Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا المساء، سَنَعودُ إلى رسالةِ رُومية والأصحاح 12 لِنُلقي نَظرةً على الأعداد 9-21. ونحنُ نَدرُسُ هذا المَقطعَ الرَّائعَ عنِ الواجباتِ العَمليَّةِ في الحياةِ المَسيحيَّة. ويجب علينا أنْ نُجَزِّئَ هذه الواجباتِ ونَدْرُسَها الواحدةَ تِلو الأخرى لأنَّ هُناكَ الكثيرَ مِمَّا يَوَدُّ الرَّسولُ بولسُ أنْ يَقولَهُ مِنْ خلالِها.

بينَ الحينِ والآخر، أَوَدُّ أنْ أَقرأَ سِيَرَ حياةِ المُؤمِنينَ في الماضي. فأنا أعتقد أنَّني أَفهَمُ جيِّدا حَالَ المسيحيَّةِ في الحاضِر. ولا أدري حقًّا كيفَ ستكونُ عليهِ الحالُ في المُستقبَل. ولكنِّي أُحِبُّ أنْ أَنظُرَ إلى الماضي وأرى أَوْجُهَ التَّشابُهِ، أوْ أنْ أُجري مُقارناتٍ، أو أنْ أَرى الأشياءَ الَّتي يُمكنني أنْ أَتعلَّمَها مِنَ الآخرين. لِذا، فقد أَخْرَجْتُ بعضَ كُتُبي القديمة الَّتي تَحْوي إمَّا مَقالات قصيرة أو سِيَرًا ذاتيَّةً لأُناسٍ عاشوا في سَنَواتٍ خَلَتْ لكي أَرى سَبَبَ نَجاحِهِم، وكيفَ سَلَكوا معَ الربِّ، وما تَعَلَّموهُ، وكيفَ عَاشُوا، وَهَلُمَّ جَرَّا. وقد قَرأتُ لواحدٍ مِنْ قِدِّيسي اللهِ الأحِبَّاءِ والفاضِلينَ والرَّائعينَ جِدًّا اسْمُهُ "روبرت سي. تشابمان" (Robert C. Chapman) عاشَ قبلَ وقتٍ طويلٍ في إنجلترا. وأعتقد أنَّهُ لا يوجد أحدٌ اليومَ يَعْرِفُ شيئًا عنه. ولكنَّهُ كانَ صَديقًا لِرَجُلٍ يُدعى "جون نيلسون داربي" (J. N. Darby). وقد كانَ "جون نيلسون داربي" قائدًا مُبَكِّرًا عظيمًا للإخوة البَلاميس (Plymouth Brethren). والحقيقة هي أنَّ كثيرينَ منكم (مِمَّنْ جاءوا مِنْ تلكَ الخلفيَّة) قد قرأوا العديدَ مِنْ مُؤلَّفاتِ داربي. وقد تَرَكَ داربي تأثيرًا قويًّا على "سي. آي. سكوفيلد" (C. I. Scofield) الَّذي كانَ وَراءَ صُدورِ "الكِتابِ المُقدَّسِ المَرْجِعِيِّ لسكوفيلد" (Scofield Reference Bible) ونُشوءِ العديد مِنَ الهيئاتِ الأخرى مِثْلَ "إرساليَّة أمريكا الوُسْطى" (Central American Mission)، وكُليَّة دالاس للَّاهوت" (Dallas Seminary)، والعديد مِنَ الهيئاتِ الأخرى. ولكِنَّ هذا الرَّجُل (أيْ: "تشابمان") كانَ رَجُلاً مُدهشًا، وصديقًا لداربي. وقد كَتَبَ ذاتَ مَرَّة أنَّ هَدَفَ حَياتِهِ هو كالتَّالي: "حيثُ إنِّي أَرى أُناسًا كَثيرينَ يَكْرِزونَ بالمسيح، وأُناسًا قلائلَ جِدًّا يَعيشونَ المسيح، فإنَّ هَدَفَ حياتي هو أنْ أعيَشَ المَسيح". وقد قالَ داربي عنهُ: "إنَّهُ يَعيشُ ما أُعَلِّمُه". ويا لها مِنْ تَزْكِيَة: "إنَّهُ يَعيشُ ما أُعَلِّمُه". وهناكَ قِدِّيسٌ آخرُ أُحِبُّ أنْ أقرأَ عنهُ، وأُحِبُّ أن أقرأَ مُؤلَّفاتِهِ، وتحديدًا كِتابَهُ عنْ أمْثالِ يَسوع، وَهُوَ رَجُلٌ يُدعى "وليام آرنو" (William Arnonot). وقد قِيْلَ عن "آرنو" ما يَلي: "إنَّ وَعْظَهُ جَيِّد، ومؤلَّفاتِهِ أفضَل، وحَياتَهُ أَفْضَلُ الكُلِّ". وهكذا ينبغي أنْ تكونَ الحالُ بالنِّسبة إلينا جميعًا. أليسَ كذلك؟ إيْ أنْ نَعيشَ ما نَتَعَلَّمهُ، وأنْ يكونَ أفضل ما لَدَيْنا هو الطَّريقة الَّتي نَعيشُ بها. لماذا؟ لأنَّ المَسيحيَّةَ هي، قَبْل أيِّ شيءٍ آخر، نَهْجُ حَياة. فالمسيحيُّةُ هي نَهْجُ حَياة. وهي أُسلوبُ حياة. وهي نَمَطُ حَياة. وهي مَبدأُ حياة. وعلاقَتُنا باللهِ لا يُمْكِنْ أنْ تكونَ سليمة إنْ لم يكن هذا المبدأُ الحياتِيُّ مُطَبَّقًا. فهذا لا يمكن أنْ يَحْدُث.

لِذا فإنَّنا نأتي إلى رسالة رُومية 12: 9-21، وَهُوَ مَقطعٌ عَمليٌّ جدًّا عنِ العيشِ بالطَّريقةِ الصَّحيحة، وعنِ النَّهْجِ المَسيحيِّ للحياة. وهو مَقطعٌ عَمليٌّ أكثرَ مِنْ أيِّ مَقطعٍ آخر في رسالة رُومية. وهو بَسيطٌ جدًّا. وهو سَهْلُ الفَهْمِ جِدًّا. ولا يُمكنُني أنْ أُسْهِمَ كثيرًا في فَهْمِكُم لَهُ لأنَّ ما يَقولَهُ واضِحٌ تمامًا. وَكُلُّ ما يُمكنُني أنْ أَفعلَهُ هو أنْ أُحاوِلَ أنْ أُثْري النَّصَّ، وأُبَيِّنَ غِناه، وأُشَجِّعَكُم. ولكِنَّ نَوْعَ الحياةِ الَّتي يَدعونا إليها بولُس خَارِقٌ للطَّبيعة، وفوقَ المَألوف. بمعنى آخر، إنَّهُ ليسَ بَشَرِيًّا. فهو ليسَ طبيعيًّا للإنسانِ الَّذي لم يَختبِر التَّجديد. وهو ليسَ مألوفًا للإنسانِ الَّذي لم يَختبر التَّجديد. وهو ليسَ شيئًا يَستطيعُ البشرُ العاديُّونَ أنْ يَفعلوهُ باختيارِهم، ولا أنْ يَعيشوا هذا النَّوعَ مِنَ الحياة. فهي حَياةٌ خارقة للطَّبيعة. وهي حياةٌ لا يُمْكِن أنْ تُعاش إلَّا بِقُوَّةِ رُوْحِ الله. وهي حياةٌ لا يُمْكِن أنْ تُعاش إلَّا مِنْ قِبَلِ أشخاصٍ عاشوا الأصحاحات الأحَدَ عَشَرَ الأولى مِنْ رسالة رُومية؛ وحينئذٍ فقط يُمكنهم أنْ يَعيشوا بالطَّريقةِ الَّتي يَدْعوهُمْ إليها الأصحاحُ الثَّاني عَشَر. لأنَّهُ ما لم تَتَبَرَّر، وما لم تَعْرِف يسوعَ المسيحَ، وَيَسْكُنْ رُوْحُهُ فيكَ، وتَصيرُ مَبادِئُ الحَياةِ الإلهيَّة مَغروسَة في رُوْحِكَ، مِنَ المُستحيلِ أنْ تَعيشَ بهذه الطريقة. لِذا فإنَّ كُلَّ ما تَعَلَّمناهُ في الأصحاحاتِ الأحدَ عَشَرَ الأولى وفي الجُزءِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني عشر عنِ التَّكريس هو مُجَرَّدُ أساسٍ يُهَيِّئُنا للعيشِ بهذه الطريقة. وكما قُلنا خِلالَ سَنواتِ هذه الخِدمة هُنا في كنيسة "غريس" (Grace Church)، فإنَّ كُلَّ اللَّاهوتِ يَرْمي في النِّهاية إلى شيءٍ واحدٍ وهو أنْ نَعيشَ لأجْلِ مَجْدِ الله. فَكُلُّ العقيدةِ يَنبغي أنْ تَقودَ إلى قيامِنا بالواجباتِ الصَّحيحة، وإلى قيامِنا بالخدمةِ الصَّحيحة.

استمعوا إلى ما جاءَ في رسالة كورِنثوس الثَّانية 7: 1، وانظروا إنْ لم يكن ما يَقولُهُ هذا العَدَدُ مألوفًا فيما يَختصُّ بالحَقِّ الَّذي يُعَلِّمُه: "فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ الله". وَهُوَ يُوْجِزُ هُنا ما يَقولُهُ بولسُ: "فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ". بعبارة أخرى، بسببِ كُلِّ ما وَعَدَنا اللهُ بِهِ، يجب أنْ يكونَ تَجاوُبُنا مَعَهُ على النَّحْوِ التَّالي: "لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ الله".

انظروا قليلاً إلى رسالة أفسُس والأصحاحِ الثَّاني فَتَجدونَ أنَّها تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ. فهذا مَقطَعٌ مَعروفٌ جدًّا. فَهُوَ يَقولُ في العدد 4: "اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا"، وفي العدد 5: "...أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ بِالنِّعْمَةِ" [أيْ خَلَّصَنا]. ثُمَّ في العدد 6: "وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوع. لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَان...هُوَ عَطِيَّةُ الله". إذًا، فإنَّ هذا كُلَّهُ هُوَ عَمَلُ الله. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 10: "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ..." [ثُمَّ اسْمَعوا ما يَقول] "...لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا". بعبارة أخرى، يجب أنْ يَقودَنا خَلاصُنا إلى العَيْشِ بِطريقة بارَّة مُعَيَّنة؛ أيْ إلى نَوْعٍ مُحَدَّدٍ مِنَ الحياة.

وقد جاءَ شَابٌّ مِنْ جُنودِ البَحريَّة إلى خِدْمَتِنا في هذا الصَّباح. وكانَ قد سَمِعَ عنْ خِدمَتِنا مِنْ خلالِ بعضِ التَّسجيلاتِ والكُتُبِ والأشياء. وكَانَ مُتَشَوِّقًا للمجيء إلى هُنا. وقد قال: "أريدُ أنْ أسألَكَ سُؤالاً يَعْنيني جدًّا". كيفَ يَعْلَمُ المَرْءُ أنَّهُ مُؤمِنٌ حَقًّا، وأنَّ إيمانَهُ ليسَ شيئًا مُؤقَّتًا أو عاطفيًّا حَدَثَ في وقتٍ مَضَى؟ كيفَ يَعْلَمُ المرءُ ذلكَ حَقًّا؟" فقلتُ: "الطَّريقةُ الَّتي يُمْكِنُكَ أنْ تَعْلَمَ بها، بلِ الطَّريقةُ الوحيدة الَّتي تَعْلَمُ بها هي أنْ تَنظُرَ إلى حياتِكَ وتَرى ما فيها. فهذه هي الطريقةُ الوحيدةُ لِمَعرفةِ ذلك. فإنْ كُنْتَ قدِ اختبَرْتَ التَّبريرَ [أيْ أنْ تَتَمَتَّعَ بعلاقة سليمة معَ الله)، سيكونُ هُناكَ فَيْضٌ مِنَ التَّقْديس؛ أيْ إنَّكَ ستَعيشُ حَياةَ بِرٍّ وقَداسَة. ومعَ أنَّكَ قد لا تَرى كُلَّ ما تَوَدُّ أنْ تَراه يَحْدُثُ في حياتِك، فإنَّكَ تَرى جُزءًا مِنْهُ وتُدْرِكُ أنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ أعمَقِ رَغْبَةٍ قَلبيَّةٍ لديك".

لِذا، نحنُ الَّذينَ اخْتَبَرنا كُلَّ نِعمةِ اللهِ إنَّما اخْتَبَرناها لكي نَعيشَ حياةً تَقِيَّةً في الطَّاعة لكي نَتَمَكَّنَ مِنْ إرشادِ الآخرينَ إليه، ولكي نُمَجِّدَهُ لأنَّهُ هوَ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَنْقِلَنا مِنْ أولادِ ظُلْمَة إلى أولادِ نُوْر، وَمِنْ أشخاصٍ يَخْدِمونَ الشَّيطانَ إلى أشخاصٍ يَخدِمونَ الله. وكما تَرَوْنَ، عندما تَعيشونَ حَياةً تَقِيَّة، فإنَّكُم تُكْرِمونَ ذاكَ الَّذي غَيَّرَكُم، وتَجْتَذِبونَ آخرينَ إلى ذاكَ الَّذي غَيَّرَكُم. وبِهذا فإنَّ اللهَ يَتَمَجَّد. وأنتُم أيضًا تَتبارَكونَ بسببِ طاعَتِكُم. وحينئذٍ فإنَّكُمْ تُمَجِّدونَهُ على البَرَكَةِ الَّتي حَصَلْتُم عليها. لِذا، فقد فَدانا الرَّبُّ لكي نَعيشَ حياةً مُعَيَّنَةً، ولكي نُطَبِّقَ المسيحيَّةَ عَمليًّا.

والآن، انظروا إلى رسالة فيلبِّي. وَأَوَدُّ أنْ أَصْحَبَكُمْ قليلاً إلى نَصٍّ غَالِبًا ما يُساءُ فَهْمُه، ورُبَّما أَرْبَكَ بَعْضًا مِنْكُمْ عندَ قِراءَتِكُمْ لَهُ. ففي رسالة فيلبِّي 2: 12، نَقرأُ الكلماتِ التَّالية: "إِذًا يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدًّا فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ". والآن، هُناكَ مَنْ يَقولُ لنا إنَّ هذا يعني أنَّهُ يجب علينا أنْ نَجْتَهِدَ في خَلاصِنا. بعبارة أخرى، يجب علينا أنْ نَقومَ بِدَوْرٍ مَا في تَخليصِ أنفُسِنا. وهناكَ أشخاصٌ ارتَبَكوا جدًّا بسبب ما تَقولُهُ هذه الآية: "تَمِّمُوا خَلاصَكُم" لأنَّنا قَرَأنا للتَّوّ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الثَّاني إنَّ الخلاصَ ليسَ بماذا؟ ليسَ بالأعمال. فهل هذا تَناقُض؟ وهل يَقولُ في مَوْضِعٍ إنَّ الخلاصَ ليسَ بالأعمال، وفي مَوضِعٍ آخر "تَمِّموا خَلاصَكُم"؟ فما الَّذي تَعنيهِ هذه الآية المُرْبِكَة؟ حسنًا، لِنَرْجِعْ قليلاً في رسالة فيلبِّي ونَبتدئُ تَقريبًا مِنَ البداية. ارْجِعوا إلى الأصحاحِ الأوَّل والعدد 27. فهو يقولُ الآتي: "فَقَطْ" – وهذه أَهَمُّ وَصِيَّةٍ مُنْفَرِدَة: "عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيح". هل تَرَوْنَ ما يَقولُهُ هُنا؟ فإنْ كُنْتَ تَدَّعي أنَّكَ خَلَصْتَ بالإنجيل، يجب أنْ يُظْهِرَ سُلوكُكَ ذلك. فهو يَقولُ في رسالة فيلبِّي: "عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ [أوْ إنْ شِئْتُمْ: أَسْمَعُ عَنْ نَمَطِ حَياتِكُم] أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيل"، وَهَلُمَّ جَرَّا. بعبارة أخرى، فإنَّهُ يَقول: "انظروا! إنْ كُنْتُمْ مُخَلَّصينَ حَقًّا، اجْعَلوا سُلوكَكُم يُظْهِرُ ذلك سَواءَ كُنْتُ حاضِرًا أَمْ غائِبًا". بعبارة أخرى: "لِيَكُنْ إيمانُكُمْ حَقيقيًّا جدًّا وصَادِقًا جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يكونُ بحاجة إلى حُضوري الدَّائمِ لِمُراقَبَتِكُم. فينبغي أنْ تَعيشوا هكذا سَواءَ كُنْتُ حاضرًا أَمْ كُنْتُ غائبًا. فيجب عليكم أنْ تَعيشوا كما يَحِقُّ للإنجيل".

ثُمَّ لاحِظوا العَدَد 5 مِنَ الأصحاحِ الثَّاني إذْ يَقولُ بولُس: "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا". كونوا مِثْلَ المسيح. وافتكروا مِثْلَ المسيح. وليَكُن فيكم اتِّضاعُ المسيح. ثُمَّ إنَّهُ يَصِفُ ذلك. أليسَ كذلك؟ في الأعداد 6-11. فقد كانَ مَوْقِفَ اتِّضاع: "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ [في العدد 6]، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيب". فقد اتَّضَعَ، وأَخْلى نَفسَهُ لأجلِنا. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 9: "لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ". لِذا فإنَّهُ يَقول: "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا". فَهُوَ فِكْرُ اتِّضاع. وَهُوَ فِكْرُ خُضوع. فَلْيَكُنْ فيكُم هذا الفِكْر. ثُمَّ نأتي إلى العدد 12 إذْ يَقول: "إِذًا يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدًّا فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ". وفي هذا السِّياقِ، أعتقد أنَّ المَعنى واضحٌ جِدًّا. اسمعوني الآن: "حيثُ إنَّكُمْ تَنْتَمونَ إلى المَسيحِ مِنْ خلالِ الإنجيل (كما جاءَ في الأصحاحِ الأوَّل والعدد 27)، حيثُ إنَّكُمْ تَنْتَمونَ إلى المَسيحِ مِنْ خلالِ الإنجيل؛ ثانيًا: حيثُ إنَّ المسيحَ [مِنْ خلالِ اتِّضاعِهِ وَطَاعَتِهِ للهِ] قد كانَ قُدوةً لكم في كيفيَّةِ العَيْشِ في اتِّضاعٍ وطاعَةٍ للهِ، وحيثُ إنَّ المسيحَ أَراكُمْ مُكافأةَ الطَّاعةِ كما جاءَ في الأعداد 9-11 ... فالمسيحُ كانَ مُطيعًا في الأعداد 5-8 (أو بالأحرى: 6-8)، وقد كُوفِئَ في الأعداد 9-11. أليسَ كذلك؟ فقد أَخْضَعَ نَفْسَهُ واللهُ فَعَلَ ماذا؟ رَفَّعَهُ. فحيثُ إنَّكُمْ تَنْتَمونَ إلى المسيح، وحيثُ إنَّهُ قُدوَتُكُم، وحيثُ إنَّكُمْ تَرَوْنَ ما يَحْدُثُ للإنسانِ المُطيع: "إذًا يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، استمرُّوا في الطَّاعة". فهذا هو المَعنى الضِّمنيّ: "فِي حُضُورِي وَفِي غِيَابِي". فقد كانوا مُطيعينَ في رسالةِ فيلبِّي. ولكِنْ، لا شَكَّ في أنَّ طاعَتَهُمْ كانت طَاعَةً تَعْتَمِدُ كثيرًا على بولُس. فعندما كانَ بولسُ حاضرًا، كانَ يُشَجِّعُهُم. وعندما كانَ حاضرًا، كانَ يُعَلِّمُهُم، ويَحُضُّهُم، ويُشَجِّعُهم، ويُساعِدُهم، ويُواجِهُهُم، ويُجيبُ عن أسئلتهِم، ويَحُلُّ مَشاكِلَهُم، ويُبَسِّطُ مُعْضلاتِهم. ولكِنْ ما الَّذي يَقولُهُ لهم هو نفسُ ما جاءَ في الأصحاحِ الأوَّل والعدد 27: "حيثُ إنَّني لستُ حاضِرًا عِنْدَكُم، لا تَكونوا أَقَلَّ طَاعَةً. فقد كنتُم تُطيعونَ دائمًا في حُضوري. والآن، استمرُّوا في الطَّاعةِ في غِيابي". بالطَّريقةِ ذاتِها وَحَسْب. فالأمرُ لا ينبغي أنْ يكونَ ناجِمًا عَنْ مُراقَبتي لكم، بل دَعُوا ذلكَ يأتي مِنْ داخِلِكُم. وافعلوا ذلكَ ... وَهُنا نأتي إلى أَهَمِّ شيءٍ على الإطلاق في نهايةِ العدد 12: "بِخَوْفٍ وَرِعْدَة". بعبارة أخرى، لأنَّهُ مِنَ المُهِمِّ جدًّا أنْ تُطيعوا. افعلوا ذلكَ بِخَوْفٍ ورِعْدَة؛ لا بسببِ خوفِكُم مِنِّي أوْ رِعْدَتِكُمْ مِنِّي، بل مِنَ الله. فيجب عليكم أنْ تُطيعوا بِتوقيرٍ، ومِنْ كُلِّ قُلوبِكُم، وبتواضُعٍ، وبوداعة. وَهُوَ يقول: "تَمِّمُوا..." [وهذا هو المَقطعُ المُرْبِك] "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ". وما الَّذي يَعنيهِ هُنا؟ إنَّهُ يَعني ببساطة: بِجُهْدٍ كبير، وبِرَغبة دائمة في إرضاءِ الله، وبتكريسٍ دائمٍ لِروحِ الله، وبِطاعةٍ لكلمةِ الله، تَمِّمُوا ما هُوَ موجودٌ أصلاً [أين؟] فيكُم. بعبارة أخرى، فإنَّ كُلَّ ما يَقْصِدُهُ هو أنَّ الخلاصَ الَّذي فيكُم ينبغي أنْ يَنْعَكِسَ خارِجيًّا.

فهذه هي الحياةُ المسيحيَّة: أنْ تَعيشَ في الخارِجِ ما تُؤمِنُ بِهِ في الدَّاخل. وهذه كلماتٌ مُشَجِّعة جدًّا. فهو يقولُ في العدد 13: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّة". فاللهُ يَعملُ دَاخِلِيًّا لكي تَعملوا مَشيئَتَهُ وتُحَقِّقوا مَسَرَّتَهُ خَارجيًّا. لِذا، يجب علينا أنْ نَعيشَ خارجيًّا ما نحنُ عليهِ في الدَّاخِل. وهذه طريقة أخرى لِقَوْلِ ما رأيناهُ في رسالة كورِنثوس الثَّانية 7: 1 ورسالة أفسُس 2: 4-10: "حيثُ إنَّ اللهَ عَمِلَ هذا كُلَّهُ، وحيثُ إنَّكُمْ رأيتُم مِنْ خلالِ يسوعَ المسيح أنَّ الَّذي يُطيعُ يُرَفَّعُ، كما أَطَعْتُمْ في حُضوري، استمرُّوا في الطَّاعَةِ في غِيابي، وافعلوا ذلكَ بِخَوْفٍ ورِعْدَة لأنَّكم تُراعونَ قَداسةَ اللهِ وتُظْهِرونَ في الخارِج ما هوَ في الدَّاخِل". ويجب أنْ يكونَ هذا هُوَ مِعيارُ الحياةِ المسيحيَّة. فيجب علينا أنْ نَعيشَ في الخارِج ما نَحْنُ عليهِ في الدَّاخِل لكي يَرْغَبَ الأشخاصُ الَّذينَ لا يَمْلِكونَ ذلكَ في الحُصولِ عليه. أليسَ كذلك؟ واللهُ سَيَتَمَجَّد. والآن، ما مَعنى ذلك؟ فقد تقول: "حسنًا. أنا مُستعِدٌّ لِتَطهيرِ نَفسي ولأنْ أعيشَ بالطَّريقةِ الَّتي ينبغي أنْ أعيشَ بها. وأنا أُريدُ أنْ أُتَمِّمَ في الخارِج الخَلاصَ الَّذي في الدَّاخِل. فما الَّذي ينبغي أنْ أفعَلَهُ؟"

حسنًا! هذا يُعيدُنا إلى رِسالة رُومية والأصحاح 12. وهُناكَ سَنَجِدُ الواجباتِ العَمليَّة الَّتي تَتألَّفُ مِنها الحياةُ المسيحيَّة. والآن، تَذَكَّروا أنَّ بُولُسَ قد وَضَعَ أَصْلاً قاعِدَةً لاهوتيَّة فَدَعانا إلى التَّكريسِ الكاملِ في العَدَدَيْن 1 و 2، وشَجَّعَنا أَصْلاً على استخدامِ مواهِبِنا الرُّوحيَّةِ في الأعداد 3-8. لِذا، يجب علينا أوَّلاً أنْ نَخْلَص. ثُمَّ يجب علينا أنْ نَكونَ مُكَرَّسينَ تَمامًا. ثُمَّ يجب علينا أنْ نَستخدِمَ مواهِبَنا الرُّوحيَّة. ويَتْبَعُ ذلكَ أنْ نَبتدئَ في عَيْشِ الحياةِ المسيحيَّةِ العَمليَّة الَّتي يَتحدَّثُ عنها ابتداءً مِنَ الأصحاحِ الثَّاني عشر والعدد 9 إلى الأصحاح 15. فهو يَقولُ أمورًا كثيرةً عنِ الحياةِ العَمليَّة. والآنْ، فإنَّهُ يَبتدئ بلائحةٍ مِنَ الأشياء الَّتي يَذْكُرُها تِباعًا ابتداءً مِنَ العدد 9 فَصاعِدًا. وَكأنَّهُ بذلك يَرْسِمُ دائرةً (كما قُلنا في المَرَّةِ السَّابقة)، ويَستمرُّ في تَوسيعِ الدَّائرةِ لتَشمَل فِئة أُخرى أو مجموعة أُخرى مِنَ الأفكار. والدَّائرةُ الأولى تَبتدئُ بنا. وقد تأمَّلنا في ذلك في الأسبوعِ الماضي؛ أيْ في العدد 9. فهو يَبتدئ بثلاثة مواقف رئيسيَّة تَختصُّ بالحياةِ المسيحيَّة: "اَلْمَحَبَّةُ فَلْتَكُنْ بِلاَ رِيَاءٍ". فالصِّفة الغَالِبَة للمؤمِن ينبغي أنْ تكونَ ماذا؟ المَحبَّة. وأيُّ نَوْعٍ مِنَ المَحبَّة؟ المحبَّة الحقيقيَّة. فهذه هي الصِّفَة المُمَيِّزَة للمؤمِن. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 13: 34: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ". فهناكَ إيمان، وهناكَ رَجاء، وهُناكَ مَحَبَّة. ولكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ (بحسب رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13) هي المحبَّة. لِذا فإنَّ المحبَّة هي الصِّفَة الأساسيَّة. وهي مَحبَّة مَشروعة، ومحبَّة صَادقة وخالية مِنَ الرِّياءِ أوِ الخِداع.

ثانيًا، إنَّهُ يَقول: "كُونُوا كَارِهِينَ الشَّرَّ". فيجب أنْ نُبْغِضَ الخَطيَّة بِشِدَّة. ثالثًا: "مُلْتَصِقِينَ [أوْ مُتَمَسِّكينَ بِقُوَّة] بِالْخَيْر". وهذه هي المَرحلة الأولى في الدَّائرة. وهي دائرة تُحيطُ بِنا نَحْن. فهذه الواجباتُ الثَّلاثة ينبغي أنْ تكونَ مُطَبَّقة في حياتِنا. فيجب أنْ نُحِبَّ بِصِدْق. ويجب أنْ نُبْغِضَ الشَّرَّ. ويجب أنْ نَلْتَصِق بالخَير. والآن، إذْ نأتي إلى العدد 10، فإنَّ الدَّائرة تَتوسَّع أكثر قليلاً لتَشمَل بُعْدًا آخر، لا أنا فقط شخصيًّا، بل عائلةَ الله. وَفي هذا المَقطعِ الثَّاني (أيْ في الأعداد 10-13) يُشيرُ في جُزءٍ مِنْهُ إشارةً مُباشِرَةً إلى العائلة. وجُزْءٌ مِنْهُ يُشيرُ إليَّ شخصيًّا كَفَرْد. لِذا، عندما تَتَّسِعُ الدَّائرة، فإنَّها لا تُهْملُ المسألةَ السَّابقة، بل تَتَوَسَّعُ فيها قليلاً. لِذا، عندما نَنظرُ إلى الدَّائرةِ أوِ المَرحلةِ الثَّانية، فإنَّنا نَراها تَتوسَّعُ لتَشملَ العائلة المَسيحيَّة. وهي تَضُمُّ أيضًا بعضَ الأمورِ المُختصَّة مُباشَرَةً بحياتي الشَّخصيَّة. لاحظوا العدد 10 وانظروا أينَ يَبتدئ: "وَادِّينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّة". فهذه هي أُولى الجُمَل بخصوصِ الدَّائرةِ الأوسَع الَّتي تَضُمُّ العائلة المسيحيَّة. فالمحبَّة الأخويَّة، و "بعضُكُم بَعضًا"، وَ "المَوَدَّة" هُنا تُشيرُ إلينا في إطارِ العلاقةِ في جسدِ المسيح. والكلمة "وَادِّينَ" هي كَلمة واحدة مُدهشة جدًّا في اللُّغة اليونانيَّة. وهي تُساعِدُنا في فَهْمِ مَا قَصَدَهُ إنْ فَهِمْنا هذه الكلمة. فهي كَلِمَة مُؤلَّفة مِنْ كَلِمَتَيْن. والحقيقة هي أنَّ كِلتا الكَلِمَتَيْن تَعني: "مَحَبَّة". لِذا، يُمْكِنُكُمْ أنْ تُتَرْجِموها: "وَادِّينَ بِمَوَدَّة". ولكِنْ لكي نَفهمَ حَقًّا ثَراءَ مَعْناها، فإنَّ الكَلِمَتَيْن هُما: "فيلوس" (philos) أو "فيليئُّو" (phileo)، ومَعناها: مَحَبَّة حارَّة وشديدة. والكلمة الثَّانية هي "ستورغاي" (storge). والكلمة هي "فيلوستورغاي" (philostorge). والكلمة الثَّانية "ستورغاي" تَعني في الأصل: مَحَبَّة عائليَّة طبيعيَّة. فهي، على سبيلِ المِثال، الكلمة المُستخدَمة في رسالة تيموثاوس الثانية إذْ يَقولُ بولُس لتيموثاوس إنَّ النَّاسَ سيكونونَ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ "بِلا حُنُوٍّ". وما يَعنيه هو أنَّهُ سيكونُ هُناكَ تَفَسُّخٌ في علاقاتِ المحبَّة الطَّبيعيَّة في العائلات ... تَفَسُّخٌ في علاقاتِ المحبَّة العاديَّة والطَّبيعيَّة. إذًا فإنَّ الكلمة "فيلوستورغاي" تَضُمُّ كَلِمَتَيْن: فالكلمة "ستورغاي" الَّتي تَعني "مَحَبَّة طبيعيَّة"، لا مَحَبَّة نابعة مِنَ الشَّهوة، ولا مَحَبَّة نابعة مِنَ الجَمالِ أوِ الشَّخصيَّة الجَذَّابة، بل هي محبَّة طبيعيَّة تَحْدُثُ في العائلة. فهي محبَّة عاديَّة وطبيعيَّة حَنونة على النَّقيضِ مِنَ المحبَّة النَّابعة مِنَ الانجذاب أوِ الشَّخصيَّةِ أوِ الجَمالِ أوِ الشَّهوةِ أوِ الرَّغبةِ أوِ الظُّروفِ أوْ أيِّ شيءٍ مُشابِه. فهي مَحَبَّة عائليَّة طبيعيَّة. ومِنَ المُدهشِ أنَّهُ يَستخدِمُها هنا لأنَّهُ يَقولُ إنَّهُ في العائلةِ المسيحيَّة، يجب علينا أنْ تَكونَ لدينا محبَّة عائليَّة مِنْ نوعِ "الفيليئُّو" (phileo). والكلمة "فيليئُّو" تُشيرُ إلى المحبَّة الحارَّة والقويَّة.

لِذا، يجب أنْ نَتَّصِف بالمحبَّة الطبيعيَّة الَّتي نُشارِكُها معَ كُلِّ المُؤمِنين. وأعتقد أنَّكُم اختبرتُم ذلك. وأنا أَعلمُ أنَّني اختبرتُ ذلكَ مَرَّاتٍ كثيرة جدًّا. فقد أذهبُ إلى مكانٍ لا أَعْرِفُ فيهِ أحدًا. وإنْ كانُوا يُحِبُّونَ الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ، فإنَّ الأمرَ لن يَستغرِق طويلاً حَتَّى نَشعُر كُلُّنا بمحبَّة عجيبة. فهناكَ رابطة مُشترَكة تَتَخَطَّى الثَّقافةَ، والزَّمانَ، والمكانَ، والأحداثَ، والظُّروف. ومعَ أنَّنا لا نَمْلِكُ تاريخًا مُشترَكًا أو مَعرفةً أو أُمورًا مُشتركةً مِنْ جِهَةِ نَمَطِ الحياةِ أوِ الأشياءِ الَّتي نُحِبُّها أوْ لا نُحِبُّها، فإنَّنا نَشْعُرُ حالاً بعاطفةٍ تُجاهَ ذلكَ الشَّخصِ الَّذي يَنتمي إلى عائلةِ الله. فهل شَعرتُم بذلكَ يومًا؟ مِنَ المؤكَّد أنَّكُم شَعرتُم بذلك. ويجب أنْ تكونَ لدينا هذه المحبَّة الشَّديدة. فيجب علينا أنْ نُحِبَّ الأشخاصَ الَّذين هُمْ في العائلة. وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّها ليست مَحبَّة قائمة على الانجذاب. بل هي محبَّة يُعَبَّرُ عنها لأيِّ شخصٍ يَنتمي إلى المُخَلِّصِ نَفسِه، والربِّ نفسِه، والآبِ نَفسِه. لِذا فإنَّ رَبَّنا يقول في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18: "ولا في أيِّ ظَرْفٍ مِنَ الظُّروفِ يَجوزُ لكم أنْ تَحتقروا ["كاتافرونيئو" – “kataphroneo]]، أوْ تَسْتَهتروا، أوْ تَسْتَصْغِروا أيَّ شخصٍ في عائلةِ الله". لأنَّنا جميعًا في العائلة. فيجب أنْ يكونَ هناكَ انجذابٌ طبيعيّ، وتآلُفٌ طَبيعيّ. ومعَ أنَّنا قد نُزْعِجُ بعضُنا بعضًا قليلاً في العائلة عندما نُريدُ أنْ نَحمي بعضُنا بعضًا، أوْ نُوَفِّرَ الأمانَ بعضُنا لبعض، أوْ نُنْقِذ أحَدُنا الآخر، فإنَّ طريقةَ قيامنا بذلكَ رائعة. أليسَ كذلك؟ إنَّها رائعة.

وأنا لا أُحِبُّ أن أَستخدِمَ أمثلةً توضيحيَّةً مِنْ بيتي، ولكنِّي سأستخدِمُ هذا المَثَلَ التَّوضيحيَّ لأنَّهُ مُناسب جدًّا هنا. فأبنائي يقولونَ لي: "لا تَتحدَّث عنَّا يا أبي". لِذا فإنَّني أُحاولُ ألَّا أفعلَ ذلك. ولكِنَّ ابنتي الَّتي سأتحدَّثُ عنها ليست هُنا اللَّيلة. إنَّها هُناك. لِذا، لا بأسَ في ذلك. لا تَقولوا لها ذلك. فذاتَ ليلة، في مُنتصفِ اللَّيل، بعدَ أنْ لَعِبَ "مارك" (Mark) مُباراةً في كُرةِ القدم، كانَ يَتألَّمُ كما يَحْدُثُ غالبًا عندما تَلعَبُ مُباراةً في كُرةِ القدم. وفي مُنتصفِ اللَّيل، نَهَضَ مِنْ سَريرِهِ وَهُوَ يَشعُرُ بِتَشَنُّجٍ عَضَلِيٍّ وأِصْدَرَ صَوْتًا عاليًا إذْ راحَ يَصْرُخ. وأنا أَعْرِفُ ذلكَ الألم جَيِّدًا. فقد أصابَتني هذه التَّشَنُّجات مَرَّاتٍ عديدة في سَنواتٍ خَلَتْ. وقد كانَ يتألَّمُ كثيرًا. ثُمَّ إنَّ التَّشَنُّجَ زَال. وفي اليومِ التَّالي، ذَهَبْتُ إلى غُرفَتِهِ بعدَ أنْ ذَهبَ إلى المدرسة، فوجدتُ بِطاقةً صغيرة على مَكْتَبِه. وقد دُهِشْت. فعندما فَتَحْتُها، وَجَدْتُ في الدَّاخل عُلبةَ سَكاكِر مِنْ نوع "لايف سيفرز" (Lifesavers)، معَ مُلاحظةٍ مِنْ أُختِهِ الصَّغيرة تَقولُ فيها شيئًا كهذا: "عزيزي مارك، أنا أَعلمُ أنَّني أكونُ أحيانًا مُزْعِجَة وأنَّني أُضايِقُك. ولكِنْ عندما أَسمَعُكَ تبكي مِنْ شِدَّةِ الألم، أشعرُ أنَّ قَلبي يَتَقَطَّع. لِذا، أرجو أن تُسامِحَني على جَميعِ المَرَّاتِ الَّتي ضَايَقْتُكَ فيها. وأريدُ منكَ أنْ تَعلمَ أنَّني أُحِبُّك، وأنَّني فَرِحَة لأنَّكَ أخي. التَّوقيع: ميليندا". وكما تَرَوْن، بِغَضِّ النَّظَر عَمَّا يَحدُث في المِقعدِ الخَلفيِّ في السَّيَّارة في الرِّحلات الطويلة، عندما تَنظرونَ نَظرةً حقيقيَّة إلى تلك العَلاقة، وتَعلمونَ أنَّ شخصًا في العائلة قد يَتأذَّى، هناكَ إحساسٌ بضرورة توفير الرِّعاية. أليسَ كذلك؟ وهكذا يجب أنْ يكونَ الأمرُ في العائلة.

وفي إنجيل مَتَّى والأصحاح 18، قالَ يسوعُ أيضًا: "مَنْ قَبِلَ وَلَدًا وَاحِدًا مِثْلَ هذَا بِاسْمِي فَقَدْ قَبِلَ..." [مَن؟] "...فَقَدْ قَبِلَنِي". فقد قَبِلَني. فنحنُ لدينا عائلة رائعة جدًّا، وعائلة فَريدة ينبغي أنْ نُحِبَّها بِكُلِّ قُلوبِنا. لِذا، كما رأينا في الأسابيع الماضية، فإنَّ العهدَ الجديد يَدعونا في خمسةِ مَواضِع مُختلفة إلى أنْ نُحَيِّي بَعضُنا بعضًا بِقُبلة مُقَدَّسة، أو بِقُبلة مَحبَّة لأنَّهُ يجب علينا أنْ نَقْرِنَ أنفُسَنا بِطُرُق ظاهرة للعِيان بتلك العاطفة الَّتي تَرْبِطُ أفرادَ العائلةِ معًا بذلكَ الحُنُوِّ وتلك الأُلْفَة النَّابعة مِنَ الشَّركة في الرَّبّ. وقد تَشَجَّعْتُ جدًّا في هذا الصَّباح حينَ أَخبرَني "دينيس ماك برايد" (Dennis Mc Bride) أنَّ بعضَ الأشخاصِ الَّذينَ لديهم إعاقات جاءوا لحضورِ صَفِّ "الجَليلِيِّين" (Galileans Class)، وأعتقد أنَّ بعضًا منكم يَذهب إلى هناك. وقد جاءَ شخصٌ أَعْمى إلى الصَّفِّ وقالَ إنَّهُم بحاجة إلى آلةِ نَسْخِ لأوراق "بريل" (Braille duplicator). وهي تُشبِهُ آلةَ التَّصوير، ولكنَّها تَنْسَخُ أوراقَ "بريل" (الخاصَّة بالعُميان) لكي يَتمكَّنوا مِنَ الكِرازة لمزيدٍ مِنَ النَّاس. وهكذا فقد شارَكَ تلكَ الحاجة وقالَ للحاضِرين: "إنْ أَرَدْتُم أنْ تَتَبَرَّعوا بعدَ صَفِّ مَدرسةِ الأحد، سَيَتِمُّ جَمْعُ التَّبَرُّعاتِ عندَ الباب". وقد جَمَعوا في ذلكَ اليوم أَلْفَيْن ومِئَةَ دولار. ولا أعتقد أنَّ أحدًا في صَفِّ الجَليليِّين يَعْرِفُ شخصيًّا الشَّخصَ الَّذي شاركَ تلك الحاجة، أيْ ذلكَ الشَّخصَ الأعمى. أو رُبَّما لا يَعرِفونَ العُميانَ الآخرين. ولكنَّهُمْ شَعروا بتلك الأُلفة المُدهِشَة وذلكَ الاهتمام والرَّغبة في سَدِّ حاجاتِ الآخرين. وهكذا ينبغي أنْ تكونَ الحال. فهذه هي المحبَّة الَّتي يَدعونا الرَّبُّ إليها. ثُمَّ أرْجو أنْ تُلاحِظوا أنَّ الآية لا تَستخدِم فقط الكلمة "فيلوستورغاي" أو الكلمة "وَادِّينَ"، بل تقولُ أيضًا: "وَادِّينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّة". وهذا مُدهِش. فهذه هي الكلمة "فيلادلفيا" (phila-delphia). لِذا فإنَّ ما يَقولَهُ هنا هو: "وَادِّينَ بِمَوَدَّة بعضُكُم بعضًا بِمَحَبَّةٍ مُحِبَّة". وما أعنيه هو أنَّها مَحَبَّة فائضة. فهو يَستخدِمُ مَرَّةً أخرى الكلمة "فيلا" (phila) بمعنى "محبَّة"، والكلمة "أَديلفوس" (adelphos) بمعنى "أَخ" للتَّعبيرِ مَرَّةً أخرى عن الفِكرة نفسِها؛ أيْ: "أَحِبُّوهم كما لو كانوا مُرتبطينَ معكم برباطِ المَوَدَّة". لِذا فإنَّهُ يَستخدِم كلمتَيْن للتَّعبيرِ عنِ المحبَّة الشَّديدة في العبارة نفسِها لِصِياغَة جُملة قويَّة جدًّا. فهو يقول: "أَحِبُّوا بعضُكُم بعضًا بِشِدَّة، وأحِبُّوا بعضُكم بعضًا بِشِدَّة" ... مَرَّتَيْنِ مُتَتالِيَتَيْن. وهذه ليست مُجَرَّد مَحبَّة لاهوتيَّة. بل هي عاطفة. فهي عاطفة رقيقة ولطيفة تُظْهِرُ الرِّعاية والاهتمام. وهذه هي المحبَّة الطَّاهرة الَّتي يَتَّصِفُ بها مَنْ يَنْتَمونَ إلى يَسوعَ المسيح.

وهذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ يوحنَّا في رسالة يوحنَّا والأصحاحِ الخامس، في تلك الجُملة الرَّائعة الَّتي يقولُها: "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا". وهي جُملة رائعة. فإنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ اللهَ، لا بُدَّ أنْ تُحِبُّوا الأشخاصَ الَّذينَ يَنتمونَ إليه، ولا بُدَّ أنْ تَشْعُر بالمحبَّة الشَّديدة لإخوَتِكَ وأخواتِكَ في المسيح. لِذا فإنَّ بولسَ يقول في رسالة أفسُس: "وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيح". فيجب أنْ نكونَ مَعروفينَ بِمَحَبَّتِنا. وقد قالَ الرَّسول بولُس لِمُؤمِني كورِنثوس في رسالة كورِنثوس الثانية 12: 15: "وَإِنْ كُنْتُ كُلَّمَا أُحِبُّكُمْ أَكْثَرَ أُحَبُّ أَقَلَّ!" فهذه هي المحبَّة الَّتي ينبغي أنْ نَتَّصِفَ بها جميعًا. فعندما كَتَبَ رسالتَهُ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس، قالَ في الأصحاحِ الرَّابع: "اسمعوا ... اسمعوا: أنا أُحِبُّكم. فأنتُم أولادي الأحبَّاء. ولأنَّكم أولادي الأحبَّاء، أريدُ أنْ أَعتني بكم. ولكِنْ إنِ استَمَرَّيْتُم في العِصيان، سآتي إليكم بِعَصا. ولكِنْ إنْ تَصَرَّفْتُم كما ينبغي، سآتي إليكُم بِرِفْق. الخِيارُ لكم. ولكِنَّي سأُعَبِّرُ عَنْ مَحَبَّتي لكم إمَّا مِنْ خلالِ دِفْءِ عاطِفتي وامْتِناني لِطاعَتِكُم، أوْ مِنْ خلالِ تأديبي لكم لأنِّي أريدُ أنْ تكونوا كُلَّ ما يُريدُ مِنْكُمُ اللهُ أنْ تكونوا". فهذه هي المحبَّةُ الَّتي نَتحدَّثُ عنها. فهي مَحَبَّة تَجْعَلُنا نُواجِهُ مَنْ نُحِبّ. وهي محبَّة مُفْعَمَة بالرِّعاية، والاهتمام، والعاطفة. وقد تقول: "وهل لدينا حقًّا هذه المحبَّة لكي نُقَدِّمَها؟" أجل. فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاح الخامسِ أنَّ محبَّةَ المسيحِ ماذا؟ "لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا". وبولُس يَكتُب في رسالتِهِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي 4: 9: "وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ مُتَعَلِّمُونَ مِنَ اللهِ أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا". فاللهُ هُوَ الَّذي عَلَّمَكُمْ ذلك. وبالطَّبع، فإنَّهُ يُصَلِّي "أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ". فَهُمْ يَعْرِفونَ كيفَ يُحِبُّونَ، ولكِنَّ تلكَ المحبَّة ينبغي أنْ تَزدادَ أكثر فأكثر (كما جاءَ في رسالة فيلبِّي 1: 9). لِذا، يجب علينا أنْ نُحِبَّ بتلكَ المَحَبَّة الرَّقيقة واللَّطيفة والشَّديدة التي يَتَمَيَّزُ بها أفرادُ عائلةِ الله.

ثُمَّ لاحِظوا الواجبَ الثَّاني في العدد 10: "مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَة". والآن، نحنُ نَخطو خُطوة أخرى. فالمحبَّة هي البيئة العامَّة. وهي تَقودُ إلى الفِكرةِ الثَّانية وهي أنْ نُقَدِّمَ الآخرينَ على أنفُسِنا. وهذا يُعَرِّفُنا إلى مُكَوِّنٍ رَئيسيٍّ آخر في الحياةِ العائليَّة في الكنيسة وَهُوَ: التَّواضُع. فإنْ أَرَدْنا أنْ نُحِبَّ كُلَّ شخصٍ بالمحبَّة ذاتِها، إنْ أَرَدْنا أنْ نَفعلَ ذلك، وإنْ أَرَدْنا أنْ نُحِبَّ المحبَّة الصَّحيحة، أو كما جاءَ في رسالة فيلبِّي 2: 1-4: إنْ كانَ ينبغي أنْ نُظْهِرَ رَأفةً للنَّاسِ، يجب علينا أنْ نَنْظُرَ إلى الأشياءِ الَّتي تَصُبُّ في مَصْلَحَةِ الآخرينَ، لا إلى الأشياءِ الَّتي تَصُبُّ في مَصْلَحَتِنا نحن. فيجب علينا أنْ نُفَضِّلَ الآخرين. وَفِكْرَةُ تَفضيلِهِم هي فكرة جميلة جدًّا. فهي تَحْمِلُ في طَيَّاتِها مَعْنى أنْ نُبادِرَ إلى ذلك. هل فَهِمْتُم ذلك؟ فهي تُشيرُ إلى تَمْهيدِ الطَّريق؛ أيْ أنْ نكونَ قُدوة. بعبارة أخرى، يجب علينا أنْ نَتَقَدَّمَ المَوْكِبَ [إنْ شِئْتُم]، وأنْ نَسيرَ في المُقَدِّمة، وأنْ نَكونَ في طَليعَةِ الآخرين. بعبارة أخرى، لا يجوزُ لنا أنْ نَجلسَ وننتظرَ إلى أنْ يُكْرِمَ الآخرونَ بعضُهُم بَعضًا، أو إلى أنْ يَحْسِبوا الآخرينَ أفضلَ مِنْ أنفُسِهم، أو إلى أنْ يَسُدَّ البعضُ حاجةَ الآخرين، أو إلى أنْ يُلَبِّي البعضُ حاجةَ البعضِ الآخر. فلا يجوزُ لنا أنْ نَنتظرَ إلى أنْ يُعْطي البعضُ الكَرامَةَ لِمَنْ لَهُ الكَرامة، أوِ المَحَبَّة لِمَنْ هُوَ جَديرٌ بالمحبَّة. ولا يَجوزُ لنا أنْ نَنتظرَ إلى أنْ يَقومُ البعضُ بشيءٍ ينبغي القيامُ به مِنْ خِلالِ استخدامِ وَقْتِهِم ومواهِبِهم ومَوارِدِهم. بل ينبغي لنا أنْ نَقودَ المَوْكِب. بعبارة أخرى، يجب علينا أنْ نَكونَ أَوَّلَ مَنْ يَقومُ بذلك. فهذا هو المَعنى الجوهريُّ لهذه الكلمة. فنحنُ لا نَنتظر، بل ينبغي أنْ نكونَ قُدوةً في إكرامِ الآخرين. وهذا هو المقصودُ بِتَفضيلِ الآخرينَ على أنفُسِنا؛ أيْ أنْ نَأخُذَ زِمامَ المُبادرة في إكْرامِهِم بِذاتِ الطريقةِ الَّتي نُكْرِمُ فيها الأشخاصَ الَّذينَ نَحْسِبَهُمْ أفضَلَ مِنَّا. ويا لها مِن فِكرة عظيمة ... فِكرة عظيمة. فينبغي أنْ نُبادِرَ إلى إكرامِ الآخرين، وأنْ نُبادِرَ إلى مُكافأةِ الآخرين، وأنْ نُبادِرَ إلى احترامِ الآخرين، وأنْ نُبادِرَ إلى حُبِّ الآخرين، وأنْ نُبادِرَ إلى سَدِّ حاجاتِ الآخرين. فهذا هو أَصْدَقُ اخْتبارٍ للتَّواضُع أَعْرِفُهُ. مِنْ جهة أخرى، فإنَّ بعضَ النَّاسِ يَشعرونَ عندَ تَكريمِ أشخاصٍ آخرين ... يَشعرونَ بالغَضَبِ والغَيرَة. أليسَ كذلك؟ والحَسَد. ولكِنَّ العَكْسَ ينبغي أنْ يَنْطَبِق على المؤمن. فيجب أنْ نُفَضِّلَ الآخرينَ على أنفُسِنا، وأنْ نَقودَ المَوْكِبَ في إكرامِ الآخرينَ وفي سَدِّ حاجاتِ الآخرين. وهذا يَقودُنا مَرَّةً أخرى إلى دائرةٍ أوسَع قليلاً. أليسَ كذلك؟ فهذا يَقودُنا إلى مواقِفَ مُعَيَّنة تُجاهَ عائلةِ الله. ويمكننا أنْ نَقولَ الكثيرَ عن ذلك، ولكِنْ لِنُتابِع.

ففي هذه الدَّائرة الثَّانية، الَّتي تَضُمُّ العائلة، نَجِدُ هذا الواجبَ الشَّخصيَّ هُنا أيضًا. لِذا، ما زِلْنا هُنا. فهو يَعودُ إلى الحديثِ عنَّا شخصيًّا مَرَّاتٍ عديدة. وَهُوَ يَتحدَّثُ هنا بِصِفة شَخصيَّة جدًّا. فهناكَ ثلاثة أمور تَختصُّ بي وبِكُم في العدد 11؛ وهي مُهمَّة جدًّا جدًّا. الأولى، بحسب تَرجمة الملك جيمس (King James): "غَيْرَ مُتَكَاسِلِينَ فِي العَمَل". وهذه ليست تَرجمة جيِّدة جدًّا بالمُصطلحاتِ المُعاصِرَة. فرُبَّما كانت جَيِّدة في الوقتِ الَّذي أَمَرَ فيهِ الملك جيمس بترجمة الكِتاب المقدَّس في إنجلترا القديمة. أمَّا الآن، فإنَّها لا تُعَبِّر عنِ الفِكرة المقصودة. فهي تَبدو وكأنَّها تَختصُّ بِرِجالِ الأعمال. وقد تَمَّ استخدامُها استخدامًا خاطئًا في هذا الإطار. ولكِنَّ المُصطلَحَ اليونانيَّ الأصليَّ ينبغي أنْ يُتَرجَم هكذا: ""غَيْرَ مُتَكَاسِلِينَ فِي الاجتهاد". فهذه الكلمة لا تَعني "عَمَل". فالكلمة هي "سبوادي" (spoude)، وهي تَعني حَرفيًّا: "عَجَلَة" ... "عَجَلَة" ... "سُرعة". وأَذكُرُ أنِّي سَمعتُ عظةً مِن واعظٍ أسود ذاتَ مَرَّة عنِ العَجَلَة. فقد وَعَظَ عِظَةً كاملةً عن ذلك قائلاً: "يجب علينا أنْ نُسْرِع". وقد راحَ يَتحدَّث ويَتحدَّث ويَتحدَّث عن هذا الموضوع نحوَ خمسٍ وثلاثينَ دقيقة. ثُمَّ قال: "والآن، بعدَ أنْ عَرَفْنا أنَّهُ يجب علينا أنْ نُسْرِع، ما الَّذي ينبغي أنْ نُسْرِعَ في عَمَلِه؟ هذه هي نُقْطَتي الثَّانية". وحالَ انتهاءِ العِظَة، كانَ كُلُّ واحدٍ مِنَّا يَحُضُّ الآخَرَ على مُغادرةِ المكانِ بِسُرعة. فقد كُنَّا في عَجَلَة شديدة. ولا أدري إنْ كُنَّا جميعًا نَعْرِفُ لماذا نُعَجِّل، ولكِنْ مِنَ المُؤكَّد أنَّنا كُنَّا في عَجَلة. وهذه هي الفكرة هنا. "لا تتكاسلوا في الاجتهاد". فيجب عليكم أنْ تُعَجِّلوا. وقد فُهِمَتْ النُّقطة الَّتي أرادَ تَوصيلَها. وبصورة عامَّة، فإنَّ ما كانَ يَقولُهُ هو: "نحنُ لدينا عَمَلُ أَوْكَلَهُ إلينا المَلِك لنقومَ به. ويجب علينا أنْ نَقومَ بعملِ المَلِك ما دامَ بِمَقدورِنا أنْ نَقومَ به". "مَا دَامَ نَهَارٌ" (كما قالَ يسوع). "يَأتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَل". وما يجب أنْ يُعْمَل لا بُدَّ أنْ يُعْمَل، ولا بُدَّ أنْ يُعْمَلَ الآن. لِذا فإنَّ ما يَقولَهُ هو: لا تَفْقِدوا حَماسَتَكُمْ فيما تُعَجِّلون. ولا تَتكاسَلوا في العمل". والمسألة هُنا مسألة رُوحيَّة. فَمِنْ جِهَةِ الحَماسةِ الرُّوحيَّة، لا تَكونوا كَسالى. ومِنْ جِهَةِ العَجَلَة والحاجة إلى السُّرعة والتَّكريسِ التَّامِّ والتَّركيزِ على المَهَمَّة، لا تَتراجَعوا. بعبارة أخرى، هُناكَ مَوْضِعَانِ في العهد الجديد: غَلاطيَّة 6: 9، وأعتقد أنَّ الآخر هو رسالة تسالونيكي الثَّانية والأصحاح الثَّالث، رُبَّما في العدد 13 إذْ نَقرأُ فيهما هذه الكلمات: "لاَ تَفْشَلُوا فِي [ماذا؟] عَمَلِ الْخَيْر". فيجب أنْ تكونَ هُناكَ سُرعة. ويجب أنْ تكونَ هناكَ حَماسَة في الحياةِ المسيحيَّة. فلا مَجالَ للكَسَل. ويمكننا أنْ نَصْرِفَ وقتًا طويلاً في التَّأمُّلِ في سِفْر الأمثال والقيام بدراسة كاملة عنِ الكَسَل وكيفَ أنَّ الكَسَلَ مَمْقوتٌ لدى الله. ولكِنْ يَكفي أنْ نَقولَ هُنا إنَّهُ لا مَجالَ للكَسَل في عَمَلِ الرَّبّ. ولا مَجالَ للتَّراخي. فهو يَتطلَّبُ عَجَلَة، وسُرعة، وروحًا تتحرَّك بِسُرعة.

وفي سِفْر الجامعة 9: 10، قَدَّمَ سُليمان نَصيحةً حَكيمةً جدًّا إذْ قال: "كُلُّ مَا تَجِدُهُ يَدُكَ لِتَفْعَلَهُ فَافْعَلْهُ بِقُوَّتِكَ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَل ... فِي الْهَاوِيَة". "كُلُّ مَا تَجِدُهُ يَدُكَ لِتَفْعَلَهُ فَافْعَلْهُ بِقُوَّتِكَ". ولَعَلَكَّمُ تَذكرونَ ما جاءَ في إنجيل مَتَّى 25: 26 عندما دَرَسْنا ذلكَ قبلَ وقتٍ ليسَ بالطَّويل إذِ الْتَقَيْنا خادِمًا كَسولاً أُعْطِيَ وَزْنَةً واحدةً ولم يَفْعَل شيئًا بها بسببِ كَسَلِه، بل دَفَنَها في الأرض. وقد كَلَّفَهُ ذلكَ الأبديَّة.

وفي سِفْر إشعياء والأصحاح 56، كنتُ أَقرأُ في هذا الأسبوع، ووَصلتُ إلى العدد 10. وفي ذلكَ العدد، دَانَ إشَعياء قادةَ إسرائيل بهذه الكلمات: "مُرَاقِبُوهُ عُمْيٌ كُلُّهُمْ. لاَ يَعْرِفُونَ. كُلُّهُمْ كِلاَبٌ بُكْمٌ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَنْبَحَ. حَالِمُونَ مُضْطَجِعُونَ، مُحِبُّو النَّوْم". بعبارة أخرى، فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ كانَ يُفترَضُ بهم أنْ يَسهروا رُوحيًّا على بَني إسرائيل نامُوا وصاروا كِلابًا بُكْمًا لا تَنْبَح في وقتِ الخَطَر؛ أي إنَّها صارت كِلابَ حِراسَةٍ عَديمةَ النَّفْع، وعمياء، وجاهلة، ونائمة، ومُضْطَجِعَة، ومُحِبَّة للنَّوم. وما يَقولُهُ بولُس هنا هو أنَّنا نحنُ الَّذينَ نَخْدِمُ المسيح ينبغي أنْ نكونَ مُنْهَمِكينَ طَوالَ الوقتِ في كَدٍّ لا يَتوقَّف في القيامِ بعملِ الرَّبِّ ما دامَ بمقدورِنا أنْ نَفعلَ ذلك. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في سِفْر الأمثال 18: 9: "الْمُتَرَاخِي فِي عَمَلِهِ هُوَ أَخُو الْمُسْرِف". وأكبرُ مُسْرِفٍ في نَظَري هو الشَّخصُ الَّذي يُهْدِرُ لا المالَ، بل ماذا؟ الوقت. الَّذي يَهْدُرُ الوقتَ. فلا يجوزُ لنا أنْ نَهْدُرَ الوقتَ.

وفي رسالة أفسُس والأصحاحِ الخامِس، يَقولُ بولُس: "مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ"؛ أيْ "مُسْتَغِلِّينَ الوقتَ أَحسنَ استغلال". ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العبرانيِّين 6: 12: "لاَ تَكُونُوا مُتَبَاطِئِين". "لا تَكُونُوا مُتَبَاطِئِين". وهذه، مَرَّةً أُخرى، هي فِكرةُ الكَسَل. وأَخشى أنَّ مُؤمِنينَ كثيرينَ يَصْدَأونَ عِوَضًا عَنْ أنْ يَتْعَبون. فأنا لم أَلْتَقِ مُؤمِنينَ كثيرينَ جدًّا مُتْعَبين. وهذه هي الحَالُ في وَقْتِنا الحاضِر. وقد أُتيحت لي فُرصةُ الاطِّلاعِ على استطلاعٍ للآراء. وقد كانَ القَصْدُ مِنَ الاستطلاع هو تَوضيحِ أنَّ عددًا قليلاً فقط مِنَ النَّاس يَعملونَ بِجِدّ. وقد اختاروا شَريحة الإدارة المُتوسِّطة، وشريحةَ الإدارة العُليا مِنَ النَّاسِ الَّذينَ يَعملونَ في المجالِ التِّجاريّ. وقد كانَ هَدَفُ الدِّراسة هو مَعرفة عددِ سَاعاتِ العَمَل في اليومِ الواحد، أو بالأحرى عَدَد السَّاعات الفِعليَّة المُنْتِجَة في اليومِ العاديِّ لشخصٍ في المَجالِ التِّجاريِّ لديهِ بعضُ المَسؤوليَّاتِ الإداريَّة، وبعضِ الإشراف؛ أيِ الأشخاصِ الَّذينَ يَتمتَّعونَ ببعضُ الحُريَّة في عَمَلِ ما يَشاؤون بوقتهم. فإذا كُنْتَ تَعْمَلُ على خَطِّ الإنتاج في مَصْنَعٍ، مِنَ الصَّعبِ قليلاً أنْ تَعْرِفَ عددَ السَّاعاتِ الَّتي ينبغي أنْ تَعْمَل بها وكَمْ ساعة تَعْمَل حَقًّا في يومِ العَمَل المُؤلَّف مِنْ ثَماني ساعات. ولكِنْ إذا كُنْتَ في الإدارة أو في المجالِ التِّجاريّ، وتَتَحكَّم بوقتِك، فإنَّ الدِّراسة تَرْمي إلى مَعرفةِ عددِ السَّاعاتِ الحَقيقيّة الَّتي تَعمل بها، وعددِ السَّاعاتِ المُنْتِجَة حقًّا. وقد تَبَيَّنَ أنَّ المُعَدَّلَ في الولاياتِ المُتَّحِدة في يومِ عَمَلٍ يَتألَّف مِنْ ثَماني ساعاتٍ هو ساعَتان مِنَ الوقتِ المُنْتِج. ساعَتانِ مِنَ الإنتاجِ فِعليًّا. فإنْ كُنتم لا تُصَدِّقونَ أنَّنا نَعيشُ في مُجتمَعٍ يَتَمَحْوَرُ حولَ المُتْعَة، فإنَّكُم مُخْطئون. وقد تقول: "أجل، وَلَكِنِّي أُنْتِجُ جَيِّدًا في هاتَيْنِ السَّاعَتَيْن". وهذا جَيِّد. فَرُبَّما تَفعلُ ذلكَ حقًّا. ورُبَّما كانَ هَذا كَافِيًا لِجَعْلِ الآخرينَ يَعملونَ ثماني ساعات. فأنا لا أقولُ إنَّ هذا خَطَأ بالضَّرورة، بل أقولُ وَحَسْب إنَّ هذا هو ما يَجري. وأعتقد أحيانًا أنَّ موقِفَنا مِنْ ذلك يَنتقل إلى المَسيحيَّة. فقد لاحَظْتُ حَتَّى معَ الشُّبَّانِ في كُليَّةِ اللَّاهوت أنَّ ما يَجري في كُلِّيَّاتِ اللَّاهوتِ اليوم هو مَطُّ عمليَّة التَّعليم. صحيحٌ أنَّ هناكَ أسبابًا كثيرة لذلك. وأنا لا أُريدُ أنْ أَنتقد كُلَّ شخصٍ يَستغرِق وقتًا طويلاً في الدِّراسة في كُليَّةِ اللَّاهوت. فقد يكونُ الطَّالِبُ مُتزوِّجًا ولديه أبناء كثيرون، أو قد يكونُ بحاجة إلى وظيفة فَيُضْطَرُّ إلى القيامِ بذلك. ولكِنْ كانَ هُناكَ وقتٌ تَلْتَحِقُ فيهِ بِكُليَّةِ اللَّاهوتِ وتَخْرُجُ بعدَ ثلاثِ سنوات أو أربعِ سنوات مِنَ البابِ الآخر، وتكونُ قد أَكْمَلْتَ دراسَتَك وأَنْهَيْتَ كُلَّ مُتطلَّباتِ التَّخَرُّجِ دُفْعَةً واحدة. والفائدة في ذلك هو التَّدريبُ على الاجتهادِ والانضباط. وأنا أَعْلَمُ أنَّ الأمرَ كانَ كذلكَ بالنِّسبةِ إليَّ. فقد التحقتُ بالجامعة بعدَ أنْ أَنْهَيْتُ دراستي الثَّانويَّة في عُمْرِ السَّابعة عشرة، وتَخَرَّجتُ مِنَ الجامعة في سِنِّ الحادية والعشرين، وتَخَرَّجتُ مِنْ كُليَّةِ اللَّاهوتِ في سِنِّ الرَّابعة والعِشرين. فقد انتقلتُ مِنْ هُنا إلى هُنا إلى هُنا وانتهيتُ مِنْ كُلِّ شيء. وأنا مُقْتَنِعُ حَقًّا أنَّ ذلكَ كانَ واحدًا مِنْ أفضلِ المُعَلِّمينَ لديَّ في ضَبْطِ النَّفس. وقد كانَ ذلكَ أفضلَ مُعَلِّمٍ تَطبيقيٍّ في ضَبْطِ النَّفسِ حَظَيْتُ بِهِ طَوالَ حياتي إذْ تَعَلَّمْتُ كيفَ أفعلُ ذلك، وأبقى مُواظِبًا، وأجتهدُ فيهِ حَتَّى النِّهاية. ولكِنَّ ما يَحْدُثُ اليوم هو أنَّ وَقْتَ الدِّراسَة يَطُول. لِذا، في أغلبِ الأحيان فإنَّ الشُّبَّانَ الَّذينَ يَلتحقونَ بالخدمة يَعملونَ قليلاً، ويَدرسونَ في كُليَّةِ اللَّاهوتِ قليلاً، ويُواعِدونَ الخَطيبَةَ قليلاً، ويَلعبونَ كُرَةَ المِضْرَبِ قليلاً، ويَستمتعونَ بوقتهم قليلاً. ثُمَّ إنَّهم يَتخرَّجونَ مِنْ كُليَّةِ اللَّاهوتِ ويَذهبونَ للخِدمة في كنيسة فيحاولونَ القيامَ بِشيءٍ واحدٍ فقط في وقتٍ واحد. ولكنَّهم يَعجزونَ عن ذلك. فهذا مُستحيلٌ تقريبًا. لِذا، لا يَنبغي أنْ نَتَعَجَّبَ حينَ نَرى أنَّهم يُلغونَ خِدمةَ مساءِ يومِ الأحد لأنَّهم لا يَتمكَّنونَ مِنْ ضَبْطِ أنفُسِهم في أثناءِ مَرحلةِ تَحْضيرِ العِظات. وكما ذَكرتُ لكم قبلَ وَقْتٍ مَضَى، عندما يَسألُني النَّاسُ ما هو مِفتاحُ الخِدمة، فإنَّني أقولُ لهم: "أنْ تَجْلِسَ في مِقْعَدِكَ إلى أنْ تُنْجِزَ عَمَلَك". وَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّ هذا يَتَنافى مَعَ المبادئِ الرُّوحيَّة. ولكِنْ في الحقيقة، إنَّهُ صحيح. فهناكَ حاجة إلى الحَماسة الحقيقيَّة في عَمَلِ الرَّبِّ.

وقد سَمِعتُ قبلَ أيَّام عن سَيِّدة في كنيسَتِنا تُعَلِّمُ صَفًّا لمدارِسِ الأحد للفتياتِ الصَّغيرات منذُ ثماني عَشْرَةَ سنة؛ وبالمُناسَبة، فإنَّهُنَّ لَسْنَ نفسَ الفتياتِ الصَّغيرات. فَهُنَّ يَتَغَيَّرْنَ دائمًا، كما تَعلمون. ولكِنَّها تُعَلِّم نَفْسَ الصَّفّ. ولا أدري إنْ كانَت تُعَلِّمُ فتياتِ الصَّفِّ الثَّالثِ أوِ الرَّابعِ أوْ غيرَ ذلك. ثَماني عَشْرَةَ سنة. وهذا رائع. فقد استمرَّتْ تُعَلِّم ولم تَتكاسَلْ في الاجتهاد. وهذا هو ما قَصَدَهُ بولسُ بِقولِه: "غَيْرَ مُتَكَاسِلِينَ فِي الاجْتِهَاد". أيِ استمرُّوا في الحركة، واستمرُّوا في القيامِ بذلك. وواحدٌ مِنَ أسرارِ ذلك هو أن تَشْعُروا بالمسؤوليَّة. فكثيرًا ما يَسألُني النَّاسُ: "كيفَ تُجْبِرُ نَفسَكَ على الدِّراسة؟" فأقول: "أنا لا أُجْبِرُ نَفسي على الدِّراسة، بل إنَّ النَّاسَ الَّذينَ يأتونَ يومَ الأحدِ هُمُ الَّذينَ يَفعلونَ ذلك". وما أعنيه هو: "ما المَنفعة إنْ وَقَفْتُ هُنا وقُلتُ: "اسمعوني أيُّها الأحبَّاء: أنا لم أَنْتَهِ مِنَ التَّحضير، ولكنِّي أعتقد أنَّني سأنتهي مِنْ تَحضيرِ العِظَة بِحُلولِ يومِ الثُّلاثاء. هل يمكنكم أنْ تَعودوا في ذلكَ اليوم؟" لا، لا، لا، لا. والحقيقة هي أنَّني عندما أُعَلِّمُ مَوادَّ في كُليَّةِ اللَّاهوت. وذاتَ مَرَّة قُلتُ للطَّلبة: "يجب أنْ تُسَلِّموا أبحاثَكُم يومَ الجُمُعة". وقد أعطيتُهم نحو ثلاثة أسابيع لكتابةِ أبحاثهم، وقلتُ لهم: "يجب تسليمُها يومَ الجُمُعة. يجب أنْ تُسَلِّموها لي يومَ الجُمُعة". وقد جاءَ يومُ الجُمُعة فَسَلَّمَني نِصْفُ الطَّلبة تقريبًا الأبحاث. أمَّا النِّصفُ الآخرُ مِنهم فقالوا: "سوفَ نُسَلِّمُها لَكَ يومَ الاثنين". فقلت: "لا. سوفَ تَحْصُلونَ على صِفْر". فقالوا: "لم نَعتقد أنَّكَ ستكونُ قاسيًا هكذا". فقلت: "أنا لستُ قاسيًا. فقد قلتُ إنَّهُ يجبُ أنْ تُسَلِّموها يومَ الجُمُعة. وهذا هو كُلُّ ما في الأمر". ولكنَّ كثيرينَ راحوا يَختلقونَ الأعذارَ ويقولونَ كذا وكذا. ولكنِّي قلتُ إنَّهُ يجب تَسليمُها يومَ الجُمُعة. فقالوا: "لماذا؟" قلت: "لأنَّهُ لا يمكنكم أنْ تَذهبوا إلى كنيستكم يومَ الأحد وتقولوا: ’سوفَ أُحَضِّرُ العِظَة إنْ مَنَحْتُموني بِضعةَ أيَّامٍ أُخرى‘. وأرْجو أنْ تَكونوا قَد تَعَلَّمْتُمْ هذا الدَّرس جَيِّدًا الآن". وقد قالَ لي واحدٌ مِنْ أَساتذتي: "أنا لا أقدرُ أنْ أكونَ راعيًا لأنِّي لا أستطيعُ أنْ أُنْهي تحضيرَ العظة قبلَ يومِ الأحد مِنْ كُلِّ أسبوع". صَحيحٌ أنَّ الانْضِباطَ يُشَكِّلُ ضَغْطًا هائلاً، ولكنَّهُ مُفيدٌ جدًّا. وعندما يكونُ لديكَ صَفٌّ أو لديكَ خِدمة أنتَ مَسؤولٌ عنها، مِنَ الجَيِّد أنْ تَكونَ مُنْضَبِطًا. لِهذا فإنَّ الانضباطَ جَيِّدٌ. فقد تكونُ لديكَ خِدمة عائمة تَفْعَلُ الأشياءَ فيها وَقْتَ ما تَشاء. ولكِن كُلَّما زَادَ التزامُكَ بخدمة تتطلَّبُ مِنْكَ التزامًا مُعَيَّنًا في ضَبْطِ وَقتِك، زادَتِ الحاجةُ إلى حَماسَتِكَ واجتهادِكَ في الاستعداد لذلك. لِهذا فإنَّ هذا المبدأَ هو مَبدأٌ مُهِمٌّ جدًّا.

وهناكَ مَبدأٌ آخر يَرتبط بِهِ (في العدد 11) وهو مَبدأُ الحَرارة في الرُّوح. وهذا جَيِّدٌ جدًّا لأنَّهُ لا يُمْكِنُكَ أن تكونَ كَسولاً. ولكِنْ قد يَكونُ مَوقِفُكَ مِنَ الانضباطِ سَيِّئًا. فقد تقول: "سوفَ أفعلُ ذلك لأنِّي مُضْطَرٌّ للقيامِ به. ولكِنِّي بِكُلِّ تأكيد لا أُحِبُّ القيامَ بذلك. بل كم أَوَدُّ أنْ أَتَخَلَّصَ مِنْ هذا الأمرِ بِرُمَّتِه". لا! وَكَمْ أُحِبُّ ما جاءَ هُنا. فالكلمة "حَارِّينَ" تَعْني "يَغْلي مِنْ فَرْطِ الحَرارة" ... يَغلي. والكلمة "رُوْحُ" هُنا تُشيرُ إلى الرُّوحِ البَشَرِيِّ، إيْ إلى إنسانِكَ الباطِن. والمقصودُ هُنا: "كُنْ مُؤْمِنًا يَغْلي". وما أعنيه هو أنْ تكونَ تَغْلي في كُلِّ وقتٍ، وأنْ تَكونَ مُتحمِّسًا للخدمة، وأنْ تكونَ أيَّ شيءٍ غيرَ أنْ تكونَ فاترًا أو باردًا. فالحياةُ المسيحيَّة ينبغي أنْ تكونَ مُمتلئة حَماسَةً، وهِمَّةً، وحَرارَةً، وفَرَحًا، واجتهادًا كاملاً.

وأذكُرُ أنَّني قَرأتُ مَقالةً ... والحقيقة هي أنَّني أَحْضَرْتُها معي لكي أُشارِكَ منها بَعْضَ ما جاءَ فيها. وعُنوانُ المَقالة هو: "تَحَمَّس". وهي تقولُ في البداية: "لقد كنتُ أتحدَّثُ وَحَسْب مع لورين [Lorraine]، وقد جَعَلَتْني أشعُرُ بشعورٍ غريبٍ مِنَ الفَراغِ والخَواء. وهلِ التقيتُم يومًا أُناسًا مِنْ هذا النَّوع؟ مِنَ المؤكَّدِ أنَّكُم التقيتموهُم. فهناكَ الملايينُ والملايينُ مِنهم. فَهُمْ مُنتشرونَ جِدًّا. والحقيقة هي أنَّ هُناكَ مَنْ يَخشَى أنْ يَصيروا وَباءً مُتَفَشِّيًا في الأُمَّة. وما مُشكلتُهم؟ هل هُمْ في وَرطة شديدة؟ ليسَ بصورة مُختلفة عنِ المواطِنِ العاديِّ. وهل هُمْ مَرْضى؟ لا. وهَلْ هُمْ يُعانونَ بسببِ فاجِعَة أو مأساة أو أمرٍ مُحْزِن؟ لا. إذًا، ما هي مُشكلتُهم؟ إنَّها المُشكلةُ الأقدمُ على الأرض. فَهُمْ يَفْتَقِرونَ إلى الحَماسَة". وَهَلُمَّ جَرَّا. وأعتقد أنَّ هذا صحيح. فنحنُ قد نَتْعَبُ في الاجتهاد. وقد نَفقِدُ حَماسَتَنا وحَرارَتَنا واتِّقادَنا. وهذا سَيِّئٌ جِدًّا. فالحياةُ المسيحيَّة ينبغي أنْ تَزْخُرَ بتلكَ الطَّاقة الَّتي تُحَمِّسُ وتُعْطي الهِمَّة، وتلكَ القُوَّة الَّتي تَدْفَع – لا فقط أنْ يكونَ المرءُ مُكَرَّسًا للقيامِ بالمَهَمَّة، ولا أنْ لا يكونَ مُتَكاسِلاً فقط، بل أنْ يَكونَ حَارًّا في الرُّوح للقيامِ بذلك، وأنْ يكونَ مُتَحَمِّسًا.

وهناكَ آياتٌ كثيرة تتحدَّث عن ذلك في الكتابِ المقدَّس. ولكِنْ هناكَ آية واحدة تَخْطُرُ ببالي وتَستخدِمُ العِبارة نَفسَها في وَصْفِ الإنسان. وهي في الأصحاح 18 مِنْ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. ولا حاجةَ إلى أنْ تَفتحوا عليها. فسوفَ أقرأُها لكم وَحَسْب. وهي تتحدَّثُ عن أَبُلُّوس، وَهُوَ رَجُلٌ يَهودِيٌّ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي الْكُتُب، أيْ في أسفارِ العهدِ القديم. "كَانَ هذَا خَبِيرًا فِي طَرِيقِ الرَّبِّ. وَكَانَ حَارًّا بِالرُّوح". فهو الشَّيءُ نَفسُه. فقد كانَ حَارًّا بالرُّوح. فقد كانَ رَجُلاً رُوْحُهُ لا تَعْرِفُ التَّوَقُّف، ولا تَعْرِفُ الإبْطاءَ، بل هو رُوحٌ مُنْدَفِعٌ، ومُتَحَمِّسٌ وَمُتَّقِدٌ، وَحَارٌّ. وقد قالَ "هنري مارتين" (Henry Martyne)، وَهُوَ مُرْسَلٌ عَظيمٌ خَدَمَ في الهِنْد): "والآن، لأحتَرِق الآنَ لأجْلِ الله". وقد كانَ بولُس يَخْدِم مِنْ دونِ تَوَقُّف. وقد قال: "أَنَا أَرْكُضُ لأفوزَ بالسِّباق، وأُصارِع للفوزِ على خَصْمي". وقد قال: "بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ" (كما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 9). وَهُوَ يقول: "الَّذِي نُنَادِي بِهِ مُنْذِرِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوع" (كما جاءَ في رسالة كولوسي والأصحاح 1). وما أعنيه هو أنَّهُ كانَ خادِمًا مُتحمِّسًا ولا يَستسلِمُ للتَّعَب. وَهُوَ لم يكن يَجتهدُ هكذا خارجيًّا فقط، بل كانَ يَمْتَلِكُ دائمًا رُوحًا حارًّا. وهذا هو الشَّيءُ الَّذي أُحِبُّ أنْ أَراه: مُؤمِنينَ مُتَحَمِّسينَ وَحَارِّين.

وهذا يَقودُنا إلى مبدأ شخصيّ ثالث هنا في العدد 11. فنحنُ مُطالبونَ لا فقط بأنْ لا نَكونَ كَسَالى في حَماسَتِنا، بل أنْ نكونَ حَارِّينَ بالرُّوح، ومُستعدِّينَ للخِدمة، ومُتَّقِدينَ دائمًا. ولكِنَّ هذا كُلَّهُ يَختصُّ بِخِدمةِ الرَّبّ. وكأنَّ هذه العبارات تَصِفُ خِدْمَتَنا للرَّبِّ. فلا يَجوزُ لنا أنْ نكونَ كَسالى في حَماسَتِنا، بل أنْ نكونَ حَارِّينَ بالرُّوح في أثناءِ خِدمَتِنا للرَّبّ. وأنا أَرى أُناسًا يمكنهم أنْ يكونوا مُتَحَمِّسينَ في أمورٍ كَثيرة. وأنا أرى أُناسًا يَتحمَّسونَ بخصوصِ أمورٍ يَبيعونَها في السُّوق، ويَتحمَّسونَ بخصوصِ شِراءِ مَنْزِلٍ جديد، أو سيَّارة جديدة، أو ملابس جديدة. وأنا أَرى أُناسًا يَتحمَّسونَ لِمُباراةٍ في كُرَةِ القدم، أو كُرَةِ القاعِدَة، أو كُرَةِ السَّلَّة، ويَتصرَّفونَ بطريقة خَرْقاء جِدًّا، ويَتحمَّسونَ لأمورٍ كثيرة جدًّا جدًّا. وأنا أَرى أُناسًا يَقَعونَ في الغَرام، كما تَعلمون، فتَراهُم يَتَحَمَّسونَ جِدًّا. راقِبوا هؤلاءِ الأشخاص وَحَسْب فَتَرَوْنَ أنَّهُمْ يَزْخُرونَ بالحَماسة ويَلتهبونَ التهابًا. فالأمرُ يَستولي على كُلِّ لَحظةٍ في حياتِهم. وَهُمْ يَنامونَ وَيَحْلُمونَ في الشَّخصِ الَّذي يُحِبُّونَهُ. وَهُمْ يَتَحَمَّسونَ لذلك. وقد وَقَعْنا كُلُّنا في الحُبّ واختبَرنا ذلك. ونحنُ نَعْرِفُ ذلكَ الشُّعور. وأنا أَعْرِفُ ذلك. وأنا ما زِلْتُ واقعًا في الحُبّ. وأنا أَفهمُ ذلك. صحيحٌ أنَّني هَدَأتُ قليلاً. فأنا، كما تَعلمونَ، لَسْتُ "رُوْميو" كالسَّابق إنْ جازَ القول. وأعتقد أنَّ السَّبَبَ في ذلك هو أنَّ الحُبَّ استقرَّ لديَّ وصارَ حُبًّا عَميقًا وغَنِيًّا ورائعًا. ولكِنَّنا نَعْلَمُ جَميعًا مَعنى ذلك عندما تَنْطَلِقُ تلكَ الشَّرارة، وتَصْدَحُ تلكَ الأجراس، ونَشْعُرُ بتلكَ المشاعر فَنَتَحَمَّسُ كثيرًا بشأنِ تلكَ العلاقة حَتَّى إنَّ كُلَّ شيءٍ في العالم يَتلاشى تقريبًا. وأنا أَتساءَلُ إنْ كُنَّا قد شَعَرْنا يَوْمًا بهذه المشاعر فيما يَختصُّ بِخِدْمَتِنا للربِّ يسوعَ المسيح. فيا لهُ مِنْ أمرٍ رائع! ويا لها مِنْ شيءٍ مُدهش! فَمِنَ الصَّعْبِ أنْ أَصِفَ حَرارَةَ الخِدْمَة لكم. ويجب أنْ يكونَ الأمرُ هكذا. فيجب أنْ تَغْلي غَلَيانًا. ويجب علينا أنْ نَتوقَ بِكُلِّ كِيانِنا إلى خِدمةِ الرَّبِّ.

فعندما ابتدأَ بولسُ رِسالَتَهُ هذِهِ، أَلَمْ يَقُل ذلك؟ فنحنُ نَقرأُ في الأصحاح الأوَّل والعدد 8: "أَشْكُرُ إِلهِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، أَنَّ إِيمَانَكُمْ يُنَادَى بِهِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ. فَإِنَّ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي، فِي إِنْجِيلِ ابْنِهِ...". فقد كانَ يُحِبُّ فِكرةَ خِدمةِ الرَّبِّ. وأنا أُحِبُّ تلكَ الفِكرة أيضًا. وأنا لا أَكادُ أُصَدِّق أنَّ اللهَ مَنَحَني هذا الامتيازَ العظيم. فأنا أَقْرُصُ نَفسي بينَ الحينِ والآخر لكي أتأكَّدَ مِنْ أنَّ ما يَحْدُثُ حَقيقيّ. فأنا لا أَدري لماذا أعطاني اللهُ هذا الامتيازَ العظيمَ والرَّائعَ والمَجيد! فالشُّعورُ بالرِّضا في خِدمةِ المسيحِ يَفوقُ أيَّ رِضا قد يُقدِّمُهُ العالَم. فنحنُ قد دُعِيْنا إلى خِدمةِ الرَّبِّ، بل إلى خِدْمَتِهِ بِاجتهاد، وخِدْمَتِهِ بحماسة، وخِدْمَتِهِ بِروحٍ حَارٍّ، وباتِّقاد، وبِفَرَحٍ وابتهاجٍ كامِلَيْن. وإنْ لم يكن بمقدورِكَ أنْ تَخْدِمَهُ هكذا، فإنَّ المُشكلةَ لا تَكْمُنُ في مَكانِ خِدْمَتِك، بل إنَّ المُشكلة تَكْمُنُ في قَلبِك. فالمُشكلةُ لا تَكْمُنُ في أنَّ ظُروفَ الخِدمةِ غير مُلائمة أو في أيِّ سَبَبٍ مُشابِه، بل إنَّ المُشكِلَةَ تَكْمُنُ فيكَ أنت. تَكْمُنُ فيكَ أنت. فَخِدمةُ الرَّبِّ هي شيءٌ رائعٌ جدًّا. واسمحوا لي أنْ أُثْري فَهْمَكُم لهذه النُّقطة. في هذا الأصحاح، هناكَ ثلاثُ كَلِماتٍ مُمَيَّزة تُستخدَمُ بِمَعْنى "خِدْمَة". الأولى موجودة في العدد الأوَّل: "عِبَادَتَكُم الْعَقْلِيَّة" (في نهاية العددِ الأوَّل). فالكلمة هي "عِبادَة". والكلمة المُستخدَمة هنا هي "لاتريو" (latreuo). وهذه هي صيغةُ الفِعْلِ منها "لاتريو"، ومَعناها: "خِدْمَة عِبادَة لائقة". فهي خِدْمَة العبادة أو الخدمة المُفْعَمَة بالتَّوقير. أيْ أنْ نُقَدِّمُ أنفُسَنا للرَّبِّ كَما كانَ الكاهِنُ يُقَدِّمُ ذَبيحَةً حَيَوانِيَّةً. ثُمَّ لاحِظُوا العدد 7. فهو يَتحدَّثُ عنِ الخِدمةِ وَخِدْمَةِ الموائِد. والكلمة المُستخدمة هنا هي "دياكونيئو" (diakoneo)، وهي تَختصُّ بالخدمة العَمليَّة وَخِدْمَةِ الموائِد. فنحنُ نَخْدِمُ الرَّبَّ بوصفِنا كَهَنَة نُقَدِّمُ ذبيحةً لَهُ مِنْ خلالِ خِدْمَتِنا الَّتي نُؤدِّيها بإجْلال. ونحنُ نَخْدِمُ الرَّبَّ بوصفِنا خُدَّامًا يَنتظرونَ على الموائِد؛ أيْ بوصفِنا خُدَّامًا نَقومُ بِأعمالٍ وَضيعَة، ومَهامَّ بسيطة، وَبِكُلِّ ما يَلْزَمُ القيامَ بِهِ. ولكِنَّنا نَجِدُ في العدد 11 الكلمة "دولوو" (douleuo)، وهي الكلمة الثَّالثة في هذا الأصحاحِ الَّتي يُمْكِنُ أنْ تُتَرْجَم: "خِدمة". وهي تُشيرُ إلى الخِدمةِ المُكَثَّفَةِ الَّتي يقومُ بها العَبيد. فهي خِدْمَة مُلْزِمَة. والتَّركيزُ هنا هو على أنَّهُ يجب علينا أنْ نَنْظُرَ إلى أنفُسِنا بوصفِنا عَبيدًا للمسيح، وأنْ نُقَدِّمَ لَهُ كُلَّ خِدمَتِنا، وألَّا يكونَ لنا سَيِّدٌ آخر غَيْرَهُ، وأنْ نُؤدِّي تلك الخِدمة بحماسة، وحرارة، واتِّقاد، وهِمَّة. وبولسُ يَعرِفُ أنَّ هذا المُستوى مِنَ الحياةِ لن يكونَ سَهلاً. فهو ليسَ سهلاً لأنَّنا نُواجِهُ مُعارَضَةً. فعندما تَرغبُ في أنْ تَخْدمَ الرَّبَّ بحماسة، وتَخْدِمهُ حَقًّا بتلكَ الحماسة، وتَخْدِمهُ بِقَلْبٍ كامِلٍ مُكَرَّس لذلك، وتَرغب حقًّا في تَقديمِ كُلِّ ما لديك، ستُواجِه بعضَ المشاكل. أليسَ كذلك؟ لأنَّكَ سَتَصْطَدِم حالاً بالنِّظامِ الَّذي لا يَعْرِفُ الله. وسوفَ يكونُ الأمرُ صَعْبًا.

لِذا فإنَّهُ يُضيفُ ثلاث وصايا في العدد 12. وسوفَ نَتأمَّلُ فيها ونتوقَّفُ عندَ تلكَ النُّقطة. أوَّلًا، إنَّهُ يَقول: "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاء". اسمعوني: لا يوجد شخصٌ خَدَمَ الرَّبَّ يومًا بِكُلِّ قلبِه ... لا يوجد شخصٌ خَدَمَ الرَّبَّ بِكُلِّ قلبِه دُوْنَ أنْ يَكونَ لديهِ رَجاءٌ دائمٌ في المُستقبَل. لأنَّهُ عندما تَخْدِم الربَّ بِكُلِّ قلبِك، ستَبتدئ أُمورٌ تَحْدُث لِجَعْلِكَ تَرْجو في المُستقبَل. أليسَ كذلك؟ وهذا فقط جُزْءٌ مِمَّا يَحدث. فهذا الرَّجاءُ هُوَ الَّذي يَجْعَلُنا نَستمرّ. فنحنُ نُقَدِّمُ كُلَّ ما لَدينا في هذه الحياة، ونحنُ نُواجِهُ مُقاومةً، ونُواجِهُ عَدَمَ مُبالاة، ونُواجِهُ فُتورًا، ونَرى ضَعَفاتِنا وإخفاقاتِنا الشَّخصيَّة. وأحيانًا نَفعلُ شيئًا خاطِئًا ما فَنُضْطَرُّ إلى تَحَمُّلِ العَواقِب. لِذا، طَوالَ خِدْمَتِنا للرَّبِّ، أيًّا كانت حَماسَتُنا أوْ أيًّا كانَ التزامُنا، هناكَ دائمًا رَجاءٌ في قُلوبِنا في اليومِ الَّذي سَتَنْتَهي فيهِ كُلُّ خِدْمَتِنا، وسيَنتهي فيه كُلُّ شيءٍ بالطريقة الَّتي ينبغي أنْ يَنتهي بها. فالرَّجاءُ بحدوثٍ أُمورٍ أفضل هو الشَّيءُ الَّذي يَتطلَّعُ إليهِ بِفَرح المُؤمِنُ الَّذي يَخْدِم. وأنا أَخْدِمُ لأنِّي ذاتَ يومٍ أريدُ أنْ أذهبَ إلى حَضْرَةِ الرَّبِّ وأسْمَعَهُ يقول: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِين". وأنا أَخْدِمُ لأنَّ اليومَ سيأتي ... هل تَذكرونَ ما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 15؟ فنحنُ نَقرأ: "فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ". ونحنُ سنقول: "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟" وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عنِ النُّصرةِ والقيامَة. ونَقرأُ في العدد 58، بعدَ كُلِّ هذا الحديثِ عنِ القيامة المُستقبليَّة: "إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي [ماذا؟] عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ". بعبارة أخرى، فإنَّنا نَخْدِمُ بالطَّريقةِ الَّتي نَخْدِمُ بها لأنَّنا نَعلَمُ ما سيَجري في المُستقبل. ونحنُ نَخْدِمُ بِكُلِّ قُلوبِنا هُنا لأنَّنا نَعلمُ أنَّهُ ستكونُ هُناكَ مُكافآتٌ أبديَّة وجوائز أبديَّة. ونحنُ نَتوقُ إلى ذلك. ونحنُ نَرجو ذلك. ونحنُ نَنْتَظِرُ ذلك. وكما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح 8، فإنَّنا نَنتظرُ فِداءَ أجسادِنا. ونحنُ نَنتظرُ استعلانَ أولادِ الله. ومَهما كانَ العالَمُ مُظْلِمًا، ومَهما كانَتِ المَهَمَّة صَعبة، وقد تكونُ أحيانًا صعبة جدًّا، فإنَّنا نَنتظرُ المَجدَ المُستقبليّ. ونحنُ نَنتظرُ الوقتَ الَّذي سيأتي فيهِ المَلِك ليأخُذَ خاصَّتَهُ لنفسِه ويُكافِئَهُم. وحينئذٍ يكونُ عَمَلُهُم كُلُّهُ قدِ انتهى، ويَستريحونَ مِنْ تَعَبِهم. وهذه هي مَرْساتُنا: أنَّ ذلكَ اليومَ آتٍ، وأنَّ العَمَلَ سَيَتِمُّ. ويجب أنْ تَعلموا أنَّهُ إنْ لم يَكُن لدينا رَجاءٌ في ذلك، مِنَ المُؤكَّد أنَّ العالَمَ سيكونُ حَالِكَ السَّوادِ بالنِّسبةِ إلينا. فأنْ تَخْدِمَ وتَخْدِمَ وتَخْدِمَ وتَخْدِمَ، وتَبدو دائمًا مَهزومًا، وأنْ لا تَتَمَكَّنَ البَتَّة مِنَ القيامِ بِكُلِّ ما ينبغي أنْ تَقومَ بِهِ بسببِ ضَعْفِكَ، ولأنَّكَ لا تَرى النَّتائجَ الَّتي تَصْبو إليها؛ ولكِنَّكَ تَنْظُرُ إلى الأمام وتقول: "ولكِنْ ذاتَ يومٍ سيكونُ كُلُّ شيءٍ كما ينبغي أنْ يكون. وذاتَ يومٍ سَيُشْرِقُ النُّورُ على مَلكوتِ الربِّ يسوعَ المسيح. وذاتَ يومٍ، سيَنتهي التَّعَب وسنَستريحُ مِنْ كُلِّ أتعابِنا، وسنتمتَّعُ بالرَّاحة الأبديَّة في حَضْرَةِ المسيح". اسمعوني: يجب علينا أنْ نَنظرَ إلى الأمام ونَترقَّب ذلك. ويجب علينا أنْ نَعلمَ أنَّ ذلكَ اليوم سيأتي. ولأنَّنا نَرى ذلك، فإنَّنا نَفرَح بذلكَ الرَّجاء. نَفْرَحُ بذلكَ الرَّجاء. ولا يُمكِنُنا دائمًا أنْ نَفرحَ في الخِدمة هُنا لأنَّنا نَكونُ مَشغولينَ كثيرًا بالهزيمة. فمعَ أنَّني أرى كُلَّ الأشياءِ الَّتي تَسيرُ كَما يَنبغي، فإنَّني أرى دائمًا أنَّ هناكَ أمورًا كثيرة لا تَسيرُ حَسَنًا. ولكِنْ في كُلِّ شيءٍ يَحْدُث، ما يُدهشُني هو أنَّ هناكَ أُمورًا لم تَحدث بَعْد تُلْقي بِعِبْئِها عَلَيَّ. ولكِنِّي أَفرحُ في الرَّجاءِ المُستقبليّ. وبسببِ ذلك فإنَّنا نَقرأ في العدد 12: "صَابِرِينَ فِي الضِّيْق". والكلمة "صَابِرينَ" تَعني: "يَبْقى تَحْتَ" ... "يَصْمُد تَحْتَ". فيمكننا أنْ نَصْمُدَ تحتَ الضَّغط. ويمكننا أنْ نَصْمُدَ تحتَ الامتحان لأنَّنا نَعلمُ ما هُوَ آتٍ. ويمكننا أنْ نَحْتَمِلَ الضِّيق "ثليبسيس" (thlipsis)، أيْ: الضَّغط. فهذه الكلمة تَعني: "ضَغْط". فيمكننا أنْ نَبقى تحتَ الضَّغط، وأنْ نَخْدِمَ الرَّبَّ، مُتَمَسِّكينَ بالرَّجاء. ولأنَّنا نَرى ما سيَحدثُ في المستقبل، فإنَّنا نَفرَح. نَفرَح. ولا بُدَّ أنْ نَمُرَّ بضيقات. ولا بُدَّ أنْ نَختبرَ الألم. ولا بُدَّ أنْ نَحْتَمِلَ الرَّفض. ولا بُدَّ أنْ نَحْتَمِلَ العَداوة. ولا بُدَّ أنْ نَحتَمِلَ الصِّراعَ معَ إبليسَ وأعوانِهِ الشَّياطين. ولا بُدَّ أنْ نُواجِهَ كُلَّ هذه الأمور الَّتي تُعارِض ما نُريدُ أنْ نَفعَلَهُ لأجلِ مَجْدِ الله. ولكِنَّ هذه ليست النِّهاية لأنَّهُ ذاتَ يوم ستكونُ هُناكَ نُصرة أبديَّة. ونحنُ نَرجو ذلك. وهذا يُعطينا فَرَحًا ويَجعَلُنا نَحْتَمِلُ الضَّغط ... نَحْتَمِل الضَّغط. وَنَقرأ في العدد 12: "مُواظِبِينَ عَلَى [ماذا؟] الصَّلاَة. فيجب علينا أنْ نُواظِبَ على الصَّلاة. وأعتقد أنَّ واحدًا مِنَ الأسبابِ الَّتي تَجْعَلُ الرَّبَّ يُبْقينا تحتَ الضَّغطِ هي أنْ يَحْفَظَنا في شَرِكَةٍ مَعَه. هل تُصَدِّقونَ ذلك؟ فإنْ لم تَصْرِفوا وقتًا في الشَّركة معَ الرَّبِّ، رُبَّما يكونُ السَّببُ هو أنَّكم لستُم تحتَ الضَّغط. ورُبَّما أنتُم لستم تحتَ الضَّغطِ لأنَّكم لستُم في الخِدمة. وإنْ كُنتُم في الخدمة، رُبَّما لا تَقومونَ بها بحماسة شديدة ورُوحٍ حارّ. وأنا أُؤكِّدُ لَكُمْ ما يَلي: إنْ كُنْتَ تَخْدِمُ الرَّبَّ يسوعَ المسيح، وكُنْتَ عَبْدًا لَهُ، وكُنْتَ تَفعلُ ذلكَ بِكُلِّ قلبِك، وكُنتَ تَفعلُ ذلكَ بحرارة وحماسة، سَتَجِدُ نَفسكَ في وَسْطِ المَتاعِبِ وتحتَ الضَّغط. وفي وَسْطِ ذلك، يمكنكَ أنْ تَبقى تحتَ الضَّغطِ وأنْ تَفْرَحَ وَتَرْجو لأنَّكَ عَالِمٌ مَا هُوَ آت. وأودُّ أنْ أقولَ لَكُمْ إنَّهُ في وَسْطِ ذلك، يجب عليكَ أنْ تَصْرِفُ وَقْتًا في طَرْحِ كُلِّ هذه الهُمومِ عندَ قَدَمَيِّ الرَّبِّ حَتَّى يَسْنِدَكَ. والفِكرة في العبارة "مُواظِبِينَ عَلَى الصَّلاَة" تَكْمُنُ في الاستمرارِ بها بِثَبات، وحَرفيًّا: الاستمرارُ بها دونَ توقُّف؛ أيْ أنْ تكونَ في حالة صَلاة دائمة. فيجب أنْ تكونَ الحياةُ شَرِكَة مَفتوحة معَ الله. فيجب أنْ تكونَ القَنَواتُ مَفتوحَة طَوالَ الوقت. فعندما يَقولُ لي أحدُ الأشخاصِ مُشكلةً ما، فإنَّني أَرْفَعُ حالاً صَلاةً إلى الله. فهي نَمَطُ حَياةٍ بالنِّسبةِ إليَّ. وعندما أَجْلِسُ هُنا في خدمةِ التَّرنيم، هناكَ أمورٌ تَخْطُر ببالي. وهُناكَ أشخاصٌ يَخْطُرونَ بِبالي. وفي مَرَّاتٍ كثيرة، يَخْطُرُ أبنائي بِبالي. ونتيجة لتلك الأفكار فإنَّني أَرْفَعُ إلى اللهِ صَلاةً لأجلهم. وعندما تَخْطُرُ الخِدمة ببالي، أو تَخْطُرُ بِبالي فِكرة أنَّني سأقفُ وأُعَلِّمُكُم، فإنَّني أطلُبُ مِنَ اللهِ أنْ يُقَوِّيني، وأنْ يُعطيني الحِكمة، وأنْ يَضَعَ على فَمي الكَلامَ الَّذي ينبغي أنْ أَقولَه. فالحياةُ تَصيرُ شَرِكَة مَفتوحَة حيثُ تَتَّكِل فيها تَمامًا على الله. فهي تَنَفُّسٌ رُوْحِيٌّ. وهكذا هي الحالُ في خِدمةِ الرَّبّ. لِذا، فإنَّ المُؤمِنَ الَّذي يُحِبُّ بِلا رِياء (كما جاءَ في العدد 9)، والذي يُبْغِضُ الشَّرَّ، ويَلتصِق بالخير، هُوَ مُؤمِنٌ يُحِبُّ المؤمِنينَ الآخرينَ، ويُقَدِّمُ الآخرينَ على نَفْسِهِ في الكَرامَة عِوَضًا عَنْ أنْ يَنتظرَ مِنَ الآخرينَ أنْ يُكْرِموه. وَبوصفِهِ مُؤمِنًا، فإنَّ خِدْمَتُهُ ليسوعَ المسيحِ سَتَتَّسِمُ بأنَّها مُمتلئَة حَماسَةً، ويَقومُ بها مِنْ كُلِّ قَلبه، وبحرارة، وبطاعة، وباجتهاد. ونتيجة لذلك، فإنَّ التَّجاربَ والضِّيقاتِ والضُّغوطَ لا بُدَّ أنْ تأتي، ولكنَّهُ سَيتغلَّبُ عليها مِنْ خلالِ رَجائِهِ القَويِّ بالمَجْدِ المُستقبليِّ والمُكافأة الأبديَّة على أساسِ وُعودِ اللهِ الَّذي سيُعطي ذلكَ المؤمِن القُدرة على احتمالِ كُلِّ شيء يَحْدُث في خِدْمَتِهِ. وَهُوَ سَيَضَعُ نَفسَهُ وكُلَّ ما يَفْعَل تحتَ رِعايةِ الرَّبِّ. وهذه هي طريقةُ عَيْشِ الحياةِ المسيحيَّة. فهي مُلَخَّصَة كُلُّها هُنا، في هذه الأعدادِ الأربعةِ الافتتاحيَّة فقط. ولكِنْ هُناكَ المَزيد. وسوفَ نُرْجِئُ ذلكَ إلى المَرَّة القادمة. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

عِوَضًا عن أنْ تَسمعوني أُصَلِّي لأجلكم، أَلا صَرَفْتُم لَحَظاتٍ في الصَّلاةِ إلى الرَّبّ؟ فأنا لا أريدُ أنْ تُفَوِّتوا هذه الأشياء، ولا أنْ تَدْخُلَ آذانَكُمْ وتَخْرُج مِنها وَتَضيع. بل أريدُ أنْ تَخْتَرِق قُلوبَكُم جميعًا. لِذا، أَلا طَلَبْتَ في قَلْبِكَ مِنْ رُوحِ اللهِ أنْ يَخْتِمَ هذه الأشياء في قلبِك؟ وَأنْ يَضَعَها في مُقَدِّمَةِ ذاكِرَتِك، وأنْ يُساعِدَكَ على أنْ تَعيشَها في حَياتِك، وأنْ تكونَ مُؤمِنًا بِحَسَبِ قَلْبِه. اصْرِفْ لَحَظاتٍ فقط في الصَّلاة.

يا أبانا، نَشكُرُكَ على هذه اللَّحظات. ونُصَلِّي إنْ يكونَ هناكَ تَكريسٌ حقيقيٌّ في قُلوبِنا، وأنْ نُطَبِّقَ هذهِ الأمورِ الَّتي نُؤمِنُ بها في الدَّاخِل، وأنْ نُتَمِّمَ خَلاصَنا بِتَوْقيرٍ لِذاكَ الَّذي خَلَّصَنا، وأنْ نَكونَ مُطيعينَ لهذه الأنماطِ الحَياتيَّة لكي يَتَمَجَّدَ المَسيحُ فينا، ولكي يَرَاهُ الآخرونَ ويُمَجِّدوه. ونُصَلِّي، يا رَبّ، لأجل كُلِّ فَرْدٍ هُنا، لا فقط لأجل كَنيسَتِنا مُجْتَمِعَةً، بل لأجلِ كُلِّ فَرْدٍ، أنْ يَعْرِفَ كُلُّ واحدٍ مِنهم مِلْءَ البَرَكَة الَّتي تُغْدَقُ على الشَّخصِ الَّذي يَعيشُ حَياةَ المسيح. وليتَنا نَخْتَبِرُ هذه البَرَكَة في أثناءِ سُلوكِنا في الطَّاعة. وإن كانَ هُناكَ أشخاصٌ بينَنا اللَّيلة لا يَعْرِفونَ المُخَلِّص، لَيْتَهُمْ، يا رَبّ، يَنْجَذِبونَ إليهِ في هذا اليوم ويَجِدونَ فيهِ كُلَّ شيء: غُفرانَ الخَطايا، والحياةَ الأبديَّة، والبَرَكَة، وأكثرَ جِدًّا مِمَّا حَلُموا بِهِ يومًا. افْتَحْ قُلوبَهُمْ بِروحِكَ. نُصَلِّي باسْمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize