Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسَةَ على رسالة رُومية والأصحاح 12 في هذا المساء. وسوفَ نَتأمَّل مَرَّةً أخرى في هذا المَقطعِ الَّذي يَتحدَّثُ عنِ الجوانبِ العَمليَّة للحياةِ المسيحيَّة. ونحنُ لَسْنا في عَجَلَة في الانتهاءِ مِنْ هذا المَقطَعِ لأنَّنا نُريدُ أنْ نَدْرُسَ دِراسةً مُتَأنِّيةً كُلَّ واحدٍ مِنْ هذه الأوامِر، والوصايا، والمبادئ الَّتي يُقَدِّمُها الرَّسولُ بولس لنا فيما يَختصُّ بالحياةِ المسيحيَّة في الأعداد 9-21. لِذا فإنَّنا نَعودُ إلى ذلكَ المَقطعِ الرَّائع جدًّا. وهذا هو الجُزءُ الثَّالث في دِراسَتِنا للواجِباتِ المُختصَّة بالحياةِ المسيحيَّة العَمليَّة.

وقد قالَ "لِينين" (Lenin)، وَهُوَ الشَّخصُ الَّذي كانَ مَسؤولاً عنِ الشُّيوعيَّة الفَلسفيَّة، قالَ ذاتَ مَرَّة: "إنْ حَصَلْتُ على حَفْنَة مِنَ الأشخاصِ المُكَرَّسينَ الَّذينَ يُقَدِّمونَ لي حَياتَهُمْ، سَأُحْكِمُ السَّيطرةَ على العَالَم". وقد كانَ مُزْمِعًا حَقًّا على تَحقيقِ ذلك. وما زالَ هُناكَ مَنْ يَسْعَوْنَ إلى تَحقيقِ ذلك؛ على الأقَلّ مِنْ وُجهةِ نَظَرِ العديدِ مِنَ الشُّيوعيِّين. وما قَصَدَهُ هو الآتي: إنَّ العَالَمَ هُوَ بِيَدِ الأشخاصِ المُنْضَبِطين. والعالَمُ بِيَدِ الأشخاصِ المُكَرَّسين. وهو بِيَدِ الأشخاصِ المُلْتَزِمينَ الَّذينَ يَبْذُلونَ حَياتَهُمْ لأجلِ قَضِيَّةٍ يُؤمِنونَ بها.

وهذا صَحيحٌ تَمامًا. فالعالمُ هُوَ بِيَدِ الأشخاصِ المُنْضَبِطين. وأعتقد أنَّ هذا هو ما يَجْعَلُنا نَخافُ جِدًّا حينَ نَنظرُ إلى الثَّقافة الأمريكيَّة المُعاصِرَة والكَثيرِ مِنْ ثَقافاتِ العالَم إذْ نُدركُ أنَّ الأغلبيَّةَ السَّاحقة مِنَّا تَفْتَقِرُ إلى الانْضباطِ الشَّخصيِّ ... الانْضباطِ الشَّخصيِّ الذَّاتيّ. فَمُجْتَمَعُنا يَميلُ الآنَ إلى الاسترخاءِ والاستجمام. فنحنُ نَقولُ إنَّنا تَحْتَ ضَغْطٍ شَديد. ونحنُ نَقولُ إنَّنا نَعيشُ حَياةً سَريعةً جدًّا حَتَّى إنَّ المَطافَ يَنْتَهي بالكَثيرينَ مِنَّا في مُستشفياتِ الأمراضِ العَقليَّة، هذا عَدا عَنِ الأشخاصِ الَّذينَ يَتناولونَ العَقاقيرَ ويُقْدِمونَ على الانتحار. ولكِنَّ السَّببَ في ذلكَ، في الحقيقة، هو الرَّكْضُ المَسْعورُ النَّاجِم عن عَدَمِ الانْضباط.

فالحياةُ المُنْضَبطَة ليست حياةً خارجةً عنِ السَّيطرة. فالحياةُ الخارجة عنِ السَّيطرة هي حياةٌ غير مُنْضَبِطَة. وغالبًا، فإنَّ عَدَمَ الانضباطِ ونَمَطَ الحياةِ الخارِج عنِ السَّيطرة يَنْجُمانِ عنِ السَّعْيِ المَحْمومِ لِتحسينِ الذَّاتِ، وتَحقيقِ الذَّاتِ، وتَحقيقِ النَّجاحِ، وكَسْبِ المالِ، والحصولِ على أمورٍ ماديَّة، والحصولِ على أكثر مِمَّا لدينا، والرَّغبة في تَعاطي المُخَدِّرات وتَناوُلِ الكُحول وغيرِها مِنَ الموادِّ، وكُلِّ ما يَنْجُم عن ذلك. وهناكَ سَعْيٌ مَحْمومٌ لِقضاءِ وَقْتٍ مُمْتِع في الحياة. لِهذا فإنَّ الانضباطِ لم يَعُدْ لَهُ مَكان. والحقيقة هي أنَّ مُجتمَعَنا يُحِبُّ أنْ يَلهو. فالرِّياضةُ في مُجتَمَعِنا خَرَجَتْ عنْ أيِّ مِعْيارٍ مَعقول. وعندما يَخْرُجُ اللَّهْوُ عنِ التَّوازُن، فإنَّهُ يَصيرُ مُؤشِّرًا على تَقَهْقُرِ المُجتَمَع. وهذهِ ليست فَلسفةً للأمور، بل هذا تاريخ.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الأمرَ يَتطلَّبُ قَدرًا كبيرًا مِنَ الانضباطِ في المُجتمع ... قَدرًا كبيرًا مِنَ الانضباطِ الشَّخصيِّ لإنتاجِ مُفَكِّرينَ عُظماء، وكُتَّاب عُظماء، وفَنَّانينَ عُظماء، وموسيقيِّينَ عُظماء، ولاهوتيِّينَ عُظماء، وفَنِّيِّينَ عُظماء، وأطبَّاءَ عُظماء، ومُحامينَ عُظماء، وقادة عُظماء. فالأمرُ لا يَتطلَّبُ أيَّ مَهارةٍ على الإطلاق، ولا أيَّ انْضباطٍ على الإطلاق لكي تُشاهِدَ مُباراةً في كُرَةِ القَدَم أوْ لكي تَلْعَب كُرَة المِضْرَبِ أوِ الغولف – ولا سِيَّما بالطَّريقةِ الَّتي يَلْعَبُ بها أغلبيَّةُ النَّاسِ كُرَةَ المَضْرِب أوِ الغُولف. فلا يوجد انضباطٌ ذِهنيٌّ حَقيقيٌّ في ذلكَ البَتَّة. بل هو استرخاءٌ وَحَسْب.

وقد قالَ "ريتشارد شيلي تيلور" (Richard Shelley Taylor) الَّذي كَتَبَ بعضَ الأشياءِ المُدهشة عن موضوعِ الانضباط، قال: "جاءَ وَقْتٌ كانت فيهِ المُناظَراتُ بينَ أساتذةِ الجامِعاتِ تَجتَذِب جُمهورًا كبيرًا. أمَّا الآن، فإنَّ المُناظَراتِ تَجْري في داخِلِ غُرَفٍ صَغيرة في حينِ أنَّ الجَماهيرَ تُصَفِّقُ في مَلاعِبِ كُرَةِ القاعِدَة. وهذا التَّحَوُّلُ في الاهتمامِ بَعيدًا عنِ الأمورِ الفِكريَّة وباتِّجاهِ الأمورِ التَّرفيهيَّة يَحْدُثُ حَتَّى في الكُلِّيَّاتِ المَسيحيَّة بِصورة كبيرة جدًّا إذْ صارَ هُناكَ تَركيزٌ شديدٌ على الاسترخاء. لِذا، يجبُ التَّنويهُ بِشِدَّة إلى أنَّ تَحَوُّلَ اهتمامِ النَّاسِ عَامَّةً مِنَ المُناظراتِ إلى كُرَةِ القاعدة هو مُؤشِّرٌ على وُجودِ تَقَهْقُرٍ ثَقافِيّ". فهو مُؤشِّرٌ على السَّطحيَّة، ومُؤشِّرٌ على الانْغِماسِ المُفْرِط، ومُؤشِّرٌ على الضَّحالَة. ولكِنَّ التَّرفيهَ والاسترخاءَ والألعابَ والمَرَحَ لا يُمْكِنْ أنْ يَعودَ على المُجتمعِ الَّذي نَعيشُ فيهِ بأيِّ نَفْعٍ. فهذا مُستحيل. وهذا غير مُمْكِن. "لأَنَّ الرِّيَاضَةَ الْجَسَدِيَّةَ نَافِعَةٌ [لِماذا؟] لِقَلِيل" (كما يَقولُ الكتابُ المقدَّس).

فالانْضِباطُ الذِّهْنيُّ هُوَ أعلى مِنْ ذلكَ بكثير. وأنا أَرى أنَّ هذا صحيح حَتَّى في الخِدمة. وأنا أَلتقي شُبَّانًا يُواجِهُونَ صُعوبةً بالغةً في ضَبْطِ ذِهْنِهم والتَّركيزِ على المَهَمَّة الَّتي بينَ أيديهم. وقد قالَ "تيدي روزيفلت" (Teddy Roosevelt) ذاتَ مَرَّة: "الأشياءُ الَّتي سَتُدَمِّرُ أمريكا هي الرَّخاءُ بأيِّ ثَمَن، والسَّلامُ بأيِّ ثَمَن، والأمانُ أوَّلاً عِوَضًا عنِ الواجِبِ أوَّلاً، ومحبَّةُ الحياةِ السَّهلة ونَظريَّةُ الثَّراءِ في الحياة". وقد كانَ مُحِقًّا. وما كانَ يَخشى مِنْهُ يَتَحَقَّقُ الآن.

وفي الصِّراعِ الفِكْرِيِّ، والصِّراعِ لأجْلِ الحَقّ، وفي الصِّراعِ لأجلِ حِفْظِ المُجتمَع والثَّقافة، فإنَّ النُّصرة هي للذِّهْنِ المُنْضَبِط. فالذِّهْنُ المُنْضَبِط يَمْلِكُ مِيْزَةً لأنَّهُ يَستطيعُ أنْ يُقَيِّم، ويَستطيعُ أنْ يُحَلِّل، ويَستطيعُ أنْ يَنتقِد، ويَستطيعُ أنْ يَختار، ويَستطيعُ أنْ يُخَطِّط، ويَستطيعُ أنْ يُرَكِّز، ويَستطيعُ أنْ يَتجاوبَ تَجاوُبًا سليمًا. وأنا أَجِدُ، حَتَّى في الأوساطِ المَسيحيَّةِ، أنَّ كَثيرينَ يَفتقرونَ إلى الانضباطِ الذِّهنيِّ إذْ إنَّهُمْ يَميلونَ إلى قَبولِ كُلِّ شيءٍ. وقد باتَ المَسيحيُّونَ يُبالونَ كَثيرًا بالنَّهْجِ التَّرفيهيِّ للحياةِ المسيحيَّة. وما زِلْتُ أَذْكُرُ أنَّني شارَكْتُ في مُؤتَمَرٍ كَبيرٍ جدًّا للرُّعاة. وكانَ ينبغي أنْ يَنتهي مُؤتَمَرُ الرُّعاةِ برسالة رائعة في النِّهاية تَختصُّ بالانطلاقِ، والقيامِ بِعَمَلِ الخِدمة، والكِرازةِ بِقُوَّة في المُجتمعاتِ الَّتي جاءَ مِنْها هؤلاءِ الخُدَّامِ إلى المسيح. وقد قَدَّمَ الواعِظُ رِسالَةً عن كيفيَّةِ الاسترخاءِ والاستمتاعِ بالوقت. وقد خَرَجَ الجَميعُ وَهُمْ يَقولون: "مِنَ الأفضل أنْ آخُذَ بِضْعَةَ أيَّامٍ أُخرى إجازة". وقدِ اغْتَمَّ الأشخاصُ المَسؤولونَ عنِ المُؤتَمَر.

والحقيقة هي أنَّ هناكَ تَوَجُّهًا نحوَ ذلك. ولكِنَّهُ أمرٌ مُحْزِن لأنَّه على المَدى الطَّويل، سَنُنْشِئ جيلاً مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يَفتقرونَ إلى الانضباطِ الذِّهنيِّ، ويَعجزونَ عنِ التَّفكيرِ التَّحليليِّ والنَّقديِّ، ويَعجزونَ عنِ التَّقييمِ وَعَنْ فَهْمِ الحَقيقة. ولا شَكَّ أنَّ الشَّخصَ الَّذي يَمْلِكُ ذِهْنًا مُنْضَبِطًا يَكونُ قادرًا أكثر على التَّعبيرِ عن نَفسِه بوضوح. وهو يكونُ قادرًا أكثر على إقناعِ الآخرينَ بِمَنْطِقِهِ وَفِكْرِه. أمَّا عندما تَصيرُ العُقولُ الإنجيليَّة غيرَ مُنضبِطَة، فإنَّنا سنَفقد قُدرَتَنا على الإقناعِ، وتَفْقِدُ رِسالَتُنا قُوَّتَها. والشَّخصيَّة المُنضبطَة هي شخصيَّةُ الشَّخصِ الَّذي يُحَقِّقُ التَّوازُنِ في حياتِه...التَّوازُن؛ مِنْ خلالِ وَضْعِ جَميعِ قُدُراتِهِ وَطاقاتِهِ وإمكانيَّاتِه تحتَ السَّيطرة.

ويقولُ "تيلور" الَّذي اقتبستُ قَوْلاً مِن أقوالِهِ قبلَ قليل، يَقولُ أيضًا: "إنَّ الشَّخصَ المُنْضَبِطَ يَقِفُ بشجاعة، بل وحتَّى ببطولة، لمواجَهَةِ الحياةِ والتَّغَلُّبِ عليها. فهو يَقومُ بواجِبَهُ بِعَزْم. وهو يَشْعُرُ دائمًا بالمسؤوليَّة. وهو يَمتلك موارِدَ داخليَّة ومصادرَ احتياطيَّة شخصيَّة هي صِفَة مُدهشة مِنْ صِفاتِ المُتَّضِعين. وهو يُخْضِعُ الضِّيقاتِ لَهُ ويُرْغِمُها على أنْ تَخْدِمَهُ. فالشَّخصيَّةُ القويَّةُ جَعَلَت ’مَدام غويان‘ [Madame Guyon]، بالرَّغْمِ مِنْ وُجودِها في السِّجْن، قَويَّةً بالرُّوحِ، وجَعَلَتها تُرَنِّمُ وتَكْتُبُ الكلماتِ التَّالية: ’سِجْني يُحيطٌ بي مِنْ كُلِّ ناحية، فلا أستطيعُ أنْ أطيرَ بعيدًا. وبالرَّغْمِ مِنْ أنَّ جَناحِي مَربوطٌ بإحْكام، فإنَّ قَلبي حُرٌّ. فَجُدرانُ سِجْني لا تَقدرُ أنْ تَمْنَعَني مِنَ التَّحليقِ وَلا أنْ تُقَيِّدَ حُرِّيَّةَ رُوْحي‘".

وهناكَ قُوَّة في مِثْلِ هذه الحياة؛ أيِ الحياة المُنضَبِطَة، القويَّة الشَّخصيَّة. وأنا مُتَيَقِّنٌ مِنْ أنَّكُم تُدركونَ حَقيقةَ أنَّ الشَّخصيَّة المُنضبِطَة هي الوحيدة الَّتي يُمْكِنُها الاستمرار عندَ وُجودِ مَسؤوليَّاتٍ عَظيمة؛ سواءَ كُنَّا نَتحدَّثُ عنْ مجالِ الصِّناعةِ أوِ التَّعليمِ أوِ التِّجارةِ أوِ الكنيسة. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ لديهم طُموحاتٌ كبيرة بالنَّجاحِ في جميعِ هذه الحُقول، وطُموحاتٌ كبيرة، وآمالٌ عظيمة، وأهدافٌ وأحلامٌ وتَطَلُّعاتٌ كبيرة لن يَتَمَكَّنوا يومًا مِنْ تَحقيقِها في حياتِهم لأنَّهم لا يَعرِفونَ مَعنى الانضباط. وهذا لا عَلاقَةَ لَهُ بقُدراتِهم العَقليَّة، بل لَهُ علاقة بمسألةِ الانضباط. فالمُشكلةُ لا تَكْمُنُ في موهِبَتِهم الطَّبيعيَّة، ولا في مَوهِبَتِهِم المُكْتَسَبة، بل في شخصيَّتِهم. فَهُمْ لا يَملِكونَ القُدرة على الاجتهادِ دُوْنَ كَلَل، أو على الاجتهادِ دُوْنَ مَلَل، أو على عَقْدِ العَزْمِ على القيامِ بالمَهمَّة.

فهناكَ شُبَّانٌ كثيرونَ، على سبيلِ المِثال، يَرغبونَ في أنْ يَصيروا أطِبَّاء، أوْ أنْ يصيروا مُديري شَرِكات، أوْ أنْ يَصيروا أساتِذَة، أوْ أنْ يَصيروا مُعَلِّمين، أوْ يَصيروا مَعروفينَ في مَجالٍ مُعَيَّنْ وأنْ يَكونَ لَهُمْ مَنْصِبٌ مَرموق، أوْ أنْ يكونوا أشخاصًا يُحْدِثونَ فَرْقًا في العَالَم، أوْ أنْ يكونوا عُلَماءَ أوْ مُهندِسينَ بارِعين؛ ولكنَّ هذا لا يَحْدُث لأنَّهُم لم يَتعلَّموا يومًا الانضباط. فَهُمْ لم يَتعلَّموا يومًا كيفَ يَصْمُدونَ أمامَ سَنواتٍ طَويلةٍ مِنَ الدِّراسةِ الشَّاقَّة لبُلوغِ هَدَفِهِم. وهُناكَ شُبَّانٌ كَثيرونَ يَرغبونَ في بُلوغِ مُستوىً مُعَيَّن مِنَ البَراعَة والإبداع في مَجالِ المُوسيقا، أو البَراعة في مَجالِ الفُنون. ولكنَّهُم لا يُحَقِّقونَ ذلك لأنَّهم لا يَصْمُدونَ في وَجْهِ ساعاتِ التَّدريبِ الطَّويلة سَنَةً تلو الأخرى، تلو الأخرى، تلو الأخرى.

ولَعَلَّكُم تَعرِفونَ "كريس باركينينغ" (Chris Parkening) في كَنيسَتِنا، والذي هو رُبَّما أَعظمُ عازِفِ غيتارٍ كلاسيكيٍّ في العالم. ونحنُ صَديقان. وقد تَحَدَّثنا كثيرًا عن ذلك. ففي الوقتِ الَّذي بَلَغَ فيهِ سِنَّ الثَّلاثين، كانَ بَارِعًا جِدًّا في العَزْفِ على آلَتِه المُوسيقيَّة. وهذا لم يَحْدُث بسهولة. فقد أخبَرَني أنَّهُ كانَ يَرْغَبُ طَوالَ حَياتِهِ في الاشتراكِ في الألعاب. وقد أرادَ أنْ يُشارِكَ في الأنشطة المَرِحَة، وأرادَ أنْ يُشارِكَ في الألعابِ الرِّياضيَّة. ولكِنَّهُ كانَ ينبغي لَهُ أنْ يَتدرَّبَ على الغيتار ما لا يَقِلُّ عن خَمسِ ساعاتٍ يوميًّا. وهذا أمرٌ صَعْبٌ حينَ تكونُ في سِنِّ الثَّالثة عشرة، أوِ الثَّانية عشرة، أوِ الرَّابعة عشرة، أو ما شَابَهَ ذلك. وأنا مُمْتَنٌّ لأنَّهُ فَعَلَ ذلك لأنَّهُ بَلَغَ مَرحلةً عاليةً مِنَ الاحترافِ الآن يُمْكِنُه مِنْ خِلالِها أنْ يُمَجِّدَ اللهَ بطريقةٍ يَعْجَزُ عنها أيُّ شخصٍ آخر على وَجْهِ الأرضِ باستخدامِ آلةٍ مُوسيقيَّةٍ لا يُجيدُ أحدٌ استخدامَها بالطريقةِ الَّتي يَفْعَلُها هُوَ. ولكنَّهُ دَفَعَ ثَمَنًا كبيرًا. ولكِنَّهُ سَيَتَمَتَّعُ بالمَذاقِ الحُلْوَ لهذا الإنجاز طَوالَ حَياتِه. فهناكَ مُوسيقيُّونَ كثيرونَ يَعْزِفونَ سَنواتٍ طَويلة باستخدامِ مَواهِبِهم العاديَّة؛ ولكِنَّ الفَنَّانينَ الحَقيقيِّينَ قَليلون. وأنا أتساءَلُ عن عَدَدِ هؤلاءِ في جِيلِنا.

وأنا أقولُ هذا كُلَّهُ لكي أُعطيكُم وَحَسْب إحساسًا بهذه الحاجةِ المُلِحَّةِ إلى الانضباط. وهو أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا في الكنيسة. فأنا أَرى أُناسًا كثيرينَ جدًّا في الكنيسة يَفتقرونَ إلى الانضباط. وإنْ سَمَحَتِ الكَنيسةُ بِنَمَطِ حَياةٍ غيرِ مُنْضَبِطٍ في الحياةِ المسيحيَّة فإنَّها سَتُنْشِئُ جِيْلاً مِنَ المسيحيِّينَ غيرِ المُنضَبِطينَ يَخْرُجُ مِنْهُم قادَتُها المُستقبليُّون. وَعَدَمُ الانضباطِ هذا سَيُؤدِّي إلى حَالَةٍ وَسَطِيَّةٍ في النِّهاية.

والآن، ما هو الانضباطُ الشَّخصيُّ؟ اسمحوا لي أنْ أتحَّدَثَ عنهُ. وبالمُناسَبَة، فإنَّني أستخدِمُ هذه المُقدِّمة كَتَمْرينِ إحْماءٍ قبلَ التَّأمُّلِ في الآيات. فأنا ألتجئُ إلى أُسلوبٍ غير مُباشِر. فهناكَ أُمورٌ أَوَدُّ أنْ أَقولَها. وسوفَ أحاولُ أنْ أُوَفِّقَ بينَ كُلِّ هذهِ الأمور. والآن، ما هو الانضباطُ الشَّخصيُّ؟ ما هو؟ إنَّ أفضلَ تَعريفٍ تَمَكَّنْتُ مِنَ العُثورِ عليه للانضباطِ الشخصيِّ، ورُبَّما لن يكونَ أفضلَ تَعريفٍ سَمِعتُموهُ يومًا، ولكِنَّهُ يُعَبِّرُ عَمَّا أُريدُ أنْ أقولَهُ. الانضباطُ الشَّخصيُّ هو القُدرة على ضَبْطِ سُلوكِكَ وَفْقًا للمبادئِ والقراراتِ السَّليمة، لا وَفْقًا لِنَزْوَة، أوْ رَغبة عابِرَة، أو ضَغْطٍ عَالٍ، أو عادة اجتماعيَّة. واسمحوا لي أنْ أُعيدَ ذلك. الانضباطُ الشَّخصيُّ هو القُدرة على ضَبْطِ سُلوكِكَ وَفْقًا للمبادئِ [والحقيقةُ هي أنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نَقولَ: وَفْقًا للمبادئِ الإلهيَّةِ في حَالَةِ أنَّ الشَّخصَ مُؤمِنٌ] والقراراتِ السَّليمة، لا وَفْقًا لِنَزْوَة، أوْ رَغبة عابِرَة، أو ضَغْطٍ عَالٍ، أو عادة اجتماعيَّة. هل فَهِمْتُم ذلك؟

فأغلبيَّةُ النَّاسِ يُنَظِّمونَ سُلوكَهُم بحسبِ نَزْوَة، أو رَغبة [أي شيءٍ يَرغبونَ في القيامِ بِهِ]، أو وفقًا لِضَغْطٍ عَالٍ يُمارَسُ عليهم، أو وَفْقًا لما هُوَ مَقبولٌ اجتماعيًّا مِنْ حَوْلِهِم. ولكِنَّ هذا ليسَ انضباطًا. وببساطة، فإنَّ الانضباطَ هو القُدرة على الإخْضاع. فهو القُدرة على إخْضاعِ الجَسَدِ والعَواطِفِ لما هُوَ صَواب، وما هُوَ أفضَل. ولا يُبْدي الجَميعُ الاستعدادَ للقيامِ بذلك. فأغلبيَّةُ النَّاسِ لا يَعرِفونَ مَعنى أنْ يُخْضِعُوا أجسادَهُم، وأنْ يُخْضِعُوا عواطِفَهُم؛ أيْ أنْ يَجعلوها تحتَ السَّيطرة. فَهُمْ يَفعلونَ ما يَشْعُرونَ بأنَّهُم يَرغبونَ في عَمَلِه. وَهُمْ يَفعلونَ ما يُمْليهِ عليهِم المُجتَمع. وَهُمْ يَسيرونَ معَ التَّيَّار. وَهُمْ يُشْبِهونَ سَمَكَةً نَافِقَةً تَعومُ في مَجْرَى النَّهْر. وَهُمْ لا يَعرفونَ مَعنى أنْ يَسْبَحوا بِعَكْسِ التَّيَّار. فالانضباطُ الشَّخصيُّ هو القُدرة على الإخْضاع. وبالنِّسبة إلى المُؤمِن، يُمْكِنُنا أنْ نُعَرِّفَ ذلك تَعريفًا بسيطًا جدًّا. فالانضباطُ الشَّخصيُّ هو إطاعَةُ كَلِمَةِ الله. فهو يَعني أنْ أُخْضِعَ رَغَباتي وعَواطِفي ومَشاعِري وكُلَّ ما في حياتي تَحْتَ سَيطرةِ اللهِ الفائقة لكي أَحْيا حَياةً تَتَّسِمُ بالطَّاعة تَهْدِفُ إلى تَمْجيدِ الله. فهذهِ هي الحياةُ الرُّوحيَّةُ الشَّخصيَّةُ المُنْضَبِطَة.

والآن، أنا أَشكُرُ الرَّبَّ...وَأنا أُواجِهُ صُعوبةً في الانْضباطِ الذَّاتِيِّ على غِرارِكُمْ أنتُم... ولكنِّي أَشكُرُ الرَّبَّ لأنَّهُ في وَقْتٍ مَا مِنْ حَياتي، ولا أَذكُرُ تمامًا مَتى حَدَثَ ذلك، ولكنِّي تَعَهَّدْتُ أنْ أكونَ شخصًا مُنْضَبِطًا. وقد كانَ هذا هو شِعاري في الخِدمة طَوالَ السِّنين. وهذا لم يَحدث لأنِّي شخصٌ ذَكِيٌّ أوْ لامِعٌ أوْ نَجيب. وهذا لم يَحدث لأنِّي أَذكى مِنَ النَّاسِ الآخرين. بل ببساطة لأنَّ اللهَ عَمِلَ بِنِعْمَتِهِ [وليسَ بِقُوَّتي في الحقيقة]، ففي وقتٍ ما، عَمِلَ اللهُ على حَضِّ قَلبي فأخذتُ قَرارًا بأنْ أَعيشَ حَياةً مُنضبِطَة. وقد كانَ هذا أكثَر خِيارٍ مُبارَكٍ في حياتي، عَدا عَنْ قَرارِ قَبولي للمَسيح؛ أيْ أنْ تَعيشَ حَياةً تُخْضِعُ فيها الأشياءَ لكلمةِ اللهِ، ولما هو صَواب وما هو أفضَل.

وبصورة رئيسيَّة، فإنَّ الذُّكورَ والإناثَ بِحاجة إلى أنْ يَفْرَضَ ذلكَ عليهم فَرْضًا. لِهذا، يجب عليكَ أنْ تَعْمَلَ بِجِدٍّ كبيرٍ جدًّا معَ أولادِك. فإنْ لم تَكُنْ ستُحَقِّقُ أيَّ شيءٍ آخر في حياتِهم، حاوِل أنْ تَفعلَ هذا معَ أبنائِك: عَلِّمْهُمْ الانضباطَ الذَّاتيَّ. عَلِّمْهُم أنْ يُخْضِعوا رَغْباتِهم لما هُوَ صَواب. وعَلِّمْهُم أنْ يُخْضِعُوا عواطِفَهُم لِما هُوَ خَيْرٌ وَمُلائِم. ولا تَسْمَحْ لَهُم أنْ يَنْجُوا مِنَ العِقابِ حينَ يَفعلونَ الخطأ، أو حينَ يَفْعَلونَ ما تُمليهِ عليهم نَزَواتُهم، أوْ ما تُمليهِ عليهم رُدودُ فِعلِهم العاطفيَّة، أو رَغَباتهم سواءَ كانت صحيحة أَمْ خاطئة. لا تَسْمَح لهم أنْ يَتَباهَوْا بذلك. ولا تَسمح لهم أنْ يَثورُوا غاضِبين. لا تَسمح لهم أنْ يَفعلوا ذلك. بل دَرِّبْهُم على حياةِ الانضباطِ الذَّاتيِّ؛ وافعل ذلكَ بِمَحَبَّة. فإنْ لم تَفعل ذلك، سَتُنْشِئُ مُجْرِمًا. صحيحٌ أنَّهُ قد لا يُقْبَضُ عليه، ولكنَّهُ سيكونُ مُعْتَلًّا اجتماعيًّا. وإنْ كانت فَتاةً فستكونُ مُعْتَلَّةً اجتماعيًّا.

والكتابُ المقدَّسُ يُوصينا بأنْ نُعَلِّمَ أبناءَنا المبادئَ السَّليمة، وبأنْ نُعَزِّزَ سُلوكيَّاتِهِم مِن خلالِ العِقابِ لكي يَعلموا أنَّهُ عندما لا يُمارِسونَ الانضباطَ الذَّاتيَّ فإنَّهُم سيَدفعونَ الثَّمن. فلا يوجد أبناءٌ مُنْضَبِطونَ لم يَدفعوا الثَّمَن. وما يَحدُث هو أنَّهم يَتعلَّمونَ الانضباطَ لأنَّ عَواقِبَ الحياةِ غيرِ المُنْضَبِطَة قاسية جدًّا. وما أعنيه هو أنَّكَ إذا فَعَلْتَ شيئًا خاطئًا وعُوْقِبْتَ مَرَّاتٍ عديدة، ستتوقَّف عنِ القيامِ بذلك. فالأمرُ بسيطٌ جدًّا. لِذا، عَلِّمْهُم الانضباطَ الذَّاتيَّ.

والآن، قد تقول: "وماذا عنِ الكِبار؟" الحقيقة هي أنَّ الكِبارَ يَحتاجونَ إلى ذلكَ أيضًا. فنحنُ جميعُنا بحاجة إلى ذلك. فنحنُ جميعًا بحاجة إلى أنْ يُفْرَضَ الانْضباطُ علينا فَرْضًا. أجل. فيجب علينا أنْ نَضَعَ أنفُسَنا في موقِعِ المُساءَلَةِ حيثُ يُفْرَضُ الانْضباطُ علينا فَرْضًا. فنحنُ بحاجة إلى ضَوابِط. ونحنُ بحاجة إلى قوانين. وَمِنَ الغَريبِ أنْ تَظُنَّ أنَّكَ تَستطيعُ أنْ تَعيشَ بأيَّة طَريقَة تَشاء لأنَّكَ مَسيحيّ، وأنَّكَ لستَ بحاجة إلى أيِّ ضَوابِط، وأنَّكَ حُرٌّ في أنْ تَعيشَ كَما يَحلو لَك. لا، لا. بل يجب أنْ تَخْضَعَ [مِنْ خِلالِ قُوَّة خارجيَّة وسُلطة خارجيَّة] إلى ضَوابِط وقوانين مُحَدَّدَة تَتَعَلَّمْ أنْ تَحْفَظْها. وإنْ كَسَرْتَها، فإنَّ هناكَ عَواقِب. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقولُ إنَّكَ حينَ تَكْسِرُ كَلِمَةَ اللهِ، وحينَ تَتَعَدَّى على نَاموسِ اللهِ، فإنَّ اللهَ سيَفعلُ ماذا؟ سَيُؤدِّبُكَ حَتَّى تكونَ عَواقِبُ سُوءِ تَصَرُّفِكَ شَديدة بِما يَكْفي لِدَفْعِكَ إلى القيامِ بما هو صَواب. فاللهُ يُريدُ مِنْكَ أنْ تَعيشَ حَياةً مُنْضَبِطَةً.

لِذا، فقد أعطانا اللهُ هذه الشَّرائِع المَفروضَة علينا. وهذا يُعيدُنا إلى رسالة رُومية والأصحاح 12. وما لدينا هُنا هو المبادِئَ الَّتي يَنبغي أنْ تُطَبَّقَ في الحياةِ المُنْضَبِطَة. وعندما تَنظرُ إلى هذه المبادئ، وتَنظُر إلى حياتِكَ الشَّخصيَّة، وتَرى إنْ كُنْتَ تُطَبِّقُ هذه المبادئِ أَمْ لا، يُمكنكَ أنْ تُقَرِّرَ ما إذا كنتَ تَحيا حياةً مُنضبِطَةً أَمْ لا – في النِّطاقِ الرُّوحِيّ. فيجب علينا أنْ نُخْضِعَ عَواطِفَنا، وأنْ نُخْضِعَ رَغَباتِنا، وأنْ نُخْضِعَ إرادَتَنا الذَّاتيَّةَ لِكَلِمَةِ الله.

وَمِنَ البَشَرِيِّ والطَّبيعيِّ أنْ تَكونَ مُرائيًا أحيانًا. وَمِنَ البَشَرِيِّ والطَّبيعيِّ أنْ تَكونَ شِرِّيرًا. وَمِنَ البَشَرِيِّ والطَّبيعيِّ أنْ تَكونَ لديك نَزْعَةُ التَّمُلُّك، أوْ أنْ تَكونَ أنانِيًّا، أو أنْ تكونَ غَيرَ لَطيفٍ معَ الآخرين عندما يَتَطَفَّلونَ عليك. وَمِنَ البَشَرِيِّ والطَّبيعيِّ أنْ تَكونَ كَسولاً. وَمِنَ البَشَرِيِّ والطَّبيعيِّ أنْ لا تُبالي بالأشخاصِ الآخرين، بل أنْ تَهتمَّ بِشُؤونِكَ فقط. وِمِنَ البَشَرِيِّ والطَّبيعيِّ أنْ تَغْضَبَ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ يُسيئونَ إليك. وَمِنَ البَشَرِيِّ والطَّبيعيِّ جدًّا أنْ تُعامِلَ النَّاسَ بِمُحاباة لأنَّكَ تُحِبُّ بَعْضًا منهم أكثرَ مِنَ البعضِ الآخر. وَمِنَ البَشَرِيِّ والطَّبيعيِّ أنَّهُ حينَ يُؤذيكَ شخصٌ ما فإنَّكَ تَرْغَبُ في إيذائِهِ ... وفي الانتقامِ منه. وعندما يَجوعُ عَدُوُّكَ، فإنَّكَ تَفْرَح. فهذا جُزءٌ مِنْ بَشَرِيَّتِنا وطَبيعَتِنا. ولكِنَّ كُلَّ هذه الأشياء خاطئة. ويجب على المؤمنِ أنْ يُدَرِّبَ نَفسَهُ على حياةِ الانضباطِ الذَّاتيِّ حَتَّى لا يَعود يَفعلُ الأشياءَ البشريَّة والطبيعيَّة، بل أنْ يَفعلَ ما هُوَ صَواب، وما هو خَير (وَفْقًا لِمِعْيارِ الله).

لِذا فإنَّهُ يَتَخَلَّصْ مِنَ الرِّياءِ في حياتِه، ويَملأُ حياتَهُ بالمحبَّة الحقيقيَّة. وهو يَتخلَّصُ مِنَ الشَّرِّ، ويَملأ حياتَهُ بالخير. وعِوَضًا عن أن يكونَ أنانيًّا، فإنَّهُ غَيرُ أنانيٍّ، وهو مُتواضِع، ويُعامِل الآخرينَ بِلُطْف. وعِوَضًا عن أنْ يكونَ كَسولاً، فإنَّهُ مُجتهِدٌ جدًّا. وعِوَضًا عنْ يكونَ لديهِ حُبُّ التَّمَلُّك، وأنْ يكونَ أنانيًّا ومُنْغَمِسًا في التَّفكيرِ في نفسِه، فإنَّهُ يُعْطي ما لَديهِ للآخرين. وعِوَضًا عن أنْ يَكْرَهَ مَنْ يُؤذونَهُ، فإنَّهُ يُحِبُّ الَّذينَ يُؤذونَهُ ويُبارِكُهم. وعِوَضًا عن أنْ يُعامِلَ النَّاسَ بِمُحاباة، فإنَّهُ يُعامِلُهُمْ جميعًا معاملةً واحدة. وعِوَضًا عن أنْ يَرُدَّ الإساءةَ بإساءة، فإنَّهُ يَرُدُّ الإساءةَ بمحبَّة. وعِوَضًا عن أنْ يَمتلئ بالنَّقمة، فإنَّهُ لا يُضْمِرُ أيَّ عَداوة. وقد تقول: "حسنًا! وما نَوْعُ هذا الشَّخص؟" إنَّهُ الشَّخصُ المُنْضَبِط. إنَّهُ شخصٌ أَخْضَعَ رَغْباتِهِ الطبيعيَّة للسَّيطرة. فقد أَخْضَعَها للمبادئِ المُهَيْمِنَة الَّتي تُعَلِّمُها كلمةُ الله.

إذًا، فإنَّ ما نَتحدَّثُ عنهُ في هذا النَّصِّ، يا أحبَّائي، هو حقيقة أنَّ هذه هي الطَّريقةُ الَّتي يَعيشُ بها المُؤمِنُ المُنْضَبِط. وأعتقد أنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَبتدئ في الأصحاحِ 12 والعددَيْن 1 و 2 حيثُ نَقرأُ أنَّهُ ينبغي أنْ تُقَدِّمَ نَفسَكَ (جَسَدَكَ، ونَفسَكَ، وفِكرَك، وإرادَتَكَ) ذَبيحَةً حَيَّةً لله. وعندما يَتغيَّرُ ذِهْنُكَ فإنَّكَ لن تَفعلَ ما يَفْعَلُهُ العالمُ بعدَ الآن لأنَّكَ مُختلفٌ عنهم. بل إنَّكَ تَفعلُ مشيئةَ الله. وأنتَ تُخْضِعُ مَشيئَتَكَ، وعواطِفَكَ، ومَشاعِرَكَ، ورَغْباتِكَ، والضَّغطِ الكَبير، والعاداتِ الاجتماعيَّة لِسُلْطَةِ كلمةِ الله. فهذا هُوَ لُبُّ الأمر. والمؤمِنونَ الَّذينَ يَعيشونَ المبادئَ الواردة في رسالة رُومية والأصحاح 12 هُمُ المُؤمِنونَ الَّذينَ تَعَلَّموا بِنِعْمَةِ اللهِ أنْ يَتَحَلَّوْا بالانضباطِ الذَّاتيّ ... أنْ يَتَحَلَّوْا بالانضباطِ الذَّاتيّ.

والآن، قد يَقولُ قائِل: "حسنًا يا جون، كيفَ يُدَرِّبُ المَرءُ نَفسَهُ على الانضباطِ الذَّاتيِّ؟ أيْ: كيفَ يَفعلُ ذلك؟ فأنا لستُ ماهرًا في الانضباطِ الذَّاتيِّ. فكيفَ أُدَرِّبُ نَفسي على هذا الأمر؟" اسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم بعضَ المُلاحظاتِ العمليَّة الصَّغيرة، ثُمَّ سنعودَ إلى النَّصِّ هُنا. فكيفَ تَصيرُ مُنْضَبِطًا ذاتيًّا؟ فقد تقول: "أنا لستُ مُنضبِطًا جدًّا. وأنا أريدُ أنْ أعرِفَ كيفَ أفعلُ ذلك". اسمحوا لي فقط أنْ أُقَدِّمَ مُلاحظاتٍ عمليَّة. حسنًا؟ ولا تَتوقَّعوا أنْ تَجِدوا هذه المُلاحظاتِ في آيةٍ كِتابيَّة. ولكنَّكَ قد تُحاولُ أنْ تُمارِسَ ذلك. ورُبَّما تقول: "أنا غيرُ مُنْضَبِطٍ. وأنا أَنظرُ إلى هذه المبادئِ المذكورة في الآيات 9-21 الَّتي نَحْنُ عاكِفونَ على دِراسَتِها في الأسابيعِ الأخيرةِ الماضية، وأقولُ لنفسي: ’أنا لا أَرى كُلَّ هذه الأمور في حياتي‘. فكيفَ أكونُ مُنْضَبِطًا؟"

أوَّلاً، اسمحوا لي أنْ أَقترحَ عليكم أنْ تَبتدئوا بشيءٍ صغير. ابتدئوا بشيءٍ صغيرٍ جدًّا. وإليكم شيئًا بسيطًا: ابتدئ بِغُرفَتِك. نَظِّفْها! وحافظ عليها نظيفة. وَتَعَلَّمْ أنَّهُ عندما تَرى شيئًا غيرَ مُرَتَّبٍ أنْ تُرَتِّبَهُ، وأنَّهُ عندما تَرى شيئًا في غيرِ مَكانِه أنْ تَضَعَهُ في مَكانِه. التَقِطْهُ. وَضَعْهُ في المَكانِ الصَّحيح. ثُمَّ انْتَقِل إلى بيتِك. ويمكنني أنْ أَرى البعضَ مُتَجَهِّمًا الآن. فأنتَ تقول: "هذا شيءٌ فاتَ الأوانُ على إصْلاحِه!"

واسمحوا لي أنْ أُعطيكُم مبدأً آخر: كُنْ دَقيقًا في مَواعيدِك. فالأمرُ قد لا يبدو رُوحيًّا جدًّا، ولكِنَّهُ مُهِمٌّ. كُنْ دَقيقًا في مواعيدِك. فإنْ كانَ ينبغي أنْ تَذهب إلى مكانٍ ما في وقتٍ ما، كُنْ هُناكَ في الوقتِ المُحَدَّدِ الَّذي ينبغي أنْ تكونَ فيهِ هُناك. عَوِّدْ نَفسَكَ على السَّيطرة على رَغْباتِك، وأنشِطَتِك، والأشياءِ الَّتي قد تُؤخِّرُكَ لكي تَكونَ في المكانِ الَّذي ينبغي أنْ تكونَ فيه في الوقتِ المُحَدَّد. فالأشياءُ الصَّغيرة مِثْلَ تَنظيفِ غُرفَتِك، والالتزامُ بالمواعيد سَتُساعِدُكَ على التَّدَرُّبِ على الانضباطِ الذَّاتيِّ.

ثالثاً، وهذا المبدأُ ساعَدَني حَقًّا: اخْتَرْ أَصعبَ مَهَمَّة وَنَفِّذْها مَتى؟ أوَّلاً. فبهذا سَتُرْغِمْ نفسكَ على أنْ تكونَ مُنْضَبِطًا.

رابعًا، نَظِّمْ حياتَك. خَطِّطْ ما ستَفعل وَتَجَنَّبْ العَشوائيَّة. خَطِّط. اذْهَبْ واشْتَرِ وَرَقَةً واكُتب عليها: "اليوم سأفعلُ كذا". فلا تَتركُ الأمورَ للظُّروف. فإنْ لم تُسَيطِر على حياتِك، سَتُسيطِر عليها كُلُّ الأشياءِ الأخرى. ستُسيطِر عليها كُلُّ الأشياءِ الأخرى.

خامسًا، اقْبَل التَّقويمَ بِشُكْر. اقْبَل التَّقويمَ بِشُكْر لأنَّ التَّقويمِ يُساعِدُكَ في أنْ تكونَ أكثرَ انْضباطًا لأنَّهُ يُريكَ ما ينبغي أنْ تَتَجَنَّبَه. لِذا، لا تُهْمِل الانتقاد، بلِ اقْبَلْهُ بِسُرور.

سادسًا، وقد ساعَدَني هذا المبدأُ حَقًّا: مَارِسْ إنْكارَ الذَّات. ومَارِس ذلك بطريقة بسيطة. فإنْ كُنْتَ تَرْغَبُ في فَطيرةٍ ساخنةٍ شَهِيَّة ... تَرْغَبُ فيها بِشِدَّة، اطْلُبْ كُوبًا مِنَ الشَّايِ المُثَلَّجِ مَعَ سُكَّرٍ صِناعِيّ. وقد تقول: "ولكنِّي نَحيف!" إنَّ الأمرَ لا صِلَةَ لَهُ بالنَّحافة، بل بِضَبْطِ النَّفس. تَعَلَّم أنْ تَقولَ "لا" لِمَشاعِرِك. وأنا أفعلُ ذلكَ طَوالَ حياتي. فأنا أُحاولُ أنْ أُدَرِّبَ نفسي على عَدَمِ إشباعِ رَغْباتي دائمًا. فعندما أرغبُ في فَطيرة كَبيرة مُحَلَّاة أو شيئًا مِنْ هذا القَبيل، أقولُ لنفسي: "لا، لن أَطلُبَ ذلك". وهذا لا يَعني أنَّني قد فَقَدْتُ السَّيطرة على نفسي. فيمكنني الحُصولُ على فَطيرة مُحَلَّاة، ولن تكونَ هذه مُصيبة كُبرى. ولكِنْ يجب عليَّ أنْ أُدَرِّبَ نَفسي على قَمْعِ رَغْباتي لكي أتعلَّمَ أنْ أَضْبِطَ بعضَ الأمور. وهذا النَّوعُ مِنَ التَّدريب سَيَصُبُّ في المَجالِ الرُّوحيِّ. أجل، هذا مُؤكَّد.

سابعًا وأخيرًا، رَحِّبْ بالمَسؤوليَّة. رَحِّبْ بالمَسؤوليَّة. فعندما تُتاحُ لَكَ فُرصة القيامِ بشيءٍ ينبغي القيامُ به، تَطَوَّع للقيامِ بذلك. رَحِّبْ بالمسؤوليَّة. فهذا يُرْغِمُكَ على تَنظيمِ نَفسِك.

إذاً، إنَّها أُمورٌ بسيطة. ابتدئ بشيءٍ صغير كأنْ تُرَتِّبْ غُرْفَتَكَ أوْ مَنزِلَكَ أوْ سَيَّارَتَك. وَكُنْ دَقيقًا في مَواعيدِك. واخْتَرْ أصعبَ مَهَمَّة ونَفِّذْها أوَّلاً. وَنَظِّم حياتَك. وَأَظْهِرِ الامْتِنانَ حينَ يَتِمُّ تَقويمُك. ومارِسْ إنكارَ الذَّاتِ أوْ ضَبْطَ الذَّات. وَرَحِّبْ بالمسؤوليَّة. وهذا مُهِمٌّ جدًّا لأنَّ هذه هي الأشياء الصغيرة الَّتي سَتَبتدئ تَجْني مِنْها في حَياتِكَ الانضباطَ الذَّاتيّ. ولِعِلْمِكُم، فإنَّنا نُدَرِّبُ أبناءَنا على ذلكَ طَوالَ الوقت. "نَظِّفْ غُرفَتَكَ. نَظِّفي غُرْفَتَكِ". لماذا؟ لأنَّنا نَعتقدُ أنَّ مَجموعة مِنَ النَّاسِ سيأتونَ إلى غُرفتهم؟ لا، فلن يأتي أحدٌ لكي يَرى غُرفَتَهُم. ونحنُ ليسَتْ لدينا لائحة تقول: "الرَّجاء أنْ تأتوا وَتَرَوْا غُرفةَ ’مات‘ (Matt) أو غُرفةَ ’مارسي‘ (Marcy)"؟ نحنُ لا نَفعل ذلك. ولكِنَّهُ تَدريبٌ على القيامِ بذلك لِتَعليمهم أنْ يَعيشوا حَياةً مُنضبطَة.

وقد ذَكَرْنا أنْ تُراعُوا الدِّقَّة في مواعيدِكُم. فإنْ كانَ ينبغي أنْ تكونَ في مكانٍ ما، لا تتأخَّر، بل كُنْ هناكَ في الوقتِ المُحَدَّد. وكُلُّ هذه الأشياء هي أمورٌ تَعَلَّمُتها في حياتي الشخصيَّة فانْعَكَسَتْ على النِّطاقِ الرُّوحيّ. وأنا أُحاول أنْ أَجعلها عَمليَّةً قدرَ استطاعتي لكي لا نَظُنَّ أنَّ عَيْشَ حياةٍ رُوحيَّة مُنضَبِطَة هو شيءٌ مُستقلٌّ تمامًا ولا يَفْعَلُهُ سِوى الأشخاصُ الرُّوحيِّينَ جدًّا. فالمَسألةُ هي مسألة تَعَلُّم عادات مُعَيَّنة وأنماط مُحَدَّدة في حياتِكَ تَقودُ في النِّهاية إلى حَياةٍ مُنضَبِطَة.

حسنًا! هذا كُلُّهُ يَقودُنا حَقًّا إلى نَصِّنا. أليسَ كذلك؟ وإلى بعضِ المبادئِ الَّتي ابتدأنا في التَّأمُّلِ فيها. لنرجِع قليلاً إلى النَّصِّ. ولن أَستغرِقَ وقتًا طويلًا في هذا المساءِ في الحديثِ عن هذه الأمور، بل أريدُ فقط أنْ أَنتهي مِنَ الحديثِ عَمَّا ابتدأنا فيهِ في المَرَّة السَّابقة. وسوفَ نُتابِع حديثَنا في الأسبوعِ القادِمِ ونَخْتِمُ الموضوع.

فالرَّسولُ بولسُ يَقولُ هنا: "انظروا! عندما تأتونَ إلى لُبِّ الحياةِ المُنضَبِطَة، إليكُم المبادئ الَّتي يَنبغي أنْ تَعرِفوها. وإليكُم الواجباتِ العَمليَّة للحياةِ المُنضَبِطَة". والآن، في الأعداد مِنْ 9 إلى 21، هناكَ أربعُ مَراحِل أو أربعة أجزاء مِنْ هذه المبادئ. وهي تُشْبِهُ الدَّائِرَة الَّتي تَتَّسِعُ شيئًا فشيئًا. وكُلُّ مَرحلة جديدة تَشْمَلُ كُلَّ المراحلِ الأخرى أيضًا. فالمرحلة الأولى تَتطرَّقُ إلى أمورٍ شخصيَّة. والمرحلة الثَّانية تَتطرَّقُ إلى العائلةِ المسيحيَّة. والمرحلة الثالثة تتطرَّقُ إلى جَميعِ الأشخاص. والمرحلة الرابعة تتطرَّقُ إلى التَّعامُلِ مَعَ أعدائِكَ الَّذينَ آذوكَ بطريقةٍ ما. وبولسُ يَتَوَسَّعُ في دائرةِ المسؤوليَّةِ مِنْ أجْلِ حَياةٍ مُنضَبِطَة.

والآن، هل تَذكرونَ العدد 9 إذْ رأينا المرحلةَ الأولى المُختصَّة بنا شخصيًّا؟ فنحنُ نقرأ: "اَلْمَحَبَّةُ فَلْتَكُنْ بِلاَ رِيَاءٍ"؛ أيْ مَحَبَّةً حقيقيَّة. "كُونُوا كَارِهِينَ الشَّرَّ، مُلْتَصِقِينَ بِالْخَيْر". وهذه هي المواقفُ الثَّلاثةُ الرئيسيَّة للحياةِ المُنضَبِطَة. أَحِبُّوا بِصِدْق، واكرَهوا الشَّرَّ، والتَصِقوا بالخير. فهذه هي المبادئُ الجوهريَّة للحياةِ المُنضبطَة. ثُمَّ إنَّنا رأينا الدَّائرة تتوسَّع أكثر قليلاً في الأعداد مِن 10 إلى 13 إذْ يَقولُ بولُس: "والآن، دَعوني أُوَسِّع هذه الدَّائرة مِنَ الواجباتِ المسيحيَّة لِتَشمَلَ العائلة المسيحيَّة؛ أيِ المؤمنينَ الآخرين". فهو يقولُ في العدد 10: "وَادِّينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّة". وقد ذَكَرْنا حقيقةَ أنَّهُ يَقولُ هُنا إنَّهُ يجب علينا أنْ نُحِبَّ المؤمِنينَ الآخرينَ لأنَّهُم جُزءٌ مِنْ عائِلَتِنا. فيجب علينا أنْ نُحِبَّهُم بالمحبَّة العائليَّة.

وهناكَ عُنصرٌ آخر مُهمٌّ جدًّا في الحياةِ المسيحيَّة، وفي حياةِ الانضباط، وهو أنْ تكونَ شَفوقًا، ومُتعاطِفًا، وأنْ تُظْهِرَ عاطِفَةً تُجاهِ الآخرينَ في العائلة، وأنْ تُحِبَّهم بالمحبَّة الكِتابيَّة الَّتي تَجْعَلُكَ تَسْعى إلى سَدِّ حاجاتِهم. ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في العدد 10: "مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَة". بعبارة أخرى، أنْ تُحِبَّهُمْ باتِّضاع. فيجب علينا أنْ نُحِبَّ بِلُطْفٍ وعاطفةٍ، وأنْ نُكْرِمَ الآخرين. وقد تَحدَّثنا عن حقيقةِ أنَّ الفِكرة الرئيسيَّة هنا هي أنْ تُسارِعَ إلى إكْرامِ الآخرين، لا بِتَرَدُّد، بل أنْ تُسارِعَ إلى تَقديمِ الآخرينَ على نَفسِك.

ثُمَّ رأينا في العدد 11 ثلاثةَ واجباتٍ مُهِمَّة أخرى. وقد خَتَمْنا حَديثَنا في المَرَّةِ السَّابقةِ بهذا الجُزء. فهو يقولُ في العدد 11: "غَيْرَ مُتَكَاسِلِينَ فِي الاجْتِهَادِ، حَارِّينَ [أوْ نَغْلي] فِي الرُّوحِ، عَابِدِينَ الرَّبَّ". وهي ثلاثة أمور مُهمَّة عندما نَخْدِمُ عائلةَ الله. فلا يجوزُ لنا أنْ نَكونَ كَسالَى، بل يجب علينا أنْ نكونَ حَارِّينَ وجَادِّينَ في العمل. والعَمَلُ، بِكُلِّ تأكيد، هُوَ خِدمةُ الرَّبِّ. فهذه هي الحياةُ الَّتي تَتَّسمُ بالانضباط. فهي حَياةٌ مُكَرَّسَةٌ للمحبَّة، وحياةٌ مُكَرَّسَةٌ لِبُغْضِ الشَّرِّ، ومحبَّةِ الخَير، والعناية بعضُنا ببعض، وتَقديمِ بَعْضِنا على بَعْض. وهي حياةٌ نَعيشُها بحماسة، وبِشَغَف، وبشجاعة في خِدمةِ المسيح.

وقد كانَ "سي. تي. ستد" (C.T. Studd) واحدًا مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ امتلكوا أشياءَ كثيرة في هذا العالم، ولكنَّهُ قَدَّمَها كُلَّها للخدماتِ الإرساليَّة. وقد كَتَبَ يقول: "البعضُ يُريدونَ أنْ يَعيشوا في نِطاقٍ لا يَتَجاوَزُ صَوْتَ جَرَسِ الكَنيسة. ولكنِّي أُريدُ أنْ أَفْتَحَ هَيئةَ إنْقاذٍ على بُعْدِ مِتْرٍ مِنْ جَهَنَّم". وأنا أُحِبُّ هذهِ الرُّوح. وهذا هُوَ ما فَعَلَهُ. وقد كانَ "جون ويسلي" (John Wesley) رَجُلاً مُفْعَمًا بالحَماسَة. وقد قال: "أَعْطِني مِئَةَ رَجُلٍ يُحِبُّونَ اللهَ بِكُلِّ قَلبِهِم ولا يَخافونَ شيئًا سِوى الخطيَّة، وأنا سأُحَرِّكُ العَالَم". وقد فَعَلَ ذلك.

وقد كانَ "جيم إليوت" (Jim Elliot)، شَهيدُ الإكوادور، شابًّا فَريدًا حقًّا. وذاتَ يومٍ، كانَ يَقرأُ ما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 1: 7 فَقَرَأَ: "الصَّانِعُ ... خُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ". وفي اليومِ الَّذي قَرَأَ فيهِ هذه الكلماتِ، كَتَبَ في مُذَكِّراتِهِ الكلماتِ التَّالية: "هل أنا قَابِلٌ للاشتعال؟ يا رَبُّ، خَلِّصْني مِنَ الحَرارَةِ المُخيفةِ للأشياءِ الأُخرى". أليست هذه الكلماتُ جَميلَةً؟ "شَبِّعْني بِزَيْتِ الرُّوحِ لكي أكونَ لَهيبًا. ولكِنَّ اللَّهيبَ مُؤقَّتٌ ويَختفي بسُرعة. فهل تُطيقينَ هذا، يا نَفسي؟ حَياةً قصيرة؟ فَفِيَّ يَسْكُنُ رُوْحُ ذاكَ العَظيمَ الَّذي عاشَ حَياةً قَصيرةً ولكِنَّ غَيْرَتَهُ لبيتِ الرَّبِّ أَكَلَتْهُ. اجْعَلْني وَقودَكَ، يا رُوْحَ الله". وهذه عِباراتٌ مُدهشة.

وقد قال: "أنا أُريدُ أنْ أكونَ لَهيبًا. ولكِنَّ اللَّهيبَ لا يَحْتَرِق وقتًا طويلاً. وإنْ كانت هذه هي الطريقةُ الوحيدة، فليكُن الأمرُ كذلك". وقد قَارَنَ نَفسَهُ بشخصٍ آخر عاشَ حياةً قصيرةً جدًّا وكانَ لَهيبُهُ قَصيرًا جدًّا، أيْ رَبنا يسوعَ المسيح. وقد كانَتْ حَياتُهُ قصيرةً جدًّا حقًّا. وهذا السَّطْرُ الأخيرُ الَّذي كَتَبَهُ في مُذَكِّراتِهِ في ذلكَ اليوم: "اجْعَلْني وَقودَكَ، يا رُوْحَ الله"، اقْتَبَسَهُ مِنْ قَصيدَة. وتلكَ القصيدة كَتَبَتْها "إيمي كارمايكل" (Amy Carmichael). وهي قصيدة رائعة. وأنا لن أَقرأها كُلَّها على مَسامِعِكُم، ولكنِّي سأقرأُ المقطعَ الأخيرَ فقط: "أَعْطِني المَحَبَّةَ التي تُنيرُ الطَّريق، والإيمانَ الَّذي لا يُمْكِنُ لأيِّ شيءٍ أنْ يُطْفِئَهُ، والرَّجاءَ الَّذي لا يُمْكِنُ لأيِّ خَيْباتِ أَمَلٍ أنْ تَهْدِمَهُ، والعاطفةَ الَّتي سَتَحْتَرِقُ كالنَّار. ولا تَجْعَلْني أَغْرَقُ وأَذوب، بلِ اجْعَلْني وَقودًا، يا رُوْحَ الله".

وأعتقد أنَّ كُلَّ تِلميذٍ يَوَدُّ أنْ يكونَ كذاكَ الَّذي وَصَفَهُ الأُسْقُف "رايل" (Ryle)، رَجُلُ اللهِ العَظيم. استَمِعوا إلى كَلِماتِهِ: "الرَّجُلُ الغَيورُ [في الدِّين] هُوَ رَجُلٌ يُرَكِّزُ على شيءٍ واحدٍ فقط. ولا يَكفي أنْ نقولَ إنَّهُ شَغوفٌ، ومُلْتَهِبٌ، ولا يُساوِمُ، وعَميقٌ، وَيَخْدِمُ بِكُلِّ قلبِه، وحَارٌّ في الرُّوح. فهو يَرى شيئًا واحدًا فقط. وهو يُبالي بشيءٍ واحد. وهو يَعيشُ لأجلِ شيءٍ واحد. وهو مُنْهَمِكٌ في شيءٍ واحد. وهذا الشَّيءُ الواحدُ هو أنْ يُرضي الله. فسواءَ عاشَ أوْ ماتَ، وسواءَ كانَ مُعافى أوْ مَريضًا، وسواءَ كانَ غَنيًّا أوْ فقيرًا، وسواءَ كانَ يُرْضي النَّاسَ أوْ يَجْعَلهُمْ يَستاءونَ مِنْهُ، وسواءَ كانَ يُفَكِّرُ بِحِكمة أوْ يُفَكِّرُ بحماقة، وسواءَ كانَ يَتلقَّى اللَّوْمَ أوِ المَدْح، وسواءَ حَصَلَ على التَّكريمِ أوِ المَذَمَّة، في كُلِّ هذا، فإنَّ الرَّجُلَ الغَيورَ لا يُبالي بأيِّ شيءِ البَتَّة. فهو يَحتَرِقُ لأجلِ شيءٍ واحد. وذلكَ الشَّيءُ الواحد هو أنْ يُرْضي اللهَ وأنْ يُمَجِّدَ اللهَ. فإنِ تَلاشى بِمُجْمَلِهِ عندَ كُلِّ احتراق، فإنَّهُ لا يُبالي بذلك. فهو رَاضٍ. وهو يَشعرُ بأنَّهُ يُشْبِهُ المِصْباح. فَهُوَ وُجِدَ لكي يَحترِق. وإنِ تَلاشى بسببِ الاحتراق، فإنَّهُ يكونُ قد عَمِلَ وَحَسْب العَمَلَ الَّذي أَوْكَلَهُ اللهُ إليه. وَمِثْلُ هذا الشَّخصِ سَيَجِدُ دائمًا مَجالاً لِغَيْرَتِهِ. فإنْ لم يَتمكَّنْ مِنَ الوَعْظِ أوِ الخِدمة أوْ إعطاءِ المال، فإنَّهُ سَيَصْرُخُ وَيَتَنَهَّدُ ويُصَلِّي". هذا هو الرَّجُلُ الغَيور. وهذا هو الرَّجُلُ الحارُّ بالرُّوح في خِدمةِ الرَّبِّ. وهذه هي الحياةُ المُنْضَبِطَة.

وقد كانَ بولس رَجُلاً مِنْ هذا النَّوع. وبولسُ هو دائمًا قُدْوَتي في الحياةِ المُنْضَبِطَة. فَهُوَ مُمَيَّز. فإنْ كانَ هُناكَ أيُّ مَبدأ، فقد عَاشَ بِموجَبِه وَحَسْب. وإنْ كانَ هُناكَ نَموذَجٌ إلهيٌّ، فقد تَبِعَهُ. فقد كانَ رَجُلاً يَعيشُ لغايةٍ واحدة وهي: أنْ يُرْضي الله.

وقد حاولَ أحدُ الأشخاصِ أنْ يَصِفَ حَرارَةَ بولُس بعباراتٍ فَريدة مُدهِشَة. ولا أَدري إنْ كُنْتُمْ قد سَمِعْتُم هذه الكلماتِ مِنْ قَبل. فهي رائعة. فالكاتِبُ يَقولُ: "إنَّهُ رَجُلٌ لا يُبالي بتَكوينِ صَداقاتٍ، ولا يَشتاقُ أوْ يَتوقُ إلى أيِّ شيءٍ دُنْيَوِيٍّ، ولا يَخْشَى مِنْ خَسارةِ الأشياءِ الدُّنيويَّة، ولا يُبالي بهذه الحياة، ولا يَخافُ المَوْت. وهو رَجُلٌ بلا رُتْبَة، أوْ بَلَد، أوْ حَالة. بل رَجُلٌ يُبالي بشيءٍ واحدٍ فقط: إنجيلِ المسيح. وهو رَجُلٌ يُرَكِّزُ على هَدَفٍ واحد: مَجْدِ الله. فقد حُسِبَ جاهِلاً وَارْتَضى أنْ يُحْسَبَ جاهلاً لأجْلِ المَسيح. وهو لم يُبالي في أنْ يُدْعى مُتَحَمِّسًا، أوْ مُتَطَرِّفًا، أو مِهْذارًا، أو في أنْ يُطْلَقَ عليهِ أيُّ وَصْفٍ مُهينٍ وَعَجيبٍ آخر قد يَختارُ العالَمُ أنْ يُطْلِقَهُ عليه. فليُطلِقوا عليهِ أيَّ وَصْفٍ كَهذا. ولكِنْ ما إنْ كانُوا يَنْعَتونَهُ بالخائِن، أوْ بِرَبِّ البَيْتِ، أوْ بالمواطِنِ، أوْ بالرَّجُلِ الغَنِيِّ، أوْ بأَشْهَرِ رَجُلٍ في العالَم، أو بالرَّجُلِ المُتَعَلِّم، أوْ حَتَّى بالرَّجُلِ العَاقِل، فإنَّ ذلكَ كانَ يُثيرُ غَضَبَهُ ويَدْفَعُهُ إلى التَّكَلُّم؛ وإلَّا فإنَّهُ سيموت. ومعَ أنَّهُ كانَ لا بُدَّ أنْ يموت، فإنَّهُ سيتكلَّم. وهو لم يَكُنْ يَرتاح، بل إنَّهُ يُسافِرُ بَرًّا وَبَحْرًا، وَيَعْبُرُ الجِبالَ والبَراري الجَرْداء. وهو يَصْرُخُ عاليًا، ولا يَألوا جُهْدًا، ولن يَسْمَحَ لأيِّ شيءٍ أنْ يُوْقِفَهُ. فقد كانَ في السِّجْنِ يَرْفَعُ صوتَهُ عاليًا. وفي أَشَدِ العَواصِفِ في البَحْرِ لم يَصْمُت. وأمامَ المَجامِعِ والمُلوكِ المُتَرَبِّعينَ على عُروشِهم، شَهِدَ بالحَقِّ. فلا يُمكنُ لأيِّ شيءٍ أنْ يُخْمِدَ صَوتَهُ سِوى الموت. وَحَتَّى عندَ مَوْتِهِ، قبلَ أنْ يَفْصِلَ الفَأسُ رأسَهُ عن جَسَدِه، فإنَّهُ يَتَكَلَّمُ، وَيُصَلِّي، وَيَشْهَدُ، وَيَعْتَرِف". ويا لَها مِنْ شَهادَة! أليسَ كذلك؟

وهو مُحِقٌّ. فإنْ أردتَ أنْ تُسَمِّي بولسَ غَيورًا، أوْ مُتَطَرِّفًا، أوْ مِهْذارًا، أو أيَّ شيءٍ مِنْ هذا القَبيل، فإنَّ ذلكَ لَنْ يُزْعِجَهُ. ولكِنْ إنْ قُلْتَ عنهُ: "إنَّهُ مُجَرَّدُ مُواطِن، أو إنسانٍ غَنِيٍّ، أو إنسانٌ مِنْ هذا العَالَم، أو إنسان مُتَعَلِّم"، وَهَلُمَّ جَرَّا، فإنَّهُ يَتضايَقُ كثيرًا لأنَّهُ لا يُريدُ أنْ يُعْرَفَ بهذه الأوصاف. فهو رَجُلٌ مَعروفٌ بشيءٍ واحدٍ فقط وهو أنَّهُ رَجُلٌ حَارٌّ.

وأنْ نَعيشَ حياةً حَارَّةً (كما جاءَ في العدد 11) ليسَ أمرًا سَهلاً لأنَّهُ ستكونُ هناكَ صُعوباتٌ مِنْ كُلِّ الأنواع. فإنْ عِشْتَ حياةً مُنضبِطَة، وحياةَ مَحَبَّةٍ صادقة، وحياةً تَكْرَهُ الشَّرَّ وتَلتصِق بالخير، وحياةً تُقَدِّمُ الآخرينَ، وحياةَ تُفَضِّلُ الآخرين، وحياةً ليسَت كَسولة، وحياةً حارًّةً، وحياةً تَخْدِمُ الرَّبَّ، لا بُدَّ أنْ تُواجِهَ المَتاعِب. لِذا، فإنَّ العَدَد 12، كما رأينا في المَرَّة السَّابقة، يَأتي لِمُساعَدَةِ الشَّخصِ الَّذي يَمُرُّ في ضيقة إذْ يقول: "إليكُم بعضَ الأنماطِ الأخرى لهذه الحياةِ الَّتي تَتَّسِمُ بالانضباطِ الذَّاتيِّ: فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ، صَابِرِينَ فِي الضِّيْقِ، مُواظِبِينَ عَلَى الصَّلاَة".

وهذه المبادئ ضَروريَّة للحفاظِ على الحياةِ المُنضبِطَة لأنَّهُ في أوقاتٍ كثيرة، قد تَبْذُلُ أكبرَ جُهْدٍ لديك فتكونُ النَّتيجةُ مُحْبِطَةً جِدًّا. ففي أوقاتٍ كثيرة، قد تَمُرُّ في كُلِّ ما تَمُرُ فيه لتحقيقِ ما تَشعُر أنَّهُ صحيح أمامَ الله، ولكِنَّكَ تَجْني فائدةً ضَئيلة جدًّا ... ضَئيلة جِدًّا. وأريدُ مِنكُم أنْ تَعلموا ذلكَ، كما تَعَلَّمْتُم. فقد يكونُ الأمرُ مُحْبِطًا جدًّا. وأنا أَشْعُرُ بالإحباطِ أيضًا. ولكِنْ في تلكَ الأوقاتِ، تَعَلَّمْتُ مِنْ خلالِ العدد 12 أنْ أَفْرَحَ في الرَّجاء. فسوفَ يكونُ الأمرُ صعبًا دائمًا هُنا، ولكِنْ سيأتي يومٌ يكونُ فيهِ كُلُّ شيءٍ مَجيدًا. أليسَ كذلك؟ فسوفَ يأتي يومٌ تَرَوْنَ فيهِ الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ فَتَنْتَهي فيهِ كُلُّ جُهودِنا. وأنا لا أُمانعُ في أنْ أكونَ مُنْضَبِطًا الآن. وأنا لا أُمانِعُ في أنْ أَدْفَعَ الثَّمَنَ الآن. بل ينبغي أنْ أَدفَعُه أكثر مِمَّا أفعل. ويجب عليَّ أنْ أكونَ أكثرَ انْضباطًا مِمَّا أنا عليه. ولكنِّي لا أُمانِع في الانضباطِ قليلاً كما أفعل. وأنا لا أُمانِع في ذلك لأنِّي أَعلمُ أنَّهُ سيأتي يومٌ سيَنتهي فيهِ كُلُّ شيء وسأستريحُ إلى الأبد في الأمْجادِ الكَامِلَة معَ المُخَلِّص. وأنا أَفْرَحُ في ذلكَ الرَّجاء.

وأنا أَتعَب. فهناكَ قُدرة على التَّحَمُّل لدينا جميعًا. ولا أدري ما هي قُدرَتُكُم، ولكِنْ يبدو أنَّني على الحَافَةِ دائمًا. وهناكَ مَنْ يَقولُ لي: "لِماذا تَستمرُّ في قَبولِ مَزيدٍ مِنَ المَشاريع؟ لِمَ لا تَعْتَذِر وَحَسْب؟" والحقيقة هي أنَّني لا أَدري ما هُوَ قَصْدُهُمْ مِنْ ذلك. فلا يوجد شيءٍ لا أستطيعُ أَلَّا أقومَ بِهِ إنْ كانَ هذا هو ما وَضَعَهُ اللهُ في قلبي. وفي وَسْطِ قيامِي بذلك وتَطَلُّعِي إلى الأمام، قد تقول: "ألا تَنتظرِ اليومَ الَّذي ستَتقاعَدُ فيه؟" لن أَتقاعَدَ يومًا. مِنْ ماذا؟ مِنَ الإنْجيل؟ فقد تَتَخَلَّوْنَ عَنِّي قبلَ وقتٍ طَويلٍ مِنَ استعدادي للرَّحيل. فالخِدمةُ في نَظري تَعَهُّدٌ مَدى الحياة طَالَما أنَّني لم أفقد عَقلي. والانضباطُ في هذا الوقت يبدو شيئًا ضَئيلاً عندما تُفَكِّرونَ في الرَّجاءِ في الأبديَّة. أليسَ كذلك؟ وهذا يَجْعَلُنا نَصْبِر في ضِيقاتِنا. ولا شَكَّ أنَّهُ لكي يَتمكَّنَ مِنْ مُساعَدَتِنا فإنَّهُ يَقولُ: "مُواظِبِينَ عَلَى [أوْ حَرفيًّا: مُداوِمينَ على] الصَّلاَة". فهذه هي الأشياءُ الَّتي تُحافِظُ على حياةِ الانضباطِ أوِ الحياةِ الَّتي نَعيشُها وفقًا لمعاييرِ الله. فيجب عليكَ أنْ تُواظِبَ على الصَّلاةِ قائلاً: "يا رَبّ، اجْعَلْني أمينًا دائمًا، واجعلني مُنضبِطًا دائمًا، واجعلني أَخْدِمُ دائمًا".

فاللهُ يُريدُ مِنَّا جميعًا أنْ نَحيا حياةً تُخْضِعُ الإرادةَ الذَّاتيَّة، والرَّغْباتِ الشَّخصيَّة، والعواطفَ، والنَّزْواتِ، والضُّغوطَ العالية، والعاداتِ الاجتماعيَّة للأولويَّاتِ الإلهيَّة. ويا أحبَّائي، هذا هو ما نَسعى إلى القيامِ بِهِ في خِدمةِ كنيسةِ "النعمة" (Grace Church): أنْ نَرى اللهَ يَبني شعبًا يَعْرِفُ مَعنى الحياةِ المُنضبِطَة، ويَرغبُ في إطاعةِ كلمةِ الله. وليتبارَك اسْمُهُ. فقد فَرِحْتُ طَوالَ السِّنين في كنيسةِ "غريس" لأنَّني رأيتُ ذلكَ في حياتِكُم. وهذا مَصْدَرُ فَرَحٍ لي. فأنا أَفرحُ حقًّا. وعندما أَسمعُ، كما قُلتُ لكم في السَّابق، أنَّ أطفالَنا الصِّغارَ يَشتركونَ في مُسابَقاتٍ تَختصُّ بالكِتابِ المُقَدَّسِ ويَعودونَ رَابِحينَ في كُلِّ جانبٍ مِنْ تلكَ المُسابقاتِ، فإنَّني أَفرحُ لأنَّ هذا يَعني أنَّهم يَتعلَّمونَ أنْ يُخْضِعوا رَغْباتِهم الشخصيَّة وأفكارَهُم لِسُلطانِ كلمةِ الله. وهذا يُعطي رَجاءً للجيلِ القادِم. لِذا فإنَّنا نَفرحُ في أنْ نكونَ ما يُريدُ لنا اللهُ أنْ نَكون.

إذًا، إنَّ التَّتابُعَ في النَّصِّ واضح. أليسَ كذلك؟ فيجب على المؤمن أنْ يكونَ شخصًا يَعيشُ بالطريقة التَّالية: أنْ يُحِبَّ بطهارة، وأنْ يُبْغِضَ الشَّرَّ، وأنْ يَلتصِقَ بالخير، وأنْ يُظْهِرَ مَوَدَّةً للمؤمنينَ الآخرين، وأنْ يكونَ مُتواضِعًا ويُكْرِم الآخرينَ عِوَضًا عَنْ أنْ يَنتظرَ مِنْهُم الإكرام. ويجب أنْ تكونَ خِدمَتُهُ للمسيحِ كاملة، وحماسيَّة، وبِكُلِّ قلبه، ومُلتهبة، ومُطيعة، ومُجتهِدَة. أمَّا الضِّيقاتُ الَّتي ستَنْجُمُ عن ذلك فيمكن التَّغَلُّب عليها بالرَّجاءِ القويِّ في وَعْدِ اللهِ بالمجدِ الأبديِّ. فهذا يُتيحُ للمؤمن أنْ يَحْتَمِلَ بِصَبْرٍ كُلَّ ضِيْقٍ يُواجِهُهُ بأنْ يُخْضِعَ نَفسَهُ دائمًا لإرادةِ اللهِ وبأنْ يَستودِعَ نَفسَهُ لِرعايةِ الله. فهذه هي الحياةُ المسيحيَّة.

ثُمَّ إنَّ بولسَ يَخْتِمُ هذا الجُزءَ الصَّغيرَ في الدَّائرة المُختصَّة بعائلةِ المسيح في العدد 13 بشيئَينِ آخَرَيْن. وأنا فَرِحٌ جدًّا لأنَّهُ ذَكَرَهُما: "مُشْتَرِكِينَ فِي احْتِيَاجَاتِ الْقِدِّيسِينَ، عَاكِفِينَ عَلَى إِضَافَةِ الْغُرَبَاء". فنحنُ هُنا أمامَ مَبدأينِ رَئيسيِّينِ في الحياةِ المسيحيَّة. وَهُما بسيطانِ جدًّا. ولا حاجةَ إلى أنْ نَصْرِفَ وقتًا طويلاً في الحديثِ عنهما. فهو يقولُ إنَّهُ يجب علينا أنْ نَعْكُفَ على الاشتراكِ في سَدِّ حاجاتِ القِدِّيسين. بعبارة أخرى، لاحظوا ما سأقول: فالعالَمُ يَميلُ إلى الأخذ. أمَّا المُؤمِنونَ فَيميلونَ إلى العَطاء. فهذا هو ما يَقولُهُ. فَنَهْجُ حَياتِنا لا يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ الأخْذِ، بل حَوْلَ العَطاء. حَوْلَ العَطاء. وهل تَعلمونَ مَعنى الكلمة المُستخدمة هنا؟ إنَّها كلمة جميلة "مُشْتَرِكينَ". وهي في اليونانيَّة: "كوينونيا" (koinonia) ومَعناها: شَرِكَة أو مُشارَكة أو مُقاسَمَة أو مُساهَمة. فهي كلمة تَعني: "شَرِكَة". شَرِكَة، أو اشتراك أو مُشاركة في سَدِّ حاجاتِ القِدِّيسين. وما مَعنى ذلك؟ هذا يعني أنَّني شَريكٌ معَ القِدِّيسينَ الآخرين. وإنْ كانوا بحاجة إلى شيءٍ ما، فإنَّنا شُرَكاء.

فَينبغي أنْ نُشارِكَ مَوارِدَنا بعضُنا معَ بعض. أليسَ كذلك؟ وأنا لا أَمْلِكُ أيَّ شيءٍ، بالمُناسَبة. صحيحٌ أنَّني أَمْلِكُ بعضَ المُمتلكاتِ الأرضيَّة بالمَعنى الاصْطِلاحِيِّ، ولكِنِّي لا أَمْلِكُها بالمَعنى الرُّوحيِّ. فأنا وَكيلٌ فقط عليها أمامَ الرَّبِّ. وحيثُ يوجد أُناسٌ لديهم حاجة، فإنَّ مَوارِدي لَهُم أيضًا لأنَّنا نَشتركُ بِوَصْفِنا شُركاء. فنحنُ نَشتركُ بِوَصْفِنا شُركاء. ومِنْ واجِبِنا، بوصفِنا مُؤمِنينَ، أنْ نَفعلَ ذلك. وفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الثَّاني، وَسِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الرَّابع، نَجِدُ وَصْفًا للكنيسةِ الأولى. فقد كانوا يَبيعونَ الأشياءِ الَّتي كانوا يَمْلِكونَها عندما يَحتاجُ أحدُ المُؤمِنينَ إلى شيء، ويأخذونَ المالَ الَّذي حَصَلوا عليهِ مِنْ بيعِ ذلكَ الشَّيء ويُعطونَهُ للأشخاصِ الَّذينَ لديهم حاجَة. فقد كانَ الأمرُ يَجري هكذا. وقد كانوا يَفعلونَ ذلكَ الشَّيء طَوالَ الوقت. فإنْ كانت لدى شخصٍ حاجة، كانَ أحدُ الأشخاصِ يَبيعُ ما لديه لِسَدِّ تلكَ الحاجة. ولَعَلَّكُمْ تَذكرونَ أنَّ كاتِبَ الرِّسالةِ إلى العِبرانيِّين يَقولُ في الأصحاح 13 والعدد 16 إنَّ هناكَ تَقْدِمَة يُسَرُّ بها اللهُ وهي: المُشارَكَة ... المُشارَكة. وكم أُحِبُّ ذلك! أي أنْ آخُذَ المَوارِدَ الَّتي لديَّ وأُقَدِّمَها لشخصٍ آخر.

ونَقرأُ في رسالة تيموثاوس الأولى 6: 17: "أَوْصِ الأَغْنِيَاءَ فِي الدَّهْرِ الْحَاضِرِ..." [وهذا يُشيرُ بِكُلِّ تأكيد إلينا جَميعًا، أو إلى الأغلبيَّة مِنَّا. فنحنُ نَمْلِكُ أكثرَ مِنْ أغلبيَّةِ العالَم]. "...أَوْصِهِم [في العدد 18] أَنْ يَصْنَعُوا صَلاَحًا، وَأَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فِي أَعْمَال صَالِحَةٍ، وَأَنْ يَكُونُوا أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاءِ، كُرَمَاءَ فِي التَّوْزِيع". أَلا تَجِدونَ هذا الأمرَ رائعًا؟ فهذا جُزءٌ مِنْ واجِبِ المُؤمِن: أنْ تَجْعَلَ الآخرينَ شُركاءَ لك ... أنْ تَجعلَهُم شُرَكاءَ حَتَّى إنَّ كُلَّ ما لديكَ هُوَ لهم إنْ كانت لديهم حاجة. وقد تقول: "مَهْلاً مِنْ فَضلِك. كيفَ أَعْلَمُ مَنْ ينبغي أنْ أُعطي؟" إنَّ الأمرَ بَسيطٌ جدًّا. فقد طُرِحَ على يَسوع السُّؤالَ التَّالي: "مَنْ هُوَ قَريبي؟" وقد ذَكَرَ يَسوعُ (إنْ كُنْتُم تَذكرون) قِصَّةَ الشَّخصِ الَّذي كانَ مَطروحًا أرضًا على الطَّريقِ النَّازِلَة إلى أريحا. والهَدَفُ مِنَ القِصَّة هو الآتي: قَريبُكَ هُوَ الشَّخصُ الَّذي يَضَعُهُ اللهُ في طَريقِكِ ويكونُ في حاجة". وهو لا يقولُ: "اجْمَعْ كُلَّ أموالِك، وَضَعْها في مُغَلَّف، وأرْسِلْها عَبْرَ البِحار، واطلُب مِنْ شخصٍ هُناكَ أنْ يُوَزِّعَها". بل هو يقول: "احْتَفِظْ بما لديكَ. وعندما يَضَعُ اللهُ شخصًا ما في طريقِكَ لديهِ حاجة، احْرص على سَدِّ حاجَتَه".

لقد تَناولتُ طَعامَ الغَداءِ معَ أَحَدِ الرُّعاةِ يومَ الجُمُعة، فقالَ لي: "ما رأيُكَ في مَوضوعِ الاشتراكِ في سَدِّ حاجاتِ القِدِّيسين؟" قُلتُ: "إليكَ ما أُوْمِنُ به: أنا لا أُوْمِنُ أنَّ ذلكَ يَعني أنْ تَكْتُبَ شِيْكًا بينَ الحينِ والآخر وأنْ تُرسِلَهُ إلى إحْدى هيئاتِ الإغاثَة". وأعتقد أنَّهُ لا بأسَ في قيامِنا بذلك. فنحنُ جميعًا نُبالي بشأنِ ما يحدث في أنحاءٍ مِنَ العالم حيثُ توجد مجاعات. وكنيسةُ "النعمة" تُبالي بهذه الأشياءِ أيضًا. ونحنُ لدينا هذا النَّوع مِنَ المشاريع. ولكِنَّ الاشتراكَ في حاجاتِ القِدِّيسين يعني المُؤمِنين. وما نَتحدَّثُ عنهُ هُنا هو التَّالي: عندما تَجِدُ شخصًا في طريقِكَ ولديهِ حاجة، يجب عليكَ أنْ تُلَبِّيها. وما يُدهشُني أحيانًا هو أنْ أتلقَّى اتِّصالاً هاتفيًّا يقولُ لي أَحَدُهم فيه: "أَتَدري، يا جون، أنَّ فُلانًا وفُلانًا لديهم حاجات مُلِحَّة؟ هل يمكن أنْ تُقَدِّمَ لهمُ الكنيسة بعضَ المال؟" وأنا أُجيبُ دائمًا الجَوابَ نَفسَهُ: "هل كُنْتَ تَعْلَمُ بتلكَ الحاجة؟" "أجل!". "وهل تَعتقد أنَّ الرَّبَّ رُبَّما وَضَعَ هذه الحاجة في طريقِكَ لكي تَسُدَّ أنتَ تلكَ الحاجة؟" "لا!" "حَقًّا؟" "أجل!"

فلا وُجودَ لشيء اسْمُهُ "كنيسة النعمة". بل أنتُم الكنيسة. أنتُم الكنيسة. فإنْ أخبرتُمونا أنَّ شخصًا ما لديهِ حاجة، لا بُدَّ أنْ نُقَدِّمَ لَهُ شيئًا. ولا بُدَّ أنْ نَجِدَ شخصًا آخرَ غَيرَكَ لتقديمِ هذهِ المَعونة. أو واحدًا مِنَّا. ولكنِّي أعتقد أنَّنا جَميعًا على استعدادٍ للقيامِ بذلك. ولكِنَّ النُّقطة هي أنَّني أعتقد أنَّنا بحاجة إلى أنْ نَتَعَلَّمَ هذا الجُزءَ مِنَ الحياةِ المسيحيَّة وهو أنْ نكونَ شُرَكاء. أليسَ كذلك؟ الاشتراك في سَدِّ الحاجات. وسوفَ أقولُ لكم شيئًا. مَهما فَهِمْتُ هذه الأمور، فإنَّني أشعُرُ دائمًا أنَّني لا أَفعلُ ما ينبغي أنْ أفعل. فأنا أشعُرُ دائمًا بالذَّنْب، وبالتَّقصيرِ في الشُّعورِ بحاجاتٍ ينبغي أنْ أَشْعُرَ بها. ولكِنْ يجب علينا أنْ نُدَرِّبَ أنفُسَنا على ذلك. ويجب علينا أنْ نَجْعَلَ الآخرينَ شُركاءَ لنا. وهذه هي أفضلُ طريقةٍ لفهمِ الفِكرة. فَكِّروا في الآخرينَ بِوَصفِهِم شُركاء.

ثُمَّ نَقرأُ في نهايةِ العدد 13؛ وهي النُّقطةُ الأخيرة الَّتي سنتحدَّثُ عنها في هذا المساء إذْ يقول: "عَاكِفِينَ عَلَى إِضَافَةِ الْغُرَبَاء". وهذهِ جُملة قويَّة جدًّا وتَعني حَرفيًّا: "عاكِفينَ على مَحَبَّةِ الغُرباء". عاكِفينَ على مَحَبَّةِ الغُرباء؛ لا بِتَرَدُّد، ولا بأنْ تَقولوا: "أيُّها الأخ، هل سَنَستضيفُ شخصًا آخر؟" أو "هل سيأكُل شخصٌ آخر لدينا؟ لا يُمْكِنُنا أنْ نَستمرَّ في القيامِ بذلك!" لا. بل عاكِفينَ على ذلك ... عاكِفينَ على ذلك. فلا تَفعلوا ذلكَ بِتَرَدُّد. بل: "عاكِفينَ على إضافَةِ الغُرَباء" وعلى مَحَبَّةِ الغُرباء. ولا شَكَّ أنَّكُم تَعلمونَ أنَّهُ في تلكَ الأيَّام، إنْ لم تُقيموا في منزلِ أحدِ المؤمنين، كانَ ينبغي أنْ تَنْزِلوا في نُزُلٍ وَضيع. وفي تلكَ الأيَّامِ، كُنْتَ تَحْمِلُ رُوْحَكَ بينَ كَفَّيْك. لِذا، فقد كانت هناكَ حاجة مُلِحَّة لذلك لأنَّ المؤمنينَ كانوا يَتَنَقَّلون. وقد كانوا يَفْتَحونَ بُيوتَهُم. فقد كانَ النَّاسُ في أماكِن كثيرة يَفتحونَ بُيوتَهم للمؤمِنينَ الجَوَّالين والوُعَّاظِ الجَوَّالين لأنَّ هذا هو أفضلُ مَكانٍ يُمْكِنُهُمْ أنْ يُقيموا فيه. لِذا فإنَّ العهدَ الجديدَ يَحوي الكثيرَ جِدًّا مِنْ هذه الوصايا.

فنحنُ نَقرأُ في رسالة تِيطُس والأصحاح الأوَّل أنَّ الشَّيخَ ينبغي أنْ يكونَ مُحِبًّا للضِّيافة، لا مُتَرَدِّدًا في إضافةِ الغُرباء، بل مُحِبًّا لإظهارِ الحُبِّ للغُرباء. فيجب أنْ يُحِبَّ ذلك، وأنْ يَرغبَ في ذلك، وأنْ يُشارِكَ كُلَّ ما لَديه. ونَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 4: 9: "كُونُوا مُضِيفِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِلاَ دَمْدَمَةٍ". وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الافتراضَ هو أنَّ الأمرَ لن يكونَ دائمًا سَهلًا بالنِّسبةِ إلينا. لِذا فإنَّهُ يقول: "افعلوا ذلكَ بِلا دَمْدَمَة". افعلوا ذلكَ بِحَماسَة. وَاعْكُفوا على القِيامِ بذلك. ويجب على الشَّيخِ أنْ يكونَ مُحِبًّا للضِّيافة. فكما تَعلمون، قد نَفعلُ ذلك لأنَّهُ ليسَ لدينا خِيارٌ آخر. ولكِنْ يجب علينا أنْ نُحِبَّ القِيامَ بذلك. ويجب علينا أنْ نَتوقَ إلى ذلك. ويجب علينا أنْ نكونَ أسْخياءَ مَعَ الضِّيوف، وأنْ نُقَدِّمَ لهم أفضلَ ما لدينا، وأنْ نُشارِكَ مَحَبَّتَنا معهم.

ونحنُ نَقرأُ في رسالة تيموثاوس الثَّانية والأصحاحِ الأوَّل أنَّ بولسَ يَقول: "لِيُعْطِ الرَّبُّ رَحْمَةً لِبَيْتِ أُنِيسِيفُورُسَ، لأَنَّهُ مِرَارًا كَثِيرَةً أَرَاحَنِي وَلَمْ يَخْجَلْ بِسِلْسِلَتِي، بَلْ لَمَّا كَانَ فِي رُومِيَةَ، طَلَبَنِي بِأَوْفَرِ اجْتِهَادٍ فَوَجَدَنِي. لِيُعْطِهِ الرَّبُّ أَنْ يَجِدَ رَحْمَةً مِنَ الرَّبِّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ. وَكُلُّ مَا كَانَ يَخْدِمُ فِي أَفَسُسَ أَنْتَ تَعْرِفُهُ جَيِّدًا". فيا لَهُ مِنْ شخصٍ عَزيز! فقد كانَ بَيْتُهُ يَخْدِمُ حاجاتِ بولُس. فقد كانَتْ هُناكَ ضِيافَة سَخِيَّة ورائعة. وهذا جُزءٌ مِنْ واجِباتِنا المسيحيَّة. فهي شيءٌ عَمليٌّ جدًّا.

وهل تَذكرونَ ما جاءَ في إنجيل لوقا والأصحاح 14 إذْ يَقولُ يسوعُ: "إنْ أرَدْتَ أنْ تُقيمَ وَليمَةً، لا تَدْعو أصدقاءَكَ"؟ بل ادْعُ المُعاقينَ والمَنبوذينَ واسْتَضِفْهُم لأنَّ بقيَّةَ الأشخاصِ يَتَلَقَّوْنَ الدَّعوةَ دائمًا. لِذا، عليكَ أنْ تَدعو الأشخاصَ الَّذينَ لا يَتَلَقَّوْنَ الدَّعوة عادَةً. وهذه نُقطة مِنَ الجَيِّدِ أنْ نُفَكِّرَ فيها. أليسَ كذلك؟ ولا سِيَّما في وَقْتِ العُطْلَةِ هذا؟ وهذا يَسْري علينا جميعًا. تَعَلَّمْ أنْ تُدَرِّبَ نَفسَكَ في حياتِكَ على حقيقةِ أنَّ كُلَّ شخصٍ يَنتمي إلى عائلةِ المسيح هوَ، بِمَعنى مِنَ المَعاني، شَريك. وإنْ كانت لديهم حاجة، يجب عليكَ أنْ تَشترِك في سَدِّ حاجاتهم. فما لَديكَ هو ليسَ لَك، بل هو لَنا جميعًا بهذا المَعنى. وَتَعَلَّمْ أنْ تُدَرِّبَ نَفسَكَ على رُوحِ المحبَّة تُجاهَ أولئكَ الَّذينَ هُمْ ليسوا في دائِرَتِكَ الدَّاخليَّة أو عائِلَتِكَ أو أصدقائِكَ، وأنْ تَستضيفَهُم بحماسةٍ وشوق، بِلا دَمْدَمَة، وأنْ تُحِبَّ القيامَ بذلك. فهذا هو مَعنى أنْ تقومَ بواجباتِكَ المسيحيَّة. ولكِنْ لكي تَلْتَزِم بهذه الأشياء، ينبغي أنْ تكونَ مُنْضَبِطًا لكي تَفعلَ الأشياءَ الَّتي تَعلمُ أنَّ اللهَ يُريدُ مِنْكَ أنْ تَفعلَها. ويا ليتَ اللهَ يُساعِدُنا على أنْ نَعيشَ هذا النَّوعَ مِنَ الحياةِ المُنضبِطَة الَّتي تَجْعَلُنا نَتَشَوَّقُ وَنَتوقُ إلى تَطبيقِ مَعاييرِ كلمةِ اللهِ، وتَجْعَلُنا نَحيا بِموجَبِها بِفَرَحٍ وَامْتِنان.

في المَرَّة القادمة، سوفَ نَتأمَّلُ في المَرحلتين الثَّالثة والرَّابعة مِنَ الدَّائرة في هذا المقطع. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي. اصْرِفْ بِضْعَ لَحَظاتٍ في صَلاةٍ صامِتَة. أَلا فَعَلْتَ ذلكَ في هذا المساء؟ واطلُب مِنْ رُوحِ اللهِ أنْ يُرَسِّخَ بعضَ الأشياءِ في قلبِك. فأنا أَعلمُ أنَّ الرَّبَّ قد كَلَّمَني كما يَفعل دائمًا في أثناءِ تَعليمِ كلمةِ الله. ورُبَّما كَلَّمَكَ بطريقة خاصَّة جدًّا أنتَ أيضًا بخصوصِ بعضِ الأشياءِ الموجودة في حياتِكَ والتي تَحتاجُ إلى التَّغيير. رُبَّما بعضُ المواقف، أو بعض الجوانب الَّتي ليست تحتَ السَّيطرة حَتَّى تَصيرَ ذلكَ المُؤمِنَ المُنْضَبِطَ الَّذي يَحيا حَقًّا حَياةً تُمَجِّدُ الرَّبَّ. فقط اصْرِف بِضْعَ لَحَظاتٍ في الصَّلاة، وَتَعَهَّد بذلك.

يا أبانا، نَشكُرُكَ على الشَّرِكَةِ الَّتي تَمَتَّعنا بها في هذا المساء. ويا لَها مِنْ أُمسية رائعة إذْ رأينا هذه الحياة الجديدة وهؤلاءِ المَواليدِ الجُدُد. ونحنُ نُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ يَنْشَأوا ويَتَعَلَّموا الانْضباطَ في حياتِهِمْ مَعَ الرَّبّ. ونُصَلِّي أنْ نَبتدئَ جميعًا في السَّيطرة على بعضِ الجوانبِ مِنْ حياتِنا، وأنْ نَعيشَ بطريقةٍ تُمَجِّدُك، وأنْ نَكونَ شَعْبًا مَعروفًا بشيءٍ واحد: لا أنْ نَكونَ مُنْجَرِفينَ وَراءَ العالَمِ مِنْ حولِنا، ولا وراءَ العاداتِ الاجتماعيَّة، ولا وراءَ الضَّغْطِ العالي، ولا وراءَ الرَّغْباتِ والعواطِف، بل بِقِيامِنا بما هو صواب لأنَّنا تَعَلَّمْنا الانضباط. وهذا لا يعني فقط أنَّنا دَرَّبْنا أنفُسَنا على بعضِ العاداتِ البَشريَّة، بل بأنْ نَخْضَعَ للرُّوحِ القُدُس. فهذا هو شوقُ قُلوبِنا. نُصَلِّي باسْمِ المسيح. آمين.

أَوَدُّ أنْ أُشارِكَ شيئًا مَعَكُمْ قبلَ أنْ تُغادِروا. وأريدُ منكم أنْ تَستمعوا بعناية شديدة لأنَّي سأَجْمَعُ كُلَّ أجزاءِ هذه الرِّسالة معًا. وأودُّ أنْ يكونَ هذا الكلامُ جُزءًا مِنَ التَّسجيلِ وكُلِّ شيءٍ لأنِّي أعتقد أنَّهُ مُهِمّ. فأنا أَعلمُ أنَّنا جميعًا نَرغبُ في أنْ نكونَ مُنْضَبِطين. وقد قَدَّمْتُ لكم بعضَ المبادئ الَّتي يمكننا أنْ نَستخدِمَها لِضَبْطِ أنْفُسِنا. ولكنِّي كنتُ أقرأُ في هذا الأسبوعِ كِتابًا أعتقدُ أنَّهُ مُفيدٌ جدًّا كَتَبَهُ "أوزوالد ساندرز" (Oswald Sanders)، وَهُوَ كِتابٌ صَغيرٌ بعُنوان: "التَّمَتَّعُ بعلاقةٍ حَميمةٍ معَ الله" (Enjoying Intimacy with God). وهو يُقَدِّمُ فِكرةً ينبغي حَقًّا أنْ تُذْكَر للحِفاظِ على التَّوازُن لأنِّي قَدَّمْتُ لكم بعضَ الأشياءِ العَمليَّة. ولكِن هناكَ شيئًا لا بُدَّ أنْ نَفهَمَه: إنْ أرَدنا أنْ نَحيا حَياةً مُنضبِطَة، فإنَّ المَسألةَ لا تتوقَّفُ فقط على اكتسابِ بعضِ العاداتِ الجَيِّدة، بل تَتوقَّفُ على الاتِّكالِ على رُوحِ الله. أليسَ كذلك؟

اسمعوا ما يَقول: "عندما انطلقَ ’يوليسيس‘ (Ulysses) ورِجالُهُ في رِحْلَتِهِم للغَزْو، حَذَّرَتْهُمْ ’سيرسي‘ (Circe) بأنْ يَتَجَنَّبوا غِناءَ حُوريَّاتِ البَحْرِ بِشَتَّى السُّبُل". وهذه أُسطورة إغريقيَّة. "فقد قالت لهم إنَّ أصواتَهُنَّ بَديعة، ولكنَّها تَقْتُلُ كُلَّ مَنْ يتوقَّفُ للاستماعِ إليها. فالأشخاصُ البائسونَ الَّذينَ سيَستمعونَ إلى غِنائِهِنَّ سيَتَجمَّدونَ ويصيرونَ شَجَرة، ولن يتمكَّنوا مِنْ إنقاذِ أنفُسِهِم إلى أنْ يَموتوا جُوْعًا. "ليملأ كُلُّ واحِدٍ أُذُنَيْ رَفيقِهِ بالشَّمْع". فهذا هو ما قَالَتْهُ ليوليسيس. "وإنْ أرَدْتَ أنتَ نَفسَكَ أنْ تَستمعَ إلى غِنائِهِنَّ، اطلُب أوَّلاً مِنْ رِجالِكَ أنْ يَرْبُطوكَ بإحْكامٍ إلى صَاري السَّفينة‘. وقد استمعَ يوليسيس إلى نَصيحَتِها. فقد قالَ لِرِجالِهِ: "إنْ أَغْواني اللَّحْنُ، آمُرُكُمْ أنْ تَعْصُوا كلامي وأنْ تَتَشَبَّثوا أكثر بِمَجاذيفِكُم‘. وقد طَالَ اسْتِماعُ يوليسيس إلى الألحانِ الجَميلةِ الَّتي سَلَبَتْ عَقْلَهُ، وتَفَوَّقَتْ على جَسَدِهِ، وَأَخْضَعَتْ إرادَتَهُ. وكُلَّما زادت حَلاوةُ المُوسيقا وطَلاوَتُها، تَناقَصَ حَنينُ يوليسيس إلى الوَطَن. وقد قاوَمَ كَثيرًا شُعُورَهُ بالعار، ولكِنَّهُ رَضَخَ أخيرًا إلى غِناءِ حُوريَّاتِ البحر. وقد تَوَسَّلَ إلى جُنودِهِ قائلاً: ’أَطْلِقوني واتركوني أبقى معَ الحُوريَّات‘. وقد راحَ يُهَدِّدُهُم ويَتوَعَّدُهم. وقد وَعَدَ رِجالَهُ بجِبالٍ مِنَ الذَّهب وراحَ يُشيرُ إليهم بِيَدَيْه وَيُوْمِئُ إليهم لأنَّهم لم يكونوا يَسمعونَ ما يَقول بسببِ الشَّمْعِ الَّذي وَضَعَهُ في آذانِهم. وِكُلُّ ما فَعَلَهُ رِجالُهُ هو أنَّهُمْ شَدُّوا الحِبالَ أكثر. وقد غَضِبَ وَصاحَ بسببِ قُيودِه. وقد تألَّمَ كثيرًا لأنَّهُم ابتعدوا عنِ المكان. ولكنَّهُمْ لم يَحُلُّوه إلَّا بعدَ أنِ اختفى آخِرُ لَحْنٍ مُوسيقيّ. وهكذا فقد اجتازَ طَريقَ التَّجربة. وقد انطلقَ "جيسون" [Jason] ورِجالُهُ المُغامِرون للبحثِ عنِ الصُّوفِ الذَّهبيّ. وكانَتْ السَّاحرة "ميديا" [Medea] قد حَذَّرَتْ جيسون ورِجالَهُ مِنْ خُطورةِ نفسِ حُوريَّاتِ البحر. وحينَ ابتدأوا بِسَماع أصواتِها العَذبة، رَأَوْا مِنْ حولِهِم الشَّاطِئَ الَّذي تَبَعْثَرَتْ عليهِ عِظامُ الأشخاصِ الَّذينَ استسلَموا لألحانِها العَذبة. وعلى مَتْنِ القارب، كانَ هُناكَ أورفيوس [Orpheus]، قائدُ المُنْشِدين. فقال: ’لِنَرى إنْ كُنَّ يَسْتَطِعْنَ أنْ يَتَفَوَّقْنَ على غِنائي بِأغانيهِنَّ‘. فقد تَحَدَّى الحُوريَّاتِ الثَّلاثَ اللَّاتي كانَ بمقدورهم أنْ يَروهنَّ، واللَّاتي تَرَقْرَقَتْ أصواتُهُنَّ الجَميلة على المياهِ العَذبةِ الَّتي يَنْعَكِسُ عليها ضَوْءُ القَمر، جاذِبَةً إليها البَحَّارة. وكانت طُيورُ النَّورَس تَصْطَفُّ بأعدادٍ كبيرة، وأسرابُ السَّمَكِ جاءت لِتَستمِع. وقد سَقَطَتْ مَجاذيفُ مُغامِري جيسون مِنْ أيديهم الَّتي أَصابَها الخَدَر. وقد تَرَكوا رُؤوسَهُم تَتَدَلَّى وأَغْلَقوا أعْيُنَهُمْ النَّاعِسَة. ثُمَّ صَرَخَتْ "ميديا" على "أورفيوس": ’غَنِّ بصوتٍ أعلى وأَيْقِظْ هؤلاءِ النِّيام‘. فَضَرَبَ أورفيوس بِيَدِهِ البارعة على أوتارِ قِيثارَتِه فَصَدَحَتِ المُوسيقا كَبوق. وقد اخترقَتِ الموسيقا نُفوسَ الرِّجالِ المَسحورين فَاْنَتَعَشتْ أرواحُهم. وقدِ استمرَّ أورفيوس في الغناءِ والغِناءِ إلى أنْ طَغى صَوْتُهُ تَمامًا على صَوْتِ الحُوريَّات. ومَرَّةً أخرى، أَمْسَكَ البَحَّارة المُغامِرونَ بِمَجاذيفِهم، وَأَبْحَرَ جيسون ورِجالُهُ مُحَقِّقينَ النَّصْر. وقد صَاحوا قائِلين: ’غَنِّ تلك الأُغنية مَرَّةً أُخرى يا أورفيوس‘. ’غَنِّ تلك الأُغنية مَرَّةً أُخرى‘".

ثُمَّ إنَّ ساندرز يقول: "إنَّ هاتينِ القِصَتَيْن تُبَيِّنان بِقُوَّة الطَّريقَتينِ الوحيدَتَيْنِ المُتاحَتَيْن لتحقيقِ النُّصرة على شَهَواتِ الجسد. الأولى هي طريقةُ الرَّدْعِ والمَنْع. فَهُما تُساعِدان قليلاً وَنافِعتان. فقد كانَ يوليسيس مُقَيَّدًا. ولولا ذلك لاستَسلمَ لِشَهواتِ قلبِه. فقد وَضَعَ رِجالُهُ شَمْعًا في آذانِهم. ولولا ذلك لاستسلموا هُمْ أيضًا. ولكِنَّ الحقيقةَ الَّتي لا جِدالَ فيها هي أنَّكَ إنْ رَكَّزْتَ ذِهْنَكَ فقط على رَغَباتِ الجسد لكي تُحارِبْها، فإنَّكَ تَزيدُ وَحَسْب مِنْ قُوَّةِ تلكَ الرَّغْبات. وَلكِنَّ مُوسيقا أورفيوس كانت أفضل مِنْ شَمْعِ أوليسيس. فبوجودِ أورفيوس السَّماويّ على مَتْنِ سَفينَتِنا، واستماعِنا إلى ألْحانِهِ السَّماويَّة، فإنَّ أصْواتَ الحُوريَّاتِ تَفْقِدُ قُوَّتَها فَتَتَحَرَّرُ نُفوسُنا". أليسَ هذا المَثَلُ التَّوضيحيُّ رائعًا؟

فَأنْ نَخْضَعَ لِقُوَّةِ رُوحِ اللهِ هو أفضل جِدًّا مِنْ أنْ تَكونَ لدينا لائحة بالنَّواهي. أليسَ كذلك؟ فالنَّواهي تُساعِدُنا. ولكِنْ إنْ صَرَفْنا كُلَّ وَقْتِنا في التَّركيزِ على الأشياءِ الَّتي لا يَجوزُ لنا أنْ نَفعَلَها، فإنَّ كُلَّ ما سَيَحْدُثُ هو أنَّ رَغْباتِنا ستَزيد. أمَّا إذا استمعنا إلى موسيقا الرُّوحِ القُدُسِ العَذبة، فإنَّها سَتُخْمِدُ أصواتَ التَّجارِب. وأرجو أنْ يُساعِدَكُم ذلك. دَعونا نَقِفُ معًا في صَلاةٍ خِتاميَّة:

نَشْكُرُكَ، يا أبانا، على هذا اليومِ الرَّائعِ الَّذي استمتَعنا فيه. نُبارِكُكَ. اجْعَلْنا الشَّعبَ الَّذي تُريدُ مِنَّا أنْ نَكون. باسْمِ المَسيح. وَالجَميعُ يَقولون: "آمين".

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize