Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افتَحُوا كُتُبَكُم المقدَّسَةَ، مِنْ فَضْلِكُمْ، على إنجيل لوقا (الأصْحاح 23). لوقا (الأصْحاح 23). أعتقد أنِّي مَدينٌ لَكُم بِتَوْضيحٍ يَختصُّ بِعُنْوانِ العِظَة. مِنَ المؤكَّدِ أنَّكُم حين نَظرتُم إلى النَّشْرَةِ اليومَ ورأيتُمْ عُنوانَ العِظَة: "المَهْزَلَة عِنْدَ الصَّليب"، مِنَ المؤكَّدِ أنَّكُم صُدِمْتُم. فالفِكْرَةُ صَادِمَة! وَالعُنوانُ يَفْتَقِرُ إلى التَّوقير. وَالحقيقةُ هي أنَّهُ مِنَ القَسْوَةِ، بَلْ رُبَّما أيْضًا مِنَ التَّجْديفِ، أنْ نُفَكِّرَ في الجُلْجُثةِ كَما لو كانتْ مَهْزَلَة. وأنا على يَقينٍ أنَّكُمْ لم تُفَكِّروا يومًا في الجُلْجُثَة بِهَذِهِ الطَّريقة. فعندما تُفَكِّرونَ في الجُلجُثة فإنَّكُم تُفَكِّرون في أَهْوالِها، وقَسْوَتِها، وآلامِها. فأنتُم لا تُفَكِّرونَ فيها كمَهزلة. ولا يَجوزُ أن تُفَكِّروا فيها بهذه الطَّريقة. وأنا لا أُفَكِّرُ فيها كمَهْزَلَة. ولكنَّ النَّاسَ الذينَ اشْتَرَكُوا فيها عندما حَدَثَتْ حَوَّلوها إلى مَهْزَلَة. ففي نَظَرِهِم، كانتِ الجُلْجُثَةُ نُكْتَة. وَالتَّعريفُ الكلاسيكيُّ للمَهْزَلَة هو أنَّها: "حَدَثٌ مُضْحِكٌ أو سَاخِر" – وَفْقًا لِتَعْريفِ مُعْجَم وِبستر. وإذا بَحَثْتَ عَن مُرادِفاتٍ للكلمة "مَهْزَلَة" سَتَجِد "سُخْرِيَة"، أو "مَسْخَرَة"، أو "مَلْهاة"، أو "تَقْليدٌ سَاخِر"، أو "استعراضٌ هَزَلِيّ"، أو يُمكنكَ أن تُسَمِّيها "نُكْتَة" – أو بالأحْرى: "دُعَابَة طَويلة".

وَمِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ مَنْ صَلَبُوا يَسُوع، كانَ الحَدَثُ بِمُجْمَلِهِ قَدْ حُوِّرَ وَجُعِلَ اسْتَعراضًا هَزليًّا طَويلًا. فقد كان حَقًّا، في أعيُنِ هؤلاءِ، مَسْرَحيَّةً كوميديَّة. وكانَ يَسُوعُ هُوَ الأُضْحوكَة. ولكِن مَا النُّكْتَة؟ "هذا هُوَ مَلِكُ اليَهود". كانَ ذلِكَ مُضْحِكًا في نَظَرِهِم. ويَجِبُ عَلينا أنْ نَتذكَّرَ أنَّ يَسوعَ جُرِّدَ مِنْ حُرِّيَّتِهِ عندَ اعْتِقالِهِ. وَجُرِّدَ مِنْ حُقوقِهِ عِنْدَما حُوْكِمَ ظُلْمًا. وَجُرِّدَ مِنْ أصْدِقائِهِ عِنْدَما تَرَكوهُ جَميعًا. وَجُرِّدَ مِنْ خِدْمَتِهِ. وَحُرِمَ مِنْ مَلابِسِهِ إذْ جَرَّدوهُ مِنْها وَلَمْ يُبْقُوا عَلَيْهِ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ. ولكِنَّ ذلِكَ لَمْ يَكْفِهِم. لذلكَ فَقَدْ أرادوا أنْ يَحْرِمُوهُ حَياتَهُ. وفي أثناءِ ذلكَ، أرادوا أنْ يَحْرِصُوا على تَجْريدِهِ مِنْ كَرامَتِهِ ... وَمِنْ أيِّ اعْتِبارٍ كَانَ مَا زَالَ لَدَيْه. لذلكَ فقدْ كان تنفيذُ حُكْمِ الإعْدامِ بيسوعَ مُعَدًّا كَمَهْزَلَةٍ كَبيرَةٍ أوْ كمَسْرَحِيَّةٍ هَزَلِيَّةٍ سَاخِرَة. هذا مَلِك؟ لَقَدْ كَتَبَ لُوقا كَلِماتٍ قَليلةً جدًّا عَنِ الصَّلْب. قَليلة جِدًّا. وَلَكِنَّهُ كَتَبَ كَلماتٍ كَثيرَةً عَنْ مَوْقِفِ النَّاسِ الَّذينَ كانُوا حَاضِرين. فقد كانوا يَزْدَرونَ، ويَسْخَرونَ، ويَهزأونَ، ويَتَهَكَّمونَ – وهذا كُلُّهُ على مَلِكِ اليهودِ المُضْحِك. ومِنَ الواضِحِ أنَّ ما كانَ مُنَفِّذُو عُقوبَةَ الصَّلْبِ يَظُنُّونَ أنَّهُ سَاخِرٌ وَسَخيفٌ وَمُضْحِكٌ، كانَ في نَظَرِ اللهِ أَمْرًا جَادًّا إلى أَقْصَى الحُدود. وقدِ اشْتَرَكَ اليَهودُ في تلكَ المَسْرَحيَّةِ الهزليَّةِ إذْ جَعَلُوا يَسوعَ هَدَفًا لِسُخْرِيَتِهِمْ وَتَهَكُّمِهِمْ – رُبَّما لِتَخفيفِ شُعورِهِمْ بالذَّنْب. ولا شَكَّ أنَّ الجُنودَ الرُّومانَ اشْتَرَكُوا في المسرحيَّةِ الكوميديَّةِ جاعِلينَ يَسوعَ هَدَفًا لَهُمْ – رُبَّما لإبْعادِ المَلَلِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. ولكنَّ لوقا يَصِفُ لَنا المَهْزَلَةَ الَّتي حَدَثَتْ عِنْدَ الصَّليب. إلى أيِّ حَدٍّ يُمْكِنُ للنَّاسِ أنْ يَكونُوا عَلى خَطَأ؟ وَإلى أيِّ مَدىً قَدْ يَحِيْدُونَ عَنِ الحَقيقَة؟

لِنَسْتَمِع إلى ما كَتَبَهُ لوقا ابْتِداءً بالعَدَد 33 مِن إنجيل لوقا 23: "وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى «جُمْجُمَةَ» صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. فَقَالَ يَسُوعُ: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ». وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا. وَكَانَ الشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ، وَالرُّؤَسَاءُ أَيْضًا مَعَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ قَائِلِينَ: «خَلَّصَ آخَرِينَ، فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَسِيحَ مُخْتَارَ اللهِ!». وَالْجُنْدُ أَيْضًا اسْتَهْزَأُوا بِهِ وَهُمْ يَأْتُونَ وَيُقَدِّمُونَ لَهُ خَلًّا، قَائِلِينَ: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ مَلِكَ الْيَهُودِ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ!» وَكَانَ عُنْوَانٌ مَكْتُوبٌ فَوْقَهُ بِأَحْرُفٍ يُونَانِيَّةٍ وَرُومَانِيَّةٍ وَعِبْرَانِيَّةٍ: «هذَا هُوَ مَلِكُ الْيَهُودِ». وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلاً: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!»" نَجِدُ هُنا ثَلاثَةَ أفْعالٍ: سَخِروا بِهِ، وَاسْتَهْزَأوا بِهِ، وَجَدَّفُوا عَلَيْه. وَهِيَ أفْعالٌ تَصِفُ لَنا مَوْقِفَ المُتَفَرِّجينَ مِنَ اليَهودِ وَالرُّومان. فَقَدْ كَانُوا جَميعُهُمْ يَهْزَأونَ بِيَسُوع. وَنَجِدُ هُنا ثَلاثَةَ أقْوالٍ تُؤكِّدُ النَّوايا الَّتي نَبَعَتْ مِنْها تِلْكَ الأفْعالُ الثَّلاثَة. ثلاثَةُ أَقْوالٍ سَاخِرَة، وَمُسْتَهْزِئَة، ومُزْدَرِيَة، وَتَهَكُّمِيَّة: "خَلَّصَ آخَرِينَ، ألا يَقْدِر أنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ؟"، و "إذا كُنْتَ أنْتَ ابْن اللهِ، خَلِّصْ نَفْسَكَ وَإيَّانا"، و "إنْ كُنْتَ أنْتَ المَسيح فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإيَّانا!" وَقَدْ كانَتْ الغايَةُ مِنْ جَميعِ هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَة هِيَ التَّهَكُّمُ على اللَّوْحَةِ الَّتي عُلِّقَتْ فَوْقَ رَأسِهِ: "هَذا هُوَ مَلِكُ اليَهود".

وَالحقيقَةُ هِيَ أنَّ هَذِهِ المَسْرَحِيَّةَ الهَزَلِيَّةَ كانَتْ تَقومُ عَلى ما هُوَ أكْثَر مِنْ سُخْرِيَتِهِمْ. فَقَدْ أَعَدُّوا هَذِهِ المَهْزَلَةَ بِعِنايَةٍ شَديدَة. وَقَدْ نَصَّبُوا يَسوعَ كَما يُنَصَّبُ المَلِكُ عَلى النَّاسِ؛ ولكنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَهُوَ على صَليب. فَقَدْ وَضَعُوا على رَأسِهِ إكْليلًا. ليسَ إكْليلًا مِنْ ذَهَب، بَلْ إكْليلًا مِنْ شَوْكٍ غُرِزَ في جَبينِهِ فَجَعَلَ الدَّمَ يَسيلُ على وَجْهِه. وَلِكَيْ يُكْمِلُوا مَسْرَحِيَّتَهُم الهَزَلِيَّة الشَّيْطانِيَّة، صَلَبُوا عَنْ يَمينِهِ لِصًّا، وَعَنْ يَسارِهِ لِصًّا آخَر. وَقَدْ قَصَدُوا بِذَلِكَ أنْ يُحَاكُوا عَلى نُحْوٍ سَاخِرٍ مَشْهَدَ مَلِكٍ يَقِفُ عَنْ يَمينِهِ وَيَسارِهِ مُسْتَشاراهُ البَارِزان – ثاني وَثالِثُ أَنْبَلِ شَخْصَيْنِ في البَلاطِ المَلَكِيِّ. لِذَلِكَ وَضَعُوا مُجْرِمَيْنِ عَلى جَانِبَي هَذا المَلِك، وَاحِدًا عَنْ يَمينِهِ، وَالآخَرَ عَنْ يَسارِهِ – كَما لَوْ كَانَا مِنْ أَنْبَلِ حَاشِيَتِه. ثُمَّ قَدَّمُوا لَهُ خَمْرًا مُلوكِيًّا زَائِفًا مُتَظاهِرينَ بأنَّهُمْ يَخْدِمونَ مَلِكًا حَقيقيًّا. ولكِنَّ الأمْرَ لَمْ يَبْتَدِئ هَكَذا. فَقَد مَضى عَلى وُجودِ إكْليل الشَّوْكِ على رَأسِ يَسوعَ بَعْض الوَقْت. وَفي وَقْتٍ سَابِقٍ، عِنْدَما كانَ يَسوعُ في قَاعَةِ المَحْكَمَةِ عِنْدَ بيلاطُس، وَضَعُوا عَلَيْهِ ثَوْبًا للسُّخْرِيَةِ مِنْهُ – ثَوْبًا مُلوكِيًّا للسُّخْرِيَةِ مِنْهُ. وَوَضَعُوا صَوْلَجانًا في يَدِهِ، قَصَبَةً، وَكانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ في تَقْليدٍ سَاخِرٍ لِما يَحْدُثُ أمامَ المُلوكِ. ثُمَّ أَخَذُوا القَصَبَةَ مِنْهُ وَضَرَبوهُ بِها على رَأسِهِ، وَبَصَقُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُظْهِرُوا ازْدِراءَهُمْ بِما يُقالُ عَنْ أنَّهُ مَلِك.

لَقَدِ ابْتَدَأتِ النُّكْتَةُ فِعْليًّا هُناك، ثُمَّ تَصاعَدَتِ الأحْداثُ إلى أنْ صَيَّرَها الرُّومانُ مَسْرَحِيَّةً كُوميديَّةً كَامِلَةً تَحْمِلُ العُنْوانَ: "هَذا هُوَ مَلِكُ اليَهود". وَيا لَها مِنْ مَهْزَلَة! فَقَدْ ضَحِكَ اليَهودُ عَليها. فَقَدْ كانَ الصَّليبُ عِنْدَهُمْ، كَما قَالَ بُولُسُ، عَثْرَة. فَلَمْ يَكُنْ يُعْقَلُ أنَّ المَسِيَّا، ابْنَ اللهِ، سَيُصْلَب. وَقَدْ كانَ الأمْرُ مَهْزَلَةً أنْ يُفَكِّرَ أَحَدٌ فيهِ كَمَلِكٍ عليهِم. فالمَسِيَّا رَجُلٌ مَصْلوبٌ! وَقَدْ صُلِبَ عَلى يَدِ ألَدِّ أعْدائِهِم - أيِ الرُّومانِ الوَثَنِيِّين عَابِدي الأصْنامِ! كَذَلِكَ، كانَ الأمْرُ مَهْزَلَةً في نَظَرِ الرُّومانِ لأنَّ وُجودَ إلَهٍ مَصْلوبٍ كَانَ عِنْدَهُمْ "جَهَالَة" كَما يَقولُ بُوْلُس في الأصْحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى. فَهَذا أمْرٌ يَسْتَحيلُ تَصْديقُه. فَقَدِ ادَّعَى أنَّهُ مَلِكٌ، ولكنَّهُ لا يَمْلِكُ جَيْشًا. وَقَدِ ادَّعَى أنَّهُ مَلِكٌ، ولكنَّهُ لا يَمْلِكُ حَاشِيَةً. وَقَدِ ادَّعَى أنَّهُ مَلِكٌ، ولكنَّهُ لا يَمْلِكُ أرْضًا. وَقَدِ ادَّعَى أنَّهُ مَلِكٌ، ولكنَّهُ لَمْ يَشِنَّ هُجومًا على أَحَد. فَيا لَها مِنْ نُكْتَة! يا لَها مِنْ نُكْتَة! لذلكَ فقد ضَخَّمُوا النُّكْتَةَ وَجَعَلوها مَسْرَحِيَّةً هَزَلِيَّةً كَامِلَةً لِكَيْ يَجْعَلوا النَّاسَ يَضْحَكونَ أكْثَر. وَقَدْ كانُوا هَمَجِيِّينَ جِدًّا في مَسْرَحِيَّتِهِمْ حَتَّى إنَّهُمْ وَجَّهُوا تِلْكَ الإهاناتِ السَّاخِرَةِ إلى يَسوعَ المَصْلوب. وَكَما قَرَأنا في الآياتِ السَّابِقَةِ، فَإنَّ الوَقْتَ لَمْ يَكُنْ مُناسِبًا للضَّحِك. فَإنْ رَجَعْتُمْ إلى العَدَد 27 سَتُلاحِظونَ أنَّهُمْ كانُوا يَتْبَعونَ يَسوعَ وَهُوَ في طَريقِهِ إلى الصَّليب. فَقَدْ تَبِعَهُ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ، وَالنِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ يَلْطِمْنَ أَيْضًا وَيَنُحْنَ عَلَيْهِ. وَكانَتْ هَؤلاءِ النِّسْوَةُ يَنُحْنَ وَيَلْطُمْنَ مُقابِلَ أَجْرٍ في مُناسَباتٍ كَهَذِهِ. وَلَكِنَّ يَسوعَ الْتَفَتَ إِلَيْهِنَّ (في العَدَد 28) وَقَالَ: "يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، لاَ تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ". فالوَقْتُ لَيْسَ مُناسِبًا للضَّحِك، بَلْ هُوَ، في الحَقيقَةِ، وَقْتُ بُكاءٍ. وَلَكِنْ لا تَبْكِيْنَ عَلَيَّ بَلِ ابْكِيْنَ على أنْفُسِكِنَّ. فَبِسَبَبِ رَفْضِكِنَّ لي، رَفَضَكُنَّ اللهُ.

يَنْبَغي لَكَ أنْ تَأتي إلى الصَّليبِ بِمَوْقِفٍ سَليم. فَلا يَنْبَغي لَكَ أنْ تَضْحَكَ عَلى حِسابِ مَصيرِكَ الأبديِّ. وَفي ضَوْءِ طَبيعَةِ الصَّلْبِ الوَحْشِيَّةِ، كانَ يَكْفي أنْ يُصْلَبَ يَسوعُ دُوْنَ إلْحاقِ الإهانَةِ وَالأذى بِهِ، وَدُوْنَ تَحْويلِهِ إلى أُضْحُوكَةٍ وَهُوَ مُعَلَّقٌ هُناكَ وَيَتَألَّم. لِنَعُدِ الآنَ إلى العَدَد 33: "وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى «جُمْجُمَةَ» صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ". وَهَلْ يَنْبَغي لي أنْ أَقولَ لَكُمْ إنَّ العَهْدَ الجَديدَ مُتَحَفِّظٌ جِدًّا في وَصْفِ صَلْبِ يَسوع؟ مُتَحَفِّظٌ جِدًّا. ثَلاثُ كَلِماتٍ في اللُّغَةِ اليُونانِيَّة. "صَلَبوهُ هُناك" - كَلِمتانِ في اللُّغَة العَرَبِيَّة. هَذا هُوَ كُلُّ مَا يَقولُهُ النَّصُّ: "صَلَبوهُ هُناكَ". هَذا هُوَ كُلُّ مَا ذُكِر. فَهَذا هُوَ كُلُّ مَا وَرَدَ في مَتَّى. وَهَذا هُوَ كُلُّ مَا وَرَدَ في مَرْقُس. وَهَذا هُوَ كُلُّ مَا وَرَدَ في لُوْقا. وَهَذا هُوَ كُلُّ مَا وَرَدَ في يُوحَنَّا. فَلا وُجودَ لأيَّةِ تَفاصيلَ البَتَّة. لا شَيء. لا عَنِ المَطارِقِ، وَلا عَنِ المَسامير، وَلا عَنْ أيِّ شَيْءٍ مَادِيٍّ أيًّا كَان. ثَلاثُ كَلِمات فَقَط (باليونانيَّة): "صَلَبوهُ هُناك". وَلَكِنْ لِماذا لا يُوْجَدُ تَوْضيحٌ أكْثَر لِما حَدَث؟ لأنَّ جَميعَ القُرَّاءِ في زَمَنِ كِتابَةِ العَهْدِ الجَديدِ كانُوا يَعْلَمونَ تَمامًا مَعْنى أنْ يُصْلَبَ الإنْسان.

كانَ الصَّلْبُ شَائِعًا. وَيُقالُ إنَّ نَحْوَ ثَلاثَينَ ألْفَ شَخْصٍ صُلِبُوا في أرْضِ إسْرائيلَ في زَمَنِ يَسوع. ثلاثينَ ألْفًا! وَكانَ الرُّومانُ يَصْلِبونَهُمْ دَائِمًا في الأماكِنِ العَامَّةِ، وَعَلى طُوْلِ الطُّرُقِ العَامَّةِ، وَفي رُؤوسِ التِّلالِ لِكَيْ يَتَمَكَّنَ الجَميعُ مِنْ رُؤيَةِ عَواقِبِ التَّمَرُّدِ على رُوْمَا. وَقَدْ كانَ النَّاسُ يُدْرِكونَ مَعْنى عُقوبَةِ الصَّلْب. لِذَلِكَ، لَمْ تَكُنِ الحَاجَةُ تَدْعُو إلى وَصْفِ ذَلِكَ. وَلَمْ يَشْعُرْ كُتَّابُ الكِتابِ المُقَدَّسِ بِضَرورَةِ وَصْفِ يَسوعَ وَعَمَلِيَّةِ الصَّلْبِ الَّتي اخْتَبَرَها لأنَّها كانَتْ مُشابِهَةً تَمامًا لِعَمَلِيَّةِ صَلْبِ أيِّ شَخْصٍ آخَر. وَمَعَ أنَّ الأمْرَ وَاضِحٌ، رُبَّما يَنْبَغي لي أنْ أُذَكِّرَكُمْ أنَّ النَّصَّ يَقول: "صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ". وَهَذا يَعْني أنَّ كُلَّ مَا فَعَلوهُ بِهِ فَعَلوهُ بالمُذْنِبَيْنِ. لِذَلِكَ فَإنَّ صَلْبَ يَسوعَ المَسيحَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا اخْتَبَرَه هُوَ فَقَط. لا! إطلاقًا! فَهُناكَ عَشَراتُ الآلافِ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ صُلِبُوا في العَالَمِ القَديمِ إلى أنْ أُلْغِيَتْ عُقوبَةُ الإعْدامِ أخيرًا في القَرْنِ الثَّالِثِ أوِ الرَّابِعِ الميلادِيِّ. عَشَراتُ الآلافِ، إنْ لَمْ يَكُنْ مِئاتُ الآلاف، صُلِبُوا. وَقَدْ صُلِبَ هَؤلاءِ جَميعًا بِطَريقَةٍ مُشابِهَةٍ جِدًّا. لِذَلِكَ فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ لا يُبالي كَثيرًا بِذِكْرِ التَّفاصيلِ الدَّقيقَةِ للعُنْصُرِ المَادِّيِّ مِنْ عَمَلِيَّةِ الصَّلْبِ لأنَّهُ لا يُريدُ التَّرْكيزَ على ذَلِكَ، وَلأنَّ الجَميعَ كَانُوا يُصْلَبونَ بِطَريقَةٍ مُشابِهَة.

إنَّ الصَّلْبَ يَعودُ، في الحَقيقَة، إلى سَنَةِ 500 قَبْلَ الميلاد (أيْ إلى القَرْنِ السَّادِسِ الميلادِيّ). وَيَبْدو أنَّ الفُرْسَ هُمُ الَّذينَ اخْتَرَعُوا هَذِهِ الطَّريقَة. فَقَدْ صَلَبَ دَارِيُوس ثَلاثَةَ آلافِ بَابِلِيٍّ. وَهَذِهِ هِيَ المَرَّةُ الأولى الَّتي نَقْرَأُ فيها عَنِ الصَّلْب. وَقَدْ قَامَ الإسْكَنْدَرُ الكَبيرُ، في الإمبراطوريَّةِ اليُونانيَّةِ العَظيمَةِ، قَامَ بِصَلْبِ أَلْفَيْ مُواطِنٍ مِنْ مَدينَةِ صُوْر انْتِقامًا لِسُوءِ مُعامَلَتِهِمْ لَهُ. وَقَدْ رَفَعَهُمْ عَلى صُلْبانٍ عَلى طُوْلِ الشَّاطِئِ لِكَيْ يَكونُوا عِبْرَةً لِكُلِّ مَنْ يَراهُم. وَفي نَحْوِ سَنَةِ 100 قَبْلَ الميلاد، قَامَ الإسْكَنْدَر جَانِيُوس بِصَلْبِ ثَمانِمِئَةِ فَرِّيسِيٍّ عَلى مَرْأى مِنْ زَوْجاتِهِمْ وَأطْفالِهِم. وَعِنْدَما صَارَ الرُّومانُ إمبراطُورِيَّةً عَظيمَةً في سَنَةِ 63 قَبْلَ الميلاد، اسْتَخْدَمُوا الصَّلْبَ بِكَثْرَةٍ وَتَفَنَّنُوا في اسْتِخْدامِهِ كَوسيلَةٍ للتَّعذيب. وَفي سَنَة 70 ميلاديَّة، عِنْدَما غَزا الرُّومانُ بَني إسْرائيلَ وَدَمَّرُوا الهَيْكَلَ، يَقولُ المُؤرِّخونَ اليَهودُ إنَّ تِيْطُس اسْتَخْدَمَ صُلْبانًا كَثيرَةً جِدًّا لِصَلْبِ اليَهودِ حَتَّى إنَّهُ لَمْ يَعُدْ هُناكَ خَشَب. وَهَذا يُرينا أنَّ الصَّلْبَ كانَ شَائِعًا جِدًّا، وَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِحاجَةٍ إلى شَرْح. وَلَكِنَّ اليَهودَ لَمْ يَسْتَوْعِبُوا أنَّ المَسِيَّا خَاصَّتَهُمْ سَيُصْلَب. فَقَدْ كَانُوا يَنْتَظِرونَ مَسِيَّا مُنْتَصِرًا وَلَيْسَ مَهْزومًا. وَقَدْ كانَ مِنَ الصَّعْبِ عَلَيْهِمْ أنْ يَسْتَوْعِبوُا أنَّ المَسِيَّا سَيُصْلَبَ بِسَبَبِ رَفْضِ قَادَةِ اليَهودِ لَهُ، وَأنَّهُ سَيُعْدَمُ بأيْدي الرُّومانِ الوَثَنِيِّين! فَهَذا لَيْسَ المَسِيَّا الَّذي كَانُوا يَتَوَقَّعونَ مَجيئَهُ، بَلْ هُوَ عَميلٌ للشَّيْطانِ. وَهُوَ يُجْري المُعْجِزاتِ بِقُوَّةِ الشَّيْطانِ. وَهُوَ مَاتَ مِيْتَةً عَادِيَّةً مِثْلَ عَشَراتِ الآلافِ مِنَ المُذْنِبينَ، وَالمُجْرِمينَ، وَالخَارِجينَ عَنِ القَانون – لأنَّ الصَّلْبَ كَانَ عُقوبَةً لأمْثالِ هَؤلاءِ فَقَط.

كانَتْ تِلْكَ الفِكْرَةُ مُسْتَحيلَةً في نَظَرِهِمْ – أنْ يَكونَ يَسوعُ حَقًّا مَلِكَ اليَهود. فَقَدْ كانَ الأمْرُ بالنِّسْبَةِ إليهِمْ مُجَرَّدَ نُكْتَة. وَهَذِهِ النُّكْتَة بَقِيَتْ، بالمُناسَبَة، بَعْدَ الجُلْجُثَة. فَفي زِيَاراتي العَديدَة إلى مَدينَةِ رُوْما، أَشْعُرُ بالدَّهْشَةِ دَائِمًا حِيْنَ أَتَمَكَّنُ مِنَ القِيامِ بِذَلِكَ. فَأنا أذْهَبُ إلى هَضْبَة بالاتين (Palatine Hill) بالقُرْبِ مِنْ سَاحَة السِّيرك العَظيم (Circus Maximus)، ثُمَّ أَدْخُلُ إلى ما كَانَ يَوْمًا مَبْنى للجُنودِ الرُّومان. وَيُوْجَدُ عَلى جُدْرانِ ذَلِكَ المَبْنى رَسْمٌ يَرْجِعُ تَاريخُهُ إلى العُصورِ البَاكِرَة. وَهَذا الرَّسْمُ هُوَ حَرْفِيًّا نَقْشٌ في الحَجَرِ يُمَثِّلُ رَجُلًا مَصْلُوبًا لَهُ رَأسُ حِمار. وَإلى الأسْفَلِ مِنَ الرَّجُلِ المَصْلوبِ الَّذي لَهُ رَأسُ حِمارٍ، هُناكَ رَسْمٌ آخَرُ لِرَجُلٍ مَسيحِيٍّ يَأخُذُ وَضْعِيَّةَ الانْحِناءِ. وَهُناكَ نَقْشٌ يَقولُ: "أليكسامينوس يَعْبُدُ إلَهَهُ". يا لَها مِنْ نُكْتَة! يا لَها مِنْ نُكْتَة! إلَهٌ مَصْلوب! إنَّ الأمْرَ هُوَ مُجَرَّدُ عِبادَةِ حِمار. وَقَدْ لَخَّصَ المُدافِعُ المَسيحيُّ "يُسْتينوس الشَّهيد" (Justin Martyr) في دِفاعِهِ الأوَّلِ في سَنَةِ 152 ميلاديَّة، لَخَّصَ نَظْرَةَ النَّاسِ في العَالَمِ إلى المَسيحِ قائِلًا إنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ أنَّ الأمْرَ نُكْتَة. وَقَدْ كَتَبَ يُسْتينوس أنَّ هَؤلاءِ يَقولونَ "إنَّ جُنونَنا يَتَلَخَّصُ في هَذا: أنَّنا نُعْطي رَجُلًا مَصْلوبًا مَكانَةً لا تَليقُ إلَّا باللهِ الخَالِقِ الأزَلِيِّ الَّذي لا يَتَغَيَّر". لِذَلِكَ، إذا كُنْتَ تَعْتَقِدُ أنَّ رَجُلًا مَصْلُوبًا هُوَ اللهُ الخَالِقُ الأزَلِيُّ، فَأنْتَ مَجْنونٌ، وَما تَدَّعيهِ هُوَ مُجَرَّدُ نُكْتَة. فَقَدْ كانَ قَتَلَةُ يَسوعَ يَرَوْنَ أنَّهُ مِنَ الجُنونِ أنْ يَنْظُرَ النَّاسُ إلى يَسوعَ كَما لَوْ كَانَ مُخْتَلِفًا عَنِ الأشخاصِ الآخَرينَ الَّذينَ تَمَّ صَلْبُهُم. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ صَلْبَ يَسوعَ أَكَّدَ لليَهودِ أنَّ يَسوعَ لَيْسَ المَسِيَّا لأنَّهُ مَكْتوبٌ في سِفْرِ التَّثْنِيَة 21: 23 أنَّ: "الْمُعَلَّقَ [عَلى خَشَبَة] مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ".

لِذَلِكَ، كانَ كُلُّ شَخْصٍ مَصْلوبٍ يُعامَلُ بازْدِراءٍ وَاحْتِقار. فَقَدْ كانَتْ عُقوبَةُ الصَّلْبِ تُحْفَظُ لأسْوَأِ النَّاسِ وَأكْثَرِهِمْ انْحِطاطًا، وَالمَنبوذينَ اجْتِماعيًّا، وَالمُحْتَقَرين. لِذَلِكَ، عِنْدَما كانُوا يَأتونَ إلى الصَّليبِ، كانُوا يَأتونَ عَادَةً بازْدِراء. وَقَدْ كانَتْ فِكْرَةُ أنَّ يَسوعَ ادَّعى أنَّهُ مَلِكٌ مَمْسُوحٌ مِنَ اللهِ، في ذَاتِها، مُثيرَةً للضَّحِكِ، بَلْ مُثيرَةً جِدًّا للضَّحِك، وَغَريبَةً جِدًّا، وَهَزَلِيَّةً جِدًّا، وَسَخيفَةً جِدًّا حَتَّى إنَّهُمْ حَوَّلُوا الأمْرَ بِرُمَّتِهِ إلى ميلودراما سَاخِرَة. فبالنِّسْبَةِ إليهِمْ، كانَ ادِّعاءُ رَجُلٍ مِثْلَ يَسوعَ بأنَّهُ مَلِكٌ يُؤكِّدُ فَقَطْ أنَّهُ يَنْتَمي إلى فِئَةِ المَجانين. ولَكِنَّهُ كانَ مَلِكًا. وهناكَ شخصٌ واحدٌ فقط أَدْرَكَ ذلك. لنقرأ العدد 42: فَقَدْ قالَ واحِدٌ مِنَ اللِّصَّيْنِ اللَّذَيْنِ اشتَرَكا في تِلْكَ المَسرَحيَّةِ الهَزَلِيَّةِ: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ". فَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ رُؤيَةِ مَا وَراءَ النُّكْتَة. فَقَدْ نَظَرَ إلى مَا وَراءَ السُّخْرِيَةِ وَالاسْتِهْزاءِ وَالتَّهَكُّمِ فَرَأى الحَقيقَة. في تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَ يَسوعُ يَبْدُو رَئيسَ الحَمْقَى. وَلَكِنْ مَا أَبْعَدَ ذَلِكَ التَّقْييمِ عَنِ الحَقيقَة! وَلْنَعُدْ إلى العَدَد 33: "وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى «جُمْجُمَةَ»" –نَحْنُ لا نَعْرِفُ أيْنَ يَقَعُ ذَلِكَ المَكان. فَهُناكَ مَوْقِعٌ تَقْليدِيٌّ. وَهُناكَ مَوْقِعٌ مُرَجَّحٌ حَالِيًّا. وَهُناكَ نِقاشٌ حَوْلَ صِحَّةِ الاحْتِمالِ الأوَّلِ أوِ الثَّاني، أوْ حَتَّى إنْ كَانَ هُناكَ مَوْقِعٌ آخَر. َلَكِنَّنا لا نَعْرِفُ تَحْديدًا. فالعَهْدُ الجَديدُ لا يَذْكُرُ أنَّ المَكانَ كَانَ مُرْتَفِعًا. إنَّهُ لا يَذْكُرُ ذَلِك. ولَكِنَّ الشَّيءَ التَّقليديَّ الذي كانَ يَقومُ بِهِ الرُّومانُ هُوَ أنَّهُمْ كَانُوا يَصْلِبونَ المُدانِيْنَ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ لِكَيْ يَتَمَكَّنَ النَّاسُ مِنْ رُؤيَتِهِمْ.

كانَ هَؤلاءِ يُريدونَ أنْ يُثْبِتُوا وُجْهَةَ نَظَرِهِمْ. لِذَلِكَ، مِنَ المُتَعارَفِ عَلَيْهِ تَقْليديًّا أنَّ الصَّلْبَ حَدَثَ في مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ يُدْعَى "الجُمْجُمَة" – رُبَّما لأنَّ تَضاريسَهُ تُشْبِهُ الجُمْجُمَة. هَذا هُوَ كُلُّ مَا نَعْلَمُهُ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أنَّهُ دُعِيَ "الجُمْجُمَة"، وَ "الجُلْجُثَة" في الآرامِيَّةِ أوِ العِبْرِيَّةِ، وَ "كَالفاريا" (Calvaria) في اللَّاتينيَّة، وَ"كَالفَري" (Calvery) بالإنجليزيَّة. وَيَقولُ أُناسٌ إنَّ المَوْضِعَ دُعِيَ "الجُمْجُمَة" لأنَّ جَماجِمَ النَّاسِ الَّذينَ صُلِبُوا كانَتْ تَمْلأُ المَكان. وَلَكِنِّي لا أَعْتَقِدُ ذَلِك. فَأنا لا أَعْتَقِدُ أنَّ اليَهودَ كَانُوا يَمتلكونَ مَكانًا تَملأهُ الجَماجِم. وَلَكِنْ مِنَ المُدْهَشِ أنَّ هَذا الاسْمَ يَقْتَرِنُ بِالحَقيقَةِ المُرَوِّعَةِ لِما كَانَ يَحْدُثُ هُناك - المَوْت. "صَلَبُوهُ هُناك". وَتَرِدُ كَلِمَةُ الصَّلْبِ في الأناجيلِ الأرْبَعَة. وَهِيَ مُحَدَّدَة جِدًّا. أمَّا الضَّميرُ هُنا فَيُشيرُ إلى الجُنودِ الرُّومان. وَيُمْكِنُكَ أنْ تَرى ذَلِكَ في إنْجيل مَرْقُس 15، الأعْداد 16-24. فَقَدْ كانَ الجُنودُ الرُّومانُ هُمُ الَّذينَ صَلَبُوا يَسوعُ فِعْلِيًّا. وَقَبْلَ أنْ يَصْلِبُوه، وَفْقًا لِما جَاءَ في إنْجيل مَتَّى 27: 34، "أَعْطَوْهُ خَّلاً مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ". وَلَكِنْ مَا هَذا الشَّراب؟ حَسَنًا، بالرَّغْمِ مِنْ هَمَجِيَّتِهِمْ، كَانَتْ لَدَيْهِمْ ذَرَّةٌ مِنَ الرَّحْمَةِ. لِذَلِكَ كَانُوا يُعْطُوْنَ الشَّخْصَ الَّذي سَيُصْلَب مُخَدِّرًا خَفيفًا لا يَكْفي عَلى الأرْجَحِ لِتَخْفيفِ آلامِ الصَّلْبِ، وَلَكِنَّهُ يَكْفي لِتَسْميرِهِمْ عَلى الصَّليبِ دُوْنَ عِراك. وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُضْطَرُّوا إلى تَخْديرِ يَسوع لأنَّهُ لَمَّا ذَاقَ الشَّرابَ رَفَضَ أنْ يَشْرَبَ مِنْهُ.

كَانَ يَسوعُ مُسْتَعِدًّا لاحْتِمالِ الألَمِ كَامِلًا. وَهُوَ لَمْ يَشَأ أنْ يُعْطُوهُ مُخَدِّرًا لِكَيْ يُسَمِّروهُ عَلى الصَّليب. فَقَدْ كَانَ مُسْتَعِدًّا لِوَضْعٍ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ هُناكَ طَوْعًا. هَذا هُوَ كُلُّ مَا نَعْلَمُهُ. فَقَدْ صَلَبوهُ دُوْنَ أنْ يَشْرَبَ ذَلِكَ الشَّرابَ المُخَدِّر. وَلَكِنَّهُ لَمْ يُصْلَبْ وَحْدَهُ. فَقَدْ كَانَ هُناكَ لِصَّان. وَيَرى البَعْضُ أنَّهُما كانَا مِنْ أَتْباعِ بَاراباس الَّذي كَانَ قَاتِلًا وَمُتَمَرِّدًا في آنٍ وَاحِد. وَلا شَكَّ أنَّ مَنْ يَقودُ حَمْلَةَ تَمَرُّدٍ لا يَكونُ وَحْدَهُ. وَقَدْ تَمَّ إطْلاقُ بَاراباس لأنَّ الوَالِــي كَانَ مُعْتَادًا في عِيدِ الفِصْحِ أَنْ يُطْلِقَ لِلْجَمْعِ أَسِيرًا وَاحِدًا. وَقَدِ اخْتارَ النَّاسُ بَارَابَاس وَلَيْسَ يَسوع. وَرُبَّما كَانَ الرَّجُلانِ المَصْلوبانِ مَعَ يَسوعَ مُتَمَرِّدَيْنِ يَنْتَمِيانِ إلى عِصابَةِ بَارابَاس الَّذي كانَ مُتَّهَمًا بالتَّمَرُّد. وَتُشيرُ الأناجيلُ إلى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِطَريقَتَيْن. فَهُما يُدْعَيانِ مُذْنِبَيْن، وَيُدْعَيانِ أيْضًا لِصَّيْن. لِذَلِكَ فَإنَّنا لا نَعْلَمُ تُهْمَتَهُما يَقينًا. وَلَكِنَّ الرِّجالَ الثَّلاثَةَ صُلِبُوا بِذاتِ الطَّريقَة. وَلَنْرِجِع الآنَ إلى لُوْقا 23: "صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ". وَأعْتَقِدُ أنَّنا نَرْغَبُ أحْيانًا في عَزْلِ يَسوعَ عَنْ ذَلِكَ المَشْهَد. وَلَكِنَّنا لا نَسْتَطيعُ أنْ نَفْعَلَ ذَلِك. فَقَدِ اخْتَبَرَ هَذانِ الرَّجُلانِ مَا اخْتَبَرَهُ يَسوع. وَقَدْ تَلَقَّى الرِّجالُ الثَّلاثَةُ المُعامَلَةَ نَفْسَها. وَقَدْ صُلِبُوا جَميعًا بِذاتِ الطَّريقَةِ الَّتي صُلِبَ بِها آلافُ النَّاسِ قَبْلَهُمْ وَبَعْدَهُمْ. وَأنا أَعْلَمُ أنَّكُمْ حِيْنَ تَقْرَأونَ أنَّهُمْ "صَلَبُوه"، فَإنَّكُمْ تَتَمَنُّونَ لَوْ أنَّكَمْ تَعْرِفُونَ المَزيد. وَمِنْ حَقِّكُمْ أنْ تَعْرِفُوا المَزيد. وَلَكِنَّ القُرَّاءَ كَانُوا يَفْهَمونَ المَكْتوبَ في النَّصِّ الأصْلِيِّ لأنَّ عُقوبَةَ الصَّلْبِ بَقِيَتْ تُسْتَخْدَمُ حَتَّى القَرْنِ الرَّابِعِ الميلادِيّ.

لِذَلِكَ، رُبَّما أَحْبَبْتُ أنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ خَلْفِيَّةً مُوْجَزَةً لِكَيْ تَفْهَمُوا ما حَدَثَ آنَذاك. وَلَكِنِّي أَوَدُّ أنْ تَتَذَكَّرُوا أنَّ ذَلِكَ حَدَثَ لِهَؤلاءِ الرِّجالِ الثَّلاثَة، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ أيْضًا لآلافٍ وَآلافٍ مِنَ النَّاسِ قَبْلَهُمْ وَبَعْدَهُمْ. وَقَدْ أُجْرِيَتْ دِراساتٌ كَثيرَةٌ عَنْ هَذا الأمْرِ عَبْرَ السِّنين. فَهُناكَ أشْخاصٌ كَثيرونَ بَحَثُوا في صَلْبِ المَسيحِ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرٍ تَاريخيَّةٍ وَكِتابِيَّةٍ وَحَتَّى طِبِّيَّة مِن أجْلِ اسْتِخْلاصِ كُلِّ مَا يُمْكِنُ اسْتِخْلاصُهُ مِنَ حَالاتِ الصَّلْبِ الأُخرى وَأشْكالِ التَّعْذيبِ الأُخرى عَبْرَ التَّاريخِ، بِما في ذَلِكَ النَّظَر إلى المَوْضوعِ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرٍ طِبِّيَّةٍ في الوَقْتِ الحَاضِر. وَلَعَلَّ أَوْجَزَ بَحْثٍ جَيِّدٍ عَنْ هَذا المَوْضوعِ قَدْ ظَهَرَ في الحَادي وَالعِشْرين مِنْ شَهْرِ آذار/مَارِس سَنَة 1986 في مَجَلَّة "جَاما" (JAMA) الصَّادِرَة عَنِ جَمْعِيَّةِ الطِّبِّ الأمريكيَّة، وَهِيَ مَجَلَّة لَها احْتِرامُها كَما تَعْلَمون. وَقَدْ أُجْرِيَتْ هَذِهِ الدِّراسَة الخَاصَّة عَنْ صَلْبِ يَسوعَ المَسيحِ مِنْ قِبَلِ قِسْمِ الأمْراضِ في عِيادَة "مَايو" (Mayo Clinic) في روشيستر (Rochester) بولاية مينيسوتا، وَهِيَ مَعْهَدٌ طِبِّيٌّ يَتَمَتَّعُ بِسُمْعَةٍ طَيِّبةٍ جِدًّا. وَقَدْ أَخَذَ الباحِثونَ النُّصوصَ الحَرْفِيَّةَ الَّتي وَرَدَتْ في الأناجيلِ الأرْبَعَةِ بِوَصْفِها المَصادِرَ التَّاريخِيَّةَ الصَّحيحَةَ، وَدَرَسُوها في ضَوْءِ مَعْرِفَتِهِمِ بالأمْراضِ وَالطِّبِّ، وَكَتَبُوا مَقالَةً مُفيدَةً جِدًّا يُمْكِنُكُمُ أنْ تَقْرَأوها بأنْفُسِكُمْ. مَجَلَّة "جَاما"، عَدَد 21 آذار/مَارِس سَنَة 1986.

وَقَدْ وَجَدُوا في جَميعِ تِلْكَ الأبْحاثِ أنَّ كُلَّ شَخْصٍ حُكِمَ عَلَيْهِ بالصَّلْبِ كَانَ يُعَذَّبُ قَبْلَ صَلْبِه. فَقَدْ كانَ هَذا يَحْدُثُ دَائِمًا. وَقَدْ كَانُوا يَسْتَخْدِمونَ سِيَاطًا جِلْدِيَّةً مَضْفُورَةً (ثُبِّتَتْ في أطْرافِها قِطَعٌ مَعْدِنِيَّةٌ وَعِظامُ خَروفٍ أوْ أيِّ حَيَوانٍ آخَرَ) لِجَلْدِ المَحْكومِ عَلَيْهِمْ مِنْ أسْفَلِ العُنُقِ إلى خَلْفِ الرُّكْبَتَيْن. وَعِنْدَما كانَ المَرْءُ يُجْلَدُ، كَانُوا يَشُدُّونَ ذِراعَيْهِ إلى أعْلى وَيُقَيِّدوهُ إلى عَمودٍ لِيَكونَ الظَّهْرُ في وَضْعِيَّةٍ مُنْحَنِيَة وَمَشْدودَة. وَكانَ جَلَّادانِ يَجْلِدانِ المَحْكوم عَلَيهِ بالتَّناوُب. وَلا نَعْلَمُ إنْ كانُوا يَتَقَيَّدونَ بِالطَّريقَةِ اليَهوديَّةِ الَّتي لا يَزيدُ فيها عَدَدُ الجَلْدَاتِ عَنْ أرْبَعينَ جَلْدَة. فَنَحْنُ لا نَعْلَمُ عَدَدَ الجَلْداتِ الَّتي كَانَ هَؤلاءِ يَتَلَقُّونَها. فَلا يُوْجَدُ مَا يُشيرُ إلى ذَلِك. وَلَكِنَّ النَّتيجَةَ كانَتْ هِيَ أنَّ قِطَعَ المَعْدِنِ وَالعَظْمِ كَانَتْ تَنْغَرِزُ عَميقًا في ظَهْرِ المَجْلودِ فَتُمَزِّقُ الأنْسِجَةَ الواقِعَةَ تَحْتَ الجِلْدِ وَالألْيافَ العَضَلِيَّة. وَكانَ ذَلِكَ يُحْدِثُ أَلَمًا، وَنَزيْفًا، وَصَدْمَةً عَصَبِيَّةً. وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ للرِّجالِ الثَّلاثَةِ جَميعًا. وَرُبَّما عَانى يَسوعُ أكْثَرَ مِنَ الرَّجُلَيْنِ الآخَرَيْنِ لأنَّهُ مَكْتُوبٌ أنَّهُمْ أَخَذُوا يَسوعَ إلى قَاعَةِ المَحْكَمَةِ بَعْدَ جَلْدِهِ وَأَلْبَسوهُ رِداءً. وَمِنَ المُرَجَّحِ أنَّ الرِّداءَ كَانَ رِداءً صُوْفِيًّا بَالِيًا خَشِنَ المَلْمَسِ. وَهَذا يَعْني أنَّ هَذا الرِّداءَ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا سِوى تَهْييجِ جُروحِهِ المَفْتوحَةِ وَزِيادَةِ حِدَّةِ الألَم. ثُمَّ غَرَزُوا إكْليلًا مِنْ شَوْكٍ في رَأسِهِ، وَضَرَبُوهُ عَلى رَأسِهِ بِقَصَبَةٍ، وَبَصَقُوا عَلَيْه. وَفي وَقْتٍ مِنَ الأوقاتِ خَلَعُوا الرِّداءَ عَنْهُ مُحْدِثينَ آلامًا جَديدَةً بِسَبَبِ انْفِتاحِ الجُرُوحِ أكْثَر. وَقَدْ كانَ الألَمُ شَديدًا وَالنَّزْفُ كَثيرًا. وَكانَ التَّعَرُّقُ الدَّمَوِيُّ يَزيدُ مِنْ حَساسِيَّةِ الجِلْدِ. أَضِفْ إلى ذَلِكَ نَقْصَ النَّوْمِ، وَنَقْصَ الطَّعامِ، وَنَقْصَ المَاءِ. وَبَعْدَ هَذا كُلِّهِ جَاءَ صَلْبُ الرِّجالِ الثَّلاثَة.

لَمْ يَكُنِ الرُّومانُ هُمُ الَّذينَ اخْتَرَعُوا عُقوبَةَ الصَّلْبِ، وَلَكِنَّهُمْ بَرَعُوا في تَنْفيذِه! وَقَدْ كانَ الصَّلْبُ مَوْتًا بَطيئًا وَمُؤلِمًا جِدًّا. وَكانَ المُدانونَ يَحْمِلونَ الصَّليبَ، أوْ رُبَّما قِطْعَةً مِنْهُ، فَوْقَ أعْناقِهِمْ وَأكْتافِهِمْ بَعْدَ رَبْطِ الذِّراعَيْنِ بِهِ. وَقَدْ تَلَقَّى يَسوعُ مُساعَدَةً لأنَّهُ (عَلى مَا يَبْدو) لَمْ يَكُنْ يَمْشي بالسُّرْعَةِ المَطْلوبَةِ، أوْ رُبَّما لِسَبَبٍ آخَر. لِذَلِكَ فَقَدْ أَمَرَ الجُنودُ رَجُلًا قَيْرَوَانِيًّا اسْمُهُ سِمْعَانُ بِأنْ يَحْمِلَ صَليبَ يَسوع. وَرُبَّما أَخَذَ سِمْعانُ الصَّليبَ عَنْ كَتِفَيْ يَسوعَ وَحَمَلَهُ عَنْهُ. وَإنْ كَانَ يَسوعُ يَحْمِلُ الصَّليبَ كُلَّهُ، رُبَّما رَفَعَ سِمْعانُ الجُزْءَ السُّفْلِيَّ مِنَ الصَّليبِ بِسَبَبِ ارْتِطامِهِ بالأرْضِ (لأنَّ لُوقا يَقولُ إنَّ سِمْعَانَ حَمَلَ الصَّليبَ خَلْفَ يَسوع). وَعِنْدَما وَصَلُوا إلى مَوْضِعِ الصَّلْبِ قَدَّمُوا لَهُ ذَلِكَ الشَّرابَ المُخَدِّرَ الَّذي رَفَضَ يَسوعَ أنْ يَشْرَبَهُ. ثُمَّ طَرَحُوا الرِّجالَ إلى الأرْضِ عَلى ظُهورِهِمْ وَوَضَعُوا خَشَبَةَ الصَّليبِ تَحْتَ أكْتافِهِمْ قَبْلَ أنْ يُسَمِّرُوا أيْديهِمْ عَلَيْها. وَقَدِ اسْتَخْدَمَ الرُّومانُ المَسامير. وَقَدْ عَثَرَ عُلَماءُ الآثارِ عَلى بَقايا أشْخاصٍ مَاتُوا صَلْبًا مِنَ القَرْنِ الأوَّلِ للميلادِ وَالفَتْرَةِ الَّتي سَبَقَتْ ذَلِك. وَكانَتْ المَساميرُ مُسْتَدِقَّةَ الأطْرافِ، وَمَصْنُوعَةً مِنَ الحَديدِ، وَيَتَراوَحُ طُوْلُها بَيْنَ ثلاثَةَ عَشَرَ سنتمترًا وَثَمانِيَةَ عَشَرَ سَنْتمترًا، بِقُطْرٍ يَزيدُ قَليلًا عَنِ السَّنتمتر الواحدِ - في شَكْلٍ مُرَبَّع. وَكانَتِ المَساميرُ تُدَقُّ في الرُّسْغَيْنِ وَلَيْسَ في رَاحَةِ اليَدِ (لِكَيْ يَحْمِلا وَزْنَ الجِسْمِ المُعَلَّق). لِذَلِكَ فَقَدْ طَرَحُوا كُلَّ رَجُلٍ مِنْ هَؤلاءِ الرِّجالِ الثَّلاثَةِ إلى الأرْضِ عَلى ظَهْرِهِ، وَسَمَّروهُ عَلى الصَّليبِ بِواسِطَةِ تِلْكَ المَسَاميرِ المُرَبَّعَةِ المُخيفَةِ الَّتي اخْتَرَقَتِ كُلًّا مِنَ الرُّسْغَيْن.

ثُمَّ كانَ المَصْلوبُ المُسَمَّرُ إلى الخَشَبَةِ يُرْفَعُ إلى أعْلى لِيَتِمَّ تَثْبيتُ الخَشَبَةِ الطُّولِيَّةِ بالخَشَبَةِ العَرْضِيَّةِ الَّتي تُعْرَفُ بالسَّرْج. وكانَتْ قَدَماهُ تُسَمَّرانِ في مَكانِهِما بَعْدَ ثَنْيِ الرُّكْبَتَيْن. وَكانَتِ القَدَمانِ تُثَبَّتانِ بِمِسْمارٍ وَاحِدٍ بَعْدَ وَضْعِ إحْدى القَدَمَيْنِ فَوْقَ الأُخرى لِكَيْ يَتَمَكَّنَ المَصْلُوبُ مِنْ رَفْعِ جَسَدِهِ لأعْلى عِنْدَ التَّنَفُّس. فَلِكَيْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الشَّهيقِ وَالزَّفيرِ، كانَ يَرْفَعُ جَسَدَهُ إلى أعْلى بالرَّغْمِ مِنَ الألَم. وَسَواءٌ كَانَ يَرْفَعُ جَسَدَهُ بِاسْتِخْدامِ يَدَيْهِ أوْ قَدَمَيْهِ، فَإنَّ الألَمَ كَانَ شَديدًا. وَتَجْدُرُ المُلاحَظَةُ بِأنَّ وَضْعِيَّةَ التَّعليقِ هَذِهِ وَانْثِناءَ الرُّكْبَتَيْنِ كانَتْ مُؤلِمَةً جِدًّا حَتَّى إنَّ المَصْلُوبَ كَانَ يَعْجَزُ عَنِ التَّنَفُّسِ بِتِلْكَ الوَضْعِيَّةِ. وَكانَ بِمَقْدورِ الجُنودِ أنْ يَجْعَلُوا المَصْلوبَ يَموتُ في غُضونِ دَقائِقَ مَعْدُوداتٍ بِواسِطَةِ كَسْرِ سَاقَيْه. فَإنْ كَسَرُوا سَاقَيْهِ فَإنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِ جِسْمِهِ إلى أعْلى. وَحينئذٍ فَإنَّهُ يَموتُ في غُضونِ دَقائِقَ بِسَبَبِ عَدَمِ قُدْرَتِهِ على التَّنَفُّس. وَلِكَيْ لا يَموت المَصْلُوبُ، كَانَ يَسْتَمِرُّ في سَحْبِ جِسْمِهِ وَدَفْعِهِ لأعلى رُغْمَ الآلامِ المُبَرِّحَة. وَكانَتِ الحَشَراتُ تَتَكاثَرُ عَلى الجُروحِ وَتَدْخُلُ العَيْنَيْنَ وَالأُذُنَيْنِ وَالأنْف. وَكانَتِ الطُّيورُ الجَارِحَةُ تَأتي أيْضًا. وبالمُناسَبَة، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَنْجُو مِنَ الصَّلْب.

وَلِتأكيدِ المَوْتِ بَعْدَ سَاعاتٍ أوْ أيَّامٍ عِنْدَما كَانَ الجُنودُ الرُّومانُ يَعْتَقِدونَ أنَّ الشَّخْصَ المَصْلوبَ قَدْ مَاتَ، كَانُوا يَطْعَنونَهُ بِحَرْبَةٍ تَخْتَرِقُ جَسَدَهُ إلى مَوْضِعٍ مُحَدَّدٍ مِنَ القَلْبِ فَيَتَدَفَّقُ الدَّمُ وَالمَاءُ (كَما هُوَ مَوْصوفٌ في الكِتابِ المُقَدَّسِ) في دَلالَةٍ وَاضِحَةٍ إلى المَوْت. وبالمُناسَبَة، كانَ جَميعُ الجُنودِ الرُّومان مُدَرَّبينَ على تَوْجيهِ الطَّعْنَةِ إلى ذَلِكَ المَكانِ الدَّقيقِ في جِسْمِ الإنْسان. فَقَدْ كَانُوا جُنودًا حَقيقيِّينَ – أيْ أنَّهُمْ كَانُوا مُدَرَّبينَ على القَتْل. وَكانَ كُلُّ جُهْدٍ يَقومُ بِهِ الشَّخْصُ المَصْلوبُ مِنْ أَجْلِ التَّنَفُّسِ يَعْني أنْ يَسْحَبَ نَفْسَهُ إلى أعْلى أوْ أنْ يَدْفَعَ جَسَدَهُ إلى أعْلى. وَحينئذٍ، كانَتِ الجُروحُ المَفْتوحَةُ تَحْتَكُّ بِخَشَبِ الصَّليبِ الخَشِن. وَعِنْدَما كَانَ يَعُودُ إلى وَضْعِيَّتِهِ السَّابِقَةِ كانَتِ الجُروحُ تَحْتَكُّ بالخَشَبِ مَرَّةً أُخرى. وَكانَتِ المَساميرُ الَّتي تَخْتَرِقُ الرُّسْغَيْنِ تَسْحَقُ أوْ تَفْصِلُ العَصَبَ الحِسِّيَّ الحَرَكِيَّ الأوْسَطَ الكَبير. وَعِنْدَما يَتَأذَّى عَصَبٌ أوْ يُقْطَعُ فَإنَّ الألَمَ يَكونُ شَديدًا. وكانَ المِسْمارُ الَّذي يُثَبِّتُ القَدَمَيْن يَخْتَرِقُ على الأرْجَح العَصَبَ الشَّظَوِيَّ العَميق (أوْ ما يُسَمَّى بالعَصَبِ الأخْمَصِيِّ) مُحْدِثًا النَّتيجَةَ نَفْسَها. لِذَلِكَ كانَ ألَمُ الأعصابِ شَديدًا وَمُتواصِلًا في القَدَمَيْنِ وَاليَدَيْن. وَكانَ وَزْنُ الجِسْمِ المَسْحوبِ لأعلى يُقاوِمُ كُلَّ هَذا العَذابِ وَالألَم الرَّهيبِ فيما كانَ المَصْلُوبُ يُحاوِلُ أنْ يَسْحَبَ نَفْسَهُ لأعلى أوْ أنْ يَدْفَعَ نَفْسَهُ لأعلى – وَلا سِيَّما أنَّ التَّنَفُّسَ كانَ ضَحْلًا. فَالمَرْءُ لا يَحْصُلُ عَلى أوكسجينٍ كَافٍ، بَلْ عَلى مَاذا يَحْصُل؟ على تَقَلُّصَات وَتَشَنُّجات في العَضَلات أَضِفْ إلى ذَلِكَ الجَفاف، واضْطِراب نَبْضِ القَلْبِ، وَفَشَل القَلْبِ الاحْتِقانِيِّ، واحْتِباسِ المَاءِ في الرِّئَتَيْن. وَلا يُمْكِنُ للإنْسانِ أنْ يَتَخَيَّلَ مِقْدارَ هَذا الألَم. وَهُناكَ كَلِمَةٌ تَصِفُ ذَلِكَ وَهِيَ “excruciating” (وَمَعْناهَا: مُبَرِّح). وَهِيَ أكْثَرُ كَلِمَةٍ في اللُّغَةِ الإنجليزيَّةِ تُعَبِّرُ عَنْ هَذا النَّوْعِ مِنَ الألَم. وَهِيَ مُشْتَقَّة مِنْ كَلِمَةٍ لاتينيَّة هِيَ “excrucio” وَمَعْناها: "نَاجِمَة عَنِ الصَّلْب" ... ناجِمَة عَنِ الصَّلْب. وَقَدْ كانَ هَذا هُوَ الألَمُ الَّذي اخْتَبَرَهُ الرِّجالُ الثَّلاثَة جَميعًا. وَلَكِنْ بالنِّسْبَةِ إلى وَاحِدٍ مِنْ هَؤلاءِ الثَّلاثَةِ، كانَ ذَلِكَ هُوَ مَصِيرُهُ. وَلَكِنْ لَيْسَ مَصيرَهُ وَحْدَهُ، بَلْ مَصيرُنا نَحْنُ أيْضًا.

وَالآن، كانَ يَنْبَغي لليَهودِ أنْ يَعْلَمُوا. وَلَكِنْ عِوَضًا عَنْ أنْ يُبَرْهِنَ ذَلِكَ عَلى أنَّ يَسوعَ لَيْسَ المَسِيَّا الَّذي يَنْتَظِرونَهُ، فَقَدْ بَرْهَنَ على العَكْسِ تَمامًا. فَقَدْ أَثْبَتَ أنَّهُ المَسِيَّا. انظر إلى المَزْمور 22. لِنَرْجِعْ أَلْفَ سَنَةٍ إلى الوَراء، المَزمور 22، قَبْلَ ألْفِ سَنَة مِنَ حَادِثَةِ الصَّلْبِ – إلى زَمَنِ دَاوُد. وَلَمْ يَكُنْ أيُّ شَخْصٍ قَدْ رَأى إعْدامًا بالصَّلْب آنَذاك لأنَّ عُقوبَةَ الصَّلْبِ لَمْ تُسْتَخْدَمْ إلَّا قَبْلَ 500 سَنَةٍ مِنْ مَجيءِ المَسيح. وَلَكِنَّ دَاوُدَ كَتَبَ هَذِهِ الكَلِماتِ قَبْلَ ألْفِ سَنَة. العَدَد 12، المَزْمور 22: "أَحَاطَتْ بِي ثِيرَانٌ كَثِيرَةٌ. أَقْوِيَاءُ بَاشَانَ اكْتَنَفَتْنِي". وَلَكِنْ مَا هَذا الكَلام؟ مَا هَذا الكَلام؟ لَقَدْ كانَتْ بَاشانُ في الأصْلِ أرْضَ الأَمورِيِّين – أرْضَ الأمورِيِّينَ شَرْقَ الأُرْدُنِّ إلى الجَنوبِ مِنْ جَبَلِ حَرْمُونَ الوَاقِعَ في الجُزْءِ الشَّمالِيِّ مِنْ أرْضِ كَنْعان، وَهِيَ أرْضٌ جَميلَةٌ وَخِصْبَة. وَكانَ الثَّلْجُ الَّذي يُغَطِّي جَبَلَ حَرْمُون يُرْوي أرْضَ الشَّمال بِماءٍ وَفير. لِذَلِكَ كانَتِ المَراعي خِصْبَة في تِلْكَ الأراضي. وَكانَتِ المَواشي تَرْعَى فيها. وكانَتْ هُناكَ ثِيْرانٌ ضَخْمَةٌ وَقَوِيَّةٌ تَرْعَى في أرْضِ بَاشان. لِذَلِكَ نَقْرَأُ في عَامُوس 4: 1 عَنْ بَقَراتِ بَاشَان. وَإنْ كَانَتْ هُناكَ ثِيْرانٌ سَتَكونُ هُناكَ أبْقارٌ. لِذلِكَ كانَتِ الأرْضُ جَيِّدَة وَخِصْبَة. وَقَدْ كانَتْ يَوْمًا مَوْطِنًا للأَمُورِيِّين، وَلَكِنَّ الرَّبَّ أَعْطاها لِبَني إسْرائيل. وَهِيَ تُمَثِّلُ كُلَّ مَا هُوَ قَوِيٌّ وَصُلْبٌ. لِذَلِكَ كانَتْ رَمْزًا لليَهودِ الأقوياءِ المُزْدَهِرينَ الَّذينَ لا يَنْقُصُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الطَّعامِ وَالمَاء. وَيَقولُ دَاوُدُ إنَّ هَؤلاءِ أحاطُوا بِهِ وَحَاصَروهُ. "فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ كَأَسَدٍ مُفْتَرِسٍ مُزَمْجِرٍ". وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلى الكَراهِيَةِ وَالعَداوَةِ وَالبُغْضَةِ – وَهُوَ الشَّيءُ نَفْسُهُ الذي فَعَلَهُ قَادَةُ إسْرائيلَ الأقْوياءَ بِيَسوعَ حِيْنَ أَحَاطُوا بِهِ عِنْدَ الصَّليب.

ثُمَّ يَبْتَدِئُ (دَاوُدُ) في وَصْفِ شَيءٍ يَخْتَصُّ بالصَّلْبِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لأَحَدٍ أنْ رَأى ذَلِك: "كَالْمَاءِ انْسَكَبْتُ. انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. صَارَ قَلْبِي كَالشَّمْعِ. قَدْ ذَابَ فِي وَسَطِ أَمْعَائِي. يَبِسَتْ مِثْلَ شَقْفَةٍ قُوَّتِي، وَلَصِقَ لِسَانِي بِحَنَكِي، وَإِلَى تُرَابِ الْمَوْتِ تَضَعُنِي. لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ". (يا للعَجَب!) "أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ. يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ". وَلا عَجَبَ يا أحِبَّائي. فَما كَانَ يَحْدُثُ هُناكَ ... مَا كَانَ يَحْدُثُ هُناكَ هُوَ أنَّ اللهَ تَمَّمَ نُبوءَةً قِيْلَتْ قَبْلَ ألْفِ سَنَة. وَبَعْدَ ثَلاثِمِئَةِ سَنَة، في سَنَة 700 ميلاديَّة، جَاءَ نَبِيٌّ اسْمُهُ إشَعْياء. وَفي سِفْرِ إشَعْياء 53، وَهُوَ أصْحاحٌ عَظيمٌ في نُبوءَتِهِ، يَصِفُ إشَعْياءُ هَذا الصَّلْبَ قَبْلَ أنْ يَرى أيُّ شَخْصٍ إنْسانًا يُصْلَب. وَيَقولُ إشَعْياءُ هَذِهِ الكَلِماتِ في الأصْحاح 53 وَالعَدَد 5: "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا". وَهُوَ يَقولُ في العَدَدِ التَّالي: "وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا". "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا". لَقَدْ قَالَ المُرَنِّمُ قَبْلَ ألْفِ سَنَة إنَّهُمْ سَيَثْقُبونَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. وَقَبْلَ 700 سَنَة، قالَ النَّبِيُّ إشَعْياءُ إنَّ المَسيحَ سَيُجْرَحُ لا لأجْلِ مَعَاصِيهِ هُوَ، بَلْ لأجْلِ مَعاصينا نَحْنُ. وَهَذا هُوَ، يا أحِبَّائي، مَا يُمَيِّزُ يَسوعَ عَنِ الرَّجُلَيْنِ الآخَرَيْن. فَقَدْ صُلِبَا لأجْلِ مَعاصِيهِما. أمَّا هُوَ فَصُلِبَ لأجْلِ مَعاصِيْنا.

لَمْ تَكُنْ آلامُ يَسوعَ الجَسَدِيَّة هِيَ الفَريدَة، بَلْ إنَّ مَا حَقَّقَتْهُ تِلْكَ الآلامُ هُوَ الفَريد. فَبَعْدَ نَحْوِ مِئَةٍ وَخَمْسينَ سَنَة (مِنْ إشَعْياء)، أيْ قَبْلَ وَقْتٍ طَويلٍ مِنْ رُؤيَةِ اليَهودِ للصَّليب، جَاءَ نَبِيٌّ آخَر يُدْعى زَكَرِيَّا. وَقَدْ تَنَبَّأَ زَكَرِيَّا عَنْ مَا سَيَحْدُثُ في المُسْتَقْبَلِ فَقال: "وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ" الأصْحاح 12 وَالعَدَد 10 "وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ". إذًا، سَوْفَ يَبْكَونَ في مَرارَةٍ عَلَيْهِ. ويا للعَجَب! فَمَعَ أنَّهُمْ ضَحِكُوا عِنْدَما ثَقَبُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَإنَّهُمْ سَيَنوحونَ في المُسْتَقْبَلِ عِنْدَما يَنْظُرونَ إلى الوَراءِ وَيُدْرِكونَ مَا فَعَلُوه. لَقَدْ تَنَبَّأَ دَاوُدُ عَنْ ثَقْبِ يَدَيِّ يَسوعَ وَرِجْلَيْه. وَقَدْ تَنَبَّأَ إشَعْياءُ عَنْ طَعْنِ يَسوع. وَقَبْلَ 550 سَنَة مِنْ صَلْبِ المَسيح، تَنَبَّأَ زَكَرِيَّا عَنْ طَعْنِ يَسوعَ وَقالَ إنَّ اليَهودَ سَيَنْظُرونَ إلى الوَراءِ وَيُدْرِكُونَ مَا فَعَلُوه. وَلَكِنْ كَيْفَ عَرَفَ هَؤلاءِ هَذا كُلَّه؟ كَيْفَ عَرَفُوا أنَّ المَسِيَّا سَيُطْعَن؟ فَالصَّلْبُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا آنَذاك. لَقَدْ صَارَ هَذا دَليلًا عَلى هُوِيَّةِ المَسِيَّا الحَقيقيَّة. لِنَقْرَأ مَا جَاءَ في سِفْرِ الرُّيا 1: 7: "هُوَذَا يَأتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ". وَلَكِنْ مَنِ الَّذينَ طَعَنُوه؟ اليَهود. فَفي يَوْمٍ مَا، سَيَنْظُرونَ إلى الَّذي طَعَنُوه. لِذَلِكَ فَقَدْ طَعَنُوا يَسوعَ، وَطَعَنُوا اللِّصَّ المَصْلوبَ عَنْ يَسارِهِ، وَطَعُنوا اللِّصَّ المَصْلُوبَ عَنْ يَمينِهِ. وَقَدْ طُعِنَ اللِّصَّانِ لأجْلِ مَعَاصِيهِما. أمَّا هُوَ فَطُعِنَ لأجْلِ مَعاصِيْنا. وَلَكِنَّ آلامَهُ الجَسَدِيَّةَ بِسَبَبِ الصَّلْبِ لَمْ تَكُنْ هِيَ الفَريدَة. فَالفَرادَةُ لا تَكْمُنُ فيها. بَلْ إنَّ مَا نَجَمَ عَنْ صَلْبِهِ هُوَ الفَريد. أجَلْ، لَقَدْ لُعِنَ. وَلَكِنَّهُ صَارَ لَعْنَةً لأجْلِنا. أجَلْ، لَقَدْ طُعِنَ. وَلَكِنَّهُ طُعِنَ لأجْلِ مَعاصِيْنا. وَقَدْ كَانَ الصَّليبُ جَهالَةً لليُونانِيِّينَ. وَكانَ حَجَرَ عَثْرَةٍ لليَهودِ. وَقَدْ حَوَّلُوا الأمْرَ بِرُمَّتِهِ إلى نُكْتَةٍ، وَهُزْءٍ، وَمَهْزَلَة.

وَفي يَوْمٍ مَا في المُسْتَقْبَل، سَيَنْظُرُ اليَهودُ إلى الأمْرِ نَظْرَةً مُخْتَلِفَةً. وَحينئذٍ لَنْ يَضْحَكُوا، بَلْ سَيَبْكُون. وَبَعْدَ أنْ مَاتَ يَسوعُ، كَذَبَ اليَهودُ وَرَشَوْا الجُنودَ الرُّومانِيِّينَ لِكَيْ يَكْذِبُوا بِشَأنِ القِيامَة. فَقَدْ كَانُوا يَبْحَثُونَ عَنْ حُجَّةٍ يُبَرِّرونَ بِها مَا فَعَلوه. وَقَدِ اضْطُرُّوا إلى الحِفاظِ عَلى اسْتِمرارِ النُّكْتَةِ بِأنَّ يَسوعَ هَذا كانَ مَلِكًا. لَقَدْ وَجَدُوا أنْفُسَهُمْ مُرْغَمينَ عَلى مُوَاصَلَةِ ذَلِك. لِذَلِكَ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِ يَسوعَ وَغِيابِهِ عَنْ أعْيُنِهِمْ، وَإنْكارِهِمْ قِيامَتَهُ، وَصُعودهِ إلى السَّماءِ، فَقَدِ اسْتَمَرُّوا في مَسْرَحِيَّتِهِمِ الكُوميديَّة. ولَكِنْ أتَعْلَمونَ مَا حَدَث؟ في سَنَة 70 ميلاديَّة، انْتَهى العَرْضُ الكُوميديُّ بِطَريقَةٍ مُرَوِّعَةٍ وَمُميتَة. قَدْ لا تَضْحَكونَ عَلى الصَّليبِ وَلا تَنْظُرونَ إلى مَا حَدَثَ كَما لَوْ أنَّهُ مَسْرَحِيَّة كُوميديَّة. وَرُبَّما لا يَفْعَلُ أغْلَبِيَّةُ النَّاسِ ذَلِك، وَلِكنِّي أُؤكِّدُ لَكُمْ هَذا: أنَّ أغْلَبِيَّةَ النَّاسِ لا يَنْظُرونَ إلى الصَّليبِ نَظْرَةً جَادَّةً كَمَا يَنْبَغي. وَلَكِنْ مَا مَدَى جِدِّيَّةِ الصَّليب؟ لا وُجودَ للخَلاصِ، أوِ الغُفْرانِ، أوِ السَّماءِ إلَّا إذا قَبِلْتَ يَسوعَ رَبًّا وَمُخَلِّصًا، وَإلَّا إذا آمَنْتَ بالذَّبيحَةِ الَّتي قَدَّمَها على الصَّليبِ لِكَيْ يَدْفَعَ أُجْرَةَ خَطاياك. لِذَلِكَ إمَّا أنْ تَنْظُرَ إلى الصَّليبِ نَظْرَة جَادَّةً، أوْ أنْ تَصيرَ مَأساةً أبَدِيَّةً. وَفي العِظَةِ القَادِمَةِ، سَنُلْقي نَظْرَةً فَاحِصَةً عَلى تِلْكَ المَسْرَحِيَّةِ الكُوميديَّة. وَكَما ذَكَرْتُ، فَإنَّ أغْلَبِيَّةَ النَّاسِ قَدْ لا يَضْحَكونَ عَلى الصَّليب. وَقَدْ كانَ هَذا هُوَ التَّجْديفُ الحَقيقيُّ. وَمِنَ المُدْهِشِ أنَّكَ حِيْنَ تَقْرَأُ ما كُتِبَ فَإنَّكَ تُدْرِكُ أنَّ لُوْقَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا عَنْ صَلْبِ يَسوعَ. فَكُلُّ مَا كَتَبَهُ هُوَ أنَّهُمْ صَلَبوهُ هُناك. وَلَكِنَّ كُلَّ مَا كَتَبَهُ كَانَ وَصْفًا لِمَوْقِفِ النَّاسِ لأنَّهُ أرادَ أنْ يُصَوِّرَ لَنا هَذا الارْتِدادَ الأخيرَ لِبَني إسْرائيل، وَالأهْوالَ النَّاجِمَةَ عَنْ مِثْلِ هَذا التَّجْديفِ المُتَمَثِّلِ في الاسْتِهزاءِ بابْنِ الله. وَهَذا يُرينا أيْضًا نِعْمَةَ اللهِ لأنَّهُ مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ الصَّليب، في وَسَطِ تِلْكَ المَسْرَحِيَّةِ الكُوميديَّةِ، قَالَ يَسوع: "يَا أَبَتَاهُ" .. ماذا؟ "اغْفِرْ لَهُمْ!" فَهَلْ مِنْ نِعْمَةٍ تَفوقُ هَذِهِ؟ لِذَلِكَ أرْجُو أنْ تَكونَ نَظْرَتُكَ إلى الصَّليبِ نَظْرَةً صَحيحَةً وَمُخَلِّصَةً.

أيُّها الآبُ السَّماويُّ، أطْلِقْنَا بالبَرَكَة. واجْتَذِبْ كَثيرينَ إلى مَخادِعِ الصَّلاةِ، يا رَبُّ، لِكَيْ يَلْتَقوا بِكَ هُناك. عَظِّمْ ابْنَكَ الَّذي نَرْفَعُ صَلاتَنا باسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize