرَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُحذِّرُنا مِنَ المعلمينَ الزائفينَ، مِنْ بدايتِهِ إلى نِهايَتِه. فقد كانَ هناكَ دائمًا، وسَيبقى هناكَ دائمًا، قادَةٌ دِيْنِيُّونَ كذبة يَخْدِمونَ الشَّيطان. فَهُمْ يَعْمَلونَ في مَمْلَكَةِ الظُّلْمَةِ، ولكنَّهُمْ يَعْمَلونَ كما لو كانوا رُسُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ.

وفي الأصحاحِ العِشرين مِنْ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، الْتَقى الرسولُ بولسُ بشُيوخِ أَفَسُس وقالَ لهمُ الآتي: "لِذلِكَ اسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلاً وَنَهَارًا، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ". أُحَذِّرُكُمْ مِنْ ماذا؟ "لأَنِّي أَعْلَمُ هذَا: أَنَّهُ بَعْدَ ذِهَابِي سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لاَ تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّةِ. وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ". وهُوَ يُشيرُ هُنا إلى هَرْطَقاتِ هَؤلاء. فينبغي أنْ يَتوقَّعوا ذلكَ مِنَ الخارِجِ ومِنَ الدَّاخِلِ.

وفي رسالةِ كورِنثوسَ الثانية 11: 13-15، يَقولُ الرَّسولُ بولسُ إنَّ: "الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ!" وهذا يَعني أنهُ يَأتي مُتَنَكِّرًا كما لو أنَّهُ مِنْ عندِ اللهِ. لذلكَ، لا تَسْتَغْرِبوا إنْ كانَ رُسُلُهُ أيضًا مُتَنَكِّرينَ في هَيْئَةِ مَلائِكَةِ نُوْرٍ.

فالمُعَلِّمونَ الكَذَبَةُ يَتَنَكَّرونَ بِهَيْئَةِ خُدَّامِ اللهِ. وهُمْ يُريدونَ مِنَ الناسِ أن يُصدِّقوا أنهم يُمَثِّلونَ اللهَ، وأنهم يَعرفونَ اللهَ، وأنهم يَمتلكونَ بَصيرةً روحيَّةً، ويتمسَّكونَ بالحَقِّ الإلهيِّ والحِكمةِ الإلهيَّةِ، معَ أنهم أبناء جَهَنَّمِ ذاتِها. وعندما كَتَبَ الرسولُ بولسُ إلى تيموثاوُس لمُساعَدَتِهِ في فَهْمِ أمورِ الخِدمةِ في الكنيسةِ، فإنَّهُ يَقولُ في رسالتِهِ الأولى إلى تيموثاوس 4: "وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ (في تلكَ الأزْمِنَةِ) يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، فِي رِيَاءِ أَقْوَال كَاذِبَةٍ". فتعاليمُ الشَّيْطانِ تُحَرِّكُها أرْواحٌ مُضِلَّةٌ مُتَمَثِّلَةٌ في المُعَلِّمينَ الذينَ يَتَّصِفونَ بالرِّياءِ، والزِّيفِ، والكَذِب.

ونَقرأُ في رِسالةِ بُطرسَ الثانية 2: 1: "وَلكِنْ، كَانَ أَيْضًا فِي الشَّعْبِ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ، كَمَا سَيَكُونُ فِيكُمْ أَيْضًا مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ، الَّذِينَ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ. وَإِذْ هُمْ يُنْكِرُونَ الرَّبَّ الَّذِي اشْتَرَاهُمْ، يَجْلِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ هَلاَكًا سَرِيعًا. وَسَيَتْبَعُ كَثِيرُونَ تَهْلُكَاتِهِمْ. الَّذِينَ بِسَبَبِهِمْ يُجَدَّفُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ. وَهُمْ فِي الطَّمَعِ يَتَّجِرُونَ بِكُمْ بِأَقْوَال مُصَنَّعَةٍ، الَّذِينَ دَيْنُونَتُهُمْ مُنْذُ الْقَدِيمِ لاَ تَتَوَانَى، وَهَلاَكُهُمْ لاَ يَنْعَسُ".

ومِنَ المؤكَّدِ أنكم تَذكرونَ كلماتِ يَهوذا: "إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ الْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنِ الْخَلاَصِ الْمُشْتَرَكِ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظًا أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ" لماذا؟ "لأَنَّهُ دَخَلَ خُلْسَةً أُنَاسٌ قَدْ كُتِبُوا مُنْذُ الْقَدِيمِ لِهذِهِ الدَّيْنُونَةِ، فُجَّارٌ، يُحَوِّلُونَ نِعْمَةَ إِلهِنَا إِلَى الدَّعَارَةِ، وَيُنْكِرُونَ السَّيِّدَ الْوَحِيدَ: اللهَ وَرَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ".

احذروا، احذروا، احذروا مِنَ المُعَلِّمينَ الكَذَبَة. ونَقرأُ في رِسالَةِ يُوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّاني أنَّهُ يُوْجَدُ أَضْداد كثيرونَ للمَسيح. فَهُمْ موجودونَ في كُلِّ مكانٍ. ولأنكم تَعرفونَ الحَقَّ، يجب عليكم أنْ تَحْموا أنْفُسَكُمْ مِنهم.

ولم يَكُن هناكَ يومًا مُعَلِّمونَ كَذَبَة عِدائيُّونَ أكْثَرَ مِنْ أولئكَ الذينَ ظَهَروا في فترةِ خِدمةِ الربِّ يسوعَ المسيح. فكأنَّ جَهَنَّمَ شَنَّتْ أَعْنَفَ هُجومٍ على شخصٍ واحدٍ، وتَحديدًا على الرَّبِّ يَسوعَ في أثناءِ تلكَ السَّنواتِ الثَّلاث. ونحنُ نَفْهَمُ السَّبب ... نحنُ نَفهمُ السَّبب. فمِنْ أجْلِ تَعطيلُ مَقاصِدِ إنْجيلِ اللهِ، اسْتَخْدَمَ الشَّيطانُ كُلَّ أسْلِحَتِهِ على يَسوعَ المسيح. وعندما نَسْألُ: مَنْ كانُوا عُمَلاءَ جَهَنَّم؟ ومَنْ كانوا أعْوانَ الشَّيطانِ الَّذينَ حاولوا أنْ يُعَطِّلوا مَقاصِدَ اللهِ؟ هل كانوا المُجْرِمينَ في المُجتمع؟ وهل كانوا العَشَّارينَ الخائِنين؟ وهل كانوا الزُّناةَ، والرُّعاعَ، واللُّصوصَ؟ لا. إنَّ أعْوانَ الشَّيطانِ وعُملاءه كانوا القادةَ الدِّينيِّينَ الأكْثَرَ وَرَعًا ظاهِرِيًّا، والأكْثَرَ تَدَيُّنًا، والأكْثَرَ احْترامًا في إسرائيل: أيِ الكَتَبَةَ والفَرِّيسيِّينَ، مَعَ الصَدُّوقِيِّينَ والهِيرودُسِيِّين.

فقدِ اتَّحَدَ هؤلاءِ معًا على يَسوعَ المسيح. وقد حَشَدوا كُلَّ إمْكاناتِهِمْ، وكُلَّ قُوى رُوحيَّةٍ شيطانيَّةٍ لديهم لمُهاجَمَتِهِ، وللقضاءِ عليهِ، ولإحْباطِ مَقاصِدِ اللهِ. لذلكَ، يجب عليكم أنْ تتذكَّروا دائمًا أنَّ أعداءَ الإنْجيلِ يكونونَ دائمًا وأبدًا الأكْثَرَ شَراسَةً عندما يَكونونَ مُتَدَيِّنينَ. وَهَذا يَنْطَبِقُ تَحْديدًا على الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبَة لأنَّهم كانوا يُحْكِمونَ السَّيطرةَ على الدِّيانةِ اليهوديَّةِ السَّائِدَةِ في ذلكَ الوقت. فقد كانوا لا يَكِلُّونَ ولا يَتْعَبونَ في هُجومِهِمْ على يَسوع.

ولم يَكُنْ هؤلاءِ يَتَّفِقونَ معَ الصَّدُّوقِيِّينَ لأنَّ مُعْتَقَداتِهم تَختلفُ كثيرًا عنهم. وَهُمْ لم يكونوا على وِفاقٍ معَ الهِيرودُسِيِّينَ لأنَّ الهِيرودُسِيِّينَ كانوا رِجالَ سِياسَةٍَمُرْتَبِطينَ بهيرودُس الَّذي لم يَكُنْ يَهوديًّا أَصْلًا. فقد كانوا مُخْتَلِفينَ جِدًّا بَعْضُهُمْ عنْ بَعْضٍ، أيِ الفَرِّيسيُّونَ، والصَدُّوقيُّونَ، والهِيرودُسِيُّونَ. ولكنَّ جَهَنَّمَ جَمَعَتْهُمْ على شيءٍ واحدٍ فقط وَهُوَ التَّخَلُّصُ مِنْ يَسوع. وقد نَجَحوا في ذلكَ يومَ الجُمُعَة مِنْ أسبوعِ الآلامِ لأنَّ اللهَ سَمَحَ بذلك. فقد نَجَحُوا في جَعْلِهِ يُصْلَب.

وإذْ نَصِلُ إلى إنْجيل لوقا – الأصْحاح 20، فَإنَّهُ يومُ الأرْبِعاءِ مِنْ أسبوعِ الآلام. إنَّهُ الأرْبِعاء. وقد كانَ يومًا طويلًا ... يومًا طويلًا صَرَفَهُ يسوعُ في الهيكلِ يَجُولُ في وَسَطِ الحُشودِ وبينَهُمْ في الهيكل. فقد كانَ يُعَلِّمُ الحُشودَ. وقد كانَ يُجابِهُ الفَرِّيسيِّينَ، والكَتَبَةَ، ورُؤساءَ الكَهَنَةِ، والصَدُّوقِيِّينَ، والهِيرودُسِيِّينَ الَّذينَ هاجَموهُ جَميعًا بِهَدَفِ التَّشْكيكِ في مِصْداقِيَّتِهِ أمامَ النَّاسِ لكي يَتَسَبَّبوا في إعْدامِهِ لأنهُ كانَ يُشَكِّلُ تَهْديدًا لمملكةِ الظُّلْمَةِ ولمَناصِبِهِمِ الأرْضِيَّةِ. وقد حاولوا حَتَّى الآنَ كُلَّ طَريقَةٍ يَعْرِفونَها، ولكنَّهم لم يَنْجَحوا.

لذلكَ، نَقرأُ في الأصْحاح 20 والعدد 40: "وَلَمْ يَتَجَاسَرُوا أَيْضًا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ". فقدِ باتُوا عاجِزينَ لأنَّهم اسْتَنْفَذوا كُلَّ خِياراتِهِم. فقدْ أَخْفَقوا ولم يعودوا يَسْألونَهُ أيَّ سُؤالٍ. ثُمَّ قُلْنا إنَّهُ في العدد 41، ابْتَدَأَ يَسوعُ يَطْرَحُ الأسْئِلَةَ بطريقةٍ مُفْعَمَةٍ بالرَّحْمةِ والعَطْفٍ واللُّطْفِ طارِحًا مَرَّةً أُخرى موضوعَ هُوِيَّةِ المَسِيَّا – لا فقط بِوَصْفِهِ ابْنَ داوُد، بل أيضًا بوَصْفِهِ ابْنَ اللهِ ... ابْنَ اللهِ الوَحيد.

وفي الأعداد مِنْ 41 إلى 44 (كَما تَذكُرونَ مِنَ الأسبوعِ الماضي)، فإنَّهُ أَعادَهُمْ إلى المَزمور 110 الَّذي دَعَا فيهِ داوُدُ المَسِيَّا "رَبِّي". لذلكَ فإنَّ المسيَّا هوَ ابْنُ داودَ ورَبُّ داوُد. وعليهِ فإنَّهُ إنْسانٌ سَيُوْلَدُ لاحِقًا، ولَكِنَّهُ أيضًا الله الحَيَّ في الوقتِ الَّذي نَطَقَ فيهِ داودُ بتلكَ الكلمات.

وفي محاولةٍ أُخرى نابِعَة مِنْ تَعاطُفِهِ مَعَهُمْ، فإنَّ يَسوعَ يُؤكِّدُ ثانيةً لاهُوتَهُ والحاجةَ إلى أنْ يكونَ المسيَّا إلهًا وَإنْسانًا. وهذا عَمَلٌ نابِعٌ مِنْ تَعاطُفِهِ. وَهُوَ، بِمَعْنىً مِنَ المَعاني، تَعاطُفُهُ الأخيرُ. لذلكَ فإنهُ يَتحدثُ مرَّةً أُخرى عنْ هُوِيَّتِهِ بِوَصْفِهِ المَسِيَّا الحَقيقيَّ، ابْنَ داودَ، وابْنَ اللهِ.

وقدِ انْتَهى الآن. فقدِ انْتَهى مِنَ التَّحَدُّثِ إلى الكَتَبَةِ، والفَرِّيسيِّينَ، والصَدُّوقِيِّينَ، والهِيرودُسِيِّينَ، باستِثْناءِ الأوْقاتِ الضَّرورِيَّةَ في أثناءِ مُحاكَمَتِهِ. وقدِ انْتَهى مِنَ التحدُّثِ إلى الجُموعِ وإلى النَّاسِ. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 45: "وَفِيمَا كَانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَسْمَعُونَ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ ...". ونَجِدُ هُنا تَحَوُّلًا. فقد كانَ النَّاسُ ما يَزالوا يَسْتَمِعونَ إليهِ، ولكنَّهُ تَحَوَّلَ إلى مُخاطَبَةِ التَّلاميذِ. وَهَذا هُوَ ما سَيَفْعَلُهُ مِنَ الآنْ فَصَاعِدًا. فلم تَعُدْ هُناكَ رَسائِلُ للجُموع. فَمِنَ الآنْ فصاعِدًا، سيَوُجِّهُ كلامَهُ إلى تلاميذِهِ. وهذا تَحَوُّلُ مُهِمٌّ جِدًّا.

فقد قالَ كُلَّ ما أَرادَ أنْ يَقول ولم يَعُدْ لديهِ ما يَقولُهُ. وقد أجابَ عَنْ كُلِّ سُؤالٍ يُمْكِنُ أنْ يُسْأَل. وهُوَ سَيَتَحَوَّلُ ويُعْطي تَعليماتِهِ للأشخاصِ الذينَ ما زالوا يَتْبَعونَهُ، وما زالوا يُظْهِرونَ اهتمامًا، وما زالوا يَرْغَبونَ في التَّعَلُّمِ منهُ، وما زالوا تابِعينَ لَهُ. فقد ذَهَبَ المُهاجِمونَ وَتَفَرَّقَتِ الجُموعُ.

ولكِنْ كانتْ هناكَ رسالةٌ واحدةٌ أخيرة يَنبغي للجميعِ أنْ يَسْمَعوها: التَّلاميذُ والنَّاسُ. وهي الرِّسالةُ الموجودةُ في العَدَدَيْن 46 و 47: "احْذَرُوا مِنَ الْكَتَبَةِ". فقدَ نَطَقَ بهذا التَّحْذير. وهي الرِّسالةُ الأخيرة. وفي أيِّ وقتٍ يُقَدِّمُ فيهِ أيُّ شخصٍ رِسالةً أخيرةً، فإنَّها تكونُ رِسالةً مُهِمَّة. وما الشَّيءُ الأخيرُ الَّذي أرادَ يَسوعُ أنْ يَقولَهُ للجُموع؟ ينبغي أنْ نَعْرِفَ ما قالَهُ أخيرًا. فَهِيَ كَلِمَةُ تَحْذير. ولكنَّها ليسَتْ كَلِمَةَ تَحْذيرٍ فقط، بل هي أيضًا كَلِمَةُ إدانَة. احْذَروا مِنْهُم. فَهُمْ خَطِرونَ. وَهُمْ سَيأخُذُونَ "دَيْنُونَةً أَعْظَمَ" (كَما جاءَ في نهايةِ العدد 47). لذلكَ فقد حَذَّرَ الشَّعْبَ مِنْهُمْ وأَعْلَنَ الدَّينونةَ عليهم. وهِيَ كَلِماتٌ قَوِيَّةٌ جِدًّا.

وقَبْلَ أنْ نَتأمَّلَ فيما قال، اسْمَحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكُم أهميَّةَ هذا النَّصِّ في سِياقٍ حَديث. حَسَنًا؟ فقَبْلَ أشْهُرٍ مَضَتْ، أَلَّفْتُ كِتابًا بعُنوان: حَرْبُ الحَقِّ". وَهُوَ أَحْدَثُ كِتابٍ في سِلْسِلَةِ الكُتُبِ الَّتي أَلَّفْتُها عَبْرَ السِّنين للحَديثِ عَنِ الأخْطاءِ الخَطيرَةِ الَّتي تُوْجَدُ في الكنيسة. وقد كَتَبْتُ كِتابَ "حَرْب الحَقّ" لِلْكَشْفِ عَنْ، وإعْلانِ الدَّينونَةِ الوارِدَةِ في كَلِمَةِ اللهِ على انْحِرافاتِ ومَخاطِرِ بِدْعَةٍ جَديدَةٍ تُسَمَّى "الكَنيسَة النَّاشِئَة" (The Emerging Church) أوْ "حَرَكَة الكَنيسَة النَّاشِئَة" (The Emergent Church Movement).

والحَقيقةُ هِيَ أنَّها حَرَكَة ما بَعْد عَصْرِيَّة تُفْسِدُ الكَنيسَة. وقد صَارَتْ مُنْتَشِرَة بينَ مَنْ يُعْرَفونَ بالإنْجيليِّينَ الَّذينَ يُنْكِرونَ الآنَ يَقينيَّةَ العَقيدةِ، ووُضوحَ الكِتابِ المُقَدَّسِ، وحَصْرِيَّةَ الإنْجيل. سوفَ أُعيدُ ذلكَ ثانِيَةً. فالسِّماتُ الَّتي تُعْرَفُ بها هذهِ الحَرَكَةُ هِيَ أنَّها تُنْكِرُ يَقينِيَّةَ العَقيدَةِ، ووُضوحَ الكِتابِ المُقَدَّسِ، وحَصْرِيَّةَ الإنْجيل. إنَّها لِيبرالِيَّة مُحْدَثَة. فَهِيَ ذاتُ اللِّيبراليَّة القَديمَة الَّتي دَمَّرَتِ الطَّوائِفَ الكُبْرى في هذا البَلَد، وَهِيَ نَظَرِيَّةُ النَّقْدِ العالي القَديمَة. وَهيَ ذاتُ اللِّيبراليَّةِ القَديمَةِ في ثَوْبٍ جَديد (إنْ شِئْتُمْ) إذْ إنَّها تَدْعو إلى المَوَدَّةِ، والزَّمالَةِ، والتَّسامُحِ معَ أولئكَ الَّذينَ لا يؤمنونَ بالإنْجيلِ، ولا يؤمنونَ حَتَّى بأنَّ المسيحيَّةَ هِيَ الدِّيانةُ الصَّحيحَة.

وهيَ تُشِيْدُ بفَضائِلِ الحِوارِ الصَّريحِ والمَفْتوحِ بَدَلًا مِنَ التَّمَسُّكِ بالعَقيدَة. وَهِيَ تَدعو إلى الاحْترامِ والتَّسامُحِ والتَّنَوُّعِ. وباختِصارٍ شَديدٍ، فقد عَثَرَ هؤلاءِ على كَلِمَة طَنَّانَة لِتَعْريفِ ما يُمَيِّزُ هذهِ الحَرَكَةَ الَّتي تُعْرَفُ بالكنيسةِ النَّاشِئَةِ، وَهِيَ الكَلِمَة "حِوار". فهذهِ هِيَ الكَلِمَةُ الَّتي تُمَيِّزُهُم. فَهُمْ يُريدونَ إنْ يُشْرِكوا الجَميعَ في حِوارٍ لكي يُدْلي كُلٌّ مِنَّا بِدَلْوِهِ في الأُمورِ الرُّوحِيَّةِ.

وقد كانَ أَحَدُ قادَةِ اللِّيبراليَّةِ القَديمَةِ رَجُلًا يُدْعى "هاري إيميرسون فوسديك" (Harry Emerson Fosdick). وفي سنة 1928، قالَ "فوسديك" الآتي: "إنَّ العَديدَ مِنَ الوُعَّاظِ يَنْغَمِسونَ بِحُكْمِ العَادَةِ في ما يَدْعونَهُ: العِظات التَّفسيريَّة. فَهُمْ يَأخُذونَ مَقْطَعًا مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ ويَنْظُرونَ إليهِ في ضَوْءِ الافْتِراضِ المُسَبَّقِ بأنَّ النَّاسَ الَّذينَ يَأتونَ إلى الكَنيسَةِ في ذلكَ الصَّباحِ مُهْتَمُّونَ جِدًّا بِمَعْنى هَذا النَّصِّ. وَهُمْ يَصْرِفونَ نِصْفَ سَاعَةٍ أوْ أكْثَر في تَفْسيرِ تَاريخِيٍّ للآيَةِ أوِ الأصْحاحِ، ويُنْهونَ عِظَتَهُمْ ببعضِ التَّطبيقاتِ العمليَّةِ المُلْحَقَةِ بالعِظَة يَسْرُدونَها على مَسامِعِ الحَاضِرين.

"وَهَلْ هُناكَ طَريقَةٌ مَضْمونَةٌ أكْثَرُ مِنْ هَذِهِ لِبَثِّ رُوْحِ الضَّجَرِ دُوْنَ فائِدَة؟ ومَنْ يَظُنُّ حَقًّا أنَّ واحدًا في المِئَة مِنَ الرَّعِيَّةِ يَهْتَمُّ بِمَعْرِفَةِ ما قَصَدَهُ مُوْسى أوْ إشَعْياءُ أوْ بولُسُ أوْ يُوحَنَّا في تلكَ الآياتِ المُحَدَّدَةِ؟ أوْ مَنْ يَظُنُّ أنَّ أَحَدًا مِنْ هَؤلاءِ جاءَ إلى الكَنيسَةِ وَهُوَ مُهْتَمٌّ اهْتِمامًا عَميقًا بمعرفةِ ذلك؟ فلا يَنبغي لأيِّ شَخْصٍ يُخاطِبُ النَّاسَ أنْ يَفْتَرِضَ أنَّ اهْتِمامَ النَّاسِ الأساسِيَّ مُنْصَبٌّ على مَعْنى كَلِماتٍ قِيْلَتْ قَبْلَ ألْفَيْ سَنَة".

لذلكَ، تَنَبَّأَ "فوسديك" في سَنَةِ 1928 قائلًا: "إنَّ المُستقبَلَ هُوَ بِيَدِ نَوْعٍ مِنَ العِظاتِ الَّتي يُمْكِنُ وَصْفُها بأنَّها مُغامَرَة في التَّفْكيرِ التَّعاوُنِيُّ". حِوارٌ، وَمُغامَرَةٌ في التَّفْكيرِ التَّعاوُنِيُّ. في سَنَة 1928.

ومؤخَّرًا، في سَنَةِ 2005، قالَ "دوغ باجيت" (Doug Pagitt)، وَهُوَ واحِدٌ مِنْ قادةِ الحَرَكَةِ النَّاشِئَةِ: "إنَّ عِظاتِنا ليست دُروسًا تُوَضِّحُ المُعْتَقَداتِ بِقَدْرِ ما هِيَ قِصَصٌ تَحْتَفي بِرَجائِنا وأفْكارِنا ومُساهَمَتِنا". لذلكَ لِنُجْرِ حِوارًا ... حِوارًا مَعَ أولئكَ الَّذينَ لا يَتَّفِقونَ مَعَنا. وَحِوارًا مَعَ أولئكَ الَّذينَ يَعْتَنِقونَ دِياناتٍ أُخرى. فلا حَاجَةً للعَقيدَةِ. وَلْنَطْرَحِ الإدانَةَ جانِبًا في سَبيلِ الحِوار.

وقد أَلَّفَ "بريان لاكلارين" (Brian LcLaren)، وَهُوَ واحِدٌ مِنَ الكُتَّابِ الرَّئيسِيِّينَ، أوْ رُبَّما الكاتِبُ الرَّئيسيُّ، في الحَرَكَةِ النَّاشِئَةِ، أَلَّفَ كِتابًا جديدًا بِعُنْوان: "الرِّسالةُ السِّرِّيَّةُ لِيَسوع" (The Secret Message of Jesus). وهذِهِ العَناوينُ مُخيفَة دائمًا. فيسوعُ لم تَكُنْ لَهُ رِسَالة سِرِّيَّة. بل إنَّهُ أَعْلَنَ رِسالَتَهُ. ولَكِنْ على أيِّ حَال، فإنَّهُ يَقولُ في كِتابِ "الرِّسالة السِّرِّيَّة ليسوع": "في عَصْرِ الإرْهابِ العالَمِيِّ وزِيادَةِ الصِّراعاتِ الدِّينيَّةِ، مِنَ المُهِمِّ أنْ نُنَوِّهَ إلى أنَّ جَميعَ المُسلِمينَ يَنْظُرونَ إلى يَسوعَ بأنَّهُ نَبِيٌّ عَظيمٌ، وأنَّ كَثيرينَ مِنَ الهِنْدوسِ مُسْتَعِدُّونَ للنَّظَرِ إلى يَسوعَ بِوَصْفِهِ إعْلانًا شَرْعِيًّا عَنِ اللهِ، وَأنَّ العَديدَ مِنَ البُوذِيِّينَ يَرَوْنَ يَسوعَ بِوَصْفِهِ واحِدًا مِنْ أكْثَرِ النَّاسِ اسْتِنارَةً، وَأنَّ يَسوعَ نَفْسَهُ كانَ يَهودِيًّا". وَهُوَ يَقولُ: "أليسَ هَذا رائعًا؟ فَنَحْنُ جَميعًا نُحِبُّ يَسوع. فَلْنَبْتَدِئ الحِوار".

وَهُوَ يُتابِعُ كَلامَهُ قائلًا: "إنَّ إعادَةَ النَّظَرِ المُشْتَرَكَة في رِسالَةِ يَسوعَ يُمْكِنُ أنْ تَفْتَحَ مَجالًا فَريدًا أوْ أرْضِيَّةً مُشْتَرَكَةً للحِوارِ الدِّينيِّ الَّذي نَحْتاجُ إليهِ بإلْحاحٍ. وَلا يَبْدو أنَّهُ مِنَ المُبالَغَةِ أنْ نَقولَ إنَّ مُستقبَلَ كَوْكَبِنا قَدْ يَتَوَقَّفُ على حِوارٍ كَهَذا". لذلكَ لِنَطْرَحْ كُلَّ الخِلافاتِ العَقائِدِيَّةِ جانِبًا مِنْ أجْلِ إنْقاذِ الكَوْكَبِ. وَلْنَدَعِ النَّاسَ يَذْهَبونَ إلى جَهَنَّم.

وَآخِرُ تَعْليقٍ لَهُ هُوَ: "إنَّ إعادَةَ النَّظَرِ هَذِهِ في رِسالَةِ يَسوعَ قَدْ تَكونُ المَشروعَ الوَحيدَ القادِرَ أنْ يُنْقِذَ عَدَدًا مِنَ الدِّياناتِ، بِما فيها المَسيحيَّة". لذلكَ، يجبُ علينا جميعًا أنْ نَجِدَ الرِّسالةَ السِّرِّيَّةَ ليسوعَ، والتي هِيَ مُخَبَّأةْ، دُوْنَ شَكٍّ، في اللَّاوَعْيِ الرُّوحِيِّ لَدَيْنا. وَلْنُجْرِ حِوارًا. فبدلًا مِنْ إدانَةِ هذهِ الدِّياناتِ الأُخرى، فإنَّنا في حاجةٍ إلى الجُلوسِ، وإجْراءِ حِوارٍ، والتَّعَلُّمِ مِنْ رُوحانِيَّاتِهِمْ، والتَّعَلُّمِ مِنْ خِبْراتِهِمِ الرُّوحِيَّةِ، والتَّعَلُّمِ مِنَ اللهِ المَوْجودِ فيهم.

وهُناكَ مُدافِعٌ شَهيرٌ آخَر في الحَرَكَةِ النَّاشِئَةِ، وَهُوَ شَخْصٌ مَعروفٌ نَوْعًا مَا: "طوني كامبولو" (Tony Campolo)، وَهُوَ مُتَحَدِّثٌ مَعروفٌ جِدًّا. وإليكُمْ ما قالَهُ "طوني" لِتَحْصُلوا على فِكْرَةٍ عَمَّا تَفْعَلُهُ هذهِ الحَرَكَة. وأنا لا أَقْرَأُ عَادَةً هذا النَّوْعَ مِنَ الأشياءِ، ولكنِّي أَرَى أنَّ هذا سيُساعِدُكُمْ على مَعْرِفَةِ ما يَجري. فَهُوَ يَقولُ: "ما يَنْبَغي لنا أنْ نَفْعَلَهُ هُوَ أنْ نُظْهِرَ الاحْتِرامَ بَعْضُنا لِبَعْضٍ، وأنْ نَتَحَدَّثَ بَعْضُنا إلى بَعْضٍ بِطَريقَةٍ تَجْعَلُ النَّاسَ جميعًا، حَتَّى أولئكَ الَّذينَ لا يَهْتَدونَ، يَشْعُرونَ أنَّهُمْ شَعْبُ اللهِ وَأنَّ اللهَ يُحِبُّهُمْ. ونحنُ لا يَنْبَغي أنْ نُقَرِّرَ مَنْ سَيَذْهَبُ إلى السَّماءِ وَمَنْ سيَذهبُ إلى جَهَنَّم.

"وأعتقدُ أنَّ ما يَنبغي لنا جميعًا أنْ نَفْعَلَهُ هُوَ أنْ نَتْرُكَ الدَّينونَةَ للهِ. والشَّيءُ الَّذي لَنْ يَفْعَلَهُ المُسلِمونَ هُوَ أنَّهُمْ لَنْ يَدينوا اليَهودَ والمَسيحيِّينَ قائِلينَ إنَّهُمْ سيَذهبونَ إلى جَهَنَّمَ إنْ لم يَقْبَلوا، في الحَقيقةِ، الإسْلامَ. فالتَّسامُحُ الَّذي يُظْهِرُهُ الإسْلامِ تُجاهَ المَسيحيِّينَ الإنْجيليِّينَ الأُمناءَ للعهدِ الجَديدِ هُوَ أكْثَرُ مِنْ تَسامُحِ المَسيحيِّينَ تُجاهَ الشُّعوبِ الإسلاميَّةِ الأمينَةِ للقُرآن". وَلَكِنَّنا نَجِدُ هُنا انْحِرافًا أساسِيًّا عَنِ الحَقِّ. فَمِنَ الوَاضِحِ أنَّ هذا الكَاتِبَ لمْ يَقْرَأ ما يُكْتَبُ عَنْ ذَبْحِ المَسيحيِّينَ في المُجْتَمَعاتِ الإسلاميَّةِ.

ولكِنَّ الفِكرةَ هي أنَّهُ يَنبغي لنا أنْ نَكونَ مُتَسامِحينَ مَعَ الجَميع. وهُوَ يُتابِعُ حَديثَهُ قائلًا: "لقد كانَ مُحَمَّد مُتَفَهِّمًا جدًّا لوجودِ حَقٍّ عظيمٍ في المسيحيَّة. ولكنَّهُ كانَ يَختلِفُ مَعَنا في أنهُ كانَ يَشْعُرُ أنَّ الحَقَّ الَّذي لَديهِ هُوَ أَكْمَلُ مِنَ الحَقِّ الَّذي لدينا، وأنَّ الإسلامَ يُؤكِّدُ ذلك. ولكنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَقولُ إنَّنا سَنُدانُ بِحَسَبِ الحَقِّ الَّذي بينَ أيدينا. وأعتقدُ أنَّ هناكَ إخوةً مُسلمينَ وأخَواتٍ مُسْلِماتٍ مُستعدُّون للقولِ إنَّكَ تَعيشُ وَفْقًا للحَقِّ الَّذي تَفْهَمُهُ، وإنَّني أعيشُ وَفْقًا للحَقِّ الَّذي أَفْهَمُهُ، وإنَّنا سَنَتْرُكُ الحُكْمَ للهِ في يومِ الدَّينونة. ومعَ أنِّي أُوْمِنُ أنَّ يسوعَ هُوَ المُخَلِّصُ الوحيد، فإنَّ كَوْني مَسيحيًّا لا يَعني أنَّ ذلكَ هُوَ الطَّريقُ الوَحيدُ للخَلاص".

وَهُوَ يَقولُ أيضًا: "قد يقولُ إخْوَتُنا المُسْلِمونَ وَأخواتُنا المُسْلِماتُ إنَّ الإسلامَ هُوَ الإيمانُ الوَحيدُ الصَّحيحُ، ولكنَّنا لسنا مُقْتَنِعينَ بأنَّ المسلمينَ وَحْدَهُمْ يَنْعُمونَ بالخلاص. وأنا لستُ مُقْتَنِعًا أنَّ نِعْمَةَ اللهِ لا تَصِلُ إلى ما أبْعَدَ مِنَ المَسيحيِّين". وإليكُمْ فَقْرةً أُخرى: "ما يَنبغي أنْ نَفعلَهُ هوَ أنْ نَقولَ إننا نؤمنُ بأشياءَ مُختلفة. ولكِنْ هُناكَ صَلاحٌ كَثيرٌ في المُسْلِمينَ لا يُمْكِنُنا أنْ نَتجاهَلَهُ. ويبدو لي أنَّهُ عندما نُصغي إلى المُتَصَوِّفينَ المُسْلِمينَ وهُمْ يَتَكَلَّمونَ عنْ يَسوعَ وعَنْ مَحَبَّتِهِمْ ليسوعَ، ينبغي أنْ أقولَ إنَّ ذلكَ أَقْرَبُ إلى مَسيحيَّةِ العهدِ الجديدِ مِنْ كَثيرٍ مِنَ المَسيحيِّينَ الَّذينَ أَسْمَعُهُمْ".

بعبارةٍ أخرى، إذا نَظَرْنا إلى الأرْضِيَّةِ المُشتركةِ، هل يمكننا أنْ نَجِدَها في الرُّوحانِيَّةِ الصُّوفِيَّةِ حَتَّى لو لم نَتَّفِقْ لاهوتِيًّا؟ وهل يُمكننا أنْ نُصَلِّي معًا بطريقةٍ نَكونُ فيها على اتِّصالٍ مَعَ إلَهٍ يَسْمو على اخْتلافاتِنا العَقائِدِيَّةِ؟ هذا هُوَ الحِوار. ويمكنُكم أنْ تُجْروا هذا الحِوارَ معَ أيِّ شخصٍ وكُلِّ شَخْصٍ لأنَّنا نَفْتَقِرُ إلى الوُضوحِ العَقائِدِيِّ ولأنَّنا لا نَعْرِفُ التَّفْسيرَ الحَقيقيَّ للكتابِ المقدَّسِ.

وفي شهرِ كانون الثَّاني/يَناير مِنْ سنة 2006، اجْتَمَعَتْ جَماعةُ الحركة النَّاشئة الأمريكيَّة معَ حَركة "سيناغوغ 3000 Synagogue 3000)) [أيْ: المَجْمَع 3000] في حِوارٍ بينَ الأدْيانِ مُدَّتُهُ 24 ساعة تَمَرْكَزَ حولَ مواضيعِ الشَّرِكَة المُقَدَّسَة، والتَّعَلُّم، والعِبادة. وهناكَ مُدَوَّنَة تُعْرَفُ باسْم "سينابلوغ" (Synablog)، [وَهُوَ اسْمٌ يُشْبِهُ اسْمَ الفَطيرةِ الَّتي يَشْتَريها المرءُ في المَطار]. وعلى أيِّ حالٍ، نَقْرَأُ في هذهِ المُدَوَّنَةُ ما حَدَثَ في ذلكَ الاجتماع:

"سيناغوغ 3000 يَتَعَرَّفْ إلى ظاهرةٍ دينيَّةِ يَهوديَّةٍ مُعاصِرَةٍ تُعْرَفُ باسْم ’الحَرَكَة النَّاشئة اليهوديَّة‘. في هذا الأسْبوع، عَقَدَ سيناغوغ 3000 أوَّلَ اجْتِماع مجموعة عَمَل حولَ الجَماعات النَّاشئة المقدَّسة. وقد تَعَهَّدَ قادةٌ يَهودٌ رُؤيَوِيُّونَ بتأسيسِ جماعاتٍ مُقَدَّسَةٍ تَحويليَّة ليست مُقَيَّدة بقيودِ التوقُّعاتِ التَّقليديَّةِ بشأنِ ما يَنْبَغي أنْ يَكونَ عليهِ المَجْمَعُ اليَهودِيُّ". إذًا، هذا هُوَ شِعارُ الكنيسةِ النَّاشئةِ. فَهُمْ يُريدونَ أنْ يُنْشِئوا كَنائِسَ ليست مُقَيَّدة بالفِكرة التّقليديَّة للكنيسة. والآنْ، انْضَمَّ اليهودُ إليهم. وعليهِ فإنَّهم لن يكونوا مُقَيَّدينَ بالأفكارِ التَّقليديَّةِ للمَجْمَعِ اليهودِيِّ.

"ولإثراءِ الحِوار، دَعا سيناغوغ 3000 أعضاءَ المجموعةِ العامِلَةِ إلى تَبادُلِ الأفْكارِ معَ القادةِ المسيحيِّينَ التَّقَدُّمِيِّينَ مِنَ الكَنيسَةِ النَّاشئةِ الأمريكيَّة. وقد كانَ لِقاءُ المجموعةِ العاملةِ معَ الجماعاتِ النَّاشئةِ المقدَّسةِ أوَّلَ لِقاءٍ تُتاحُ فيهِ الفُرْصَةُ للكنيسةِ الناشئةِ الأمريكيَّةِ أنْ تَلْتَقي بأيِّ جماعةٍ دينيَّةٍ خارِجَ نِطاقِ الإيمانِ المَسيحيِّ. وقد كانَ ذلكَ اللِّقاءُ مُشَجِّعًا، ومُلْهِمًا، وتاريخيًّا".

جماعةُ الكنيسة النَّاشئة! إنها بيئة رائعة. فأنتُمْ تَذهبونَ إلى هُناك وتتعلَّمونَ عَنْ رُوحانِيَّاتهم ومَعرفتهم بالله. وتُجْرونَ حِوارًا. وفي أثناءِ ذلكَ الحِوارِ تَخْرُجُ بعضُ الأفْكارُ التَّنويريَّةُ مِنَ اليهوديَّةِ، أوِ الإسلامِ، أوِ المورمون، أوِ الرُّوم الكاثوليك، أوِ الأرثوذكسيَّة اليونانيَّة، أو شهودِ يَهوه، أوْ مْنِ أيِّ جَماعةٍ مُشابِهَةٍ.

بَعْدَ هَذا الكَلامِ كُلِّه، وبعدَ أنْ ألَّفْتُ كِتابَ "حَرْب الحَقّ"، كنتُ مُتَشَوِّقًا لمعرفةِ ردودِ الفِعْلِ عليه. وقد كانَ رَدُّ فِعْلِ جماعةِ الكنيسةِ النَّاشئةِ هُوَ أنَّهم لم يُحِبُّوه. وأنا لم أُصْدَم بذلك. وقد كانتْ رُدودُ الفِعْلِ كالتَّالي: "إنَّ هذا الكِتابَ قد يُسَبِّبُ خِلافاتٍ". "إنَّ هذا الكِتابَ يَفْتَقِرُ إلى الحُبِّ". "إنَّ هذا الكِتابَ يَفْتَقِرُ إلى التَّسامُح". وقد قالوا: لو كُنْت أهْتَمُّ حَقًّا بالنَّاسِ، ولو كنتُ أمتلكُ حقًّا رُوْحَ يَسوعَ، لَشارَكْتُ بتواضُعٍ في الحِوارِ وقَبِلْتُ بِانْفِتاحٍ الأفْكارَ الروحيَّةَ التَّنويريَّةَ المُفيدةَ الموجودة في الدِّياناتِ الأُخرى".

حِوارٌ، ها؟ وليسَ إدانَة. فَضلًا عن ذلك، بعدَ أنْ صارَتْ هذهِ الحَرَكَة مُنْتَشِرَة جدًّا جدًّا في هذهِ الأيَّام، لم يَعُدْ ينبغي لليهودِ أنْ يُؤمِنوا بيسوعَ البَتَّة لأنَّهُ يوجدُ لديهم طَريقٌ آخرُ للخلاص.

حَسَنًا، رَدًّا على هذا النَّقْدِ المُخْتَصِّ بِعَدَمِ انْضِمامي للحِوار، هناكَ سؤالٌ واحدٌ أرْغَبُ في الإجابَةِ عَنْهُ وَهُوَ: كيفَ تَعامَلَ يَسوعُ مَعَ أولئكَ الَّذينَ لم يؤمنوا بالحَقِّ؟ ... كيفَ تَعامَلَ يَسوعُ مَعَ أولئكَ الَّذينَ لم يؤمنوا بالحَقِّ مَعَ أنَّهُمْ كانوا مُتَدَيِّنينَ جِدًّا، ومَعَ أنَّهم كانوا يَضَعونَ الرُّوحانيَّاتِ في قِمَّةِ الخِبْرَةِ البشريَّةِ؟ كيفَ تَعامَلَ يَسوعُ معَ النَّاسِ الدِّينيِّينَ، أيِ القادَةِ الدِّينيِّين؟ هلْ أَجْرى مَعَهُمْ حِوارًا؟ أَمْ أنَّهُ دَانَهُمْ؟ لأنِّي أُريدُ أنْ أَفْعَلَ ما فَعَلَهُ يَسوع.

حسنًا، مِنَ الواضِحِ أنَّ يَسوعَ لم يُشارِكْ في الحِوارِ المُتَمَدِّنِ. وَهُوَ لم يُجْرِ حِوارًا مُبْهَمًا وغامِضًا حولَ الأمورِ الروحيَّةِ، ولم يَطْرَحْ أفْكارًا مَرِنَةً عَنِ اللهِ وأفكارً مَطَّاطِيَّةً عَنْ نَفْسِهِ بِوَصْفِهِ يَسوعَ. فإليكُمْ كلمات يَسوع الأخيرة عنِ القادةِ الدِّينيِّينَ. ليسَ عَنِ الأشخاصِ غيرِ المُتَدَيِّنينَ، بل عنِ الأشْخاصِ المُتَدَيِّنين. وتَحْديدًا: عَنِ القادةِ الدينيِّينَ اليهود.

وما يَقولُهُ هُنا هُوَ، في الحقيقةِ، ليسَ جديدًا. ارْجِعوا إلى الأصْحاح 11 مِنْ إنْجيل لوقا فَتَجِدونَ أنَّهُ ليسَ بالكَلامِ الجَديد. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 37: وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ سَأَلَهُ فَرِّيسِيٌّ أَنْ يَتَغَدَّى عِنْدَهُ". وقد كانتْ تلكَ فُرصة رائعة للحَديث. فهذا لم يَكُنْ لِقاءً رَسْمِيًّا. وهذا لم يَكُنْ حَتَّى مَجْمَعًا أوْ عِظَةً أوْ لِقاءً عامًّا في الهَيكل. بل كانَ غَداءً في بيتِ فَرِّيسيٍّ.

"فَدَخَلَ وَاتَّكَأَ". ولا بُدَّ أنَّ الفَرِّيسيَّ كانَ قَدْ دَعَا مَجموعةً مِنَ الفَرِّيسيِّينَ أيضًا. "وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تَعَجَّبَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ أَوَّلاً قَبْلَ الْغَدَاءِ". بعبارةٍ أُخرى، فإنَّهُ لم يَتَّبِعْ الطَّريقةَ الفَرِّيسيَّةَ في الغَسْلاتِ الطَّقْسِيَّةِ. بل إنَّهُ جَلَسَ هُناكَ وَأكَل. وإليكُمْ ما قالَهُ يَسوعُ لَهُ:

"فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «أَنْتُمُ الآنَ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالْقَصْعَةِ، وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافًا وَخُبْثًا". وَهذا حَديثٌ قَصيرٌ. وَهُوَ حَديثٌ لا يُفْضِي إلى أيِّ مَكان. ثُمَّ إنَّ الأُمورَ سَاءَتْ أكْثَر إذْ نَقْرأُ في العدد 40: "يَا أَغْبِيَاءُ، أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضًا؟ بَلْ أَعْطُوا مَا عِنْدَكُمْ صَدَقَةً، فَهُوَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ نَقِيًّا لَكُمْ".

"وَلكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! [وَهَذِهِ إدانَة. أيْ: أنْتُمْ مَحْكومٌ عليكُمْ باللَّعْنِ] لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالسَّذَابَ وَكُلَّ بَقْل، وَتَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْحَقِّ وَمَحَبَّةِ اللهِ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُحِبُّونَ الْمَجْلِسَ الأَوَّلَ فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ مِثْلُ الْقُبُورِ الْمُخْتَفِيَةِ، وَالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهَا لاَ يَعْلَمُونَ!»". فَقَدْ تَنَجَّسْتُمْ. ويا لَهُ مِنْ حَديث!

ثُمَّ نَقرأُ في إنْجيل لوقا 12: 1: "وَفِي أَثْنَاءِ ذلِكَ، إِذِ اجْتَمَعَ رَبَوَاتُ الشَّعْبِ، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَدُوسُ بَعْضًا، ابْتَدَأَ يَقُولُ لِتَلاَمِيذِهِ: «أَوَّلاً تَحَرَّزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِي هُوَ الرِّيَاءُ". [فالمُراءونَ يُحاوِلونَ إخْفاءَ الأمورِ، ولكنَّهُمْ لا يُفْلِحونَ في إخْفاءِ أيِّ شَيْءٍ]. "فَلَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ، وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ". بعبارةٍ أُخرى: سوفَ أَكْشِفُ رِيَاءَهُمْ.

إنَّ النَّصَّ الَّذي أَمامَنا في لوقا 20 لَهُ مَثيلٌ في مَرْقُس 12، وَهُوَ نَصٌّ قَصيرٌ أيضًا. ولكِنْ يُوْجَدُ مَثيلٌ لَهُ أيضًا في مَتَّى 23. وَنَجِدُ في مَتَّى 23 فقط أنَّ هذا النَّصَّ يَأخُذُ أصْحاحًا كامِلًا. فنحنُ نَجِدُ النَّصَّ الكامِلَ لما قالَهُ يَسوعُ عَنِ الفَرِّيسيِّينَ والكَتَبَة في مَتَّى 23. ويمكنكم أنْ تَقرأوا هذا النَّصَّ بأنْفُسِكُمْ لأننا لن نَتَحَدَّثَ عَنْهُ اليوم. ولكنَّهُ النَّصُّ الكامِلُ لما قالهُ يسوعُ في يومِ الأرْبِعاءِ ذاكَ، والذي اكْتَفى لوقا بِذِكْرٍ جُزْءٍ صَغيرٍ منهُ فقط.

ويا لها مِنْ إدانَةٍ شَديدَةٍ! إنَّها إدانَةٌ قَوِيَّةٌ للقادةِ الدِّينيِّينَ الزَّائِفين. فلا يوجدُ حَديثٌ، ولا تُوْجَدُ زَمالَةٌ، ولا يُوْجَدُ حِوارٌ، ولا يوجدُ تَعاوُنٌ، بل فَقَطْ مُواجَهَة وَإدانَة. دُوْنَ تَعاطُفٍ؟ بَلى. أتَذكرونَ ما جاءَ في الأصْحاح 19 والعَدَد 41 عندما جاءَ إلى المدينةِ؟ فما الَّذي فَعَلَهُ؟ لقد بَكى. وقد سَمِعْنا مَرَّةً أخرى أنهُ أَعْلَنَ لهم أنَّهُ المَسِيَّا، ابْنُ داود، وابنُ الله. وهذهِ مُحاوَلَةٌ رَحِيْمَةٌ مِنْ جَديد لإعْلانِ هُوِيَّتِه. وقد كانتْ تلكَ الأيَّامُ مُمْتَلِئَة حُزْنًا بالنِّسبةِ إليه، ومُمْتَلِئَة تَعَاطُفًا. وَهُوَ يُقَدِّمُ الدَّعوة إليهم ليؤمِنوا. ولكِنْ عندما انْقَضى وَقْتُ التَّعاطُفِ وانْتَهى وقتُ الدَّعَواتُ، لم يَبْقَ شَيْءٌ سِوى الدَّينونة.

والآنْ، لِنَتَأمَّلْ في النَّصِّ. وهناكَ ثلاثُ نِقاطٍ: تَحْذيرٌ، وَوَصْفٌ، وإدانَةٌ. فكُلُّ شَخْصٍ يَنْظُرُ نَظْرَةً خاطِئَةً إلى يَسوعَ وإلى الإنْجيلِ هُوَ تحتَ الدَّينونَة. وكُلُّ شخصٍ لا يُؤمِنُ بالرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ لا يَعْرِفُ الآبَ. وإذا كُنْتَ لا تَعرفُ الابْنَ، فإنَّكَ لا تَعرفُ الآبَ (كما جاءَ في 1يوحنَّا 2). والآنْ، لِنَنْظُرْ إلى التَّحذير.

إنَّ الأمْرَ بَسيطٌ جِدًّا: "احْذَرُوا مِنَ الْكَتَبَةِ". احْذَرُوا مِنَ الْكَتَبَةِ. وفي قِصَّةِ مَتَّى الطَّويلة لإدانةِ الرَّبِّ لهؤلاء، فإنَّهُ يُحَذِّرُ مِنَ الكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّين. وقد كانَ الكَتَبَةُ فَرِّيسيِّين. لقد كانَ الكَتَبَةُ فَرِّيسيِّين. وقد كانُوا خُبَراءَ في الشَّريعة. ولكِنْ ليسَ جَميع الفَرِّيسيِّينَ كانوا كَتَبَة، ولكنَّ الكَتَبَةَ كانوا فَرِّيسيِّين. ولكِنْ كانَ هُناكَ فَرِّيسيُّونَ ليسوا كَتَبَة. أمَّا الكَتَبَة فكانوا فَرِّيسيِّين. وقد كانوا خُبَراءَ في النَّاموس. وقد كانوا جَماعَةَ ناموسِيَّةً تُؤمِنُ بِبِرِّها الذَّاتِيِّ.

والحقيقةُ هي أنَّهُ كانَ يوجدُ لدى اليهودِ قَوْلٌ مَأثور. فقد كانوا يَقولونَ ما مَعْناه: "لقد تَسَلَّمَ مُوسى النَّاموسَ وَأعْطاهُ لِيَشوع. وقد تَسَلَّمَ يَشوعُ النَّاموسَ وَأعْطاهُ للشُّيوخ. وقد تَسَلَّمَ الشُّيوخُ النَّاموسَ وأعْطوهُ للأنبياء. وقد تَسَلَّمَ الأنبياءُ النَّاموسَ وَأعْطوهُ للفَرِّيسيِّينَ والكَتَبَة". فقد كانوا مُؤْتَمَنينَ على ناموسِ اللهِ. وقد كانُوا الأشْخاصَ الذينَ أُعْطُوا الوِصَايَة. وقد كانوا الخُبَراءَ. وقد كانوا مُعَلِّمي الشَّريعَةِ في إسرائيل.

وينبغي أنْ تَتذكَّروا أنَّنا نَتَحَدَّثُ هنا عَنْ مَملكةٍ ثيوقراطِيَّةٍ يُنْظَرُ فيها إلى جَميعِ التَّشريعاتِ على أنَّها شَرائِعُ اللهِ. وهذا لا يَقْتَصِرُ على النَّاموسِ المُعْلَنِ في الأسفارِ المُقَدَّسَةِ، بل أيضًا على الشَّرائِعِ المُسْتَمَدَّةِ مِنَ التَّقاليدِ (أيِ الشَّرائعِ الَّتي ظَهَرَتْ عَبْرَ السِّنين). فهذهِ المَجموعةُ مِنَ الشَّرائِعِ كانَ يُنْظَرُ إليها بِطَريقةٍ ثيوقراطِيَّةٍ – أيْ باعْتِبارِها شَريعَةُ اللهِ.

لذلكَ فقد كانَ أولئكَ الذينَ يَعرفونَ شَريعَةَ اللهِ، وَيُفَسِّرونَ شَريعَةَ اللهِ، ويُطَبِّقونَ شَريعَةَ اللهِ هُمْ مُشَرِّعو إسرائيل. ولم يَكُنْ هؤلاءِ يَكْتَفونَ بإضافَةِ أفْكارِ الفَرِّيسيِّينَ والمُعَلِّمينَ والكَهَنَة وَغَيْرهُمْ إلى مَعْنى الأسْفارِ المُقَدَّسَةِ، بل كانوا أيضًا يُفَسِّرونَ كُلَّ الشَّرائِعِ، لا مِنْ ناحِيَةٍ نَظَرِيَّةٍ فحسب، بل أيضًا مِنْ ناحِيَةِ التَّطبيقِ. فقد كانوا مُعَلِّمي الشَّريعةِ في إسرائيل. وقد كانوا يَهْتَمُّونَ بجميعِ الأمورِ القانونيَّةِ. وقد كانوا قُوَّةً مُهَيمِنَةً في اليهوديَّةِ - لا على الصَّعيدِ الدِّينيِّ فقط، بل على الصَّعيدِ الاجْتماعيِّ أيضًا. فقد كانوا يَتَوَلَّوْنَ جَميعَ الأمورِ القانونيَّةِ المُخْتَصَّةِ بالشَّعْبِ مِنْ أمْلاكٍ، وعَقاراتٍ، وَعُقودٍ، وقَراراتٍ. فقد كانَتْ كُلُّ تلكَ الأمورِ بِيَدِ مُعَلِّمي الشَّريعَةِ هؤلاء.

ولم تَكُنِ الحَالُ آنَذاكَ مُخْتَلِفَةً عَنْ حَالِنا اليوم. فجميعُ الأمورِ القانونيَّةِ تَصُبُّ أخيرًا بِيَدِ المُشَرِّعين. وعلى نَحْوٍ مُشابِهٍ، كانَتِ الأمورُ القانونيَّةُ آنَذاكَ بِيَدِ الكَتَبَة. ولكِنْ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِهم، كانَ كُلُّ شيءٍ مُقَدَّسًا. وكانَ كُلُّ حُكْمٍ يَصْدُرُ عنهم، وكُلُّ مَوْقِفٍ يَأخذونَهُ، كانَ يَنبغي في الحقيقةِ أنْ يكونَ مُعَبِّرًا عَنْ اللهِ وَعَنْ مَشيئةِ اللهِ لأنَّهُمْ كانُوا (إنْ جازَ التَّعْبيرُ) وُكَلاءَ عَنِ اللهِ.

وحيثُ إنَّهُمْ كانوا آنذاكَ وُكَلاء اللهِ، فقد كانُوا يَحْمِلونَ مَسؤوليَّةً هائلةً وأمانَةً كبيرةً. فلم يَكُنْ باستطاعةِ النَّاسِ أنْ يَلْتَجِئوا إلى أيِّ أشخاصٍ آخرينَ لأنهُ لم يكن هناكَ أشخاصٌ غيرُ الكَتَبَة يَتَوَلَّوْنَ تلكَ الأمور. ولكنَّهُ حَذَّرَ الجَميعَ (الشَّعْبَ وَالتَّلاميذَ) قائلًا: "احْذَروا مِنْ". وباليونانيَّة: "بروسيكيتي آبا" (prosecheto apo) ومَعْناها: "احْتَرِسوا مِنْ".

ولكِنْ كيفَ تَفْعَلونَ ذلك؟ كيفَ تَفعلونَ ذلك؟ فهُمْ يَتَدَخَّلونَ في كُلِّ شَيءٍ. إذًا كيفَ سَيَتَجَنَّبونَ تلكَ البيئةَ الثِّيوقراطيَّةَ الَّتي يُسَيْطِرُ فيها الكَتَبَةُ على كُلِّ شَيءٍ ويَفْرِضونَ إرادَتَهُمْ في كُلِّ أمْرٍ؟ لم يَكُنْ بإمْكانِ يَسوعَ أنْ يَقولَ لهم إنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ صَالِحون، أوْ إنَّ لَديهم نَوايا دينيَّة حَسَنَة، أوْ إنَّ لديهم بَصيرة روحيَّة، أوْ: لِنُجْرِ حِوارًا مَعَهُم. بل إنَّهُ قالَ لهم أنْ يَبْتَعِدوا عنهم وأنْ يَحذروا مِنهم. وكما جاءَ في العَدَد 23 مِنْ رِسالَةِ يهوذا، فإنَّ مَنْ يَقترِبَ مِنْ هؤلاءِ يَتَدَنَّسْ. أوْ إنَّكَ قد تَحترقُ إذا اقْتَربتَ منهم كَثيرًا.

لكِنْ لماذا يُشَكِّلُ هؤلاءِ كُلَّ هذا الخَطَر؟ لأنهم ليسوا أتْقياء. فَهُمْ لا يَعرفونَ اللهَ. وهُمْ لا يَمْتَلِكونَ حِكْمَةً رُوحيَّةً. بل هُمْ مُدَمِّرون. وَهُمْ أعْوانٌ مُرْسَلونَ مِنَ الشَّيطانِ لمُحارَبَةِ مَقاصِدِ اللهِ.

هل تَفْهَمون؟ فهذا أمْرٌ أساسِيٌّ ذَكَرْتُهُ مِرارًا عَبْرَ السِّنين. فالدِّيانةُ الباطِلَةُ لا تَكْبَحُ الجَسَد. لذلكَ فإنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ جميعًا يَصْنَعونَ ما يَصْنَعُهُ أسْوَأُ الخُطاةِ، باستثناءِ أنَّ ما يَفْعَلونَهُ قد يَفْعَلونَهُ سِرًّا. فالدِّيانةُ الزَّائفةُ لا تُبَكِّتُ القلبَ الخاطئ. فهذا لا يُبَكَّتُ إلَّا مِنْ خِلالِ التَّجديد. وهذا لا يَحْدُثُ إلَّا بواسطةِ حَقِّ الإنْجيل. لذلكَ فَإنَّهم يَظْهَرونَ دائمًا بِصورةٍ مُعَيَّنَةٍ ظاهِرِيًّا، وَلكنَّهُمْ يُبْطِنونَ شيئًا آخَرَ في الدَّاخِل. لذلكَ، احْذَروا مِنهم. فَهُمْ ليسوا أتْقياء. وَهُمْ لا يملكونَ أيَّ شيءٍ رُوحِيٍّ يُقَدِّمونَهُ. وَهُمْ لا يَستطيعونَ أنْ يُقَدِّموا لكم أيَّ شيءٍ نافِعٍ. فَهُمْ مُدَمِّرون. وَهُمْ قَتَلَة. وَهُمْ خَطيرون. لذلكَ، لا تَقْتَرِبوا مِنْهُم لأنَّكُمْ سَتَحْتَرِقونَ وَتَتَنَجَّسون. ابْقُوا بَعيدينَ عُنْهُم.

لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ في المَزمورِ الأوَّلِ شَيئًا مُشابِهًا. فالمَزمورُ الأوَّلُ هُوَ مَزْمورٌ يُعَلِّمُ أُمورًا أساسِيَّةً. فنحنُ نَقرأُ في بِدايةِ المَزمورِ الدَّرسَ الأوَّلَ: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ!" لذلك، لا تَخْتَلِطوا بِهِمْ.

ومِنَ التَّحْذيرِ يَأتي الوَصْفُ. وإليكُمْ كَيفَ وَصَفَهُمْ يَسوعُ ابتداءً مِنَ العَدد 46: "يَرْغَبُونَ الْمَشْيَ بِالطَّيَالِسَةِ، وَيُحِبُّونَ التَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالْمُتَّكَآتِ الأُولَى فِي الْوَلاَئِمِ. اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ، وَلِعِلَّةٍ يُطِيلُونَ الصَّلَوَاتِ". عَجَبًا! هذا كُلُّهُ يُمْكِنُ تَلخيصُهُ بكلمةٍ واحدة: مُراؤون. فَجميعُ النَّاسِ في الدِّياناتِ الباطِلَةِ مُراؤون. فَهُمْ لا يَعرفونَ اللهَ. إنَّهُمْ لا يَعْرِفونَ اللهَ. ولكِنْ لا يُمْكِنُكَ أنْ تَعرفَ اللهَ إلَّا مِنْ خِلالِ المَسيح. فرَبُّنا يَتَحَدَّثُ بِصراحَةٍ مُتناهِيَةٍ. والعُنْصُرُ الأساسِيُّ هُوَ أنَّهُمْ كانوا جَميعًا قَادة دينيِّينَ زائِفين. فقد كانوا جميعًا رِجالَ دِيْنٍ مُحْتالين.

وقد كانَ النَّاسُ الَّذينَ يُخاطِبُهُمْ يَسوعُ مُعْتادينَ جِدًّا على الأشياءِ الَّتي كانَ القادَةُ يَفْعَلونَها. ولنَتَطَرَّقْ إلى سِتَّةٍ مِنْها: أوَّلًا، لقد كانوا يُحِبُّونَ المَشْيَ بالطَّيالِسَةِ، وَهِيَ تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "ستولي" (stole) الَّتي جاءَتْ مِنْها الكلمة الإنجليزيَّة "ستول" (stole)، ومَعْناها: ثَوْبٌ طَويلٌ يَصِلُ إلى الأرْض. فقدْ كانوا يَصْنَعونَ أثْوابًا مُخْتَلِفَةً جِدًّا عَنْ أثوابِ النَّاسِ. وقد كانتْ تلكَ الأثْوابُ تُصْنَعُ بِمواصَفاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَتُوْضَعُ لَها علاماتٌ، وتْحوي أشْياءَ فاخِرَة. لذلكَ فقد صارتْ ثِيابُهُمْ فَريدَةً، وَفاخِرَةً، وغالِيَةَ الثَّمَن لكي تُشيرُ إلى أنَّهُمْ أُناسٌ مُقَدَّسون.

وقد كانوا "يُعَظِّمُونَ أَهْدَابَ ثِيَابِهِمْ" (كَما جاءَ في إنْجيل مَتَّى 23: 5). وَقدْ أخذوا ذلكَ عَنِ العهدِ القديم. ففي العهدِ القديم (وتحديدًا في سِفْرِ العَدَد 15: 38-40)، أَمَرَ اللهُ أنْ يَضَعَ اليَهودُ أهْدابًا صَغيرةً في الجُزْءِ السُّفْلِيِّ مِنْ أثوابِهِم. وقد كانَ ذلكَ رَمْزًا رائعًا حقًّا لتذكيرهم بشريعةِ اللهِ. فأيْنَما كانوا يَذْهَبونَ، كانوا يَرَوْنَ تلكَ الأهْدابَ فيتذكَّرونَ شَريعةَ اللهِ. وقد كانَ يَسوعُ يَلْبَسُ ثَوْبًا يَحْوي أهْدابًا كهذهِ (كما جاءَ في إنْجيل مَتَّى 9: 20). فقد كانَ الجَميعُ يَفعلُ ذلك.

ولكنَّ الكَتَبَةَ والفَرِّيسيِّينَ كانوا يُطيلونَ تلكَ الأهْدابَ، لا لِجَعْلِها أداةَ تَذْكيرٍ أقوى، بل بِهَدَفِ التَّباهي والظُّهورِ بمَظْهَرٍ مُعَيَّن. فَهُمْ لم يكونوا يُحاولونَ جَذْبَ الأنْظارِ إلى اللهِ أوْ كَلِمَتِهِ، بل كانوا يُحاولنَ جَذْبَ الأنْظارِ إليهم كما لو كانوا قِدِّيسين. وقد كانتْ تلكَ طَريقَتهُمْ في إظْهارِ أنْفُسِهِمْ، وفي إعْطاءِ مَكانَةٍ مَرموقَةٍ لأنْفُسِهِمْ، وفي تَحْقيقِ أهْدافِهِمْ. وقد كانَ هَدَفُهُمْ هُوَ التَّحَكُّمُ في حياةِ الشَّعْبِ، وَالإساءة إلى الشَّعْبِ، واستغلال الشَّعْبِ مِنْ أجْلِ تَحْقيقِ أهدافِهِمِ الشَّخصيَّةِ. لذلكَ فقد كانوا يَرْتَدونَ ملابِسَ خَاصَّة.

وأنا أُفكِّر في ذلكَ في كُلِّ مَرَّة أرى فيها شخصًا يَرتدي ملابسَ دينيَّة سَخيفة وَيَتَباهى بها كما لو أنَّها تُشيرُ بطريقةٍ ما إلى قداسَةٍ أَعْظَم. وعوضًا عَنِ الأهْدابِ الصَّغيرةِ في أسْفَلِ الثَّوْبِ (والتي تَرْمِزُ إلى الخُضوعِ لشريعةِ اللهِ)، فإنَّهم صَمَّموا هذا النَّوْعَ مِنَ الأثْوابِ لكي تُضْفي عَليهم هَيْبَةً. وما تَزالُ الحالُ كذلكَ اليوم إذْ إنَّ كَثيرينَ يَرْتَدونَ مَلابِسَ دِينيَّة.

ثانيًا، كانوا يُحِبُّونَ التَّحِيَّاتِ في الأسواق. فعندما كانوا يَمْشونَ ويَلْتَقونَ النَّاسَ في ذَهابِهِمْ وإيابِهِمْ في الحياةِ اليوميَّةِ، أيْ في الحياةِ العامَّةِ، كانوا يَتوقَّعونَ أنْ يُخاطِبَهُمُ النَّاسُ بِألقابِ التَّكريم. ولنَرْجِعْ ثانِيَةً إلى مَتَّى 23. ففي الرِّوايةِ الكامِلَةِ في مَتَّى 23 عَنْ كَلِماتِ رَبِّنا لهؤلاء، فإنَّهُ يُخْبِرُنا عَنِ الألقابِ المُحَدَّدَةِ الَّتي كانوا يُحِبُّونَها. فنحنُ نَقرأُ في العدد 7 أنَّهُمْ كانوا يُحِبُّونَ أَنْ يَدْعُوَهُمُ النَّاسُ: "سَيِّدِي". والكلمة المُتَرْجَمَة هُنا "سَيِّدي" تَعني: "مُعَلِّمًا مَرْموقًا، وَرَفيعَ الشَّأنِ، وَمُتَبَحِّرًا في العِلْمِ، وحَكيمًا جِدًّا". وَأعْتَقِدُ أنَّها كانَتْ تُشْبِهُ مُناداةَ شَخْصٍ ما بالكلمة "دُكتور" في وقتنا هذا. فقد كانوا يُحِبُّونَ أنْ يكونوا في القِمَّة.

والحقيقةُ هي أنَّهم كانوا يَتَبَوَّأونَ مَكانَةً مَرموقةً. فإنْ كانَ أَحَدٌ يَدْعوكَ "سَيِّدي" فهذا يَعني أنَّكَ رَفيعُ الشَّأنِ جِدًّا بِحَسَبِ ما جاءَ في التَّلْمود. ويُمكِنُنا أنْ نَجِدُ ذلكَ في الفقرة 88 مِنْ قِسْمِ السِّنْهدريم مِنَ التَّلمود إذْ نَقرأُ: "إنَّ عِقابَ مَنْ يَعْصي كَلامَ الكَتَبَة أَشَدُّ مِنْ عِقابِ مَنْ يَعْصي كَلامَ الكِتابِ المُقَدَّس". إذًا فقد أرادوا أنْ يَدْعوهُمُ النَّاسُ "سَيِّدي" أوْ بأحدِ الألقابِ الرَّفيعَةِ والمَرموقَةِ والمُمَيَّزَةِ. فقد كانَ هَذا هُوَ ما يَبْحَثونَ عنهُ.

وكانوا يُريدونَ أيضًا أنْ يَدعوهمُ النَّاسُ: "أبي". ولكنَّنا نَقرأُ في العدد 9: "لاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". فالكلمة "أبْ" تَعْني: المَصْدَر. فَهُمْ لم يريدوا فقط أنْ يَكونوا رَفيعي الشَّأنِ في حِكْمَتِهِمْ، بل أرادوا أيْضًا أنْ يَكونوا مَصْدَرَ الحياةِ الروحيَّةِ. فَهُمْ مَصْدَرُ الحَياةِ الروحيَّةِ. لذلكَ فقد أرادوا أنْ يَدعوهمُ النَّاسُ بألقابٍ مِثْلَ: "أبي" إشارةً إلى أنَّهُمُ الأصْلُ أوِ المُؤسِّسون.

لذلكَ فقد كانوا يُحِبُّونَ أنْ يَرْتَدوا أثْوابًا فاخِرَةً، وَأنْ يَرْفَعُ النَّاسُ مِنْ شَأنِهِمْ ويَدْعوهُمْ بأفْخَمِ الألْقابِ وَأعْظَمِها. وقد كانوا يُريدونَ أنْ يَدعوهُمُ النَّاسُ "أبي" كما لو كانوا هُمْ أصْلُ الحَياةِ الرُّوحيَّةِ. وقد أرادوا أنْ يَدعوهمُ النَّاسُ "مُعَلِّمين". ولكنَّنا نَقرأُ في العدد 10: "وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ". بَلِ ادْعُوا أنْفُسَكُمْ "خُدَّامًا".

فقد أرادوا أنْ يَكونوا "مُعَلِّمينَ". وقد كانَ المُعَلِّمُ مَسؤولًا عَنْ تَحْديدِ الاتِّجاهِ، وَعَنْ تَحْديدِ المَصيرِ. وهُوَ الذي يَرْسِمُ الطَّريقَ. ولكنَّ المُعَلِّمينَ الزَّائفينَ ليسوا مُتَواضِعينَ البَتَّة. فَهُمْ يَتَظاهَرونَ بالتَّواضُعِ. ولكِنْ تَذَكَّروا أنَّهُ إنْ رَفَضَ الإنْسانُ الحَقَّ فإنَّ أكْثَرَ تَكَبُّرٍ يُمْكِنُ أنْ تُظْهِرَهُ هُوَ أنْ تُعارِضَ اللهَ وَكَلِمَتَهُ. أليسَ كذلك؟ فإنْ رَفَضْتَ الكِتابَ المُقَدَّسَ، ورَفَضْتَ الإنْجيلَ، فإنَّ هَذا هُوَ أسْوَأُ شَكْلٍ مِنْ أشكالِ التَّكَبُّر. والمُعَلِّمونَ الزَّائفونَ لا يُمكنُ أنْ يكونوا مُتواضِعين. ولكِنَّ أكْثَرَ عَمَلٍ مُتَكَبِّرٍ يُمكنكَ أنْ تَقومَ بهِ هُوَ أنْ تَرْفُضَ كلمةَ اللهِ وَأنْ تَتَمَرَّدَ عليها. وقد كانَ هذا هُوَ ما يَفْعَلونَهُ. ولكنَّهُمْ أرادوا أنْ يَرْفَعَ النَّاسُ مِنْ شَأنِهِمْ مِنْ خلالِ الألْقابِ والتَّجَمْهُرِ حَوْلَهُمْ.

ثالثًا، لم يكونوا فقط يُحِبُّونَ "التَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ"، بل كانوا أيضًا يُحِبُّونَ "الْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ". فقد كانَتْ لَهُمْ مِنَصَّات عالِيَةٌ أمامَ المَجْمَعِ. وكانَ الكَتَبَةُ الفَرِّيسيُّونَ المُهِمُّونَ يَجْلِسونَ على تلكَ المِنَصَّاتِ المُرْتَفِعَةِ بوَصْفِهِمْ خَبَراءَ في الشَّريعَة. وكانَ الكَتَبَةُ الزَّائِرونَ القادِمونَ مِنْ مُدُنِهِمْ إلى مَجْمَعٍ آخَرَ يَتوقَّعونَ الجُلوسَ في المَجالِسِ الأولى.

هَلِ ابْتَدَأتُمْ في فَهْمِ الصُّورَة؟ والآنْ، تَعْلَمونَ لماذا لا أُحِبُّ أنْ يَدعوني أحدًا "دُكْتور"، ولماذا لا أرْتَدي ثَوْبًا، ولماذا لا أجْلِسُ على المِنَصَّة. فَهَذِهِ مُجَرَّدُ طَريقَةٍ بَسيطَةٍ للابتِعادِ عَنْ هذا كُلِّه.

ثُمَّ رابعًا، كانوا يُحِبُّونَ "الْمُتَّكَآتِ الأُولَى فِي الْوَلاَئِمِ". فعندما تكونُ هُناكَ مُناسبةٌ خاصَّةٌ، كانوا يُحِبُّونَ أنْ يَجْلِسوا في المُتَّكَآتِ الأولى بِجانِبِ المُضيفِ. فقد كانوا يُحِبُّونَ أنْ يكونوا مَرْكَزَ الاهْتِمامِ وَأنْ يَكونوا مُكَرَّمينَ فَوْقَ الكُلِّ.

لقد كانوا يَسْعَوْنَ إلى ذلك. وقد كانَ الأمْرُ كُلُّهُ كِبْرياء. فهذهِ الأمورُ الأرْبَعَةُ تَخْتَصُّ بالكِبرياءِ والمَكانةِ المَرموقَة. وقد كانَ هذا هوَ ما يَبْحَثونَ عنهُ. والقادةُ الدينيُّونَ يَبْحَثونَ عَنْ ذلك – وَأنا أُشيرُ بِذَلِكَ إلى القادَةِ الدينيِّينَ الزَّائِفين.

ولكنَّنا نَجِدُ تَحَوُّلًا عِنْدَ الصِّفَةِ الخامِسَةِ إذْ نَقرأُ في العدد 47: "اَلَّذِينَ يَأكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ". والآنْ، ما المَقصودُ بذلك؟ أوَّلًا، اسْمَحوا لي أنْ أقولَ لكم إنَّ الكلمة "يَأكُلونَ" هِيَ كَلِمَة قَوِيَّة جِدًّا. فهناكَ فِعْلٌ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ وَهُوَ "إسْثِيو" (esthio)، ومَعْناهُ: "يَلْتَهِمْ" أوْ "يَفْتَرِس" بالمَعْنى المَجازِيِّ. وَهِيَ تَعْني حَرْفِيًّا: "يأكُل". فهيَ الكلمةُ الَّتي تُسْتَخْدَمُ للإشارةِ إلى الأكْلِ. أمَّا مَجازِيًّا فهيَ تَعني: "يَلْتَهِمْ" أوْ "يَفْتَرِس".

ولكِنَّ الكلمةَ المُستخدمةَ هُنا هي ليست "إسْثِيو"، بل هي "كاتيسثيو" (katesthio). ودائمًا، عندما تُضيفونَ حَرْفَ جَرٍّ إلى بدايةِ الكلمة فإنَّكُمْ تُشَدِّدونَ على مَعْنى الفِعْل. لذلكَ فإنَّ المَعنى هُنا هُوَ: "يَلْتَهِمونَ تَمامًا" أوْ "يَفْتَرِسونَ تَمامًا" أوْ "يأكُلونَ دُوْنَ أنْ يُبْقوا شَيئًا". لذلكَ فإنَّ الكلمة "يأكلون" تَرِدُ بالمَعنى الأقوى. فقد كانوا يَسْتَغِلُّونَ النَّاسَ الأكْثَرَ ضَعْفًا. ومِنَ الأمثلةِ على ذلكَ المُعَلِّمونَ الكَذَبَة الَّذينَ كَتَبَ بولسُ عنهم إلى تيموثاوُس أنَّهُمْ يَسْعَوْنَ وَراءَ النِّساءِ السَّاذِجاتِ. فَهُمْ يَبْحَثونَ عنِ النَّاسِ الضُّعَفاءِ الَّذينَ ليسَ لَهُمْ مَنْ يُدافِعُ عنهم. وَهُمْ "يأكُلونَ بُيوتَ الأرامِلِ". فقد كانَتِ الأرامِلُ أَسْهَلَ الأهْدافِ لديهم.

وما مَعنى ذلك؟ حَسَنًا! أوَّلًا، كانَ يَنْبَغي أنْ تَحْظى الأرْمَلاتُ بالحِمايَة. أليسَ كذلك؟ ففي العهدِ القديمِ ... أوْ قَبْلَ ذلكَ، يَقولُ يَعْقوبُ إنَّ الدِّيانةَ الطَّاهِرَةَ هِيَ افْتِقادُ الأرامِل. ونحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الخُروج 22: 22، وسِفْرِ التَّثنيةِ 10: 18، وسِفْرِ مَلاخي 3: 5، وأسْفارٍ أُخرى، أنَّ اللهَ يُوْصي الشَّعْبَ بالاهْتِمامِ بالأرامِل. فاللهُ يَهْتَمُّ بالأرامِل. ولكنَّ هؤلاءِ الكَتَبَة كانُوا يَلْتَهِمونَ بُيوتَهُنَّ.

وكيفَ يَفعلونَ ذلك؟ لا تَنْسَوْا أنهم كانوا المُحامينَ في ذلكَ النِّظام. لذلكَ، عندما كانتْ إحْدى الأرامِلِ تَحْتاجُ إلى شخصٍ يَحْميها، كانَتْ تَلْتَجِئُ إلى واحدٍ مِنْ هؤلاءِ المُحامينَ ظَنًّا منها أنَّهُ سيَحْمي بَيْتَها، ومُمْتَلكاتِها، وكُلَّ تلكَ الأشياء. وقد قامَ أُناسٌ بِدراسةٍ مُدْهِشَةٍ وبَحْثٍ مُدْهِشٍ عَنِ السُّلوكيَّاتِ الَّتي كانَتْ تُمارَسُ آنَذاك. وإليكُمْ مُلَخَّصًا بذلك:

أوَّلًا، كانوا يَحْصُلونَ على الدَّعْمِ والمالِ لأنْفُسِهِمْ مِنَ الأرامِلِ مَعَ أنَّ ذلكَ كانَ مُحَرَّمًا. فقد كانوا مُطالَبينَ بمُساعَدِتِهنَّ دونَ ثَمَن ... بِمُساعَدِتِهِنَّ دونَ ثَمَنْ. فقد كانَتْ تلكَ مِنْ صِفاتِ المُعَلِّمِ الحَقيقيِّ – ولا سِيَّما فيما يَخْتَصُّ بِتَعامُلِهِمْ مَعَ الأرامِل. ولكنَّهم كانوا يَعْصُونَ ذلكَ. فعندما كانوا يُقَدِّمونَ النَّصائِحَ للأرامِلِ، كانوا يَتَقاضونَ أجْرًا، بلْ أجْرًا كَبيرًا جِدًّا. وماذا يُمْكنُ لأرْمَلَةٍ أنْ تَفعَل؟

ثانيًا، كانوا يَغِشُّونَ الأرامِلَ ويَسْلِبونَ أمْلاكَهُنَّ مِنْ خِلالِ إدْخالِهِنَّ في المَتاهاتِ القانونيَّةِ تَحْتَ غِطاءِ تَوفيرِ الحِمايةِ القانونيَّةِ. ولكنَّهُمْ كانوا يَبْتَدِئونَ حَرْفِيًّا بالْتِهامِ أمْلاكِ تِلْكَ الأرملة.

ثالثًا، كانوا يُسيئونَ اسْتِخْدامَ الضِّيافَةِ ويَسْتَغِلُّونَها. فقد كانوا يَسْتَغِلُّونَ المَنامَةَ، والإقامَةَ، والطَّعامَ. وهُناكَ قِصَصٌ عَنْ نَهَمٍ في الأكْلِ وإسْرافٍ في الشُّرْبِ على حِسابِ الأرامِلِ.

كذلكَ، بسببِ إساءَةِ إدارَةِ أملاكِ الأرامِلِ وعدمِ الاهْتِمامِ بِهِنَّ البَتَّةَ، كانَتِ الأرْمَلَةُ تَصيرُ فَقيرَةً جِدًّا. ومِنَ الأمورِ الشَّائِعَةِ هُوُ أنْ يَأخذوا المالَ مِنَ الأرامِلِ المُسِنَّاتِ اللَّاتي يُعانينَ أمْراضًا عَقْلِيَّةً – أي أنَّهم كانوا يَستغلُّونَ الأرامِلَ اللَّاتي لا يُمْكِنُهُنَّ الدِّفاعَ عَنْ أنْفُسِهِنَّ عَقْلِيًّا.

ورُبَّما كانَ أسْوَأُ الكُلِّ هُوَ أنهم كانوا يُراكِمونَ الدُّيونَ الَّتي تَدينُ بها الأرامِلُ لَهُمْ، فَيَتَحَكَّمونَ بِهِنَّ، وَيُسَيْطِرونَ عَليهِنَّ. وبسببِ عدمِ قُدرَتِهِنَّ على الدَّفْعِ، كانوا يَأخذونَ بَيْتَ الأرْمَلَةِ مُقابلَ الدَّيْن. وبذلكَ كانوا يأكلونَ بُيوتَ الأرامِلِ. فعندما تَعْجَزُ الأرْمَلَةُ عنِ الدَّفْعِ، كانُوا يَطْرَحونَها خارِجًا.

وهذا هوَ السَّبَبُ في وَصْفِ يَسوعَ لَهُمْ. وسوفَ أقرأُ لكم ذلكَ النَّصَّ مَرَّةً أخرى كما جاءَ في لوقا 11: 39: "وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافًا" ... "وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافًا وَخُبْثًا". أوْ كَما جاءَ على لِسانِ يسوعَ في لوقا 16 (أوْ رُبَّما يَنبغي أنْ أقول: على لِسانِ لوقا – في لوقا 16: 14): "وَكَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ ... مُحِبُّونَ لِلْمَالِ".

فقد كانوا مَغرورينَ وجَشِعين. فقد كانوا يَتَّصِفونَ بهاتَيْنِ الصِّفَتَيْن. وهذا وَصْفٌ يَنْطَبِقُ على المُعَلِّمينَ الكَذَبة. فَهُمْ يَفعلونَ ما يَفعلونَهُ لأجْلِ الرِّبْحِ القَبيح. وَهُمْ يَرْفَعونَ مِنْ شَأنِ أنفُسهِم. وهُمْ يَتَظاهرونَ بالرُّوحانِيَّةِ. وهُمْ يَسْتَغلُّونَ النَّاسِ الأكْثَرَ ضُعْفًا والذينَ لا يُوْجَدُ مَنْ يُوَفِّرُ الحِمايَةَ لهم.

والآنْ، هنُاكَ مُحامونَ يَفعلونَ ذلك. ولكنَّنا نَشكُرُ الرَّبَّ على المُحامينَ المَسيحيِّينَ وعلى المُحامينَ النُّزَهاءِ الذينَ لا يَفعلونَ ذلك. ولَكِنْ هُناكَ مُحامونَ يَفعلونَ ذلك. وَهَلْ تَعْلَمونَ ما المُحْزِنُ أكْثَرَ مِنْ ذلك؟ أنْ يَكونَ هناكَ مُبَشِّرونَ يَفعلونَ ذلك ... مُبَشِّرونَ زائِفونَ، ومُعَلِّمونَ دينيُّونَ زائِفونَ يَأخذونَ المالَ مِنْ جُيوبِ النَّاسِ. والدِّياناتُ الزَّائفةُ تَستغلُّ النَّاسَ في دُوَلِ العالمِ الثَّالِثِ بالرَّغْمِ مِنْ فَقْرِ النَّاسِ هُناك. وَالشَّيءُ الأكْثَرُ حَداثَةً يَجْري (بالمُناسَبَة) في إفريقيا – لا سِيَّما أنَّ دُعاةَ الصِحَّة والغِنى والرَّخاء قَدْ ذَهَبوا إلى إفريقيا الآنَ وحَقَّقوا نَجاحًا باهِرًا. فهناكَ الكَثيرُ مِنَ الفُقَراءِ المَساكين الذينَ لا يَرَوْنَ أيَّ مُسْتَقْبَلٍ مِنْ أيِّ نَوْعٍ، والذينَ يَعيشونَ على مَبالِغَ ضَئيلة جِدًّا مِنَ المالِ، والذينَ لا حَوْلَ لَهُمْ ولا قُوَّةَ، والذينَ يَعيشونَ على حَافَةِ اليأسِ. ثُمَّ يأتي هؤلاءِ ويَعِدونَهُمْ بالصِحَّةِ، والغِنى، والرَّخاء. وَهُمْ يُحَقِّقونَ نَجاحًا باهِرًا.

وسوفَ أَذْكُرُ لكُمْ مَثَلا توضيحيًّا واحدًا فقط. ففي "لاغوس" بنيجيريا، هناكَ كنيسةٌ واحدةٌ تَدْعو إلى ذلكَ وَيَصِلُ عَدَدُ أعْضائِها إلى أرْبَعَةٍ وخَمْسينَ ألفًا. ومِنْ أجْلِ الحُصولِ على الصِحَّةِ، والغِنى، والرَّخاء، يجبُ أنْ تُعْطي القائِدَ راتِبَ شَهْرٍ كامِلٍ. وَهَذا يُطْلَبُ مِنْهُمْ باسْمِ يَسوع. وهذا سَلْبٌ للمَساكين، وسَلْبٌ للفُقراء، وسَلْبٌ للناسِ الَّذينَ لا يوجدُ مَنْ يُدافِعُ عنهم. وهذا أمْرٌ يَزْدادُ انْتِشارًا في إفريقيا. وهُمْ يَبْنونَ أكْبَرَ الكنائِسِ في العالمِ في إفريقيا باسْمِ إنْجيلِ الصِحَّةِ، والغِنى، والرَّخاء. وَهُمْ يَسْتَغِلُّونَ النَّاسَ الفُقَراءَ اليائِسين. وَهَذِهِ خُطَّةٌ لِجَعْلِ هؤلاءِ القادَةِ في قِمَّةِ الثَّراءِ.

لذلكَ فإنَّ المُعَلِّمينَ الزَّائِفينَ مُتَكَبِّرينَ وجَشِعين، ولَكِنْ ليسَ بالدَّرجةِ نَفْسِها. ثُمَّ سادِسًا: "وَلِعِلَّةٍ يُطِيلُونَ الصَّلَوَاتِ". والحقيقةُ هي أنَّهُ لا توجدُ أيُّ مُشْكِلَةٍ في الصَّلواتِ الطويلةِ. وقد صَلَّيْتَ أنا شخصيًّا صَلواتٍ طويلة. ولكِنَّ المُشْكِلَةَ تَكْمُنُ في الصَّلواتِ الطَّويلةِ الَّتي يَكونُ الدَّافِعُ وَراءَها هُوَ التَّظاهُرُ – أيْ أنْ تُصَلِّي لكي يَراكَ الآخَرون.

ولعلَّكُمْ تَذْكُرونَ ما جاءَ في إنْجيل مَتَّى 6: 5-6 إذْ دَانَ يَسوعُ هذا النَّوعَ مِنَ الصَّلواتِ في العِظَةِ على الجَبَلِ لأنَّ تلكَ كانَتْ صِفَةً مُمَيِّزَةٍ لهؤلاءِ القادةِ الزَّائِفين. فَقَد قالَ: "وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ". فالدَّجَّالونُ الرُّوحيُّونَ، والمُدَّعونَ الروحيُّونَ يَسْتَغِلُّونَ النَّاسَ. وَهُمْ يَفعلونَ ذلكَ تحتَ غِطاءِ التَّظاهُرِ.

وبالمناسبة، فإنَّ الكلمة "يَتَظاهَرْ" هِيَ كَلِمَة مُثيرة للاهتمام، وَهِيَ تَرْجَمَة للكلمة اليونانيَّة "بروفيسي" (prophasei). وَهِي تُشيرُ إلى الشيءِ الَّذي يُوْضَعُ في المُقَدِّمَة لإخْفاءِ حَالَةِ الشَّيءِ الحقيقيَّة. وَهذا هُوَ ما كانَ يَحْدُثُ. فَقَدْ كانوا يُخْفُونَ حَقيقَةَ أنْفُسِهِمْ. فقد كانوا يَرْتَدونَ ثِيابًا طويلةً ويُصَلُّونَ صَلواتٍ طويلة. وَهِي نَفْسُ لُعْبَةِ المُعَلِّمينَ الكَذَبَة. فنحنُ نَقرُأ مَرَّةً أُخرى في الأصْحاح 23 مِنْ إنْجيلِ مَتَّى أنَّ الرَّبَّ يَصِفُ هذا النَّوْعَ مِنَ الرِّياءِ فيقول في العدد 25: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ، وَهُمَا مِنْ دَاخِل مَمْلُوآنِ اخْتِطَافًا وَدَعَارَةً. أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّ الأَعْمَى! نَقِّ أَوَّلاً دَاخِلَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ لِكَيْ يَكُونَ خَارِجُهُمَا أَيْضًا نَقِيًّا. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَارًا، وَلكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِل مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْمًا".

لقد كانَ هؤلاءِ القادَةُ أكْثَرَ النَّاسِ تَدَيُّنًا في إسرائيل. وهناكَ مُبَشِّرونَ اليومَ يَقولون: "ينبغي أنْ نَتعاوَنَ مَعَ إسرائيل. وينبغي أنْ نَشْبِكَ أيْدينا بأيديهم لأنَّهُمْ شعبُ اللهِ، وأنْ نَتشارَكَ الأفْكارَ الرُّوحِيَّةَ". لا. لا. فيسوعُ لم يُجْرِ حِوارًا معَ النَّاسِ الأكْثَر تَدَيُّنًا في إسرائيل. بل أَعْلَنَ الدَّينونَةَ عليهم. لذلكَ فإنَّنا سنَعودُ مَرَّةً أُخرى إلى مَتَّى 23 طالَما أنَّنا نَتحدَّثُ عنْ هذا الموضوع. انْظُروا إلى العَدَد 15: "وَيْلٌ". وَهَذِهِ كَلِمَةٌ تُشيرُ إلى الدَّينونة واللَّعنة. والعَدَد 16: "وَيْلٌ". والأعداد 23 و 25 و 27 و 29: "وَيْلٌ، وَيْلٌ، وَيْلٌ، وَيْل، وَيْلٌ". فَهُوَ يُعْلِنُ الدَّينونةَ الرَّهيبةَ والمُريعَةَ عليهم. ونَقرأُ في العدد 33: "أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟" وهذهِ دَينونَة، وليسَتْ مُحادَثَة.

والآنْ، لِنَرْجِعْ إلى إنْجيل لوقا لِنَقرأَ آخِرَ كلماتٍ في الأصحاح. فقد رأينا التَّحذيرَ والوَصْفَ. والآنْ، نَقرأُ عنِ الدَّينونة. "هؤُلاَءِ يَأخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ". والكلمةُ المُهِمَّة هُنا هي "أَعْظَم" (وليسَ أَقَلّ) لأنهم مُتَدَيِّنون. فالربُّ لن يُحِبَّهُمْ فجأةً لأنهم مُتَدَيِّنون، أو لأنَّهم صالِحونَ، أو لأنَّهُمْ خَلوقونَ، أوْ لأنَّ اللهَ يُحِبُّ جَميعَ الدِّياناتِ، أوْ لأنَّ كُلَّ الدِّياناتِ تُحِبُّ اللهَ، أوْ لأنَّ يَسوعَ يُحِبُّ كُلَّ الدِّياناتِ وكُلّ الدِّياناتِ تُحِبُّ يَسوعَ. هَلْ هذا رائِعٌ؟

لا! فَهُوَ يُعْلِنُ عليهم دَيْنونَةً أَقْسَى. والكلمة "أَعْظَم" هِيَ تَرْجَمَة للكلمة اليونانيَّة "بيريسوتيرون" (perissoteron)، وَهِيَ تَرِدُ بِصيغَةِ التَّفْضيل: فالكلمة "دَينونَة" هي "كريما" (krima). والكلمة "بيريسوتيرون" تَعني: "أَعْظَم جِدًّا" أوْ "أعْظَم بكَثير" أوْ "أعْظَم بِما لا يُقاس"، أوْ (إنْ جازَ التَّعبيرُ): "دَينونَةً اسْتِثْنائِيَّةً"، أيْ: "أكْثَرَ مِنَ المُعْتاد". فالنَّاسُ المُتَدَيِّنونَ يَأخُذونَ دينونةً أعْظَمَ، وليسَ دينونًة أقَلّ. فعِوَضًا عَنْ أنْ يَكونوا مَرْضِيِّينَ أمامَ اللهَ بطريقةٍ ما لأنَّهُمْ عاشوا وَفْقًا للحَقِّ الَّذي عَرَفوه، فإنَّهم يَأخذونَ دينونةً أعْظَمَ – ولا سِيَّما إذا اسْتَهانوا بِدَمِ العَهْدِ، وَحَسِبوا أنَّهُ شَيءٌ دَنِسٌ (كما جاءَ في عِبرانِيِّين 10: 29-31)، ورَفَضوا المَسيح.

والفِكرةُ واضِحَةٌ. فإذا كُنْتَ تَعْتَنِقُ الدِّيانةَ الخاطِئَةَ، فإنَّكَ سَتُدان. وإذا كُنْتَ قائِدًا في ديانةٍ خاطِئَةٍ فإنَّكَ سَتأخُذُ عَذابًا أكْبَرَ وَدينونةً أعْظَمَ في جَهَنَّم. فَهؤلاءِ خَطيرون. لذلكَ احْذَروا. فَهُمْ مُراؤونَ. وَهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الدَّينونَةَ. نَتَعاطَفُ مَعَهُمْ؟ أجل. نُقَدِّمُ لَهُمُ الإنْجيلَ؟ أجَلْ، نُقَدِّمُ لَهُمُ الإنْجيلَ. ونُصَلِّي لأجْلِ خَلاصِهِم. ونَحْزَنُ لأجْلِهِم. ولكِنْ في النِّهاية، لا يوجدُ شَيءٌ نَتعلَّمُهُ مِنَ المُعَلِّمينَ الزَّائِفينَ ومِنَ الدِّياناتِ الزَّائفةِ. ويَنبغي لهؤلاءِ أنْ يَعلموا أنَّهُمْ تَحْتَ حُكْمِ دينونةِ اللهِ. وينبغي لهم أنْ يَعلموا ذلكَ لأجْلِهم ولأجْلِ أولئكَ الذينَ يَنْبَغي أنْ يَحْصُلوا على الحِمايَةِ مِنْهُم. لِنُصَلِّ:

يا رَبّ، لا يَسَعُنا إلَّا أنْ نَشْكُرَكَ لأنَّ هذا مَكتوبٌ في الكِتابِ المُقَدَّسِ. فلو أنَّنا قُلْنا هذا الكَلامِ مِنْ عِنْدنا، وليسَ اسْتِنادًا إلى تَعْليمِ الكِتابِ المُقَدَّسِ الواضِحِ، فإنَّ ذلكَ سيكونُ أكْثَرَ مِنْ قُدرةِ النَّاسِ على الاحْتِمال. ولكنَّنا نَعْلَمُ أنَّ هَذا هُوَ فِكْرُكَ وهذِهِ هِيَ مَشيئَتُكَ لأنَّكَ وَضَعْتَ ذلكَ في كَلِمَتِكَ. أجَلْ، نَحْنُ نَشعُرُ بالحُزْنِ. وأجل، نَحْنُ نَبكي على حالِ أولئكَ الذينَ يَنْتَمونَ إلى هذِهِ الأنْظِمَةِ الزَّائِفَةِ. وأجل، نحنُ نَتَمَنَّى بِدافِعِ الرَّحْمَةِ أنْ نُقَدِّمَ الحَقَّ لهم، وأنْ نُعْلِنَ الحَقَّ لهم. فحتَّى هذِهِ الرِّسالة هي رَحْمَة لأيِّ مُعَلِّمٍ زائِفٍ يَسْمَعُها. ولكِنْ يجبُ علينا أنْ نُحَذِّرَهُمْ مِنْ دَينونَتِهِمِ القادِمَةِ. ويجبُ علينا أنْ نُحَذِّرَ أولئكَ الذينَ انْخَدَعوا بسببِهِم مِنَ الوُقوعِ تَحْتَ الدَّينونَةِ نَفْسِها.

نَشْكُرُكَ على هذا التَّحذيرِ النَّابِعِ مِنْ نِعْمَتِكَ وَرَحْمَتِكَ. ونَشكُرُكُ، يا رَبُّ، على الحَقِّ. ونَشكركَ لأنَّنا عَرَفْنا الحَقَّ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ ورُوحِكَ. ونحنُ نُريدُ أنْ نَأتي مَعًا ونَعْرِفَ ما قَصَدَهُ مُوسى وإشَعْياءُ وبولسُ ويوحنَّا بما قالوهُ لأنَّكَ أنْتَ الَّذي تَتَكَلَّمُ إلينا مِنْ خِلالِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. ونحنُ لا نُريدُ حِوارًا مَعَ أيِّ شخصٍ سِواك. ونحنُ لا نُريدُ حَتَّى أنْ نُجيبَ، بَلْ فَقَطْ أنْ نَسْمَعَكَ تَتَكَلَّم.

فليسَ لدينا ما نَقول. وليسَ لدينا ما نُقَدِّمُهُ. ولا يمكننا أنْ نُجْري تَحْسيناتٍ على كَلِمَتِكَ. ولا يُمْكِنُنا أنْ نَجِدَ فَهْمًا أفْضَلَ مِنْ خِلالِ الحِوارِ مَعَ أيِّ شخصٍ في أيِّ مَكانِ، ولا سِيَّما معَ أولئكَ الذينَ هُمْ أمْواتٌ في الذُّنوبِ والخَطايا ولا يَعْرِفونَ الحَقَّ. لذلكَ، أنْ نَكونَ مُطيعينَ فَقَطْ للكَلِمَة، وَأنْ نَفْرَحَ بالكلمة لأنَّها الحَقُّ. والحَقُّ يُحَرِّرُنا. لذلكَ فإنَّنا نَشْكُرُكَ عليهِ. نَصَلِّي هذا باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize