Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفْتَحِ الكِتابَ المُقَدَّسَ الآنَ عَلى إنْجيلِ لُوقا البَديعِ وَالرَّائِعِ الَّذي اكْتَشَفْنا أنَّهُ كَنْزٌ عَظيمٌ لَنا. لوقا، الأصْحاح الثَّالِث وَالعِشرون. لوقا، الأصْحاح 23. في رِسالَتِنا الأخيرَةِ مِنْ إنجيل لوقا 23، تَأمَّلْنا (في الأعْداد مِن 44 إلى 46) في مَوْتِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. وَنَأتي الآنَ إلى العَدَد 47. الأعْداد 47-49. تَجاوُبٌ في الجُلْجُثَة. تَجاوُبٌ في الجُلْجُثَة. يُقَدِّمُ لَنا لُوقا مُلَخَّصًا قَصيرًا جِدًّا عَنْ تَجَاوُبِ النَّاسِ مَعَ مَوْتِ يَسوعَ المَسيح: عَنْ تَجاوُبِ الجُنودِ الرُّومانِيِّين. وَعَنْ تَجاوُبِ الجُموعِ. وَعَنْ تَجاوُبِ أتْباعِ يَسوع. وَهِيَ خَاتِمَةٌ مُناسِبَةٌ لِمَا دَوَّنَهُ عَنْ مَوْتِ المَسيحِ لأنَّ كُلَّ تَجاوُبٍ كَانَ في مَكانِهِ الصَّحيح. فَقَدْ تَجاوَبَ الجُنودُ الرُّومانُ كَما كانَ يَنْبَغي أنْ يَتَجاوَبُوا. وَقَدْ تَجاوَبَ الجُموعُ كَما كَانَ يَنْبَغي أنْ يَتَجاوَبُوا. وَقَدْ تَجاوَبَ أَتْباعُ يَسوعَ كَما كَانَ يَنْبَغي أنْ يَتَجاوَبُوا. وَقَدْ كانَ كُلُّ تَجاوُبٍ صَحيحًا وَمُمَيَّزًا. وَهَذِهِ "التَّجاوُباتُ" مُجْتَمِعَةً تُقَدِّمُ لَنا صُوْرَةً عَنِ التَّجاوُبِ التَّامِّ المَطْلوبِ مِنَّا جَميعًا. وَإذْ نَتَقَدَّمُ في هَذا اليَوْمِ إلى مَائِدَةِ الرَّبِّ، لا شَكَّ أنَّهُ يَليقُ بِنا أنْ نَتَأمَّلَ في التَّجاوُبِ مَعَ صَليبِ المَسيح.

ولكِنْ عندَما أَوْصَانا الرَّبُّ أنْ نَصْنَعَ هَذِهِ الفَريضَةَ (أيْ فَريضَةَ المَائِدَة) فَإنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِكَيْ نَتَذَكَّرَ هَذا الحَدَثَ كَتاريخٍ فَقَط، بَلْ لِكَيْ يُلْهِبَ فينا التَّجاوُبَ السَّليم. فَهَذِهِ المَائِدَةُ الَّتي تُذَكِّرُنا بالصَّليبِ مُعَدَّةٌ لِكَيْ تَقودَنا إلى الاعْتِرافِ بِخَطايانا، وَإلى تَجْديدِ تَكْريسِنا وَطَاعَتِنا للهِ. وَهِيَ مُعَدَّةٌ لِكَيْ تَقودَنا إلى التَّعْبيرِ عَنْ شُكْرِنا وَفَرَحِنا. وَهِيَ مُعَدَّةٌ لِتَكونَ شَهادَةً. بِعِبارَةٍ أُخرى، إنَّها التَّعبيرُ الكَامِلُ عَنِ العِبادَةِ الَّتي تَتَضَمَّنُ كُلَّ هَذِهِ العَناصِر. وَعِنْدَما نَتَأمَّلُ في التَّجاوُبِ الَّذي حَدَثَ في ذَلِكَ اليومِ في الجُلْجُثَةِ، يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَفْحَصَ قُلوبَنا وَأنْ نَسْألَ أنْفُسَنا عَنْ مَوْقِفِنا مِنَ الصَّليب.

اسمَحُوا لي أنْ أَقْرَأَ الأعْداد مِنْ 47-49: "فَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ مَا كَانَ، مَجَّدَ اللهَ قَائِلاً: «بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الإِنْسَانُ بَارًّا!» وَكُلُّ الْجُمُوعِ الَّذِينَ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ لِهذَا الْمَنْظَرِ، لَمَّا أَبْصَرُوا مَا كَانَ، رَجَعُوا وَهُمْ يَقْرَعُونَ صُدُورَهُمْ. وَكَانَ جَمِيعُ مَعَارِفِهِ، وَنِسَاءٌ كُنَّ قَدْ تَبِعْنَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، وَاقِفِينَ مِنْ بَعِيدٍ يَنْظُرُونَ ذلِكَ". إنَّ لُوقا لا يُهْدِرُ أيَّ وَقْتٍ. فَما إنْ أَسْلَمَ يَسوعُ الرُّوحَ (في العَدَد 46)، وَماتَ، حَتَّى نَقْرَأُ عَنْ رُدودِ فِعْلٍ حَالًا. وَنَحْنُ هُنا أَمامَ لَحَظاتٍ لا مَثيلَ لَها في التَّاريخ – مَوْتِ المَسيح. وَقَدْ رَأيْنا أنَّهُ حَمَلَ غَضَبَ اللهِ عَنْ خَطايا جَميعِ الَّذينَ آمَنُوا بِهِ عَلى مَرِّ العُصور. وَقَدْ ظَهَرَ اللهُ في الجُلْجُثَة، وَلا سِيَّما مِنَ السَّاعَةِ 12 ظُهْرًا إلى السَّاعَة الثَّالِثَة بَعْدَ الظُّهْر في هَيْئَةِ ظَلامٍ، وفي زَلْزَلَةٍ، وَفي قِيامَةِ القِدِّيسينَ الأمواتِ مِنْ قُبورِهِمْ، وَفي انْشِقاقِ الحِجابِ في قُدْسِ الأقْداسِ مِنْ فَوْق إلى أسْفَل. وَقَدْ ظَهَرَ اللهُ في اسْتِعْراضٍ مُسَبَّقٍ لِيَوْمِ الرَّبِّ الَّذي سَيَكونُ يَوْمَ دَيْنونَة (للخُطاةِ وَالأشرار). وَلَكِنَّهُ في هَذِهِ المَرَّةِ لَمْ يَسْكُبْ دَيْنونَتَهُ عَلى الخُطاةِ، بَلْ سَكَبَ دَيْنونَتَهُ على ابْنِهِ بَدَلًا مِنَ الخُطاة.

وَقَدْ كانَ ذَلِكَ يُشيرُ إلى المُصَادَقَةِ عَلى العَهْدِ الجَديد. لِذَلِكَ فَقَدِ انْشَقَّ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ عَيْنِها حِجابُ الهَيْكَلِ – لأنَّ الطَّريقَ إلى اللهِ صَارَ مَفْتُوحًا تَمامًا. وَقَدْ كانَ ذَلِكَ يُشيرُ إلى زَوالِ الحَاجَةِ إلى الهَيْكَلِ، وَإلى زَوالِ الحَاجَةِ إلى الكَهَنوتِ، وَإلى زَوالِ الحَاجَةِ إلى الذَّبائِحِ، وَإلى زَوالِ الحَاجَةِ إلى التَّدْبيرِ القَديم. فَفي اللَّحْظَةِ الَّتي مَاتَ فيها يَسوع، زَالَتِ الحَاجَةُ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَدْ تَأمَّلْنا في السَّابِقِ في هَذِهِ الأُمورِ. وَالآن، حَانَ الوَقْتُ لِكَيْ نَتَأمَّلَ في رُدودِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ هَذِهِ، وَلِكَيْ نَطْرَحَ عَلى أنْفُسِنا هَذا السُّؤال: مَا هُوَ تَجاوُبي تُجاهَ هَذا الحَدَثِ العَظيمِ الَّذي لَيْسَ لَهُ مَثيل؟

أوَّلًا، فِئَةُ المُقْتَنِعين. المُقْتَنِعين. العَدَد 47: "فَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ مَا كَانَ، مَجَّدَ اللهَ قَائِلاً: «بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الإِنْسَانُ بَارًّا!»" وَيُحَدِّثُنا مَتَّى عَنْهُ. وَمَرْقُس يُحَدِّثُنا عَنْهُ أيْضًا. وَقَدْ كانَتْ شَهادَتُهُ مُسْتَبْعَدَةً جِدًّا جِدًّا! وَيَجْدُرُ بِكُمْ أنْ تَعْرِفُوا المَزيدَ عَنْ قَائِدِ المِئَة. فَقائِدُ المِئَة الرُّومانِيّ كانَ مَسؤولًا عَنْ مِئَةِ جُنْدِيٍّ. لِذَلِكَ فإنَّهُ يُسَمَّى "قائِدُ المِئَة". وَكَانَ هَذا الشَّخْصُ هُوَ المَسؤولُ عَنْهُم. وَكانَ قَادَةُ المِئَة هُمْ حِجارَةُ الأَسَاسِ في فَيْلَقِ الجَيْشِ الرُّومانِيِّ. وَكانَ الجَيْشُ الرُّومانِيُّ بِأسْرِهِ يَتَألَّفُ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرينَ فَيْلَقًا. وَكانَ كُلُّ فَيْلَقٍ يَتَألَّفُ مِنْ نَحْوِ سِتَّةِ آلافِ جُنْدِيٍّ مُقَسَّمينَ إلى عَشْرِ كَتائِبَ يَتَألَّفُ كُلٌّ مِنْها مِنْ سِتِّمِئَةِ جُنْدِيٍّ. وَكانَتْ كُلُّ كَتيبَةٍ تَتَألَّفُ مِنْ ثَلاثَةِ أَفْواجٍ. وَكانَ كُلُّ فَوْجٍ يَتَألَّفُ مِنْ وِحْدَتَيْنِ تَتَألَّفُ كُلٌّ مِنْهُما مِنْ مِئَةِ جُنْدِيٍّ. لِذَلِكَ، في الأصْلِ، كانَتِ الوِحْدَةُ المُؤلَّفَةُ مِنْ مِئَةِ جُنْدِيٍّ هِيَ الأصْغَرُ في الجَيْشِ الرُّومانِيِّ. وَكانَ هُناكَ قَائِدُ مِئَةٍ لِكُلِّ وِحْدَةٍ مِنْ هَذِهِ الوِحْداتِ. وَكانَ قَادَةُ المِئَة جُنودًا مُحَارِبينَ في الأصْل. فَقَدْ كَانُوا يُحارِبونَ في سَاحَةِ المَعارِك. وَقَدْ أَثْبَتُوا جَدارَتَهُمْ وَحَصَلُوا عَلى ذَلِكَ المَنْصِبِ القِيادِيِّ بِسَبَبِ مُؤهِّلاتِهِمْ وَكَفاءَتِهِم. فَقَدْ كَانُوا يُقَدِّمونَ حَياتَهُمْ في سَبيلِ بِلادِهِمْ، وكانُوا قَادَةً في أصْعَبِ الأوْقاتِ وَأكْثَرِها تَهْديدًا.

وَقَدْ كانَ قَائِدُ المِئَة هَذا تَحْديدًا مُؤْتَمَنًا عَلى حِراسَةِ يَسوعَ. وَمِنَ الوَاضِحِ أنَّهُ كانَ مَسؤولًا عَنِ الجُنودِ الَّذينَ كَانُوا مَسؤولينَ بِدَوْرِهِمْ عَنْ هَذا السَّجين. وَقَدْ كَانَ مَسؤولًا، عَلى مَا يَبْدو، عَنِ الجُنودِ الَّذينَ قَبَضُوا عَلى يَسوعَ مَساءَ يَوْمِ الخَميس في البُسْتان. وَقَدْ كَانُوا يَحْرُسونَهُ لِكَيْ يَضْمَنُوا أنَّهُ لَنْ يَهْرُبَ وَأنَّ أَحَدًا لَنْ يُحاوِلَ إنْقاذَهُ. لِذَلِكَ، كانَ هَؤلاءِ الجُنودُ تَحْتَ قِيادَةِ قائِدِ المِئَةِ هَذا الَّذي رَافَقَ يَسوعَ في كُلِّ مُحاكَماتِهِ – وَلا سِيَّما عِنْدَما وَقَفَ أَمامَ بيلاطُس في دَارِ الوِلايَةِ. وَمِنَ المُرَجَّحِ أنَّ قائِدَ المِئَةِ هَذا وَجُنودَهُ هُمُ الَّذينَ سَخِروا مِنْ يَسوع. وَهُمُ الذينَ أَلْبَسُوهُ رِداءً قِرْمِزِيًّا، وَوَضَعُوا قَصَبَةً في يَدِهِ كَما لَوْ كَانَتْ صَوْلَجانًا، وَوَضَعُوا إكْليلًا عَلى رَأسِهِ كَما لَوْ كَانَ تَاجًا مُلوكِيًّا، وَلَكِنَّهُ كَانَ إكْليلًا مِنْ شَوْكٍ. وَكانَ هَؤلاءِ هُمُ الَّذينَ أَخَذُوا تِلْكَ القَصَبَةَ مِنْهُ وَضَرَبُوهُ بِها عَلى رَأسِهِ، وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَسَخِرُوا مِنْهُ، وَاسْتَهْزَأوا بِهِ. وَهُمْ أيْضًا الجُنودُ الَّذينَ كَانُوا شُهودَ عِيانٍ عَلى كُلِّ تِلْكَ المِحْنَةِ مِنْ بِدايَتِها. وَقَدْ سَمِعُوا كُلَّ مَا قِيْلَ، وَسَمِعُوا كُلَّ الاتِّهاماتِ. وَسَمِعُوا كُلَّ شَيءٍ اتَّهَمَهُ رُؤَساءُ اليَهودِ بِهِ. وَقَدْ سَمِعُوا حُكْمَ البَراءَةِ يُنْطَقُ مَا لا يَقِلُّ عَنْ سِتِّ مَرَّاتٍ. وَقَدْ رَأَوْا يَسُوعَ يَتَصَرَّفُ بِطَريقَةٍ تَخْتَلِفُ تَمامًا عَنْ جَميعِ المَساجينِ الآخرينَ الَّذينَ رَأَوْهُمْ طَوالَ حَياتِهِمْ. فَقَدْ كانَ بَريئًا تَمامًا. وَقَدْ تَأكَّدَتْ بَراءَتُهُ المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّة، وَمُجَدَّدًا، وَمَرَّة أُخرى. وَبالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فإنَّهُ لا يَرُدُّ الإسَاءَةَ بِمِثْلِها، وَلا يَصْرُخُ، وَلا يُطالِبُ بِتَطْبيقِ العَدالَةِ الَّتي حُرِمَ مِنْها. بَلْ إنَّهُ احْتَمَلَ الألَمَ بِنِعْمَةٍ وَجَلالٍ طَوالَ تِلْكَ المُحاكَماتِ الظَّالِمَةِ، وَاحْتَمَلَ سُخْرِيَتَهُمْ وَإساءاتِهِمْ بِصَمْتٍ دُوْنَ حَتَّى أنْ يَعْتَرِضَ عَلى ذَلِك. وَمَعَ أنَّهُمْ بَصَقُوا في وَجْهِهِ، وَسَخِرُوا مِنْهُ، وَأَسَاءُوا مُعامَلَتَهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَلْعَنْهُمْ وَلَمْ يُهَدِّدْهُمْ البَتَّة.

وَلا شَكَّ أنَّهُمْ ذُهِلوا بسببِ اخْتِلافِ رَدِّ فِعْلِهِ عَلى مَا يَجْري عَنْ رَدِّ فِعْلِ أيِّ سَجينٍ آخَرَ رَأَوْهُ طَوالَ حَياتِهِمْ. لَمْ يَكُنْ هُناكَ مُسَمَّى يَليقُ بِشَخْصٍ يَتَصَرَّفُ هَكَذا! فَقَدْ كانَ رَجُلًا بَريئًا حُكِمَ عَلَيْهِ بالصَّلْبِ. وَقَدْ كَانُوا هُمُ الَّذينَ سَمَّروهُ عَلى ذَلِكَ الصَّليبِ، أرْبَعَةٌ مِنْهُمْ عَلى الأقل. وَلَكِنْ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ، لا يَبْدو أنَّ تَفَرُّدَ يَسوعَ قَدْ تَرَكَ تَأثيرًا فيهِم. فَقَدْ كَانَتْ قُلوبُهُمْ مُتَحَجِّرَة. وَمَعَ أنَّ يَسوعَ كَانَ سَاكِنًا، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يُؤثِّرْ في طَريقَةِ مُعامَلَتِهِمْ لَهُ. فَهُمْ لَمْ يَتَجاوَبُوا مَعَ سُكُونِهِ وَلَمْ يُعامِلُوهُ بِشَفَقَةٍ البَتَّة. بَلْ إنَّهُمْ لَمْ يُظْهِرُوا لَهُ أيَّ رَحْمَة. فَقَدْ دَقُّوا تِلْكَ المَسامير في مِعْصَمَيْهِ (كَما كَانُوا يَفْعَلونَ مَعَ أيِّ شَخْصٍ آخَرَ)، وَفي قَدَمَيْهِ. وَقَدْ رَفَعُوا خَشَبَةَ الصَّليبِ وَتَرَكُوها تَأخُذُ مَكانَها في حُفْرَةٍ حُفِرَتْ لِهَذِهِ الغَايَة. وَكانَ نُزولُ خَشَبَةِ الصَّليبِ في تِلْكَ الحُفْرَةِ بِعُنْفٍ يَفْتَحُ جُروحَ المَصْلوبِ وَيُمَزِّقُها تَمْزيقًا. وَقَدْ ألْقَوا القُرْعَةَ عَلى مَلابِسِ يَسوعَ وَجَلَسُوا يُراقِبونَهُ وَهُوَ يَموتُ – تَمامًا كَما رَاقَبوا مِئات المَصْلوبينَ مِنْ قَبْل. وَلَكِنْ طَوالَ ذَلِكَ الوَقْت، كَانَ كُلُّ مَا يَجْري يَدُورُ في أَذْهانِهِمْ. فَقَدْ سَمِعُوا يَسوع يُصَلِّي لأجْلِ قَاتِليه: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ". وَقَدْ رَأَوْا الطَّريقَةَ المَهيبَةَ الَّتي كَانَ يَتَألَّمُ فيها. وَقَدْ سَمِعُوهُ يَصْرُخُ إلى أبيهِ. وَقَدْ سَمِعُوهُ يَعِدُ اللِّصَّ التَّائِبَ بالفِرْدَوْسِ مَعَ أنَّهُ كَانَ يَسْخَرُ مِنْهُ في البِدايَة.

ثُمَّ اخْتَبَرُوا شَيئًا لَمْ يَخْتَبِروهُ مِنْ قَبْل: ظَلامٌ دَامِسٌ وَقْتَ الظَّهيرَة! فَقَدْ خَيَّمَ ظَلامٌ دَامِسٌ طَوالَ ثَلاثِ سَاعاتٍ. ثُمَّ تِلْكَ الزَّلْزَلَة الَّتي جَعَلَتِ الصُّخورَ تَتَشَقَّق. وَعندئذٍ، لَمْ يَعُدْ بِإمْكانِهِمْ أنْ يُغْمِضُوا أعْيُنَهُمْ عَنِ الحَقيقَةِ الدَّامِغَة. ثُمَّ هُناكَ البُرْهانُ الأخيرُ. الظَّلامُ، وَالزَّلْزَلَةُ، ثُمَّ نَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَبْلَ مَوْتِهِ مُبَاشَرَةً قائِلًا: "يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي". وَهَذا أَمْرٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مَثيل! فَالنَّاسُ الَّذينَ يَموتونَ عَلى الصَّليبِ يُحْرَمونَ مِنْ وُصولِ الأوكسجينِ إلى أَدْمِغَتِهِمْ وَيَغيبونَ عَنِ الوَعْيِ قَبْلَ أنْ يَموتُوا. لِذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ بِمَقْدورِ أيٍّ مِنْهُمْ أنْ يَأخُذَ نَفَسًا وَاحِدًا، فَكَمْ بِالحَرِيِّ أنْ يَصْرُخَ أَحَدُهُمْ بِصَوْتٍ عَظيمٍ! لِذَلِكَ، فَقَدْ مَاتَ هَذا الرَّجُلُ (أيْ: يَسوعُ) بِإرادَتِهِ، وَكانَ المَوْتُ تَحْتَ سُلْطانِهِ.

وَيَقولُ مَرْقُس: "وَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ الْوَاقِفُ مُقَابِلَهُ أَنَّهُ صَرَخَ هكَذَا وَأَسْلَمَ الرُّوحَ، قَالَ: «حَقًّا كَانَ هذَا الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ!»" وَلَكِنْ مِنْ أيْنَ جَاءَ بِهَذا التَّعبير؟ نَقْرَأُ في إنْجيل يُوحَنَّا 19: 7 أنَّ اليَهودَ اتَّهَمُوا يَسوعَ بِهَذِهِ التُّهْمَةِ قائِلينَ إنَّهُ "جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ". وَقَدِ اسْتَنْتَجَ قَائِدُ المِئَة أنَّهُ كَذَلِك. وَيَقولُ مَتَّى إنَّ الزَّلْزَلَةَ حَدَثَتْ في ذَاتِ اللَّحْظَةِ الَّتي صَرَخَ فيها يَسوعُ؛ وَهُوَ أمْرٌ جَعَلَ قائِدَ المِئَةِ وَالجُنودَ الذينَ كَانُوا مَعَهُ (بَعْدَ أنْ رَأوا الزَّلْزَلَةَ وَكُلَّ مَا حَدَثَ) جَعَلَهُمْ يَخافونَ جِدًّا. وَهَذا التَّعْبيرُ "خَافُوا جِدًّا" هُوَ التَّعبيرُ نَفْسُهُ الَّذي جَاءَ عِنْدَ الحَديثِ عَنْ حَادِثَةِ التَّجَلِّي على الجَبَلِ إذْ إنَّ بُطْرُسَ وَيَعْقوبَ وَيُوحَنَّا "خَافُوا جِدًّا" عِنْدَما رَأَوْا يَسوع في مَجْدِهِ.

وَهَذا الخَوْفُ هُوَ رَدُّ الفِعْلِ الطَّبيعيّ للنَّاسِ الذينَ يُدْرِكونَ هُوِيَّةَ يَسوعَ الحَقيقيَّة. فَقَدْ أدْرَكُوا أنَّهُمْ صَلَبُوا ابْنَ اللهِ. وَيُخْبِرُنا لُوقا أنَّ قَائدَ المِئَة قَال: "بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الإِنْسَانُ بَارًّا!" ... بارًّا! إنَّها لَيْسَتْ جُمْلَةً عَنِ البَراءَةِ فَقَط. بَلْ هِيَ جُمْلَةٌ تُؤكِّدُ بِرَّ يَسوعَ؛ وَهُوَ أَمْرٌ جَعَلَ قَائِدَ المِئَة وَالجُنودَ الآخَرينَ يُمَجِّدونَ اللهَ – لا سِيَّما حِيْنَ تَقابَلُوا مَعَ اللهِ الحَقيقيِّ وَأدْرَكُوا أنَّ ابْنَ اللهِ الحَقيقيّ هُوَ البَارّ. وَقَدْ كَانَ هَؤلاءِ أوَّلَ مَنِ اهْتَدُوا إلى المَسيحِ بَعْدَ لَحَظاتٍ مِنْ مَوْتِهِ عَلى الصَّليب. فَقَدْ آمَنُوا حَالَ مَوْتِهِ.

وَهُناكَ تَفاصيلُ أُخرى كَثيرَة أَتَمَنَّى أنْ أَعْرِفَها بِشَأنِ مَا كَانُوا يُفَكِّرونَ بِهِ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَنْتَظِرَ إلى أنْ نَذْهَبَ إلى السَّماءِ لِكَيْ نَعْرِفَ تِلْكَ التَّفاصيل. فَهَلْ كَانُوا يَعْلَمونَ أنَّ العَهْدَ القَديمَ وَعَدَ بِأنَّ المَسِيَّا سَيُدْعى "البَارّ"؟ فالمَزْمور 16: 10 يَقول عَنْهُ إنَّهُ بَارٌّ. وَنَقْرَأُ في سِفْرِ إشَعْياء 53: 11 أنَّهُ البَارّ. وَنَقْرَأُ في سِفْرِ إرْميا 23: 5 إنَّهُ البَارّ. وَهَذا هُوَ الدَّليلُ السَّابِعُ عَلى بَراءَةِ يَسوع. والكَلِمَةُ المُسْتَخْدَمَةُ هُنا هِيَ "ديكايوس" (dikaios)، وَهِيَ تَعْني: "بَارّ". وَمِنْ وُجْهَةِ النَّظَرِ البَشَرِيَّةِ، كانَ الأمْرُ بِرُمَّتِهِ جَريمَةً نَكْراءَ بِحَقِّ العَدالَةِ. وَكَانُوا مُذْنِبينَ بِاقْتِرافِها لأنَّ مَا فَعَلوهُ كَانَ جَريمَةً تُخالِفُ مَشيئَةَ اللهِ. وَلَكِنْ مِنْ وُجْهَةِ النَّظَرِ الإلَهِيَّةِ كانَ مَا فَعَلوهُ جَريمَةً نَكْراءَ، وَلَكِنَّها حَدَثَتْ بِسَماحٍ مِنَ اللهِ. وَقَدْ صَعَقَتْهُمْ هَذِهِ الحَقيقَة. فَهُمْ قَتَلوا في الحَقيقَةِ لا رَجُلًا بَريئًا فَحَسْب، بَلْ أيْضًا رَجُلًا بارًّا. فالبَراءَةُ تَعْني أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ أيَّ شَيْءٍ مِمَّا اتَّهَموهُ بِهِ. وَأمَّا أنَّهُ بَارٌّ فَيَعْني أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا سِوى البِرِّ في حَياتِهِ. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُمْ قَتَلُوا ابْنَ اللهِ.

وَلَمْ يَكُنْ قائِدُ المِئَة الشَّخْصَ الوَحيدَ الَّذي اهْتَدى إلى يَسوعَ، بَلْ إنَّ الجُنودَ الَّذينَ مَعَهُ اهْتَدُوا أيْضًا. وَيُمْكِنُنا أنْ نَسْألَهُمْ عَنِ التَّفاصيلِ عِنْدَما نَراهُمْ في السَّماءِ. وَلَكِنْ على أيِّ حَالٍ، فَقَدِ اسْتَوْعَبُوا الأمْرَ بِرُمَّتِهِ. فَقَدْ سَمِعوا أقْوالَ يَسوعَ. وَقَدْ سَمِعُوا الاتِّهاماتِ الَّتي وُجِّهَتْ إليهِ. وَقَدْ وَصَلُوا إلى الاسْتِنْتاجِ الصَّحيحِ. وَلا شَكَّ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ أَعانَهُمْ وَسَاعَدَهُمْ على إدْراكِ ذَلِكَ. فالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي جلَبَ إلى المَلَكوتِ لا اللِّصَّ فَقَطْ، بَلْ أيْضًا بَعْضَ الجُنودِ الرُّومانِ المُتَحَجِّري القُلوبِ وَالوَثَنِيِّينَ الَّذينَ كَانُوا يَعْبُدونَ الأصْنام. فَقَدْ كَانَ الدَّليلُ دَامِغًا فاقْتَنَعُوا.

أمَّا الآيَةُ الَّتي تَلي ذَلِكَ فَتُحَدِّثُنا عَنِ الأشْخاصِ الَّذينَ شَعَروا بالتَّبْكيت. أجَل، التَّبكيت: "وَكُلُّ الْجُمُوعِ الَّذِينَ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ لِهذَا الْمَنْظَرِ، لَمَّا أَبْصَرُوا مَا كَانَ، رَجَعُوا وَهُمْ يَقْرَعُونَ صُدُورَهُمْ". وَنَحْنُ هُنا نَلْتَقي مُجَدَّدًا الجُموعَ المُتَقَلْقِلين. وَيا لَهُ مِنْ أُسْبوعٍ حَافِلٍ! فَنَحْنُ هُنا أَمامَ مَشاعِرَ مُتَأرْجِحَة. يا للعَجَب! فَلْنَرْجِعْ إلى يَوْمِ الإثْنَيْن عِنْدَما دَخَلَ يَسوعُ المَدينَةَ. فَقَدْ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ أمامَهُ. وَقَدْ رَاحُوا يُنادُونَ بأنَّهُ ابْنُ دَاوُد وَالمَسِيَّا: "أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ!" وَقَدْ نَادُوا بِهِ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَالمَسِيَّا. فَقَدْ كَانَ هُوَ رَجاءُ قُلوبِهِمْ. وَقَدْ كانَ مَا حَدَثَ مَصْدَرَ فَرَحٍ لَهُمْ. بَلْ إنَّهُ فَرَحٌ عَظيم! وَهِيَ سَعادَةٌ لا يُعَبَّرُ عَنْهاـ بَلْ يَصْعُبُ وَصْفُها. فَقَدْ كَانُوا مُبْتَهِجينَ جِدًّا إذ حَانَتِ اللَّحْظَةُ الَّتي كَانُوا يَنْتَظِرونَها. وَكانَتْ مَشاعِرُ النَّاسِ مُلْتَهِبَةً لأنَّ المَسِيَّا الَّذي طَالَ انْتِظارُهُمْ لَهُ قَدْ جَاءَ أخيرًا. وَبِسَبَبِ تِلْكَ المَشاعِرِ المُتَأجِّجَةِ، كانَتْ قُلوبُهُمْ تَخْفُقُ بِشِدَّة وَهُمْ يُفَكِّرونَ في حَقيقَةِ أنَّ المَسِيَّا قَدْ جَاءَ أخيرًا بَعْدَ انْتِظارٍ دَامَ مِئاتِ السِّنين! لَقَدْ كَانَ فَرَحًا لا يُنْطَقُ بِهِ.

وَبَعْدَ أيَّامٍ قَليلَةٍ، صَباحَ يَوْمِ الجُمْعَة، تَغَيَّرَتْ مَشاعِرُهُمْ تَمامًا. فَلَمْ يَعُدْ هُناكَ فَرَحٌ عَظيمٌ، بَلْ غَضَبٌ هَائِلٌ، وَكَراهِيَةٌ وَعَداوَةٌ شَديدَتَيْنِ إذْ رَاحُوا يَصْرُخون: "اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ! ... لاَ نُرِيدُ أَنَّ هذَا يَمْلكُ عَلَيْنَا! ... دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا!" أجَلْ، لَقَدْ تَغَيَّرَتْ مَشاعِرُهُمْ مِنَ النَّقيضِ إلى النَّقيض. وَبَعْدَ كُلِّ تِلْكَ المَشاعِرِ المُتَأرْجِحَةِ، نَرى هُنا التَّعبيرَ الأخيرَ عَنْ مَشاعِرِهِمْ. وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ؟ لَقَدْ خَافُوا، وَرَاحُوا يَقْرَعونَ صُدورَهُمْ، وَشَعَرُوا بالذُّعر. لَقَدْ كانُوا مَرْعُوبين. فَنَحْنُ نَقْرَأُ في العَدَد 48: "وَكُلُّ الْجُمُوعِ الَّذِينَ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ لِهذَا الْمَنْظَرِ" – أيْ جَميعُ الَّذينَ ابْتَدَأوا بالتَّجَمُّعِ مُنْذُ الصَّباحِ وَاسْتَمَرُّوا في التَّجَمُّعِ طَوالَ اليَوْمِ إذْ وَقَفُوا حَوْلَ الصَّليبِ وَاجْتَمُعوا لِرُؤيَةِ هَذِهِ الـ "ثِيُوريا" (theoria)، أوْ "هَذا المَنْظَرِ" (وَهِيَ المَرَّةُ الوَحيدَةُ الَّتي تُسْتَخْدَمُ فيها هَذِهِ الكَلِمَة). فَهُوَ مَشْهَدٌ لا مَثيلَ لَهُ. وَهُوَ مَشْهَدٌ لا يُشابِهُهُ شَيْءٌ آخَرُ في الجُلْجُثَة. إنَّهُ مَشْهَدٌ إلَهِيٌّ في الجُلْجُثَة. وَماذا كَانَ رَدُّ فِعْلِهِمْ؟ لَقَدْ خَافُوا جِدًّا!

لِماذا؟ فَالأمْرُ كُلُّهُ ابْتَدَأَ كَمَهْزَلَةٍ، أليسَ كَذَلِك؟ فَهُمُ الَّذينَ ابْتَدَأوا في السُّخْرِيَةِ مِنْ يَسوعَ، وَالتَّجديفِ عَلَيْهِ، وَالاسْتِهْزاءِ بِهِ، وَتَعْييرِهِ. وَلَكِنَّ اللهَ جَاءَ وَأدْرَكُوا حُضُورَهُ مِنْ خِلالِ الظَّلامِ الدَّامِسِ وَالزَّلْزَلَةِ. وَحينئذٍ، صَارَتِ المَسْرَحِيَّةُ الكُوميديَّةُ مَأسَاةً. وَقَدْ سَادَ صَمْتٌ مُطْبِقٌ طَوالَ ثَلاثِ سَاعاتٍ. فَعَلى أَقَلِّ تَقْديرٍ، لا نَقْرَأُ أنَّهُمْ قَالوا أيَّ شَيْءٍ أوْ أنَّ يَسوعَ تَكَلَّمَ في هَذهِ السَّاعاتِ الثَّلاث. وَلَكِنَّ اللهَ سَكَبَ غَضَبَهُ وَسُخْطَهُ فارْتَعَبُوا مِنَ الظُّلْمَةِ، وَمِنَ الزَّلْزَلَةِ الَّتي شَقَّقَتِ الصُّخورَ. وَهَذا هُوَ مَا يَقولُهُ النَّصُّ: "وَكُلُّ الْجُمُوعِ الَّذِينَ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ لِهذَا الْمَنْظَرِ، لَمَّا أَبْصَرُوا مَا كَانَ [أيْ بَعْدَ أنْ شَاهَدُوا الظَّلامَ وَالزَّلْزَلَةَ وَحُضورَ اللهِ]، رَجَعُوا" إلى المَدينَة. وَكانَتِ السَّاعَةُ آنَذاكَ الثَّالِثَةَ بَعْدَ الظُّهْر. وكانَ الوَقْتُ قَدْ حَانَ لِذَبْحِ حُمْلانِ الفِصْحِ مَا بَيْنَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ وَالخَامِسَة. وَكانَ يَنْبَغي أنْ يَذْهَبُوا إلى الهَيْكَل. وَإنْ لَمْ يَكوُنوا قَدْ سَمِعُوا بِما حَدَثَ، سَيَجِدونَ اضْطِرابًا عَظيمًا عِنْدَ وُصولِهِمْ إلى الهَيْكَل. فَقَدْ كانَتْ هُناكَ عَشَراتُ الآلافِ مِنَ الحَيَواناتِ الجَاهِزَةِ للذَّبْحِ مِنْ قِبَلِ جَماعَةِ الكَهَنَةِ الَّذينَ كَانُوا مَذْعُورينَ لأنَّ حِجابَ الهَيْكَلِ انْشَقَّ مِنْ فَوْق إلى أسْفَل. وَهُوَ الحِجابُ الَّذي يَفْصِلُ قُدْسَ الأقْداسِ عَنْ خَيْمَةِ الاجْتِماعِ. وَكانَ قُدْسُ الأقْداسِ مَكانَ حُضورِ اللهِ. لِذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَجْرُؤُ عَلى الدُّخولِ إلى هُناكَ باسْتِثْناءِ شَخْصٍ وَاحِدٍ مَرَّةً في السَّنَة، وَهُوَ رَئيسُ الكَهَنَةِ في يَوْمِ الكَفَّارَة. وَهُوَ لا يَسْتَطيعُ الدُّخولَ إلى قُدْسِ الأقْداسِ إلَّا بَعْدَ أنْ يُقَدِّمَ ذَبيحَةً عَنْ خَطاياه، ثُمَّ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ هُناكَ سَريعًا. وَلَكِنَّ الطَّريقَ إلى حَضْرَةِ اللهِ صَارَ مَفْتُوحًا الآن. وَقَدْ كانَ الاضْطِرابُ في مَنْطِقَةِ الهَيْكَلِ عَظيمًا جِدًّا. لِذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَدْري مَا يَنْبَغي أنْ يَفْعَل.

وَعِنْدَما عَادَ هَؤلاءِ (مِنَ المَكانِ الَّذي صُلِبَ فيهِ يَسوعُ وَاللِّصَّيْنِ) للاحْتِفالِ بِعِيْدِ الفِصْحِ، لَمْ يَذْهَبُوا بِفَرَحٍ. فَقَدِ انْتَهى العَرْضُ الهَزَلِيُّ وَحَلَّ مَحَلَّهُ عَرْضٌ مَأسَاوِيٌّ. وَنَقْرَأُ أنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلونَ شَيْئًا وَاحِدًا: "يَقْرَعُونَ صُدُورَهُمْ!" ... "يَقْرَعُونَ صُدُورَهُمْ!" وَصَدِّقوني أنَّ الحَدَثَ فَقَدَ بَريقَهُ. وَقَدِ شَعَرُوا بِجُرْحٍ مُميتٍ في نُفوسِهِمْ لا يَنْدَمِل. وَبِسَبَبِ شُعورِهِمْ بالذَّنْبِ شَعَرُوا بألمٍ شَديدٍ لا يُمْكِنُ تَسْكِيْنُهُ. فَقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللهَ أَظْهَرَ نَفْسَهُ. وَالآنْ، صَارَتْ كَلِماتُ التَّجْديفِ الَّتي نَطَقُوا بِها دُوْنَ عَناءٍ سَبَبًا في قَلَقِهِمْ، وَشُعورِهِمْ بالذَّنْبِ وَالخَوْف. لِذَلِكَ فَقَدْ كَانُوا يَقْرَعونَ صُدورَهُمْ.

وَهَذا يُذَكِّرُنا بالعَشَّارِ. أليسَ كَذَلِك؟ فَنَحْنُ نَقْرَأُ في لُوقا 18: 13 أنَّهُ كَانَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ بِسَبَبِ شُعورِهِ بالخَوْفِ والذَّنْبِ، بَلْ إنَّهُ نَظَرَ إلى أسْفَل وَقَرَعَ صَدْرَهُ قائِلًا: "اللَّهُمَّ ارْحَمْني أنا الخَاطِئ!" وَقَدْ كانَتْ هَذِهِ طَريقَة اليَهودِ في التَّعبيرِ عَنِ الشُّعورِ بالذَّنْبِ وَالخَوْفِ لأنَّهُمْ خَالَفُوا مَشيئَةَ اللهِ. وَقَدْ كانَتِ المُعْجِزَةُ الَّتي حَصَلَتْ هِيَ الَّتي جَعَلَتْهُمْ يَخافونَ وَيَرْتَعِبون. وَهَذا أيضًا، يا أحِبَّائي، رَدُّ فِعْلٍ سَليمٍ. فَخَشْيَةُ اللهِ هِيَ تَجاوُبٌ سَليمٌ. وَهِيَ تَجاوُبٌ مَطْلوبٌ. فَمِنَ الصَّوابِ أنْ يَشْعُرَ المَرْءُ بالخَوْفِ مِنَ الخَطِيَّةِ وَمِنْ رَفْضِ يَسوعَ المَسيح. وَيَجِبُ عَلى الخَاطِئِ أنْ يَخْشَى الدَّينونَةَ الإلهيَّةَ بِسَبَبِ نَظْرَتِهِ إلى المَسيح. فَهَذا الخَوْفُ مُفيدٌ. وَمَعَ أنَّ النَّصَّ لا يُطْلِعُنا عَمَّا حَدَّثَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنِّي عَلى يَقينٍ بِأنَّ هَذا الشُّعورَ بالذَّنْبِ الَّذي نَقْرَأُ عَنْهُ هُنا كَانَ اسْتِعْدادًا لِشَيءٍ سَيَحْدُثُ لاحِقًا.

إذًا فَقَدْ نَزَلُوا عَنْ ذَلِكَ التَّلِّ وَهُمْ يَشْعُرونَ بالذَّنْبِ. وَكانَ ذَلِكَ الشُّعورُ بالذَّنْبِ سَيَزْدادُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَيَوْمًا تِلْوَ الآخَرِ لأنَّهُمْ لَنْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ مَحْوِ تِلْكَ الحَادِثَةِ مِنْ ذَاكِرَتِهِمْ. وَعِنْدَما نَهَضَ بُطْرُسُ في يَوْمِ الخَمْسين وَوَعَظَ، خَتَمَ عِظَتَهُ بِهَذِهِ الكَلِمات: "فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا". وَقَدْ عَمِلَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ عَلى مُضَاعَفَةِ شُعورِهِمْ بالذَّنْبِ، وَعلى زَيادَةِ خَوْفِهِمْ مِنْ دَيْنونَةِ اللهِ بِسَبَبِ مَا فعَلوه. فَلَمَّا سَمِعُوا تِلْكَ الكَلِماتِ (في العَدَد 37): "نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ". فَقَدْ كَانَتْ قُلوبُهُمْ قَدْ تَخَلَّصَتْ مِنْ جُزْءٍ مِنْ قَساوَتِها بِسَبَبِ مَا حَدَثَ عِنْدَ الصَّليب. وَأنا مُتَيَقِّنٌ أنَّ مَشَاعِرَ الذَّنْبِ وَالخَوْفِ الَّتي شَعَرَ بِها هَؤلاءِ وَهُمْ يُغادِرونَ الجُلْجُثَة كَانَتْ تَمْهيدًا لِعِظَةِ بُطْرُسَ في يَوْمِ الخَمْسين. فَقَدْ قَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: "مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟ بِعِبارَةٍ أُخرى، كَيْفَ نَنْجُو مِنْ غَضَبِ اللهِ بِسَبَبِ جَرائِمِنا الَّتي اقْتَرَفْناها بِحَقِّ المَسيح؟ لَقَدْ كانَ هَذا هُوَ سُؤالُهُمْ. وَقَدْ قَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ".

اخْلُصُوا! "فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ". وَقَدِ ابْتَدَأَ الاسْتِعْدادُ الأوَّلِيُّ لِتِلْكَ التَّوْبَةِ في يَوْمِ الخَمْسين – حِيْنَ قَرَعُوا صُدورَهُمْ في خَوْفٍ وَهَلَعٍ وَذُعْرٍ بِسَبَبِ مَا فَعَلوهُ بِيَسوع. وَإنْ قَرَأتُمُ الأصْحاحَ الثَّالِثَ مِنْ سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل، سَتَرَوْنَ أنَّ رِسالَةَ إنْجيلِ يَسوعَ المَسيحِ هِيَ أنَّ يَسوعَ المَسيحِ الَّذي صَلَبوهُ هُوَ حَقًّا الرَّبُّ وَالمَسِيَّا. وَقَدْ بَقِيَ صَدَى هَذِهِ الرِّسالَةِ يَتَرَدَّدُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ في جَميعِ أرْجاءِ أُورُشَليم. وَقَدْ حَاوَلَ رُؤساءُ اليَهودِ أنْ يَمْنَعُوا الرُّسُلَ. وَقَدْ قَبَضُوا عَلَيْهِمْ. وَلَكِنَّ ذَلِكَ، في الوَاقِعِ، لَمْ يَجْعَلْهُمْ يَتَوَقَّفونَ لأنَّ العَمَلَ كَانَ قَدِ ابْتَدَأَ أصْلًا في قُلوبِ أُناسٍ كَثيرينَ جِدًّا مِمَّنْ كَانُوا هُناك. وَبالرَّغْمِ مِنْ أنَّ رُؤساءَ اليَهودِ حَاوَلُوا أنْ يُسْكِتُوا الرُّسُلَ، فَإنَّنا نَقْرَأُ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل 4: 4: "وَكَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا الْكَلِمَةَ آمَنُوا، وَصَارَ عَدَدُ الرِّجَالِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفٍ". فَقَدْ كَانُوا نَحْوَ ثَلاثَةِ آلافِ رَجُلٍ. وَيُمْكِنُنا أنْ نَفْتَرِضَ وُجودَ نِساءٍ أيْضًا. وَقَدْ صَارَ العَدَدُ الآنَ نَحْوَ خَمْسَةِ آلافٍ، فَضْلًا عَنِ النِّساء. فَقَدْ كانَ آلافُ النَّاسِ يَهْتَدونَ إلى المَسيحِ في الأسابيعِ الَّتي أَعْقَبَتْ مَوْتَهُ. وَقَدِ ابْتَدَأَ الاسْتِعْدادُ لِذَلِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى التَّلِّ عِنْدَما امْتَلأُوا مِنْ خَوْفِ اللهِ.

وَهَذا تَجاوُبٌ سَليمٌ. إنَّهُ تَجاوُبٌ صَحيحٌ. وَهُوَ تَجاوُبٌ يَنْبَغي أنْ يَقودَ إلى التَّوْبَةِ، وَالخَوْفِ، وَالشُّعورِ بالذَّنْبِ، وَالقَلَقِ، وَالرُّعْبِ. وَهُوَ خَوْفٌ يَنْبَغي أنْ يَقودَ إلى التَّوْبِةِ وَالإيمانِ بالمَسيح. وَعِنْدَما يَحْدُثُ ذَلِكَ فَإنَّ الخَلاصَ هُوَ النَّتيجَة. لِذَلِكَ، كانَ هَذا هُوَ التَّجاوُبُ الصَّحيحُ مِنْ قِبَلِ الرُّومانِ الَّذينَ قَبِلوا أنَّ يَسوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ. وَكانَ هَذا هُوَ التَّجاوُبُ الصَّحيحُ مِنْ قِبَلِ الشَّعْبِ الَّذينَ شَعَروا بالخَوْفِ. وبالنِّسْبَةِ إلى الآلافِ مِنْ هَؤلاء، كانَ هَذا هُوَ مَا اقْتَادَهُمْ إلى التَّوْبَةِ وَالإيمانِ بالمَسيحِ رَبًّا في وَقْتٍ لاحِقٍ.

وَتَبْقى هُناكَ فِئَةٌ أخيرَةٌ. العَدَد 49: "وَكَانَ جَمِيعُ مَعَارِفِهِ، وَنِسَاءٌ كُنَّ قَدْ تَبِعْنَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، وَاقِفِينَ مِنْ بَعِيدٍ يَنْظُرُونَ ذلِكَ". جَميعُ مَعارِفِهِ وَنِساءٌ – إنَّهُ تَذْييلٌ يُشيرُ إلى أتْباعِ يَسوع. فَقَدْ كانَتْ هُناكَ نِساءٌ تَبِعْنَهُ مِنَ الجَليل. وَكانَتْ "سُوْسَنَّة" (إنْ كُنْتُمْ تَذْكُرونَها مِنَ الأصْحاحِ الثَّامِنِ) وَاحِدَةً مِنْهُنَّ. وكانَتْ هُناكَ مَرْيَمُ المَجْدَلِيَّة. وكانَتْ هُناكَ مَرْيَمُ، أُمُّ يَسوع. وكانَتْ هُناكَ نِساءٌ أُخْرَياتٌ تَبِعْنَ الرَّبَّ. وَيَذْكُرُ لَنا يُوحَنَّا أسْماءَ هَؤلاءِ في إنْجيل يُوحَنَّا، الأصْحاح 19، والأعْداد مِنْ 25 إلى 27. وَهُوَ يُعَرِّفُهُنَّ. واسْمَحُوا لي أنْ أَقْرَأَ لَكُمْ مَا كَتَب. فَهُوَ يَقولُ: "وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ". وَكانَ هُناكَ أتْباعٌ آخَرونَ لِيَسوعَ - كَما ذَكَرْتُ، وَكَما جَاءَ في الأصْحاحِ الثَّامِنِ مِنْ إنْجيلِ لُوقا.

وَكانَ هُناكَ أيْضًا التِّلميذُ الَّذي كَانَ يَسوعُ يُحِبُّهُ (أيْ: يُوحَنَّا). وَيُخْبِرُنا يُوحَنَّا في الآياتِ الَّتي قَرَأتُها للتَّوِّ أنَّ هَؤلاءِ كُنَّ وَاقِفاتٍ عِنْدَ الصَّليب. وَقَدْ كُنَّ هُناكَ عِنْدَما ابْتَدَأتْ عَمَلِيَّةُ الصَّلْبِ، أيْ أوَّلَ الأمْرِ إذا كُنْتُمْ تَذْكُرون. وَقَدْ قَالَ يَسوعُ لأُمِّهِ: "هُوَذَا ابْنُكِ". وَقالَ لِيُوحَنَّا: "هُوَذَا أُمُّكَ". وَبِذَلِكَ فَقَدْ أَوْكَلَ إلى يُوحَنَّا مُهِمَّةَ العِنايَةِ بِأُمِّهِ. وَأمَّا الآن، فَإنَّ هَؤلاءِ لا يَقِفونَ عِنْدَ الصَّليبِ. فَالآيَةُ 49 تَقولُ إنَّهُمْ كَانُوا "وَاقِفِينَ مِنْ بَعِيدٍ". فَبَعْدَ انْتِهاءِ المَهْزَلَةِ وَتَوَقُّفِ الجَميعِ عَنِ الاسْتِهْزاءِ وَالسُّخْرِيَةِ، مِنَ المَنْطِقِيِّ جِدًّا أنْ نَتَوَقَّعَ أنَّهُمْ لَمْ يَحْتَمِلُوا مَا كانَ يَجْري لِيَسوعَ الَّذي كَانُوا يُحِبُّونَهُ جِدًّا. لِذَلِكَ فَقَدْ وَقَفُوا مِنْ بَعيد. وَبَعْدَ كُلِّ تِلْكَ الظُّلْمَةِ وَرُعْبِ الدَّيْنونَةِ الَّذي حَلَّ عَلى المَكانِ، رُبَّما ظَنُّوا أنَّهُ عِنْدَما يَأتي اللهُ فَإنَّهُ سَيُهْلكُ الرُّومانَ وَيُميتُ اليَهودَ. وَلِكِنْ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ، نَزَلَ غَضَبُ اللهِ عَلى المَسيح. لِذَلِكَ، فَقَدْ كَانُوا وَاقِفينَ مِنْ بَعيد.

وَقَدْ يُخَيَّلُ لَنا أنَّنا لا نَعْلَمُ مَا كانَ يَدُورُ في أذْهانِهِمْ لأنَّ النَّصَّ لا يَقولُ إلَّا أنَّهُمْ كَانُوا "يَنْظُرُونَ ذلِكَ" ... "يَنْظُرونَ ذَلِكَ". وَلَكِنْ في رَأيي أنَّ هَذا يُعَبِّرُ عَنْ كُلِّ شَيءٍ، يا أصْدقائي. فَقَدْ كانُوا يَنْظُرونَ دُوْنَ تَعْليقٍ. لِماذا؟ لأنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا مَا يَقولونَهُ. فَقَدْ كَانُوا مَصْدومينَ وَمَذْهولين. فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِذَلِكَ أنْ يَحْدُث؟ إنَّهُمْ لا يَسْتَوعِبونَ الأمْرَ. إنَّهُ المَسِيَّا، وَهُمْ عَلى يَقينٍ مِنْ ذَلِك. إنَّهُ ابْنُ اللهِ. وَهُمْ وَاثِقونَ مِنْ ذَلك. وَلَكِنَّهُمْ تَحَطَّمُوا بِسَبَبِ مَا حَدَثَ لَهُ. وَهُمْ لَا يَفْهَمونَ مَا جَرى وَلا يَسْتَوْعِبونَهُ. فَهُوَ لا مَعْنى لَهُ. وَقَدْ كانَ هَذا هُوَ المَوْقِفُ نَفْسُهُ الَّذي أَظْهَرَهُ التِّلميذانِ في الطَّريقِ إلى عِمْواس لأنَّهُما كانَا عَاجِزَيْنِ عَنِ اسْتيعابِ مَا حَدَث. فَكُلُّ مَا في الأمْرِ هُوَ أنَّهُمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ فَهْمِ مَا قَدْ جَرى. فَيَبْدو أنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدِ انْتَهى. وَقَدْ كانَ ذَلِكَ صَادِمًا. لِذَلِكَ فَقَدْ صَمَتُوا بِسَبَبِ الصَّدْمَة. وَهَذا أيْضًا رَدُّ فِعْلٍ سَليم إنْ كانَ الصَّليبُ هُوَ النِّهايَة. فَإنْ كَانَ المَوْتُ على الصَّليبِ هُوَ النِّهايَة، لا يَسَعُنا إلَّا أنْ نَقِفَ مَصْدومين. وَقَدْ لَزِمَ هَؤلاءِ الصَّمْتَ لأنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا مَا يَقولونَهُ. لِذَلِكَ فَقَدْ أرْغَمَتْهُمُ الصَّدْمَةُ على الصَّمْت.

بَقِيَتِ الأُمورُ عَلى حَالِها حَتَّى الأصْحاح 24، وَتَحْديدًا، حَتَّى صَباحِ يَوْمِ الأحَد حِيْنَ عَلِمَ أتْباعُ يَسوعَ (مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ) أنَّهُ حَيٌّ. وَلا بَأسَ، يا أحِبَّائي، أنْ نَقِفَ مَدْهُوشينَ وَنَحْنُ نَتَأمَّلُ في الصَّليب. أَجَلْ، لا بَأسَ في أنْ نَقِفَ مَصْدومينَ حِيْنَ نَتَأمَّلُ في الصَّليب. وَلَكِنَّ القِيامَةَ تُغَيِّرُ ذَلِكَ كُلَّهُ إلى فَرَحٍ عَظيمٍ. فَلا يَسَعُني أنْ أسْتَوْعِبَ مِقْدارَ حُزْنِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْم. فَمِنَ المُسْتَحيلِ أنْ نَصِفَ مِقْدارَ الحُزْنِ الَّذي شَعُروا بهِ بِسَبَبِ مَا رَأَوْهُ بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ. وَلَكِنَّ حُزْنَهُمْ صَارَ فَرَحًا عِنْدَما قَامَ (يَسوعُ) مِنَ القَبْرِ. إنَّ رُدودَ الفِعْلِ الثَّلاثِ الَّتي يُقَدِّمُها لَنا لُوقا تُذَكِّرُنا بِأنَّ يَسوعَ مَاتَ لِكَيْ يُعْطي الخُطاةَ يَقينًا بِأنَّهُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ يَقْتادَهُمْ إلى التَّوْبَةِ عَنْ خَطاياهُم، وَلِكَيْ يَجْعَلَ الخُطاةَ يَقْبَلونَ مَوْتَهُ وَقِيامَتَهُ؛ وَبالتَّالي: خَلاصَهُ.

فَما هُوَ تَجاوُبُكَ؟ هَلْ أنْتَ مُقْتَنِعٌ؟ هَلْ تَشْعُرُ بالتَّبْكيت؟ وَهَلْ زَالَ كُلُّ تَشْويشٍ لَدَيْكَ وَتَلاشَتْ حَيْرَتُكَ في ظِلِّ مَجْدِ القِيامَة؟ هَذا هُوَ مَا أَرْجوه!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize