Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفْتَح كَلِمَةَ اللهِ عَلى الأصْحاحِ الثَّالِثِ وَالعِشرينَ مِنْ إنْجيلِ لُوقا؛ لوقا - الأصْحاح 23. في دِراسَتِنا لِهذا الإنْجيلِ الرَّائِعِ، نَصِلُ الآنَ إلى القِصَّةِ الموجَزَةِ جِدًّا المُخْتَصَّةِ بالمَوْتِ الحَقيقيِّ لِيَسوعَ المَسيح. وَهِيَ مَوْجودَة في الأعْدادِ مِنْ 44 إلى 46 إذْ نَقْرَأ: "وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ، وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ مِنْ وَسْطِهِ. ... وَصَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي». وَلَمَّا قَالَ هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ". حَتَّى الآنْ في قِصَّةِ صَلْبِ يَسوعَ المَسيحِ، قَدْ تَظُنُّونَ أنَّهُ مُجَرَّدُ ضَحِيَّةٍ للظُّلْمِ البَشَرِيِّ وَالوَحْشِيَّةِ البَشَرِيَّة. وَفي سُخْرِيَةِ المُحاكَماتِ المُتَتالِيَةِ أَمامَ اليَهودِ وَالرُّومانِ الَّذِينَ وَقَفَ أَمامَهُمْ، نَجِدُ إعْلانًا مُتَكَرِّرًا عَنْ بَراءَتِهِ. وَبالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بالمَوْت. وَيَنْبَغي أنْ تُصَنَّفَ هَذِهِ المُحاكَماتُ بأنَّها وَاحِدَة مِنْ أكْثَرِ الأعْمالِ ظُلْمًا مَارَسَتْها أيُّ مَحْكَمَةٍ بِحَقِّ أيِّ شَخْصٍ في التَّاريخ. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ فَإنَّها أكْثَرُ عَمَلٍ ظَالِمٍ قَامَ بِهِ الإنْسانُ لأنَّ المَسيحَ كَانَ خَالِيًا تَمامًا مِنْ أيِّ خَطِيَّة.

إنَّ مَا حَدَثَ هُوَ أَسْوَأُ شَيءٍ يُمْكِنُ للبَشَرِ أنْ يَفْعَلوه. وَهُوَ أسْوَأُ شَيْءٍ فَعَلَهُ النَّاسُ. فالظُّلْمُ فَظيعٌ، وَقَدْ أَعْقَبَتْهُ قَسْوَةٌ شِرِّيرَةٌ بالقَدْرِ نَفْسِه. فَقَدْ جَعَلُوا يَسوعَ مَهْزَلَتَهُمْ، وَسَخِرُوا مِنْ فِكْرَةِ أنْ يَكونَ مَلِكًا مِنْ أيِّ نَوْعٍ. وَقَدْ غَرَزَ الجُنودُ الرُّومانُ، الَّذِينَ سَارُوا عَلى نَهْجِ القادَةِ الدِّينِيِّينَ اليَهود، غَرَزُوا إكْليلًا مِنْ شَوْكٍ في رَأسِهِ – في مُحاكَاةٍ سَاخِرَةٍ للتَّاجِ المُلوكِيِّ. وَقَدْ ألْبَسُوهُ رِداءً قِرْمِزِيًّا، وَوَضَعُوا صَوْلَجانًا زَائِفًا في يَدِهِ، وَكَانُوا يَجْثُوْنَ قُدَّامَهُ (عَلى غِرارِ مَا يُفْعَلُ أَمامَ المُلوكِ) لِمُجَرَّدِ السُّخْرِيَةِ مِنْهُ. وَعِنْدَما أَخَذُوهُ أخيرًا لِيَصْلِبُوهُ، صَلَبُوا لِصًّا عَنْ جَانِبِهِ، وَلِصًّا آخَرَ عَنْ جَانِبِهِ الآخَر لِيُحَاكُوا بِطَريقَةٍ سَاخِرَةٍ أيْضًا مَشْهَدَ مَلِكٍ يَقِفُ مَعَ مُسْتَشَارَيْهِ البَارِزَيْنِ – وَاحِدًا عَنْ يَمينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. ثُمَّ ابْتَدَأُوا يُجِدِّفُونَ عَلَيْهِ. وَقَدْ فَعَلَ القَادَةُ ذَلِك، وَالشَّعْبُ، وَاللِّصَّانِ المَصْلُوبانِ مَعَهُ، وَالجُنودُ أيْضًا إذْ إنَّهُمْ اسْتَهْزَأوا بِهِ وبالكِتابَةِ الَّتي تَقولُ إنَّهُ مَلِك. وَقَدْ أَسْمَيْنا ذَلِكَ "المَهْزَلَةُ في الجُلْجُثَة". فَقَدْ قَصَدُوا أنْ يَكونَ مَا يَحْدُثُ تَقْليدًا هَزَلِيًّا وَاسْتِعْراضًا سَاخِرًا. وَقَدْ قَصَدُوا أنْ يَكونَ ذَلِكَ سُخْرِيَةً بِأحَطِّ طَريقَةٍ مُمْكِنَةٍ. وَلَكِنَّ شَيْئا درامِيًّا حَدَثَ في ذِرْوَةِ المَسْرَحِيَّةِ الكُوميديَّة فَجَعَلَ الأمْرَ جَادًّا. وَمَعَ أنَّ رُؤَساءَ اليَهودِ الَّذينَ كَانُوا يُشْرِفُونَ عَلى كُلِّ مَا يَجْري عَلى خَشَبَةِ المَسْرَحِ، سُلِّطَتِ الأضْواءُ عَلى شَخْصٍ آخَرَ عَلى المَسْرَح. وَفَجْأةً، صَمَتَ المَشْهَدُ الكُوميديُّ وابْتَدَأ مَشْهَدٌ جَادٌّ. أمَّا الأشْخاصُ الَّذينَ كَانُوا يُمَثِّلونَ الأدْوارَ الرَّئيسيَّةَ في المَسْرَحِيَّةِ الكُوميديَّةِ فاخْتَفُوا لِيُطِلَّ شَخْصٌ عَظيمٌ وَيَحْتَلَّ خَشَبَةَ المَسْرَح. إنَّهُ اللهُ نَفْسُه!

فَقَدْ ظَهَرَ اللهُ في ذَلِكِ اليَوْمِ في الجُلْجُثَة وَقَلَبَ المَسْرَحِيَّةَ الكُوميديَّةَ إلى مَسْرَحِيَّةٍ جَادَّة. كُلُّنا نَفْهَمُ مَوْتَ المَسيح. وَكُلُّنا نُدْرِكُ أنَّ المَسيحَ مَاتَ عَنْ خَطايانا. وَكُلُّ مَسيحيٍّ حَقيقيٍّ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيُؤمِنُ بِذَلِك. وَلَكِنَّنا نَميلُ إلى النَّظَرِ إلى صَليبِ المَسيحِ إمَّا بِأبْعادِهِ الجَسَدِيَّةِ (الَّتي ذَكَّرْتُكُمْ قَبْلَ أسَابيعَ مَضَتْ بِأنَّها كَانَتْ مُماثِلَةً تَقريبًا في حَالَةِ اللِّصَّيْنِ وَفي حَالَةِ يَسوع) وَلَكِنَّنا قَدْ نَنْهَمِكُ في المُعاناةِ الجَسَدِيَّة أوْ قَدْ نَنْظُرُ إليهِ بِأنَّهُ تَعْبيرٌ عَنْ هَذِهِ المَحَبَّةِ المُضَحِّيَةِ العَظيمَةِ مِنْ جَانِبِ المَسيحِ. وَهَذا حَقٌّ. "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ". فَهَذا هُوَ مَا قَالَهُ يَسوع. وَمَعَ أنَّهُ كانَتْ هُناكَ آلامٌ جَسَدِيَّةٌ يَنْبَغي لَنا أنْ نَفْهَمَها، وَأنَّهُ تُوْجَدُ مَحَبَّةٌ يَنْبَغي أنْ نَسْتَوْعِبَها وَأنْ نُرَكِّزَ عَلَيْها، فَإنَّ هُناكَ عُنْصُرًا في الجُلْجُثَة لَهُ أَهِمِيَّةٌ كَبيرَةٌ في إعْلانِ العَهْدِ الجَديدِ، وَلَكِنَّنا نُهْمِلُهُ في أغْلَبِ الأحْيانِ، وَهُوَ: حُضُورُ الله. فالجُلْجُثَةُ تُخْبِرُنا عَنْ غَضَبِ اللهِ أكْثَرَ مِمَّا تُخْبِرُنا عَنْ أيِّ شَيْءٍ آخَر. أجَلْ، فَنَحْنُ نَرى القَسْوَةَ البَشَرِيَّةَ وَالظُّلْمَ في أَبْشَعِ صُوَرِهِما. وَأجَل أيْضًا، فَالجُلْجُثَة تُعَبِّرُ عَنِ المَحَبَّةِ المُضَحِّيَةِ في أرْوَعِ أشْكالِها. وَلَكِنَّ مَا يَفوقُ ذَلِكَ أَهَمِيَّةً هُوَ أنَّ مَا حَدَثَ في الجُلْجُثَة يَحْمِلُ مَغْزًى لَكَ وَمَغْزًى لي بِسَبَبِ مَا فَعَلَهُ اللهُ هُناك.

فَعِنْدَما ظَهَرَ اللهُ في الجُلْجُثَة، صَارَتِ الجُلْجُثَةُ حَدَثًا مُخَلِّصًا. صَحيحٌ أنَّ يَسوعَ كَانَ ضَحِيَّةً للظُّلْمِ البَشَرِيِّ. وَصَحيحٌ أنَّ يَسوعَ عَانَى آلامًا رَهيبَةً وَمُريعَةً. وَصَحيحٌ أنَّ يَسوعَ ضَحَّى بِحَياتِهِ طَوْعًا لأنَّهُ يُحِبُّنا. فَهَذِهِ الأُمورُ صَحيحَة. وَلَكِنْ يَجِبُ عَلينا أنْ نُفَكِّرَ بِعُمْقٍ أكْبَر. وَيَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَخْرُجَ مِنَ الجَانِبِ الضَّحْلِ مِنَ بِرْكَةِ السِّباحَةِ (إنْ شِئْتُمْ) وَأنْ نَدْخُلَ إلى الأعْماق. وَيُمْكِنُكْم أنْ تَفْعَلوا ذَلِكَ إنِ ابْتَدَأتُمْ في رُؤيَةِ اللهِ في الجُلْجُثَة. فَقَدْ صُلِبَ يَسوعُ في السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَباحَ يَوْمِ الجُمْعَةِ في أُسْبوعِ الفِصْح. وَفي السَّاعاتِ الثَّلاثِ الأولى، كانَ الشَّعْبُ، وَالقَادَةُ، وَالجُنودُ، وَحَتَّى اللِّصَّانِ، يُهَيْمِنونَ عَلى المَشْهَد. تَجْديفٌ، وَسُخْرِيَةٌ، وَهُزْءٌ، وَتَهَكُّمٌ، وَإسَاءَةٌ، ومَسْخَرَةٌ. وَلَكِنَّ شَخْصًا وَاحِدًا كانَ الاسْتِثْناءَ لِهَذِهِ القَاعِدَةِ في تِلْكَ السَّاعاتِ الثَّلاثِ الأولى – وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ اللِّصَّيْنِ الَّذي وَهَبَهُ اللهُ حَياةً وَنُوْرًا فَرَأى الحَقيقَةَ وَنَالَ خَلاصًا عَجيبًا وَهُوَ مُعَلَّقٌ عَلى الصَّليبِ بِجانِبِ يَسوع. أمَّا البَقِيَّةُ فَارْتَضُوا أنْ يَسْتَمِرُّوا في سُخْرِيَتِهِمْ إلى أبْعَدِ حَدٍّ مُمْكِنٍ. ولَكِنَّ المَسْرَحِيَّةَ الكُوميديَّةَ انْتَهَتْ عِنْدَ الظُّهْرِ. فَقَدْ حَظَوْا بِثَلاثِ سَاعاتٍ ثُمَّ انْتَهَى العَرْضُ. وَعِنْدَما انْتَهى العَرْضُ كانَتِ النِّهايَةُ حَاسِمَةً. فَقَدْ هَيْمَنَ اللهُ عَلى المَشْهَد. لَقَدْ كانَ المَسْرَحُ مَسْرَحَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُ صَارَ الآنَ مَسْرَحَ اللهِ. وَقَدْ كانُوا هُمُ المُمَثِّلونَ عَلى المَسْرَحِ، وَلَكِنَّ اللهَ صَارَ هُوَ الشَّخْصِيَّةَ الرَّئيسيَّة. إنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ بَسيطَةٌ جِدًّا وَلا تَحْتاجُ إلى مُخَطَّطٍ تَحْليليٍّ. فَهِيَ مُمْعِنَةٌ في البَساطَةِ. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنّكُمْ لا تَعْتَقِدونَ أنَّها تَصْلُحُ كَعِظَة لأنَّ الأمْرَ سَيَبْدو وَكَأنَّهُ إفْراطٌ في التَّحْليل. فالبُنْيَةُ وَاضِحَةٌ، وَالنَّصُّ لا يَسْمَحُ للمَرْءِ أنْ يَلْتَجِئَ إلى أيِّ أسَاليبٍ إبْداعِيَّةٍ لأنَّها قَدْ تُفْسِدُ بَساطَتَهُ وَرَوْعَتَهُ. لِذَلِكَ، سَنَكْتَفي بالتَّأمُّلِ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ وَمَعْرِفَةِ مَا تَقولُهُ لَنا.

العَدَد 44: "وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ". وَالمَقْصُودُ بذَلِكَ: 12 ظُهْرًا - الثَّانِيَة عَشْرَة ظُهْرًا. فَقَدْ كانَ اليَوْمُ اليَهودِيُّ يَبْتَدِئُ في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ صَباحًا. وَيَنْبَغي لَكُمْ أنْ تَتَذَكَّرُوا أنَّهُمْ لَمْ يَكونُوا يَمْلِكونَ سَاعاتٍ. لِذَلِكَ فَإنَّهُمْ لا يَذْكُرونَ الوَقْتَ بالسَّاعاتِ وَالدَّقائِقِ وَالثَّواني. فاليَوْمُ اليَهودِيُّ كانَ يَبْتَدِئُ في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ صَباحًا. وكانَتِ السَّاعَةُ تَتَفاوَتُ في الطُّولِ باخْتِلافِ المَواسِمِ خِلالَ السَّنَة. وَلَكِنَّ السَّاعَةَ السَّادِسَةَ كانَتْ تُشيرُ دَائِمًا إلى مُنْتَصَفِ النَّهارِ حَيْثُ تَكونُ الشَّمْسُ في أَوْجِها. وَهَذِهِ حَقيقَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا. فَقَدْ كَانَ الفَصْلُ رَبيعًا في أرْضِ إسْرائيل. وَكانَ الوَقْتُ ظُهْرًا. فالشَّمْسُ سَاطِعَة، وَالطَّقْسُ جَافٌّ وَناشِفٌ وَحَارٌّ، بَل إنَّهُ حَارٌّ جِدًّا حَتَّى إنَّ المَرْءَ لا يَسْتَطيعُ أنْ يَنْظُرَ إلى السَّماءِ – فَكَمْ بالحَرِيِّ إلى الشَّمْسِ! مُنْتَصَفُ النَّهارِ. أرْجُو أنْ تَفْتَحُوا عَلى يُوحَنَّا 19 لأنِّي أَرْغَبُ في تَوْضِيْحِ نُقْطَةٍ لَكُمْ. فَيُوحَنَّا دَوَّنَ (عَلى غِرارِ مَتَّى وَمَرْقُسْ وَلُوقا) الأحْداثَ التَّاريخيَّةَ لِمَوْتِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح؛ وَهِيَ أحْداثٌ تَتَّفِقُ تَمامًا مَعَ البَشيرينَ الآخَرين. وَلَكِنْ هُناكَ مُلاحَظَةٌ جَديرَةٌ بالذِّكْرِ في يُوحَنَّا 19 والعَدَد 14. فَقَدْ كَانَ يَسوعُ مَاثِلًا أَمامَ بيلاطُس. ثُمَّ نَقْرَأُ في العَدَد 14 أنَّهُ "كَانَ اسْتِعْدادُ الفِصْحِ". لَقَدْ كَانَ يَسوعُ وَاقِفًا أَمامَ كُرْسِيِّ القَضاءِ، كَما جَاءَ في العَدَد 13، في مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ "البَلاطُ"، وَبالعِبْرانِيَّةِ "جَبَّاثَا". وَهُوَ أَمامَ بيلاطُس. وَنَقْرَأُ هُنا: "وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ". وَقَدْ قَرَأنا للتَّوِّ في لُوقا 23: "وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ" مَعَ أنَّ يَسوعَ كَانَ مُسَمَّرًا عَلى الصَّليبِ مُنْذُ ثَلاثِ سَاعَات. أيْ أنَّها كانَتِ السَّاعَةُ التَّاسِعَة صَباحًا بالتَّوْقيتِ اليَهودِيِّ. وَلَكِنْ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ تَكونَ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ أيْضًا عِنْدَما كَانَ يَسوعُ مَاثِلًا أمَامَ بيلاطُس؟ الجَوابُ بَسيطٌ. فَعِنْدَما تَكونُ في قَاعَةِ مُحاكَمِةِ بيلاطُس، وَتَحْتَ سُلْطانِ بيلاطُس، يُحْسَبُ الوَقْتُ بالتَّوْقيتِ الرُّومانِيِّ. وَقَدْ كانَ التَّوْقيتُ الرُّومانِيُّ يَبْتَدِئُ مِنْ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ.

كَانَتِ السَّاعَةُ هِيَ السَّادِسَة صَباحًا عِنْدَما وَقَفَ يَسوعُ أمامَ بيلاطُس. ومَعَ أنَّ بيلاُطُسَ كَانَ يَعْلَمُ أنَّ يَسوعَ بَريءٌ، فَقَدْ قَرَّرَ أخيرًا، تَحْتَ ضَغْطِ الشَّعْبِ وَصُراخِهِمِ المُرْعِب، أنْ يَحْكُمَ عَلى يَسوعَ بالصَّلْب. لِذَلِكَ فَإنَّ يُوْحَنَّا يَذْكُرُ بِبَساطَةٍ أنَّ السَّاعَةَ كَانَتِ السَّادِسَة صَباحًا وَفْقًا للتَّوقيتِ الرُّومانِيِّ. فَقَدْ كَانَ يَسوعُ مَا يَزالُ أمامَ بيلاطُس. وَبَعْدَ ثَلاثِ سَاعَاتٍ، أيْ في التَّاسِعَةِ صَباحًا، تَمَّ صَلْبُه. وَبَعْدَ ثَلاثِ سَاعَاتٍ مِنْ ذَلِكَ، انْتَهَتِ المَسْرَحِيَّةُ الكُوميديَّة. وَفي تِلْكَ السَّاعاتِ الثَّلاثِ الَّتي كَانَ يَسوعُ فيها مُسَمَّرًا عَلى الصَّليب (كَما جَاءَ في لُوقا 23)، في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذي كَانَ الرَّبُّ يَسوعُ فيهِ مُعَلَّقًا عَلى الصَّليبِ، تَكَلَّمَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَقَدْ قَالَ في المَرَّةِ الأولى: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ". وَفي المَرَّةِ الثَّانِيَةَ نَظَرَ إلى أُمِّهِ وَيُوحَنَّا، الرَّسولِ المَحْبوب، وَقال: "هُوَذَا ابْنُكِ ... هُوَذَا أُمُّكَ". فَقَدْ عَهِدَ بِرِعايَةِ أُمِّهِ إلى يُوحَنَّا. وَالشَّيءُ الثَّالِثُ الَّذي قالَهُ كَانَ مُوَجَّهًا إلى اللِّصِّ المُعَلَّقِ عَلى الصَّليبِ بِجانِبِهِ: "إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ". إنَّها ثَلاثُ سَاعَاتٍ نَطَقَ فيها يَسوعُ بِثَلاثِ جُمَلٍ فَقَط. وَمَعَ أنَّ الأصْواتَ العَالِيَةَ كانَتْ تَمْلأُ المَكانَ كُلَّهُ، فَإنَّ الكَلامَ كُلَّهُ كَانَ سُخْرِيَةً وَاسْتِهْزاءً وَتَهَكُّمًا وَإسَاءَةً مِنْ قِبَلِ الجُموعِ في وَجْهِ يَسوعَ المَصْلوب. وَلَكِنْ في وَقْتِ الظُّهْرِ، نَقْرَأُ: "فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ". وَحَرْفِيًّا: لَقَدْ غَابَتِ الشَّمْسُ وَاخْتَفَت.

كانَ الوَقْتُ مُنْتَصَفَ النَّهارِ، مُنْتَصَفَ الظَّهيرَةِ. وَكانَتِ الشَّمْسُ في أَوْجِها في كَبِدِ السَّماءِ، تَسْطَعُ بِشِدَّة. وَفَجْأةً، خَيَّمَ ظَلامٌ شَديدٌ! فَقَدِ اخْتَفَتِ الشَّمْسُ وَلَمْ يَكُنْ هُناكَ قَمَرٌ وَلا نُجومٌ، بَلْ فَقَطْ ظَلامٌ شَديدٌ. وَلا يَسَعُنا أنْ نَتَخَيَّلَ الصَّدْمَة! لا يَسَعُنا ذَلِك. فَقَدْ كانُوا يَعْلَمونَ مَا يَصْنَعونَ: سُخْرِيَةٌ وَتَجْديفٌ. وَفَجْأةً، وَعَلى نَحْوٍ عَجيبٍ وَمُخيفٍ وَمُرْعِبٍ وَمُزْعِجٍ، حَدَثَ شَيْءٌ بَدَّدَ شُعورَهُمْ بالأمانِ وَجَعَلَ أذْهانَهُم المُشَتَّتَةَ تَفيقُ مِنْ سُباتِها. وَبِدُونِ سَابِقِ إنْذارٍ، صَارَ عَالَمُهُمْ قَاتِمًا تَمامًا. وَلَمْ تَكُنْ هُناكَ كَهْرَباءُ، بَلْ فَقَطْ تِلْكَ المَصابيحُ الواسِعَةُ الانْتِشارِ آنَذاكَ وَالَّتي كانَتْ تَعْمَلُ بالزَّيْتِ وَلَها فَتيلَة. وَلأنَّ الوَقْتَ كَانَ نَهارٌ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَحْمِلُ مِصْباحًا. خَيَّمَ الظَّلامُ على المَكانِ بِأسْرِه. وَلَكِنَّنا لا نَعْلَمُ إلى أيِّ مَدى! الجُلْجُثَة؟ ... أُورُشَليم؟ ... اليَهوديَّة؟ لا نَعْلَمُ إلى أيِّ مَدى. وَلَكِنَّهُ ظَلامٌ خَيَّمَ على تِلْكَ الأُمَّة. وَمَا السَّبَبُ في تِلْكَ الظُّلْمَة؟ يَقولُ مُفَسِّرونَ إنَّ مَا حَدَثَ كانَ كُسوفًا طَبيعيًّا. وَلَكِنَّ هَذا لَيْسَ مُمْكِنًا لأنَّ عِيْدَ الفِصْحِ كَانَ يُحتَفَلُ بِهِ وَالقَمَرُ بَدْرٌ. وَلا يُمْكِنُ أنْ يَحْدُثَ كُسوفٌ للشَّمْسِ عِنْدَما يَكونُ القَمَرُ بَدْرًا. وَيَقولُ آخَرونَ إنَّ هَذا الظَّلامَ كَانَ يُمَثِّلُ حُضورَ الشَّيْطانِ الَّذي جَلَبَ سُلْطانَ الظُّلْمَةِ عَلى رَأس يَسوع. وَلَكِنَّنا نَعْلَمُ أنَّ يَسوعَ قَالَ في مَوْضِعٍ سَابِقٍ مِنْ إنْجيلِ لُوقا: "هذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ". وَنَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ مَمْلَكَةَ الشَّيْطانِ تَتَّسِمُ بالظَّلامِ الأخلاقِيِّ وَالرُّوحِيِّ. وَلَكِنَّ الشَّيْطانَ لا يَمْلِكُ سُلْطَانًا عَلى العَالَمِ الطَّبيعِيِّ. أجَلْ، هُناكَ ظَلامٌ أخْلاقِيٌّ. أجَلْ، هُناكَ ظَلامٌ رُوْحِيٌّ. وَلَكِنَّ هَذا الظَّلامَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِك. بَلْ كانَ ظَلامًا طَبيعيًّا، وَلَكِنْ دُوْنَ تَفْسيرٍ طَبيعيٍّ!

وَيبْقى لَدَيْنا تَفْسيرٌ وَاحِدٌ فَقَطْ وَهُوَ: الله. فَكَيْفَ نَظَرَ اليَهودُ إلى الأمْرِ؟ هَلْ قَالُوا: "يا للعَجَب! إنَّهُ كُسوفٌ!"؟ لا. فَقَدْ كانَ القَمَرُ بَدْرًا في عِيْدِ الفِصْح. وَهَلْ قَالُوا: "لَقَدْ جَاءَ الشَّيْطانُ؟" هَلْ قَالُوا ذَلِك؟ لا! لا! إذًا مَاذا قَالُوا؟ مَا أوَّلُ فِكْرَةٍ خَطَرَتْ بِبالِهِمْ عِنْدَما خَيَّمَ الظَّلامُ الكَثيفُ فَجْأةً وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ رُؤيَةِ يَدِهِمْ حَتَّى إنْ وَضَعُوها أَمامَ وُجوهِهِمْ – وَلا سِيَّما أنَّ الظَّلامَ خَيَّمَ طَوالَ ثَلاثِ سَاعاتٍ كَامِلَة؟ لَقَدْ عَجِزُوا عَنِ الحَرَكَة. لَقَدْ عَجِزُوا عَنِ النُّزولِ عَنِ التَّلِّ. لَقَدْ عَجِزُوا عَنِ الذَّهابِ إلى أيِّ مَكانٍ. فَلَمْ يَكُنْ هُناكَ نُوْرٌ في أيِّ مَكانٍ. فَما الَّذي خَطَرَ بِبالِهِمْ؟ وَما الأفْكارُ الَّتي جَالَتْ في أذْهانِهِمْ؟ قَدْ يَقولُ أُناسٌ إنَّهُمْ لَمْ يُفَكِّرُوا في اللهِ لأنَّ اللهَ نُوْرٌ. وَرُبَّما كانَ هَذا صَحيحًا. فَقَدْ ظَهَرَ اللهُ لِبَني إسْرائيلَ في الأصْلِ، عِنْدَما أَخْرَجَهُمْ مِنْ مِصْرَ، ظَهَرَ في شَكْلٍ نُوْرانِيٍّ في النَّهارِ وَفي اللَّيْل. في عَمودِ سَحابٍ في النَّهارِ وَعَمودِ نَارٍ في اللَّيْل. وَقَدْ ظَهَرَ اللهُ في نُوْرِ الشَّكينَة فَوْقَ قُدْسِ الأقْداسِ في خَيْمَةِ الاجْتِماعِ ثُمَّ في الهَيْكَلِ. وَنَحْنُ نَقْرَأُ في المَزْمور 27: 1 (وَمَزاميرٍ أُخرى): "اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي". وَقَدْ كانَ اللهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِهِ بِوَصْفِهِ النُّور. وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمونَ أيْضًا أنَّ اللهَ قَرَنَ نَفْسَهُ (في أوْقاتٍ كَثيرَةٍ) بالظَّلام. لَقَدْ كَانُوا يَعْرِفونَ ذَلِكَ جَيِّدًا. وَيُمْكِنُنا أنْ نَرى ذَلِكَ في الأصْحاحِ الخَامِس عَشَر مِنْ سِفْرِ التَّكوين – عِنْدَما جَاءَ اللهُ لِيَصْنَعَ عَهْدًا مَعَ أَبْرام. فَقَدْ قَالَ لَهُ اللهُ: سَأصْنَعُ عَهْدًا مَعَكَ، وَأُبارِكُكَ، وَأجْعَلُ العَالَمَ يَتَبارَكُ فِي نَسْلِكَ. وَهَذا هُوَ العَهْدُ الإبراهيميُّ. وَسَوْفَ أَخْتِمُ ذَلِكَ العَهْدَ بالدَّمِ. لِذَلِكَ أُريدُ مِنْكَ أنْ تَذْبَحَ عَدَدًا مِنَ الحَيَواناتِ، وَأنْ تَشُقَّها مِنَ الوَسَطِ إلى شَطْرَيْن، وَأنْ تَضَعَ كُلَّ شَطْرٍ مِنْهَا مُقابِلَ الشَّطْرِ الآخَر. وَضَعْ يَمامَةً مَذْبوحَةً هُنا، وَحَمامَةً مَذْبُوحَةً هُناكَ. وَرَتِّبْ جَميعَ الحَيَواناتِ المَذْبُوحَةِ هُنا وَهُناك. فَقَدْ كانَ هَذا هُوَ مَا يَفْعَلونَهُ في الأزْمِنَةِ القَديمَةِ. وَكانُوا يَفْعَلونَ ذَلِكَ كَرَمْزٍ لإبْرامِ عَهْدِ الدَّمِ. وَكانَ الشَّخْصان المُتَعاهِدان يَمْشِيانِ في وَسَطِ الأجْزاءِ الَّتي تَسيلُ مِنْها الدِّماءُ مِنْ أجْلِ خَتْمِ العَهْدِ.

وَفي حَالَةِ اللهِ فَقَطْ، كَانَ العَهْدُ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ، وَمَشْروطًا بِمَعْنى أنَّ اللهَ أَبْرَمَ ذَلِكَ العَهْدَ مَعَ نَفْسِهِ دُوْنَ أنْ تَكونَ هُناكَ أيُّ شُروطٍ يَنْبَغي لأبْرامَ أنْ يُنَفِّذَها. وَقَدْ أَوْقَعَ اللهُ سُباتًا عَلى أَبْرام. وَإلَيْكُمْ مَا يَقولُ سِفْرُ التَّكوينِ أنَّهُ حَدَثَ عِنْدَما حَضَرَ اللهُ: "وَلَمَّا صَارَتِ الشَّمْسُ إِلَى الْمَغِيبِ ... إِذَا رُعْبَةٌ مُظْلِمَةٌ عَظِيمَةٌ". فَعِنْدَما حَضَرَ اللهُ، ظَهَرَ في هَيْئَةِ ظَلامٍ. لَقَدْ جَاءَ في هَيْئَةِ دَيْنونَةٍ. وَفي سِفْرِ الخُروجِ وَالأصْحاحِ العَاشِرِ، نَرى مَرَّةً أُخرى أنَّ الظَّلامَ عِنْدَ بَني إسْرائيلَ كَانَ مَقْرُونًا بِحُضورِ اللهِ. فَقَدْ قَالَ اللهُ لِمُوْسَى: "مُدَّ يَدَكَ نَحْوَ السَّمَاءِ" – وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ في مِصْر – "لِيَكُونَ ظَلاَمٌ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ، حَتَّى يُلْمَسُ الظَّلاَمُ". فعِنْدَما جَعَلَ اللهُ الظَّلامَ يَحِلُّ، كانَ الظَّلامُ كَثيفًا حَتَّى إنَّهُ يَكَادُ يُلْمَسُ. وَفي الأصْحاح 19 مِنْ سِفْرِ الخُروج، بَعْدَ أنْ غَادَرُوا مِصْرَ جَاءُوا وَوَقَفُوا في أسْفَلِ جَبَلِ سِيْناء – "فَوَقَفُوا فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ" (الأصْحاح 19 والعَدَد 17). وَلَكِنَّ العَدَد 16 يَقولُ أنَّهُ "صَارَتْ رُعُودٌ وَبُرُوقٌ وَسَحَابٌ ثَقِيلٌ عَلَى الْجَبَلِ". وَالعَدَد 18 يَقول: "وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ، وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا". وَيُكَرِّرُ الأصْحاحُ العِشْرونَ القِصَّةَ ذَاتَها. فَعِنْدَما كَانَ اللهُ يَأتي، كَانَ الظَّلامُ يَحِلُّ، وَكَانَ هُناكَ سَحَابٌ ثَقيلٌ، وَدُخَانٌ. ويُمْكِنُكَ أنْ تَقْرَأَ الوَصْفَ نَفْسَهُ في سِفْرِ إشَعْياء 8: 22 وَفي مَواضِعَ أُخرى.

لِذَلِكَ، كَانَ بَنو إسْرائيلَ يَعْلَمونَ جَيِّدَا أنَّ حُضُورَ اللهِ يُمْكِنُ أنْ يَكونَ مَصْحُوبًا بِظُلْمَةٍ عَجيبَةٍ يَعْسُرُ إيجادُ تَفْسيرٍ لَها. وَنَحْنُ لا نَتَحَدَّثُ هُنا عَنْ مَجْمُوعَةٍ مِنَ السُّحُبِ الَّتي تَتَحَرَّكُ أَمامَ الشَّمْسِ. بَلْ إنَّنا نَتَحَدَّثُ عَنْ ظَلامٍ كَثيفٍ جِدًّا. وَلَكِنْ كَانَ هُناكَ مَا هُوَ أكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لأنَّ مَوْضُوعَ الظُّلْمَةِ المُرافِقَةِ لِحُضُورِ اللهِ كَانَ مُلازِمًا دَائِمًا للدَّيْنونَةِ. أَجَلْ، للدَّيْنونَة. وَهُناكَ فِكْرَةٌ مَألوفَةٌ جِدًّا في العَهْدِ القَديمِ وَهِيَ تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ تَعْبيرٍ يُسَمَّى "يَوْمُ الرَّبِّ" ... "يَوْمُ الرَّبِّ". وَيَرِدُ هَذا التَّعْبيرُ أحْيانًا بِحُروفٍ كَبيرَةٍ (في الطَّبْعاتِ الإنجليزيَّةِ) للدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعْبيرٌ اصْطِلاحِيٌّ. وَيَصِفُ هَذا المُصْطَلَحُ الدَّيْنونَةَ الأخيرَةَ كَما لَوْ أنَّها تَعْني أنَّ اليَوْمَ هُوَ يَوْمُ الإنْسانِ، وَلَكِنْ سَيَأتي يَوْمٌ هُوَ يَوْمُ الرَّبِّ. فَسَوْفَ يَكونُ هُناكَ يَوْمٌ يَأتي فيهِ اللهُ بِدَيْنونَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ مُدَمِّرَةٍ وَمُهْلِكَة. وَكَما أنَّ يَوْمَ الرَّبِّ يَقْتَرِنُ بالدَّيْنونَةِ، فَإنَّ الدَّيْنونَةَ تَقْتَرِنُ بالظَّلام. يوئيل 1. فَقَدْ كَتَبَ يُوئيل عَنْ ذَلِكَ فَقال في العَدَد 15: "آهِ عَلَى الْيَوْمِ! لأَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ قَرِيبٌ. يَأتِي كَخَرَابٍ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". وَمَا سِمَاتُ ذَلِكَ اليَوْم؟ يوئيل، الأصْحاح 2 والعَدَد 10: "قُدَّامَهُ تَرْتَعِدُ الأَرْضُ وَتَرْجُفُ السَّمَاءُ. اَلشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يُظْلِمَانِ، وَالنُّجُومُ تَحْجُزُ لَمَعَانَهَا. وَالرَّبُّ يُعْطِي صَوْتَهُ أَمَامَ جَيْشِهِ. إِنَّ عَسْكَرَهُ كَثِيرٌ جِدًّا. فَإِنَّ صَانِعَ قَوْلِهِ قَوِيٌّ، لأَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ عَظِيمٌ وَمَخُوفٌ جِدًّا، فَمَنْ يُطِيقُهُ؟"

إنَّهُ دَمارٌ. إنَّهُ هَلاكٌ. إنَّهُ يَوْمُ مَوْتٍ لَنْ يَنْجُو مِنْهُ أحَدٌ. وَفي نِهايَةِ ذَلِكَ الأصْحاحِ الثَّاني مِنْ سِفْرِ يُوئيل، في العَدَد 30: "وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ..." (فَهُوَ مُسْتَمِرٌّ في الحَديثِ عَنْ يَوْمِ الرَّبِّ) "دَمًا وَنَارًا وَأَعْمِدَةَ دُخَانٍ. تَتَحَوَّلُ الشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ، وَالْقَمَرُ إِلَى دَمٍ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ الرَّبِّ الْعَظِيمُ الْمَخُوفُ". ثُمَّ نَنْتَقِلُ إلى نَبِيٍّ آخَرَ وَهُوَ النَّبِّيُّ عَامُوس. عَامُوس، الأصْحاح 5 وَالعَدَد 20: "أَلَيْسَ يَوْمُ الرَّبِّ ظَلاَمًا لاَ نُورًا، وَقَتَامًا وَلاَ نُورَ لَهُ؟". عامُوس 8: 9: "وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، أَنِّي أُغَيِّبُ الشَّمْسَ فِي الظُّهْرِ، وَأُقْتِمُ الأَرْضَ فِي يَوْمِ نُورٍ". إنَّهُ كَلامٌ مُحَدَّدٌ جِدًّا. صَفَنْيا 1: 14: "قَرِيبٌ يَوْمُ الرَّبِّ الْعَظِيمِ. قَرِيبٌ وَسَرِيعٌ جِدًّا. صَوْتُ يَوْمِ الرّبِّ. يَصْرُخُ حِينَئِذٍ الْجَبَّارُ مُرًّا. ذلِكَ الْيَوْمُ يَوْمُ سَخَطٍ، يَوْمُ ضِيق وَشِدَّةٍ، يَوْمُ خَرَابٍ وَدَمَارٍ، يَوْمُ ظَلاَمٍ وَقَتَامٍ، يَوْمُ سَحَابٍ وَضَبَابٍ".

لَقَدْ كَانُوا يَعْلَمونَ أنَّ الظَّلامَ الخَارِقَ للطَّبيعَةِ يَقْتَرِنُ بالدَّيْنونَة. فَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَقْتَرِنُ فَقَطْ بِحُضُورِ اللهِ، بَلْ بِحُضورِ اللهِ بالدَّيْنونَةِ. وَلَيْسَ فَقَطْ بِحُضورِ اللهِ بالدَّيْنونَةِ، بَلْ بالدَّيْنونَةِ الأخيرَة. ولا شَكَّ أنَّ الفِكْرَةَ خَطَرَتْ بِبَالِهِمْ حِيْنَ كَانُوا يَسْخَرونَ مِنْ يَسوعَ وَيَهْزَأونَ بِهِ ثُمَّ صَارَ عَالَمُهُمْ كُلُّهُ ظَلامًا دَامِسًا في لَحْظَة! فَقَدِ انْتَهَتْ تِلْكَ المَسْرَحِيَّةُ الكُوميديَّة حَقًّا. وَبالمُناسَبَة، بَعْدَ آياتٍ قَليلَةٍ ... عِنْدَما نَزَلُوا عَنِ التَّلِّ أخيرًا بَعْدَ زَوالِ الظَّلامِ، كَانُوا يَقْرَعُونَ عَلى صُدورِهِمْ – إشَارَةً إلى الحُزْنِ وَالخَوْف. فَالظَّلامُ يَرْمِزُ إلى الغَضَبِ الإلَهِيِّ. وَقَد كانَ الظَّلامُ دَامِسًا أكْثَرَ مِنَ الظَّلامِ الَّذي حَلَّ عِنْدَما قَطَعَ اللهُ عَهْدَهُ مَعَ إبراهيم، وَأكْثَرَ مِنَ الظَّلامِ الَّذي حَلَّ في جَبَلِ سِيْناء. فَهُوَ ظَلامُ يَوْمِ الرَّبِّ. إنَّهُ الظَّلامُ الأخيرُ. وَما الَّذي يَرْمِزُ إليه؟ حُضُورُ اللهِ بالدَّيْنونَة. لِذَلِكَ فَإنِّي أَقولُ إنَّهُ ظَهَرَتْ شَخْصِيَّةٌ جَديدَةٌ عَلى المَسْرَح. وَالشَّخْصِيَّةُ الجَديدَةُ الآنَ هِيَ الله. وَهُوَ يَحْتَلُّ وَسَطَ المَسْرَح. فَقَدْ جَاءَ اللهُ إلى الجُلْجُثَةِ لا في هَيْئَةِ نُوْرٍ، بَلْ في هَيْئَةِ ظَلام. وَقَدْ جَاءَ لِيُعْلِنَ الدَّيْنونَة، لا بالمَعْنَى الأُخْرَوِيِّ أوِ المُسْتَقْبَلِيِّ عَلى الخُطاةِ، بَلْ بالمَعْنَى الخَلاصِيِّ عَلى القُدُّوسِ البَارّ. فَما كَانَ يَحْدُثُ في الجُلْجُثَةِ، يا أصْدقائي (وَهَذا أمْرٌ يَنْبَغي أنْ تَتَعَمَّقُوا فيهِ وتَفْهُموهُ جَيِّدًا) هُوَ أمْرٌ يَفوقُ الألَمَ الجَسَدِيَّ. وَهُوَ أَمْرٌ يَفوقُ ذَبيحَةَ المَسيحِ.

إنَّ مَا يَحْدُثُ هُنا هُوَ أنَّ غَضَبَ اللهِ قَدْ سُكِبَ بِصُوْرَتِهِ النِّهائيَّةِ. فَقَدْ كَانَ الغَضَبُ الأبَدِيُّ وَشيكًا وَكانَتِ الظُّلْمَةُ في كُلِّ مَكان. بِعِبارَةٍ أُخرى، فَقَدْ جَلَبَ اللهُ الجَحيمَ عَلى أورُشَليمَ في ذَلِكَ اليَوم. مَتَّى 8: 12؛ مَتَّى 22: 13؛ مَتَّى 25: 30. وَقَدْ دَعا يَسوعُ الهَاوِيَةَ "الظُّلْمَة الخَارِجِيَّة". فَهِيَ هَاوِيَةٌ مُظْلِمَةٌ حَيْثُ يَكونُ البُكاءُ وَالنَّحيبُ وَصَريرُ الأسْنانِ في ظَلامٍ أبَدِيٍّ لا يَزَول. وَهُوَ ظَلامٌ نَاجِمٌ عَنْ حُلولِ دَيْنُونَةِ اللهِ. لِذَلِكَ فَقَدْ حَلَّ غَضَبُ اللهِ عَلى أُورُشَليمَ وَاليَهودِيَّةِ مِنَ السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ ظُهْرًا إلى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْر. فَقَدْ جَاءَ اللهُ بالغَضَب. وَالأمْرُ المُدْهِشُ هُوَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَضَبًا عَلى الرُّومان، وَلا غَضَبًا عَلى رُؤَساءِ اليَهود، وَلا غَضَبًا عَلى الشَّعْبِ، بَلْ كَانَ غَضَبًا عَلى الابْنِ. فَقَدْ سَكَبَ اللهُ جَامَ غَضَبِهِ عَلى يَسوعَ المَسيح. وَقَدْ عَبَّرَ النَّبِيُّ إشَعْياءُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ في إشَعْياء 13: 9: "بِسَخَطٍ وَحُمُوِّ غَضَبٍ". لَقَدْ جَاءَتْ جَهَنَّمُ إلى هُناك. وَلَكِنْ مَا هِيَ جَهَنَّم؟ إنَّها المَكانُ الَّذي يُعَذِّبُ اللهُ فيهِ الخُطاةَ إلى الأبد. وَهِيَ المَكانُ الَّذي يَسْكُبُ فيهِ غَضَبَهُ عَلَيْهِمْ إلى الأبَد. فَاللهُ هُوَ مَصْدَرُ العِقابِ في جَهَنَّم. وَعِنْدَما نَقولُ إنَّ جَهَنَّمُ هِيَ انْفِصالٌ عَنِ اللهِ، فَإنَّ المَعْنى المَقْصُودَ هُوَ أنَّها انْفِصالٌ عَنْ حُضُورِهِ المُعَزِّي، وَلَيْسَ أنَّها عِقابٌ نَابِعٌ مِنْ حُضُورِهِ بالدَّيْنونَة. وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يُهْلِكُ النَّفْسَ وَالجَسَدَ في جَهَنَّم. وَهُوَ مَلِكُ جَهَنَّم. أمَّا الشَّيْطانُ فَلَيْسَ كَذَلِك. وَاللهُ، الَّذي يُعَذِّبُ جَميعَ النُّفوسِ بالعَذابِ الأبَدِيِّ، يَظْهَرُ في ظَلامِ الجُلْجُثَةِ لِيَسْكُبَ دَيْنونَتَهُ عَلى ابْنِهِ. وَهُوَ يَحْكُمُ بالدَّيْنونَةِ الأبَدِيَّةِ عَلى ابْنِهِ نِيابَةً عَنْ جَميعِ الذينَ سَيُؤمِنونَ بِهِ.

وَهَذِهِ هِيَ الكَأسُ الَّتي تَحَدَّثَ عَنْها يَسوعُ في البُسْتانِ بِمَشَاعِرَ قَوِيَّةٍ وَسَألَ إنْ كَانَتْ هُناكَ طَريقَةٌ لاجْتِنابِها. وَفي تِلْكَ السَّاعاتِ الثَّلاثِ، لَمْ تَكُنْ هُناكَ مَسْرَحِيَّةٌ كُوميديَّةٌ يا أصْدقائي. وَلَمْ يَكُنْ هُناكَ سُخْرِيَة، وَلا اسْتِهْزاءٌ، وَلا تَهَكُّمٌ، وَلا تَجْديفٌ، وَلا مَسْخَرَةٌ. فَلَمْ يَتَفَوَّه أيُّ شَخْصٍ بِأيِّ كَلِمَة. وَلا حَتَّى يَسوع. فَيَسوعُ لا يَتَحَدَّثُ طَوالَ هَذِهِ السَّاعاتِ الثَّلاث. وَلا أَحَدَ يَتَحَدَّثُ أيْضًا. وَفي تِلْكَ السَّاعاتِ الثَّلاث، عَانَى يَسوعُ جَهَنَّمَ الأبديَّةَ نِيابَةً عَنْ جَميعِ الَّذينَ آمَنُوا أوْ سَيُؤمِنونَ بِهِ. لِذَلِكَ، لَمْ تَكُنِ الظُّلْمَةُ نَاجِمَةً عَنْ عَدَمِ حُضُورِ اللهِ، بَلْ إنَّ العَكْسَ هُوَ الصَّحيح. فَقَدْ كانَتْ نَاجِمَةً عَنْ حُضُورِ اللهِ بالدَّيْنونَةِ الكَامِلَةِ، وَالغَضَبِ الكَامِلِ، وَالسَّخَطِ غَيْرِ المَحْدودِ إذْ إنَّ البِرَّ اللَّامُتَناهي قَدْ أَطْلَقَ عِقابًا لا مُتَناهٍ عَلى ابْنِ اللهِ الأزَلِيِّ الَّذي احْتَمَلَ في تِلْكَ السَّاعاتِ الثَّلاثِ العَذابَ الأبَدِيَّ عَنْ جَميعِ مَنْ آمَنُوا أوْ سَيُؤمِنونَ بِهِ. فَهُناكَ حَمَلَ يَسوعُ في جَسَدِهِ خَطايانا. وَهُناكَ صَارَ يَسوعُ خَطِيَّةً لأجْلِنا مَعَ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّة. وَهُناكَ جُرِحَ لأجْلِ آثامِنا وَسُحِقَ لأجْلِ مَعاصِيْنا. وَهُناكَ صَارَ لَعْنَةً لأجْلِنا. فَهَذِهِ هِيَ السَّاعاتُ الثَّلاثُ الَّتي سُكِبَ فيها غَضَبُ اللهِ عَلَيْهِ. وَهَذِهِ فِكْرَةٌ مُدْهِشَةٌ يَنْبَغي أنْ نَتَأمَّلَ فيها. فَجَميعُ النَّاسِ الَّذينَ سَيَذْهَبونَ إلى جَهَنَّمَ إلى أبَدِ الآبِدينَ سَيَذْهَبونَ إليها إلى الأبَدِ لأنَّهُمْ لَنْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ دَفْعِ أُجْرَةِ خَطاياهُم. وَلَكِنَّ يَسوعَ كَانَ سَيَدْفَعُ بالكَامِلِ، خِلالَ تِلْكَ السَّاعاتِ الثَّلاثِ، أُجْرَةَ خَطايا النَّاسِ الَّذينَ آمَنُوا أوْ سَيُؤمِنونَ بِهِ. كَيْف؟ لأنَّ الغَضَبَ غَيْرَ المَحْدُودَ لا يُمْكِنُ أنْ يُحْتَمَلَ إلَّا مِنْ شَخْصٍ غَيْرِ مَحْدُود.

مُدْهِشٌ! فَنَحْنُ نَقْرَأُ: "فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ". وَفي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ، زَالَ الظَّلام. ثَلاثُ سَاعاتٍ. فَفي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، عَادَ النُّورُ. وَيُخْبِرُنا مَرْقُس بِما قَالَهُ يَسوع. فَقَدْ تَكَلَّمَ يَسوع. إنْجيل مَرْقُس 15 والعَدَد 33: "وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ ...". (وَلوقا يَقولُ الشَّيءَ نَفْسَهُ) "... كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ". وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ (أي في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ)، كانَتِ الظُّلْمَةُ قَدْ زَالَتْ. في السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ، بَعْدَ زَوالِ الظَّلامِ، "صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" وَكَيْفَ يَنْبَغي لَنا أنْ نَفْهَمَ هَذا؟ لَقَدْ فَكَّرَ اللَّاهُوتيُّونَ وَتَناقَشُوا وَكَتَبُوا كُتُبًا كَثيرَةً عَنْ ذَلِك. وَأنا، بِكُلِّ تِأكيدٍ، لا أتوقَّعُ أن أمْتَلِكَ فَهْمًا أعْمَقَ مِنْهُمْ لِما حَدَث. ولَكِنِّي لا أظُنُّ أنَّ الأمْرَ مُعَقَّدٌ جِدًّا كَما حَاوَلَ البَعْضُ أنْ يُظْهِرَهُ. فَرُبَّما كانَ المُتَوَقَّعُ مِنْ يَسوعَ الإنْسانَ بَعْدَ زَوالِ الظَّلامِ، وَلا سِيَّما أنَّهُ وُلِدَ في الأصْلِ مِنْ أجْلِ تَسْكينِ غَضَبِ اللهِ نِيابَةً عَنْ كُلِّ مَنْ يُؤمِن، كَانَ المُتَوَقَّعُ أنْ تَكونَ هُناكَ رَاحَةٌ في الحَال. وَأنْ يَكونُ هُناكَ تَعاطُفٌ فَوْرِيٌّ مِنَ الآبِ، وَأنْ لا يَشْعُرَ يَسوعُ أنَّ اللهَ جَاءَ بالدَّيْنونَةِ، بَلْ أنْ يَشْعُرَ بالشَّرِكَةِ الحُلْوَةِ مَعَ الله. وَلَكِنَّه لَمْ يَشْعُرْ بِذَلِك. لَمْ يَشْعُر بِذَلِك.

لَقَدْ حَلَّ الغَضَبُ كَامِلًا. فَقَدْ جَاءَ اللهُ وَكانَ حُضُورُهُ يَمْلأُ المَكان. فَهُوَ لَمْ يَكُنْ غَائِبًا. بَلْ كانَ حَاضِرًا لِكَيْ يَسْكُبَ غَضَبَهُ. وَلَكِنْ عِنْدَما اخْتَفى الظَّلام، اخْتَفى اللهُ بِطَريقَةٍ غَامِضَةٍ يَعْسُرُ تَفْسيرُها. وَأعْتَقِدُ أنَّ مَا يَقولُهُ الرَّبُّ هُوَ: "أيْنَ التَّعْزِيَة؟" فَقَدْ جَاءَتْ لَحْظَةٌ بَعْدَ انْتِهاءِ الدَّيْنُونَةِ (بَعْدَ أنْ حَمَلَ كُلَّ غَضَبِ دَيْنونَةِ حُضُورِ اللهِ) تَوَقَّع فيها تَعْزِيَةً حُلْوَةً، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْهَا. لِذَلِكَ فإنَّهُ يَقُولُ في إرْهَاقٍ شَديدٍ بَعْدَ الظَّلام: "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" وَهُوَ سُؤالٌ مَشْروعٌ. فَلِماذا لَمْ يُعْطِهِ اللهُ تَعْزِيَةً حَالًا؟ وَشَرِكَةً حُلْوَةً حَالًا؟ حَسَنًا، يَبْدو لي أنَّ هَذِهِ هِيَ مُعاناة جَهَنَّمَ الأخيرَة. وَهِيَ لِتَذْكيرِ جَميعِ الخُطاةِ بأنَّهُ مَعَ أنَّ جَهَنَّمَ هِيَ الغَضَبُ الكَامِلُ النَّاجِمُ عَنْ حُضُورِ اللهِ شَخْصِيًّا، فَإنَّهُ لَنْ يَكونَ هُناكَ للتَّعْزِيَة. فَهُوَ لَنْ يَكونَ حَاضِرًا هُناكَ لإظْهارِ التَّعاطُفِ. وَهُوَ لَنْ يُخَفِّفَ وَطْأةَ الألَمِ. وَإنْ كَانَ يَسوعُ سَيَحْتَمِلُ جَهَنَّمَ كُلَّها، يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَحْتَمِلَ عُقوبَةَ اللهِ وَغِيابَ التَّعْزِيَة. فَهَذِهِ هِيَ جَهَنَّم. وَقَدْ جَاءَتْ جَهَنَّمُ إلى الجُلْجُثَة بِمِلْئِها في ذَلِكَ اليَوْمِ. "لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" وَلَكِنَّ هَذِهِ هِيَ جَهَنَّم. إنَّها جَهَنَّم. عُقوبَةٌ دُوْنَ رَاحَة!

أمَّا التَّعْبير "إلَهي، إلَهي" فَقَدْ تَظُنُّونَ أنَّهُ مُخْتَلِفٌ عَنِ الكَلِمَة "أبي" أوْ أَقَلُّ تَعاطُفًا. فَهِيَ المَرَّةُ الوَحيدَةُ في العَهْدِ الجَديدِ بِرُمَّتِهِ الَّتي يُشيرُ فيها يَسوعُ إلى اللهِ بِأيِّ كَلِمَةٍ أُخرى غَيْر "أبي". فَهُوَ يَقولُ دَائِمًا "أبي"، باسْتِثْناءِ هَذِهِ المَرَّة: "إلَهي، إلَهي!" فَهَلْ هَذا يُشيرُ إلى حُدوثٍ تَغَيُّرٍ مِنْ نَوْعٍ مَا في مَوْقِفِهِ مِنَ الله؟ هَلْ فَقَدَ مَشَاعِرَهُ تُجَاهَ أبيهِ؟ أعْتَقِدُ أنِّي قَادِرٌ عَلى مُساعَدَتِكُمْ هُنا. فَقَدِ اسْتَخْدَمَ يَسوعُ العِباراتِ الثُّنَائِيَّةَ في مُناسَباتٍ عَديدَة. الأولى هِيَ "مَرْثا، مَرْثا". فَهَلْ كَانَتِ العَاطِفَةُ غَائِبَةً هُناكَ؟ لا أظُنُّ ذَلِك. بَلْ كانَتْ هُناكَ خَيْبَةُ أَمَل. أليسَ كَذَلِك؟ "مَرْثا، مَرْثا". إنَّهُ تَعْبيرٌ يُعَبِّرُ عَنْ مَشاعِرَ قَوِيَّة. فَهُوَ يُعَبِّرُ عَنِ المَحَبَّةِ مَعَ شَيْءٍ مِنْ خَيْبَةِ الأمَل. فَمَاذا عَنْ هَذِهِ المَرَّةِ في لُوقا 10: 41؟ وَماذا عَنْ لُوقا 20: 22-31؟ فَهُوَ يَنْظُرُ إلى بُطْرُسَ وَيَقولُ ... ماذا؟ "سِمْعان، سِمْعان". فَهَلْ كانَ هُناكَ نَقْصٌ في المَحَبَّة؟ لا! بَلْ هُوَ تَعْبيرٌ عَنِ العَاطِفَةِ وَخَيْبَةِ الأمَل. وَماذا عَنْ لُوقا 13: 34؟ "أورُشَليم، أورُشَليم". فَهَلْ هُناكَ نَقْصٌ في المَحَبَّة؟ "كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَكُمْ وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا". إنَّها عَاطِفَةٌ لا تَخْلُو مِنْ خَيْبَةِ الأمَل. وَهَكَذا هِيَ الحَالُ في "إلَهي، إلَهي". إنَّها عَاطِفَةٌ حَميمَةٌ وَقَوِيَّةٌ لا تَخْلُو مِنْ خَيْبَةِ الأمَل – عَلى غِرارِ دَاوُدَ الَّذي قَال "أبْشالوم، أبْشالوم" ابْني. إنَّها عَاطِفَةٌ لا تَخْلُو مِنْ خَيْبَةِ الأمَل.

وَيُمْكِنُكُمْ أنْ تَعْكِسُوا الأمرَ وَأنْ تَقْرَأُوا في مَتَّى 7: " كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِــي ...: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! ... فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" فَهؤلاءِ الأشْخاصِ الَّذينَ لَمْ يَحْظَوْا بالقَبولِ مِنَ الرَّبِّ، والَّذينَ ظَنُّوا في أذْهانِهِمْ أنَّهُمْ يَتَمَتَّعُونَ بِعَلاقَةٍ حَميمَةٍ مَعَهُ، سَيَشْعُرونَ بِخَيْبَةِ الأمَل. وَعِنْدَما يَقولُ يَسوعُ: "إلَهي، إلَهي" فَإنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ عَاطِفَتِهِ. وَلَكِنَّهَا عَاطِفَةٌ لا تَخْلُو مِنْ خَيْبَةِ أَمَلٍ في تِلْكَ اللَّحْظَة. فَأيْنَ التَّعْزِيَة؟ وَلَكِنَّ هَذِهِ هِيَ جَهَنَّمَ الَّتي كَانَ يَتَعَذَّبُ بِعَذابِها. ثُمَّ في العَدَد 45، وَضَعَ اللهُ النِّقاطَ عَلى الحُرُوفِ فيما يَخْتَصُّ بالعَمَلِ الَّذي عَمِلَهُ يَسوعُ عَلى الصَّليب. فَلُوقا يُخْبِرُنا بِكَلِماتٍ أقَلُّ مَا يُقالُ فيها إنَّها صَاعِقةٌ جِدًّا: "وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ مِنْ وَسْطِهِ". فَحِيْنَ تَقْرَأُ هَذِهِ الكَلِماتِ تُصْعَقُ حَقًّا! وَيَنْبَغي لَنا أنْ نَفْهَمَ ما يَحْدُثَ هُنا. فَقَدْ حَلَّ الظَّلامُ طَوالَ ثَلاثِ سَاعاتٍ ... ظَلامٌ دَامِسٌ! فَلَمْ يَكُنْ باسْتِطاعَةِ أيِّ شَخْصٍ أنْ يَرَى يَدَهُ حَتَّى لَوْ وَضَعَها أَمامَ وَجْهِهِ. وَقَدْ ظَلَّ الجَميعُ وَاقِفينَ ثَلاثَ سَاعاتٍ مُحاوِلينَ التَّخاطُبَ وَمَعْرِفَةَ مَا يَجْري. وَرُبَّما قَرَنُوا مَا حَدَثَ بالحُضورِ الإلَهِيِّ وَالدَّيْنونَة. وَكانَ هُناكَ كَهَنَةٌ عِنْدَ الهَيْكَلِ يَسْتَعِدُّونَ لِذَبْحِ عَشَراتِ الآلافِ مِنَ الحُمْلانِ وَالحَيَواناتِ الأُخرى، وَيَسْتَعِدُّونَ للقِيامِ بِالعَمَلِ الدَّمَوِيِّ الَّذي يَتَطَلَّبُهُ عِيْدُ الفِصْحِ. وَكانَ جَميعُ العَابِدينَ هُناكَ. وَمَنْ لمْ يَكونُوا حَاضِرينَ في الجُلْجُثَةِ كَانُوا مَوْجودينَ في وَسَطِ المَدينَةِ بِعَدَدٍ يَتَراوَحُ بَيْنَ عَشَراتِ الآلافِ وَالمَلْيُونَيْن. وَكَانُوا يَقِفُونَ في أماكِنِهِمْ دُوْنَ حِراكٍ طَوالَ السَّاعاتِ الثَّلاثِ السَّابِقَة. وَعِنْدَما عَادَ النُّورُ، يُمْكِنُنا أنْ نُرَكِّزَ أنْظارَنا عَلى الكَهَنَةِ في الهَيْكَلِ. فَقَدْ حَاوَلُوا أنْ يُنَظِّمُوا أنْفُسَهُمْ مِنْ أجْلِ التَّعويضِ عَنِ الوَقْتِ الَّذي ضَاعَ بِسَبَبِ الظَّلام. وَلْنَبْتدِئِ العَمَلِيَّة – لأنَّهُ مَا بَيْنَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ وَالخَامِسَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، كانَتْ حُمْلانُ الفِصْحِ تُذْبَح.

وَعِنْدَما ابْتَدَأوا في ذَبْحِ حُمْلانِ الفِصْح، سَمِعُوا صَوْتًا مُدَوِّيًا قَادِمًا مِنْ دَاخِلِ المَكانِ المُقَدَّسِ، مِنْ قُدْسِ الأقْداسِ إذْ إنَّ اللهَ شَقَّ الحِجابَ مِنْ فَوْق إلى أسْفَل. فَمَتَّى يُخْبِرُنا أنَّهُ انْشَقَّ مِنْ فَوْق إلى أسْفَل. أمَّا لُوقا فَيَقولُ فَقَطْ إنَّهُ انْشَقَّ مِنْ وَسْطِهِ. لَقَدْ شَقَّ اللهُ ذَلِكَ الحِجاب. وَكانَ يُوْجَدُ في خَيْمَةِ الاجْتِماعِ مَا لا يَقِلُّ عَنْ ثَلاثَ عَشَرَةَ سِتَارَة. وَلَكِنَّ وَاحِدَةً مِنْها كانَتْ تَفوقُها أهَمِيَّةً، وَهِيَ السِّتارَةُ الَّتي كانَتْ تُغَطِّي قُدْسَ الأقْداسِ. وَقَدْ كانَتْ هُناكَ لأنَّ اللهَ أَمَرَ بِوَضْعِها هُناكَ – لأنَّ الطَّريقَ إلى اللهِ لَمْ يَكُنْ قَدْ فُتِحَ رَسْمِيًّا بَعْد. وَكانَ مَسْموحٌ لِرَئيسِ الكَهَنَةِ أنْ يَدْخُلَ إلى قُدْسِ الأقْداسِ مَرَّةً في السَّنَةِ فَقَط. وَهُوَ الوَحيدُ الَّذي سُمِحَ لَهُ بالدُّخُولِ إلى هُناكَ لِوَقْتٍ قَصيرٍ مِنْ أجْلِ رَشِّ الدَّمِ عَلى كُرْسِيِّ الرَّحْمَةِ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ هُناك. فَلَمْ يَكُنِ الدُّخُولُ إلى حَضْرَةِ اللهِ مُتاحًا رَسْمِيًّا بَعْد. وَكانَ "قُدْسُ الأقْداسِ" يَرْمِزُ إلى حُضُورِ اللهِ، وَكانَ مُغْلَقًا أَمامَ الجَميع. وَلَكِنْ في نَحْوِ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْر، عَادَ النُّورُ مِنْ جَديد، وَفَتَحَ اللهُ قُدْسَ الأقْداسِ لأنَّ يَسوعَ قَدْ فَتَحَ البَابَ للدُّخولِ إلى حَضْرَةِ اللهِ. فالصَّليبُ كَفَّارَة. وَالحِجابُ هُوَ بابُ الدُّخول. وَبِمَوْتِ المَسيحِ، تَثَبَّتَ العَهْدُ الجَديدُ وَصَارَ سَارِيَ المَفْعُول. فَقَدْ نَالَ النَّاسُ الخَلاصَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ المُصَادَقَةَ الرَّسْمِيَّةَ وَالتَّفْعيلَ الرَّسْمِيَّ لِذَلِكَ العَهْدِ الجَديدِ لَمْ يَحْدُثْ إلَّا عِنْدَما مَاتَ يَسوعُ عَلى الصَّليبِ. ثُمَّ شَقَّ اللهُ الحِجابَ وَفَتَحَ البَابَ عَلى مِصْراعَيْهِ إلى حَضْرَتِهِ.

وَعِنْدَما حَدَثَ ذَلِكَ، لَمْ يَعُدْ هُناكَ لُزومٌ للهَيْكَلِ. وَلَمْ يَعُدْ هُناكَ لُزومٌ لِرَئيسِ الكَهَنَةِ. وَلَمْ يَعُدْ هُناكَ لُزومٌ لِجَميعِ الكَهَنَةِ. وَلَمْ تَعُدْ هُناكَ حَاجَةٌ إلى الذَّبائِحِ. وَصَارَ كُلُّ مَا يَجْري في ذَلِكَ المَكانِ لاغِيًا. فَقَدْ أُكْمِل. وَقَدْ كانَتْ هَذِهِ كُلُّها ظِلالًا. وَكانَتْ كُلُّها رُموزًا لِما سَيَأتي. لِذَلِكَ، في تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتي ابْتَدَأَ فيها الكَهَنَةُ بِذَبْحِ الحُمْلانِ الَّتي لا تَقْدِرُ أنْ تَرْفَعَ الخَطِيَّة، فَتَحَ اللهُ البَابَ إلى حَضْرَتِهِ بِسَبَبِ ذَبيحَةِ الحَمَلِ الَّذي يَقْدِرُ أنْ يَرْفَعَ الخَطِيَّة. وَيا لَها مِنْ لَحْظَةٍ! يا لَها مِنْ لَحْظَة!

وَفي وَقْتٍ سَابِقٍ مِنَ الأُسْبوعِ، كَانَ يَسوعُ قَدْ أَعْلَنَ أنَّ الهَيْكَلَ سَيُدَمَّرُ حَرْفِيًّا: "لاَ يُتْرَكُ فِيهَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ". الأصْحاح 21، والعَدَدَان الخامِسُ وَالسَّادِس. وَهُنا يُعْلِنُ اللهُ الدَّيْنونَةَ الرُّوحِيَّةَ عَلى النِّظامِ بِأسْرِه. فَقَدْ كانَ النِّظامُ بِمُجْمَلِهِ ... كَانَ يُفْتَرَضُ بِنِظامِ الهَيْكِلِ بِأسْرِهِ أنْ يُوَفِّرَ وَسيلَةً تُساعِدُ الخَاطِئِ عَلى المَجيءِ إلى اللهِ. وَلَكِنَّ ذَلِكَ النِّظامَ لَمْ يَنْجَحْ في تَحْقيقِ ذَلِكَ إلى أنْ مَاتَ يَسوعَ عَلى الصَّليبِ. وَحينئذٍ، قَالَ اللهُ إنَّ مَوْتَ يَسوعَ فَعَلَ ذَلِكَ فَشَقَّ الحِجابَ. وَإنْ قَرَأتُم الأصْحاحَ التَّاسِعَ مِنَ الرِّسالَةِ إلى العِبْرانِيِّنَ، سَتَقْرأونَ في الأعْدادِ الثَّمانِيَةِ الأولى كَيْفَ أنَّ اللهَ صَمَّمَ هَذا المَكانَ وَقُدْسَ الأقْداسِ وَالحِجابَ الفَاصِلَ الَّذي يَمْنَعُ أيَّ شَخْصٍ مِنَ الدُّخولِ إلى هُناك. ثُمَّ إذا تَابَعْتَ القِراءَةَ في الأصْحاحِ التَّاسِعِ وَوَصَلْتَ إلى الأعْداد مِنْ 11 إلى 14، سَتُلاحِظُ أنَّ الأُمورَ قَدْ تَغَيَّرَتْ تَغْييرًا جَذْرِيًّا مُفاجِئًا: اسْتَمِعْ إلى مَا جَاءَ في عبرانِيِّين 9: 11: "وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هذِهِ الْخَلِيقَةِ، وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا". وَهَذِهِ هِيَ المُصَادَقَةُ عَلى العَهْدِ الجَديد. لِذَلِكَ نَقْرَأُ في الأصْحاحِ العَاشِرِ مِنَ الرِّسالَةِ إلى العِبرانِيِّين، وَالعَدَد 19: "فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى «الأَقْدَاسِ» بِدَمِ يَسُوعَ، طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا، بِالْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ، وَكَاهِنٌ عَظِيمٌ عَلَى بَيْتِ اللهِ، لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ". فَلْنَتَقَدَّمْ الآنَ (عِبرانِيِّين 4: 16) "بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ". لَقَدْ شَقَّ اللهُ الحِجابَ. وَالعَمَل قَدْ أُكْمِل.

وَبالمُناسَبَة، في اللَّحْظَةِ نَفْسِها، نَقْرَأُ مَا يَلي في مَتَّى 27: 51: "وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ". وَقَدْ كانَ هَذا زِلْزالا قَوِيّا بِما يَكْفي لِشَقِّ الصُّخور. وَنَحْنُ نَعْلَمُ جَميعًا عَنْ قُوَّةِ الزَّلازِل. وَقَدْ كانَ ذَلِكَ زِلْزالا قَوِيّا حَتَّى إنَّهُ شَقَّ الصُّخورَ. وَلا أَعْلَمُ دَرَجَةَ ذَلِكَ الزِّلْزال عَلى مِقْياسِ رِخْتَر! ثَمانِيَة؟ فَزِلْزالٌ بِهَذِهِ القُوَّةِ كانَ كَفيلًا بِتَحْويلِ أورُشَليمَ إلى أنْقاض. وَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ كَانَ مُرْعِبًا، إذا أَخَذْنا كُلَّ مَا حَدَثَ بِعَيْنِ الاعْتِبار! وَهَلْ تَعْلَمونَ القُوَّةَ الَّتي كَانُوا يَنْسِبُونَ الزَّلازِلَ إليها؟ سَأقْرَأُ لَكُمْ عَنْ زَلازِلَ اقْتَرَنَتْ بِحُضُورِ اللهِ وَبالدَّيْنونَةِ في يَوْمِ الرَّبِّ في الأسْفارِ النَّبَوِيَّةِ. فَعِنْدَما نَزَلَ اللهُ عَلى جَبَلِ سِيْناء (كَما جَاءَ في سِفْرِ الخُروج 19: 18)، "ارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا". وَنَقْرَأُ في المَزْمور 18: 7: "فَارْتَجَّتِ الأَرْضُ وَارْتَعَشَتْ، أُسُسُ الْجِبَالِ ارْتَعَدَتْ وَارْتَجَّتْ لأَنَّهُ غَضِبَ". وَعِنْدَما يَسُودُ الظَّلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُشيرُ إلى الدَّيْنونَةِ الإلَهِيَّةِ. وَعِنْدَما تَهْتَزُّ الأرْضُ، فَإنَّهُ الغَضَبُ الإلَهِيُّ. المَزْمور 68: 8: "الأَرْضُ ارْتَعَدَتِ. السَّمَاوَاتُ أَيْضًا قَطَرَتْ أَمَامَ وَجْهِ اللهِ. سِينَا نَفْسُهُ مِنْ وَجْهِ اللهِ إِلهِ إِسْرَائِيلَ". وَقَدْ كَتَبَ نَاحُومُ النَّبِيُّ في سِفْرِهِ النَّبَوِيِّ الصَّغير: "اَلْجِبَالُ تَرْجُفُ مِنْهُ، وَالتِّلاَلُ تَذُوبُ، وَالأَرْضُ تُرْفَعُ مِنْ وَجْهِهِ، وَالْعَالَمُ وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهِ". إذًا، فَقَدْ أَعْلَنَ اللهُ عَنْ دَيْنونَتِهِ مِنْ خِلالِ الظَّلامِ. وَقَدْ أَعْلَنَ اللهُ عَنْ غَضَبِهِ مِنْ خِلالِ الزَّلْزَلَةِ. وَنَقْرَأُ في سِفْرِ الرُّؤيا أنَّهُ في النِّهايَةِ، في الدَّيْنونَةِ الأخيرَةِ، سَتَحْدُثُ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَحْدُثْ مِثْلُهَا مُنْذُ صَارَ النَّاسُ عَلَى الأَرْضِ.

هَذا هُوَ غَضَبُ اللهِ – لا عَلى رُؤَساءِ اليَهودِ، وَلا عَلى اليَهودِ، وَلا على الرُّومانِ، وَلا عَلى هَؤلاءِ النَّاسِ، بَلْ عَلى ابْنِهِ. فَقَدْ كَانَ اللهُ حَاضِرًا هُناكَ بالدَّيْنونَةِ. وَلَكِنَّ الأمْرَ لا يَنْتَهي عِنْدَ هَذا الحَدِّ. صَحيحٌ أنَّهُ كانَ هُناكَ بالدَّيْنونَةِ، وَلَكِنْ لا تَنْسَوْا أيْضًا أنَّهُ شَقَّ الحِجابَ. فَهُناكَ الجَانِبُ السَّلْبِيُّ المَتَمَثِّلُ في الظُّلْمَةِ وَالزَّلْزَلَةِ. وَهُناكَ التَّأثيرُ الإيجابيُّ لِتِلْكَ الدَّيْنونَةِ وَهُوَ أنَّ الطَّريقَ قَدْ صَارَ مَفْتُوحًا. وَهُناكَ تَأثيرٌ إيجابيٌّ آخَر. وَهَذا هُوَ مَا يَقولُهُ مَتَّى في إنْجيل مَتَّى 27: 52: "وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ" (بَعْدَ الزَّلْزَلَةِ) "وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ". يا للعَجَب! فَما هِيَ نَتائِجُ عَمَلِ المَسيحِ عَلى الصَّليب؟ الدُّخولُ إلى حَضْرَةِ الله، وَالحَياةُ بَعْدَ المَوْت. وَقَدْ أَعْطى اللهُ مَثَلًا عَمَلِيًّا عَلى ذَلِكَ بِأنْ شَقَّ الحِجابَ إشَارَةً إلى أنَّ الطَّريقَ صَارَ مَفْتُوحًا. وَالنَّاسُ الرَّاقِدونَ خَرَجُوا مِنَ القُبورِ بأجْسادٍ مُمَجَّدَةٍ. وَلَكِنَّهُمْ لا يَظْهَرونَ إلَّا بَعْدَ قِيامَةِ المَسيحِ لِكَيْ يَكونَ وَاضِحًا أنَّ المَسيحَ هُوَ بَاكُورَةُ مَنْ قَامُوا مِنَ الأمْواتِ. وَقَدْ شَهِدَ هَؤلاءِ عَنْ قُوَّةِ قِيامَةِ المَسيح. يَا لَهُ مِنْ يَوْمٍ! وَكَما أنَّ اللهَ جَاءَ بالدَّيْنونَةِ، فَقَدْ جَاءَ أيْضًا بالخَلاصِ، ألَيْسَ كَذَلِك؟ فَقَدْ كانَتِ الدَّيْنونَةُ عَلى ابْنِهِ، وَالخَلاصُ لَنا نَحْنُ. فَقَدْ نَزَلَ غَضَبُهُ كُلُّهُ عَلى المَسيحِ فَانْفَتَحَ الطَّريقُ أَمامَنا. وَقَدْ حَلَّ كُلُّ الغَضَبِ عَلى المَسيحِ فَصَارَتِ الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ مُتاحَةً لَنا.

وَبَعْدَ أنْ زَالَ الظَّلامُ، وَتَوَقَّفَتِ الزَّلْزَلَةُ، وَانْشَقَّ الحِجابُ، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ الاضْطِرابَ كَانَ يَفُوقُ الوَصْفَ في أُورُشَليمَ. وَلَكِنْ كَانَ هُناكَ سُكُونٌ عَظيمٌ عَلى الصَّليبِ المُتَوَسِّط. سُكونٌ عَظيم! افْتَحُوا عَلى يُوحَنَّا 19. فَقَدْ كانَ يَسوعُ في هَذِهِ اللَّحْظَةِ يُشْبِهُ عَيْنَ الإعْصارِ (أيِ المَنْطِقَةَ المُتَوَسِّطَةَ مِنَ الإعْصار). سُكونٌ عَظيمٌ! يوحنَّا 19: 28: "بَعْدَ هذَا" (أيْ بَعْدَ كُلِّ تِلْكَ الأمورِ الَّتي تَحَدَّثْنا عَنْها) "رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، ... لِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ". لَقَدْ أُكْمِل! لَقَدْ أُكْمِلَ الكُلُّ! وَقَدْ حَمَلَ يَسوعُ خَطايانا. وَالطَّريقُ صَارَ مَفْتُوحًا. وَالحَياةُ بَعْدَ القِيامَةِ صَارَتْ مَضْمُونَةً. قَدْ أُكْمِل. وَفي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الحُلْوَةِ الهَادِئَةِ، قَال: "أَنَا عَطْشَانُ". وَنَرى هُنا بَشَرِيَّتَهُ الكَامِلَةَ الرَّائِعَة! وَلَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ أنَّهُ رَفَضَ أنْ يَشْرَبَ أيَّ شَيْءٍ طَوالَ تِلْكَ المِحْنَةِ لِكَيْ يَخْتَبِرَ كُلَّ الأَلَمِ وَالعَذاب. وَلَكِنْ قَدْ أُكْمِل. "أنَا عَطْشانٌ". "وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعًا مَمْلُوًّا خَّلاً، فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ. فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: «قَدْ أُكْمِلَ». وَنَكَّسَ رَأسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ". وَلَكِنْ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ الرُّوحَ، لِنَرْجِع إلى لُوقا 23 – وَسَأخْتِمُ بِهَذِهِ الفِكْرَة.

لَقَدْ قَالَ يَسوعُ: "أنا عَطْشان"، ثُمَّ قَالَ بانْتِصارٍ: "قَدْ أُكْمِلَ" (وَهِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ باليُونانيَّة)، وَقَبْلَ أنْ يُسْلِمَ الرُّوحَ (لوقا 23: 46): "وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ" – وَهُوَ أمْرٌ مُهِمٌّ جِدًّا. وَنَقْرَأُ الشَّيءَ نَفْسَهُ في مَتَّى 27: 50. وَنَقْرَأُ في مَرْقُسُ 15: 37 الشَّيءَ نَفْسَهُ. وَلَكِنْ مِنَ المُسْتَحيلِ أنْ يَفْعَلَ الشَّخْصُ المَصْلُوبُ ذَلِكَ إنْ كَانَ يَموتُ بِسَبَبِ الصَّلْبِ لأنَّهُ كانَ يَموتُ اخْتِناقًا. فَليسَ هُناكَ أُوكسُجين. وَلَيْسَتْ هُناكَ قُوَّة. وَالمَرْءُ يَكونُ عَاجِزًا عَنِ الهَمْسِ. وَقَدْ يَهْذي بِسَبَبِ الصَّدْمَةِ النَّاجِمَةِ عَنِ المَوْتِ صَلْبًا. وَلَكِنَّ يَسوعَ كَانَ قَوِيًّا ... وَمُنْتَصِرًا. وَقَدْ قَالَ في يوحنَّا 10: "الرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ". وَهُوَ يَقولُ: "لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا". لا أَحَدَ يَأخُذُ حَياتي. وَهَذا هُوَ الدَّليل: "وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ". فَقَدْ صَرَخَ مِنْ أعْماقِ رِئَتَيْهِ بِكُلِّ قُوَّة. وَما الَّذي قَالَهُ؟ "يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي". وَقَدْ فَهِمِ جَميعُ اليَهودِ الوَاقِفينَ هُناكَ مَا قَال. فَقَدْ كَانَ مَا قَالَهُ مُقْتَبَسًا مِنَ المَزْمور 31: 5. أجَلْ، إنَّهُ المَزْمور 31: 5، وَهِيَ آيَةٌ مَعْروفَةٌ. بَلْ إنَّها كَانَتْ مَعْروفَةً جِدًّا لأنَّها كَانَتْ جُزْءًا مِنْ صَلاتِهِمِ المَسَائِيَّة. فَقَدْ كَانُوا يُصَلُّونَ هَذِهِ الكَلِماتِ قَبْلَ نَوْمِهِمْ. لَقَدْ كانَتْ صَلاةُ "في يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوْحي". "فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي". لِذَلِكَ فَقَدْ كَانَ مَا قَالَهُ مَألوفًا جِدًّا لَهُمْ. فَقَدْ كَانُوا يُصَلُّونَ تِلْكَ الصَّلاةَ دَائِمًا. وَلَكِنَّ يَسوعَ أَدْخَلَ تَغْييرَيْنِ عَلَيْها. أوَّلًا، لَقَدْ أَضَافَ شَيئًا: "يا أَبَتاه". فَقَدْ عَادَتِ الشَّرِكَةُ الحُلْوَةُ إلى طَبيعَتِها. فَقَدْ كَانَتْ جَهَنَّمُ هُناكَ طَوالَ ثَلاثِ سَاعاتٍ، ثُمَّ زَالَتْ. وَقَدِ انْتَهَتِ الدَّيْنونَة. وَقَدِ انْتَهى الألَم. وَقَدْ عَادَتِ الشَّرِكَةُ الحُلْوَةُ مَعَ الآبِ إلى طَبيعَتِها.

ثُمَّ حَذَفَ يَسوعُ جُزْءًا مِنْها. فَالعَدَدُ الخَامِسُ مِنَ المَزْمور 31 يَنْتَهي هَكَذا: "فَدَيْتَنِي يَا رَبُّ إِلهَ الْحَقِّ". أوْ "فَدَيْتَني". وَلَكِنَّ يَسوعَ لَمْ يَكُنِ الشَّخْصَ الَّذي نَالَ الفِداءَ عَلى الصَّليب، بَلْ كانَ هُوَ الفَادي. وَيا لِدِقَّةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ! ألَيْسَ كَذَلِك؟ فَقَدْ أَضافَ: "يا أبَتاه" لِكَيْ يَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ العَلاقَةَ مُشْبِعَةٌ وَكَافِيَةٌ جِدًّا. وَقَدْ حَذَفَ الجُزْءَ المُخْتَصَّ بالفِداءِ لأنَّهُ لَمْ يَكُنِ مَنْ نَالَ الفِداءَ، بَلْ كَانَ الفَادي. وَقَدِ اقْتَبَسَ يَسوعُ مِنْ ذَلِكَ المَزْمُورِ لأنَّ المَزْمورَ الحَادي وَالثَّلاثين يُمَثِّلُ صَلاةَ البَارِّ المُتَألِّمِ الَّذي يَقولُ في وَسَطِ آلامِهِ: "الأمْرُ الوَحيدُ الَّذي يُمْكِنُني أنْ أَفْعَلَهُ هُوَ أنْ أُسَلِّمَ قَلْبي لَكَ، وَأنْ أَسْتَوْدِعَ رُوْحي بَيْنَ يَدَيْكَ، وَأنْ أُسَلِّمَكَ حَياتي". وَإذْ كَانَ يَسوعُ الكامِلُ وَالبَارُّ وَالخَالي مِنَ الخَطِيَّةِ يَتَألَّمُ، فَإنَّهُ يُعَبِّرُ في مَوْتِهِ عَنْ ثِقَتِهِ الكَامِلَةِ في مَحَبَّةِ أبيهِ وَوَعْدِهِ بِأنَّهُ سَيَقْبَلُهُ. وَقَدْ قَالَ بُطْرُسُ إنَّهُ لا يَشْتُمُ، بَلْ يَسْتَوْدِعُ نَفْسَهُ لِخَالِقٍ أَمينٍ. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ اسْتِفانُوس اسْتَعارَ ذَلِكَ. وَلَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ أنَّهُ عِنْدَما مَاتَ، فَقَدْ قَالَ: "أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي" - عَلى غِرارِ مَا قَالَهُ يَسوعُ: "يا أَبَتاه، في يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوْحِي".

لِذَلِكَ، يَقولُ لُوقا بَعْدَ ذَلِك: "وَلَمَّا قَالَ هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ". إنَّها كَلِماتٌ بَسيطَةٌ وَمُتَحَفِّظَةٌ، وَلَكِنَّها مُعَبِّرَة. وَهَكَذا فَقَدْ ذَبَحَ اللهُ حَمَلَ الفِصْحِ خَاصَّتَهُ. وَقَدْ كَانَ حَمَلُ الفِصْحِ هَذا هُوَ ابْنَهُ البِكْر. وَكَيْفَ يَنْبَغي لَنا أنْ نَتَجاوَبَ مَعَ ذَلِك؟ حَسَنًا! سَوْفَ نَتَحَدَّثُ عَنْ ذَلِكَ في المَرَّةِ القَادِمَة. وَلَكِنْ لِنَقْرَأ العَدَد 47 وَنَخْتِمْ بِهِ. "فَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ مَا كَانَ" – ماذا؟ ماذا؟ أجَلْ! فَهَذا هُوَ التَّجاوُبُ السَّليمُ، ألَيْسَ كَذَلِك؟ هَلْ مِنْ تَجاوُبٍ آخَرَ غَيْرَ تَمْجيدِ اللهِ؟ فَكُلُّ صَلاةٍ في العَهْدِ الجَديدِ هِيَ تَعْبيرٌ عَنْ تَسْبيحِ اللهِ عَلى الفِداء. وَكَمْ نَوَدُّ أنْ نَنْضَمَّ إلى جَوْقَةِ السَّماءِ وَأنْ نُرَنِّمَ قائِلين: "مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ" أَنْ يَأخُذَ الْقُدْرَةَ وَالكَرامَةَ وَالمَجْدَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّة. فَهُناكَ طَريقَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ للتَّجاوُبِ، وَهِيَ أنْ نَقول (كَما تَقولُ التَّرْنيمَةُ): "لَوْ كَانَ العَالَمُ كُلُّهُ لِي لَكانَتْ تِلْكَ هَدِيَّة صَغيرَة جِدًّا". فَأنا لا أُريدُ أيَّ شَيْءٍ يُقَدِّمُهُ هَذا العَالَمُ. بَلْ إنِّي أُقَدِّمُ الكُلَّ للمَسيح. كُلِّي بِجُمْلَتي!

أَبَانا السَّماوِيّ، نَشْكُرُكَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ الوَاضِحَةِ وَالنَّابِضَةِ بالحَياةِ في الجُلْجَثَةِ إذْ حَمَلَ رَبُّنا يَسوعُ دَيْنونَتَكَ وَغَضَبَكَ بَدَلًا عَنَّا. وَنَحْنُ عَاجِزونَ عَنِ الكَلامِ في هَذِهِ اللَّحْظَةِ إذْ نَتَذَكَّرُ عَظَمَةَ ذَبيحَتِهِ وَعَظَمَةَ نِعْمَتِكَ مِنْ نَحْوِنا بالرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ اسْتِحْقاقِنا. اعْمَلْ، يا رَبُّ، في قُلوبِنا وَاعْطِنا أنْ نَكونَ شَاكِرين. فَنَحْنُ نُريدُ أنْ نَحْيا حَياةً تُعَبِّرُ عَنْ شُكْرِ قُلوبِنا. نُصَلِّي هَذا، كَما هِيَ الحَالُ دَائِمًا، إكْرامًا للمَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

< !--Study Guide -->

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize