Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لُوقا 23 هُوَ نَصُّنا ... لوقا 23. سَنَعودُ إلى المَشْهَدِ في الجُلْجُثَة في يَوْمِ الجُمْعَة الَّذي سَبَقَ عِيْدَ الفِصْحِ في رَبيعِ سَنَةِ 30 ميلاديَّة عِنْدَما صُلِبَ يَسوع. وَأَوَدُّ أنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ الخَلْفِيَّةَ الكامِلَةَ كَما دَوَّنَها لُوقا. لِذَلِكَ سَأبْتَدِئُ القِراءَةَ مِنَ العَدَد 32 إلى نِهايَةِ العَدَد 43: "وَجَاءُوا أَيْضًا بِاثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مُذْنِبَيْنِ لِيُقْتَلاَ مَعَهُ. وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى «جُمْجُمَةَ» صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. فَقَالَ يَسُوعُ: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ». وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا. وَكَانَ الشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ، وَالرُّؤَسَاءُ أَيْضًا مَعَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ قَائِلِينَ: «خَلَّصَ آخَرِينَ، فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَسِيحَ مُخْتَارَ اللهِ!» وَالْجُنْدُ أَيْضًا اسْتَهْزَأُوا بِهِ وَهُمْ يَأْتُونَ وَيُقَدِّمُونَ لَهُ خَلا، قَائِلِينَ: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ مَلِكَ الْيَهُودِ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ!» وَكَانَ عُنْوَانٌ مَكْتُوبٌ فَوْقَهُ بِأَحْرُفٍ يُونَانِيَّةٍ وَرُومَانِيَّةٍ وَعِبْرَانِيَّةٍ: «هذَا هُوَ مَلِكُ الْيَهُودِ». وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلاً: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!» فَأجَابَ الآخَرُ وَانْتَهَرَهُ قَائِلاً: «أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ». ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: «اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْس»".

إنَّ قِصَّةَ اللِّصِّ التَّائِبِ لا تَرِدُ في مَتَّى، أو مَرقُس أو يُوحَنَّا. بَلْ وَرَدَتْ فَقَطْ في لُوقا. فَهَذا هُوَ كُلُّ ما لَدينا. وَبِمَعْنًى مِنَ المَعاني، عِنْدَما نَتَأمَّلُ في الأعْداد مِن 39 إلى 43 ونُفَكِّرُ في هَذا الاهْتِداءِ المُعْجِزِيِّ لِلِصٍّ مُعَلَّقٍ على الصَّليبِ بِجانِبِ يَسوعَ، قَدْ نَسْتَنْتِجُ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ غَامِضَة. وَرُبَّما نَتَمَنَّى لو أنَّ مَتَّى قَدَّمَ لَنا نَظْرَةً أُخرى إليها، أو مَرْقُسَ، أو كِلَيْهِما، أوْ يُوحَنَّا. ولكِنَّ هَذا هُوَ كُلُّ مَا لَدَيْنا. لَقَدْ تَأمَّلْنا في المَهْزَلَةِ الَّتي حَدَثَتْ في الجُلْجُثَة، وَفي التَّقليدِ الهَزَلِيِّ السَّاخِر، والاسْتِعْراضِ الهَزَلِيِّ، والسُّخْرِيَةِ، والهُزْءِ، والتَّهَكُّمِ على القَوْلِ بِأنَّ يَسوعَ مَلِكٌ لأنَّهُ أَمْرٌ مُضْحِكٌ. وَقَدْ سَخِرُوا مِنْهُ قائِلين: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!" وَقَدْ تَأمَّلْنا لا فَقَط في المَهْزَلَةِ في الجُلْجُثَة، بَلْ تَأمَّلْنا أيْضًا في التَّبايُنِ في الجُلْجُثَة – أيْ في التَّبايُنِ الصَّارِخِ بَيْنَ كَراهِيَّتِهِمْ وَغُفْرانِهِ إذْ كَانَ يُصَلِّي قائِلًا: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" – في الوقتِ الَّذي كانُوا فيهِ مُنْغَمِسينَ في القِيامِ بِأسْوَأِ شَيْءٍ قَامَ بِهِ أيُّ شَخْصٍ أبَدًا.

ونَأتي الآنَ إلى الاهْتِداءِ في الجُلْجُثَة – أيْ إلى قِصَّةِ خَلاصِ لِصٍّ مَصْلُوب. وَكَما قُلْتُ: عِنْدَما تَنْظُرونَ إليها نَظْرَةً أولى، تَبْدو القِصَّةُ قَصيرَةً وُرُبَّما لا تَكْشِفُ الكَثير. وَلَكِنْ مَا إنْ نَصِلَ إلى نِهايَتِها، سَتَرَوْنَ أنَّها أَبْعَدُ مَا يَكونُ عَنْ ذَلِك. ومَعَ أنَّ هُناكَ سُخْرِياتٍ كَثيرَةً جِدًّا حَدَثَتْ في الجُلْجُثَة، فَإنَّ المَرْءَ لا يَسْتَطيعُ أنْ يَذْكُرَها جَميعَها. فَها هُوَ يَسوعُ الَّذي يَتَعَرَّضُ للهُزْءِ لأنَّهُ لا يَسْتَطيعُ أنْ يُخَلِّصَ أَحَدًا وَلا أنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ، هَا هُوَ يُخَلِّصُ لِصًّا - مِنْ خِلالِ عَدَمِ تَخْليصِهِ لِنَفْسِه. وَالسُّخْرِيَاتُ تَسْتَمِرُّ وَتَتَوالى. فَيَسوعُ مُتَّهَمٌ بأنَّهُ ادَّعَى أنَّهُ مَلِك – وَهَذا يُشَكِّلُ تَهْديدًا لِسُلْطَةِ رُوْما، وَتَهْديدًا لِقَيْصَر، وَتَهْديدًا للسُّلُطَاتِ الرُّومانيَّةِ الَّتي يَجِبُ أنْ تُعْدِمَهُ قَبْلَ أنْ يَقودَ انْقِلابًا. وَمَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الأشْخاصَ أنْفُسَهُم الَّذينَ يَدَّعُونَ أنَّهُمْ يَحْمُونَ رُوْما مِنْهُ يَهْزَأونَ بِهِ وَيَسْخَرونَ مِنْهُ وَيَتَهَكَّمونَ عَلَيْهِ لِضَعْفِهِ وَعَجْزِه. فَقَدْ عَامَلوهُ كَمَلِكٍ – وَلَكِنْ بِطَريقَةٍ تَهَكُّمِيَّةٍ قَاسِيَةٍ. ولكنَّهُ كانَ في الحَقيقَةِ المَلِكَ الحَقيقيّ. وَقَدِ اتُّهِمَ بالتَّجْديفِ عَلى اللهِ مِنْ قِبَلِ مَنْ كَانُوا يُجَدِّفونَ عَلَيْهِ – عَلى اللهِ الحَقيقيّ. لِذَلِكَ، كانَ المُجَدِّفونَ يَتَّهِمونَ المُجَدَّف عَلَيْهِ بِتُهْمَةِ التَّجْديف. وَإنَّها لَسُخْرِيَةٌ أيْضًا أنْ يُعْدَمَ هُوَ، البَريءُ البارُّ، بِأيْدي المُذْنِبين. فَقَدِ انْقَلَبَتِ العَدالَةُ رَأسًا عَلى عَقِب. وَمِنَ السُّخْرِيَةِ أيْضًا أنَّهُ لُعِنَ مِنْ أعْدائِهِ الَّذينَ كَانُوا يُبْغِضُونَهُ، وَلَكِنَّهُ لُعِنَ أكْثَر جِدًّا مِنْ أبيهِ الَّذي يُحِبُّه. وَقَدْ بَدا أنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ أنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ أوْ أيَّ شَخْصٍ آخَر. وَلَكِنَّ ذاكَ الَّذي رَفَضَ أنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ كانَ مُخَلِّصَ العَالَم! وَهُوَ وَاهِبُ الحَياةِ. وَهُوَ الحَياة. وَهُوَ الَّذي مَاتَ لِكَيْ يَصيرَ للأمْواتِ حَياة. وَكانَ أَحَدُ هؤلاءِ الخُطاةِ المَحْكومِ عَلَيْهِمْ بالمَوْتِ مُعَلَّقًا بِجانِبِهِ. وَهُوَ شَخْصٌ وَهَبَهُ اللهُ حَياةً بِطَريقَةٍ مُعْجِزِيَّةٍ، وَسِيادِيَّةِ، وَقَوِيَّةٍ، وَفَوْرِيَّةٍ، وَمُغَيِّرَةٍ. إنَّهُ ذَلِكَ اللِّصّ!

وَهُناكَ سُخْرِيَةٌ أُخرى وَهِيَ أنَّ اليَهودَ أَرادُوا أنْ يَرَوْا يَسوعَ مَيْتًا لِكَيْ يُتابِعُوا احْتفالَهُمْ بِعيدِ الفِصْحِ الَّذي يَرْمِزُ إلى مَوْتِهِ. فَقَدْ أرادَ اليَهودُ أنْ يَذْبَحُوا الحُمْلانَ العَاجِزَةَ عَنْ رَفْعِ الخَطِيَّةَ، في الوقتِ الَّذي كَانُوا فيهِ يَرْفُضونَ حَمَلَ اللهِ الوَحيدَ الحَقيقيَّ الَّذي يَقْدِرُ، دُوْنَ سِواه، أنْ يَرْفَعَ خَطِيَّةَ العَالَم. وَفي غَمْرَةِ انْشِغالِهِمْ بِذَبْحِ الحُمْلانِ الَّتي لا حَوْلَ لَها وَلا قُوَّة، كَانَ اللهُ يَسْتَخْدِمُ أيْدِيَهُمْ لِقَتْلِ الحَمَلِ الَّذي يَمْتَلِكُ في ذَاتِهِ كُلَّ القُدْرَةِ الخَلاصِيَّة. وَكانَ اليَهودُ يَنْظُرونَ إلى الفِصْحِ كَما لَوْ أنَّهُ الطَّريقَةُ الَّتي اسْتَخْدَمَها اللهُ لإنْقاذِهِمْ مِنْ فِرْعَوْن. وَلَكِنَّ الفِصْحَ لَمْ يَكُنْ هَكَذا. فَقَدْ كَانُوا يَعْتَقِدونَ أنَّ الفِصْحَ كَانَ يُشيرُ إلى إنْقاذِ اللهِ لَهُمْ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْر. وَلَكِنَّهُ كَانَ أبْعَد مَا يَكونُ عَنْ ذَلِك. فَمَعَ أنَّ اللهَ أنْقَذَهُمْ مِنَ العُبوديَّةِ في مِصْرَ، فَإنَّ الفِصْحَ كَانَ يَرْمِزُ إلى خَلاصٍ أعْظَم جِدًّا. فَهَلْ تَذْكُرونَ قِصَّةَ الفِصْحِ؟ فَقَدْ أَبْلَغَهُمُ اللهُ أنَّهُ سَيَدينُ بِشِدَّة كُلًّا مِنَ المِصْرِيِّينَ وَاليَهود، وَأنَّ النَّاسَ الوَحيدينَ الَّذينَ سَيَنْجُونَ مِنْ تِلْكَ الدَّيْنونَةِ هُمُ الَّذينَ يَضَعُونَ دَمَ الحَمَلِ على القَائِمَتَيْنِ وَالعَتَبَةِ العُلْيَا لأبْوابِ بُيوتِهِم. وخِلافًا لِذَلِكَ فَإنَّ دَيْنونَةَ اللهِ سَتَحِلُّ عَلى ذَلِكَ البَيْتِ فَيَموتُ البِكْرُ فيه. وَاللهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اليَهودِ وَالمِصْرِيِّين. فَقَدْ كانَ مُزْمِعًا أنْ يَأخُذَ حَياةَ أيِّ بِكْرٍ. وَكانَ مُزْمِعًا أنْ يَأتي بِغَضَبِهِ وَدَيْنونَتِهِ عَلى كُلِّ بَيْتٍ لَيْسَ مَحْمِيًّا بِدَمِ حَمَلِ الفِصْح. لِذَلِكَ، لَمْ تَكُنْ لَيْلَةُ الفِصْحِ تَرْمي إلى تَخْليصِهِمْ مِنْ يَدِ فِرْعَوْن وَغَضَبِ فِرْعَوْن، بَلْ كانَتْ تَرْمِي إلى تَخْليصِهِمْ مِنْ غَضَبِ الله. وَلَكِنَّهُمْ انْحَرَفُوا بِتَفْكيرِهِمْ فَظَنُّوا أنَّهُمْ نَجَوْا مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ وَغَضَبِهِ. وَقَدِ احْتَفَلُوا بِذَلِكَ الجُزْءِ مِنَ الفِصْحِ وَنَسَوْا أنَّ الفِصْحَ الحَقيقيَّ كَانَ أنَّهُمْ نَجَوْا مِنْ غَضَبِ اللهِ. فَجَميعُ الخُطاةِ يَسْتَحِقُّونَ الغَضَبَ دَائِمًا مَا لَمْ يُغَطَّوْا بالدَّم - لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا، وَلأنَّهُ لا يَسْتَطيعُ أنْ يُغَطِّي الخَاطِئَ حَقًّا. لِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ لَدَيْهِمْ أَدْنى فِكْرَة عَمَّا كَانَ يَحْدُثُ عَلى صَليبِ الجُلْجُثَةِ خَاصَّتِهِمْ عِنْدَما كانَ حَمَلُ الفِصْحِ الحَقيقيّ يَموتُ عَلَيْهِ لِكَيْ يَصيرَ دَمُهُ غِطاءً لِكُلِّ مَنْ يُؤمِنُ بِهِ.

لِذَلِكَ، لأنَّ يَسوعَ لَمْ يُخَلِّصْ نَفْسَهُ، صَارَ بِمَقْدورِهِ أنْ يُخَلِّصَ آخَرين. وَهَذا يُناقِضُ تَمامًا افْتِراضَهُمْ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَقْدورِهِ أنْ يُخَلِّصَ أيَّ شَخْصٍ لأنَّهُ كَانَ عَاجِزًا حَتَّى عَنْ تَخْليصِ نَفْسِه. وَلَكِنْ مَا أبْعَدَ فِكْرَهُمْ عَنِ الحَقيقَة. فَهُوَ تَفْكيرٌ مُمْعِنٌ في الخَطَأ. وَالمَشْهَدُ بِمُجْمَلِهِ كانَ يُغَذِّي هَذا التَّفْكير المَغْلوط. فَلَمْ يَكُنْ هُناكَ وُضوحٌ في أيِّ مَكانٍ. فَقَدْ كَانَ القادَةُ يُعانُونَ ضَحالَةً في تَفْكيرِهِمْ. وَكانَ الشَّعْبُ يُعاني ضَحالَةً في تَفْكيرِهِمْ. وَكانَ الرُّومانُ يُعانونَ ضَحالَةً في تَفْكيرِهِمْ. وَكانَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ يُعانونَ ضَحالَةً في تَفْكيرِهِمْ. وَكانَ رَئيسُ الكَهَنَةِ يُعاني المُشْكِلَةَ ذَاتَها. وَكانَ الجَميعُ يَفْتَقِرونَ إلى التَّفْكيرِ السَّليم. فَقَدْ كانَ الجَميعُ يَفْهَمونَ مَا يَجْري فَهْمًا مُنْحَرِفًا وَمُعْوَجًّا. وَفي وَسَطِ هَذا كُلِّهِ، كَانَ هُناكَ شَخْصٌ وَاحِدٌ يُفَكِّرُ بِوُضوح. فبالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ مَا كَانَ يَجْري حَوْلَهُ، وَهُوَ أمْرٌ كَانَ مُشْتَرِكًا فيه، سَطَعَ النُّورُ. وَانْبَثَقَتِ الحَياةُ مِنَ المَوْتِ. وَخَرَجَتِ المَعْرِفَةُ مِنَ الجَهْلِ. فالنُّورُ يُبَدِّدُ الظَّلامَ. وَقَدْ كانَتْ تِلْكَ هِيَ قِصَّةُ هَذا الرَّجُلِ الَّذي نَدْعُوهُ اللِّصُّ التَّائِب. وَهِيَ قِصَّةٌ شَخْصِيَّةٌ. بَلْ هِيَ قِصَّةٌ شَخْصِيَّةٌ جِدًّا. وَهِيَ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ. إنَّها قِصَّةٌ شَخْصِيَّةٌ عَنِ الخَلاص، وَلَكِنَّها أيْضًا أُنْمُوذَجٌ لِقِصَّةِ خَلاصِ النَّاسِ جَميعًا. وَقَدْ تَقْرَأُ القِصَّةَ وَتَقولُ إنَّها لَيْسَتْ تَمامًا مِنَ النَّوْعِ الَّذي نَقْرِنُهُ بالخَلاص. فَهِيَ غَامِضَةٌ وَتُشْبِهُ إلى حَدٍّ مَا نَصًّا تَاريخيًّا كُتِبَ بالرُّموز. فَهَلْ لَدَيْنا حَقًّا مَا يَكْفي (مِنَ المَعْلوماتِ) لِنَقولَ إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدِ اسْتَوْفى الشُّروطَ اللَّازِمَةَ للخَلاص؟ حَسَنًا! إذا نَظَرْتَ نَظْرَةً فَاحِصَةً سَتَجِدُ أنَّ الإجابَةَ عَنْ هَذا السُّؤالِ هِيَ بِكُلِّ تَأكيدٍ: أَجَل!

إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الشَّخْصِيَّةَ تَحْوي أكْثَرَ بِكَثيرٍ مِمَّا يَظْهَرُ للعِيانِ أوَّلَ وَهْلَة. إنَّها قِصَّةٌ شَخْصِيَّةٌ، وَلَكِنَّها قِصَّةُ كُلِّ شَخْصٍ لأنَّها تُرينا الطَّريقَةَ الَّتي يَأتي بِها جَميعُ الخُطاةِ إلى الخَلاص. لِذَلِكَ فَإنَّها قِصَّتُكَ وَقِصَّتي – إنْ كُنَّا مُؤمِنين. وَالآنْ، لِنَتَأمَّلْ في القِصَّةِ وَنَرى تَفاصيلَها. العَدَد 39: "وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلاً: إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!" – بِطَريقَةٍ مَازِحَةٍ وَسَاخِرَة. ويَنْبَغي لَنا أنْ نَتَذَكَّرَ، بالعَوْدَةِ إلى العَدَد 32، أنَّهُمْ جَاءُوا أَيْضًا بِلِصَّيْنِ أوْ مُجْرِمَيْنَ لِيُقْتَلاَ مَعَهُ. وَنَقْرَأُ في العَدَد 33 أنَّهُمْ صَلَبُوهُ (أيْ: يَسوعَ) هُنَاكَ مَعَ المُذْنِبَيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. وَنَقْرَأُ في العَدَد 39 أنَّ وَاحِدًا مِنَ المُذْنِبَيْنِ كَانَ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ. وَلَكِنَّ القِصَّةَ لا تَنْتَهي هُنا. فَمَتَّى يُخْبِرُنا وَمَرْقُسُ يُخْبِرُنا، في سَرْدِهِما المُشَابِهِ لِما حَدَثَ عِنْدَ الصَّليبِ، أنَّ كِلا اللِّصَّيْنِ فَعَلا ذَلِك. كِلاهُما فَعَلَ ذَلِك! فَقَدِ اشْتَرَكا كِلاهُما في المَسْرَحِيَّةِ الكُوميديَّة (إنْ جَازَتِ التَّسْمِيَةُ)، وَفي الهُزْءِ، وَفي التَّجْديفِ. لِذَلِكَ عِنْدَما تُفْتَحُ السِّتارَةُ في السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَباحًا عَلى مَشْهَدِ صَلْبِ يَسوع، نجِدُ أنَّهُما كانَا جُزْءًا مِنَ النُّكْتَة. فَقَدِ اشْتَرَكا بِفَاعِلِيَّة في التَّجْديفِ الذي أعَدَّهُ وَأَخْرَجَهُ قَادَةُ اليَهود. وَقَدِ اشْتَرَكَ الشَّعْبُ. واشْتَرَكَ الجُنودُ. واشْتَرَكَ اللِّصَّانِ أيْضًا. وَمَعَ أنَّهُما كانا مُعَلَّقَيْنِ عَلى الصَّليبِ وَيَخْتَبِرانِ نَفْسَ الألَمِ الذي كانَ يَسوعُ نَفْسُهُ يَخْتَبِرُهُ جَسَدِيًّا، وَمَعَ أنَّهُما كانَا يَتَعَرَّضانِ للتَّعْذيبِ وَالألَمِ المُبَرِّحِ المُفْضِي إلى المَوْتِ، فَإنَّهُما يَسْتَجْمِعانِ قُوَّتَهُما للسُّخْرِيَةِ مِنْ يَسوعَ وَالتَّجْديفِ عَلَيْه! لَقَدْ كانَتْ تِلْكَ اللَّحْظَةُ بِتِلْكَ القُوَّة ... وَبِتِلْكَ القَسْوَة! وَكانَتْ عَدْوى الكَراهِيَةِ تَنْتَشِرُ سَريعًا. وَقَدِ اسْتَخْدَما طَاقَتَهُما للقِيامِ بِذَلِك.

وَلَكِنَّ وَاحِدًا مِنْهُما صَمَتَ فَجْأةً في إنْجيلِ لُوقا. وَبَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُما فَقَطْ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ. لَقَدْ حَدَثَ شَيْءٌ مَا لِلِّصِّ الآخَر. فَفي السَّاعاتِ الَّتي انْقَضَتْ عَلى الصَّليبِ، اخْتَبَرَ واحِدٌ مِنْ أَشَرِّ شَخْصَيْنِ عَلى الجَبَل، في المَشْهَدِ، وَهُوَ رَجُلٌ كَرَّسَ حَياتَهُ لِسَرِقَةِ الآخَرينَ بِطُرُقٍ عَنيفَةٍ ... مُجْرِمٌ شِرِّيرٌ، اخْتَبَرَ تَغْييرًا هَائِلًا. وَهُوَ تَغْييرٌ مُذْهِلٌ! مِئَة وَثَمانونَ دَرَجَة! فَقَدْ تَوَقَّفَ عَنِ السُّخْرِيَة. وَلأنَّ جَسَدَهُ كَانَ في حَالَةِ صَدْمَةٍ وَألَمٍ شَديدٍ بِسَبَبِ عَذابِ الصَّليبِ الَّذي لا يُماثِلُهُ عَذاب، قَدْ نَتَوَقَّعُ أنْ يَصيرَ فِكْرُهُ مُشَوَّشًا بِسَبَبِ بَحْثِهِ عَنْ طَريقَةٍ يَتَغَلَّبُ مِنْ خِلالِها عَلى الأَلَم. وَقَدْ تَحْدُثُ صَدْمَةٌ مِنْ نَوْعٍ مَا لِمُجَرَّدِ حِمايَتِهِ مِنَ الآلامِ الَّتي لا تُحْتَمَل. فَنَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ الجَسَدَ قَادِرٌ أنْ يُدْخِلَنا في صَدْمَةٍ لِكَيْ يُخَفِّفَ هَذِهِ الأنْواعِ مِنَ التَّجارِبِ القَاسِيَةِ. وَلَكِنْ في لَحْظَةِ الألَمِ الَّذي يُعَدُّ الأسْوَأَ بالمُطْلَق، فَإنَّ ذِهْنَهُ صَارَ صَافِيًا وَوَاضِحًا تَمامًا. وَلَكِنَّ هَذا الصَّفاءَ وَهَذا الفَهْمَ للواقِعِ هُوَ أمْرٌ لَمْ يَخْتَبِرْهُ قَطّ في حَياتِهِ. بَلْ هُوَ صَفاءٌ وَإدْراكٌ للوَاقِعِ لَمْ يَخْتَبِرْهُ حَتَّى قَبْلَ لَحَظاتٍ قَليلَة. فَقَدْ حَدَثَ شَيْءٌ مَا. وَفَجْأةً، نَظَرَ إلى صَديقِهِ وَوَبَّخَهُ عَلى القِيامِ بِشَيءٍ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ يَفْعَلُهُ. مَا الَّذي حَدَث؟

سَأُخْبِرُكُمْ مَا حَدَث. لَقَدْ حَدَثَتْ مُعْجِزَةٌ إلَهِيَّةٌ عَجيبَة. فَما مِنْ تَفْسيرٍ آخَر. هَلْ تُريدُونَ حَادِثَةً مُشَابِهَةً؟ بُوْلُس في الطَّريقِ إلى دِمَشْق. فَهَذِهِ هِيَ أَقْرَبُ حَادِثَةٍ مُشَابِهَة. فَقَدْ كَانَتْ أفْكارُهُ مِنْ نَحْوِ يَسوعَ هِيَ أفْكارُ كَراهِيَة. وَكانَتْ أفْكارُهُ مِنْ نَحْوِ أولئكَ الَّذينَ يَعْتَرِفونَ باسْمِ يَسوعَ هِيَ أفْكارُ اضْطِهادٍ وَقَتْلٍ. كانَ بُولُسُ يَحْمِلُ أوْراقًا رَسْمِيَّةً وَهُوَ في طَريقِهِ إلى دِمَشْق لاضْطِهادِ وَإعْدامِ أولئكَ الَّذينَ يَدْعُونَ باسْمِ المَسيح. وَفيما هُوَ ذَاهِبٌ وَأوْراقُهُ في يَدِهِ، اقْتَحَمَ اللهُ حَياتَهُ، وَطَرَحَهُ أرْضًا، وَأَصَابَهُ بِعَمَىً مُؤقَّتٍ، وَخَلَّصَهُ. وَهَذِهِ هِيَ طَريقَةُ عَمَلِ الخَلاصِ، يا أحِبَّائي. إنَّهُ مُعْجِزَةٌ إلَهِيَّةٌ. وَمَعَ أنَّ الخَلاصَ قَدْ لا يَكونُ درامِيًّا هَكَذا دَائِمًا، َلَكِنَّهُ يَكونُ دراميًّا أحْيانًا. وَهَذِهِ هِيَ أقْرَبُ حَادِثَةٍ في الكِتابِ المُقَدَّسِ لاهْتِداءِ شَاوُل في الطَّريقِ إلى دِمَشْق. إنَّهُ عَمَلُ اللهِ الَّذي لا يُقاوَمُ في تَغْييرِ حَياةِ إنْسانٍ. وَهَذا هُوَ مَا قَالَهُ بُولُسُ عِنْدَما كَتَبَ إلى تيموثاوُس. فَقَدْ قَال: "أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا ... وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ". وَالآنْ تَذَكَّرُوا أنَّ هَذا اللِّصَّ كانَ مِنْ أَحَطِّ طَبَقاتِ النَّاسِ. وَكانَ مِنْ أَسْوَأِ الأشْخاصِ المَوْجُودينَ في نَظَرِ اليَهود. فَقَدْ كانَ اليَهودُ المُتَدَيِنونَ يَحْسَبونَهُ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ لا يُمْكِنُ فِداؤُهُم. وَإنْ أرَدْتَ أنْ تَقْرِنَ هَذا الشَّخْصَ بأيِّ شَخْصٍ آخَرَ، فَإنَّهُ شَخْصٌ ضَالٌّ تَمامًا. إنَّهُ إنْسانٌ شِرِّيرٌ، وَلَكِنْ فَجْأةً، تَغَيَّرَ في طَرْفَةِ عَيْنٍ تَغْييرًا جَذْرِيًّا وَصَارَ مَا حَدَثَ وَاضِحًا في الحَال. فَقَدْ تَوَقَّفَ عَنِ التَّجْديفِ عَلى يَسوعَ وَصَارَ مُسْتَاءً جِدًّا مِنْ تَجْديفِ اللِّصِّ الثَّاني عَلى يَسوع. وَقَدْ تَغَيَّرَ مَفْهُومُهُ بِمُجْمَلِهِ فيما يَخْتَصُّ بِمُعامَلَةِ يَسوعَ. وَهُنا تَبْتَدِئُ القِصَّة. فَاللِّصُّ الثَّاني لَمْ يَطْرَأ عَلَيْهِ تَغْييرٌ مُشَابِهٌ، بَلْ كانَ مُعَلَّقًا وَيُجَدِّفُ عَلى يَسوعَ وَيَسْخَرُ مِنْهُ بالطَّريقَةِ ذَاتِها: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!" وَلا شَكَّ أنَّهُ صُعِقَ حِيْنَ سَمِعَ صَوْتًا مِنَ الجَانِبِ الآخَرِ لِيَسُوعَ، وَهُوَ صَوْتُ صَديقِهِ (في العَدَد 40)، يُجيبُهُ وَيُوَبِّخُهُ قائِلًا: "أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ". وَلا بُدَّ أنَّ ما حَدَثَ كَانَ صَادِمًا للِّصِّ الآخَر الَّذي كانَ يُجَدِّف. مَا الَّذي حَدَثَ لَك؟ مَا الَّذي حَدَثَ لَكَ مُنْذُ أنْ سُمِّرْتَ هُناك. فَقَدْ وَجَدَ اللِّصُّ التَّائِبُ أنَّ الإسَاءاتِ الَّتي تَخْرُجُ مِنْ فَمِ رَفيقِهِ اللِّصِّ بَغيضَة وَمُخِيفَة بالرَّغْمِ مِنْ أنَّهُ كَانَ قَدْ نَطَقَ بِها أيْضًا. وَما يَقولُهُ هَذا الرَّجُلُ هُوَ الدَّليلُ على أنَّ قَلْبَهُ قَدْ تَغَيَّر. فالخَلاصُ مُعْجِزَةٌ إلَهِيَّةٌ، وَهِيُ تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِها بِنَفْسِها. وَيُمْكِنُنا أنْ نَجِدَ في هَذا النَّصِّ أكْثَرَ مِمَّا نَفْتَكِر.

أوَّلًا، لَقَدْ صَارَ (هَذا اللِّصُّ) مُدْرِكًا جِدًّا جِدًّا لِوُجود اللهِ وَخَوْفِ الله. ثُمَّ اعْتَرَفَ بِخُطيئَتِهِ عَلَنًا. وَهُوَ يَعْتَرِفُ بِخَطيئَتِهِ للسَّيِّدِ المَسيحِ مُؤكِّدًا قَبولَهُ رَبًّا وَمُخَلِّصًا. وَيا لَهُ مِنْ أمْرٍ مُدْهِشٍ! وَقَدْ كَانَ هَذا كُلُّهُ بِسَبَبِ تَجاوُبِهِ مَعَ العَمَلِ المُعْجِزِيِّ لِرُوحِ اللهِ في قَلْبِهِ المُظْلِم. وَهَذا هُوَ نُوْرُ إنْجيلِ المَسيحِ المَجيدِ الَّذي يُنيرُ في وَسَطِ الظَّلامِ وَيُبَدِّدُهُ. وَأَوَدُّ أنْ أُسَلِّطَ الضَّوْءَ عَلى هَذِهِ العَناصِرِ الَّتي تُظْهِرُ بِجَلاءٍ تَامٍّ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي قَامَ بِهَذا العَمَلِ المُغَيِّر. فَبالنِّسْبَةِ إلى الخَاطِئ الآخَر، لَمْ يَكُنْ يَخْشى اللهَ، وَلا يَخافُ العِقابَ، وَلا يَشْعُرُ بِأنَّهُ خَاطِئٌ، وَلا يَشْعُرُ بالعَدالَة، وَلا يَشْعُرُ بالذَّنْبِ، وَلا يَرْغَبُ في الحُصُولِ على الغُفْرانِ، وَلا يَتُوقُ إلى البِرِّ، وَلا يَرْغَبُ في المُصَالَحَةِ. أمَّا اللِّصُّ الَّذي تَغَيَّرَ فَإنَّهُ يَتَصَدَّى لِتِلْكَ الحَالَةِ المُفْجِعَةِ الَّتي كَانَتْ حَالَتهُ هُوَ أيْضًا قَبْلَ لَحَظات. وَهُوَ لَمْ يَعُدْ يَسْتَوْعِبُها الآن. وَفي طَرْفَةِ عَيْنٍ، انْقَلَبَ مِنْ شَخْصٍ مُشَارِكٍ في مَا يَجْري إلى شَخْصٍ غَيْرِ قَادِرٍ عَلى اسْتيعابِ ذَلِك. كَيْفَ تَجْرُؤُ عَلى فِعْلِ ذَلِك؟ وَكَيْفَ تَجْرُؤُ عَلى قَوْلِ ذَلِك؟ ألا تَخافُ اللهَ؟ ألا تَعْلَمُ أنَّكَ تَنالُ الجَزاءَ العَادِل؟ ألا تَعْرِفْ أنَّ هَذا الرَّجُلَ بارٌّ؟ يا لَهُ مِنْ تَغْيير! لِذَلِكَ، لْنَتَأمَّلْ بِعُمْقٍ أكْبَر في مَا حَدَث.

فَمَعَ أنَّ اللِّصَّ الأوَّلَ كَانَ يُجَدِّفُ عَلى يَسوع، فَإنَّ اللِّصَّ الآخَرَ يُجيبُهُ وَيَنْتَهِرُهُ. وَالكَلِمَة المُتَرْجَمَة "انْتَهَرَهُ" هِيَ كَلِمَة قَوِيَّة جِدًّا. فَقَدْ قالَ لَهُ: "أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ". واسْمَحُوا لي أنْ أُطْلِعَكُمْ عَلى البُرْهانِ الأوَّلِ على أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَقومُ بِعَمَلِيَّةِ الاهْتِداء: خَوْفُ اللهِ. خَوْفُ اللهِ. فَعِنْدَما يَهْتَدي إنْسانٌ إلى المَسيحِ، وَعِنْدَما يَتَجَدَّدُ إنْسانٌ وَيُوْلَدُ ثَانِيَةً، وَيَصيرُ إنْسانًا جَديدًا، يَقولُ بُولُس في 2 كُورِنثوس 5: 17 إنَّهُ يَصيرُ خَليقَةً جَديدَةً: "الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا". أَلَسْنا نَرى هَذا هُنا! وَأوَّلُ شَيْءٍ تَرَوْنَهُ عِنْدَ الاهْتِداءِ الحَقيقيِّ هُوَ الإدراكُ العَميقُ بِأنَّ اللهَ مَصْدَر تَهْديد. بِمَعْنًى آخَر، أنْ تَخْشى اللهَ – أوْ حَرْفِيًّا: أنْ تَخافَ اللهَ. وَهُوَ لَا يَطْلُبُ مِنْ أيِّ شَخْصٍ أنْ يُنْزِلَهُ عَنِ الصَّليب. وَهُوَ لا يُحاوِلُ العُثورَ عَلى شَخْصٍ قَادِرٍ أنْ يُنَجِّيهِ مِنَ المَوْتِ الجَسَدِيِّ. بَلْ هُوَ يُريدُ أنْ يَتَيَقَّنَ بِأنَّهُ سَيَنْجُو مِنَ العِقابِ الإلَهِيِّ. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ مُشْكِلَتَهُ لا تَكْمُنُ في مَا يَحْدُثُ لَهُ عَلى الأرْض، بَلْ في مَا سَيَحْدُثُ لَهُ عِنْدَما يَقِفُ أَمامَ عَرْشِ اللهِ. فَهُوَ يَهُودِيٌّ دُوْنَ شَكٍّ. وَقَدْ نَشَأَ عَلى شَرائِعِ اللهِ، وَفَهِمَ اللهَ – قَداسَةَ اللهِ، وَشَريعَةَ اللهِ، وَطَاعَةَ شَريعَةِ اللهِ. وَهُوَ مُتَعَدٍّ عَلى شَريعَةِ اللهِ. وَهُوَ مُنْتَهِكٌ لِشَريعَةِ اللهِ. وَهُوَ شَخْصٌ مَعْروفٌ بِمُخالَفَتِهِ شَريعَةَ اللهِ. وَهُوَ مُدانٌ وَمَحْكومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ قَدْ تَعَدَّى عَلى شَريعَةِ اللهِ. وَهُوَ سَيَموتُ مِيْتَةً عَادِلَةً. وَهُوَ يُقِرُّ بِذَلِك. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ قَوانينَ البَشَرِ تَعْكِسُ شَريعَةَ اللهِ، وَلا سِيَّما عِنْدَ بَني إسْرائيل. لِذَلِكَ فَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ إنْ كانَ هَذا هُوَ مَا فَعَلَهُ بِهِ البَشَرُ بِسَبَبِ مُخالَفَةِ شَريعَةِ اللهِ، مَا الَّذي سَيَفْعَلُهُ اللهُ بِي؟ وَفَجْأةً، تَذَكَّرَ كُلَّ مَا تَعَلَّمَهُ عَنِ الشَّريعَةِ وَالذَّنْبِ وَالخَطِيَّةِ وَالدَّيْنونَة. وَقَدْ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ مُتَعَدٍّ. فَقَدْ كَانَ ضَميرُهُ يُؤنِّبُهُ، بِسَبَبِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُس، وَيَجْعَلُهُ يُدْرِكُ أنَّ العِقابَ الَّذي نَالَهُ مِنَ القَاضي البَشَرِيِّ هُوَ مُجَرَّدُ عِيِّنَةٍ صَغيرَةٍ لِلْعِقابِ الَّذي سَيَنالُهُ مِنَ اللهِ الدَّيَّان. وَإنْ أَرَدْنا أنْ نُضِيْفَ ذَنْبًا آخَرَ إلى ذَنْبِهِ الَّذي جَعَلَهُ مُعَلَّقًا عَلى الصَّليبِ، يُمْكِنُنا أنْ نُضيفَ أنَّهُ كَانَ مُجَدِّفًا على المَسيح. وَهُوَ الآنَ يَعْرِفُ ذَلِكَ – الأمْرُ الَّذي جَعَلَهُ يَشْعُرُ بِمَزيدٍ مِنَ تَبْكيتِ الضَّمير. وَفي ضَوْءِ رُؤْيَتِهِ الوَاضِحَةِ تِلْكَ، لَمْ يُصَدِّقْ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِك – أيْ أنَّهُ قَالَ مَا قَالَ ليسوعَ. وَهُوَ لا يُصَدِّقْ أنَّ صَديقَهُ نَطَقَ تِلْكَ الكَلِماتِ أيْضًا. لِذَلِكَ فإنَّهُ يَقولُ لَهُ في العَدَد 40: "أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟" إنَّهُما مُتَشابِهان. اسْتَمِعْ إلَيَّ: نَحْنُ أَخَذْنا العِقابَ الَّذي نَسْتَحِقّ. ألا تَخافُ مِمَّا سَيَحْدُثُ عِنْدَما تَجِدُ نَفْسَكَ وَاقِفًا أَمامَ الله؟ وَكَما قَالَ يَسوعُ في إنْجيل لُوقا 12: 4 و 5: "لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ، وَبَعْدَ ذلِكَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يَفْعَلُونَ أَكْثَرَ. بَلْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ، لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ: مِنْ هذَا خَافُوا!" وَهَذا هُوَ مَا نَقْرَأُهُ في رُومية 3: 18 عَنْ تَعْريفِ الطَّبيعَةِ المُتَأصِّلَةِ السَّاقِطَةِ للإنْسانِ – أيْ طَبيعَتِهِ الخَاطِئَةِ. فنحنُ نَقرأُ "أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. ... لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا" ... إلخ .. إلخ. وَهَذا النَّصُّ مُقْتَبَسٌ مِنْ رُومية 3 وَالأعْداد 10-18. وَهُوَ يَنْتَهي بالعَدَد 18 الَّذي يَقول: "لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ". فَهَذِهِ هِيَ صِفَةُ الشَّخْصِ غَيْرِ المُتَجَدِّد. فَهُوَ لا يَخافُ اللهَ. وَهَذا هُوَ الرَّدُّ الشَّائِعُ للشَّخْصِ غَيْرِ المُتَجَدِّد: "لَقَدْ عِشْتُ حَياةً صَالِحَةً. لِذَلِكَ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ اللهَ سَيَأخُذُني إلى السَّماء". وَهَذِهِ هِيَ حَالُ اليَهودِ في رُومية 10 إذْ أنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا بِرَّ اللهِ. فالخَاطِئُ لا يَعيشُ في خَوْفِ اللهِ. لِذَلِكَ يَجِبُ أنْ يُدْرِكَ مَخافَةَ اللهِ مِنْ خِلالِ تَبْكيتِ الله. وَكانَ اللِّصُّ الثَّاني الَّذي مَا زَالَ يُجَدِّفُ عَلى يَسوعَ لا يَعْرِفُ مَخافَةَ اللهِ – كَغَيْرِهِ مِنَ الخُطاة! أمَّا الخَاطِئُ الَّذي اخْتَبَرَ الخَلاصَ فَقَدِ اخْتَبَرَهُ بِفِعْلِ قُوَّةِ رُوْحِ اللهِ وَصَارَ مُدْرِكًا جِدًّا لأهْوالِ الدَّيْنونَةِ الإلَهِيَّة. عِنْدَما نُشَارِكُ الإنْجيلَ مَعَ الخُطاةِ، يا أصْدقائي، لا يُمْكِنُنا أنْ نُخْفي هَذِهِ الحَقيقَة. فَالإنْجيلُ لا يَعْني أنْ نُخْبِرَ الآخَرينَ أنَّ يَسوعَ سَيَجْعَلُهُمْ سُعَداءَ، أوْ أنَّ يَسوعَ سَيُعْطِيهُمْ حَياةً أفْضَلَ، أوْ أنَّ يَسوعَ سَيُزيلُ كُلَّ أَلَمٍ وَيُحَقِّقُ لَهُمْ كُلَّ مَا يُريدونَ، وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ. فَرِسالَةُ الخَلاصِ تَقولُ إنَّكَ مُتَعَدٍّ عَلى شَريعَةِ اللهِ وَإنَّكَ تَسْتَحِقُّ العِقابَ الأبَدِيَّ تَحْتَ غَضَبِ اللهِ. لِذَلِكَ يَجْدُرُ بِكَ أنْ تَخافَ اللهَ. هَذِهِ هِيَ الرِّسَالَة. وَعِنْدَما تَرى اهْتِداءً حَقيقيًّا تَرى هَذا. وَهَذا يُذَكِّرُنا بِمَثَلِ الفَرِّيسيِّ وَالعَشَّار في لُوقا 18. فَقَدْ وَقَفَ العَشَّارُ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: "اللّهُمَّ ..." ماذا؟ "اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ". لا تُعامِلْني بِمُوازينِ العَدْلِ! لا تَحْكُمْ عَلَيَّ بالدَّيْنونَة!

إنَّ أوَّلَ شَيءٍ يَنْبَغي أنْ تَقومَ بِهِ عِنْدَما تُنادي بالإنْجيلِ، أيْ عِنْدَما تُشَارِكُ رِسَالَةَ الخَلاصِ مَعَ شَخْصٍ مَا، هُوَ أنْ تُخْبِرَهُ عَنْ دَيْنونَةِ اللهِ. فَعِنْدَما تَقولُ إنَّ شَخْصًا مَا مُخَلَّصٌ، مُخَلَّصٌ مِنْ مَاذا؟ مُخَلَّصٌ مِنَ اللهِ. مُخَلَّصٌ مِنْ غَضَبِ اللهِ. مُخَلَّصٌ مِنْ عَدَالَةِ اللهِ. مُخَلَّصٌ مِنْ دَيْنونَةِ اللهِ. مُخَلَّصٌ مِنَ الجَحيم. وَفَجْأةً، صَارَتِ الحَقيقَةُ وَاضِحَةً كُلَّ الوُضُوحِ في ذِهْنِهِ بِأنَّهُ سَيَقِفُ أَمامَ اللهِ بِوَصْفِهِ إنْسانًا خَاطِئًا، وَأنَّهُ لا يُمْكِنُ لأيِّ شَيْءٍ أنْ يُخَلِّصَهُ. وَهَذا هُوَ البُرْهانُ الأوَّلُ عَلى عَمَلِ الخَلاصِ في القَلْب. أمَّا البُرْهانُ الثَّاني فَهُوَ إدْراكُ الإنْسانِ بأنَّهُ خَاطِئ. فَهَذانِ الأمْرانِ يَسِيْرانِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ. فَخَوْفُ اللهِ يَكونُ مَصْحُوبًا بالشُّعورِ بالذَّنْبِ. العَدَد 41: "أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا". بِعِبارَةٍ أُخرى فَإنَّهُ يُقِرُّ بأنَّهُ تَعَدَّى عَلى شَريعَةِ الله. أنا أَعْرِفُ ذَلِك. وَهَذا تَقْييمٌ صَادِقٌ لِحَالَتِهِ. وَقَدْ كَانَتْ حَالَتُهُ تُشْبِهُ حَالَ الابْنِ الضَّالِّ الَّذي صَارَ يَعيشُ مَعَ الخَنازيرِ، وَيَشْتَهي أنْ يَأكُلَ مِنْ طَعامِها، وَأَوْشَكَ أنْ يَموتَ (وَفْقًا لِما وَرَدَ في المَثَلِ الَّذي قَالَهُ يَسوعُ في لوقا 15)، وَلَكِنَّهُ عَادَ إلى رُشْدِهِ. وَهُنا تَبْتَدِئُ التَّوْبَةُ الحَقيقيَّةُ – عِنْدَما تَعُودُ إلى رُشْدِكَ. فَهُوَ مُذْنِبٌ. وَقَدْ صَارَ مُدْرِكًا لِخَطيئَتِهِ. وَكَأنَّ لِسانَ حَالِهِ يَقول: "أنا خَاطَئ. أنا أَعْلَمُ أنِّي خَاطِئ. وَأنا أُعاقَبُ بالعِقابِ الَّذي أسْتَحِقُّهُ بِسَبَبِ أعْمالي". وَهَذا هُوَ مَوْقِفُ التَّائِبِ الحَقيقيّ. فَهُوَ يُدْرِكَ أنَّهُ في حَالِ تَطْبيقِ العَدالَةِ في حَياتِهِ، فَإنَّهُ سَيَحْصُلُ عَلى مَا حَصَلَ عَلَيْهِ تَمامًا. فَلا مَجالَ للأعْذار. وَهُوَ لا يَقولُ: "لَقَدْ ضَلَلْتُ الطَّريقَ" أو: "لَقَدْ كانَ هُناكَ أشْخاصٌ تَرَكُوا تَأثيرًا شِرِّيرًا في حَياتي" أوْ: "لَقَدْ تَعَرَّضْتُ للاعْتِداءِ وَأنا في الرَّابِعَةِ مِنْ عُمْري" أوْ أيَّ عُذْرٍ آخَر. بَلْ إنَّهُ يَقولُ لِلِّصِّ الثَّاني: "لَقَدْ نِلْنا العِقابَ الَّذي نَسْتَحِقُّهُ عَنْ أعْمالِنا". فَالعَدالَةُ تَعْمَلُ وَسَتَبْقى تَعْمَلُ - لا في عَالَمِ البَشَرِ فقَط (أيْ في عَالَمِ الإنْسان)، بَلْ إنَّها سَتَبْقى تَعْمَلُ في عَالَمِ اللهِ أيْضًا. وَالوَاقِعُ الرُّوحِيُّ يُبَيِّنُ أنَّهُ بالرَّغْمِ مِنَ نِظَامِ التَّعليمِ اليَهودِيِّ الَّذي يُعَلِّمُ أنَّ الخَلاصَ بالأعْمالِ، وَأنَّ الخَلاصَ بالجُهْدِ الشَّخْصِيِّ، وَأنَّ الخَلاصَ بالطُّقوسِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَإنَّ التَّائِبَ الحَقيقيَّ لا يَلْتَجِئُ إلى أيِّ شَيْءٍ، بَلْ يَعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ وَيُقِرُّ بِإفْلاسِهِ. فَهُوَ لا يَمْلِكُ أيَّ شَيْءٍ يُقَدِّمُه إلى الله، وَلا أيَّ شَيْءٍ يَمْتَدِحُ فيهِ نَفْسَهُ. وَهَذا أَشْبَهُ مَا يَكونُ بِحالِ الابْنِ الضَّالِّ الَّذي عَادَ بِرائِحَةٍ مُقَزِّزَةٍ وَحَالٍ يُرْثَى لَها. فَقَدْ كَانَ في حَاجَةٍ إلى الرَّحْمَة. وَكانَ في حَاجَةٍ إلى النِّعْمَةِ. و كانَ يَعْلَمُ ذَلِك. فَهُوَ خَاطِئٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِشَيْءٍ. وَهَذِهِ هِيَ البَراهينُ عَلى عَمَلِ اللهِ المُخَلِّص. فَقَدْ كَانَ اللِّصُّ يَحْتاجُ إلى الرَّحْمَةِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرَ الأمْرَ بِهَذا الوُضُوحِ مِنْ قَبْل. وَبالمُناسَبَة، فَإنَّ الخَطيَّةَ لا تَصيرُ وَاضِحَةً للخَاطِئِ إلَّا عِنْدَما يُدْرِكُ بِرَّ اللهِ. وَهَذا يُذَكِّرُنا بِإشَعْياءَ الَّذي قَالَ عِنْدَما أَدْرَكَ أنَّهُ يَقِفُ في حَضْرَةِ اللهِ القُدُّوس، القُدُّوس، القُدُّوس: "وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ". فَقَدْ أَدْرَكَ بِوُضوحٍ أكْبَر دَيْنونَةَ اللهِ الَّتي كَانَ يَسْتَحِقُّها، وَأَدْرَكَ بِوُضوحٍ أكْبَر ذَنْبَهُ العَظيم.

وَهُناكَ بُرْهانُ ثَالِثٌ عَلى عَمَلِ اللهِ في قَلْبِ ذَلِكَ اللِّصِّ التَّائِبِ، وَهُوَ أنَّهُ آمَنَ بالمَسيح. لَقَدْ آمَنَ بالمَسيح. وَقَدْ تَحَدَّثْنا عَنْ أَمْرَيْنِ يُبَرْهِنانِ عَلى حَقيقَةِ التَّوْبَةِ وَالاهْتِداءِ وَهُما: الخَوْفُ مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَالإيمانُ بالرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. وَهَذا هُوَ مَا نَراهُ هُنا. فَالأشياءُ الَّتي نَطَقَ بِها اللِّصُّ عَنِ المَسيحِ، بالرَّغْمِ مِنْ إيجازِها، مُدْهِشَةٌ حَقًّا. وَفي نِهايَةِ العَدَد 41، يَفْعَلُ اللِّصُّ التَّائِبُ مَا يَنْبَغي لِلخاطِئِ أنْ يَفْعَلَهُ. فَهُوَ يُوَضِّحُ الفَرْقَ الشَّاسِعَ بَيْنَ نَقْصِهِ وَكَمالِ المَسيح: "لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ". وَهُنا تَنْتَقِلُ القِصَّةُ مِنْ تَقْييمِ حَالَتِهِ إلى تَقْييمِ يَسوعَ المَسيح. وَهَذا مَا يَحْدُثُ عِنْدَ الاهْتِداءِ الحَقيقيِّ. وَهُوَ لا يَكْتَفي بالقَوْلِ أنَّ يَسوعَ لَيْسَ مُذْنِبًا بالجَريمَةِ الَّتي قَدْ صُلِبَ لأجْلِها، بَلْ يَقولُ شَيْئًا أَعْمَقَ مِنْ ذَلِك. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا خَاطِئًا. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنِّي لا أَعْلَمُ مَدى اطِّلاعِ (هَذا اللِّصِّ) عَلى كُلِّ المُحاولاتِ الَّتي جَرَتْ للعُثورِ عَلى جَريمَةٍ حَقيقيَّةٍ يُلْصِقُوها بالمَسيحِ وَيَصْلِبوهُ لأجْلِها، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا وَاحِدَةً. وَلا أدْري إنْ كَانَ قَدِ الْتَقى بالمَسيحِ يَوْمًا. وَلا أدْري مَا قَدْ سَمِعَهُ مِنَ النَّاسِ عَنْ كَمالاتِ يَسوعَ المَسيحِ. وَلَكِنَّ رَبَّنا خَدَمَ جَهَارًا نَحْوَ ثَلاثِ سِنينَ وَأَظْهَرَ كَمالَهُ المُطْلَقَ حَتَّى إنَّ أَحَدًا لَمْ يَجِدْ عِلَّةً وَاحِدَةً عَلَيْهِ. وَهَكَذا فَقَدْ أَعْطى رُوْحُ اللهِ هَذا اللِّصَّ فَهْمًا وَاضِحًا فَأدْرَكَ أنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى الصَّليبِ (بِوَصْفِهِ إنْسانًا خَاطِئًا يَسْتَحِقُّ الجَزاءَ) بِجانِبِ شَخْصٍ بَارٍّ يُعاقَبُ عَلى جَريمَةٍ لَمْ يَقْتَرِفْهَا. وَحينئذٍ، آمَنَ هَذا اللِّصُّ بِبِرِّ المَسيح.

ثُمَّ خَاطَبَهُ في العَدَد 42 قائِلًا: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ". مَا الَّذي يَطْلُبُهُ هُنا؟ كَلِمَة وَاحِدَة: الغُفْران. ألَيْسَ كَذَلِك؟ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَدْخُلَ إلى المَلَكوتِ يَوْمًا إنْ لَمْ تُغْفَرْ خَطاياه؟ وَهَلْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ العَهْدَ القَديمَ يَقولُ: "مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ؟" مِنَ المُرَجَّح! رُبَّما! وَهَلْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ اللهَ غَفورٌ بِطَبيعَتِهِ؟ إنْ كَانَ يَعْرِفُ أيَّ شَيْءٍ عَنِ العَهْدِ القَديمِ فَقَدْ كانَ يَعْرِفُ هَذِهِ الحَقيقَة. وَهَلْ كَانَ يَعْلَمُ مَا يَحْتاجُ إليه؟ أَجَل، فَهُوَ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ مَا يَمْتَدِحُ بِهِ نَفْسَهُ. فَقَدْ كَانَ في حَاجَةٍ إلى الغُفْران. وَلَكِنْ لِماذا خَطَرَ ذَلِكَ الأمْرُ بِبالِهِ؟ لأنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مُباشَرَةً، كانَ يَسوعُ قَدْ قَالَ للهِ الآبِ: "يا أَبَتاه، اغْفِرْ لَهُمْ". لِذَلِكَ، كانَ اللِّصُّ يَعْرِفُ مَا يَكْفي عَنِ اللهِ وَيَعْلَمُ أنَّ اللهَ إلَهٌ غَفورٌ. وَقَدْ تَيَقَّنَ الآنَ أنَّ يَسوعَ هُوَ مَسِيَّا الله، مَسيحُ اللهِ، المَلِكُ المَوْعودُ، المَسِيَّا المَوْعود. وَقَدْ سَمِعَهُ يَطْلُبُ مِنَ الآبِ الغُفْرانَ لأولئكَ الأشْخاصِ الَّذينَ كَانُوا يُجَدِّفونَ عَلَيْهِ. وَقَدْ كَانَ يُصَلِّي أنْ يَكونَ وَاحِدًا مِنْ أولئكَ الذينَ يَنالُونَ الغُفْران. هُوَ يَعْلَمُ حَاجَتَهُ. فَالأمْرُ بِرُمَّتِهِ يَخْتَصُّ بالغُفْرانِ مِنْ خِلالِ النِّعْمَةِ وَالرَّحْمَة.

وَيُمْكِنُكَ أنْ تَرى جَميعَ العَناصِرِ هُنا. فَعِنْدَما يَقومُ رُوْحُ اللهِ بِعَمَلِ الاهْتِداء، وَيُشْعِلُ النُّورَ، فَإنَّ أوَّلَ شَيءٍ يَكْشِفُهُ النُّورُ هُوَ غَضَبُ اللهِ. وَالشَّيءُ الثَّاني الَّذي يَكْشِفُهُ النُّورُ هُوَ الشُّعورُ بالذَّنْب. وَالشَّيءُ الثَّالِثُ الَّذي يَكْشِفُهُ النُّورُ هُوَ مَجْدُ المَسيحِ وَرَجاءُ الغُفْران. وَقَدْ كانَ هَذا هُوَ الشَّيءُ نُفْسُهُ الَّذي قَالَهُ العَشَّارُ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْني أنا الخَاطِئ! فَهُلْ هُناكَ غُفْرانٌ مَعَكَ؟ هَلْ هُناكَ غُفْرانٌ مَعَكَ؟" وَقَدْ بَدا وَاضِحًا لَهُ أنَّ صَلاةَ طَلَبِ الغُفْرانِ هَذِهِ كانَتْ مُذْهِلَةً لأنَّهُ كانَ يَطْلُبُ مِنْ أبيهِ أنْ يَغْفِرَ للأشخاصِ الَّذينَ كَانُوا يَقْتَرِفُونَ أسْوَأَ جَريمَةٍ اقْتُرِفَتْ في التَّاريخ. فَقَدْ كَانُوا يَقْتُلونَ ابْنَ اللهِ، وَكانُوا يَفْعَلونَ ذَلِكَ بِمَرَحٍ، وَسُخْرِيَةٍ، وُهُزْءٍ، وَتَهَكُّمٍ. لِذَلِكَ فَقَدِ اسْتَنْتَجَ أنَّهُ مَا دَامُ هُناكَ غُفْرانٌ، وَمَا دَامَتْ هُناكَ نِعْمَةٌ، وَما دَامَتْ هُناكَ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ لأُناسٍ يَفْعَلونَ ذَلِكَ، رُبَّما سَتَكونُ هُناكَ نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَيَكونُ هُناكَ غُفْرانٌ لي. رُبَّما سَأَحْصُلُ أنا أيْضًا عَلى ذَلِكَ الغُفْران.

ثُمَّ خَاطَبَ يَسوعَ - وَكَمْ أُحِبُّ ذَلِك! فَما مَعْنَى الكَلِمَة "يَسُوع"؟ الرَّبُّ يُخَلِّص! "فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مَتَّى 1: 21). يَسوع! لَقَدْ أقَرَّ بِأنَّ يَسوعَ بَارٌّ. وَقَدْ أَقَرَّ بأنَّ يَسوعَ هُوَ مَصْدَرُ الغُفْرانِ وَالنِّعْمَةِ وَالرَّحْمَة. وَقَدْ أقَرَّ بأنَّ يَسوعَ رَحيمٌ وَمُنْعِمٌ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمْسِكُ خَطايا هَؤلاءِ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، بَلْ كانَ يَرْغَبُ في أنْ يَنالُوا الغُفْران. وَقَدْ كانَ اللِّصُّ يَرى ذَلِكَ كُلَّهُ، عَلى مَا أَظُنُّ، بِوُضوحٍ لا يُمْنَحُ إلَّا مِنْ رُوْحِ اللهِ الَّذي رُبَّما اسْتَخْدَمَ خَلْفِيَّتَهُ، أوْ أَحاديثَهُ، أوْ أيَّ شَيءٍ آخَرَ في حَياتِهِ لِتَوْضيحِ هَذا الحَقِّ لَهُ - لأنَّهُ كَانَ في حَاجَةٍ إلى مَعْرِفَةِ الحَقيقَةِ عَنِ المَسيح. وَعِنْدَما نَطَقَ اسْمَ يَسُوع كانَ ذَلِكَ يَعْني الكَثير. فَقَدْ أَقَرَّ أنَّ يَسوعَ هُوَ المُخَلِّص. وَلَكِنْ كَيْفَ نَعْلَمُ ذَلِك؟ لأنَّهُ خِلافًا لِذَلِكَ، لِماذا يَطْلُب مِنْهُ أنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَما يَأتي في مَلَكوتِهِ – إلَّا إنْ كانَ يُؤمِنُ بأنَّهُ الشَّخْصُ القادِرُ أنْ يُخَلِّصَهُ؟ فَهُوَ لا يَقولُ لَهُ: "أيُّها السَّيِّد، هَلْ يُمْكِنُكَ أنْ تَجِدَ شَخْصًا يَسْتَطيعُ أنْ يُخَلِّصَني؟" وَهُوَ لا يَقُولُ: "هَلْ يُمْكِنُكَ أنْ تُجْري اتَّصالاتِكَ مَعَ الشَّخْصِ المَسؤولِ عَنْ تَخليصِ أُناسٍ مِثْلي؟" بَلْ يَقول: "يَسوع! خَلِّصْني". "اذْكُرْني". إنَّها لَيْسَتْ مُجَرَّدَ فِكْرَة. فَنَحْنُ نُفَكِّرُ في الكَلِمَة "اذْكُرْني" فَنَظُنُّ أنَّها شَيءٌ مُبْهَمٌ أوْ ضَبابِيٌّ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُشيرُ إلى شَيءٍ مِنْ هَذا القَبيل. بَل إلى مَا هُوَ أبْعَدُ وَأهَمُّ مِنْ ذَلِك. فَقَدْ كانَتْ طِلْبَتُهُ الْتماسًا مِنْ تَائِبٍ مَكْسُورٍ، وَمِنْ خَاطِئٍ يَشْعُرُ بِعَدَمِ اسْتِحقاقِ النِّعْمَةِ وَالغُفْران. وَما قَصَدَهُ حَقًّا هُنا هُوَ: خَلِّصْني مِنْ دَيْنونَةِ الله. خَلِّصْني مِنَ العِقابِ الَّذي أسْتَحِقُّهُ. اغْفِرْ لي. لَقَدْ صَلَّيْتَ تِلْكَ الصَّلاة. هَلْ يُمْكِنُني أنْ أَكونَ وَاحِدًا مِنْ أولئكَ الَّذين قُبِلَتْ صَلاتُكَ لأجْلِهِمْ؟

ثُمَّ – كَمْ أُحِبُّ ذَلِك! لَقَدْ كَانَ مَفْهومُهُ عَنِ المَسيحِ شَامِلًا لأنَّهُ يَقولُ: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ". إنَّهُ يَفْهَمُ الأُمورَ الأخيرَةَ المُخْتَصَّةَ بالعَهْدِ القَديم. وَلَكِنْ مَا الَّذي عَلَّمَهُ العَهْدُ القَديم؟ أنَّ المَسِيَّا سَيَأتي في نِهايَةِ الدَّهْرِ، بِمَجْدٍ، وَيُقيمُ مَمْلَكَتَهُ، أليسَ كَذَلِك؟ مُتَمِّمًا جَميعَ الوُعودِ الَّتي قَطَعَها لإبراهيم، وَجَميعَ الوُعودِ الَّتي قَطَعَها لِدَاوُد. وَمُتَمِّمًا جَميعَ الوُعودِ المَذْكُورَةِ في العَهْدِ القَديمِ وَالتي ذُكِرَتْ مِرارًا وَتَكْرارًا عَلى فَمِ الأنْبياءِ، بِما في ذَلِكَ العَهْدَ الجَديدَ المُخْتَصَّ بِخَلاصِ إسْرائيل، وَأنَّهُ سَيَتِمُّ تَأسيسُ مَلَكوتٍ عَلى الأرْضِ – وَهُوَ أمْرٌ مَذْكُورٌ وَمَوْصُوفٌ بالتَّفْصيلِ الدَّقيقِ في العَهْدِ القَديم. وَهُوَ مَلَكوت أرْضِيٌّ حَقيقيٌّ تَخْلُصُ فيهِ إسْرائيل، وَتَعُودُ فيها أُورُشَليمُ إلى مَكانَتِها الأولى، وَيَجْلِسُ فيهِ المَسِيَّا عَلى عَرْشِهِ في أُورُشَليمَ لِيَحْكُمَ العَالَمَ، وَيَكونُ فيهِ العَالَمُ مُمْتَلِئًا مَعْرِفَةً وَمُمْتَلِئًا سَلامًا، وَيَحْكُمُ فيهِ بِقَضيبٍ مِنْ حَديد، وَيَحْكُمُ بالبِرِّ وَالمَجْد. لَقَدْ كانَ اللِّصُّ يَمْتَلِكُ فَهْمًا عَنِ المَسِيَّا. وَقَدْ كَانَ يُدْرِكُ أنَّ المَسِيَّا سَيُؤسِّسُ مَمْلَكَةً. لِذَلِكَ فَقَدْ قَالَ: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ". وَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ قَدْ نَجا مِنَ الصَّلْبِ. لِذَلِكَ، كانَ اللِّصُّ يُؤمِنُ أيْضًا أنَّ يَسوعَ سَيَموتُ، وَأنَّهُ سَيَقومُ وَيُؤسِّسُ مَمْلَكَتَهُ. وَهَذا يَدُلُّ عَلى فَهْمٍ سَليمٍ لِلْمَسيح. فَقَدْ كانَ هَذا هُوَ مَا قَالَهُ تَمامًا. "اذْكُرْني مَتى جِئْتَ في مَلَكوتِكَ". فَقَدْ كانَ لِسانُ حَالِهِ يَقول: "هَذِهِ لَيْسَتْ نِهايَتُك". وَهَذا يُذَكِّرُنا بِقائِدِ المِئَة الَّذي قَالَ: "حَقًّا كَانَ هذَا ابْنَ اللهِ". فَقَدْ كَانَ مُتَيَقِّنًا.

وَقَدْ تَقولُ إنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ سُلْطانَ يَسوعَ عَلى المَوْت. رُبَّما – لأنَّ كُلَّ شَخْصٍ في البَلْدَة كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ أَقامَ لِعَازَرَ مِنَ المَوْتِ. وَيُخْبِرُنا مَتَّى (في مَتَّى 27) أنَّ اللِّصَّيْنِ كانا يُجَدِّفانِ عَلَيْهِ، وَأنَّ النَّاسَ الآخَرينَ كَانُوا يُشيرونَ إليهِ بِأنَّهُ قالَ إنَّهُ سَيَنْقُضُ الهَيْكَلَ وَيَبْنيهِ في ثَلاثَةِ أيَّامٍ. فَقَدْ كَانُوا يَسْخَرونَ مِنْهُ بِشَأنِ هَذا الادِّعاءِ بالقِيامَة. لِذَلِكَ فَقَدْ أَثارُوا قَضِيَّةَ القِيامَةِ عِنْدَ الصَّليب. وَقَدْ أَدْرَكَ اللِّصُّ تَمامًا مَنْ هُوَ المَسيح. فَهُوَ يُدْرِكُ أنَّهُ المَسِيَّا. وَهُوَ المَمْسُوحُ مِنَ اللهِ، وَالمَلِكُ المُخْتارُ لأنَّهُ سَيُؤسِّسُ المَلَكوت. وَهُوَ يُدْرِكُ أنَّ يَسوعَ بارٌّ. وَهُوَ يُدْرِكُ أنَّهُ المُخَلِّص. وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ سَيَموتُ وَيَقومُ ثَانِيَةً، وَأنَّهُ سَيَأتي في مَلَكوتِهِ وَأنَّهُ سَيَأتي بالقِدِّيسينَ الَّذينَ هُمْ لَهُ. وَهُوَ يُريدُ أنْ يَكونَ وَاحِدًا مِنْ هَؤلاء. وَهَذا طَلَبٌ مُخْتَصٌّ بالأُمورِ المُسْتَقْبَلِيَّة. وَفي العَهْدِ القَديمِ، كانَ اليَهودُ يَنْظُرونَ إلى مَوْتِهِمْ (إلى أنْ تَأتي نِهايَةُ الدَّهْرِ وَيَأتي مَجْدُ المَلَكوتِ) كَما لَوْ كَانَ انْتِظارًا مِنْ نَوْعٍ مَا. فَهُمْ لَمْ يَمْتَلِكُوا فَهْمًا كَامِلًا لِما سَيَحْدُثُ بَعْدَ المَوْتِ. وَقَدْ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ عَنِ الهَاوِيَةِ وَالقَبْرِ. وَلَعَلَّ فِكْرَتَهُ كانَتْ: يا رَبُّ، في المُسْتَقْبَلِ، في اليَوْمِ الأخيرِ، بَعْدَ أنْ تَموتَ وَتَقومَ ثَانِيَةً وَتُقيمَ قِدِّيسيكَ. وَرُبَّما كانَ يَعْرِفُ مَا جَاءَ في دَانيال 12 بأنَّ القِدِّيسينَ سَيَقومونَ وَيُمَجَّدونَ في المَلَكوت. عِنْدَما يَأتي ذَلِكَ اليَوْم، يا رَبُّ، هَلْ يُمْكِنُني أنْ أَكونَ في مَلَكوتِكَ؟ وَقَدْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُتَوَقِّفٌ عَلى النِّعْمَةِ. وَهُوَ أمْرٌ مُتَوَقِّفٌ عَلى الرَّحْمَةِ. أَلا تَعَطَّفْتَ عَلَيَّ وَأقَمْتَني وَجَعْلَتني جُزْءًا مِنْ مَلَكوتِكَ! إنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ مَجْدِ تِلْكَ المَمْلَكَةِ الَّتي سَيُقيمُها المَسيحُ في نِهايَةِ الدَّهْرِ حَيْثُ سَتَكونُ هُناكَ مَمْلَكَةٌ أبديَّةٌ وَسَماءٌ جَديدَةٌ وَأرْضٌ جَديدَةٌ يَحْكُمُهُما المَسيحُ إلى أبَدِ الآبِدين. فَأنا أُريدُ أنْ أَكونَ مَعَ القِدِّيسينَ في مَجْدِ المَلَكوت. وَأنا أَعْلَمُ أنِّي غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، وَلَكِنْ هَلْ تَذْكُرُني؟ وَهَلْ تَأتي بِي مَعَكَ مَتى جِئْتَ في مَلَكوتِكَ؟

كانَ الجَوابُ الَّذي قَدَّمَهُ يَسوعُ لَهُ مُدْهِشًا تَمامًا. فَقَدْ قَالَ لَهُ في العَدَد 43: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ" – الحَقَّ أَقولُ لَكَ؟ لِماذا يُضيفُ هَذِهِ العِبارَة "الحَقَّ أَقولُ لَك"؟ لأنَّ هَذا أمْرٌ يَصْعُبُ جِدًّا تَصْديقُه. أجَلْ، إنَّهُ أَمْرٌ صَعْبُ التَّصْديق! بَلْ إنَّهُ أَمْرٌ يَسْتَحيلُ تَصْديقُه. وَهَذِهِ صَفْعَةٌ أُخرى لِمَدارِكِ القَادَةِ الدِّينِيِّينَ. وَالأمْرُ يُشْبِهُ الأبَ الَّذي رَكَضَ لاسْتِقْبالِ الابْنِ الضَّالِّ، وَقَبَّلَهُ مَرَّاتٍ عَديدَةً، وَأَلْبَسَهُ ثَوْبًا وَجَعَلَ خَاتَمًا في يَدِهِ وحِذاءً في رِجْلَيْهِ، وَقَبِلَهُ ابْنًا كَما كَانَ دَائِمًا، وَأَعادَهُ إلى مَكانَتِهِ الأولى، وَاحْتَفَلَ بِهِ. إنَّها مُصَالَحَةٌ كَامِلَةٌ، وَبُنُوَّةٌ كَامِلَةٌ، وَغِنْىً كَامِلٌ، وَمَوارِدُ كَامِلَة. وَقَدْ كانَتْ تِلْكَ صَدْمَةٌ لأنَّكَ لا تَقْبَلُ خَاطِئًا وَضِيْعًا عَاشَ حَياتَهُ بِأسْرِها في الخَطِيَّةِ. فَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ هُنا عَنْ شَخْصٍ ضَالٍّ. فَقَدْ كَانَ اللِّصُّ المُعَلَّقُ على الصَّليبِ ضَالًّا. وَهَذا هُوَ مَصِيْرُ الشَّخْصِ الضَّالِّ في النِّهايَة. وَحَتَّى إنَّ النَّاسَ يُدْرِكونَ ذَلِك. وَقَدْ كانَ اللِّصُّ مَصْلُوبًا هُناكَ. وَكانَ مَا قَالَهُ يَسوعُ لَهُ عَجيبًا جِدًّا. فَقَدْ قَالَ لَهُ: "الحَقَّ أَقولُ لَكَ" – وَهُوَ يَقولُ ذَلِكَ لأنَّهُ أمْرٌ يَصْعُبُ جِدًّا تَصْديقُه. "إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْس". وَلَوْ أنَّ يَسوعَ كَانَ يَتَّفِقُ مَعَ مَنْ يُنادُونَ بِوُجودِ مَكانٍ للعَذابِ المُؤقَّتِ لَرُبَّما قالَ لَهُ: "حَسَنًا! إلى أنْ يَأتي المَلَكوتُ سَتَذْهَبُ إلى مَكانٍ تَتَعَذَّبُ فيها مُؤقَّتًا". وَلو أنَّهُ كانَ يَتْبَعُ النِّظامَ اليَهودِيَّ القائِمَ على الأعْمالِ لَقَالَ لَهُ: "أتَدْري مَاذا؟ أنا أُحِبُّ مَوْقِفَكَ، وَلَكِنِّكَ لا تَمْلِكُ الوَقْتَ لإصْلاحِ الأمْرِ. فَأنْتَ مُوْشِكٌ على المَوْتِ! وَلا يُوْجَدُ رَجاءٌ كَبيرٌ لَك". مَا هَذا؟ اليَوْم؟ اليَوْم؟ اليَوْمُ سَأُعِدُّ لَكَ مَكانًا في الفِرْدَوْس. فَلَنْ تَكونَ في الضَّواحي، ثُمَّ إنْ حَقَّقْتَ تَقَدُّمًا رُوْحِيًّا مَلْمُوسًا هُناكَ سَنَنْقِلُكَ إلى مَكانٍ قَريبٍ مِنَ المَدينَة. لا. "إنَّكَ اليَومَ تَكونُ ..." – مَا الكَلِمَة التَّالِيَة؟ "... مَعي".

وَهَلْ كانَ يَمْلِكُ الحَقَّ في أنْ يَكونَ مَعَ المَسيح؟ هَلْ هَذِهِ مُزْحَة؟ مَعي؟ اليوم! وَلَكِنْ مَا الَّذي فَعَلَهُ لِيَسْتَحِقَّ ذَلِك؟ لا شَيْء. فَهُوَ سَيَموتُ قَبْلَ أنْ تَتاحَ لَهُ الفُرْصَة لِفِعْلِ أيِّ شَيء. إنَّها النِّعْمَة، ألَيْسَ كَذَلِك؟ إنَّهُ الأبُ يُقَبِّلُ الابْن. إنَّها المُصَالَحَةٌ الكامِلَة وَالفَوْرِيَّة. اليَوْم! في الفِرْدَوْس – وَهِيَ كَلِمَةٌ مِنْ أصْلٍ فَارِسِيٍّ تَعْني "جَنَّة". وَهِيَ كَلِمَة مُرادِفَة للسَّماء. فَفي 2 كورِنثوس 12، يَقولُ بولُس في العَدَدِ الثَّاني إنَّهُ اخْتُطِفَ "إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَة". وَهُوَ يَقولُ في العَدَدِ الرَّابِعِ إنَّهُ اخْتُطِفَ "إلى الفِرْدَوْس". المَعْنى نَفْسُهُ. السَّماءُ الثَّالِثَة. السَّماءُ الأولى (وَهِيَ: سَماءُ الطُّيورِ)، وَالسَّماءُ الثَّانِيَةُ (وَهِيَ: سَماءُ الكَواكِبِ وَالنُّجومِ)، وَالسَّماءُ الثَّالِثَةُ (وَهِيَ: مَسْكَنُ اللهِ). وَهَذِهِ هِيَ الفِرْدَوْسُ. وَفي سِفْرِ الرُّؤيا 2: 7 يَقولُ يَسوع: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ". وَإذا نَظَرْتُمْ إلى رؤيا 21 و 22 سَتَجِدونَ أنَّ شَجَرَةَ الحَياةِ مَوْجودَة في الفِرْدَوْس. لِذَلِكَ فإنَّهُ لا يَقولُ شَيئًا آخَرَ سِوى إنَّكَ سَتَكونُ مَعي في الفِرْدَوْسَ اليوم. فَلَيْسَ هُناكَ مَكانُ انْتِظارٍ مُؤقَّتٍ. وَلَيْسَ هُناكَ مَكانٌ انْتِقالِيٌّ. نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ. نَنْتَقِلُ وَنَكونُ مَعَ المَسيح. وَإنْ لَمْ يَكُنْ مَا قَالَهُ يَسوعُ بُرْهَانًا سَاطِعًا عَلى النِّعْمَةِ، فَلا أَعْلَمُ مَاذا يَكون. فَنَحْنُ هُنا أَمامَ رَجُلٍ عَاشَ حَياةً لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْها شَيئًا سِوى الجَحيم. وَفي لَحْظَةٍ، تَدَخَّلَ اللهُ صَاحِبُ السِّيادَةِ وَأَعْطاهُ يَقينًا فيما يَخْتَصُّ بِنَفْسِهِ، وَبالمَسيحِ، وَبِقُدْرَةِ الرُّوحِ القُدُسِ عَلى إنْقاذِهِ مِنَ الدَّيْنونَةِ الإلَهِيَّةِ. وَفي اليَوْمَ نَفْسِهِ الْتَقى بِهِ في الفِرْدَوْس وَصَارَ في شَرِكَةٍ مَعَه! هَلْ لَكُمْ أنْ تَتَخَيَّلُوا مَدى اسْتِحالَةِ ذَلِكَ في نَظَرِ مَنْ يُؤمِنونَ بالنِّظامِ القائِمِ عَلى الأعْمالِ وَالبِرِّ الذَّاتِيِّ؟

وَهُناكَ أمْرٌ آخَرُ يُدْهِشُني أيْضًا. فَالأغْلَبِيَّةُ مِنَّا، في وَقْتٍ مَا مِنْ حَياتِنا المَسيحيَّةِ، تَساءَلْنا عَنْ حَقيقَةِ إيمانِنا المَسيحيِّ. أَلَيْسَ كَذَلِك؟ فَالمَرْءُ يَتَساءَلُ إنْ كَانَ مُخَلَّصًا حَقًّا. وَهُناكَ أُناسٌ يَجِدونَ صُعوبَةً في فَهْمِ هَذا الأمْرِ أكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ. ألا تَعْتَقدُ أنَّهُ مِنَ الرَّائِعِ أنْ يَظْهَرَ يَسوعُ لَكَ في يَوْمِ خَلاصِكَ وَأنْ يَقولَ لَك: "سَتَكونُ مَعي في الفِرْدَوْس". سَوْفَ يَكونُ ذَلِكَ رَائِعًا. إنَّها ضَمانَةٌ مِنْ نَوْعٍ مَا. يا للعَجَب! وَيا لَهُ مِنْ لُطْفٍ! وَيا لَها مِنْ رَاحَةٍ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذي كانَ آنَذاكَ مُتَأثِّرًا جِدًّا بِخَطيئَتِهِ وَيَجِدُ صُعوبَةً جَمَّةً في فَهْمِ مَا قَالَهُ يَسوعُ للتَّوِّ: إنَّكَ اليَوْمَ تَكونُ مَعي في الفِرْدَوْس". فَلا شَكَّ أنَّهُ كانَ مُحَطَّمًا بِسَبَبِ الوَاقِعِ المُرِّ لِحَياتِهِ الَّتي عَاشَها بِأسْرِها في الخَطِيَّةِ، وَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ شَيْءٌ يَسْتَنِدُ إليهِ أوْ يَتَمَسَّكُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ الرَّجاء. وَلِكَيْ يُبَدِّدَ يَسُوعُ أيَّ قَلَقٍ لَدَيْهِ، قَالَ لَهُ: إنَّكَ اليَوْمَ تَكونُ مَعي. مَعي. فالسَّماءُ لَيْسَتْ مَكانًا تَذهَبُ إليهِ لِتَرى يَسوعَ. بَلْ إنَّ السَّماءَ مَكانٌ تَكونُ فيهِ مَعَهُ. فَهُوَ سَيَجْعَلُ مَسْكَنَهُ مَعَكَ. وَقَدْ طَلَبَ اللِّصُّ التَّائِبُ مَكانًا في المَلَكوتِ المُسْتَقْبَلِيِّ فَأعْطاهُ المَسيحُ مَكانًا في حَضْرَتِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وَإلى أبَدِ الآبِدين. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الأمْرُ صَعْبَ التَّصْديق، ألَيْسَ كَذَلِك؟ فِرْدَوْسٌ فَوْرِيٌّ. فَقَدْ كانَ يُؤمِنُ بِمَلَكوتٍ أرْضِيٍّ، وَمَمْلَكَةٍ مَسيَّانِيَّةٍ. وَقَدْ آمَنَ بِأنَّ المَلَكوتَ سَيَكونُ مَوْطِنًا للقِدِّيسينَ وَأنَّ المَسِيَّا سَيَكونُ المَلِك. وَقَدْ آمَنَ أنَّ يَسوعَ هُوَ المَسِيَّا، وَأنَّ يَسوعَ هُوَ المُخَلِّص، وَأنَّ يَسوعَ هُوَ البَارّ، وَأنَّ يَسوعَ هُوَ الَّذي يُقَدِّمُ الغُفْرانَ. لقَدْ طَلَبَ ذَلِكَ الغُفْرانَ وَحَصَلَ عَلَيْه.

لِذَلِكَ فَقَدْ كانَ السَّاخِرونَ مُخْطِئين. فَيَسوعُ قَادِرٌ أنْ يُخَلِّص. وَلَكِنَّ الطَّريقَةَ الوَحيدَةَ الَّتي يَسْتَطيعُ بِها أنْ يُخَلِّصَ الخُطاةَ تَقْتَضي مِنْهُ أنْ لا يُخَلِّصَ نَفْسَهُ. وَهَلْ فَهِمَ اللِّصُّ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ أنَّ يَسوعَ كانَ مُعَلَّقًا حَقًّا عَلى ذَلِكَ الصَّليبِ وَهُوَ بَريء؟ أَجَل. وهَلْ كَانَ يُدْرِكُ أنَّ يَسوعَ كَانَ يَحْمِلُ إثْمَهُ؟ لا أَعْلَم! وَلَكِنْ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ العَشَّارَ المَذْكورَ في لوقا 18، وَالَّذي كانَ يَقْرَعُ عَلى صَدْرِهِ قائِلًا "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ الصَّليب. فَقَبْلَ الصَّلْبِ وَالقيامَة، نَجِدُ هُنا مَثَلًا جَيِّدًا عَلى الاهْتِداءِ في العَهْدِ القَديم. وَلَكِنْ بِمَعْزِلٍ عَنِ الاهْتِداءِ في العَهْدِ القَديمِ، صَارَ الخَلاصُ يَعْني: تَعالَ إلى المَسيح. وَقَدْ آمَنَ اللِّصُّ بالمَسيحِ بالطَّريقَةِ الَّتي تَمَكَّنَ مِنْ مَعْرِفَتِها آنَذاك وَالمُخْتَصَّةِ بِحَقيقَةِ المَسيح. لِذَلِكَ فَقَدْ كانَ الهَازِئونَ عَلى خَطَأ. فَهُوَ قَادِرٌ أنْ يُخَلِّص. وَلَكِنْ لِكَيْ يُخَلِّصَ الآخَرينَ، يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُضَحِّي بِحَياتِهِ. إنَّها قِصَّةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ. وَهِيَ قِصَّتُنا جَميعًا. فَنَحْنُ جَميعُنا أُنْقِذْنا بِنِعْمَةِ اللهِ المُخَلِّصَةِ، وَأُعْطينا نُوْرًا في وَسَطِ الظَّلامِ، وَحَياةً بَدلًا مِنَ المَوْتِ حِيْنَ أدْرَكْنا غَضَبَ اللهِ وَفَهِمْنا وَاقِعَ الخَطِيَّةِ وَحَقيقَةَ المَسيحِ، وَحِيْنَ طَلَبْنا النِّعْمَةَ وَالغُفْران. وَاللهُ مُتَشَوِّقٌ حَالَما تَسْألُهُ، إنَّهُ مُتَشَوِّقٌ أنْ يَقولَ لَكَ: "اليَوْم". فَإنْ كُنْتَ سَتَموتُ اليَوْمَ، سَتَكونُ مَعي. وَيَظُنُ كَثيرونَ أنَّهُ عِنْدَما مَاتَ يَسوعُ فَإنَّهُ ذهَبَ إلى الجَحيمِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ. لا، بَلْ إنَّهُ ذَهَبَ وَأَعْلَنَ نُصْرَتَهُ. وَلَكِنَّهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ نَفْسِهِ كانَ مَعَ ذَلِكَ اللِّصِّ في الفِرْدَوْس. فَيا لَها مِنْ نِعْمَة! وَهِيَ النِّعْمَةُ المُتاحَةُ لِكُلِّ شَخْصٍ يَطْلُبُ الغُفْران.

نَشْكُرُكُ، يا أبانا، مِنْ جَديد عَلى وُضُوحِ الكِتابِ المُقَدَّس. وَنَشْكُركُ عَلى غِناه الَّذي هُوَ بَرَكَة عَظيمَة لِحَياتِنا، يا رَبّ. فَماذا عَسَانا أنْ نَقول؟ فَالكَلِماتُ تَعْجَزُ عَنِ التَّعْبيرِ عَنْ شُكْرِنا. وَالأبَدِيَّةُ كُلُّها لا تَكْفي للتَّعْبيرِ عَنْ شُكْرِ قُلوبِنا لأنَّكَ انْتَشَلْتَنا مِنَ الظَّلامِ، وَأنْقَذْتَنا مِنَ المَوْتِ، وَأعْطَيْتَنا حَياةً بِقُدْرَتِكَ وَسُلْطانِكَ. وَهَذا أَمْرٌ مُدْهِشٌ حَقًّا! وَمِنَ الوَاضِحِ جِدًّا أنَّ الخَلاصَ هُوَ بالنِّعْمَةِ بالإيمان، لا بالأعْمال. وَهَذا أمْرٌ يُمَجِّدُ اسْمَكَ. وَهُوَ يُظْهِرُ مَجْدَكَ وَمَحَبَّتَكَ وَعَطْفَكَ وَرَحْمَتَكَ وَنِعْمَتَكَ بِطُرُقٍ عَجيبَةٍ. وَنَحْنُ جَميعُنا نُشْبِهُ اللِّصَّ التَّائِبَ. فَنَحْنُ جَميعًا تَحْتَ غَضَبِ اللهِ. وَقَد أُنْقِذْنَا مِنْ نَفْسِ الإلَهِ الَّذي كَانَ يُمْكِنُ أنْ يُهْلِكَنا لَوْ لَمْ يُخَلِّصْنا. فَيا لَها مِنْ رَحْمَةٍ عَظيمَةٍ وَعَجيبَةٍ! لِذَلِكَ فإنَّنا نَشْكُرُكَ لأنَّنا نَسْتَطيعُ أنْ نَحْصُلَ عَلى الغُفْرانِ إذْ إنَّ المَسيحَ دَفَعَ أُجْرَةَ خَطايانا عَنَّا. وَنَشْكُرُكَ، يَا أَبَانا، مَرَّةً أُخرى لأنَّكَ فَتَحْتَ قُلوبَنا لِنَعْرِفَ الحَقَّ. وَنَشْكُرُكَ عَلى بَرَكَةِ العِبادَةِ وَالشَّرِكَة في هذا الصَّباح. وَنَشْكُرُكَ عَلى الفَرَحِ النَّابِعِ مِنَ التَّرْنيمِ وَالتَّسْبيحِ، وَمِنْ وُجودِنا مَعَ مَنْ يُحِبُّونَكَ وَنُحِبُّهُم. وَنَشْكُرُكَ مِنْ أجْلِ أصْدقائِنا الَّذينَ جَاءُوا لِيَكونُوا مَعَنا اليوم. وَنَسْألُكَ، يا رَبّ، أنْ تَسْكُبَ الحَقَّ في أعْماقِ قُلوبِنا لِكَيْ نَعْرِفَكَ، وَنَبْتَهِجَ بِمَعْرِفَتِكَ وَبتَقْديرِ خَلاصِكَ العَظيم. أعْطِنا نِعْمَةً كَيْ نَجْتَمِعَ مِنْ جَديد في مَساء هَذا اليوم بِشَوْقٍ عَظيمٍ لِفَتْحِ كَلِمَتَكَ وَعِبادَتِكَ ثَانِيَةً. نَشْكُرُكَ باسْمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

< !--Study Guide -->

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize